الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ٢٢-٢٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءة﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ : إن النكاح له إطلاقان يطلق على عقد الزوجية وعلى ما وراء العقد وما يقصد به، أي على مجموعهما وهو المراد هناك، وقد صرح الفقهاء بأنه يطلق على العقد وعلى الوطء واختلفوا في أي من الإطلاقين هو الحقيقي وأيهما المجازي.
والظاهر أنه لا يطلق شرعًا على الوطء من غير عقد وإنما كمال معناه الشرعي العقد وما وراءه كما قلنا وقد يطلق على العقد وحده وهو الذي تمكن معرفته وتبنى عليه الأحكام في الغالب بخلاف ما قاله الحنفية من أن حقيقته الوطء.
﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ : إن هذا النكاح وإن كان سبيلًا مسلوكًا إلا أنه سبيل سيء لم يزده السير فيه إلا قبحًا ومقتًا.
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ الآية.
إن الله تعالى جعل بين الناس ضروبًا من الصلة يتراحمون بها ويتعاونون على دفع المضار وجلب المنافع، وأقوى هذه الصلات صلة القرابة وصلة الصهر، ولكل واحدة من هاتين الصلتين درجات متفاوتة، فأما صلة القرابة فأقواها ما يكون بين الأولاد والوالدين من العاطفة والأريحية، فمن اكتنه السر في عطف الأب على ولده يجد في نفسه داعية فطرية تدفعه إلى العناية بتربيته إلى أن يكون رجلًا مثله، فهو ينظر إليه كنظره إلى بعض أعضائه، ويعتمد عليه في مستقبل أيامه، ويجد في نفس الوالد شعورًا بأن أباه كان منشأ وجوده وممد حياته، وقوام تأديبه وعنوان شرفه، وبهذا الشعور يحترم الابن أباه، وبتلك الرحمة والأريحية يعطف الأب على ابنه ويساعده.
وأما الإخوة والأخوات فالصلة بينهما تشبه الصلة بين الوالدين والأولاد من حيث أنهم كأعضاء الجسم الواحد، فإن الأخ والأخت من أصل واحد يستويان في النسبة إليه من غير تفاوت بينهما، ثم إنهما ينشآن في حجر واحد على طريقة واحدة في الغالب، وعاطفة الأخوة بينهما متكافئة، ليست أقوى في أحدهما منها في الآخر كقوة عاطفة الأمومة والأبوة على عاطفة البنوة، فلهذه الأسباب يكون أنس أحدهما بالآخر أنس مساواة لا يضاهيه أنس آخر، إذ لا يوجد بين البشر صلة أخرى فيها هذا النوع من المساواة الكاملة، وعواطف الود والثقة المتبادلة.
ويحكى أن امرأة شفعت عند الحجاج في زوجها وابنها وأخيها، وكان يريد قتلهم، فشفعها في واحد مُبهم منهم، وأمرها أن تختار من يبقى، فاختارت أخاها، فسألها عن سبب ذلك فقالت: إن الأخ لا عوض عنه وقد مات الوالدان، وأما الزوج والولد فيمكن الاعتياض عنهما بمثلهما، فأعجبه هذا الجواب وعفا عن الثلاثة، وقال: لو اختارت الزوج لما أبقى لها أحدًا.
وجملة القول أن صلة الأخوة صلة فطرية قوية، وإن الإخوة والأخوات لا يشتهي بعضهم التمتع ببعض، لأن عاطفة الأخوة تكون هي المسئولية على النفس، بحيث لا يبقى لسواها موضع ما سلمت الفطرة، فقضت حكمة الشريعة بتحريم نكاح الأخت حتى لا يكون لمعتلي الفطرة منفذ لاستبدال داعية الشهوة بعاطفة الأخوة.
وأما العمات والخالات فهن من طينة الأب والأم، وفي الحديث: "عم الرجل صنو أبيه" أي هما كالصنوان يخرجان من أصل النخلة، وتقدم هذا في تفسير ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾ فعدوا إسماعيل من آبائه لأنه أخ لإسحاق، فكأنه هو.
ولهذا المعنى- الذي كانت به صلة العمومة من صلة الأبوة، وصلة الخؤولة من صلة الأمومة- قالوا: إن تحريم الجدات مندرج في تحريم الأمهات وداخل فيه، فكان من محاسن دين الفطرة المحافظة على عاطفة صلة العمومة والخؤولة والتراحم والتعاون بها، وأن لا تنزو الشهوة عليها، وذلك بتحريم نكاح العمات والخالات.
وأما بنات الأخ وبنات الأخت فهما من الإنسان بمنزلة بناته من حيث إن أخاه وأخته كنفسه، وصاحب الفطرة السليمة يجد لهما هذه العاطفة من نفسه، وكذا صاحب الفطرة السقيمة، إلا أن عاطفة هذا تكون سقيمة.
نعم إن عطف الرجل على بنته يكون أقوى، لكونها بضعة منه، نمت وترعرت بعنايته ورعايته، وأنسه بأخيه وأخته يكون أقوى من أنسه ببناتهما، كما تقدم.
وأما الفرق بين العمات والخالات، وبين بنات الإخوة والأخوات، فهو أن الحب لهؤلاء حب عطف وحنان، والحب لأولئك حب تكريم واحترام، فهما من حيث البعد عن مواقع الشهوة متكافئان، وإنما قدم في النظم الكريم ذكر العمات والخالات لأن الإدلاء بهما من الآباء والأمهات، فصلتهما أشرف وأعلى من صلة الإخوة والأخوات.
هذه هي أنواع القرابة القريبة التي يتراحم الناس بها ويتعاطفون، ويتوادون ويتعاونون، بما جعل الله لها في النفوس من الحب والحنان، والعطف والاحترام، فحرم الله فيها النكاح لأجل أن تتوجه عاطفة الزوجية ومحبتها إلى من ضعفت الصلة الطبيعية أو النسبية بينهم كالغرباء والأجانب، والطبقات البعيدة من سلالات الأقارب، كأولاد الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وبذلك تتجدد بين البشر قرابة الصهر، التي تكون في المودة والرحمة كقرابة النسب، فتتسع دائرة المحبة والرحمة بين الناس، فهذه حكمة الشرع الروحية في محرمات القرابة.
<div class="verse-tafsir"