الآية ١١ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١١ من سورة يونس

۞ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده : أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم ، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك ، فلهذا لا يستجيب لهم - والحالة هذه - لطفا ورحمة ، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم وأولادهم بالخير والبركة والنماء ؛ ولهذا قال : ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ) أي : لو استجاب لهم كل ما دعوه به في ذلك ، لأهلكهم ، ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك ، كما جاء في الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا يعقوب بن محمد ، حدثنا حاتم بن إسماعيل ، حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة عن عبادة بن الوليد ، حدثنا جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تدعوا على أنفسكم ، لا تدعوا على أولادكم ، لا تدعوا على أموالكم ، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم " .

ورواه أبو داود ، من حديث حاتم بن إسماعيل ، به .

وقال البزار : [ و ] تفرد به عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري ، لم يشاركه أحد فيه ، وهذا كقوله تعالى : ( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا ) [ الإسراء : 11 ] .

وقال مجاهد في تفسير هذه الآية : ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ) هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه : " اللهم لا تبارك فيه والعنه " .

فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك ، كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ولو يعجل الله للناس إجابةَ دعائهم في الشرّ ، وذلك فيما عليهم مضرّة في نفس أو مال ، (استعجالهم بالخير) ، يقول: كاستعجاله لهم في الخير بالإجابة إذا دعوه به ، (لقضي إليهم أجلهم)، يقول: لهلكوا ، وعُجِّل لهم الموت، وهو الأجل.

(21) * * * وعني بقوله: (لقضي) ، لفرغ إليهم من أجلهم ، (22) ونُبذ إليهم، (23) كما قال أبو ذؤيب: وَعَلَيْهِمَــا مَسْــرُودَتَانِ قَضَاهُمَــا دَاوُدُ , أَوْ صَنَــعُ السَّــوَابِغِ تُبَّــعُ (24) * * * ، (فنذر الذين لا يرجون لقاءنا)، يقول: فندع الذين لا يخافون عقابنا ، ولا يوقنون بالبعث ولا بالنشور، (25) ، (في طغيانهم) ، يقول: في تمرّدهم وعتوّهم، (26) (يعمهون) يعني: يترددون.

(27) وإنما أخبر جل ثناؤه عن هؤلاء الكفرة بالبعث بما أخبر به عنهم ، من طغيانهم وترددهم فيه عند تعجيله إجابة دعائهم في الشرّ لو استجاب لهم ، أن ذلك كان يدعوهم إلى التقرُّب إلى الوثن الذي يشرك به أحدهم، أو يضيف ذلك إلى أنه من فعله.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17572- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير) ، قال: قولُ الإنسان إذا غضب لولده وماله: " لا باركَ الله فيه ولعنه "!

17573- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير) ، قال: قولُ الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: " اللهم لا تبارك فيه والعنه "!

فلو يعجّل الله الاستجابة لهم في ذلك، كما يستجاب في الخير لأهلكهم.

17574- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير) ، قال: قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: " اللهم لا تبارك فيه والعنه " ، (لقضي إليهم أجلهم) قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته.

17575- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير) ، قال: قول الرجل لولده إذا غضب عليه أو ماله: " اللهم لا تبارك فيه والعنه "!

قال الله: (لقضي إليهم أجلهم) ، قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته.

قال: (فنذر الذين لا يرجون لقاءنا) ، قال يقول: لا نهلك أهل الشرك، ولكن نذرهم في طغيانهم يعمهون.

17576- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير) ، قال: هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له.

17577- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (لقضي إليهم أجلهم) ، قال: لأهلكناهم.

وقرأ: مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ، [سورة فاطر: 45] .

قال: يهلكهم كلهم.

* * * ونصب قوله : (استعجالهم) ، بوقوع (يعجل) عليه، كقول القائل: " قمت اليوم قيامَك " بمعنى : قمت كقيامك، وليس بمصدّرٍ من (يعجل)، لأنه لو كان مصدّرًا لم يحسن دخول " الكاف " ، أعني كاف التشبيه ، فيه.

(28) * * * واختلفت القراء في قراءة قوله: (لقضي إليهم أجلهم) .

فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق: ( لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ )، على وجه ما لم يسمَّ فاعله ، بضم القاف من " قضي"، ورفع " الأجل ".

* * * وقرأ عامة أهل الشأم: ( لَقَضَى إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ ) ، بمعنى: لقضى الله إليهم أجلهم.

* * * قال أبو جعفر: وهما قراءتان متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني أقرؤه على وجه ما لم يسمَّ فاعله، لأن عليه أكثر القراء.

--------------------- الهوامش : (21) انظر تفسير " الأجل " فيما سلف 13 : 290 ، تعليق : 6 ، والمراجع هناك .

(22) انظر تفسير " قضى " فيما سلف 13 : 290 ، تعليق : 6 ، والمراجع هناك .

(23) في المطبوعة : " وتبدى لهم " ، غير ما في المخطوطة إذ لم يحسن قراءته .

(24) سلف البيت وتخريجه وشرحه 2 : 542 .

(25) انظر تفسير " يذر " فيما سلف من فهارس اللغة ( وذر ) .

، وتفسير " الرجاء " فيما سلف ص : 26 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(26) انظر تفسير " الطغيان " فيما سلف 13 : 291 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(27) انظر تفسير " العمه " فيما سلف 13 : 291 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(28) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 458 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم [ ص: 230 ] فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى ولو يعجل الله للناس الشر قيل : معناه ولو عجل الله للناس العقوبة كما يستعجلون الثواب والخير لماتوا ؛ لأنهم خلقوا في الدنيا خلقا ضعيفا ، وليس هم كذا يوم القيامة ; لأنهم يوم القيامة يخلقون للبقاء .

وقيل : المعنى لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم ; وهو معنى لقضي إليهم أجلهم .

وقيل : إنه خاص بالكافر ; أي ولو يعجل الله للكافر العذاب على كفره كما عجل له خير الدنيا من المال والولد لعجل له قضاء أجله ليتعجل عذاب الآخرة ; قال ابن إسحاق .

مقاتل : هو قول النضر بن الحارث : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ; فلو عجل لهم هذا لهلكوا .

وقال مجاهد : نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله أو ولده إذا غضب : اللهم أهلكه ، اللهم لا تبارك له فيه والعنه ، أو نحو هذا ; فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب الخير لقضي إليهم أجلهم .

فالآية نزلت ذامة لخلق ذميم هو في بعض الناس يدعون في الخير فيريدون تعجيل الإجابة ثم يحملهم أحيانا سوء الخلق على الدعاء في الشر ; فلو عجل لهم لهلكوا .الثانية : واختلف في إجابة هذا الدعاء ; فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إني سألت الله عز وجل ألا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه .

وقال شهر بن حوشب : قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول للملائكة الموكلين بالعبد : لا تكتبوا على عبدي في حال ضجره شيئا ; لطفا من الله تعالى عليه .

قال بعضهم : وقد يستجاب ذلك الدعاء ، واحتج بحديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه آخر الكتاب ، قال جابر : سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن بواط وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني وكان الناضح يعتقبه منا الخمسة والستة والسبعة ، فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له فأناخه فركب ، ثم بعثه فتلدن عليه بعض التلدن ; فقال له : شأ ; لعنك الله!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من هذا اللاعن بعيره ؟

قال : أنا يا رسول الله ; قال : انزل عنه فلا تصحبنا بملعون لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم .

[ ص: 231 ] في غير كتاب مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فلعن رجل ناقته فقال : أين الذي لعن ناقته ؟

فقال الرجل : أنا هذا يا رسول الله ; فقال : أخرها عنك فقد أجبت فيها ذكره الحليمي في منهاج الدين .

" شأ " يروى بالسين والشين ، وهو زجر للبعير بمعنى سر .الثالثة : قوله تعالى : ولو يعجل الله قال العلماء : التعجيل من الله ، والاستعجال من العبد .

وقال أبو علي : هما من الله ; وفي الكلام حذف ; أي ولو يعجل الله للناس الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير ، ثم حذف تعجيلا وأقام صفته مقامه ، ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه ; هذا مذهب الخليل وسيبويه .

وعلى قول الأخفش والفراء كاستعجالهم ، ثم حذف الكاف ونصب .

قال الفراء : كما تقول ضربت زيدا ضربك ، أي كضربك .

وقرأ ابن عامر لقضى إليهم أجلهم .

وهي قراءة حسنة ; لأنه متصل بقوله : ولو يعجل الله للناس الشر .فنذر الذين لا يرجون لقاءنا أي لا يعجل لهم الشر فربما يتوب منهم تائب ، أو يخرج من أصلابهم مؤمن .في طغيانهم يعمهون أي يتحيرون .

والطغيان : العلو والارتفاع ; وقد تقدم في " البقرة " .

وقد قيل : إن المراد بهذه الآية أهل مكة ، وإنها نزلت حين قالوا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية ، على ما تقدم والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا من لطفه وإحسانه بعباده، أنه لو عجل لهم الشر إذا أتوا بأسبابه، وبادرهم بالعقوبة على ذلك، كما يعجل لهم الخير إذا أتوا بأسبابه ‏{‏لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ لمحقتهم العقوبة، ولكنه تعالى يمهلهم ولا يهملهم، ويعفو عن كثير من حقوقه، فلو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة‏.‏ ويدخل في هذا، أن العبد إذا غضب على أولاده أو أهله أو ماله، ربما دعا عليهم دعوة لو قبلت منه لهلكوا، ولأضره ذلك غاية الضرر، ولكنه تعالى حليم حكيم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا‏}‏ أي‏:‏ لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يستعدون لها، ولا يعلمون ما ينجيهم من عذاب الله، ‏{‏فِي طُغْيَانِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ باطلهم، الذي جاوزوا به الحق والحد‏.‏ ‏{‏يَعْمَهُونَ‏}‏ يترددون حائرين، لا يهتدون السبيل، ولا يوفقون لأقوم دليل، وذلك عقوبة لهم على ظلمهم، وكفرهم بآيات الله‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ) قال ابن عباس : هذا في قول الرجل عند الغضب لأهله وولده : لعنكم الله ، ولا بارك فيكم .

قال قتادة : هو دعاء الرجل على نفسه وأهله وماله بما يكره أن يستجاب .

معناه : لو يعجل الله الناس إجابة دعائهم في الشر والمكروه استعجالهم بالخير ، أي : كما يحبون استعجالهم بالخير ، ( لقضي إليهم أجلهم ) قرأ ابن عامر ويعقوب : " لقضى " بفتح القاف والضاد ، ( أجلهم ) نصب ، أي : لأهلك من دعا عليه وأماته .

وقال الآخرون : " لقضي " بضم القاف وكسر الضاد " أجلهم " رفع ، أي : لفرغ من هلاكهم وماتوا جميعا .

وقيل : إنها نزلت في النضر بن الحارث حين قال : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء " الآية ( الأنفال - 32 ) يدل عليه قوله عز وجل : ( فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ) لا يخافون البعث والحساب ، ( في طغيانهم يعمهون ) .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصلاحي ، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ، حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ، أنبأنا أحمد بن منصور الزيادي ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن همام بن منبه ، أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه ، فإنما أنا بشر فيصدر مني ما يصدر من البشر ، فأي المؤمنين آذيته ، أو شتمته ، أو جلدته ، أو لعنته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة ، تقربه بها إليك يوم القيامة " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو يُعَجِل الله للناس الشر استعجالهم» أي كاستعجالهم «بالخير لقضي» بالبناء للمفعول وللفاعل «إليهم أجلُهم» بالرفع والنصب، بأن يهلكهم ولكن يمهلهم «فَنَذَرُ» نترك «الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون» يترددون متحيرين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو يعجِّل الله للناس إجابة دعائهم في الشر كاستعجاله لهم في الخير بالإجابة لهلكوا، فنترك الذين لا يخافون عقابنا، ولا يوقنون بالبعث والنشور في تمرُّدهم وعتوِّهم، يترددون حائرين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه ورحمته بالناس ، وما جبلوا عليه من صفات وطبائع فقال - تعالى - :( وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر .

.

.

) .قال صاحب المنار : " هاتان الآيتان فى بيان شأن من شئون البشر وغرائزهم فيما يعرض لهم فى حياتهم الدنيا من خير وشر ، ونفع وضر ، وشعورهم بالحاجة إلى الله - تعالى - واللجوء إلى دعائه لأنفسهم وعليها ، واستعجالهم الأمور قبل أوانها وهو تعريض بالمشركين ، وحجة على ما يأتون من شرك وما ينكرون من أمر البعث ، متمم لما قبله ، ولذلك عطف عليه .وقوله : ( يعجل ) من التعجيل بمعنى طلب الشيء قبل وقته المحدد له والاستعجال : طلب التعجيل بالشيء .والأجل : الوقت المحدد لانقضاء المدة .

وأجل الإِنسان هو الوقت المضروب لانتهاء عمره .والمراد بالناس هنا - عند عدد من المفسرين - : المشركون الذى وصفهم الله - تعالى - قبل ذلك بأنهم لا يرجون لقاءه ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها .ولقد حكى القرآن فى كثير من آياته ، أن المشركين قد استعجلوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى نزول العذاب ، ومن ذلك قوله - تعالى - ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ .

يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين ) وقوله - تعالى - : ( وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) والمعنى : ولو يعجل الله - تعالى - لهؤلاء المشركين العقوبة التى طلبوها ، تعجيلا مثل استعجالهم الحصول على الخير ( لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ) أي : لأميتوا وأهلكوا جميعاً ، ولكن الله - تعالى - الرحيم بخلقه ، الحكيم فى أفعاله ، لا يعجل لهم العقوبة اليت طلبوها كما يعجل لهم طلب الخير لحكمة هو يعلمها؛ فقد يكون من بين هؤلاء المتعجلين للعقوبة من يدخل فى الإِسلام ، ويتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - .قال الإِمام الرازي : " فقد بين - سبحانه - فى هذه الآية : أنهم لا مصلحة لهم فى تعجيل إيصال الشر إليهم ، لأنه - تعالى - " لو أوصل ذلك العقاب إليهم لماتوا وهلكوا ، ولا صلاح فى إماتتهم ، فربما آمنوا بعد ذلك ، وربما خرج من أصلابهم من كان مؤمناً ، وذلك يقتضي أن يعاجلهم بإيصال ذلك الشر " .ومن العلماء من يرى أن المراد بالناس هنا ما يشمل المشركين وغيرهم ، وأن الآية الكريمة تحكى لونا من ألوان لطف الله بعباده ورحمته بهم .ومن المفسرين الذين اقتصروا على هذا الاتجاه فى تفسيرهم الإِمام ابن كثير ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : يخبر - تعالى - عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم ، أو أموالهم أو أولادهم بالشر فى حال ضجرهم وغضبهم ، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك ، فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفا ورحمة ، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير والبركة والسخاء ، ولهذا قال : ( وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ..

.

) أي لو استجاب لهم جميع ما دعوه به فى ذلك لأهلكهم .ثم قال : ولكن لا ينبغي الإِكثار من ذلك ، كما جاء فى الحديث الذى رواه الحافظ أبو بكر البزار فى مسنده عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تدعوا على أنفسكم ، لا تدعوا على أولادكم ، لا تدعوا على أموالكم ، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم " .وقال مجاهد فى تفسير هذه الآية : هو قول الإِنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه : اللهم لا تبارك فيه والعنة ، فلو يعجل لهم الاستجابة فى ذلك كما يستجاب لهم فى الخير لأهلكهم .أما الإِمام الآلوسى فقد حكى هذين الوجهين ، ورجح الأول منهما فقال : " قوله : ( وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر .

.

.

) وهم الذين لا يرجون لقاء الله - تعالى - المذكورون فى قوله ( الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا .

.

.

) والمراد لو يعجل الله لهم الشر الذى كانوا يستعجلون به تكذيبا واستهزاء .

.

.

" وأخرج ابن جرير عن قتادة : أنه قال : " هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره ، أن يستجاب له ، وفيه حمل الناس على العموم ، والمختار الأول ، ويؤيده ما قيل : من أن الآية نزلت فى النضر بن الحارث حين قال : ( اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) والذى يبدو لنا أن كون لفظ الناس للجنس أولى ، ويدخل فيه المشركون دخولا أوليا ، لأنه لا توجد قرينة تمنع من إرادة ذلك ، وحتى لو صح ما قيل أن الآية نزلت فى النضر بن الحارث ، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .وقوله ( استعجالهم بالخير ) منصوب على المصدرية ، والأصل : ولو يعجل الله للناس الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير ، فحذف تعجيلا وصفته المضافة ، وأقيم المضاف إليه مقامها .ثم بين - سبحانه - ما يشير إلى الحكمة فى عدم تعجيل العقوبة فقال : ( فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) .والطغيان : مجاوزة الحد فى كل شيء ، ومنه طغى الماء إذا ارتفع وتجاوز حده .ويعمهون : من العمه ، يقال : عمه - كفرح ومنع - عمها ، إذا تحير وتردد فهو عمه وعامه .أي : لا نعجل للناس ما طلبوه من عقوبات ، وإنما نترك الذين لا يرجون لقاءنا إلى يوم القيامة ، على سبيل الإِمهال والاستدراج فى الدنيا فى طغيانهم يتحيرون ويترددون ، بحيث تلتبس عليهم الأمور فلا يعرفون الخير من الشر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن الذي يغلب على ظني أن ابتداء هذه السورة في ذكر شبهات المنكرين للنبوة مع الجواب عنها.

فالشبهة الأولى: أن القوم تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمداً عليه السلام بالنبوة فأزال الله تعالى ذلك التعجب بقوله: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ  ﴾ ثم ذكر دلائل التوحيد ودلائل صحة المعاد، وحاصل الجواب أنه يقول: إني ما جئتكم إلا بالتوحيد والإقرار بالمعاد، وقد دللت على صحتها، فلم يبق للتعجب من نبوتي معنى.

والشبهة الثانية: للقوم أنهم كانوا أبداً يقولون: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً في ادعاء الرسالة فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب إليم.

فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بما ذكره في هذه الآية.

فهذا هو الكلام في كيفية النظم.

ومن الناس من ذكر فيه وجوهاً أخرى: فالأول: قال القاضي: لما بين تعالى فيما تقدم الوعد والوعيد أتبعه بما دل على أن من حقهما أن يتأخرا عن هذه الحياة الدنيوية لأن حصولهما في الدنيا كالمانع من بقاء التكليف.

والثاني: ما ذكره القفال: وهو أنه تعالى لما وصف الكفار بأنهم لا يرجون لقاء الله ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وكانوا عن آيات الله غافلين؛ بين أن من غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلاً منهم وسفهاً.

المسألة الثانية: أنه تعالى أخبر في آيات كثيرة أن هؤلاء المشركين متى خوفوا بنزول العذاب في الدنيا استعجلوا ذلك العذاب كما قالوا: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ  ﴾ الآية.

ثم إنهم لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية وهو قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النار بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  ﴾ استعجلوا ذلك العذاب، وقالوا: متى يحصل ذلك كما قال تعالى: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا  ﴾ وقال في هذه السورة بعد هذه الآية: ﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين  ﴾ إلى قوله: ﴿ الآن وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ  ﴾ وقال في سورة الرعد: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات  ﴾ فبين تعالى أنهم لا مصلحة لهم في تعجيل إيصال الشر إليهم، لأنه تعالى لو أوصل ذلك العقاب إليهم لماتوا وهلكوا، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ذلك ولا صلاح في إماتتهم، فربما آمنوا بعد ذلك، وربما خرج من صلبهم من كان مؤمناً، وذلك يقتضي أن لا يعاجلهم بإيصال ذلك الشر.

المسألة الثالثة: في لفظ الآية إشكال، وهو أن يقال: كيف قابل التعجل بالاستعجال، وكان الواجب أن يقابل التعجيل بالتعجيل، والاستعجال بالاستعجال.

والجواب عنه من وجوه: الأول: قال صاحب الكشاف: أصل هذا الكلام، ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير إلا أنه وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته وإسعافه بطلبهم، حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم.

الثاني: قال بعضهم حقيقة قولك عجلت فلاناً طلبت عجلته، وكذلك عجلت الأمر إذا أتيت به عاجلاً، كأنك طلبت فيه العجلة والاستعجال أشهر وأظهر في هذا المعنى، وعلى هذا الوجه يصير معنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم لقضى إليهم أجلهم، قال صاحب هذا الوجه، وعلى هذا التقدير: فلا حاجة إلى العدول عن ظاهر الآية.

الثالث: أن كل من عجل شيئاً فقد طلب تعجيله، وإذا كان كذلك، فكل من كان معجلاً كان مستعجلاً، فيصير التقدير، ولو استعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير إلا أنه تعالى وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها، لأن اللائق به تعالى هو التكوين واللائق بهم هو الطلب.

المسألة الرابعة: أنه تعالى سمى العذاب شراً في هذه الآية، لأنه أذى في حق المعاقب ومكروه عنده كما أنه سماه سيئة في قوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة  ﴾ وفي قوله: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ .

المسألة الخامسة: قرأ ابن عامر ﴿ لَقُضِىَ ﴾ بفتح اللام والقاف ﴿ أَجَلُهُمْ ﴾ بالنصب، يعني لقضى الله، وينصره قراءة عبدالله ﴿ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ وقرأ الباقون بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء ﴿ أَجَلُهُمْ ﴾ بالرفع على ما لم يسم فاعله.

المسألة السادسة: المراد من استعجال هؤلاء المشركين الخير هو أنهم كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله تعالى بكشفها، وقد حكى الله تعالى عنهم ذلك في آيات كثيرة كقوله: ﴿ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا  ﴾ .

المسألة السابعة: لسائل أن يسأل فيقول: كيف اتصل قوله: ﴿ فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ﴾ بما قبله وما معناه؟

وجوابه أن قوله: ﴿ وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ ﴾ متضمن معنى نفي التعجيل، كأنه قيل: ولا يعجل لهم الشر، ولا يقضي إليهم أجلهم فيذرهم في طغيانهم أي فيمهلهم مع طغيانهم إلزاماً للحجة.

المسألة الثامنة: قال أصحابنا: إنه تعالى لما حكم عليهم بالطغيان والعمه امتنع أن لا يكونوا كذلك.

وإلا لزم أن ينقلب خبر الله الصدق كذباً وعلمه جهله وحكمه باطلاً، وكل ذلك محال، ثم إنه مع هذا كلفهم وذلك يكون جارياً مجرى التكليف بالجمع بين الضدين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أصله ﴿ وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر ﴾ تعجيله لهم الخير، فوضع ﴿ استعجالهم بالخير ﴾ موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم وإسعافه بطلبتهم، حتى كأنّ استعجالهم بالخير تعجيل لهم، والمراد أهل مكة.

وقولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء، يعني: ولو عجلنا لهم الشرّ الذي دعوا به كما نعجل لهم الخير ونجيبهم إليه ﴿ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ لأميتوا وأهلكوا.

وقرئ: ﴿ لقضى إليهم أجلهم ﴾ على البناء للفاعل، وهو الله عزّ وجلّ، وتنصره قراءة عبد الله: ﴿ لقضينا إليهم أجلهم ﴾ فإن قلت: فكيف اتصل به قوله: ﴿ فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ﴾ وما معناه؟

قلت: قوله: ﴿ وَلَوْ يُعَجّلُ الله ﴾ متضمن معنى نفي التعجيل، كأنه قيل: ولا نعجل لهم الشرّ، ولا نقضي إليهم أجلهم فنذرهم ﴿ فِي طغيانهم ﴾ أي فنمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم، إلزاماً للحجّة عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ ﴾ ولَوْ يُسْرِعُهُ إلَيْهِمْ.

﴿ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ ﴾ وُضِعَ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهم بِالخَيْرِ إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ لَهم في الخَيْرِ حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِهِ تَعْجِيلٌ لَهم أوْ بِأنَّ المُرادَ شَرٌّ اسْتَعْجَلُوهُ كَقَوْلِهِمْ ﴿ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ﴾ وتَقْدِيرُ الكَلامِ، ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلَهُ لِلْخَيْرِ حِينَ اسْتَعْجَلُوهُ اسْتِعْجالًا كاسْتِعْجالِهِمْ بِالخَيْرِ، فَحُذِفَ مِنهُ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ.

﴿ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ ﴾ لَأُمِيتُوا وأُهْلِكُوا وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (لَقَضى) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى وقُرِئَ « لَقَضَيْنا» .

﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ عُطِفَ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ لا نُعَجِّلُ ولا نَقْضِي فَنَذْرُهم إمْهالًا لَهم واسْتِدْراجًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير} أصله ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم والمراد أهل مكة وقولهم فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أي ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما نعجل لهم الخير ونجيبهم إليه {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} لأميتوا وأهلكوا لقضى إليهم أجلهم شامي على البناء للفاعل وهو الله عز وجل {فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِى طُغْيَانِهِمْ} شركهم وضلالهم {يَعْمَهُونَ} يترددون ووجه اتصاله بما قبله أن قوله ولو يعجل الله متضمن معنى نفي التعجيل كأنه قيل ولا نعجل لهم الشر ولا نقضي إليهم أجلهم فنذرهم في طغيانهم أي فنمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم إلزاماً للحجة عليهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ ﴾ هُمُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ إلَخْ والآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِذَلِكَ دالَّةٌ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يُمْهِلُهُمُ اسْتِدْراجًا وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ وقَعَ في البَيْنِ تَتْمِيمًا ومُقابَلَةً وجِيءَ بِالنّاسِ بَدَلَ ضَمِيرِهِمْ تَفْظِيعًا لِلْأمْرِ وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ إنَّما أوْرَدُوا بِاسْمِ الجِنْسِ لِما أنَّ تَعْجِيلَ الخَيْرِ لَهم لَيْسَ دائِرًا عَلى وصْفِهِمُ المَذْكُورِ إذْ لَيْسَ كُلُّ ذَلِكَ بِطْرِيقِ الِاسْتِدْراجِ والمُرادُ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ ﴿ الشَّرَّ ﴾ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ونَحْوَ ذَلِكَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هو دُعاءُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ بِما يَكْرَهُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ وأخْرَجا عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: هو قَوْلُ الإنْسانِ لِوَلَدِهِ ومالِهِ إذا غَضِبَ: اللَّهُمَّ لا تُبارِكْ فِيهِ اللَّهُمَّ العَنْهُ.

وفِيهِ حَمْلُ النّاسِ عَلى العُمُومِ والمُخْتارُ الأوَّلُ ويُؤَيِّدُهُ: ما قِيلَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ حِينَ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ إلَخْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والأصْلُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ فَحُذِفَ تَعْجِيلًا وصِفَتُهُ المُضافَةُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَها وفِي الكَشّافِ وضَعَ ﴿ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ ﴾ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهم إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ سُبْحانَهُ لَهم وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ وهو كَلامٌ رَصِينٌ يَدُلُّ عَلى دِقَّةِ نَظَرِ صاحِبِهِ كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ إذْ لا يَكادُ يُوضَعُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُقارَنًا لِغَيْرِ فِعْلِهِ في الكِتابِ العَزِيزِ بِدُونِ مِثْلَ هَذِهِ الفائِدَةِ الجَلِيلَةِ والنُّحاةِ يَقُولُونَ في ذَلِكَ: أُجْرِيَ المَصْدَرُ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ ولا يَزِيدُونَ عَلَيْهِ وإذا راجَعَ الفَطِنُ قَرِيحَتَهُ وناجى فِكْرَتَهُ عَلِمَ أنَّهُ إنَّما قُرِنَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ لِفائِدَةٍ وهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى نُفُوذِ القُدْرَةِ في المَقْدُورِ وسُرْعَةِ إمْضاءِ حُكْمِها حَتّى كَأنَّ إنْباتَ اللَّهِ تَعالى لَهم نَفْسَ نَباتِهِمْ أيْ إذا وُجِدَ الإنْباتُ وُجِدَ النَّباتُ حَتْمًا حَتّى كَأنَّ أحَدَهُما عَيْنُ الآخَرِ فَقُرِنَ بِهِ وقالَ الطِّيبِيُّ: كانَ أصْلُ الكَلامِ ولَوْ يَجْعَلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلَهُ ثُمَّ وضَعَ مَوْضِعَهُ الِاسْتِعْجالَ ثُمَّ نُسِبَ إلَيْهِمْ فَقِيلَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ لِأنَّ المُرادَ أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ فَأُرِيدَ مَزِيدُ المُبالَغَةِ وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهُمُ الخَيْرَ أسْرَعُ مِن تَعْجِيلِ اللَّهِ تَعالى لَهم ذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ عُجُولًا واللَّهُ تَعالى صَبُورٌ حَلِيمٌ يُؤَخِّرُ لِلْمَصالِحِ الجَمَّةِ الَّتِي لا يَهْتَدِي إلَيْها عَقْلُ الإنْسانِ ومَعَ ذَلِكَ يُسْعِفُهم بِطِلْبَتِهِمْ ويُسْرِعُ إجابَتَهم وأوْجَبَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ التَّقْدِيرِ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ أوْ أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ أيْ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ إذا اسْتَعْجَلُوهُ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ قالَ: لِأنَّ مَدْلُولَ عَجَّلَ غَيْرُ مَدْلُولِ اسْتَعْجَلَ لِأنَّ عَجَّلَ يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ واسْتَعْجَلَ يَدُلُّ عَلى طَلَبِ التَّعْجِيلِ وذَلِكَ واقِعٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهَذا مُضافٌ إلَيْهِمْ فَلا يَجُوزُ ما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأتْباعُهُ: وأجابَ السَّفاقِسِيُّ بِأنَّ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى طَلَبِهِ كاسْتَقَرَّ بِمَعْنى أقَرَّ وقَوْلُهُ: وهَذا مُضافٌ إلَيْهِمْ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ لِلْفاعِلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا لِلْمَفْعُولِ ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ ناشٍ مِن قِلَّةِ التَّدَبُّرِ ومَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ ﴾ لَأُمِيتُوا وأُهْلِكُوا بِالمَرَّةِ يُقالُ: قُضِيَ إلَيْهِ أجْلُهُ أيْ أنْهى إلَيْهِ مُدَّتَهُ الَّتِي قُدِّرَ فِيها مَوْتُهُ فَهَلَكَ وفي إيثارِ صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ جَرْيٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ مَعَ الإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (لَقَضى) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (لَقَضَيْنا) وفِيهِ التِفاتٌ واخْتِيارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الشَّرْطِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ لِإفادَةِ أنَّ عَدَمَ قَضاءِ الأجَلِ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ التَّعْجِيلِ فَإنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ الواقِعَ مَوْقِعَ الماضِي لَيْسَ بِنَصٍّ في إفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ بَلْ قَدْ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفائِهِ أيْضًا بِحَسَبِ المَقامِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ المُقَدَّمَ هَهُنا لَيْسَ نَفْسَ التَّعْجِيلِ المَذْكُورِ بَلْ هو إرادَتُهُ المُسْتَتْبِعَةُ لِلْقَضاءِ المَذْكُورِ وُجُودًا وعَدَمًا لِأنَّ القَضاءَ لَيْسَ أمْرًا مُغايِرًا لِتَعْجِيلِ الشَّرِّ في نَفْسِهِ بَلْ هو إمّا نَفْسُهُ أوْ جُزْئِيٌّ مِنهُ كَسائِرِ جُزْئِيّاتِهِ مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ لَهُ عَلى البَقِيَّةِ إذْ لَمْ يُعْتَبَرْ في مَفْهُومِهِ ما لَيْسَ في مَفْهُومِ تَعْجِيلِ الشَّرِّ مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ فَلا يَكُونُ في تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ وُجُودًا أوْ عَدَمًا مَزِيدُ فائِدَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِجَعْلِهِ تالِيًا لَهُ فَلَيْسَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ ولا كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ﴾ إذا فُسِّرَ الجَوابُ بِالِاسْتِئْصالِ وأيْضًا في تَرْتِيبِ التّالِي عَلى إرادَةِ المُقَدَّمِ ما لَيْسَ في تَرْتِيبِهِ عَلى المُقَدَّمِ نَفْسِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ وتَهْوِيلِ الأمْرِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأُمُورَ مَنُوطَةٌ بِإرادَتِهِ تَعالى المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ أيْ نَتْرُكُهم إمْهالًا واسْتِدْراجًا ﴿ فِي طُغْيانِهِمْ ﴾ الَّذِي هو عَدَمُ رَجاءِ اللِّقاءِ وإنْكارُ البَعْثِ والجَزاءِ وما يَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ والمَقالاتِ الشَّنِيعَةِ ﴿يَعْمَهُونَ 11﴾ أيْ يَتَرَدَّدُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، لا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى شَرْطِ (لَوْ) ولا عَلى جَوابِها لِانْتِفائِهِ وهو مَقْصُودُ إثْباتِهِ ولَيْسَتْ (لَوْ) بِمَعْنى أنَّ كَما قِيلَ فَهو إمّا مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِيَّةِ لِأنَّها في مَعْنى لا يُعَجِّلُ لَهم وفي قُوَّتِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يُعَجِّلُ بَلْ يَذَرُهم أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ أيْ ولَكِنْ يُمْهِلُهم أوْ ولَكِنْ لا يُعَجِّلُ ولا يَقْضِي فَيَذَرُهم وبِكُلٍّ قالَ بَعْضٌ وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ والتَّقْدِيرُ فَنَحْنُ نَذْرُهم وقِيلَ: إنَّ الفاءَ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ والمَعْنى لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ تَعالى ما اسْتَعْجَلُوهُ لَأبادَهم ولَكِنْ يُمْهِلُهم لِيَزِيدُوا في طُغْيانِهِمْ ثُمَّ يَسْتَأْصِلُهم وإذا كانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ نَذَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ثُمَّ نَقْطَعُ دابِرَهم وصاحِبُ الكَشْفِ بَعْدَما قَرَّرَ أنَّ اتِّصالَ ﴿ ولَوْ يُعَجِّلُ ﴾ إلَخْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ إلَخْ وأنَّ ذِكْرَ المُؤْمِنِينَ إنَّما وقَعَ في البَيْنِ تَتْمِيمًا ومُقابَلَةً ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ قالَ: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى جَعْلِ هَذا جَوابَ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ وفي وضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ نَوْعُ بَيانٍ لِلطُّغْيانِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وإشْعارٌ بِعِلِّيَّتِهِ لِلتَّرْكِ والِاسْتِدْراجِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ، قال مقاتل: وذلك حين تمنى النضر بن الحارث السّهمي العذاب، فنزل قوله: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ يقول: لو استجيب لهم في الشر استعجالهم بالخير، يعني: كما يحبون أن يستجاب لهم في الخير.

لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ في الدنيا بالهلاك.

وقال مجاهد والضحاك والكلبي: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ يعني: العقوبة، إذا دعا على نفسه وولده وعلى صاحبته: أخزاك الله، ولعنك الله، كما يعجل لهم الخير إذا دعوه بالرحمة والرزق والعافية، لماتوا وهلكوا.

وقال القتبي: هذا من الإضمار ومعناه وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ، يعني: إجابتهم بالشر اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ، يعني: كإجابتهم بالخير.

وإنَّما صار اسْتِعْجالَهُمْ نصباً على معنى مثل استعجالهم.

قرأ ابن عامر لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ بالنصب، يعني: لقضى الله أجلهم، لأنه اتصل بقوله: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ، وقرأ الباقون لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ بالضم على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

ثم قال: فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا، يعني: بترك الذين لا يخافون البعث بعد الموت.

فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، يعني: يتحيرون ويترددون فيها مجازاة لهم.

قوله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ يقول إذ مس الكافر ما يكره من المرض والفقر والبلاء، دَعانا يقول أخلص في الدعاء إلينا لِجَنْبِهِ، يعني: وهو مطروح على جنبه إذا اشتد به المرض، أَوْ قاعِداً إذا كانت العلة أهون، أَوْ قائِماً إذا بقي فيه أثر العلة.

ويقال: دعانا في الأحوال كلها مضطجعاً كان، أَوْ قَائِماً، أَوْ قَاعِداً.

فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ، يعني: فلمّا رفعنا عنه بلاءه، مَرَّ يقول: استمر على ترك الدعاء ونسي الدعاء.

ويقال: مَرَّ في العافية على ما كان عليه قبل أن يبتلى، ولم يتعظ بما ناله.

كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ، يعني: إلى بلاء أصابه قبل ذلك فلم يشكره.

ويقال: معناه أَمِنَ من أن يصيبه مثل الضر الذي دعا فيه حين مسّه كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ، يعني: المشركين مَا كانُوا يَعْمَلُونَ ، يعني: بالدعاء عند الشدة وترك الدعاء عند الرخاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فهي تحيَّة موضوعةٌ من أول الخلقة إلى غير نهاية، وقد رَوَى ابنُ القاسِمُ، عن مالكٍ في قوله تعالى: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ أي: هذا السَّلام الذي بين أظهركم، وهذا أظهر الأقوال، واللَّه أعلم.

انتهى.

وقرأ الجمهور «١» : «أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ» ، وهي عند سَيْبَوَيْهِ «٢» «أن» المخفَّفَةُ من الثقيلة قال أبو الفتح: فهي بمنزلة قول الأعْشَى: [البسيط] :

فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ...

أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يحفى وينتعل «٣»

وقوله سبحانه: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ...

الآية: هذه الآيةُ نزلَت، في دعاء الرَّجُل على نَفْسه أو ولده، أو ماله، فأخبر سبحانه أنَّه لو فعل مع النَّاس في إِجابته إِلى المَكْروه مثْلَ ما يريدُ فعله معهم في إِجابته إِلى الخَيْر، لأهلكهم، وحُذِفَ بعد ذلك جملة يتضمَّنها الظاهرُ، تقديرها: فلا يفعلْ ذلك، ولكنْ يَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا ...

الآية، وقيل: إِن هذه الآية نزلَتْ في قولهم:

إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: ٣٢] ، وقيل:

نزلت في قولهم: ائْتِنا بِما تَعِدُنا [هود: ٣٢] ، وما جرى مجراه، والعَمَهُ: الخبط في ضلال.

وقوله سبحانه: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ ...

الآية: هذه الآية أيضا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ ﴾ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حَيْثُ قالَ: ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ  ﴾ .

والتَّعْجِيلُ: تَقْدِيمُ الشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ.

وفي المُرادِ بِالآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ إذا دَعَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ عِنْدَ الغَضَبِ وعَلى أهْلِيهِمْ، واسْتَعْجَلُوا بِهِ، كَما يُعَجِّلُ لَهُمُ الخَيْرَ، لَهَلَكُوا، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ العَذابَ عَلى كُفْرِهِمْ كَما عَجَّلَ لَهم خَيْرَ الدُّنْيا مِنَ المالِ والوَلَدِ، لَعَجَّلَ لَهم قَضاءَ آجالِهِمْ لِيَتَعَجَّلُوا عَذابَ الآخِرَةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

ويُقَوِّي هَذا تَمامُ الآيَةِ وسَبَبُ نُزُولِها.

وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ: " لَقُضِيَ إلَيْهِمْ " بِضَمِّ القافِ " أجْلُهم " بِضَمِّ اللّامِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: " لَقَضى " بِفَتْحِ القافِ " أجْلَهم " بِنَصْبِ اللّامِ.

وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ (سُورَةِ البَقَرَةِ:١٥) مَعْنى الطُّغْيانِ والعَمَهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: "نَزَلَتْ في دُعاءِ الرَجُلِ عَلى نَفْسِهِ أو مالِهِ أو ولَدِهِ ونَحْوِ هَذا، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ فَعَلَ مَعَ الناسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لِأهْلَكَهُمْ، ثُمَّ حَذَفَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ جُمْلَةً يَتَضَمَّنُها الظاهِرُ تَقْدِيرُها: ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ ولَكِنْ يَذْرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ، فاقْتُضِبَ القَوْلُ وتُوُصِّلَ إلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ ، فَتَأمَّلْ هَذا التَقْدِيرَ تَجِدْهُ صَحِيحًا، و ﴿ اسْتِعْجالَهُمْ ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والتَقْدِيرُ: مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.

وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ  ﴾ ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ائْتِنا بِما تَعِدُنا  ﴾ وما جَرى مَجْراهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لَقُضِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "الأجَلُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وعَوْفٌ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ويَعْقُوبُ: "لَقَضى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "الأجَلَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَقَضَيْنا"، والأجْلُ -فِي هَذا المَوْضِعِ- أجْلُ المَوْتِ، ومَعْنى "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ: أكْمَلَ وفَرَغَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أو صَنَعُ السَوابِغِ تُبَّعُ وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في هَذا المَعْنى: قَضَيْتُ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتُ بَعْدَها ∗∗∗ ∗∗∗ فَوائِحَ في أكْمامِها لَمْ تُفَتَّقِ وتَعَدّى "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ بِـ "إلى" لَمّا كانَ بِمَعْنى: فَرَغَ، وفَرَغَ يَتَعَدّى بِإلى ويَتَعَدّى بِاللامِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ: ألْآنَ فَقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَصِرْتُ عَلى جَماعَتِها عَذابا وَمِنَ الآخَرِ قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَقَلانِ  ﴾ ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا"، و"يَرْجُونَ" في هَذا المَوْضِعِ عَلى بابِها، والمُرادُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَهم لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللهِ، والرَجاءُ مُقْتَرِنٌ أبَدًا بِخَوْفٍ، والطُغْيانُ: الغُلُوُّ في الأمْرِ وتَجاوُزُ الحَدِّ، والعَمَهُ: الخَبْطُ في ضَلالٍ، فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ ذامَّةً لِخُلُقٍ ذَمِيمٍ هو في الناسِ، يَدْعُونَ في الخَيْرِ فَيُرِيدُونَ تَعْجِيلَ الإجابَةِ فَيَحْمِلُهم أحْيانًا سُوءُ الخُلُقِ عَلى الدُعاءِ في الشَرِّ، فَلَوْ عَجَّلَ لَهم لَهَلَكُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا عِتابٌ عَلى سُوءِ الخُلُقِ مِن بَعْضِ الناسِ، ومُضَمَّنُهُ النَهْيُ عن مِثْلِ هَذا، والأمْرُ بِالتَسْلِيمِ إلى اللهِ تَعالى والضَراعَةِ إلَيْهِ في كُلِّ حالٍ، والعِلْمُ بِأنَّ الخَيْرَ والشَرَّ مِنهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ، وقَوْلُهُ: "لِجَنْبِهِ" في مَوْضِعِ حالٍ، كَأنَّهُ قالَ: مُضْطَجِعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ "الإنْسانِ"، والعامِلُ فِيهِ "مَسَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "دَعانا" والعامِلُ فِيهِ "دَعا" وهُما مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ.

و"الضُرُّ" لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الأمْراضِ والرَزايا في النَفْسِ والمالِ والأحِبَّةِ، هَذا قَوْلُ اللُغَوِيِّينَ، وقِيلَ: هو مُخْتَصٌّ بِرَزايا البَدَنِ: الهُزالُ والمَرَضُ، وقَوْلُهُ: "مَرَّ" يَقْتَضِي أنَّ نُزُولَها في الكُفّارِ ثُمَّ هي بَعْدُ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ مَعْناها مِن كافِرٍ أو عاصٍ، فَمَعْنى الآيَةِ: مَرَّ في إشْراكِهِ بِاللهِ وقِلَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: "زُيِّنَ" إنْ قَدَّرْناهُ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَهو خَلْقُهُ الكُفْرَ لَهم واخْتِراعُهُ في نُفُوسِهِمْ صُحْبَةَ أعْمالِهِمُ الفاسِدَةِ ومُثابَرَتِهِمْ عَلَيْها، وإنْ قَدَّرْنا ذَلِكَ مِنَ الشَيْطانِ فَهو بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ والمُخادَعَةِ، ولَفْظَةُ التَزْيِينِ قَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ بِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ مَرَّةً مِن فِعْلِ اللهِ تَعالى ومَرَّةً مِن فِعْلِ الشَياطِينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مجيء حرف العطف في صدر هذه الآية يقتضي في علم البلاغة خصوصية لعطفها على ما قبلها ومزيد اتصالها بما قبلها فتعين إيضاح مناسبة موقعها.

والظاهر أن المشركين كانوا من غرورهم يحسبون تصرفات الله كتصرفات الناس من الاندفاع إلى الانتقام عند الغضب اندفاعاً سريعاً، ويحسبون الرسل مبعوثين لإظهار الخوارق ونكاية المعارضين لهم، ويسوون بينهم وبين المشعوذين والمتحدّين بالبطولة والعجائب، فكانوا لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وركبوا رؤوسهم ولم تصبهم بأثر ذلك مصائب من عذاب شامل أو موتان عام ازدادوا غروراً بباطلهم وإحالة لكون الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلاً من قبل الله تعالى.

وقد دلت آيات كثيرة من القرآن على هذا كقوله: ﴿ وإذْ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32] وقوله: ﴿ يستعجلونك بالعذاب ﴾ [الحج: 47] وقوله: ﴿ فإن للذين ظلموا ذَنوباً مثلَ ذَنوب أصحابهم فلا يستعجلون ﴾ [الذاريات: 59] وقد بينا ذلك في سورة الأنعام وفي سورة الأنفال.

وكان المؤمنون ربما تمنوا نزول العذاب بالمشركين واستبطأوا مجيء النصر للنبيء عليه الصلاة والسلام وأصحابه كما جاء في الحديث: أنَّ المسلمين قالوا: ألا تستنصر.

وربما عجب بعضهم من أن يرزق الله المشركين وهم يكفُرون به.

فلما جاءت آيات هذه السورة بقوارع التهديد للمشركين أعقبت بما يزيل شبهاتهم ويطمئن نفوس المؤمنين بما يجمَعه قوله: ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليْهم أجلهم ﴾ .

وهو إجمال ينبئ بأن الله جعل نظام هذا العالم على الرفق بالمخلوقات واستبقاء الأنواع إلى آجال أرادها، وجعل لهذا البقاء وسائل الإمداد بالنعم التي بها دوام الحياة، فالخيرات المُفاضة على المخلوقات في هذا العالم كثيرة، والشرور العارضة نادرة ومعظمها مسبب عن أسباب مجعولة في نظام الكون وتصرفات أهله، ومنها ما يأتي على خلاف العادة عند محل آجاله التي قدرها الله تعالى بقوله: ﴿ لكل أمة أجل ﴾ [يونس: 49] وقوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ [الرعد: 38].

فهذه الجملة معطوفة على جملة ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ [يونس: 7] الآية، فحيث ذكر عذابهم الذي هم آيلون إليه ناسب أن يبين لهم سبب تأخير العذاب عنهم في الدنيا لتكشف شبهة غرورهم وليعلم الذين آمنوا حكمةً من حكم تصرف الله في هذا الكون.

والقرينة على اتصال هذه الجملة بجملة ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ [يونس: 7] قولُه في آخر هذه ﴿ فنذَر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون ﴾ .

فبينت هذه الآية أن الرفق جعله الله مستمراً على عباده غير منقطع عنهم لأنه أقام عليه نظام العالم إذْ أراد ثَبات بنائِه، وأنه لم يقدّر توازيَ الشر في هذا العالم بالخير لطفاً منه ورفقاً، فالله لطيف بعباده، وفي ذلك منة عظيمة عليهم، وأن الذين يستحقون الشر لو عُجل لهم ما استحقوه لبطل النظام الذي وضع عليه العالم.

والناس: اسم عام لجميع الناس، ولكن لما كان الكلام على إبطال شبهة المشركين وكانوا المستحقين للشرّ كانوا أولَ من يتبادر من عموم الناس، كما زاده تصريحاً قوله: ﴿ فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون ﴾ .

وقد جاء نظم الآية على إيجاز محكم بديع، فذُكر في جانب الشر ﴿ يُعَجل ﴾ الدال على أصل جنس التعجيل ولو بأقل ما يتحقق فيه معناه، وعبر عن تعجيل الله الخيرَ لهم بلفظ ﴿ استعجالهم ﴾ الدال على المبالغة في التعجيل بما تفيده زياد السين والتاء لغير الطلب إذ لا يظهر الطلب هنا، وهو نحو قولهم: استأخر واستقدم واستجلَب واستقام واستبان واستجاب واستمتع واستكبر واستخفى وقوله تعالى: ﴿ واستغشوا ثيابهم ﴾ [نوح: 7].

ومعناه: تعجّلهم الخيرَ، كما حمله عليه في «الكشاف» للإشارة إلى أن تعجيل الخير من لدُنه.

فليس الاستعجال هنا بمعنى طلب التعجيل لأن المشركين لم يسألوا تعجيل الخير ولا سألوه فحصل، بل هو بمعنى التعجل الكثير، كما في قول سُلْمِيّ بن رَبيعة: وإذا العذارَى بالدخان تقنَّعت *** واستعجلتْ نصب القدور فملت أي تعجلت)، وهو في هذا الاستعمال مثله في الاستعمال الآخر يتعدى إلى مفعول، كما في البيت وكما في الحديث " فاستعجلَ الموتَ ".

وانتصب ﴿ استعجالهم ﴾ على المفعولية المطلقة المفيدة للتشبيه، والعامل فيه ﴿ يُعجل ﴾ .

والمعنى: ولو يعجل الله للناس الشر كما يجعل لهم الخير كثيراً، فقوله: ﴿ استعجالهم ﴾ مصدر مضاف إلى مفعوله لا إلى فاعله، وفاعل الاستعجال هو الله تعالى كما دل عليه قوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ .

والباء في قوله: ﴿ بالخير ﴾ لتأكيد اللصوق، كالتي في قوله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6].

وأصله: استعجالهم الخير، فدلَّت المبالغة بالسين والتاء وتأكيد اللصوق على الامتنان بأن الخير لهم كثير ومكين.

وقد كثر اقتران مفعول فعل الاستعجال بهذه الباء ولم ينبهوا عليه في مواقعه المتعددة.

وسيجيء في النحل.

وقد جعل جواب (لو) قوله: ﴿ لقضي إليهم أجلهم ﴾ ، وشأن جواب (لو) أن يكون في حيز الامتناع، أي وذلك ممتنع لأن الله قدَّر لآجال انقراضهم ميقاتاً معيَّناً ﴿ ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ﴾ [الحجر: 5].

والقضاء: التقدير.

والأجل: المدة المعينة لبقاء قوم.

والمعنى: لقضي إليهم حلول أجلهم.

ولما ضمن (قضي) معنى بَلَغ ووصل عدي ب (إلى).

فهذا وجه تفسير الآية وسر نظمها، ولا يلتفت إلى غيره في فهمها.

وهذا المعنى مثل معنى ﴿ قُل لو أن عندي ما تستعجلون به لقُضي الأمر بيني وبينكم ﴾ في سورة [الأنعام: 58].

وجملة: ﴿ فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ الخ مفرعة على جملة ﴿ ولو يعجل الله للناس ﴾ إلى آخرها.

وقرأ الجمهور ﴿ لقضي ﴾ بالبناء للنائب ورفععِ ﴿ أجلهم ﴾ على أنه نائب الفاعل.

وقرأه ابن عامر ويعقوب بفتح القاف والضاد ونصب ﴿ أجلهم ﴾ على أن في (قضي) ضميراً عائداً إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ ولو يجعل الله للناس الشر ﴾ الخ.

وجملة: ﴿ فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ مفرعة على جملة (لو) وجوابها المفيدة انتفاء أن يعجل الله للناس الشر بانتفاء لازمه وهو بلوغ أجلهم إليهم، أي فإذا انتفى التعجيل فنحن نذر الذين لا يرجون لقاءنا يعمهون، أي نتركهم في مدة تأخير العذاب عنهم متلبسين بطغيانهم، أي فرطِ تكبرهم وتعاظمهم.

والعمه: عدم البصر.

وإنما لم ينصب الفعل بعد الفاء لأن النصب يكون في جواب النفي المحْض، وأما النفي المستفاد من (لو) فحاصل بالتضمن، ولأن شأن جواب النفي أن يكون مسبباً على المنفي لا على النفي، والتفريع هنا على مستفاد من النفي.

وأما المنفي فهو تعجيل الشر فهو لا يُسبب أن يترك الكافرين يعمهون، وبذلك تعرف أن قوله: ﴿ فنذر ﴾ ليس معطوفاً على كلام مقدر وإنما التقديرُ تقدير معنى لا تقدير إعراب، أي فنترك المنكرين للبعث في ضلالهم استدراجاً لهم.

وقوله: ﴿ في طغيانهم يعمهون ﴾ تقدم نظيره في قوله: ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾ في سورة [البقرة: 15].

والطغيان: الكفر.

والإتيان بالموصولية في تعريف الكافرين للدلالة على أن الطغيان أشده إنكارهم البعث، ولأنه صار كالعلامة عليهم كما تقدم آنفاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلْكافِرِ العَذابَ عَلى كُفْرِهِ كَما عَجَّلَ لَهُ خَيْرَ الدُّنْيا مِنَ المالِ والوَلَدِ لَعَجَّلَ لَهُ قَضاءَ أجْلِهِ لِيَتَعَجَّلَ عَذابَ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ الرَّجُلَ إذا غَضِبَ عَلى نَفْسِهِ أوْ مالِهِ أوْ ولَدِهِ فَيَدْعُو بِالشَّرِّ فَيَقُولُ: لا بارَكَ اللَّهُ فِيهِ وأهْلَكَهُ اللَّهُ، فَلَوِ اسْتُجِيبَ ذَلِكَ مِنهُ كَما يُسْتَجابُ مِنهُ الخَيْرُ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم أيْ لَهَلَكُوا.

فَيَكُونُ تَأْوِيلًا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ خاصًّا في الكافِرِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي عامًّا في المُسْلِمِ والكافِرِ.

﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.

﴿ فِي طُغْيانِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في شِرْكِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: في ضَلالِهِمْ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّالِثُ: في ظُلْمِهِمْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَتَرَدَّدُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ وأبُو العالِيَةِ.

الثّانِي: يَتَمادَوْنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: يَلْعَبُونَ، قالَهُ الأعْمَشُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ﴾ قال: هو قول إنسان لولده وماله إذا غضب عليه: اللهمَّ لا تبارك فيه والعنه ﴿ لقضي إليهم أجلهم ﴾ قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ﴾ قال: قول الرجل للرجل: اللهمَّ اخزه اللهمَّ العنه، قال: وهو يحب أن يستجاب له كما يحب اللهمَّ اغفر له اللهمَّ ارحمه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ ﴾ ، قال مجاهد: هو (١) (٢) (٣) قال الفراء: ﴿ اسْتِعْجَالَهُمْ ﴾ منصوب بوقوع الفعل وهو (يعجل) كما تقول: قد ضربت اليوم ضربك (٤) (٥) وقال أبو إسحاق: نصب (استعجالهم) على [معنى: مثل استعجالهم، على] (٦) (٧) (٨) (٩) وزاد ابن قتيبة بيانًا فقال: إن الناس عند الغضب وعند الضجر قد يدعون على أنفسهم وأهليهم وأولادهم بالموت وتعجيل البلاء، كما قد يدعونه بالرزق والرحمة وإعطاء السؤال، يقول: فلو أجابهم الله إذا دعوه بالشر الذي يستعجلونه به استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم، قال: وفي الكلام حذف واختصار كأنه قال: ولو يعجل الله للناس إجابتهم في الشر الذي يستعجلونه استعجالهم بالخير (١٠) (١١) ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ ﴾ فعل من الله -عز وجل-، وقوله تعالى: ﴿ اسْتِعْجَالَهُمْ ﴾ فعل من المخلوقين.

وقال مقاتل في هذه الآية: لو استجيب لهم في الشر كما يحبون أن يستجاب لهم في الخير (١٢) وسلك أبو علي الفارسي في الآية طريقة أخرى فقال: المعنى والله أعلم: ولو يعجل الله للناس الشر (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ  ﴾ في حذف ضمير الفاعل قال: والتقدير: ولو يعجل الله للناس الشر (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ ، قال عامة المفسرين: أي لماتوا وهلكوا جميعًا وفرغ من هلاكهم (١٩) (٢٠) ﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ  ﴾ .

فأما ما يتعلق به الجار في قوله: ﴿ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قال أبو علي: لما كان معنى (قضى): فرغ [وكان فرغ] (٢١) (٢٢) ألان فقد فرغت إلى نمير ...

فهذا حين صرت لهم عذابا فلما تعلق (إلى) بفرغ كذلك تعلق بقضى (٢٣) وتحقيق التأويل: لو أجيبوا إلى ما يدعون به من الشر والعذاب لفرغ إليهم من أَجَلِهم بأن ينقضي الأجل فيموتوا ويحصلوا في البلاء والعذاب.

وقرأ ابن عامر: (لقَضَى إليهم أجلَهم) على إسناد الفعل إلى الفاعل (٢٤) ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ ﴾ .

وذكر عن بعض المفسرين (٢٥) ﴿ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ  ﴾ الآية، يدل على صحة هذا قوله: ﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ، يعني الكفار الذين لا يخافون البعث.

(١) ساقط من (م).

(٢) رواه ابن جرير 11/ 92، وابن أبي حاتم 6/ 1932، والثعلبي 7/ 7 أ، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 539.

(٣) رواه ابن جرير 11/ 92، وابن أبي حاتم 6/ 1932، والثعلبي 7/ 7 أ، والبغوي 4/ 123.

(٤) في (ح): (مضربك).

(٥) " معاني القرآن" 1/ 458.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 8.

(٨) "معاني القرآن" 1/ 8 بمعناه.

(٩) هكذا في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن" للفراء: يعجل، وانظر نقل المؤلف النص قبل بضعة أسطر.

(١٠) "تأويل مشكل القرآن" ص 393.

(١١) في (م): (فعلى).

(١٢) هذا قول مقاتل بن سليمان، انظر: "تفسيره" 138 ب.

(١٣) في "الحجة" دعاء الشر.

(١٤) في (م): (إليه).

(١٥) هكذا في جميع النسخ، وكذلك هو في إحدى نسخ "الحجة" كما أشار إليه المحقق، ونص بقية النسخ: استعجالهم إياه، ولعل صواب عبارة أبي علي ما ذكره المؤلف ويدل على ذلك ما يأتي: أ- قول أبي علي: فأضيف المصدر إلى المفعول به، وحذف الفاعل، دليل على أنه أراد ما ذكره المؤلف، إذ إنه على العبارة الثانية يكون المصدر مضافًا إلى الفاعل.

ب- بيان المؤلف أن عبارة الكلبي بمعنى عبارة أبي علي وهذا لا يتحقق إلا على ما ذكره المؤلف.

ج- قول المؤلف: وعلى هذا: التعجيل والاستعجال كلاهما من الله، لا يتحقق إلا بالعبارة التي ذكرها المؤلف، إذ إن العبارة الثانية تفيد أنه أراد العبارة الأخرى؛ لأنه لو أراد العبارة التي ذكرها المؤلف لقال: استعجالًا مثل استعجاله لهم بالخير.

فليتأمل.

(١٦) ساقط من (ح).

(١٧) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 254.

(١٨) ذكره بنحوه السمرقندي في "تفسيره" 2/ 90.

(١٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 8، و"تفسير ابن جرير" 11/ 92، والثعلبي 7/ 7 أ، والبغوي 4/ 124، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 8.

(٢٠) "مجاز القرآن" 1/ 275 ولفظه: لفرغ ولقطع ونبذ إليهم.

وقد ذكره أبو علي في "الحجة" 4/ 254 بلفظ المؤلف.

(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢٢) هو: جرير كما في "لسان العرب" (أين) 1/ 193، ولم أجده في "ديوانه"، ورواية "اللسان": الآن وقد نزعت ...

إلخ ونمير: قبيلة عربيته معروفة منها الراعي النميري، وكان بينه وبين جرير هجاء ومناقضات.

انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 436.

(٢٣) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 256 بنحوه.

(٢٤) كتاب "السبعة" ص 323، "إرشاد المبتدي" ص 360، " النشر" 2/ 282، وقد وافقه يعقوب كما في المصدرين الأخيرين.

(٢٥) هو: مقاتل بن سليمان كما في "تفسيره" 138 ب، "تفسير القرطبي" 8/ 315.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ أي: لو يعجل الله للناس الشر كما يحبون تعجيل الخير لهلكوا سريعاً، ونزلت الآية عند قوم: في دعاء الإنسان على نفسه وماله وولده، وقيل: نزلت في الذين قالوا: ﴿ إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء ﴾ [الأنفال: 32] ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا ﴾ عتابٌ في ضمنه نهيٌ لمن يدعو الله عند الضر، ويغفل عنه عند العافية ﴿ لِجَنبِهِ ﴾ أي مضطجعاً، وروي أنها نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة لمرض كان به.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لقضي إليهم ﴾ مبنياً للفاعل ﴿ أجلهم ﴾ بالنصب: ابن عامر ويعقوب.

الآخرون مبنياً للمفعول ورفع ﴿ أجلهم ﴾ أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام ﴿ لي أن ﴾ بفتح الياء وكذلك ﴿ إني أخاف ﴾ : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ نفسي أن ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ ولأدراكم ﴾ بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة.

وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا.

الباقون:مثله ولكن بالتفخيم.

﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ أجلهم ﴾ ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ أو قائماً ﴾ ط ﴿ مسه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ ليؤمنوا ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أو بدله ﴾ ط.

﴿ نفسي ﴾ ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد ﴿ إليّ ﴾ ط ج لمثل ما قلنا ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ به ﴾ ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى ﴿ من قبله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاختلفوا ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ فانتظروا ﴾ ج لاحتمال الابتداء أو التعليل ﴿ المنتظرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً  بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى.

ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ الآية.

وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف.

وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.

كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا.

قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير.

فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم.

وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر.

فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم.

وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه  وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب.

وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به.

ثم إن قوله ﴿ لو يعجل ﴾ كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله ﴿ فنذرهم ﴾ معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى.

ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ أي هذا الجنس ﴿ دعانا لجنبه ﴾ اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا.

وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه.

والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء.

ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها.

أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء.

قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر.

ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر.

وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله  : ﴿ هل أتى على الإنسان  ﴾ إلا أن يساعده نقل صحيح.

والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه.

قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب.

ومعنى ﴿ مرّ ﴾ مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه.

ومعنى ﴿ كأن لم يدعنا ﴾ كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ من تتبع الشهوات.

والمزين هو الله  أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً.

قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام.

والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا.

ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ﴿ ولقد أهلكنا القرون ﴾ وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ﴿ ولما ﴾ ظرف لأهلكنا والواو في ﴿ وجاءتهم ﴾ للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم ﴿ رسلهم ﴾ بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات.

وقوله: ﴿ وما كانوا ليؤمنوا ﴾ إما أن يكون عطفاً على ﴿ ظلموا ﴾ أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله  .

ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله  بقوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ أي استخلفناكم ﴿ في الأرض ﴾ بعد تلك القرون ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ خيراً أو شراً.

استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف".

قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار.

ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.

طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها.

فأمره الله  أن يقول في جوابهم ﴿ ما يكون لي ﴾ أي ما ينبغي وما يحل ﴿ أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى.

ثم أكد الجواب بقوله: ﴿ إن أتبع ﴾ أي ما أتبع ﴿ إلا ما يوحى إلي ﴾ إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل.

وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي.

ونقل عن ابن عباس أن قوله: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.

قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية.

فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين  ﴾ .

ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك.

ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله  وأنه غير مستبد في إيراده فقال: ﴿ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ﴾ ولا أعلمكم الله ﴿ به ﴾ على لساني.

ومن قرأ بلام الابتداء.

فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري.

وقرىء ﴿ لا أدرأكم به ﴾ بالهمزة.

ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع.

ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ﴿ فقد لبثت فيكم عمراً ﴾ أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل نزول القرآن ﴿ أفلا تعقلون ﴾ فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية.

وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول  إلى الله لم يكن أحد أظلم منه.

ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ﴾ إن لم يعبدوه ﴿ ولا ينفعهم ﴾ إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً.

وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون  ﴾ ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور.

تقول: ما علم الله ذلك مني.

والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط.

وفي قوله: ﴿ في السموات ولا في الأرض ﴾ تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم.

قوله: {  وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي  أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله  تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به.

ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا.

وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة  ﴾ والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لقضى بينهم ﴾ عاجلاً ولميز المحق من المبطل.

ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله: ﴿ لولا نزل عليه آية من ربه  ﴾ كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً.

﴿ فقال إنما الغيب لله ﴾ هو المختص بعلمه ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ .

كأن الآية على الإخبار كأنه قال: ولو يعجل الله للناس الشر إذا استعجلوه كما يعجل لهم الخير إذا استعجلوه - لقضي إليهم أجلهم؛ لأنه ليس يذكر في ظاهر الآية استعجالهم الشر إنما يذكر تعجيله، ولكن فيه ما ذكر من الإضمار إضمار الاستعجال، ومنه ما ذكر في غير آية من القرآن استعجالهم العذاب؛ كقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ الآية [النحل: 1]، وقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً ﴾ الآية [الأنفال: 32] ونحو ذلك، كانوا يستعجلون العذاب استعجال تضرع، فيقول: لو عجل لهم العذاب إذا استعجلوه كما يعجل لهم الخير إذا استعجلوه - لقضي أجلهم، يقول: لهلكوا أو فنوا، هذا التأويل في أهل الكفر خاصة عند استعجالهم العذاب استعجال تضرع وسؤال، ويشبه أن يكون هذا في جملة الخلق على غير تصريح سؤال، ولكن عند ارتكابهم الشر بقوله: لو يعجل الله للناس الشر باكتسابهم الشر وبارتكابهم إياه [وقت اكتسابهم، كما يعجل لهم الخير] وقت اكتسابهم الخير - لقضي إليهم أجلهم، أي: لو عجل لهم جزاء شرهم وقت اكتسابهم الشر، كما يعجل لهم جزاء خيرهم، لكان ما ذكر ما يستوجبون بارتكابهم الشر وقت فعلهم إياه لقضي إليهم أجلهم، لكنه لم يعجل لهم ذلك وأخره إلى المدة التي جعل لآجالهم.

ويمكن وجه آخر: وهو ما يدعو بعضهم على بعض باللعن والخزي، يقول الرجل عند شدة الغضب: اللهم العن فلانا، اللهم أخزه، ونحو ذلك من الدعوات، يقول: لو عجل لهم هذا كما يعجل لهم عند دعاء بعضهم لبعض بالرحمة والسعة - لقضي إليهم أجلهم؛ لهلكوا وفنوا، ويكون ذلك انقضاء أجلهم، ويكون ذلك على وجوه ثلاثة.

أحدها: استعجال سؤال وتضرع، الذي ذكرنا.

والثاني: بأفعالهم وارتكابهم الشر وقت ارتكابهم.

والثالث: الأسباب التي بها يرتكبون ويفعلون.

وقوله: ﴿ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ يحتمل: لقضي [أجلهم قبل المدة التي جعل لهم.

والثاني: لقضي أجلهم؛ أي: يجعل أجلهم ذلك، ففيه دلالة ألاَّ يهلك أحد قبل أجله و] لا يقدم ولا يؤخر، فهو ما ذكر: ﴿ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

هو ما ذكرنا أن من حكمه ألا يعاقب.

أحداً من الكفرة في [الدنيا بصنيعه] الذي صنع، وقد يعجل لهم جزاء خيراتهم في الدنيا؛ كما ساق إليهم من أنواع النعم، ولكن من حكمه أن يؤخر عقوبتهم إلى يوم القيامة؛ فذلك تأويله، والله أعلم.

﴿ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ أي: نتركهم يترددون في أعمالهم، [وجرمهم إلى] الوقت الذي وعد لهم العذاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾ : قال بعض أهل التأويل: إن جميع ما ذُكر في القرآن الإنسان فالمراد منه الكافر؛ من ذلك قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلْعَصْرِ  إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ  ﴾ ونحوه، لكن هذا لا نعلم أنه أراد به الكافر، فلئن كان ما ذكروا فإن أهل الإيمان يدخلون في هذا الخطاب، إذا كان منهم ما يكون من الكفرة؛ لأن من أهل الإيمان من يقبل على الدعاء والتضرع إلى الله عند مس الحاجة والشدة، فإذا انجلى ذلك وانكشف عنه ترك ذلك الدعاء الذي كان دعا، وذلك التضرع الذي كان يتضرع إليه، فدخل في ذلك.

ثم قوله: ﴿ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾ : ليس على إرادة حقيقة الجنب والقعود والقيام، ولكن على الدعاء في كل حال، أي: يدعونه في كل حال؛ لما عرفوا أن الذين كانوا يعبدون من دون الله لا يملكون دفع ما حل بهم من الشدائد والمضار - أقبلوا على الله بالتضرع والدعاء إليه في كشف ذلك عنهم.

ثم أخبر عن سفههم وشدة تعنتهم وعودهم إلى الحال التي كانوا من قبل فقال: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾ : يقول - والله أعلم -: مر كأن لم يدعنا قد نسينا في الرخاء كأن لم يعرفنا [واستمر على ترك الدعاء في الرخاء، وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ ﴾ عرفنا ما كانوا يعملون والإسراف هو العدوان] والتعدي عن الحد الذي جعل له وهو وضع الأموال والأنفس في الموضع الذي لا ينتفعون بها في عبادة الأصنام وغيرها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو يُعَجِّل الله سبحانه استجابة دعاء الناس على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بالشر عند الغضب، مثل ما يستجيب لهم في دعائهم بالخير -لهلكوا، ولكن الله يمهلهم، فيترك الذين لا ينتظرون لقاءه- لأنهم لا يخافون عقابًا ولا يرتجون ثوابًا- يتركهم مترددين حائرين مرتابين في يوم الحساب.

<div class="verse-tafsir" id="91.glk2r"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.3 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل