الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ٥٦-٥٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 3 دقيقة قراءةقال تعالى في الآية السابقة: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ﴾ ، وتوعد من صد عنه بسعير جهنم، ثم فصّل هذا الوعيد بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا ﴾ ونقلوا عن سيبويه أن "سوف" تأتي للتهديد وتنوب عنها السين ويستشهدون بهذه الآية.
ولكن ورد دخول السين على الفعل في مقام الوعد في الآية الآتية: ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ ﴾ والصواب أن السين وسوف على معناهما المشهور في إفادة التنفيس والتأخير واشتق لفظ التسويف بمعنى التأخير من سوف، ولكن بعضهم استشكل التسويف هنا ولو نظروا في مثل هذا الوعيد لرأوا أن حصوله يكون متأخرًا جدًا عن وقت نزول الآية به، على أن للتراخي والبعد معنى آخر بحسب اعتبار المقام في الخطاب، فإذا نظر إلى حال المغرورين بما هم فيه من قوة وعزة، الذين صرفهم غرورهم وطغيانهم بعزتهم عن النظر فيما جاء به النبي من البينات والهدى فصدوا عنه استغناء بما هم فيه، يراهم بهذا الغرور بعداء جدًا عن تصور الوعيد والتفكير فيه، فيكون هذا التسويف مرعيًا فيه حالهم ليتفكروا في مستقبل أمرهم.
﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ﴾ نضج الجلود هو نحو نضج الثمار والطعام وهو عبارة عن فقد التماسك الحيوي والبعد عن الحياة وإنما تتبدل لأن النضج يذهب القوة الحيوية التي بها الإحساس فإذا بقيت ناضجة يقل الإحساس بما يمسها أو يزول، لذلك تتبدل بها جلود حية غيرها ﴿ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ لأن الذوق والإحساس يصل إلى النفس بواسطة الحياة في الجلد، ومن هنا قال بعض المفسرين إن المراد بتبديل الجلود دوام العذاب فالكلام تمثيل أو كناية عن دوام الإحساس بالعذاب، فإنه أراد أن يزيل وهمًا ربما يعرض للناس بالقياس على ما يعهدون في أنفسهم من أن الذي يتعود الألم يقل شعوره به ويصير عاديًا عنده كما نرى من حال الرجل تعمل له عملية جراحية وتتكرر فإنه في المرة الأولى يتألم تألمًا شديدًا ثم لا يزال يخف بالتدريج حتى نراه لا يبالي به، وهكذا نشاهد في كثير من الآلام والأمراض التي يطول أمرها.
يعنى كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدّثوا ووجدوا فيكون المقصود دوام العذاب وعدم انقطاعه.
<div class="verse-tafsir"