الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 37 الصافات > الآيات ٢٧-٤٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الإنْسُ عَلى الشَّياطِينِ.
والثّانِي: الأتْباعُ عَلى الرُّؤَساءِ ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ تَساؤُلُ تَوْبِيخٍ وتَأْنِيبٍ ولَوْمٍ، فَيَقُولُ الأتْباعُ لِلرُّؤَساءِ: [لِمَ] غَرَّرْتُمُونا؟
ويَقُولُ الرُّؤَساءُ: لِمَ قَبِلْتُمْ مِنّا؟
فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ قالُوا ﴾ يُعْنى الأتْباعُ لِلْمَتْبُوعِينَ ﴿ إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: كُنْتُمْ تَقْهَرُونَنا بِقُدْرَتِكم عَلَيْنا، لِأنَّكم كُنْتُمْ أعَزَّ مِنّا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مِن قِبَلِ الدِّينِ فَتُضِلُّونا عَنْهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: تَأْتُونَنا مِن قِبَلِ الدِّينِ فَتَخْدَعُونا بِأقْوى الأسْبابِ.
والثّالِثُ: كُنْتُمْ تُوَثِّقُونَ ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ بِأيْمانِكُمْ، فَتَأْتُونَنا مِن قِبَلِ الأيْمانِ الَّتِي تَحْلِفُونَها، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
فَيَقُولُ المَتْبُوعُونَ لَهُمْ: ﴿ بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: لَمْ تَكُونُوا عَلى حَقٍّ فَنُضِلُّكم عَنْهُ إنَّما الكُفْرُ مِن قِبَلِكم.
﴿ وَما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القَهْرُ.
والثّانِي: الحُجَّةُ.
فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ: وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن قُوَّةٍ نَقْهَرُكم بِها.
وَنُكْرِهْكم عَلى مُتابَعَتِنا، وعَلى الثّانِي: لَمْ نَأْتِكم بِحُجَّةٍ عَلى ما دَعَوْناكم إلَيْهِ كَما أتَتِ الرُّسُلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا ﴾ أيْ: فَوَجَبَتْ عَلَيْنا كَلِمَةُ العَذابِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ ﴾ ﴿ إنّا لَذائِقُونَ ﴾ العَذابَ جَمِيعًا نَحْنُ وأنْتُمْ، ﴿ فَأغْوَيْناكُمْ ﴾ أيْ، أضْلَلْناكم عَنِ الهُدى بِدُعائِكم إلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ إنّا كُنّا غاوِينَ ﴾ .
ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ الأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ ، والمُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ، ﴿ إنَّهم كانُوا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ ﴾ أيْ: قُولُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ ﴿ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أيْ: يَتَعَظَّمُونَ عَنْ قَوْلِها، ﴿ وَيَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا ﴾ المَعْنى: أنَتْرُكُ عِبادَةَ آَلِهَتِنا ﴿ لِشاعِرٍ ﴾ أيْ: لِاتِّباعِ شاعِرٍ؟!
يَعْنُونَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ بَلْ ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا، بَلْ ﴿ جاءَ بِالحَقِّ ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والقُرْآَنُ، ﴿ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ ﴾ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ؛ والمَعْنى أنَّهُ أتى بِما أتَوْا بِهِ.
ثُمَّ خاطَبَ المُشْرِكِينَ بِما يَعِدُ هَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّكم لَذاهِبُونَ إلّا زَيْدًا.
وفي ما اسْتَثْناهم مِنهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مِنَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، فالمَعْنى: إنّا لا نُؤاخِذُهم بِسُوءِ أعْمالِهِمْ، بَلْ نَغْفِرُ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: مِن دُونِ العَذابِ؛ فالمَعْنى: فَإنَّهم لا يَذُوقُونَ العَذابَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الجَنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ الرِّزْقُ في الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
فَعَلى هَذا، في مَعْنى "مَعْلُومٍ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمِقْدارِ الغَداةِ والعَشِيِّ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: أنَّهم حِينَ يَشْتَهُونَهُ يُؤْتَوْنَ بِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ الرِّزْقِ فَقالَ: ﴿ فَواكِهُ ﴾ \[وَهِيَ جُمَعُ فاكِهَةٍ\] وهي الثِّمارُ كُلُّها، رُطَبُها ويابِسُها ﴿ وَهم مُكْرَمُونَ ﴾ بِما أعْطاهُمُ اللَّهُ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الحِجْرِ: ٤٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ ذُكِرَتْ في القُرْآَنِ، فَإنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ، [قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكَأْسُ: الإناءُ بِما فِيهِ، والمُعَيَّنُ: الماءُ الطّاهِرُ الجارِي.
