تفسير سورة النساء الآيات ١١٦-١٢٢ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ١١٦-١٢٢

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا ١١٦ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَـٰثًۭا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَـٰنًۭا مَّرِيدًۭا ١١٧ لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا ١١٨ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيًّۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًۭا مُّبِينًۭا ١١٩ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا ١٢٠ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًۭا ١٢١ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّۭا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا ١٢٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

تقدم صدور هذه الآية في هذه السورة وتتمها هناك ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا  ﴾ وقد تقدمها هنالك إثبات ضلال أهل الكتاب وتحريفهم، ودعوتهم إلى الإيمان بما أنزله الله على نبيه مصدقًا لما معهم، فقد بيّن لهم أن اتباع الرسول فيما جاء به والتسليم له درجات -فمنها ما تغلب النفوس على مخالفته نزوات الشهوة وثورات الغضب ثم يعود صاحبه ويتوب، فهذا مما قد تناله المغفرة، وأما التوحيد الذي هو أساس الدين فلا يُغْفَر الميل عنه إلى ضرب من ضروب الشك.

والآيات التي قبل هذه الآية تفيد أن السياق هنا كالسياق هناك فأعادها لذلك المقصد وهو بيان أن مشاقة الرسول ومخالفته إنما تكون بالخروج عن التوحيد والوقوع في الشرك لأن؛ التوحيد روح الدين وقوامه، فالمناسبة هنا تقتضي أن يعاد هذا المعنى، وهي إعادة تنادي البلاغة بطلبها، ولا تعد من التكرار الذي قالوا إنه ينافي البلاغة، فإن هذا إنما يتحقق إذا كان المخاطبون قد فهموا منك معنى تمام الفهم كما تريد ثم ذكرته لهم بعبارة لا تزيدهم فائدة ولا تأثيرًا جديدًا ولا تمكينًا للمعنى، وأما ما يفيد شيئًا من هذا الذي ذكرناه فهو الذي تقتضيه البلاغة.

﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا  ﴾ إن كثيرًا من المفسرين قالوا إن المراد بالإناث هنا الموتى لأن العرب تطلق عليهم لفظ الإناث لضعفهم أو يقال لعجزهم، ومع ذلك كان يعظمون بعض الموتى ويدعونها كما يفعل ذلك كثير من أهل الكتاب ومسلمي القرون.

وهذا هو الذي اختاره، والمراد بالدعاء ذلك التوجه المخصوص بطلب المعونة لهيبة غيبية لا يعقل الإنسان معناها، أما تفسير البعض للإناث بالأصنام، فهو مستبعد، وكذلك تفسيرها بالملائكة، لأنهم سموهم بنات الله.

﴿ وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا  ﴾ أي وما يدعون بدعوتها إلا شيطانًا مريدًا، قالوا الشيطان يطلق على العارم الخبيث من الجن والإنس، والمريد والمارد المتعري من الخيرات من قولهم: شجر أمرد إذا تعرى من الورق ومنه رملة مرداء لم تنبت شيئًا، أو هو من مرد على الشيء إذا مرن عليه حتى صار يأتيه بغير تكلف ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ  ﴾ أي شيطانًا مرد على الإغواء والإضلال، أو تمرد واستكبر عن الطاعة ثم وصفه وصفًا آخر فقال ﴿ لَعْنَةُ اللَّهِ  ﴾ واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد مع السخط والإهانة والخزي، أي أبعده الله عن مواقع فضله وتوفيقه وموجبات رحمته، أي أنهم يدعون إلا ذلك الشيطان المريد الملعون الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان ما يوسوس في صدره ويعده ويمينه كما بينه قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا  ﴾ إلخ.

النصيب المفروض هو ما للشيطان في نفس كل أحد من الاستعداد للشر الذي هو أحد النجدين في قوله تعالى: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ فهذا هو عون الشيطان على الإنسان، وهو عام في الناس حتى المعصومين، ولكن أخبرنا الله تعالى أنه ليس له سلطان على عباده المخلصين، فإذا هو زين لهم شيئًا لا يغلبهم على عمله، فما من إنسان إلا ويشعر في نفسه بوسوسة الشيطان فإن لم يكن بالشرك فبالمعصية والإصرار عليها أو الرياء في العبادة.

وهذا القول وأمثاله في القرآن المجيد في مخاطبة إبليس مع البارئ جلّ وعلا هو من الأقوال التكوينية أي التي يعبر بها عن تكوين العالم، وما خلقه الله عليه كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ فقوله تعالى هذا للسماء والأرض قول تكويني لا تكليفي فهو من قبيل قوله للشيء.

﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ وقولهما: ﴿ أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ تكويني أيضًا فهو عبارة عن كونهما وجدتا كما أراد الله تعالى أن توجدا عليه كما يجيب العبد العاقل نداء مولاه.

والمعنى أن الشيطان خلق هكذا فدعاؤه متمرد على الحق بعيد عن الخير مغري بإغواء البشر وإضلالهم كما عبر عن طبعه وسجيته بصيغة القسم: ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ  ﴾ ..

إن إضلاله لمن يضلهم هو عبارة عن صرفهم عن العقائد الصحيحة بمعنى أنه يشغلهم عن الدلائل الموصلة إلى الحق والهدى، وأما التمنية فهي في الأعمال بأن يزين لهم الاستعجال باللذات الحاضرة والتسويف بالتوبة وبالعمل الصالح، بل هذا اسم جامع لأنواع وحي الشيطان كلها وتغريره للناس بعفو الله ورحمته ومغفرته.

﴿ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ  ﴾ البتك يقارب البت في معناه العام الذي هو القطع والفصل، فالبت يقال في قطع الحبل والوصل من الحسيات، وفي الطلاق يقال طلقها بتة أي طلاقًا بائًنًا.

والبتك يقال في قطع الأعضاء والشعر ونتف الريش، وبتكت الشعر تناولت بتكة منه وهي بالكسر القطعة المنجذبة جمعها بتك قال الشاعر: * طارت وفي يده من ريشها بتك * والمراد به ما كانوا يفعلونه من قطع آذان بعض الأنعام لأصنامهم كالبحائر التي كانوا يقطعون أو يشقون آذانها شقًا واسعًا ويتركون الحمل عليها.

وكان هذا من أسخف أعمالهم الوثنية وسفه عقولهم ولهذا خصه بالذكر وإن كان داخلًا فيما قبله.

﴿ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ  ﴾ جرى قليل من المفسرين على أن المراد بتغيير خلق الله تغيير دينه، وذهب بعضهم إلى أنه التغيير الحسي، وبعضهم إلى أنه التغيير المعنوي وبعضهم إلى ما يشملها، وقال كثير منهم إن المراد تغيير الفطرة الإنسانية بتحويلها عما فطرت عليه من الميل إلى النظر والاستدلال وطلب الحق، وتربيتها على الأباطيل والرذائل والمنكرات، فالله سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وهؤلاء يفسدون ما خلق ويطمسون عقول الناس.

﴿ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا  يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ لولا وعود الشيطان لما عني أولياؤه بنشر مذاهبهم الفاسدة وآرائهم وأضاليلهم، التي يبتغون بها الرفعة والجاه والمال، وهؤلاء موجودون في كل زمان ويعرفون بمقاصدهم، وقد دل على هذا ما قبله ولكنه ذكره ليصل به قوله: ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا  ﴾ أي إلا باطلًا يغترون به ولا يملكون منه ما يحبون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل