الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ٣٦-٣٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 19 دقيقة قراءةكل ما تقدم من الأحكام كان خاصًا بنظام القرابة والمصاهرة وحال البيوت التي تتكون منها الأمة، ثم إنه تعالى بعد بيان تلك الأحكام الخصوصية، أراد أن ينبهنا إلى بعض الحقوق العمومية وهي العناية بكل من يستحق العناية وحسن المعاملة من الناس، فبدأ ذلك بالأمر بعبادته تعالى، وعبادته ملاك حفظ الأحكام والعمل بها وهي الخضوع له تعالى وتمكين هيبته وخشيته من النفس، والخشوع لسلطانه في السر والجهر، فمتى كان الإنسان على هذا فإنه يقيم هذه الأحكام وغيرها حتى تصلح جميع أعماله، ولذلك كانت النية عندنا تجعل الأعمال العادية عبادات كالزارع يزرع ليقيم أمر بيته ويعول من يقوته ويفيض من فضل كسبه على الفقراء والمساكين ويساعد على الأعمال ذات المنافع العامة، فعمله بهذه النية يجعل حرثه من أفضل العبادات، فليست العبادة في قوله هنا: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ خاصة بالتوحيد كما قال المفسر (الجلال) بل هي عامة كما قلنا تشمل التوحيد وجميع ما يمده من الأعمال.
﴿ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ من الأشياء أو شيئًا من الإشراك، اختلف تعبيرهم والمعنى واحد، والإشراك بالله يستلزم الإيمان به والنهي عنه يستلزم النهي عن التعطيل بالأولى.
والإشراك قد ذكر في القرآن بعض ضروبه عند مشركي العرب وهو عبادة الأصنام باتخاذهم أولياء وشفعاء ووسطاء عند الله تعالى يقربون المتوسل بهم إليه ويقضون الحاجات عنده كما هو المعهود من معنى الولاية والشفاعة عندهم، والآيات في ذلك كثيرة ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ .
وذكر أن أهل الكتاب دخل عليهم الشرك فالنصارى عبدوا المسيح وبعضهم عبد أمه السيدة مريم رضي الله عنها، وقال الله في الفريقين: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، وقد ورد في تفسيره بالحديث الصحيح المرفوع أنهم كانوا يضعون لهم أحكام الحلال والحرام فيتبعونهم فيها وسبق ذكر ذلك في التفسير غير مرة.
فالشرك أنواع وضروب أدناها ما يتبادر إلى أذهان عامة المسلمين أنه العبادة لغير الله كالركوع والسجود له، وأشدها وأقواها هو ما سماه الله دعاء واستشفاعًا وهو التوسل بهم إلى الله وتوسيطهم بينهم وبينه تعالى، فالقرآن ناطق بهذا وهو المشهور في كتب السير والتاريخ، فهذا المعنى هو أشد أنواع الشرك وأقوى مظاهره التي يتجلى فيها معناه أتم التجلي، وهو الذي لا ينفع معه صلاة ولا صيام ولا عبادة أخرى.
ولقد فشا هذا الشرك في المسلمين اليوم، ومن الشواهد عل ذلك حال المعتقدين الغالين في البدوي "شيخ العرب" والدسوقي وغيرهما وهي شواهد لا تحتمل التأويل، وإن الذين يؤولون لأمثال هؤلاء إنما يتكلفون الاعتذار لهم لزحزحتهم عن شرك جلي واضح إلى شرك أقل منه جلاءً ووضوحًا، ولكنه شرك ظاهر على كل حال، وليس هو من الشرك الخفي الذي وردت الأحاديث بالاستعاذة منه، الذي لا يكاد يسلم منه إلا الصديقون، ومنه أن يعمل المؤمن العمل الصالح من العبادة لله تعالى ويجب أن يمدح عليه أو يتلذذ بالمدح عليه.
﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ الخطاب لعموم الأفراد أي ليحسن كل لوالديه، وذلك أنهما السبب الظاهر في وجود الولد ونموه بما بذلا من الجهد والطاقة في تربيته بكل رحمة وإخلاص، وقد بينت كتب الأحكام الظاهرة ما للوالدين من حقوق النفقة وبينت كتب الدين جميع الحقوق، والمراد بكتب الدين كتب آدابه كالإحياء للغزالي ويجمع هذه الحقوق كلها آيتا سورة الإسراء.
﴿ وَبِذِي الْقُرْبَى ﴾ : إذا قام الإنسان بحقوق الله تعالى فصحت عقيدته وصلحت أعماله، وقام بحقوق الوالدين فصلح حالهما وحاله، تتكون بذلك وحدة البيوت الصغيرة المركبة من الوالدين والأولاد، وبصلاح هذا البيت الصغير يحدث له قوة، فإذا عاون أهله البيوت الأخرى التي تنسب إلى هذا البيت بالقرابة وعاونته هي أيضًا يكون لكل من البيوت المتعاونة قوة كبرى يمكنه أن يحسن بها إلى المحتاجين الذين ليس لهم بيوت تكفيهم مؤنة الحاجة إلى الناس الذين لا يجمعهم بهم النسب، وهم الذين عطفهم على ذوي القربى بقوله: ﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ﴾ فإن الله تعالى يوصي باليتامى في مثل هذا المقام لأن اليتيم يهمل أمره بفقده الناصر القوي الغيور وهو الأب أو تكون تربيته ناقصة بالجهل الذي هو جناية على العقل، أو فساد الأخلاق الذي هو جناية على النفس، وهو بجهله وفساد أخلاقه يكون شرًا على أولاد الناس يعاشرهم فيسري إليهم فساده، وقلما تستطيع الأم أن تربي الولد تربية كاملة مهما اتسعت معارفها.
وكذلك المساكين لا تنتظم الهيئة الاجتماعية إلا بالعناية بهم وصلاح حالهم فإن أهمل أمرَهم الأغنياء كانوا بلاء وويلًا على الناس.
وقلما ينظر الناس في المسكنة إلى غير العدم وصفر الكف، والمهم معرفة سبب ذلك فإن من الناس من يكون سبب عدمه وعوزه ضعفه وعجزه عن الكسب، أو نزول الجوائح السماوية تذهب بماله من غير تقصير منه، وهذا هو المسكين الحقيقي الذي تجب مواساته بالمال الذي يقع موقعًا من كفايته، ومنهم العادم الذي ما عدم المال إلا بالإسراف والتبذير والمخيلة والفخفخة الباطلة، ومنهم العادم الذي ما عدم المال إلا لكسله وإهماله للكسب طمعًا فيها في أيدي الناس واتكالًا عليهم، أو بسلوكه فيه مسلك الغش والخيانة حتى يفضح سره ويظهر أمره فيحبط عمله، فالمساكين على ضربين: مسكين معذور يساعد بالمال ينفقه، أو يساعد على تحصيله بكسبه إن كان قادرًا على ذلك، ومسكين غير معذور يرشد إلى تقصيره، ولا يساعد على إسرافه وتبذيره، بل يدل على طرق الكسب، فإن اتعظ وقبل النصح، وإلا ترك أمره إلى أولي الأمر، والله بصير بالعباد.
﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ : حدد بعضهم الجوار بأربعين دارًا من كل جانب من الجوانب الأربعة.
والحكمة في الوصية بالجار هي التي تعرفنا سر الوصية ومعنى الجوار، المراد بالجار من تجاوره ويتراءى وجهك ووجهه في غدوك أو رواحك إلى دارك، فيجب أن تعامل من ترى وتعاشر بالحسنى فتكون في راحة معهم ويكونون في راحة معك.
﴿ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ﴾ : هو من صاحبته وعرفته ولو وقتًا قصيرًا.
﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ : إنه من تبناه السبيل في غير معصية.
﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ : أوصانا الله تعالى بهؤلاء الذين يعدون في عرف الناس أدنى الطبقات لئلا نظن أن استرقاقهم يجيز امتهانهم ويجعلهم كالحيوانات المسخرة، فبيّن لنا أن لهم حقًا في الإحسان كسائر طبقات الناس، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ هذا تعليل أو بمنزلة التعليل لكل هذه الوصايا المتقدمة، والمختال هو المتكبر الذي يظهر على بدنه أثر من كبره في الحركات والأعمال، فيرى نفسه أعلى من نفوس الناس، وأنه يجب على غيره أن يتحمل من تيهه ما لا يتحمله هو منه، فالمختال من تمكنت في نفسه ملكة الكبر وظهر أثرها في عمله وشمائله فهو أشر من المتكبر غير المختال، والفخور هو المتكبر الذي يظهر أثر الكبر في قوله كما يظهر في فعل المختال، فهو يذكر ما يرى أنه ممتاز به على الناس تبجحًا بنفسه وتعريضًا باحتقاره غيره، فالمختال الفخور مبغوض عند الله تعالى لأنه احتقر جميع الحقوق التي وضعها وأوجبها للناس وعمي عن نعمه تعالى عليهم وعنايته بهم، بل لا يجد هذا المتكبر في نفسه معنى عظمة الله وكبريائه لأنه لو وجدها لتأدب وشعر بضعفه وعجزه وصغاره، فهو جاحد أو كالجاحد لصفات الألوهية التي لا تليق إلا بها ولا تكون بحق إلا لها.
فمن فتش نفسه وحاسبها علم أنه لا يعينه على القيام بعبادة الله تعالى ويطهره من نزعات الشرك به ومنازعته في صفاته ويسهل عليه القيام بوصاياه هذه وبغيرها إلا سكون النفس ومعرفتها قدرها ببراءتها من خلق الكبر الخبيث الذي تظهر آثار تمكنه ورسوخه بالخيلاء والفخر.
إن المختال لا يقوم بعبادة الله تعالى لأن عملًا ما لا يسمى عبادة إلا إذا كان صادرًا عن الشعور بعظمة المعبود، وسلطانه الأعلى غير المحدود، ومن أُوتي هذا الشعور خشع قلبه، ومن خشع قلبه خشعت جوارحه، فلا يكون مختالًا، إن المختال لا يقوم بحقوق الوالدين ولا حقوق ذوي القربى لأنه لا يشعر بما عليه من الحق لغيره، وإذا كان لا يقوم بحقوق الوالدين، وفضلهما عليه ليس فوقه إلا فضل الله تعالى، ولا بحقوق ذوي القربى وهم بمقتضى النسب في طبقته، فهل يرى نفسه مطالبًا بحق ما لليتيم الضعيف، أو للمسكين الأسيف، أو للجار القريب أو البعيد، أو للصاحب النبيه أو المغمول، أو لابن السبيل المعروف أو المجهول؟!
كلا إن هذا رجل مفتون بنفسه، مسحور في عقله وحسه، فلا يرجى منه البر والإحسان، وإنما يتوقع منه الإساءة والكفران.
﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ ، قال المفسر "يبخلون بما آتاهم الله من العلم والمال وهم اليهود".
وهما قولان فمن خص البخل بالبخل بالعلم جعل الكلام في اليهود، ومن قال هو البخل بالمال لم يجعله في اليهود، فالمفسر جمع بين القولين وخص الكلام باليهود واضطر لأجل ذلك إلى قطع الكلام وجعل "الذين" مبتدأ خبر محذوف، وإن لم يوجد في الكلام ما يدل عليه، ولمن يحمل الكلام على اليهود مندوحة عن هذا القطع إلى أهون منه وهو القطع من ابتداء قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ ﴾ إلخ، ومن العجيب أن مثل ابن جرير الطبري حمل الكلام على اليهود كأنه تعالى بعد تلك الأوامر بالإحسان ختم الكلام بقوله إن الله لا يحب اليهود، وما هذا بأقرب إلى البلاغة من القطع الأول، وأعجب من قوله ابن جرير تعليله إياه بأنه لا يوجد في الناس أمة تأمر الناس بالبخل على أنه دين فَتعيَّن أن يكون المراد بالبخل البخل بغير المال.
وكأن ابن جرير لم يخبر الناس فإن من طبيعة البخيل الأمر بالبخل بحاله ومقاله ليسهل على نفسه خلقه الذميم ويجد له فيه أقرانًا وأمثالًا.
وإن من الناس من أمروني بالبخل مرارًا، وإن أمرهم كان يؤثر في نفسي أحيانًا، حتى إنه ربما رددت يدي بالدراهم إلى جيبي بعد إخراجها إذا كان للبخيل المنفر شبهة قوية كقوله؛ إن هذا غير مستحق فإعطاؤه إضاعة وإذا وضعت ما تريد إعطاءه إياه في موضع كذا يكون خيرًا وأولى.
المتعين في السياق أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ تعليل لما قبله، وأن قوله: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ إلخ، وصف لمن كان مختالًا فخورًا أو بدل منه، ولم يذكر ما يبخلون به فيخصه بالمال لأن الإحسان بالوالدين وذي القربى وما عطف عليهم في الآية لم يكن مرادًا به الإحسان بالمال فقط كما علم مما تقدم بل منه الإحسان بالقول والمعاملة، فالمراد بالبخل البخل بذلك الإحسان المأمور به فهو أعم من البخل بالمال فيشمل البخل بلين الكلام وإلقاء السلام والنصح في التعليم، وبالنفس لإنقاذ المشرف على التهلكة، وكذلك كتمان ما آتاهم الله من فضله يشمل كتمان المال وكتمان العلم، وجيء به بعد الأول لتوبيخ أهله، وبيان أنهم لا حق لهم فيه، ويجوز أن يخص البخل بإمساك المال، ويجعل الكتمان عامًا شاملًا لما عداه من أنواع الإحسان، فالكلام في الإحسان، والمقصرون فيه إنما يقصرون بعلة الخيلاء والفخر، اللذين هما مظهر الترفع والكبر، فهو بين لنا أن من كان ملوث النفس بتلك الرذيلة لا يكون محسنًا، لأن الكبر يستلزم جحود الحق، ولا سيما إذا ظهرت آثاره بالقول والعمل، وجحود الحق يستلزم منعه ومنعه هو البخل، فبين أن الملوثين بذلك الخلق الذي يبغض الله صاحبه ولا يحبه يبخلون بما أمروا به من الإحسان ويأمرون الناس بالبخل إما بلسان المقال وإما بلسان الحال بأن يكونوا قدوة سيئة في ذلك، ويكتمون نعم الله تعالى عليهم بإنكارها وعدم الشكر عليها بالإنفاق منها ولذلك توعدهم بقوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ أي وهيأنا لهم بكبرهم وكفرهم، وبخلهم وعدم شكرهم، عذابًا ذا إهانة يجمع لهم فيه بين الألم والمهانة والذلة جزاء كبرهم وقال للكافرين ولم يقل لهم للإيذان بأن هذه الأخلاق والأعمال إنما تكون من الكفور، لا من المؤمن الشكور.
﴿ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ الرئاء ويخفف فيقال الرياء مصدر راءى كالمراءاة، والجملة عطف على الذين يبخلون وأعيد الموصول للدلالة على المغايرة في الأصناف كقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾ من سورة آل عمران، أي إن مانعي الإحسان من أهل الفخر والخيلاء صنفان صنف يبخلون ويكتمون فضل الله عليهم وصنف يبذلون المال لا شكرًا لله على نعمته واعترافًا لعباده بحقوقهم، بل ينفقونها رئاء الناس أي مرائين لهم يقصدون أن يروهم فيعظموا قدرهم، ويحمدوا فعلهم، فالمرائي لا يقصد بإنفاقه إلا الفخر على الناس بكبريائه وإشراع الطريق لخيلائه، فإنفاقه أثر تلك الملكة الرديئة.
والكبرياء كما تكون من شيء في نفس الشخص، تكون أيضًا بما يكون له من المال والعرض، فإنك لترى الرجل يمشي ينظر إلى عطفيه ويفكر في نفسه هل هو محل الإعجاب والتعظيم من الناس أم لا، وشر هذا دون شر البخيل، فإن هذا يحمل الناس على قبول اختياله وفخره في مقابلة شيء يبذله لهم، فكأنه رأى لهم شيئًا من الحق عليه وهو بذل التعظيم والثناء الذي يطلبه برئائه، وأما البخيل فقد بلغ من احتقاره للناس واختياله وفخره عليهم أن لا يرى لهم عليه حقًا ما فهو يكلفهم تعظيمه ومدحه لأجل ماله -وماله في الصندوق مكتوم عنهم- فهو شر من المرائي بلا شك، ولذلك قدم ذكر البلاء اهتمامًا بهم لأنهم أعرق في تلك الرذيلة وآثارها.
والمرائي في الحقيقة بخيل لا يرى لأحد عليه حقًا ولكنه يتوهم أنه صاحب الفضل على الناس ولذلك يخص ببذله في الغالب من لا حق لهم عنده ويبخل على أرباب الحقوق المؤكدة حتى على زوجه وولده وخادمه، وعلى الأقربين حتى الوالدين، ولا يتحرى في إنفاقه مواضع النفع العام ولا الخاص وإنما يتحرى مواطن التعظيم والمدح وإن كان الإنفاق هنالك ضارًا كالمساعدة على الفسق أو الفتن، فهو تاجر يشتري تعظيم الناس له وتسخيرهم لقضاء حاجة والقيام بخدمته.
ثم وصف الله تعالى هؤلاء المجرمين المرائين بقوله: ﴿ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ وهو من عطف السبب على المسبب والعلة على المعلول، ذلك بأن المرائي يثق بما عند الناس ما لا يثق بما عند الله، ويرجح التقرب إليهم على التقرب إليه، ويؤثر ما عندهم من المدح وتوقع النفع، على ما أعده الله في الآخرة على الإيمان وعمل الصالحات، فالله في نظره المظلم أهون من الناس، فهل يعد مثل هذا مؤمنًا بالله إيمانًا حقيقيًا، مؤمنًا باليوم الآخر كما يجب؟
أم يكون إيمانه تخيلًا كتخيل الشعراء وقولًا كقول الصبيان: والله ما فعلت كذا!.
فالواحد منهم ينطق باسم الله ويؤكد باسمه الكريم الكلام وهو لا يعرف الله وإنما يسمع الناس يقولون قولًا فيقلدهم بما يحفظ منه، لا يعرف أنه هو موجد الكائنات، النافذ علمه وقدرته بما في الأرض والسموات، فهل يكون مثل هذا مؤمنًا بالله واليوم الآخر؟
كلا إنه لو كان مؤمنًا باليوم الآخر موقنًا بأن له هنالك حياة أبدية لا نهاية لها، لما فضل عليها عرض هذه الحياة القصيرة التي لا قيمة لها.
ومن آيات الفرق بين المخلص والمرائي أن المرائي يلتمس الفرص والمناسبات للفخر والتبجح بما أعطى وما فعل، والمخلص قلما يتذكر عمله أو يذكره إلا لمصلحة، كأن يرغب بعض الناس في البذل فيقول للغني مثلًا إنني على فقري أو على قدر حالي قد أعطيت في مصلحة كذا وكذا درهمًا أو دينارًا فاللائق بك أن تبذل كذا.
﴿ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ﴾ في الآية تنبيه إلى قرناء المرء في سيرته وما ينبغي من اختيار القرين الصالح على قرين السوء، وتعريض بتنفير أولئك الأنصار من مقارنة أولئك اليهود الذين كانوا ينهونهم عن الإنفاق في سبيل الله وبيان أنهم شياطين يعدون الفقر، وينهون عن المعروف ويأمرون بالمنكر، والقرين الصالح من يكون عونًا لك على الخير مرغبًا لك فيه، منفرًا لك بنصحه وسيرته عن الشر مبعدًا لك عنه، مذكرًا لك بتقصيرك، مبصرًا إياك بعيوب نفسك، وكم أصلح القرين الصالح فاسدًا، وكم أفسد قرين السوء صالحًا.
﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ﴾ أي ما الذي كان يصيبهم من الضرر لو آمنوا وأنفقوا، وهذا الكلام موجه إلى جميع المكلفين المخاطبين بالقرآن.
وكان أكثر العرب يؤمنون قبل البعثة بالله تعالى وكونه هو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، ومنهم من كان يؤمن بحياة أخرى بعد الموت، وكانوا مع ذلك مشركين وإيمانهم على غير الوجه الصحيح، وكذلك أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر ولكن الشرك كان قد تغلغل فيهم أيضًا، فالمراد الإيمان الصحيح مع الإذعان الذي يظهر أثره في العمل، و "لو" على معناها وجوابها محذوف دل عليه ما قبله من الاستفهام، والكلام مسوق مساق التعجب من حالهم في إنفاق المال وعمل الإحسان لوجه الله وابتغاء رضوانه وثوابه في الآخرة، والمراد من التعجب إثارة عجب الناس من حالهم إذ لو أخلصوا لما فاتتهم منفعة الدنيا، ولفازوا مع ذلك بسعادة العقبى، وكثيرًا ما يفوت المرائي غرضه من التقرب إلى الناس وامتلاك قلوبهم وتسخيرهم لخدمته أو الثناء عليه، ويفوز بذلك المخلص الذي يخفي العمل من حيث لا يطلبه ولا يحتسبه ففي هذه الحالة يكون للمخلص سعادة الدارين، ويرجع المرائي يخفي حنين، بل يكون قد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، فجهل المرائين جدير بأن يتعجب منه لأنه جهل بالله وجهل بأحوال الناس، ولو آمنوا وأخلصوا وأحسنوا ووثقوا بوعد الله ووعيده لكان هذا الإيمان كنز سعادة لهم، فإن من يحسن موقنًا أن المال والجاه من فضل الله على العبد وأنه ينبغي أن يتقرب بهما إليه تعلو همته فتهون عليه المصاعب والنوائب، ويكون هذا الإيمان الصحيح عوضًا له من كل فائت، وسلوى في كل مصاب، وفاقد الإيمان الحقيقي عرضة للغم واليأس من كل خير عندما يرى خيبة أمله وكذب ظنه في الناس، فإذا وقع في مصاب عظيم كفقد المال ولا سيما إذا ذهب كل ماله وأمسى فقيرًا ولم ينقذه الناس ولا بالوا به فإن الغم والقهر ربما أماتاه جزعًا لا صبرًا، وربما بخع نفسه وانتحر بيده.
ولذلك يكثر الانتحار من فاقدي الإيمان.
وأما المؤمن فإن أقل ما يؤتاه في المصائب هو الصبر والسلوى فيكون وقع المصيبة على نفسه أخف، وثواء الحزن في قلبه أقل، وأكثره أن تكون المصيبة في حقه رحمة، وتتحول النقمة فيها نعمة، بما يستفيد فيها من الاختبار والتمحيص، وكمال العبرة والتهذيب.
على أن المؤمنين المحسنين المخلصين يكونون أبعد عن النوائب والمصائب من غيرهم، وقد يبتلي الله المؤمن ويمتحن صبره فيعطيه إيمانه من الرجاء بالله تعالى ما تخالط حلاوته مرارة المصيبة حتى تغلبها أحيانًا، وإن من الناس من يعظم رجاؤه بالله وصبره على حكمه ورضاه بقضائه واعتقاده أنه ما ابتلاه إلا ليربيه ويعظم أجره حتى أنه ليأنس بالمصيبة ويتلذذ بها وهذا قليل نادر ولكنه واقع.
﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴾ لو لم ينزل في معاملة الناس بعضهم لبعض إلا هذه الآيات ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ -إلى قوله-: ﴿ عَلِيمًا ﴾ لكانت كافية لهداية من له قلب يشعر وعقل يفكر، فأين منها تقصير المنتسبين إلى الإسلام في اتباع هذه الأوامر، وواقع حال الناس في معاملة الوالدين والأقربين والجيران واليتامى والمساكين وهو ما يتبرأ منه الإسلام؟!.
<div class="verse-tafsir"