تفسير سورة البقرة الآيات ٥٨-٥٩ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٥٨-٥٩

وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًۭا وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ٥٨ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ٥٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 4 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

المراد بالقرية ما هو أوسع من البلدة، وهي في الأصل اسم لمجتمع الناس ومسكن النمل الذي يبنيه، ومادتها تدل على الاجتماع، ومنها قريت الماء في الحوض إذا جمعته.

وأطلقت على الأمة نفسها.

ثم غلب استعمالها في البلاد الصغيرة، ولا يصح هنا، فإن الرغد لا يتيسر للإنسان كما يشاء إلا في المدن الواسعة الحضارة.

ونحن نسكت عن تعيين القرية كما سكت القرآن، فقد أمر بنو إسرائيل بدخول بلاد كثيرة وكانوا يؤمرون بدخولها خاشعين لله خاضعين لأمره مستشعرين عظمته وجلاله ونعمه وأفضاله وهو معنى السجود وروحه المراد هنا.

وأما صورة السجود من وضع الجباه على الأرض فلا يصح أن تكون مرادة لأنها سكون، والدخول حركة، وهما لا يجتمعان.

والمراد بالحطة الدعاء بأن تحط عنهم خطايا التقصير وكفر النعم.

وتبديل القول بغيره عبارة عن المخالفة كأن الذي يؤمر بالشيء فيخالف قد أنكر أنه أمر به وادعى أنه أمر بخلافه، يقال بدلت قولًا غير الذي قيل، أي جئت بذلك القول مكان القول الأول.

وهذا التعبير أدل على المخالفة والعصيان من كل تعبير خلافًا لما يتراءى لغير البلغ من أن الظاهر أن يقال: بدلوا القول بغيره دون أن يقال: غير الذي قيل لهم، فإن مخالف أمر سيده قد يخالفه على سبيل التأويل مع الاعتراف به، فكأنه يقول في الآية خالفوا الأمر خلافًا لا يقبل التأويل، حتى كأنه قيل لهم غير الذي قيل.

وليس المعنى أنهم أمروا بحركة يأتونها، وكلمة يقولونها، وتعبدوا بذلك وجعل سببًا لغفران الخطايا عنهم فقالوا غيره وخالفوا الأمر، وكانوا من الفاسقين.

وأي شيء أسهل على المكلف من الكلام يحرك به لسانه، وقد اخترع أهل الأديان من ذلك ما لم يكلفوا قوله لسهولة القول على ألسنتهم، فكيف يقال أمر هؤلاء بكلمة يقولونها فعصوا بتركها؟

إنما يعصي العاصي إذا كلف ما يثقل على نفسه ويحملها على غير ما اعتادت، وأشق التكاليف حمل العقول على أن تفكر في غير ما عرفت، وحث النفوس على أن تتكيف بغير ما تكيفت.

وذهب المفسر (الجلال) إلى ترجيح اللفظ على المعنى والصورة على الروح ففسر السجود ككثيرين غيره بالانحناء، وقال إنهم أمروا بأن يقولوا ﴿ حِطَّةٌ  ﴾ فدخلوا زحفًا على أستاهم وقالوا: حبة في شعيرة: أي إننا نحتاج إلى الأكل.

ومنشأ هذه الأقوال الروايات الإسرائيلية، ولليهود في هذا المقام كلام كثير وتأويلات خدع بها المفسرون ولا نجيز حشوها في تفسير كلام الله تعالى.

ويدل قوله تعالى: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ  ﴾ على أن هذا العصيان لم يكن من كل بني إسرائيل، وأن هذا الرجز كان خاصًا بالظالمين منهم الذين فسقوا عن الأمر ولم يمتثلوه.

وقد أكد هذا المعنى أشد التأكيد بوضع المُظهر موضع المُضمر فقال: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا  ﴾ ولم يقل فأنزلنا عليهم، ولعل وجه الحاجة إلى التأكيد الاحتراس من إبهام كون الرجز كان عامًا كما هو الغالب فيه، ثم أكده بتأكيده آخر وهو قوله : ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ  ﴾ وفي هذا الضرب من المقابلة من تعظيم شأن المحسنين ما فيه.

ونسكت عن تعيين نوع ذلك الرجز كما هو شأننا في كل ما أبهمه القرآن.

وقال المفسر وغيره إنه الطاعون، واحتج بعضهن عليه بقوله تعالى: ﴿ مِنَ السَّمَاءِ  ﴾ وهو كما تراه.

والرجز هو العذاب وكل نوع منه رجز.

وقد ابتلى الله بني إسرائيل بالطاعون غير مرة، وابتلاهم بضروب أخرى من النقم في إثر كل ضرب من ضروب ظلمهم وفسوقهم، ومن أشد ذلك تسليط الأمم عليهم، وحسبنا ما جاء في القرآن عبرة وتبصرة فنعين ما عينه، ونبهم ما أبهمه ﴿ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُم لَا تَعْلَمُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده