الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١١ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 93 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١١ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده : أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم ، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك ، فلهذا لا يستجيب لهم - والحالة هذه - لطفا ورحمة ، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم وأولادهم بالخير والبركة والنماء ؛ ولهذا قال : ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ) أي : لو استجاب لهم كل ما دعوه به في ذلك ، لأهلكهم ، ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك ، كما جاء في الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا يعقوب بن محمد ، حدثنا حاتم بن إسماعيل ، حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة عن عبادة بن الوليد ، حدثنا جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تدعوا على أنفسكم ، لا تدعوا على أولادكم ، لا تدعوا على أموالكم ، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم " .
ورواه أبو داود ، من حديث حاتم بن إسماعيل ، به .
وقال البزار : [ و ] تفرد به عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري ، لم يشاركه أحد فيه ، وهذا كقوله تعالى : ( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا ) [ الإسراء : 11 ] .
وقال مجاهد في تفسير هذه الآية : ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ) هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه : " اللهم لا تبارك فيه والعنه " .
فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك ، كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ولو يعجل الله للناس إجابةَ دعائهم في الشرّ ، وذلك فيما عليهم مضرّة في نفس أو مال ، (استعجالهم بالخير) ، يقول: كاستعجاله لهم في الخير بالإجابة إذا دعوه به ، (لقضي إليهم أجلهم)، يقول: لهلكوا ، وعُجِّل لهم الموت، وهو الأجل.
(21) * * * وعني بقوله: (لقضي) ، لفرغ إليهم من أجلهم ، (22) ونُبذ إليهم، (23) كما قال أبو ذؤيب: وَعَلَيْهِمَــا مَسْــرُودَتَانِ قَضَاهُمَــا دَاوُدُ , أَوْ صَنَــعُ السَّــوَابِغِ تُبَّــعُ (24) * * * ، (فنذر الذين لا يرجون لقاءنا)، يقول: فندع الذين لا يخافون عقابنا ، ولا يوقنون بالبعث ولا بالنشور، (25) ، (في طغيانهم) ، يقول: في تمرّدهم وعتوّهم، (26) (يعمهون) يعني: يترددون.
(27) وإنما أخبر جل ثناؤه عن هؤلاء الكفرة بالبعث بما أخبر به عنهم ، من طغيانهم وترددهم فيه عند تعجيله إجابة دعائهم في الشرّ لو استجاب لهم ، أن ذلك كان يدعوهم إلى التقرُّب إلى الوثن الذي يشرك به أحدهم، أو يضيف ذلك إلى أنه من فعله.
* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 17572- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير) ، قال: قولُ الإنسان إذا غضب لولده وماله: " لا باركَ الله فيه ولعنه "!
17573- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير) ، قال: قولُ الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: " اللهم لا تبارك فيه والعنه "!
فلو يعجّل الله الاستجابة لهم في ذلك، كما يستجاب في الخير لأهلكهم.
17574- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير) ، قال: قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: " اللهم لا تبارك فيه والعنه " ، (لقضي إليهم أجلهم) قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته.
17575- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير) ، قال: قول الرجل لولده إذا غضب عليه أو ماله: " اللهم لا تبارك فيه والعنه "!
قال الله: (لقضي إليهم أجلهم) ، قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته.
قال: (فنذر الذين لا يرجون لقاءنا) ، قال يقول: لا نهلك أهل الشرك، ولكن نذرهم في طغيانهم يعمهون.
17576- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير) ، قال: هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له.
17577- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (لقضي إليهم أجلهم) ، قال: لأهلكناهم.
وقرأ: مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ، [سورة فاطر: 45] .
قال: يهلكهم كلهم.
* * * ونصب قوله : (استعجالهم) ، بوقوع (يعجل) عليه، كقول القائل: " قمت اليوم قيامَك " بمعنى : قمت كقيامك، وليس بمصدّرٍ من (يعجل)، لأنه لو كان مصدّرًا لم يحسن دخول " الكاف " ، أعني كاف التشبيه ، فيه.
(28) * * * واختلفت القراء في قراءة قوله: (لقضي إليهم أجلهم) .
فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق: ( لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ )، على وجه ما لم يسمَّ فاعله ، بضم القاف من " قضي"، ورفع " الأجل ".
* * * وقرأ عامة أهل الشأم: ( لَقَضَى إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ ) ، بمعنى: لقضى الله إليهم أجلهم.
* * * قال أبو جعفر: وهما قراءتان متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني أقرؤه على وجه ما لم يسمَّ فاعله، لأن عليه أكثر القراء.
--------------------- الهوامش : (21) انظر تفسير " الأجل " فيما سلف 13 : 290 ، تعليق : 6 ، والمراجع هناك .
(22) انظر تفسير " قضى " فيما سلف 13 : 290 ، تعليق : 6 ، والمراجع هناك .
(23) في المطبوعة : " وتبدى لهم " ، غير ما في المخطوطة إذ لم يحسن قراءته .
(24) سلف البيت وتخريجه وشرحه 2 : 542 .
(25) انظر تفسير " يذر " فيما سلف من فهارس اللغة ( وذر ) .
، وتفسير " الرجاء " فيما سلف ص : 26 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(26) انظر تفسير " الطغيان " فيما سلف 13 : 291 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(27) انظر تفسير " العمه " فيما سلف 13 : 291 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(28) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 458 .
قوله تعالى ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم [ ص: 230 ] فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى ولو يعجل الله للناس الشر قيل : معناه ولو عجل الله للناس العقوبة كما يستعجلون الثواب والخير لماتوا ؛ لأنهم خلقوا في الدنيا خلقا ضعيفا ، وليس هم كذا يوم القيامة ; لأنهم يوم القيامة يخلقون للبقاء .
وقيل : المعنى لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم ; وهو معنى لقضي إليهم أجلهم .
وقيل : إنه خاص بالكافر ; أي ولو يعجل الله للكافر العذاب على كفره كما عجل له خير الدنيا من المال والولد لعجل له قضاء أجله ليتعجل عذاب الآخرة ; قال ابن إسحاق .
مقاتل : هو قول النضر بن الحارث : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ; فلو عجل لهم هذا لهلكوا .
وقال مجاهد : نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله أو ولده إذا غضب : اللهم أهلكه ، اللهم لا تبارك له فيه والعنه ، أو نحو هذا ; فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب الخير لقضي إليهم أجلهم .
فالآية نزلت ذامة لخلق ذميم هو في بعض الناس يدعون في الخير فيريدون تعجيل الإجابة ثم يحملهم أحيانا سوء الخلق على الدعاء في الشر ; فلو عجل لهم لهلكوا .الثانية : واختلف في إجابة هذا الدعاء ; فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إني سألت الله عز وجل ألا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه .
وقال شهر بن حوشب : قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول للملائكة الموكلين بالعبد : لا تكتبوا على عبدي في حال ضجره شيئا ; لطفا من الله تعالى عليه .
