الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 90 البلد > الآيات ١١-٢٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] .
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ﴾ ، ﴿ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ .
ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ.
﴾ ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ.
فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟
عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟!
.
فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .
وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ.
يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿ وَما أدْراكَ ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟
.
ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ.
ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ.
ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ.
يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿ يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿ أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿ وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم.
وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.