تفسير سورة النساء الآيات ٢٤-٢٥ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ٢٤-٢٥

۞ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۖ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ٢٤ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَـٰتٍ غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٢٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

المحصنات المتزوجات، وما ملكت الأيمان بالسبي في حرب دينية وأزواجهن كفار في دار الحرب ينفسخ نكاحهن ويحل الاستمتاع بهن بعد الاستبراء.

فإذا قيل إن ما ملكت الأيمان يشمل المملوكة المتزوجة في دار الإسلام وهي محرمة على سيدها أن يفترشها بالإجماع!

فالجواب أن العموم هنا مخصوص بالمسبيات، وسكت عن المملوكات المتزوجات لأن التزوج بالمملوكات خلاف الأصل، وهو مكروه في الشرع والذوق والعقل، فهو كالتنبيه إلى أنه لا ينبغي أن يكون، ولذلك شدد فيه كما يأتي ويزاد على هذا أنه أَمْر لم يكن معروفًا عند التنزيل.

أما لماذا قال: ﴿ مِنَ النِّسَاءِ  ﴾ مع أن صيغة الجمع مغنية عن هذا القيد؟

..

فقال بعضهم: النكتة في ذلك تأكيد العموم، وليس هذا القول كافيًا ولا وافيًا، وصرح بعضهم بغموض النكتة في ذلك، واستشكله المفسرون، حتى روي عن مجاهد أنه قال: لو كنت أعلم من يفسرها لضربت إليه أكباد الإبل -أي لسافر إليه وإن بعد مكانه.

وعندي أن هذا القيد يكاد يكون بديهيًا، فإن لفظ ﴿ الْمُحْصَنَاتِ  ﴾ قد يراد به العفيفات أو المسلمات، فلو لم يقل هنا ﴿ مِنَ النِّسَاءِ  ﴾ لتوهم أن المحصنات إنما يحرم نكاحهن إذا كن مسلمات، فأفاد هذا القيد العموم والإطلاق، أي أن عقد الزوجية محترم مطلقًا، لا فرق فيه بين المؤمنات والكافات والحرائر والمملوكات، فيحرم تزوج أية امرأة في عصمة رجل وحصنه.

﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ  ﴾ ذكر فيما مر أكثر المحرمات من النساء، وبقي من المحرمات بالرضاعة غير الأمهات والأخوات من المحرمات بالنسب، ومثل الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وقد قال إنه أحل لنا ما وراء ذلك، فربما يقال إنه يدخل فيه ما ذكر آنفًا ونحوه من المحرم إجماعًا أو بنصوص أخرى كالمطلقة ثلاثًا والمشركة والمرتدة!

والجواب: أن بعض ما ذكر يؤخذ مما تقدم، فإن الله تعالى قد ذكر من كل صنف من المحرمات بعضه فدخل في الأمهات الجدات، وفي البنات بنات الأولاد إلخ، وبعضها يؤخذ من آيات أخرى كتحريم المشركات والمطلقة ثلاثًا على مطلقها في سورة البقرة، وقد يقال إن ما ذكر هنا من المحرمات مجمل بينته السنة، والسر في النص على ما ذكر أنه كان واقعًا شائعًا في الجاهلية فهو يعلمنا بالنص على الواقع أن لا نتعرض إلا للأمور الوجودية، وأن الأمور المفروضة والمتخيلة لا ينبغي الالتفات لها ولا الاشتغال بها.

﴿ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ  ﴾ معناه أن يقصد الرجل إحصان المرأة وحفظها أن ينالها أحد سواه ليكن عفيفات طاهرات، ولا يكون التزوج لمجرد التمتع وسفح الماء وإراقته، وهو يدل على بطلان النكاح الموقت وهو نكاح المتعة الذي يشترط فيه الأجل.

﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ فسروا الطول هنا بالمال الذي يدفع مهرًا وهو تحكم ضيقوا به معنى الكلمة، وهي من مادة الطول -بالضم- فمعناها الفضل والزيادة، والفضل يختلف باختلاف الأشخاص والطبقات، وقد قدر بعضهم -"كالحنفية"- المهر بدراهم معدودة، فقال بعضهم ربع دينار، وقال بعضهم عشرة دراهم وليس في الكتاب ولا في السنة ما يؤيده، بل ورد أن النبي  قال لمريد الزواج: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، وروي أن بعضهم تزوج بتعليم الزوجة شيئًا من القرآن مهرًا، وتزوج بعضهم بنعلين، ولم يقيد السلف المهر بقدر معين.

وتفسير الطول بالغنى لا يلائم تحديد المحددين فإنه لا يكاد أحد يجد أمة يرضى أن يزوجها سيدها بأقل من ربع دينار، أو عشرة دراهم، أو نعلين.

وفسره أبو حنيفة بأن يكون عنده حرة يستمتع بنكاحها بالفعل، أي ومن لم يكن منكم متزوجًا امرأة حرة مؤمنة فله أن يتزوج أمة، فحاصله عدم الجمع بين الحرة والأمة، والطول أوسع من كل ما قالوه، وهو الفضل والسعة المعنوية والمادية فقد يعجز الرجل عن التزوج بحرة وهو ذو مال يقدر به على المهر المعتاد لنفور النساء منه لعيب في خُلقه أو خَلْقه، وقد يعجز عن القيام بغير المهر من حقوق المرأة الحرة فإن لها حقوقًا كثيرة في النفقة والمساواة وغير ذلك وليس للأمة مثل تلك الحقوق كلها، ففقد استطاعة الطول له صور كثير، والمؤمنات ليس بقيد في الحرائر ولا الإماء أيضًا وإن قيل به وإنما هو لبيان الواقع فإنه كان نهاهم عن نكاح المشركات في سورة البقرة وهن أولئك الوثنيات اللواتي لا كتاب لقومهن وسكت عن نكاح الكتابيات والنهي عن نكاح المشركات لا يشملهن، فكان الزواج محصورًا في المؤمنات فذكره لأنه الواقع.

ثم صرح بحل زواجهن في سورة المائدة وهي قد نزلت بعد سورة النساء بلا خلاف، وفي الوصف بالمؤمنة إرشاد إلى ترجيحها على الكتابية عند التعارض.

﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ : إيتاء الأجور بالمعروف معناه بالمتعارف بين الناس ولم يقل هنا كما قال في الحرائر "فريضة" لأن المؤنة فيه أخف، والأمر أهون، والتساهل في أجور الإماء معهود بين الناس، ولا إشكال في إعطائها المهر مع كونها لا تملك لأن المملوك يقبض وإن كان لا يملك وقد نقل أبو بكر الرازي عن بعض أئمة المالكية أن السيد إذا زوج جاريته فقد جعل للزوج ضربًا من الولاية عليها لا يشاركه هو فيه فما تأخذه من الزوج يكون في مقابلة ما أسقط السيد حقه منه، فلا يكون له حظ منه بل يكون لها وحدها، وهذا هو الصحيح.

﴿ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ  ﴾ : وأن تصبروا خير لكم لما فيه من تربية الإرادة وملكة العفة وتحكيم العقل بالهوى ومن عدم تعريض الولد للرق، ولفساد الأخلاق بالإرث، فإن الجارية بمنزلة المتاع والحيوان، فهي تشعر دائمًا بالذل والهوان، فيرث أولادها إحساسها ووجدانها الخسيس.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل