الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 6 الأنعام > الآية ٥٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ «رَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ في سِتَّةِ: فِيَّ، وفي ابْنِ مَسْعُودٍ، وصُهَيْبٍ، وعَمّارٍ، والمِقْدادِ، وبِلالٍ، قالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ : إنّا لا نَرْضى أنْ نَكُونَ أتْباعًا لَهَؤُلاءِ، فاطْرُدْهم عَنْكَ.
فَدَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ مِن ذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدْخُلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ» «وَقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَزَلَتْ فِينا، كُنّا ضُعَفاءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ، يُعَلِّمُنا بِالغَداةِ والعَشِيِّ ما يَنْفَعُنا، فَجاءَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، فَقالا: إنّا مِن أشْرافِ قَوْمِنا، وإنّا نَكْرَهُ أنْ يَرَوْنا مَعَهم، فاطْرُدْهم إذا جالَسْناكَ.
قالَ: "نَعَمْ" .
فَقالُوا: لا نَرْضى حَتّى تَكْتُبَ بَيْنَنا كِتابًا، فَأتى بِأدِيمٍ ودَواةٍ، ودَعا عَلِيًّا لَيَكْتُبَ، فَلَمّا أرادَ ذَلِكَ، ونَحْنُ قُعُودٌ في ناحِيَةٍ، إذْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ ، فَرَمى بِالصَّحِيفَةِ ودَعانا، فَأتَيْناهُ وهو يَقُولُ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ .
فَدَنَوْنا مِنهُ يَوْمَئِذٍ حَتّى وضَعْنا رُكَبَنا عَلى رُكْبَتِهِ.» «وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعِنْدَهُ خَبّابُ، وصُهَيْبٌ، وبِلالُ، وعَمّارُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، رَضِيتَ بِهَؤُلاءِ، أتُرِيدُ أنْ نَكُونَ تَبَعًا لَهُمْ؟
فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ » .
وقالَ عِكْرِمَةُ: «جاءَ عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، ومُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ، والحارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ، في أشْرافِ بَنِي عَبْدِ مُنافٍ، إلى أبِي طالِبٍ فَقالُوا: لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ يَطْرُدُ عَنْهُ مَوالِينا وعَبِيدَنا كانَ أعْظَمَ في صُدُورِنا، وأدْنى لاتِّباعِنا إيّاهُ، فَأتاهُ أبُو طالِبٍ فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتّى نَنْظُرَ ما الَّذِي يُرِيدُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَياتُ، فَأقْبَلَ عُمَرُ يَعْتَذِرُ مِن مَقالَتِهِ.» ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآَياتِ نَزَلَتْ في المَوالِي، مِنهم بِلالٌ، وصُهَيْبٌ، وخَبّابٌ، وعَمّارٌ، ومِهْجَعٌ، وسَلْمانُ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ؛ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ ﴾ نَزَلَتْ فِيهِمْ أيْضًا.
وقَدْ رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ ناسًا مِنَ الأشْرافِ قالُوا لَلنَّبِيِّ : نُؤْمِنُ لَكَ، وإذا صَلَّيْنا فَأخِّرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَكَ، فَلْيُصَلُّوا خَلْفَنا.» فَعَلى هَذا، إنَّما سَألُوهُ تَأْخِيرَهم عَنَ الصَّفِّ، وعَلى الأقْوالِ الَّتِي قَبْلَهُ، سَألُوهُ طَرْدَهم عَنْ مَجْلِسِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ في هَذا الدُّعاءِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الصَّلاةُ، المَكْتُوبَةُ قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ؛ وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةُ قالا: يَعْنِي صَلاةَ الصُّبْحِ والعَصْرِ.
وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ الصَّلاةَ يَوْمَئِذٍ كانَتْ رَكْعَتَيْنِ بِالغَداةِ، ورَكْعَتَيْنِ بِالعَشِيِّ؛ ثُمَّ فُرِضَتِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ بَعْدَ ذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وعَنْهُ كالقَوْلِ الأوَّلِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عِبادَةُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ تَعَلُّمُ القُرْآَنِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً، قالَهُ أبُو جَعْفَرَ.
والخامِسُ: أنَّهُ دُعاءُ اللَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، والإخْلاصِ لَهُ، وعِبادَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بِالغَداةِ" وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هاهُنا وفي [الكَهْفِ] أيْضًا: "بِالغَدْوَةِ" بِضَمِّ الغَيْنِ وإسْكانِ الدّالِ وبَعْدَها واوٌ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ لا تُدْخِلُ الألِفَ واللّامَ عَلى "الغَدْوَةِ" لِأنَّها مَعْرِفَةٌ بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ، ولا تُضِيفُها العَرَبُ، يَقُولُونَ: أتَيْتُكَ غَداةَ الخَمِيسِ، ولا يَقُولُونَ: غَدْوَةَ الخَمِيسِ، فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّها مَعْرِفَةٌ.
وَقالَ أبُو عَلِيٍّ: الوَجْهُ: الغَداةُ، لِأنَّها تُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً، وتَتَعَرَّفُ بِاللّامِ؛ وأمّا غَدْوَةً، فَمَعْرِفَةٌ.
وَقالَ الخَلِيلُ: يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أتَيْتُكَ اليَوْمَ غَدْوَةً وبَكْرَةً، فَجَعَلَها بِمَنزِلَةِ ضَحْوَةً، فَهَذا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ.
فَإنْ قِيلَ: دُعاءُ القَوْمِ كانَ مُتَّصِلًا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، فَلِماذا خَصَّ الغَداةَ والعَشِيَّ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ نَبَّهَ بِالغَداةِ عَلى جَمِيعِ النَّهارِ، وبِالعَشِيِّ عَلى اللَّيْلِ، لِأنَّهُ إذا كانَ عَمَلُ النَّهارِ خالِصًا لَهُ، كانَ عَمَلُ اللَّيْلِ أصْفى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ يُرِيدُونَ اللَّهَ، فَيَشْهَدُ اللَّهُ لَهم بِصِحَّةِ النِّيّاتِ، وأنَّهم مُخْلِصُونَ في ذَلِكَ.
وَأمّا الحِسابُ المَذْكُورُ في الآَيَةِ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ حِسابُ الأعْمالِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: حِسابُ الأرْزاقِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى الكِفايَةِ؛ والمَعْنى: ما عَلَيْكَ مِن كِفايَتِهِمْ، ولا عَلَيْهِمْ كِفايَتُكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: عَظُمَ هَذا الأمْرُ عَلى النَّبِيِّ ، وخَوَّفَ بِالدُّخُولِ في جُمْلَةِ الظّالِمِينَ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ هَمَّ بِتَقْدِيمِ الرُّؤَساءِ عَلى الضُّعَفاءِ.
<div class="verse-tafsir"