تفسير سورة البقرة الآية ٤ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ٤

وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

هذه هي الطبقة الثانية من المتقين واعيد لفظ"الذين"لتحقيق التمايز بين الطبقتين.

وهذه الطبقة أرقى من الطبقة الأولى لأن أوصافها تقتضي الأوصاف التي أجريت على تلك وزيادة، فالقرآن يكون هدى لها بالأولى، ومعنى كونه هدى لها أنه يكون إمامها في أعمالها وأحوالها، لا تحيد عن النهج الذي ينهجه لها، كما ذكرنا.

ما كل من أظهر الإيمان بما ذكر مهتد بالقرآن.

فالمؤمنون بالقرآن على ضروب شتى، ونرى بيننا كثيرين ممن إذا سئل عن القرآن قال: هو كلام الله ولا شك، ولكن إذا عرضت أعماله وأحواله على القرآن نراها مباينة له كل المباينة.

القرآن ينهى عن الغيبة والنميمة والكذب، وهو يغتاب ويسعى بالنميمة ولا يتأثم من الكذب.

القرآن يأمر بالفكر والتدبر وهو كما وصف القرآن المكذبين بقوله تعالى فيهم: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ  ﴾ لا يفكر في مستقبله ولا مستقبل أمته، ولا يتدبر الآيات والنذر، ولا الحوادث والعبر.

إن المؤمن الموقن المذكور في الآية الكريمة هو الذي يزين أعماله وأخلاقه باستكمال ما هدى إليه القرآن دائمًا، ويجعله معيارًا يعرض عليه تلك الأعمال والأخلاق ليتبين هل هو مهتد به أم لا؟

مثال ذلك الصلاة يصفها القرآن بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقال في المصلين ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا  إِلاَّ الْمُصَلِّينَ  ﴾ .

فيبين أن الصلاة تقتلع الصفات الذميمة الراسخة التي تكاد تكون فطرية، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، ولم تقتلع من نفسه جذور الجبن والهِلع، وتصطلم جراثيم البخل والطمع، فليعلم أنه ليس مصليًا في عرف القرآن، ولا مستحقًا لما وعد عباده الرحمن.

أما لفظ الإنزال فالمراد به ما ورد من جانب الربوبية الرفيع الأعلى، وأوحى إلى العباد من الإرشاد الإلهي الأسمى، وسمي إنزالًا لما في جانب الألوهية من ذلك العلو: علو الرب على المربوب، والخالق على المخلوقين، الذين لا يخرجون بالتكريم والاصطفاء عن كونهم عبيدًا خاضعين، وقد سمى القرآن غير الوحي من إسداء النعم الإلهية إنزالًا فقال ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ  ﴾ فنكتفي بهذا من معنى الإنزال، وهو ما يفهمه كل عربي، من حاضر وبدوي، عما أطال به المفسرون وندع الخلافات للمختلفين.

ثم قال تعالى: ﴿ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ  ﴾ أما لفظ ﴿ الآخرَةِ  ﴾ فقد ورد في القرآن كثيرًا والمراد به الحياة الآخرة حيث الجزاء على الأعمال.

وأما اليقين فهو الاعتقاد المطابق للواقع الذي لا يقبل الشك ولا الزوال، فهو اعتقادان: اعتقاد أن الشيء كذا، واعتقاد أنه لا يمكن أن يكون إلا كذا.

..

وصفهم بأنهم موقنون بالآخرة لأنهم مؤمنون بالقرآن ولم يصف بهذا الوصف الطائفة الأولى لأنها وإن كانت تؤمن بالغيب وتتوجه إلى الله تعالى بالصلاة المخصوصة بها وتنفق مما رزقها الله، فذلك لا ينافي أنها في حيرة من أمر البعث والجزاء، وكذلك كانت قبل الإيمان بالقرآن وكان من هداية القرآن لها أن خرج بها من غمرات تلك الحيرة.

لا يعتد بما دون اليقين في الإيمان، وقد قال الله تعالى في اعتقاد قوم: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا  ﴾ وإذا لم يكن الظَّان موقنًا وعلى نور من ربه في اعتقاده فما حال من هو دونه من الشاكِّين والمرتابين؟

ويعرف اليقين في الإيمان بالله واليوم الآخر بآثاره في الأعمال.

إننا نرى الرجل يأتي إلى المحكمة بدعوى زور يريد أن يأكل بها حق أخيه بالباطل أو يجامل آخر بشهادة زور، أو ينتقم بها من ثالث، وهو يعلم أنه مزور ومبطل فيقال له: اتق الله إن أمامك يومًا ﴿ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ  ﴾ فيقول أعوذ بالله أنا أعلم أن أمامي يومًا، وأن أمامي شبرًا من الأرض -(يعني القبر)- والدنيا لا تغني عن الآخرة.

ويحلف اليمين الغموس باسم الله تعالى أنه محق في دعواه أو شهادته، ثم يظهر التحقيق أنه مزور، ويضطره إلى الاعتراف والإقرار بذلك، فكأن الإيمان بالله واليوم الآخر عنده خيال يلوح في ذهنه عندما يريد الخلابة والخداع لأجل أكل الحقوق أو إرضاء الهوى، ولا يظهر له أثر في أعماله وأحواله كأثر الاعتقاد ببعض المشايخ الميتين كما بينا ذلك من قبل.

فمثل هذا الإيمان - وإن تعارف الناس على تسميته تلك- ليس من الإيمان الذي يقوم على ذلك المعنى من الإيقان، ويظهر أثره في الجوارح والأركان.

اليقين: إيمانك واعتقادك بالشيء والإحساس به من طريق وجدانك كأنك تراه، بأن يكون قد بلغ بك العلم به أن صار مالكًا لنفسك مصرفًا لها في أعمالها، ولا يكون العلم محققًا للإيمان على هذا الوجه حتى تكون قد أصبته من إحدى طريقتين: (الأولى): النظر الصحيح فيما يحتاج فيه إلى النظر، كالإيقان بوجود الله ورسالة الرسل، وذلك بتخليص المقدمات، والوصول بها إلى حد الضروريات، فأنت بعد الوصول إلى ما وصلت إليه كأنك راء ما استقر رأيك عليه.

(والطريق الأخرى): خبر الصادق المعصوم بعد أن قامت الدلائل على صدقه وعصمته عندك، ولا يكون الخبر طريقًا لليقين حتى تكون سمعت الخبر من نفس المعصوم  ، أو جاءك عنه من طريق لا تحتمل الريب، وهي طريق التواتر دون سواها، فلا ينبوع لليقين بعد طول الزمن بيننا وبين النبوة إلا سبيل المتواترات التي لم يختلف أحد في وقوعها، فالإيقان بالمغيبات كالآخرة وأحوالها والملأ الأعلى وأوصافه، وصفات الله التي لا يهتدي إليها النظر لا يمكن تحصيله إلا من الكتاب العزيز، وهو الحق الذي جاءنا من الله لا ريب فيه، فعلينا أن نقف عندما أنبأ به من غير خلط ولا زيادة ولا قياس.

وأكد الإيقان بالآخرة بقوله ﴿ هُمْ  ﴾ اهتمامًا بشأنه وليبين أن الإيقان بالآخرة خاصة من خواص الذين آمنوا بالقرآن وبما أنزل قبله من الكتب لا يشركهم فيه سواهم.

وقد علمت أنه لا بد أن يكون الموقن به من أحوال الآخرة قطعيًا.

فهذه الإضافات التي أضافوها على أخبار الغيب وخلقوا لها الأحاديث، بل أضافوا إليها أيضًا أقوال أهل الكتاب وأشياء أخرى نسبوها إلى السلف، وبعض غرائب جاءت على لسان المنتسبين للتصوف، لا تدخل فيما يتعلق به اليقين، بل الجهل بالكثير منها خير من العلم به، فإنما الوصف الذي يمتاز به أهل القرآن هو اليقين، ولا يكون اليقين إلا حيث يكون القطع وأما الظن فهو وصف من عابهم القرآن وأزرى بهم فلا علاقة له بأحوالهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله