الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ١٥٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةعلم مما تقدم أن مسألة تحويل القبلة جاءت في معرض الكلام عن معاندة المشركين وأهل الكتاب للنبي ، فكان التحويل شبهة من شبهاتهم، وتقدم أن من لوازم حكم تحويل القبلة إلي البيت الحرام، توجيه قلوب المؤمنين إلي الاستيلاء عليه -كما يوجهون إليه وجوههم- لأجل تطهيره من الشرك والآثام، كما عهد الله إلي أبويهم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وإلا كانوا راضين باستقبال الأصنام، وأن في طي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُم]] بشارة بهذا الاستيلاء، مفيدة للأمل والرجاء وقد علم الله المؤمنين بعد هذه البشارة ما يستعينون به علي الوصول إليها هي وسائر مقاصد الدين من الصبر والصلاة، وأشعرهم بما يلاقون في سبيل الحق من المصائب والشدائد، فكان من المناسب بعد هذا أن يذكر شيئًا يؤكد تلك البشارة ويقوي ذلك الأمل فذكر شعيرة من شعائر الحج هي السعي بين الصفا والمروة.
فكان ذكرها تصريحًا ضمنيًا بأن سيأخذون مكة ويقيمون مناسك إبراهيم فيها، وتتم بذلك لهم النعمة والهداية، وهو قوله إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ]] فهذه الآية ليست منقطعة عن السياق السابق لإفادة حكم جديد لا علاقة له بما قبله كما توهم، بل هي من تتمة الموضوع ومرتبطة به أشد الارتباط، من حيث هي تأكيد للبشارة، ومن حيث إن الحكم الذي فيها من مناسك الحج التي كان عليها إبراهيم الذي أحيا النبي ملته وجعلت الصلاة إلي قبلته.
كأنه قال: لا تلوينكم قوة المشركين في مكة، وكثرة الأصنام على الكعبة، والصفا والمروة، عن القصد إلى تطهير البيت الحرام، وإحياء تلك الشعائر العظام، كما لا يلوينكم عن استقبال البيت تَقَوُّل أهل الكتاب والمشركين ولا زلزال مرضى القلوب من المنافقين، بل ثقوا بوعد الله، واستعينوا بالصبر والصلاة.
الصفا والمروة جبلان أو علما جبلين بمكة والمسافة بينهما ٧٦٠ ذراعًا ونصف، والصفا تجاه البيت الحرام.
وقد علتهما المباني وصار ما بينهما سوقًا.
والشعيرة والشعار والشعارة تطلق على المكان أو الشيء الذي يشعر بأمر له شأن.
وأطلق على معالم الحج ومواضع النسك وتسمي مشاعر -جمع مشعر- وعلى العمل الاجتماعي المخصوص الذي هو عبادة ونسك، ففي آية أخري لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ]] وهي مناسك الحج ومعالمه.
ومنه إشعار الهدي وهو جرح ما يهدى إلى الحرم من الإبل في صفحه سنامه ليعلم أنه نسك.
ويشعر البقر أيضًا دون الغنم.
ومن شواهده في اللغة شعار الحرب وهو ما يتعارف به الجيش.
ولقد رمى رجل جمرة فأصابت جبهة عمر فقال رجل شعرت جبهة أمير المؤمنين يريد جرحت، سمي الجرح بذلك لأنه علامة.
وقال عند ذلك رجل لهبي: سيقتل أمير المؤمنين.
وكان ما قال.
فأما كون المواضع كالصفا والمروة من علامات دين الله أو أعلام دينه فظاهر وأما كون المناسك والأعمال شعائر وعلامات فوجهه أن القيام بها علامة علي الخضوع لله تعالي وعبادته إيمانًا وتسليمًا.
فالشعائر إذن لا تطلق إلا علي الأعمال المشروعة التي فيها تعبد لله تعالى، ولذلك غلب استعمال الشعائر في أعمال الحج لأنها تعبدية، قال في الصحاح: الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علمًا لطاعة الله .
وقال الزجاج في قوله تعالي لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ]] أي جميع متعبداته التي أشعرها الله أي جعلها أعلامًا لنا: إلخ فهو يريد أن الشعائر من أشعره بالشيء أعلمه به.
وقد صرح بذلك، ولكنه لا يدل بهذا علي معنى التعبد إذ قد أعلمنا الله تعالى بالأحكام التي لا تعبد فيها أيضًا، والشعائر لم تطلق في القرآن إلا على مناسك الحج الاجتماعية، وألحق بها بعضهم ما في معناها من عبادات الإسلام الاجتماعية كالأذان وصلاة الجمعة والعيدين.
في الأحكام التي شرعها الله تعالي نوع يسمى بالشعائر ومنها ما لا يسمى بذلك كأحكام المعاملات كافة، لأنها شرعت لمصالح البشر فلها علل وأسباب يسهل على كل إنسان أن يفهمها، فهذا أحد أقسام الشرائع.
والقسم الثاني هو ما تعبدنا الله تعالي به كالصلاة على وجه مخصوص، وكالتوجه فيها إلى مكان مخصوص سماه الله بيته مع أنه من خلقه كسائر العالم.
فهذا شيء شرعه الله وتعبدنا به لعلمه بأن فيه مصلحة لنا ولكننا نحن لا نفهم سر ذلك تمام الفهم من كل وجه.
والسعي بين الصفا والمروة من هذا النوع التعبدي، فهو مطلوب بقوله تعالى فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا]] حج البيت قصده للنسك والإتيان بالمناسك المعروفة هنالك، والاعتمار مناسك العمرة وهي دون مناسك الحج فليس في العمرة وقوف بعرفة ولا مبيت بمزدلفة ولا رمي جمار في منى.
والجُناح بالضم الميل إلى الإثم كجنوح السفينة إلى وحل ترتطم فيه، والإثم نفسه.
وأصله من جناح الطائر.
ويطوف بتشديد الواو من التطوف وهو تكرار الطواف أو تكلفه.
والمعني فليس عليه شيء من جنس الجناح -وهو الميل والانحراف عن جادة النسك- في التطوف بهما.
وهذا التطوف هو الذي عرف في الاصطلاح بالسعي بين الصفا والمروة وفسرته السنة بالعمل، وهو من مناسك الحج بالإجماع والعمل المتواتر، وإذ كان مشروعًا فسواء كان ركنًا كما يقول مالك والشافعي وغيرهما أو واجبًا كما يقول الحنفية، أو مندوبًا كما روي عن أحمد.
وقالوا في حكمة التعبير عنه بنفي الجناح الذي يصدق بالمباح: إنه للإشارة إلى تخطئة المشركين الذي كانوا ينكرون كون الصفا والمروة من الشعائر، وأن السعي بينها من مناسك إبراهيم، فهو لا ينافي الطلب جزمًا.
وكذلك قول تعالي وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا]] في هذا التطوف أو غيره أو كرر الحج أو العمرة فزاد علي الفريضة، أي تحمله طوعًا -كما قال الراغب- فإن التطوع في اللغة الإتيان بما في الطوع أو بالطاعة أو تكلفها أو الإكثار منها.
وأطلق على التبرع بالخير لأنه طوع لا كره ولا إكراه فيه، وعلي الإكثار من الطاعة بالزيادة علي الواجب، ومنه قوله في حديث الأعرابي "إلا أَن تطوع"، أي تزيد علي الفريضة فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ]] أي فإن الله يثيبه لأنه شاكر يجزي علي الإحسان، عليهم بمن يستحق الجزاء.
وصف الباري تعالى بالشاكر لا يظهر على حقيقته فلا بد من حمله على المجاز.
فالشكر في اللغة مقابلة النعمة والإحسان، بالثناء والعرفان، وشكر الناس لله في اصطلاح الشرع عبارة عن صرف نعمه فيما خلقت لأجله، وكلاهما لا يظهر بالنسبة إلي الله تعالى إذ لا يمكن لأحد عنده يد أو يناله من أحد نعمة يشكرها له بهذا المعنى.
فالمعنى إذًا أن الله تعالى قادر علي إثابة المحسنين وأنه لا يضيع أجر العاملين، فبهذا المعنى سميت مقابلة العامل بالجزاء الذي يستحقه شكرًا، وسمى الله تعالى نفسه شاكرًا.
والنكتة في اختيار هذا التعبير تعليمنا الأدب فقد علمنا بهذا أدبًا من أكمل الآداب بما سمى إحسانه وإنعامه علي العاملين شكرًا مع أن عملهم لا ينفعه ولا يدفع عنه ضرًا فيكون إنعامًا عليه ويدًا عنده، وإنما منفعته لهم فهو في الحقيقة من نعمه عليهم إذ هداهم إليه، وأقدرهم عليه، فهل يليق بمن يفهم هذا الخطاب الأعلى، أن يرى نعم الله عليه لا تعد ولا تحصى، وهو لا يشكره ولا يستعمل نعمه فيما سيقت لأجله؟
ثم هل يليق به أن يرى بعض الناس يسدي إليه معروفًا ثم لا يشكره له ولا يكافئه عليه، وإن كان هو فوق صاحب المعروف رتبة وأعلى منه طبقة؟
كيف وقد سمي الله تعالي جَدُّه وجل ثناؤه إنعامه على من يحسنون إلى أنفسهم وإلى الناس شكرًا، والله الخالق وهم المخلوقون، وهو الغني الحميد وهم الفقراء المعوزون؟
شكر النعمة والمكافأة على المعروف من أركان العمران، وترك الشكر والمكافأة مفسدة لا تضاهيها مفسدة، إذ هي مدعاة ترك المعروف كما أن الشكر مدعاة المزيد، ولذلك أوجب الله تعالى علينا شكره، وجعل في ذلك مصلحتنا ومنفعتنا، لأن كفران نعمه بإهمالها أو بعدم استعمالها فيما خلقت لأجله أو بعدم ملاحظة أنها من فضله وكرمه تعالى، كل ذلك من أسباب الشقاء والبلاء.
وأما تركنا شكر الناس وتقدير أعمالهم قدرها سواء كان عملهم النافع موجهًا إلينا أو إلى غيرنا من الخلق، فهو جناية منا على الناس وعلى أنفسنا، لأن صانع المعروف إذا لم يلق إلا الكفران فإن الناس يتركون عمل المعروف في الغالب، فنحرم منه ونقع مع الأكثرين في ضده فنكون من الخاسرين.
وإنما قلنا "في الغالب" لأن في الناس من يصنع المعروف ويسعى في الخير رغبة في الخير والمعروف وطلبًا للكمال، ولكن أصحاب هذه النفوس الكبيرة والأخلاق العالية التي لا ينظر ذووها إلى مقابلة الناس لأعمالهم بالشكر، ولا يصدهم عن الصنيعة جهل الناس بقيمة صنيعتهم، قلما تلد القرون واحدًا منهم، ثم إن كفران النعم لا بد أن يؤثر في نفس من عساه يوجد منهم فإن لم يكن أثره ترك السعي والعمل، كان الفتور والوني فيه، وإذا لم يدع المعروف فاعله لكفران الناس لسعيه تركه لليأس من فائدته، أو للحذر من سوء مغبته، إذ الحاسدون من الأشرار، يسعون دائمًا في إيذاء الأخيار، كذلك الشكر يؤثر في إنهاض همة أعلياء الهمة من المخلصين في أعمالهم الذين لا يريدون عليها جزاء ولا شكورًا، ذلك أنهم يرون عملهم الخير نافعًا فيزيدون منه كما أنهم إذا رأوه ضائعًا يكفون عنه.
ويروون في هذا حديثًا ارتقى به بعضهم إلى درجة الحسن وهو: "عجبت لمحمد كيف يسمن من أذنيه".
أي كان إذا ذكرت أعماله الشريفة وسعيه في الخير المطلق يسر ويسمن -هذا هو أخلص المخلصين، الفاني في الله تعالى لا يبتغي بعمله غير مرضاته، فكيف لا يكون غيره أجدر بذلك ممن إذا سلم من الانبعاث إلى الخير بباعث الشكر والثناء فلا يكاد يسلم من حب الثناء لذاته فضلًا عن مقت الكفران والكنود؟
<div class="verse-tafsir"