الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ٢٩-٣٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةكان الكلام من أول السورة إلى هنا في معاملة اليتامى والأقارب والنساء ثم، في معاملة سائر الناس ومدار الكلام في تلك المعاملات على المال حتى أنه لما ذكر ما يحل وما يحرم من النساء، لم يخرج الكلام عن أحكام المال فقد ذكر ما يفرض لهن وما يجب من إيتائهن أجورهن، وبعد ذكر تلك الأنواع من الحقوق المالية ذكر قاعدة عامة للتعامل المالي فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ أضاف الأموال إلى الجميع فلم يقل لا يأكل بعضكم مال بعض للتنبيه على ما قررناه مرارًا من تكافل الأمة في حقوقها ومصالحها كأنه يقول إن مال كل واحد منكم هو مال أمتكم فإذا استباح أحدكم أن يأكل مال الآخر بالباطل كان كأنه أباح لغيره أكل ماله وهضم حقوقه لأن المرء يدان كما يدين.
وإن في هذه الإضافة تنبيهًا إلى مسألة أخرى وهي أن صاحب المال الحائز له يجب عليه بذله للمحتاج، فكما لا يجوز للمحتاج أن يأخذ شيئًا من مال غيره بالباطل كالسرقة والغصب، لا يجوز لصاحب المال أن يبخل عليه بما يحتاج إليه.
وفسر (الجلال) وغيره الباطل بالمحرم.
وهو إحالة للشيء على نفسه فإن الله حرم الباطل بهذه الآية، فقولهم إن الباطل هو المحرم يجعل حاصل معنى الآية: إنني جعلت المال المحرم محرمًا، والصواب أن الباطل هو ما يقابل الحق ويضاده، والكتاب يطلق الألفاظ كالحق والمعروف والحسنات أو الصالحات، وما يقابلها وهو الباطل والمكر والسيئات، ويكل فهمها إلى أهل الفطرة السليمة من العارفين باللغة ومن ذلك قوله في اليهود ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ فحق فلان في المال هو الثابت له في العرف وهو ما إذا عرض على العقلاء المنصفين أصحاب الفطرة السليمة يقولون إنه له، فيدخل في الباطل الغصب والغش والخداع والربا والغبن والتغرير، وقوله: ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ للإشعار بأن المال المحرم لأنهه باطل هو ما كان موضع التنازع في التعامل بين المتعاملين كأنه واقع بين الآكل والمأكول منه، كل منهما يريد جذبه لنفسه، فيجب أن يكون المرجح للمال بين اثنين يتنازعان فيه هو الحقن فلا يجوز لأحد أن يأخذه بالباطل، وعبر بالأكل عن مطلق الأخذ لأنه أقوى أسبابه وأعمها وأكثرها.
قال تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ قالوا إن الآية دليل على تحريم ما عدا ربح التجارة من أموال الناس -أي كالهدية والهبة- ثم نسخ ذلك بآية النور المبيحة للإنسان أن يأكل من بيوت أقاربه وأصدقائه، وهو افتراء على الذين لا أصل له، إذ لا يعقل أن تكون الهبة محرمة في وقت من الأوقات، ولا ما في معناها كإقراء الضيف، وإنما يكون التحريم فيما يمانع فيه صاحب المال فيؤخذ بدون رضاه، أو بدون علمه، مع العلم أو الظن بأنه لا يسمح به.
وإنما استثنى الله التجارة من عموم الأموال التي يجري فيها الأكل بالباطل، أي بدون مقابل، لأن معظم أنواعها يدخل فيها الأكل بالباطل، فإن تحديد قيمة الشيء وجعل عوضه أو ثمنه على قدره بقسطاس الحق المستقيم عزيز وعسير إن لم يكن محالًا.
فالمراد من الاستثناء التسامح بما يكون فيه أحد العوضين أكبر من الآخر وما يكون سبب التعاوض فيه براعة التاجر في تزيين سلعته وترويجها بزخرف القول من غير غش ولا خداع ولا تغرير كما يقع ذلك كثيرًا، فإن الإنسان كثيرًا ما يشتري الشيء من غير حاجة شديدة إليه، وكثيرًا ما يشتريه بثمن يعلم أنه يمكن ابتياعه بأقل منه من مكان آخر، ولا يكون سبب ذلك إلا خلابة التاجر وزخرفه، وقد يكون ذلك من المحافظة على الصدق واتقاء التغرير والغش، فيكون من باطل التجارة الحاصلة بالتراضي، وهو المستثنى، والحكمة في إباحة ذلك الترغيب في التجارة لشدة حاجة الناس إليها وتنبيه الناس إلى استعمال ما أوتوا من الذكاء والفطنة في اختبار الأشياء والتدقيق في المعاملة حفظًا لأموالهم التي جعلها الله لهم قيامًا أن يذهب شيء منها بالباطل، أي بدون منفعة تقابلها.
فعلى هذا يكون الاستثناء متصلًا خرج به الربح الكثير، الذي يكون بغير غش ولا تغرير، بل بتراض لم تنخدع فيه إرادة المغبون، ولو لم يبح مثل هذا لما رغب في التجارة ولا اشتغل بها أحد من أهل الدين على شدة حاجة العمران إليها وعدم الاستغناء عنها، إذ لا يمكن أن تتبارى الهمم فيها مع التضييق في مثل هذا، وقد شعر الناس منذ العصور الخالية بما يلابس التجارة من الباطل حتى أن اليونانيين جعلوا للتجارة والسرقة إلهًا أو ربًا واحدًا فيما كان عندهم من الآلهة والأرباب لأنواع المخلوقات وكليات الأخلاق والأعمال.
﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن المشار إليه في قوله "ذلك" كل ما تقدم النهي عنه من أول السورة إلى الآية السابقة، وقال ابن جرير إن المشار إليه هو ما نهي عنه من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ إلى هنا، وذلك أن المنهيات التي قبل تلك الآية قد اقترنت بالوعيد عليها على حسب سنة القرآن، ولكن هذه المنهيات الأخيرة لم يوعد عليها بشيء وإن وصفت بالقبح الذي يترتب عليه الوعيد.
-وهي النهي عن إرث النساء كرهًا، وعن عضلهن لأخذ شيء من مالهن، وعن نكاح ما نكح الآباء في الجاهلية، وعن أكل أموال الناس بالباطل، وعن القتل- وقال بعضهم إن المشار إليه في هذه الآية هو القتل فقط، وقد قصر كل التقصير، وأكثر المفسرين على أن المراد بذلك ما في الآية الأخيرة من النهي عن أكل أموال الناس بالباطل وعن القتل، وهذا هو المعقول المقبول فإن ما قبلها من المنهيات التي لم تقترن بالوعيد قد اقترنت بالوصف الدال عليه.
والعدوان هو التعدي على الحق، فكأنه قال بغير حق، وهو يتعلق بالقصد فمعناه: أن يتعمد الفاعل إتيان الفعل وهو يعلم أنه قد تعدى الحق وجاوزه إلى الباطل، والظلم يتعلق بالفعل نفسه بأن كان المعتدي لم يتحر ويجتهد في استبانة ما يحل له فيفعل ما لا يحل، والوعيد مقرون بالأمرين معًا وهما أن يقصد الفاعل العدوان وأن يكون فعله ظلمًا في الواقع ونفس الأمر فإذا وجد أحدهما دون الآخر لا يستحق هذا الوعيد الشديد.
مثال تحقق العدوان دون الظلم أن يقتل الإنسان رجلًا بقصد الاعتداء عليه ثم يظهر له أنه كان راصدًا له يريد قتله ولو لم يسبقه لقتله، أو أنه كان قتل من له ولاية دمه كأصله أو فرعه، فههنا لم يتحقق الظلم وأما العدوان فواقع لا محالة، ومثال تحقق الظلم فقط أن يسلب امرؤ مال آخر ظانًا أنه ماله الذي كان سرقه أو اغتصبه منه، ثم يتبين له أن المال ليس ماله وأنه لم يكن هو الذي أخذ ماله، وأن يقتل رجلًا رآه هاجمًا عليه فظن أنه صائل يريد قتله ثم يتبين له خطأ ظنه، فههنا تحقق الظلم ولكن لم يتحقق العدوان.
﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ إن معنى كونه يسيرًا على الله تعالى هو أن حلمه في الدنيا على المعتدين الظالمين وعدم معالجتهم بالعقوبة لا يقتضي أن ينجوا من عقابه في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"