تفسير سورة البقرة الآية ٢٣١ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ٢٣١

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍۢ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًۭا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًۭا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ٢٣١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

هذا حكم جديد غير ما تقدم في قوله ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ  ﴾ فهذه الآية بيان للواجب في معاملة المطلقات، ونهي عن ضده، ووعيد على هذا الضد، وإرشاد إلى المصلحة، والحكمة في الائتمار بذلك الأمر والانتهاء عن هذا النهي.

وتلك بيان لكيفية الطلاق المشروع وعدده، وكون الأصل فيه أن يكون بغير عوض، وكون أخذ العوض من المرأة لا يحل إلا بشرط.

ولا ينافي هذا ما ورد في سبب نزولها وذكرناه في تفسيرها وهو أليق بهذه، فإن هذه الآيات كلها نزلت في إبطال ما كان عليه الناس من سوء معاملة النساء في الطلاق، فجميع الوقائع التي كانت تقع على العادات الجاهلية كانت تعد من أسباب النزول لها، وقد ورد في أسباب نزول هذه ما نقله السيوطي في كتابه عن ابن جرير، وهو في معنى رواية الترمذي والحاكم هناك قال: أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال إن الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها ثم يطلقها ثم يفعل ذلك يضارها ويعضلها، فأنزل الله هذه الآية.

وأخرج عن السدي قال نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم طلقها مضارة فأنزل الله تعالى ﴿ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا  ﴾ ولا تحسبن أن قوله تعالى ﴿ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ  ﴾ نزل وحده بل القول فيه كالقول في مجموع هذه الآيات في مسائل الطلاق نزلت كلها مرة واحدة فيما يظهر من سياقها، ولكن بعد وقوع حوادث جعلت من أسبابها.

الأجل في قوله تعالى ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ  ﴾ هو زمن العدة ومعنى بلغن أجلهن قاربن إتمام العدة، قال القرطبي هذا إجماع لم يفهم أحد من الآية غيره، وهو مبني على قاعدة ما قارب الشيء يعطى حكمه تجوزًا قرينته العرف: يقول المسافر بلغنا البلد أو وصلنا إليه إذا دنا منه وشارفه.

وقوله ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ  ﴾ معناه فاعزموا أحد الأمرين: إمساك المرأة بالمراجعة، أو إطلاق سبيلها.

وليكن ما تختارونه من أحد الأمرين بالمعروف الذي شرع لكم في آية الطلاق مرتان، ﴿ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا  ﴾ أي ولا تراجعوهن إرادة مضارتهن وإيذائهن للاعتداء عليهن بتعمد ذلك، فالضرار بمعنى الضرر، وذكر بالصيغة التي تأتي للمشاركة للإشعار بأن ضره إياها يستلزم ضرها إياه، فالرجال يضرون أنفسهم بإيذاء النساء، ويؤيد هذا قوله ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ  ﴾ في الدنيا بسلوك طرق الشر والاعتداء التي لا راحة لضمير صاحبها، وبجعل المرأة وعصبتها أعداء له يناصبونه ويناوئونه، والعدو القريب أقدر على الإيذاء من العدو البعيد، وبتنفير الناس منه حتى يوشك أن لا يصاهره أحد، وظلم نفسه في الأخرى أيضًا بما خالف أمر الله وتعرض لسخطه.

ثم قال تعالى ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا  ﴾ وهذا وعيد بعد وعيد، وتهديد لمن يتعدى حدود الله في هذه الأحكام أي تهديد، والسبب فيه حمل المسلمين على احترام صلة الزوجية، وتوقي ما كانوا عليه في عهد الجاهلية، فقد كانوا يتخذون النساء لعبًا، ويعبثون بطلاقهن وإمساكهن عبثًا، وفي أسباب النزول: أخرج ابن أبي عمر في مسنده وابن مردويه عن أبي الدرداء قال كان الرجل يطلق ثم يقول لعبت، ويعتق ثم يقول لعبت، فأنزل الله ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا  ﴾ أي أنزله فيما أنزل من آيات أحكام الطلاق، لا أنه أنزله على حدة كما تقدم نظيره في نظيره.

والمعنى لا تتهاونوا بحدود الله تعالى التي شرعها لكم في آية جريًا على سنن الجاهلية، فإن هذا التهاون والاعتداء للحدود بعد هذا البيان والتأكيد من الله تعالى يعد استهزاء بآياته.

ومن هنا قال بعض السلف: المستغفر من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزئ بربه.

ولاشك أن الذي يخالف أمر الله وينقض هذه العهود بعد توثيقها طلبًا لشهوة من شهواته، أو استمساكًا بعادة من عاداته، فهو جدير بأن يعد مستهزئًا بآيات الله غير مذعن لها.

بعد التحذير من التهاون بحقوق النساء وجعل العابث بأحكام الله فيها مستهزئًا بآياته -وفي ذلك من الوعيد والترهيب ما فيه- أراد تعالى أن يقرر هذه الأحكام في النفوس باعث الترغيب فيها بالتذكير بفوائدها و مزاياها، و بيان المنة في هداية الدين التي هي منها، فقال ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ  ﴾ أي امتثلوا ما ذكر آنفًا من أمر ونهي، و تذكروا نعمة الله تعالى عليكم بالفطرة السليمة في الرابطة الزوجية المعبر عنها بقوله تعالى.

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ  ﴾ ، وما أنزله عليكم من آيات الأحكام المكملة للفطرة في الزوجية والحكمة فيها، حال كونه يعظكم بالجمع بينهما "أي الأحكام وحكمتها" فإن معرفة الشيء مع حكمته هي التي تحدث العظة والعبرة الباعثة على الامتثال ولا يبعد أن تكون هذه الآيات النفسية هي المراد بقوله تعالى: ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا  ﴾ .

وقد أفسد على الناس تلك المودة والرحمة، وحجبهم عن الموعظة بالحكمة، وأضعف في نفوس الأزواج ذلك السكون والارتياح، غرور الرجال بالقوة وطغيانهم بالغنى، و كفران النساء لنعمة الرجال وحفظ سيئاتهم، وتماديهن في الذم لها والتبرم بها، وما مضت به عادات الجاهلية في بعض المتقدمين وعادات التفرنج في المعاصرات والمعاصرين، وقلد به النساء بعضهم بعضًا، والله  ذكرنا أولًا بنعمته علينا في أنفسنا لنزيح عن الفطرة السليمة ما غشيها بسوء القدوة واتباع الهوى، و نشكرها له سبحانه بالمحافظة عليها بتميكن صلة الزوجية واحترامها وتوثيقها، وثانيًا بهذا الدين القويم الذي هدانا إلى ذلك، وحد لنا كتابه الحدود ووضع الأحكام مبينًا حكمها وأسرارها، مؤيدًا لها بالوعظ السائق إلى اتباعها، وما ذكرنا بالكتاب هنا إلا لنجعله إمامًا لنا في تقويم الفطرة، على ما مضت به السنة وعززته الحكمة، ولكننا قد أعرضنا عنه، فمن نظر في شيء من هذه الأحكام فإنما ينظر فيما كتبه بعض البشر مما هو خلو من حكمة التشريع، غير مقرون بشيء من الترغيب والترهيب، فهو لا يحدث للنفوس عظة ولا ذكرى، ولا يبعث في القلوب هداية ولا تقوى، على أن أكثر المسلمين لا ينظر فيها، ولا يسأل العارفين بها عنها، إلا أن يكون لأجل الاستعانة على حقوق يهضمها، أو صلات يقطعها وعرى يفصمها، فهو يستفتي غالبًا ليأمن مؤاخذة الحكام، لا ليقيم حدود الإسلام، وإذا قام فيهم داع يدعو إلى الله، ويذكر المؤمنين بآيات الله، رماه الرؤساء بسهام الملام، وأغروا به الساسة وأهاجوا عليه العوام، خائفين أن يحيي ما أماتوه من الاجتهاد في فهم الكتاب والسنة، زاعمين أنه يبطل مذاهب الأئمة، على أن التذكير هو الذي يحيي علم المجتهدين، لأنهم كانوا مذكرين به ومبينين، لا صادين عنه ولا ناسخين، و ما كل من اهتدى بهديهم في التذكير والتبيين، يلحقهم في الاستنباط والتدوين، فيا أيها العلماء احيوا كتاب الله، فوالله إنه لا حياة لهذه الأمة بسواه، ولذلك عادت بترك هديه إلى عادات الجاهلية، وما هو شر منها من إباحة الإفرنج العصرية، ابتاعًا للهوى ونزغات البهيمة.

هذا وإن جمهور المفسرين فسروا نعمة الله هنا بالدين والرسالة، وجعلوا ما أنزل من الكتاب والحكمة تفصيلًا للنعمة المجملة.

﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ  ﴾ بإرسال هذا الرسول، وبيان الحدود والحقوق التي تحفظ لكم الهناء في الدنيا، وتضمن لكم السعادة في الآخرة.

وما بعد هذا تفصيل له.

والحكمة هي سر الكتاب.

وفي النعمة وجه آخر وهي هذه الرحمة التي جعلها الله بين الرجال والنساء، وامتن بها علينا في قوله ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ وإنما أوردنا هذا الوجه أولًا بالبيان والتفصيل، لأنه هو المختار عندنا، وذهب بعضهم إلى أن النعمة هنا عامة تشمل نعم الدنيا والدين.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ أمر بعد كل ما تقدم من التأكيد والتشديد والتهديد بتقواه بامتثال أمره ونهيه زيادة في العناية بأمر النساء وصلة الزوجية وهو ما تقتضيه البلاغة في هذا المقام، مقاومة لما ملك النفوس قبل ذلك من عدم المبالاة بعقد الزوجية، إذ كانوا يرونه كعقد الرق والبيع والإجازة في المتاع الخسيس والنفيس، بل كانوا يرونه دون ذلك لأن الرجل لم يكن يشتري متاعًا ثم يرمي به في الطريق زهدًا فيه، ولم يكن يمسك قنه ليعذبه وينتقم منه، ولكنهم كانوا يطلقون المرأة لأدنى سبب، كالملل والغضب، ثم يعودون إليها يفعلون ذلك المرة بعد المرة، وكانوا يمسكونها للضرار والإهانة كما تقدم آنفًا، وقد يستبدل الواحد منهم امرأة الآخر بامرأته.

فاعتياد هذه المعاملة السوء والأنس بها لا تكون مقاومته إلا بتعظيم شأن عقد الزوجية والمبالغة في تأكيده بالترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، إذ لا يسهل على الرجل الذي كان يرى المرأة مثل الأمة أو دونها أن يساويها بنفسه بمجرد الأمر، ويرى لها عليه مثل ما له عليها.

ويحظر على نفسه مضارتها وإيذاءها ويلتزم معاملتها بالمعروف في حال إمساكها عنده، وفي حال تسريحها إن اضطر إليه.

ولكن هذه العظات والتشديدات المشتملة على الإقناع وبيان المصلحة هي التي تعمل في نفسه، وتؤثر بتكرارها في قلبه، وإن كان كالحجارة في القسوة..

أما ترى الحبل بتكراره في الصخرة الصماء قد أثرا نعم إنه قد كان له أحسن التأثر في أولئك الخارجين من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، وفيمن اتبعهم بإحسان، ثم خلف من بعدهم خلف أعرضوا عن القرآن، وجهلوا ما فيه من الحكم والأحكام، حتى صاروا شرًا مما كان عليه أهل الجاهلية وسائر الأمم من ظلم النساء، فلم يتقوا الله في ذلك ولا تدبروا قوله بعد ما تقدم.

وقوله ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ هو أبلغ في موضعه من كل ما تقدم من التأكيد والتشديد في حقوق النساء، لأن الإنسان قد يراعي الأحكام الظاهرة بقدر الإمكان بغير إخلاص فيطبق العمل على الحكم على وجه يعلم أن من ورائه ضررًا.

فهذه الجملة تذكره بأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء مما يسره العبد أو يعلنه، فلا يرضيه إلا التزام حدوده والعمل بأحكامه، مع الإخلاص وحسن النية، حتى يكون ظاهره كباطنه في الخير، ولا يتم له ذلك إلا بمراقبة الله تعالى في عمله، والعلم اليقين بأنه مطلع عليه فيه: لا يبيت قولًا أو فعلًا، ولا ينوي خيرًا أو شرًا، ولا يطوف في ذهنه خاطر، ولا تختلج في قلبه خلجة، إلا وهو سبحانه عالم بذلك ومطلع عليه فلا طريق له إلى مرضاة ربه إلا بتطهير قلبه، وإخلاص نيته في معاملة زوجه، وفي سائر المعاملات.

ومن حسنت نيته حسن عمله غالبًا، بل كان موفقًا دائمًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد