تفسير سورة البقرة الآيات ٢٤٠-٢٤٢ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٢٤٠-٢٤٢

وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًۭا وَصِيَّةًۭ لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍۢ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍۢ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٢٤٠ وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ٢٤١ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٢٤٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

هذه الآيات تتمة ما في السورة من أحكام الأزواج.

وقد جاء الأمر بالمحافظة على الصلوات في أثناء هذه الأحكام -والصلاة عماد الدين- للعناية بها، فمن حافظ على الصلوات كان جديرًا بالوقوف عند حدود الله تعالى والعمل بشريعته ولذلك قال ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ  ﴾ وقد بيّنا وجه ذلك، وقد خطر لي وجه آخر هو الذي يطرد في أسلوب القرآن الخاص في مزج مقاصد القرآن بعضها ببعض من عقائد وحكم ومواعظ وأحكام تعبدية ومدنية وغيرها، وهو نفي السآمة عن القارىء والسامع من طول النوع الواحد منها، وتجديد نشاطهما وفهمهما واعتبارهما في الصلاة وغيرها.

قوله ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا  ﴾ إلخ فيه قولان: أحدهما: أن عدة الوفاة كانت في أول الإسلام سنة كاملة مجاراة لعادات العرب، ولكن مع تخيير المرأة في الاعتداد في بيت الميت فإن اعتدت فيه وجبت نفقتها من تركته وحرم على الورثة إخراجها، وإن خرجت هي سقط حقها في النفقة، وقالوا إنه لم يكن للمرأة من ميراث زوجها إلا هذا المتاع والنفقة، فقوله تعالى ﴿ وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ  ﴾ معناه فليوصوا وصية لأزواجهم أو فعليهم وصية لأزواجهم إذ قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم (وصية) بالنصب، وقرأها ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم بالرفع، وقوله ﴿ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ  ﴾ معناه أن يمتعوا متاعًا أو متعوهن متاعًا، كأنه قال فليوصوا لهن وصية وليمتعوهن متاعًا إلى آخر الحول، وقيل إن التقدير جعل الله ذلك لهن متاعًا.

وقوله ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ  ﴾ معناه غير مخرجات، أي يجب ذلك لهن مقيمات في دار الميت غير مخرجات فلا يمنعن السكنى.

والأحسن ما قاله بعضهم من أن متاعًا مصدر بمعنى تمتيعًا أو معمول للمصدر الذي هو وصية ومعنى ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ  ﴾ غير مخرجات وهو حال من الأزواج، والنكتة في العدول عنه هي أن المراد يوصي الرجل بعدم إخراج زوجه وأن ينفذ أولياؤه وصيته فلا يخرجونهم من بيوتهن، ولو قال "غير مخرجات" لكان تحتيمًا عليهن بالبقاء ولأفاد عدم جواز إخراجهن لأحد ولو كان وليًا كأبيها، وليس هذا بمراد، فعبارة الآية تفيد المعنى المراد ولا توهم سواه - هذا ما ذهب إليه الجمهور في معنى الآية فهي عندهم توجب أن تكون عدة الوفاة سنة كاملة وأن ينفق على المعتدة من تركة زوجها مقيمة في داره لا يجوز إخراجها منه إلا أن تخرج باختيارها فتسقط نفقتها.

قالوا ثم نسخت بجعل العدة أربعة أشهر وعشرًا كما في تلك الآية التي تقدمت عليها في الذكر وهي متأخرة عنها في النزول، وبجعلها وارثة للزوج بنص القرآن مع تحريم الوصية للوارث في الحديث.

وهناك وجه آخر يتصل بقول الجمهور وهو أن الآية كانت في فرض الوصية، وطلب مع هذا الفرض من ورثة الميت أن لا يخرجن النساء في مدة الحول.

وأن الخروج الذي يبرأ به أولياء الميت من الوصية المفروضة التي هي النفقة هو الخروج الذي بعد العدة التي هي أربعة أشهر وعشر، وهو قول ضعيف.

والقول الثاني: إن هذه الآية لم يذكر فيها التربص الذي هو الاعتداد كما ذكر في غيرها من آيات العدة السابقة، وإنما ذكر الوصية والمراد بها أن يستوصي الرجال بالنساء اللواتي يتوفى أزواجهن خيرًا بأن لا يخرجوهن من بيوت أزواجهن بعدما كان من قوة علاقتهن بها إلى مدة سنة كاملة تمر فيها عليهن الفصول الأربعة التي يتذكرن أزواجهن فيها، وأن يجعل لهن في مدة السنة شيء من المال ينفقنه على أنفسهن إلا إذا خرجن وتعرضن للزواج أو تزوجن بعد العدة المفروضة في الآية السابقة.

ولكن لم يعمل أحد من الصحابة ولا من بعدهم بهذا، ولذلك قال الجمهور إنه منسوخ، وذهب بعض الصحابة والتابعين إلى أن الأمر بالوصية كان للندب وتهاون الناس به كما تهاونوا في كثير من المندوبات - أي كاستئذان الأولاد الذين لم يبلغوا عند دخول بيوتهم في الأوقات الثلاثة التي هي مظنة التهاون بالستر قبل صلاة الفجر وحين وضع الثياب من الظهيرة في أيام الحر ومن بعده صلاة العشاء- وعلى هذا فلا نسخ لأنهم مجمعون على أنه لا يصار إلى النسخ إذا أمكن الجمع بين النصين.

والتقدير على الوجه المختار: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية من الله لأزواجهم أو فالله يوصي وصية لأزواجهم أن يمتعن متاعًا ولا يخرجن من بيوت أزواجهن إلى تمام الحول، فإن خرجن من تلقاء أنفسهن فلا جناح عليكم أيها المخاطبون بالوصية فيهم في ما فعلن من المعروف شرعًا وعادة كالتعرض للخُطّاب بعد العدة والتزوج، إذ لا ولاية لكم عليهن فهن حرائر لا يمنعن إلا من المنكر الذي يمنع منه كل مكلف.

وجعل الوصية من الله تعالى معهود في القرآن كقوله ﴿ يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ  ﴾ وقوله ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ  ﴾ وهذا هو المتبادر من النظم الكريم.

وقد ختم الآية بقوله ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ﴾ للتذكير بأن لله العزة والغلبة فيما يريد من تحويل الأمم من عادات ضارة إلى سنن نافعة تقتضيها الحكمة، كتحويل العرب من عاداتهم في العدة والحداد بجعل المرأة أسيرة ذليلة مقهورة مدة سنة كاملة إلى ما هو خير من ذلك وهو إكرامها ما دامت في بيت زوجها بين أهله، وعدم الحجر على حريتها إذا أرادت الخروج منه ما دامت في حظيرة الشرع وآداب الأمة المعروفة.

فهذه الحكمة البالغة توافق مصلحة الأفراد والجمعيات في كل زمان ومكان.

ثم قال تعالى ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ  ﴾ قال (الجلال): "كرره ليعمم الممسوسة أيضًا إذ الآية السابقة في غيرها"وليس قوله بصحيح إذ كأن ما تقدم خاص وما هنا عام.

والصواب أن كل آية من الآيات التي وردت في المطلقات وردت في نوع منهن فتقدم حكم من لم تمس وقد فرض لها، وحكم المدخول بها المفروض لها، وبقي حكم الممسوسة سواء فرض لها أم لا فذكره هنا، ولم يذكر ذلك بالترتيب، لأن القرآن ليس كتابًا فنيًا فيكون لكل مقصد من مقاصده باب خاص به، وإنما هو كتاب هداية ووعظ ينتقل بالإنسان من شأن من شؤونه إلى آخر، ويعود إلى مباحث المقصد الواحد المرة بعد المرة، مع التفنن في العبارة، والتنويع في البيان، حتى لا يمل تاليه وسامعه من المواظبة على الاهتداء.

يوجز أحيانًا بما يعجز كل أحد عن الإتيان بمثله إذا كان المقام يقتضي الإيجاز، ويطنب في مقام آخر حيث ينبغي الاطناب، وهو معجز في إطنابه كإيجازه، لا لغو فيه ولا حشو، ولكل مقام فيه مقال ينطبق على الحكمة، ويعين على التدبر والتذكر.

ثم ختم الله تعالى هذه الأحكام المسرودة هنا بقوله ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ  ﴾ إلخ، فزعم بعضهم أن المراد المطلقات المعهودات اللواتي سبق الأمر بتمتيعهن، واستدلوا بما رواه ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزلت ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ  ﴾ ، قال رجل إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل.

فأنزل الله هذه الآية وفسروا المتقين بمتقي الكفر، وليست هذه الرواية مما يحتج به، وقد قدمنا أن ذكر المحسنين هناك لا يدل على التخيير.

وقال بعضهم إن هذا حكم عام فتجب المتعة لكل مطلقة.

ولا تكرار على هذا مع الآية الآمرة بتمتيع من لم تمس ولم يفرض لها، لأن هذه الآية مسوقة لحكم هذه المتعة من غير تخصيص ولا تقييد بكونها تختلف باختلاف حال الرجل في الإيسار.

وتلك سيقت لبيان نفي الجناح عمن طلق من لم يمسها ولم يفرض لها، وجاء في السياق أنه يجب لها تمتيع حسن بحسب وسع المطلق لما تقدم بيانه في تفسيرها.

فعلى هذا تكون المتعة مشروعة لكل مطلقة، وروي هذا عن ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق، واستدلوا بعموم هذه الآي وبقوله تعالى في سورة الأحزاب ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا  ﴾ وقد كن مدخولًا بهن مفروضًا لهن المهر.

والقائلون بهذا منهم من يقول إنها واجبة لكل مطلقة ومنهم من يقول واجبة لمن لم تمس ولم يفرض لها مندوبة لغيرها.

وحجة من قال إن التمتيع خاص بمن لم تمس ولم يفرض لها هي أنه بدل مما يجب لغيرها من نصف المهر إن فرض لها ولم تمس أو المهر المسمى أو مهر المثل إذا كانت ممسوسة.

وحسبنا أن الله تعالى جعل تمتيع المطلقات حقًا على المتقين، وقد فسروه بالذين يتقون الشرك، أو هو حق على كل مؤمن مطلقًا إلا أن يثبت أن ما تستحقه من المهر يسمى متاعًا في عرف القرآن فحينئذٍ تكون هذه الآية فذلكة لسائر الآيات، كأنه قال لكل مطلقة متاع تمتع به فمنهن من متاعها المهر المسمى أو المقدر، ومنهن من متاعها نصفه، ومنهن من لها متاع غير محدود لأنه على حسب الاستطاعة.

وأحوط الأقوال وأوسطها قول من جعل المتعة غير المهر وأوجبها لمن لا تستحق مهرًا وندبها لغيرها.

ثم ختم الله تعالى هذه الأحكام بقوله ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  ﴾ أي مضت سنته تعالى بأن يبيّن لكم آياته في أحكام دينه مثل هذا النحو من البيان، وهو أن يذكر الحكم وفائدته ويقرنه بذكر الله والموعظة الحسنة التي تعين على العمل به، ليعدكم بذلك لكمال العقل فتتحروا الاستفادة من كل عمل فعليكم أن تعقلوا ما تخاطبون به لتكونوا على بصيرة من دينكم، عارفين بانطباق أحكامه على مصالحكم بما فيها من تزكية نفوسكم والتأليف بين قلوبكم، فتكونوا حقيقين بإقامتها والمحافظة عليها.

وليس معنى العقل أن يجعل المعنى في حاشية من حواشي الدماغ، غير مستقر في الذهن ولا مؤثر في النفس، بل معناه أن يتدبر الشيء ويتأمله حتى تذعن نفسه لما أودع فيه إذعانًا يكون له أثر في العمل، فمن لم يعقل الكلام بهذا المعنى فهو ميت وإن كان يزعم أنه حي -ميت من عالم العقلاء، حي بالحياة الحيوانية- وقد فهمنا هذه الأحكام ولكن ما عقلناها، ولو عقلناها لما أهملناها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله