تفسير سورة البقرة الآيات ١٩٨-١٩٩ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١٩٨-١٩٩

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍۢ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨ ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٩٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله  ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ  ﴾ متصل بما قبله واقع موقع الاستدراك والاحتراس مما عساه يسبق إلى الفهم من الأمر بالتزود من التقوى وعمل البر والخير وهو خير الزاد، ثم من مخاطبة أولي الألباب بالأمر بالتقوى تعريضًا بأن غير المتقي لا لب له ولا عقل، وهو أن أيام الحج لا يباح فيها غير أعمال البر والخير، فيحرم فيها ما كانت عليه العرب في الجاهلية من التجارة والكسب في الموسم، كما يحرم الرفث والفسوق والجدال الذي هو من لوازم التجارة غالبًا، والترفه بزينة اللباس المخيط والحلق والافضاء إلى النساء، فأزال هذا الوهم من الفهم وعلمنا أن الكسب في أيام الحج مع ملاحظة أنه فضل من الله غير محظور لأنه لا ينافي الإخلاص له في العبادة، إنما الذي ينافي الإخلاص هو أن يكون القصد إلى التجارة، بحيث لو لم ير الكسب لم يسافر لأجل الحج.

وهذا ما عليه الجمهور.

كان بعض المشركين وبعض المسلمين في أول الإسلام يتأثمون في أيام الحج من كل عمل حتى كانوا يقفلون حوانيتهم، فعلمهم الله تعالى أن الكسب طلب فضل من الله لا جناح فيه مع الإخلاص، وإن قوله تعالى ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ  ﴾ يشعر بأن ابتغاء الرزق مع ملاحظة أنه فضل من الله تعالى نوع من أنواع العبادة، ويروى أن سيدنا عمر قال في هذا المقام لسائل: وهل كنا نعيش إلا بالتجارة.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ  ﴾ الإفاضة من المكان الدفع منه، مستعار من إفاضة الماء وأصله أفضتم أنفسكم، ويقال أيضًا أفاض في الكلام إذا انطلق فيه كما يفيض الماء ويتدفق، وعرفات معروفة وهي موقف الحاج في النسك يجتمع فيها كل عام ألوف كثيرة من الناس، وقد جاء هذا الاسم بصيغة الجمع وقيل إنه جمع وضع لمفرد كأذرعات وهو مرتجل، وذكروا وجوهًا للتسمية أحسنها أنه يتعرف فيه الناس إلى ربهم بالعبادة، أو أنه يشعر بتعارف الناس فيه، وعرفة اسم لليوم الذي يقف فيه الحجاج بعرفات وهو تاسع ذي الحجة، وأطلق أيضًا على المكان في كلامهم ولعرفات أربعة حدود حد إلى جادة طريقة المشرق، والثاني إلى حافات الجبل الذي وراء أرضها، والثالث إلى البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبل الكعبة، والرابع وادي عرنة (بضم ففتح)، وليس عرنة ولا نمرة (بفتح فكسر) من عرفات.

والوقوف بعرفات أعظم أركان الحج وكلها موقف.

والمشعر الحرام جبل المزدلفة يقف عليه الإمام ويسمى قزح (بضم ففتح) وسمى مشعرًا لأنه معلم للعبادة، ووصف بالحرام لحرمته وقيل هو المزدلفة كلها من مأزمي عرفات إلى وادي محسر (بكسر السين المهملة المشددة) وليس هو من مزدلفة ولا من منى بل هو من مسيل ماء بينهما في الأصل، وقد استوت أرضه الآن أو هو من منى.

والمعنى أنه يطلب من الحاج إذا دفع من عرفات إلى المزدلفة أن يذكر الله عند المشعر الحرام فيها بالدعاء والتكبير والتهليل والتلبية، وقيل بصلاة العشائين جمعًا، وليس هو المتبادل بل قالوه لينطبق على قولهم الأمر للوجوب مع قولهم إن الذكر هنا غير واجب.

ولقد أمر بالذكر عند المشعر الحرام للاهتمام به، لأنهم ربما تركوه بعد المبيت، ولم يذكر المبيت لأنه كان معروفًا لا يخشى التهاون فيه.

والقرآن لم يبين كل المناسك، بل المهم وبيَّن النبي الباقي  بالعمل.

ثم قال ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ  ﴾ أي ذكروه ذكرًا حسنًا كما هداكم هداية حسنة إذ أنجاكم من الشرك واتخاذ الوسطاء كما كنتم في الجاهلية تذكرونه مع ملاحظة غيره بينكم وبينه لا يفرغ قلبكم له.

وكانوا يولون في التلبية: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.

فالكاف للتشبيه لا للتعليل كما قيل ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ  ﴾ أي من قبل الله الذي آمنتم به إيمانًا صحيحًا بهداية الإسلام دون الخيال الذي كنتم تدعونه إلهًا، وتجعلون له وسطاء شركاء يقربون إليه ويشفعون عنده فإن ذلك الخيال لا حقيقة له، وبهذا التقرير يستغنى عن تقدير المضاف ولا بأس بجعل ضمير "قبله" للهدى كما قال (الجلال)وغيره لسبق فعله، ويمكن أن يراد به القرآن كما قال بعضهم اكتفاء بدلالة المقام كقوله تعالى ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ  ﴾ .

﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ  ﴾ جعل المفسر (الجلال) كغيره الخطاب هنا لقريش خاصة ، إذ ورد في حديث عائشة عند الشيخين أن قريشًا ومن دان دينهم وهم الحمس كانوا يقفون في الجاهلية بمزدلفة ترفعًا عن الوقوف مع العرب في عرفات، فأمر الله نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها أي إبطالًا لما كانت عليه قريش فالمراد بهذه الإفاضة الدفع عن عرفات كالأولى قال: "وثم للترتيب في الذكر".

وهذا القول مردود، لأن الأسلوب ينافيه، ذلك أن الخطاب في الآيات كلها عام.

وهم يذكرون هذا كثيرًا و يكرون له نكتة تزيل التفاوت من النظم.

وقوله ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ  ﴾ يراد به الاستغفار مما أحدثوا بعد إبراهيم من تغيير المناسك وإدخال الشرك وأعماله فيها، وإلا فهو استغفار من الضلال الذي ذكرهم به في الآية قبلها، ومن عامة الذنوب في الحج وغيره، وهذا هو الذي يوجه إلى من بعد أولئك الذين أسلموا في الصدر الأول بعد أن كانوا مشركين ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ أي واسع المغفرة والرحمة لمن استغفره تائبًا منيبًا..

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله