تفسير سورة آل عمران الآيات ١١٠-١١٢ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١١٠-١١٢

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ١١٠ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًۭى ۖ وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍۢ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ١١٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 4 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

هذا الوصف يصدق على الذين خوطبوا به أولًا وهم النبي  وأصحابه الذين كانوا معه عليهم الرضوان، فهم الذين كانوا أعداء فألف الله بين قلوبهم فكانوا بنعمته إخوانًا، وهم الذين اعتصموا بحبل الله ولم يتفرقوا في الدين فيذهبوا فيه مذاهب تتعصب لكل مذهب شيعة منهم، وهم الذين كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يخاف في ذلك ضعيف قويًا، ولا يهاب صغير كبيرًا، وهم المؤمنون بالله، ذلك الإيمان الذي استولى على عقولهم وقلوبهم ومشاعرهم وملك أزمة أهوائهم حتى كان هو المسير لهم في عامة أحوالهم، ذلك الإيمان الذي بيّن سبحانه خواصه وصفاته في آيات كثيرة، وظهرت فوائده وآثاره في تغيير هيئة الأرض على أيديهم، ذلك الإيمان الذي قال تعالى في أهله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ  ﴾ وقال فيهم: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا  ﴾ وقال فيهم: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ  ﴾ إلخ.

الآيات التي تحقق معناها ومعنى أمثالها في أولئك الأصحاب الذين كانوا مع الرسول  .

أما تقديم ذكر الأمر والنهي على الإيمان فالحكمة فيه أن هذه الصفة -(الأمر والنهي)- محمودة في عرف جميع الناس، مؤمنهم وكافرهم، ويعترفون لصاحبها بالفضل، ولما كان الكلام في خيرية هذه الأمة على جميع الأمم مؤمنهم وكافرهم قدم الوصف المتفق على حسنه عند المؤمنين والكافرين.

وهناك حكمة أخرى وهي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سياج الإيمان وحفاظه، فكان تقديمه في الذكر موافقًا للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شيء مقدمًا عليه.

﴿ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ  ﴾ إنه بعد ما نهانا سبحانه عن التفرق والاختلاف كما تفرق أهل الكتاب بعد ما جاءهم البينات، وأمرنا بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر أننا خير أمة أخرجت للناس بهذا وبالإيمان الحقيقي الذي يقترن بالإذعان النفسي والاتباع العملي، ناسب أن يذكر أن أهل الكتاب المختلفين ليسوا مؤمنين هذا الإيمان الخاص الذي يحبه الله تعالى ويرضاه، وهو الذي يكون الأمر بالمعروف ثمرة من ثماره والنهي عن المنكر أثرًا من آثاره، فعلمنا أن المراد بهذا الإيمان شيء أخص من الإيمان العرفي الذي يدعيه كل أحد له دين وكتاب، بل هو ما عرفناه آنفًا وقبل ذلك.

والكلام يشعر بأنه لا يوجد فيهم مؤمن هذا الإيمان الإذعاني الذي يصحبه الإخلاص والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنه لا يمكن أن تعرى منه أمة لها دين سماوي، والواقع أنه كان في أهل الكتاب مؤمنون مخلصون ولذلك قال تعالى ﴿ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ  ﴾ فعلم أن الحكم الأول على الأمة إنما هو حكم على أكثر أفرادها فهم الذين فسقوا عن حقيقة الدين ولم يبق عندهم منه إلا بعض الرسوم والتقاليد الظاهرة، فالكلام استئناف بياني لا استطراد كما قيل.

ثم قال جل شأنه ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ  ﴾ ، أي أن حالهم معكم أن يكونوا أدلاء مهضومي الحقوق رغم أنوفهم إلا بحبل من الله وهو ما قررته شريعته لهم إذا دخلوا في حكمكم من المساواة في الحقوق والقضاء وتحريم إيذائهم وهضم شيء من حقوقهم وحبل من الناس وهو ما تقتضيه المشاركة من احتياجكم إليهم واحتياجهم إليكم في بعض الامور.

أي فهذا القدر المستثنى من عموم الذلة لم يأتهم من أنفسهم وإنما جاءهم من غيرهم فهم لا عزة لهم في أنفسهم لأن السلطان والملك قد فقدا منهم.

﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ  ﴾ ، إن المسكنة حالة للشخص منشؤها استصغاره لنفسه حتى لا يدعي لها حقًا، والذلة حالة تعتري الشخص من سلب غيره لحقه وهو يتمناه، فمنشؤها وسببها غيره لا نفسه كالمسكنة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله