الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 37 الصافات > الآيات ٨٣-١٠١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ ﴾ أيْ: مِن أهْلِ دِينِهِ ومِلَّتِهِ.
والهاءُ في "شِيعَتِهِ" عائِدَةٌ عَلى نُوحٍ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: تَعُودُ إلى مُحَمَّدٍ ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ مِن شِيعَتِهِ، وهو قَبْلَهُ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ ، فَجَعَلَها ذُرِّيَّتَهم وقَدْ سَبَقَتْهُمْ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا فِيما مَضى [يس: ٤١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ جاءَ رَبَّهُ ﴾ أيْ: صَدَقَ اللَّهُ وآَمَنَ بِهِ ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وكُلُّ دَنَسٍ، وفِيهِ أقْوالٌ ذَكَرْناها في [الشُّعَراءِ: ٨٩] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماذا تَعْبُدُونَ ﴾ ؟
هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، كَأنَّهُ وبَّخَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.
﴿ أإفْكًا ﴾ أيْ: أتَأْفِكُونَ إفْكًا وتَعْبُدُونَ آَلِهَةً سِوى اللَّهِ؟!
﴿ فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ إذا لَقِيتُمُوهُ وقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ؟!
كَأنَّهُ قالَ: فَما ظَنُّكم أنْ يَصْنَعَ بِكُمْ؟
﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] نَظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ، وكانَ القَوْمُ يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ، فَعامَلَهم مِن حَيْثُ هُمْ، وأراهم أنِّي أعْلَمُ مِن ذَلِكَ ما تَعْلَمُونَ، لِئَلّا يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: رَأى نَجْمًا طالِعًا، فَقالَ: إنِّي مَرِيضٌ غَدًا.
والثّانِي: أنَّهُ نَظَرَ إلى النُّجُومِ، لا في عِلْمِها.
فَإنْ قِيلَ: فَما كانَ مَقْصُودُهُ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ كانَ لَهم عِيدٌ، فَأرادَ التَّخَلُّفَ عَنْهم لِيَكِيدَ أصْناهُمْ، فاعْتَلَّ بِهَذا القَوْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ.
ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: سَأسْقُمُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أعْلَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يَمْتَحِنُهُ بِالسَّقَمِ إذا طَلَعَ نَجْمٌ يَعْرِفُهُ، فَلَمّا رَأى النَّجْمَ، عَلِمَ أنَّهُ سَيَسْقُمُ.
والثّانِي: أنِّي سَقِيمُ القَلْبِ عَلَيْكم إذْ تَكَهَّنْتُمْ بِنُجُومٍ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ سَقَمٌ لِعِلَّةٍ عَرَضَتْ لَهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وذَكَرَ السُّدِّيُّ أنَّهُ خَرَجَ مَعَهم إلى يَوْمِ عِيدِهِمْ، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، ألْقى نَفْسَهُ وقالَ: إنِّي سَقِيمٌ أشْتَكِي رِجْلِي، ﴿ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴾ ﴿ فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ ﴾ أيْ: مالَ إلَيْها -وَكانُوا قَدْ جَعَلُوا بَيْنَ يَدَيْها طَعامًا لِتُبارِكَ فِيهِ عَلى زَعْمِهِمْ- ﴿ فَقالَ ﴾ إبْراهِيمُ اسْتِهْزاءً بِها ﴿ ألا تَأْكُلُونَ ﴾ ؟
.
وَقَوْلُهُ: ﴿ ضَرْبًا بِاليَمِينِ ﴾ في اليَمِينِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّها اليَدُ اليُمْنى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: بِالقُوَّةِ والقُدْرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، والفَرّاءُ.
والثّالِثُ: بِاليَمِينِ الَّتِي سَبَقَتْ مِنهُ، وهي قَوْلُهُ: "وَتاللَّهِ لِأكِيدَنَّ أصْنامَكم " [الأنْبِياءِ: ٥٧]، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: "ضَرْبًا" مَصْدَرٌ؛ والمَعْنى: فَمالَ عَلى الأصْنامِ يَضْرِبُها ضَرْبًا بِاليَمِينِ؛ وإنَّما قالَ: "عَلَيْهِمْ"، وهي أصْنامٌ، لِأنَّهم جَعَلُوها بِمَنزِلَةِ ما يُمَيِّزُ.
﴿ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "يَزُفُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتَشْدِيدِ الفاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "يَزُفُّونَ" بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتَشْدِيدِ الفاءِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والضَّحّاكُ: "يَزُفُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتَخْفِيفِ الفاءِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو نَهْيِكٍ: "يَزُفُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الزّايِ وتَخْفِيفِ الفاءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أعْرَبُ القِراءاتِ فَتْحُ الياءِ وتَشْدِيدُ الفاءِ، وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامِ، وهو ابْتِداءُ عَدُوُّ النَّعامِ، يُقالُ: زَفَّ النَّعامَ يَزِفُّ؛ وأمّا ضَمُّ الياءِ، فَمَعْناهُ: يَصِيرُونَ إلى الزَّفِيفِ، وأنْشَدُوا: [تَمَنّى حَصِينٌ أنْ يَسُودَ جِذاعَهُ] فَأضْحى حَصِينٌ قَدْ أذَلَّ وأقْهَرا أيْ: صارَ إلى القَهْرِ.
وأمّا كَسْرُ الزّايِ مَعَ تَخْفِيفِ الفاءِ، فَهو مِن: وزُفَّ يَزُفُّ، بِمَعْنى أسْرَعَ يُسْرِعُ، ولَمْ يَعْرِفْهُ الكِسائِيُّ ولا الفَرّاءُ، وعَرَفَهُ غَيْرُهُما.
قالَ المُفَسِّرُونَ: بَلَّغَهم ما صَنَعَ إبْراهِيمُ، فَأسْرَعُوا، فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْهِ، قالَ لَهم مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ: ﴿ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ﴾ بِأيْدِيكم ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ ﴾ ؟!، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في "ما" وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى المَصْدَرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: واللَّهُ خَلَقَكم و[عَمَلَكم.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"، فَيَكُونُ المَعْنى: واللَّهُ خَلَقَكُمْ] وخَلْقَ الَّذِي تَعْمَلُونَهُ بِأيْدِيكم مِنَ الأصْنامِ؛ وفي هَذِهِ الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ [لِلَّهِ] .
فَلَمّا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ ﴿ قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا ﴾ وقَدْ شَرَحْنا قِصَّتَهُ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٥٢ -٧٤]، وبَيَّنّا مَعْنى الجَحِيمِ في [البَقَرَةِ: ١١٩]، والكَيْدِ الَّذِي أرادُوا بِهِ: إحْراقَهُ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ ﴾ أنَّ إبْراهِيمَ عَلاهم بِالحُجَّةِ حَيْثُ سَلَّمَهُ اللَّهُ مِن كَيْدِهِمْ وحَلَّ الهَلاكُ بِهِمْ.
﴿ وَقالَ ﴾ يَعْنِي إبْراهِيمَ ﴿ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي ﴾ في هَذا الذِّهابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ذاهِبُ حَقِيقَةً، وفي وقْتِ قَوْلِهِ هَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ حِينَ أرادَ هِجْرَةَ قَوْمِهِ؛ فالمَعْنى: إنِّي ذاهِبٌ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وجَلَّ ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي، وهو الشّامُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ، قالَهُ سُلَيْمانُ بْنُ صُرَدٍ؛ فَعَلى هَذا، في المَعْنى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ذاهِبٌ إلى اللَّهِ بِالمَوْتِ، سَيَهْدِينِ إلى الجَنَّةِ.
والثّانِي: [ذاهِبٌ] إلى ما قَضى [بِهِ] رَبِّي، سَيَهْدِينِ إلى الخَلاصِ مِنَ النّارِ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي بِقَلْبِي وعَمَلِي ونِيَّتِي، قالَهُ قَتادَةُ.
فَلَمّا قَدِمَ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، سَألَ رَبَّهُ الوَلَدَ فَقالَ: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: ولَدًا صالِحًا مِنَ الصّالِحِينَ، فاجْتَزَأ بِما ذَكَرَ عَمّا تَرَكَ، ومِثْلُهُ: ﴿ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ ﴾ ، فاسْتَجابَ لَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ إسْحاقُ.
والثّانِي: أنَّهُ إسْماعِيلُ.
قالَ الزَّجّاجُ.
هَذِهِ البِشارَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُبَشَّرٌ بِابْنٍ ذِكْرٍ، وأنَّهُ يَبْقى حَتّى يَنْتَهِيَ في السِّنِّ ويُوَصَفُ بِالحِلْمِ.
<div class="verse-tafsir"