قالَ الزَّجّاجُ: الكَأْسُ: الإناءُ الَّذِي فِيهِ الخَمْرُ]، ويَقَعُ الكَأْسُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَعَ شَرابِهِ، فَإنْ كانَ فارِغًا فَلَيْسَ بِكَأْسٍ.
والمُعَيَّنُ: الخَمْرُ تَجْرِي كَما يَجْرِي الماءُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ العُيُونِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَيْضاءَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالكَأْسِ الخَمْرَ، أنَّهُ قالَ: "بَيْضاءَ"، فَأنَّثَ، ولَوْ أرادَ الإناءَ عَلى انْفِرادِهِ، أوِ الإناءَ والخَمْرَ، لَقالَ: أبْيَضُ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ: "بَيْضاءَ" الكَأْسَ، ولِتَأْنِيثِ الكَأْسِ أُنِّثَتِ البَيْضاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَذَّةٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَذِيذَةً، يُقالُ: شَرابُ لِذاذٌ: إذا كانَ طَيِّبًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ.
﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: لَيْسَ فِيها صُداعٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لَيْسَ فِيها وجَعُ بَطْنٍ، [رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ] .
والثّالِثُ: لَيْسَ فِيها صُداعُ رَأْسٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: لَيْسَ فِيها أذًى ولا مَكْرُوهٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والخامِسُ: لا تَغْتالُ عُقُولَهُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَغْتالُ عُقُولَهم فَتَذْهَبُ بِها ولا يُصِيبُهم مِنها وجَعٌ.
والسّادِسُ: لَيْسَ فِيها إثْمٌ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
والسّابِعُ: لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الآَفاتِ، لِأنَّ كُلَّ مَن نالَهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الآَفاتِ، قِيلَ: قَدْ غالَتْهُ غَوْلٌ، فالصَّوابُ أنَّ يَكُونَ نَفْيُ الغَوْلِ عَنْها يَعُمُّ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ، هَذا اخْتِيارُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هم عَنْها يُنْزَفُونَ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِ الزّايِ هاهُنا وفي [الواقِعَةِ: ١٩] .
وفَتَحَ عاصِمٌ الزّايَ هاهُنا، وكَسَرَها في [الواقِعَةِ: ١٩] .
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، .
وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ الزّايِ في السُّورَتَيْنِ.
قالَ الفَرّاءُ: فَمَنَ فَتَحَ، فالمَعْنى: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِشُرْبِها.
يُقالُ لِلسَّكْرانِ: نَزِيفٌ ومَنزُوفٌ؛ "وَمَن" كَسَرَ، فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: لا يُنْفِدُونَ شَرابَهُمْ، أيْ: هو دائِمٌ أبَدًا.
والثّانِي: لا يَسْكَرُونَ، قالَ الشّاعِرُ: لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آَلَ أبْجَرا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُنَّ النِّساءُ قَدْ قَصَرْنَ طَرْفُهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ فَلا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ.
وأصْلُ القَصْرِ: الحَبْسُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المَرْأةَ مِنهُنَّ لَتَقُولُ لِزَوْجِها: وعِزَّةُ رَبِّي ما أرى في الجَنَّةِ شَيْئًا أحْسَنَ مِنكَ، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي زَوْجَكَ وجَعَلَكَ زَوْجِيَ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ قَدْ قَصَرْنَ طَرْفَ الأزْواجِ عَنْ غَيْرِهِنَّ، لِكَمالِ حُسْنِهِنَّ، سَمِعْتُهُ مِنَ الشَّيْخِ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ الخَشّابِ النَّحْوِيِّ.
وَفِي العَيْنِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: حِسانُ العُيُونِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: عِظامُ الأعْيُنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: كِبارُ العُيُونِ حِسانُها، وواحِدَتُهُنَّ عَيْناءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ في المُرادِ بِالبَيْضِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللُّؤْلُؤُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: بَيْضُ النَّعامِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، والزَّجّاجُ.
قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: والعَرَبُ تُشْبِهُ المَرْأةَ الحَسْناءَ في بَياضِها وحُسْنُ لَوْنِها بَيْضَةُ النَّعامَةِ، وهو أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وهو أنْ تَكُونَ المَرْأةُ بَيْضاءَ مُشَرَّبَةً صُفْرَةً.
والثّالِثُ: أنَّهُ البَيْضُ حِينَ يُقَشَّرُ قَبْلَ أنْ تَمَسَّهُ الأيْدِي، قالَهُ السُّدِّيُّ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
فَأمّا المَكْنُونُ، فَهو المَصُونُ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: هو مَكْنُونٌ في صَدَفِهِ، وعَلى الثّانِي: هو مَكْنُونٌ بِرِيشِ النَّعامِ، وعَلى الثّالِثُ: هو مَكْنُونٌ بِقِشْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"