قال بعضهم : وقد يستجاب ذلك الدعاء ، واحتج بحديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه آخر الكتاب ، قال جابر : سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن بواط وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني وكان الناضح يعتقبه منا الخمسة والستة والسبعة ، فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له فأناخه فركب ، ثم بعثه فتلدن عليه بعض التلدن ; فقال له : شأ ; لعنك الله!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من هذا اللاعن بعيره ؟
قال : أنا يا رسول الله ; قال : انزل عنه فلا تصحبنا بملعون لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم .
[ ص: 231 ] في غير كتاب مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فلعن رجل ناقته فقال : أين الذي لعن ناقته ؟
فقال الرجل : أنا هذا يا رسول الله ; فقال : أخرها عنك فقد أجبت فيها ذكره الحليمي في منهاج الدين .
" شأ " يروى بالسين والشين ، وهو زجر للبعير بمعنى سر .الثالثة : قوله تعالى : ولو يعجل الله قال العلماء : التعجيل من الله ، والاستعجال من العبد .
وقال أبو علي : هما من الله ; وفي الكلام حذف ; أي ولو يعجل الله للناس الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير ، ثم حذف تعجيلا وأقام صفته مقامه ، ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه ; هذا مذهب الخليل وسيبويه .
وعلى قول الأخفش والفراء كاستعجالهم ، ثم حذف الكاف ونصب .
قال الفراء : كما تقول ضربت زيدا ضربك ، أي كضربك .
وقرأ ابن عامر لقضى إليهم أجلهم .
وهي قراءة حسنة ; لأنه متصل بقوله : ولو يعجل الله للناس الشر .فنذر الذين لا يرجون لقاءنا أي لا يعجل لهم الشر فربما يتوب منهم تائب ، أو يخرج من أصلابهم مؤمن .في طغيانهم يعمهون أي يتحيرون .
والطغيان : العلو والارتفاع ; وقد تقدم في " البقرة " .
وقد قيل : إن المراد بهذه الآية أهل مكة ، وإنها نزلت حين قالوا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية ، على ما تقدم والله أعلم .
وهذا من لطفه وإحسانه بعباده، أنه لو عجل لهم الشر إذا أتوا بأسبابه، وبادرهم بالعقوبة على ذلك، كما يعجل لهم الخير إذا أتوا بأسبابه {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} أي: لمحقتهم العقوبة، ولكنه تعالى يمهلهم ولا يهملهم، ويعفو عن كثير من حقوقه، فلو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة. ويدخل في هذا، أن العبد إذا غضب على أولاده أو أهله أو ماله، ربما دعا عليهم دعوة لو قبلت منه لهلكوا، ولأضره ذلك غاية الضرر، ولكنه تعالى حليم حكيم. وقوله: {فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} أي: لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يستعدون لها، ولا يعلمون ما ينجيهم من عذاب الله، {فِي طُغْيَانِهِمْ} أي: باطلهم، الذي جاوزوا به الحق والحد. {يَعْمَهُونَ} يترددون حائرين، لا يهتدون السبيل، ولا يوفقون لأقوم دليل، وذلك عقوبة لهم على ظلمهم، وكفرهم بآيات الله.
قوله عز وجل : ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ) قال ابن عباس : هذا في قول الرجل عند الغضب لأهله وولده : لعنكم الله ، ولا بارك فيكم .
قال قتادة : هو دعاء الرجل على نفسه وأهله وماله بما يكره أن يستجاب .
معناه : لو يعجل الله الناس إجابة دعائهم في الشر والمكروه استعجالهم بالخير ، أي : كما يحبون استعجالهم بالخير ، ( لقضي إليهم أجلهم ) قرأ ابن عامر ويعقوب : " لقضى " بفتح القاف والضاد ، ( أجلهم ) نصب ، أي : لأهلك من دعا عليه وأماته .
وقال الآخرون : " لقضي " بضم القاف وكسر الضاد " أجلهم " رفع ، أي : لفرغ من هلاكهم وماتوا جميعا .
وقيل : إنها نزلت في النضر بن الحارث حين قال : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء " الآية ( الأنفال - 32 ) يدل عليه قوله عز وجل : ( فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ) لا يخافون البعث والحساب ، ( في طغيانهم يعمهون ) .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصلاحي ، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ، حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ، أنبأنا أحمد بن منصور الزيادي ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن همام بن منبه ، أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه ، فإنما أنا بشر فيصدر مني ما يصدر من البشر ، فأي المؤمنين آذيته ، أو شتمته ، أو جلدته ، أو لعنته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة ، تقربه بها إليك يوم القيامة " .
«ولو يُعَجِل الله للناس الشر استعجالهم» أي كاستعجالهم «بالخير لقضي» بالبناء للمفعول وللفاعل «إليهم أجلُهم» بالرفع والنصب، بأن يهلكهم ولكن يمهلهم «فَنَذَرُ» نترك «الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون» يترددون متحيرين.
ولو يعجِّل الله للناس إجابة دعائهم في الشر كاستعجاله لهم في الخير بالإجابة لهلكوا، فنترك الذين لا يخافون عقابنا، ولا يوقنون بالبعث والنشور في تمرُّدهم وعتوِّهم، يترددون حائرين.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه ورحمته بالناس ، وما جبلوا عليه من صفات وطبائع فقال - تعالى - :( وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر .
.
.
) .قال صاحب المنار : " هاتان الآيتان فى بيان شأن من شئون البشر وغرائزهم فيما يعرض لهم فى حياتهم الدنيا من خير وشر ، ونفع وضر ، وشعورهم بالحاجة إلى الله - تعالى - واللجوء إلى دعائه لأنفسهم وعليها ، واستعجالهم الأمور قبل أوانها وهو تعريض بالمشركين ، وحجة على ما يأتون من شرك وما ينكرون من أمر البعث ، متمم لما قبله ، ولذلك عطف عليه .وقوله : ( يعجل ) من التعجيل بمعنى طلب الشيء قبل وقته المحدد له والاستعجال : طلب التعجيل بالشيء .والأجل : الوقت المحدد لانقضاء المدة .
وأجل الإِنسان هو الوقت المضروب لانتهاء عمره .والمراد بالناس هنا - عند عدد من المفسرين - : المشركون الذى وصفهم الله - تعالى - قبل ذلك بأنهم لا يرجون لقاءه ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها .ولقد حكى القرآن فى كثير من آياته ، أن المشركين قد استعجلوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى نزول العذاب ، ومن ذلك قوله - تعالى - ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ .
يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين ) وقوله - تعالى - : ( وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) والمعنى : ولو يعجل الله - تعالى - لهؤلاء المشركين العقوبة التى طلبوها ، تعجيلا مثل استعجالهم الحصول على الخير ( لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ) أي : لأميتوا وأهلكوا جميعاً ، ولكن الله - تعالى - الرحيم بخلقه ، الحكيم فى أفعاله ، لا يعجل لهم العقوبة اليت طلبوها كما يعجل لهم طلب الخير لحكمة هو يعلمها؛ فقد يكون من بين هؤلاء المتعجلين للعقوبة من يدخل فى الإِسلام ، ويتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - .قال الإِمام الرازي : " فقد بين - سبحانه - فى هذه الآية : أنهم لا مصلحة لهم فى تعجيل إيصال الشر إليهم ، لأنه - تعالى - " لو أوصل ذلك العقاب إليهم لماتوا وهلكوا ، ولا صلاح فى إماتتهم ، فربما آمنوا بعد ذلك ، وربما خرج من أصلابهم من كان مؤمناً ، وذلك يقتضي أن يعاجلهم بإيصال ذلك الشر " .ومن العلماء من يرى أن المراد بالناس هنا ما يشمل المشركين وغيرهم ، وأن الآية الكريمة تحكى لونا من ألوان لطف الله بعباده ورحمته بهم .ومن المفسرين الذين اقتصروا على هذا الاتجاه فى تفسيرهم الإِمام ابن كثير ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : يخبر - تعالى - عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم ، أو أموالهم أو أولادهم بالشر فى حال ضجرهم وغضبهم ، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك ، فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفا ورحمة ، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير والبركة والسخاء ، ولهذا قال : ( وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ..
.
) أي لو استجاب لهم جميع ما دعوه به فى ذلك لأهلكهم .ثم قال : ولكن لا ينبغي الإِكثار من ذلك ، كما جاء فى الحديث الذى رواه الحافظ أبو بكر البزار فى مسنده عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تدعوا على أنفسكم ، لا تدعوا على أولادكم ، لا تدعوا على أموالكم ، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم " .وقال مجاهد فى تفسير هذه الآية : هو قول الإِنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه : اللهم لا تبارك فيه والعنة ، فلو يعجل لهم الاستجابة فى ذلك كما يستجاب لهم فى الخير لأهلكهم .أما الإِمام الآلوسى فقد حكى هذين الوجهين ، ورجح الأول منهما فقال : " قوله : ( وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر .
.
.
) وهم الذين لا يرجون لقاء الله - تعالى - المذكورون فى قوله ( الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا .
.
.
) والمراد لو يعجل الله لهم الشر الذى كانوا يستعجلون به تكذيبا واستهزاء .
.
.
" وأخرج ابن جرير عن قتادة : أنه قال : " هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره ، أن يستجاب له ، وفيه حمل الناس على العموم ، والمختار الأول ، ويؤيده ما قيل : من أن الآية نزلت فى النضر بن الحارث حين قال : ( اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) والذى يبدو لنا أن كون لفظ الناس للجنس أولى ، ويدخل فيه المشركون دخولا أوليا ، لأنه لا توجد قرينة تمنع من إرادة ذلك ، وحتى لو صح ما قيل أن الآية نزلت فى النضر بن الحارث ، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .وقوله ( استعجالهم بالخير ) منصوب على المصدرية ، والأصل : ولو يعجل الله للناس الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير ، فحذف تعجيلا وصفته المضافة ، وأقيم المضاف إليه مقامها .ثم بين - سبحانه - ما يشير إلى الحكمة فى عدم تعجيل العقوبة فقال : ( فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) .والطغيان : مجاوزة الحد فى كل شيء ، ومنه طغى الماء إذا ارتفع وتجاوز حده .ويعمهون : من العمه ، يقال : عمه - كفرح ومنع - عمها ، إذا تحير وتردد فهو عمه وعامه .أي : لا نعجل للناس ما طلبوه من عقوبات ، وإنما نترك الذين لا يرجون لقاءنا إلى يوم القيامة ، على سبيل الإِمهال والاستدراج فى الدنيا فى طغيانهم يتحيرون ويترددون ، بحيث تلتبس عليهم الأمور فلا يعرفون الخير من الشر .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن الذي يغلب على ظني أن ابتداء هذه السورة في ذكر شبهات المنكرين للنبوة مع الجواب عنها.
فالشبهة الأولى: أن القوم تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمداً عليه السلام بالنبوة فأزال الله تعالى ذلك التعجب بقوله: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ ﴾ ثم ذكر دلائل التوحيد ودلائل صحة المعاد، وحاصل الجواب أنه يقول: إني ما جئتكم إلا بالتوحيد والإقرار بالمعاد، وقد دللت على صحتها، فلم يبق للتعجب من نبوتي معنى.
والشبهة الثانية: للقوم أنهم كانوا أبداً يقولون: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً في ادعاء الرسالة فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب إليم.
فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بما ذكره في هذه الآية.
فهذا هو الكلام في كيفية النظم.
ومن الناس من ذكر فيه وجوهاً أخرى: فالأول: قال القاضي: لما بين تعالى فيما تقدم الوعد والوعيد أتبعه بما دل على أن من حقهما أن يتأخرا عن هذه الحياة الدنيوية لأن حصولهما في الدنيا كالمانع من بقاء التكليف.
والثاني: ما ذكره القفال: وهو أنه تعالى لما وصف الكفار بأنهم لا يرجون لقاء الله ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وكانوا عن آيات الله غافلين؛ بين أن من غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلاً منهم وسفهاً.
المسألة الثانية: أنه تعالى أخبر في آيات كثيرة أن هؤلاء المشركين متى خوفوا بنزول العذاب في الدنيا استعجلوا ذلك العذاب كما قالوا: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ وقال تعالى: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ الآية.
ثم إنهم لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية وهو قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النار بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ استعجلوا ذلك العذاب، وقالوا: متى يحصل ذلك كما قال تعالى: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا ﴾ وقال في هذه السورة بعد هذه الآية: ﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ إلى قوله: ﴿ الآن وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ وقال في سورة الرعد: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات ﴾ فبين تعالى أنهم لا مصلحة لهم في تعجيل إيصال الشر إليهم، لأنه تعالى لو أوصل ذلك العقاب إليهم لماتوا وهلكوا، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ذلك ولا صلاح في إماتتهم، فربما آمنوا بعد ذلك، وربما خرج من صلبهم من كان مؤمناً، وذلك يقتضي أن لا يعاجلهم بإيصال ذلك الشر.
المسألة الثالثة: في لفظ الآية إشكال، وهو أن يقال: كيف قابل التعجل بالاستعجال، وكان الواجب أن يقابل التعجيل بالتعجيل، والاستعجال بالاستعجال.
والجواب عنه من وجوه: الأول: قال صاحب الكشاف: أصل هذا الكلام، ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير إلا أنه وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته وإسعافه بطلبهم، حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم.
الثاني: قال بعضهم حقيقة قولك عجلت فلاناً طلبت عجلته، وكذلك عجلت الأمر إذا أتيت به عاجلاً، كأنك طلبت فيه العجلة والاستعجال أشهر وأظهر في هذا المعنى، وعلى هذا الوجه يصير معنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم لقضى إليهم أجلهم، قال صاحب هذا الوجه، وعلى هذا التقدير: فلا حاجة إلى العدول عن ظاهر الآية.
الثالث: أن كل من عجل شيئاً فقد طلب تعجيله، وإذا كان كذلك، فكل من كان معجلاً كان مستعجلاً، فيصير التقدير، ولو استعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير إلا أنه تعالى وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها، لأن اللائق به تعالى هو التكوين واللائق بهم هو الطلب.
المسألة الرابعة: أنه تعالى سمى العذاب شراً في هذه الآية، لأنه أذى في حق المعاقب ومكروه عنده كما أنه سماه سيئة في قوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة ﴾ وفي قوله: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ .
المسألة الخامسة: قرأ ابن عامر ﴿ لَقُضِىَ ﴾ بفتح اللام والقاف ﴿ أَجَلُهُمْ ﴾ بالنصب، يعني لقضى الله، وينصره قراءة عبدالله ﴿ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ وقرأ الباقون بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء ﴿ أَجَلُهُمْ ﴾ بالرفع على ما لم يسم فاعله.
المسألة السادسة: المراد من استعجال هؤلاء المشركين الخير هو أنهم كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله تعالى بكشفها، وقد حكى الله تعالى عنهم ذلك في آيات كثيرة كقوله: ﴿ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا ﴾ .
المسألة السابعة: لسائل أن يسأل فيقول: كيف اتصل قوله: ﴿ فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ﴾ بما قبله وما معناه؟
وجوابه أن قوله: ﴿ وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ ﴾ متضمن معنى نفي التعجيل، كأنه قيل: ولا يعجل لهم الشر، ولا يقضي إليهم أجلهم فيذرهم في طغيانهم أي فيمهلهم مع طغيانهم إلزاماً للحجة.
المسألة الثامنة: قال أصحابنا: إنه تعالى لما حكم عليهم بالطغيان والعمه امتنع أن لا يكونوا كذلك.
وإلا لزم أن ينقلب خبر الله الصدق كذباً وعلمه جهله وحكمه باطلاً، وكل ذلك محال، ثم إنه مع هذا كلفهم وذلك يكون جارياً مجرى التكليف بالجمع بين الضدين.
<div class="verse-tafsir"
أصله ﴿ وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر ﴾ تعجيله لهم الخير، فوضع ﴿ استعجالهم بالخير ﴾ موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم وإسعافه بطلبتهم، حتى كأنّ استعجالهم بالخير تعجيل لهم، والمراد أهل مكة.
وقولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء، يعني: ولو عجلنا لهم الشرّ الذي دعوا به كما نعجل لهم الخير ونجيبهم إليه ﴿ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ لأميتوا وأهلكوا.
وقرئ: ﴿ لقضى إليهم أجلهم ﴾ على البناء للفاعل، وهو الله عزّ وجلّ، وتنصره قراءة عبد الله: ﴿ لقضينا إليهم أجلهم ﴾ فإن قلت: فكيف اتصل به قوله: ﴿ فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ﴾ وما معناه؟
قلت: قوله: ﴿ وَلَوْ يُعَجّلُ الله ﴾ متضمن معنى نفي التعجيل، كأنه قيل: ولا نعجل لهم الشرّ، ولا نقضي إليهم أجلهم فنذرهم ﴿ فِي طغيانهم ﴾ أي فنمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم، إلزاماً للحجّة عليهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ ﴾ ولَوْ يُسْرِعُهُ إلَيْهِمْ.
﴿ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ ﴾ وُضِعَ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهم بِالخَيْرِ إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ لَهم في الخَيْرِ حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِهِ تَعْجِيلٌ لَهم أوْ بِأنَّ المُرادَ شَرٌّ اسْتَعْجَلُوهُ كَقَوْلِهِمْ ﴿ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ﴾ وتَقْدِيرُ الكَلامِ، ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلَهُ لِلْخَيْرِ حِينَ اسْتَعْجَلُوهُ اسْتِعْجالًا كاسْتِعْجالِهِمْ بِالخَيْرِ، فَحُذِفَ مِنهُ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ.
﴿ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ ﴾ لَأُمِيتُوا وأُهْلِكُوا وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (لَقَضى) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى وقُرِئَ « لَقَضَيْنا» .
﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ عُطِفَ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ لا نُعَجِّلُ ولا نَقْضِي فَنَذْرُهم إمْهالًا لَهم واسْتِدْراجًا.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير} أصله ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم والمراد أهل مكة وقولهم فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أي ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما نعجل لهم الخير ونجيبهم إليه {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} لأميتوا وأهلكوا لقضى إليهم أجلهم شامي على البناء للفاعل وهو الله عز وجل {فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِى طُغْيَانِهِمْ} شركهم وضلالهم {يَعْمَهُونَ} يترددون ووجه اتصاله بما قبله أن قوله ولو يعجل الله متضمن معنى نفي التعجيل كأنه قيل ولا نعجل لهم الشر ولا نقضي إليهم أجلهم فنذرهم في طغيانهم أي فنمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم إلزاماً للحجة عليهم
﴿ ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ ﴾ هُمُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ إلَخْ والآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِذَلِكَ دالَّةٌ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يُمْهِلُهُمُ اسْتِدْراجًا وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ وقَعَ في البَيْنِ تَتْمِيمًا ومُقابَلَةً وجِيءَ بِالنّاسِ بَدَلَ ضَمِيرِهِمْ تَفْظِيعًا لِلْأمْرِ وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ إنَّما أوْرَدُوا بِاسْمِ الجِنْسِ لِما أنَّ تَعْجِيلَ الخَيْرِ لَهم لَيْسَ دائِرًا عَلى وصْفِهِمُ المَذْكُورِ إذْ لَيْسَ كُلُّ ذَلِكَ بِطْرِيقِ الِاسْتِدْراجِ والمُرادُ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ ﴿ الشَّرَّ ﴾ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ونَحْوَ ذَلِكَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هو دُعاءُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ بِما يَكْرَهُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ وأخْرَجا عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: هو قَوْلُ الإنْسانِ لِوَلَدِهِ ومالِهِ إذا غَضِبَ: اللَّهُمَّ لا تُبارِكْ فِيهِ اللَّهُمَّ العَنْهُ.
وفِيهِ حَمْلُ النّاسِ عَلى العُمُومِ والمُخْتارُ الأوَّلُ ويُؤَيِّدُهُ: ما قِيلَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ حِينَ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ إلَخْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والأصْلُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ فَحُذِفَ تَعْجِيلًا وصِفَتُهُ المُضافَةُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَها وفِي الكَشّافِ وضَعَ ﴿ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ ﴾ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهم إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ سُبْحانَهُ لَهم وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ وهو كَلامٌ رَصِينٌ يَدُلُّ عَلى دِقَّةِ نَظَرِ صاحِبِهِ كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ إذْ لا يَكادُ يُوضَعُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُقارَنًا لِغَيْرِ فِعْلِهِ في الكِتابِ العَزِيزِ بِدُونِ مِثْلَ هَذِهِ الفائِدَةِ الجَلِيلَةِ والنُّحاةِ يَقُولُونَ في ذَلِكَ: أُجْرِيَ المَصْدَرُ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ ولا يَزِيدُونَ عَلَيْهِ وإذا راجَعَ الفَطِنُ قَرِيحَتَهُ وناجى فِكْرَتَهُ عَلِمَ أنَّهُ إنَّما قُرِنَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ لِفائِدَةٍ وهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى نُفُوذِ القُدْرَةِ في المَقْدُورِ وسُرْعَةِ إمْضاءِ حُكْمِها حَتّى كَأنَّ إنْباتَ اللَّهِ تَعالى لَهم نَفْسَ نَباتِهِمْ أيْ إذا وُجِدَ الإنْباتُ وُجِدَ النَّباتُ حَتْمًا حَتّى كَأنَّ أحَدَهُما عَيْنُ الآخَرِ فَقُرِنَ بِهِ وقالَ الطِّيبِيُّ: كانَ أصْلُ الكَلامِ ولَوْ يَجْعَلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلَهُ ثُمَّ وضَعَ مَوْضِعَهُ الِاسْتِعْجالَ ثُمَّ نُسِبَ إلَيْهِمْ فَقِيلَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ لِأنَّ المُرادَ أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ فَأُرِيدَ مَزِيدُ المُبالَغَةِ وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهُمُ الخَيْرَ أسْرَعُ مِن تَعْجِيلِ اللَّهِ تَعالى لَهم ذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ عُجُولًا واللَّهُ تَعالى صَبُورٌ حَلِيمٌ يُؤَخِّرُ لِلْمَصالِحِ الجَمَّةِ الَّتِي لا يَهْتَدِي إلَيْها عَقْلُ الإنْسانِ ومَعَ ذَلِكَ يُسْعِفُهم بِطِلْبَتِهِمْ ويُسْرِعُ إجابَتَهم وأوْجَبَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ التَّقْدِيرِ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ أوْ أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ أيْ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ إذا اسْتَعْجَلُوهُ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ قالَ: لِأنَّ مَدْلُولَ عَجَّلَ غَيْرُ مَدْلُولِ اسْتَعْجَلَ لِأنَّ عَجَّلَ يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ واسْتَعْجَلَ يَدُلُّ عَلى طَلَبِ التَّعْجِيلِ وذَلِكَ واقِعٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهَذا مُضافٌ إلَيْهِمْ فَلا يَجُوزُ ما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأتْباعُهُ: وأجابَ السَّفاقِسِيُّ بِأنَّ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى طَلَبِهِ كاسْتَقَرَّ بِمَعْنى أقَرَّ وقَوْلُهُ: وهَذا مُضافٌ إلَيْهِمْ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ لِلْفاعِلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا لِلْمَفْعُولِ ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ ناشٍ مِن قِلَّةِ التَّدَبُّرِ ومَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ ﴾ لَأُمِيتُوا وأُهْلِكُوا بِالمَرَّةِ يُقالُ: قُضِيَ إلَيْهِ أجْلُهُ أيْ أنْهى إلَيْهِ مُدَّتَهُ الَّتِي قُدِّرَ فِيها مَوْتُهُ فَهَلَكَ وفي إيثارِ صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ جَرْيٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ مَعَ الإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (لَقَضى) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (لَقَضَيْنا) وفِيهِ التِفاتٌ واخْتِيارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الشَّرْطِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ لِإفادَةِ أنَّ عَدَمَ قَضاءِ الأجَلِ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ التَّعْجِيلِ فَإنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ الواقِعَ مَوْقِعَ الماضِي لَيْسَ بِنَصٍّ في إفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ بَلْ قَدْ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفائِهِ أيْضًا بِحَسَبِ المَقامِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ المُقَدَّمَ هَهُنا لَيْسَ نَفْسَ التَّعْجِيلِ المَذْكُورِ بَلْ هو إرادَتُهُ المُسْتَتْبِعَةُ لِلْقَضاءِ المَذْكُورِ وُجُودًا وعَدَمًا لِأنَّ القَضاءَ لَيْسَ أمْرًا مُغايِرًا لِتَعْجِيلِ الشَّرِّ في نَفْسِهِ بَلْ هو إمّا نَفْسُهُ أوْ جُزْئِيٌّ مِنهُ كَسائِرِ جُزْئِيّاتِهِ مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ لَهُ عَلى البَقِيَّةِ إذْ لَمْ يُعْتَبَرْ في مَفْهُومِهِ ما لَيْسَ في مَفْهُومِ تَعْجِيلِ الشَّرِّ مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ فَلا يَكُونُ في تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ وُجُودًا أوْ عَدَمًا مَزِيدُ فائِدَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِجَعْلِهِ تالِيًا لَهُ فَلَيْسَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ ولا كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ﴾ إذا فُسِّرَ الجَوابُ بِالِاسْتِئْصالِ وأيْضًا في تَرْتِيبِ التّالِي عَلى إرادَةِ المُقَدَّمِ ما لَيْسَ في تَرْتِيبِهِ عَلى المُقَدَّمِ نَفْسِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ وتَهْوِيلِ الأمْرِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأُمُورَ مَنُوطَةٌ بِإرادَتِهِ تَعالى المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ أيْ نَتْرُكُهم إمْهالًا واسْتِدْراجًا ﴿ فِي طُغْيانِهِمْ ﴾ الَّذِي هو عَدَمُ رَجاءِ اللِّقاءِ وإنْكارُ البَعْثِ والجَزاءِ وما يَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ والمَقالاتِ الشَّنِيعَةِ ﴿يَعْمَهُونَ 11﴾ أيْ يَتَرَدَّدُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، لا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى شَرْطِ (لَوْ) ولا عَلى جَوابِها لِانْتِفائِهِ وهو مَقْصُودُ إثْباتِهِ ولَيْسَتْ (لَوْ) بِمَعْنى أنَّ كَما قِيلَ فَهو إمّا مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِيَّةِ لِأنَّها في مَعْنى لا يُعَجِّلُ لَهم وفي قُوَّتِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يُعَجِّلُ بَلْ يَذَرُهم أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ أيْ ولَكِنْ يُمْهِلُهم أوْ ولَكِنْ لا يُعَجِّلُ ولا يَقْضِي فَيَذَرُهم وبِكُلٍّ قالَ بَعْضٌ وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ والتَّقْدِيرُ فَنَحْنُ نَذْرُهم وقِيلَ: إنَّ الفاءَ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ والمَعْنى لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ تَعالى ما اسْتَعْجَلُوهُ لَأبادَهم ولَكِنْ يُمْهِلُهم لِيَزِيدُوا في طُغْيانِهِمْ ثُمَّ يَسْتَأْصِلُهم وإذا كانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ نَذَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ثُمَّ نَقْطَعُ دابِرَهم وصاحِبُ الكَشْفِ بَعْدَما قَرَّرَ أنَّ اتِّصالَ ﴿ ولَوْ يُعَجِّلُ ﴾ إلَخْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ إلَخْ وأنَّ ذِكْرَ المُؤْمِنِينَ إنَّما وقَعَ في البَيْنِ تَتْمِيمًا ومُقابَلَةً ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ قالَ: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى جَعْلِ هَذا جَوابَ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ وفي وضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ نَوْعُ بَيانٍ لِلطُّغْيانِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وإشْعارٌ بِعِلِّيَّتِهِ لِلتَّرْكِ والِاسْتِدْراجِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وذلك أن أهل مكة قالوا للنبي : ائتنا بعلامة كما أتت بها الأنبياء قومهم، فنزل: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يعني: في مجيء الليل وذهاب النهار، ومجيء النهار وذهاب الليل، ويقال: ما يأخذ النهار من الليل وما يأخذ الليل من النهار، وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، من العجائب، يعني: فيما خلق الله لَآياتٍ، يعني: علامات لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ الله ويخشون عقوبته.
ويقال: لقوم يتقون الشرك.
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا، يعني: لا يخافون البعث بعد الموت، ويقال: لا يرجون ثوابنا بعد الموت.
وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا، يعني: اختاروا ما فِى الحياة الدنيا، يعني: على ثواب الآخرة وَاطْمَأَنُّوا بِها، يقول: ورضوا بها وسكنوا إليها وآثروها وفرحوا بها.
وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ، يعني: عن محمد والقرآن معرضون فلا يؤمنون.
ويقال: تاركين لها ومكذبين بها، ويقال: لم يتفكروا فيها.
قوله تعالى: أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ، يعني: أهل هذه الصفة مصيرهم إلى النار بِما كانُوا يَكْسِبُونَ، يعني: جزاء لكفرهم وتكذيبهم.
ثم أنزل فيما أعدّ الله للمؤمنين، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ وقال مقاتل: يهديهم على الصراط إلى الجنة بالنور بِإِيمانِهِمْ يعني: بتوحيدهم الله تعالى في الدنيا.
وقال الضحاك: يدعوهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة، وقال الكلبي نحو هذا.
ويقال: هذا على معنى التقديم، ومعناه: إن الذين يهديهم ربهم بإيمانهم حتى آمنوا وعملوا الصالحات، ويقال: يهديهم ربهم في الدنيا، حتى يثبتهم على الإيمان ويدخلهم في الآخرة الجنة بإيمانهم، ويقال: ينجيهم ربهم بإيمانهم، وقال الحسن: يرحمهم ربهم بإيمانهم.
ثم قال تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ينتعمون فيها.
ثم قال: دَعْواهُمْ فِيها، يعني: قولهم في الجنّات: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ، فهذه علامة بينهم وبين خدمهم في الجنة، فإذا قالوا هذه المقالة جاءهم الخدم بالموائد ووضعوها بين أيديهم وأوتوا بما يشتهون.
فإذا فرغوا من الطعام، قالوا الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله تعالى: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: وآخر قولهم بعد ما فرغوا من الطعام أن يقولوا: الحمد لله رب العالمين وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ على معنى التقديم، وقال الضحاك: في قوله تعالى: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وذلك أن أهل الجنة إذا خلفوا القيامة وصاروا إلى دار الكرامة، يكون فاتحة كلامهم سبحانك اللهم على ما مننت به علينا، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ يقول: يسلم عليهم الملائكة من الله تعالى.
ويقال: يسلم بعضهم على بعض، ويقال: يسلمون على الله تعالى، ويقال: تحيتهم لله تعالى بالسلام، كقوله تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [الأحزاب: 44] وَآخِرُ دَعْواهُمْ، يعني: بعد ما رأوا من الكرامات وبعد ما أكلوا من الطعام، حمدوا الله تعالى على ما أعطاهم من الخير.
<div class="verse-tafsir"
الهُذَلِيِّ معناه: لَمْ يَرْجُ فَقَدْ لَسْعِهَا، قال ابن زَيْد: هذه الآية في الكُفَّار «١» .
وقوله سبحانه: وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا: يريد: كَانَتْ مُنتَهى غرضهم، وقال قتادة في تفسير هذه الآية: إِذا شئْتَ رأَيْت هذا الموصُوفَ صاحِبَ دنيا، لها يغضبُ، ولها يرضَى، ولها يفرح، ولها يهتَمُّ ويحزن، فكأَنَّ قتادةَ صَوَّرها في العصاةِ «٢» ، ولا يترتب ذلك إِلا مع تأوُّل الرَّجَاءِ على بابه لأن المؤمِنَ العاصِيَ مستَوْحِشٌ من آخرته، فأما على التأويلِ الأول، فمن لا يخافُ اللَّه، فهو كَافِرٌ.
وقوله: وَاطْمَأَنُّوا بِها: تكميلٌ في معنى القناعةِ بها، والرفْضِ لغيرها.
وقوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ: يحتمل أنْ يكون ابتداء إِشارةٍ إِلى فرقةٍ أُخرَى، ثم عقَّب سبحانه بذكْر الفرقة الناجيَةِ، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ ...
الآية، الهدايةُ في هذه الآية تحتملُ وجْهين:
أحدهما: أن يريد أنَّه يديمهم ويثبِّتهم.
الثَّانِي: أنْ يريد أنه يرشدُهم إِلى طريق الجِنانِ في الآخرة.
وقوله: بِإِيمانِهِمْ يحتملُ أَنْ يريد: بسبب إِيمانهم، ويحتمل أن يكونَ الإِيمانُ هو نَفْس الهُدَى، أيْ، يهديهم إِلى طريق الجنة بنور إِيمانهم.
قال مجاهد: يكون لهم إِيمانُهم نوراً يمشُونَ به، ويتركَّب هذا التأويل، على ما رُوِيَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ، إِذَا قَامَ مِنْ قَبْرِهِ لِلْحَشْرِ تَمَثَّلَ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟
فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُودُهُ إِلَى الجَنَّةِ، وبعَكْسِ هذا في الكَافِرِ، ونحو هذا مما أسنده الطبري «٣» وغيره.
دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠)
وقوله سبحانه: دَعْواهُمْ: أي: دعاؤهم فيها وسُبْحانَكَ اللَّهُمَّ: تَقْدِيسٌ وتسبيحٌ وتنزيهٌ لجلاله سبحانه عن كلِّ ما لا يليق به، وقال علي بن أبي طالب في ذلك: هي كلماتٌ رَضِيَهَا اللَّه تعالى لنفْسه «٤» ، وقال طلحة بن عبيد اللَّه/: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه مَا
مَعْنَى سُبْحَانَ اللَّهِ؟
فَقَالَ: مَعْنَاهَا: «تَنْزِيهاً للَّهِ مِنَ السُّوءِ» ، وَحُكِيَ عن بعض المفسِّرين أَنهم رَوَوْا أَنَّ هذه الكلمةَ إِنَّما يقولها المؤمنُ عِنْدَ ما يشتهي الطَّعَام، فإِنه إِذا رأَى طائِراً أَو غير ذلك، قال: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، فنزلتْ تلك الإِرادة بَيْنَ يديه فَوْقَ ما اشتهى.
رواه ابنُ جُرَيْج وسفيانُ بن عُيَيْنة، وعبارة الداوديّ عن ابنِ جُرَيْج: «دَعْواهُمْ فيها» : قال: إِذا مَرَّ بهم الطائرُ يَشْتَهُونه، كان دعواهم به سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، فيأكلون منه ما يَشْتَهُونَ، ثم يطيرُ، وإِذا جاءتهم الملائكةُ بما يَشْتَهُونَ، سَلَّمُوا عَلَيْهم، فذلك قولُهُ: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ، وإِذا أَكلوا حاجتهم، قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، فذلك قوله: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
وقوله سبحانه: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ: يريدُ تسليمَ بعضهم على بعض، والتحيَّة:
مأخوذة مِنْ تَمَنِّي الحياةِ للإِنسان والدُّعاءِ بها، يقالُ: حَيَّاهُ ويُحيِّيه ومنه قَوْلُ زُهَيْرِ بن جنَابٍ: [الكامل]
مِنْ كُلِّ مَا نَالَ الفَتَى ...
قَدْ نِلْتُهُ إِلاَّ التَّحِيَّهْ «١»
يريد: دعاء الناس للمُلُوكِ بالحياةِ، وقال بعضُ العلماء: وَتَحِيَّتُهُمْ يريد: تسليم اللَّه تعالَى عليهم، والسَّلام: مأخوذً من السَّلامة، وَآخِرُ دَعْواهُمْ: أي: خاتمةُ دعائهِم وكلامِهِمْ في كلِّ موطِنٍ حَمْدُ اللَّه وشُكْرُهُ، عَلَى ما أسبغ عليهم من نعمه، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» .
في تفسير هذه الآية قولان:
الأول: أَنَّ المَلَكَ يأتيهم بما يشتهون، فيقول: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، أي: سَلِمْتُم، فَيَرُدُّون عليه، فإِذا أكلوا، قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
الثاني: أنَّ معنى «تَحِيَّتُهُمْ» : أي: تحيَّة بعضهم بعضاً، فقد ثبت في الخبر: «أن اللَّه تعالى خلق آدَمَ، ثم قَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلى أُولَئِكَ النَّفَر مِنَ المَلاَئِكَةِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ، وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتَكَ مِنْ بَعْدِكَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» «٣» ، وبَيَّنَ في القرآن هاهنا أنها تحيتهم في الجنّة،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ ﴾ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حَيْثُ قالَ: ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ ﴾ .
والتَّعْجِيلُ: تَقْدِيمُ الشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ.
وفي المُرادِ بِالآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ إذا دَعَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ عِنْدَ الغَضَبِ وعَلى أهْلِيهِمْ، واسْتَعْجَلُوا بِهِ، كَما يُعَجِّلُ لَهُمُ الخَيْرَ، لَهَلَكُوا، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ العَذابَ عَلى كُفْرِهِمْ كَما عَجَّلَ لَهم خَيْرَ الدُّنْيا مِنَ المالِ والوَلَدِ، لَعَجَّلَ لَهم قَضاءَ آجالِهِمْ لِيَتَعَجَّلُوا عَذابَ الآخِرَةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
ويُقَوِّي هَذا تَمامُ الآيَةِ وسَبَبُ نُزُولِها.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ: " لَقُضِيَ إلَيْهِمْ " بِضَمِّ القافِ " أجْلُهم " بِضَمِّ اللّامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: " لَقَضى " بِفَتْحِ القافِ " أجْلَهم " بِنَصْبِ اللّامِ.
وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ (سُورَةِ البَقَرَةِ:١٥) مَعْنى الطُّغْيانِ والعَمَهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عن آياتِنا غافِلُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وتابَعَهُ القُتَبِيُّ وغَيْرُهُ: "يَرْجُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى يَخافُونَ، واحْتَجُّوا بِبَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ: إذا لَسَعَتْهُ النَحْلُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَواسِلِ وَحَكى المَهْدَوِيُّ عن بَعْضِ أهْلِ اللُغَةِ -وَقالَ ابْنُ سِيدَهْ: هو الفَرّاءُ -: إنَّ لَفْظَةَ الرَجاءِ إذا جاءَتْ مَنفِيَّةً فَإنَّها تَكُونُ بِمَعْنى الخَوْفِ، وحُكِيَ عن بَعْضِهِمْ: إنَّها تَكُونُ بِمَعْناها في كُلِّ مَوْضِعٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرائِنُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّ الَّذِينَ لا يَخافُونَ لِقاءَنا".
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الرَجاءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكافِرَ المُكَذِّبَ بِالبَعْثِ لَيْسَ يَرْجُو رَحْمَةَ اللهِ في الآخِرَةِ، ولا يُحْسِنُ ظَنًّا بِأنَّهُ يَلْقى اللهَ، ولا لَهُ في الآخِرَةِ أمَلٌ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ فِيها أمَلٌ لَقارَنَهُ لا مَحالَةَ خَوْفٌ، وهَذِهِ الحالُ مِنَ الخَوْفِ المُقارِنِ هي القائِدَةُ مِنَ النَجاةِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ الرَجاءَ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى بابِهِ، وإنَّ بَيْتَ الهُذَلِيِّ مَعْناهُ: لَمْ يَرُجْ فَقَدْ لَسَعَها فَهو يَبْنِي عَلَيْهِ ويَصْبِرُ إذْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُنْيا ﴾ يُرِيدُ: كانَتْ آخِرَ هَمِّهِمْ ومُنْتَهى غَرَضِهِمْ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: "إذا شِئْتَ رَأيْتَ هَذا المَوْصُوفَ، صاحِبَ دُنْيا، لَها يَغْضَبُ، ولَها يَرْضى، ولَها يَفْرَحُ، ولَها يَهْتَمُّ ويَحْزَنُ".
فَكَأنَّ قَتادَةَ صَوَّرَها في العُصاةِ، ولا يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ إلّا مَعَ تَأوُّلِ الرَجاءِ عَلى بابِهِ، إذْ قَدْ يَكُونُ العاصِي المُجَلِّحُ مُسْتَوْحِشًا مِن آخِرَتِهِ، فَأمّا عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ فَمَن لا يَخافُ لِقاءَ اللهِ فَهو كافِرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ واطْمَأنُّوا بِها ﴾ تَكْمِيلٌ في مَعْنى القَناعَةِ بِها والرَفْضِ لِغَيْرِها، لِأنَّ الطُمَأْنِينَةَ بِالشَيْءِ هي زَوالُ التَحَرُّكِ إلى غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ هم عن آياتِنا غافِلُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إشارَةٍ إلى فِرْقَةٍ أُخْرى مِنَ الكُفّارِ، وهَؤُلاءِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أضَلُّ صَفْقَةً لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلَ دُنْيا بَلْ أهْلُ غَفْلَةٍ فَقَطْ، ثُمَّ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالنارِ، وجَعَلَها مَأْواهُمُ، وهو حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْتَقِرُّ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ واجْتِراحِهِمْ، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ ونَصٌّ عَلى تَعَلُّقِ العِقابِ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي لِلْإنْسانِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ.
لَمّا قَرَّرَ تَبارَكَ وتَعالى حالَةَ الفِرْقَةِ الهالِكَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالَةِ الفِرْقَةِ الناجِيَةِ لِيَتَّضِحَ الطَرِيقانِ ويَرى الناظِرُ فَرْقَ ما بَيْنَ الهُدى والضَلالِ، وهَذا كُلُّهُ لُطْفٌ مِنهُ بِعِبادِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ يَهْدِيهِمْ ﴾ لا يَتَرَتَّبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: يُرْشِدُهم إلى الإيمانِ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَّرَهم مُؤْمِنِينَ، فَإنَّما الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ يُدِيمُهم ويُثَبِّتَهُمْ، كَما قالَ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا ﴾ فَإنَّما مَعْناهُ: اثْبُتُوا، وإمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ: يُرْشِدُهم إلى طُرُقِ الجِنانِ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ بِإيمانِهِمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِسَبَبِ إيمانِهِمْ ويَكُونُ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ قَبِلَ: ﴿ مَأْواهُمُ النارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإيمانُ هو نَفْسُ الهُدى، أيْ: يَهْدِيهِمْ إلى طُرُقِ الجَنَّةِ بِنُورِ إيمانِهِمْ، قالَ مُجاهِدٌ: يَكُونُ لَهم إيمانُهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ، ويَتَرَكَّبُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ : « "إنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إذا قامَ مِن قَبْرِهِ لِلْحَشْرِ تُمُثِّلَ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرائِحَةِ، فَيَقُولُ: مَن أنْتَ؟
فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصالِحُ فَيَقُودُهُ إلى الجَنَّةِ"،» وبِعَكْسِ هَذا في الكافِرِ، ونَحْوُ هَذا مِمّا أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ﴾ يُرِيدُ؛ مِن تَحْتِ عِلِّيّاتِهِمْ وغُرَفِهِمْ، ولَيْسَ التَحْتُ الَّذِي هو بِالمُسامَتَةِ، بَلْ يَكُونُ مِن ناحِيَةِ الإنْسانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ ، وكَما قالَ حِكايَةً عن فِرْعَوْنَ: ﴿ وَهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَعْواهم فِيها ﴾ الآيَةُ، الدَعْوى بِمَعْنى الدُعاءِ، يُقالُ: دَعا الرَجُلُ وادَّعى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: و ﴿ سُبْحانَكَ اللهُمَّ ﴾ تَقْدِيسٌ وتَسْبِيحٌ وتَنْزِيهٌ لِجَلالِهِ عن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في ذَلِكَ: "هِيَ كَلِماتٌ رَضِيَها اللهُ تَعالى لِنَفْسِهِ"، «وَقالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ما مَعْنى "سُبْحانَ اللهِ"؟
فَقالَ: "مَعْناها تَنْزِيهُ اللهِ مِنَ السُوءِ"،» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ خِلافِ النُحاةِ في "اللهُمَّ"، وحُكِيَ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم رَأوا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إنَّما يَقُولُها المُؤْمِنُ في الجَنَّةِ عِنْدَما يَشْتَهِي الطَعامَ، فَإنَّهُ إذا رَأى طائِرًا أو غَيْرَ ذَلِكَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ" فَنَزَلَتْ تِلْكَ الإرادَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَوْقَ ما اشْتَهى، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ يُرِيدُ: تَسْلِيمُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، والتَحِيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن تَمَنِّي الحَياةِ لِلْإنْسانِ والدُعاءِ بِها، يُقالُ: حَيّاهُ يُحَيِّيهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ جَنابٍ: مِن كُلِّ ما نالَ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ نِلْتُهُ إلّا التَحَيَّهْ يُرِيدُ دُعاءَ الناسِ لِلْمُلُوكِ بِالحَياةِ، وقَدْ سُمِّيَ المَلِكُ تَحِيَّةً بِهَذا التَدْرِيجِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ: أزُورُ أبا قابُوسَ حَتّى ∗∗∗ ∗∗∗ أُنِيخَ عَلى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي أرادَ: عَلى مَمْلَكَتِهِ.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ ﴾ يُرِيدُ تَسْلِيمَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والسَلامُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَلامَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآخِرُ دَعْواهُمْ ﴾ يُرِيدُ: وخاتِمَةُ دَعْواهم في كُلِّ مَوْطِنٍ وكَلامُهم شُكْرُ اللهِ تَعالى وحَمْدُهُ عَلى سابِغِ نِعَمِهِ، وكانَتْ بَدَأتُهم بِالتَنْزِيهِ والتَعْظِيمِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ" وهي عِنْدَ سِيبَوَيْهِ "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، ويَعْقُوبُ، وأبُو حَيَوَةَ: "أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ"، وهي -عَلى الوَجْهَيْنِ- رَفْعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ القِراءَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ هي "أنَّ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الأعْشى: ؎ في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ <div class="verse-tafsir"
مجيء حرف العطف في صدر هذه الآية يقتضي في علم البلاغة خصوصية لعطفها على ما قبلها ومزيد اتصالها بما قبلها فتعين إيضاح مناسبة موقعها.
والظاهر أن المشركين كانوا من غرورهم يحسبون تصرفات الله كتصرفات الناس من الاندفاع إلى الانتقام عند الغضب اندفاعاً سريعاً، ويحسبون الرسل مبعوثين لإظهار الخوارق ونكاية المعارضين لهم، ويسوون بينهم وبين المشعوذين والمتحدّين بالبطولة والعجائب، فكانوا لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وركبوا رؤوسهم ولم تصبهم بأثر ذلك مصائب من عذاب شامل أو موتان عام ازدادوا غروراً بباطلهم وإحالة لكون الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلاً من قبل الله تعالى.
وقد دلت آيات كثيرة من القرآن على هذا كقوله: ﴿ وإذْ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32] وقوله: ﴿ يستعجلونك بالعذاب ﴾ [الحج: 47] وقوله: ﴿ فإن للذين ظلموا ذَنوباً مثلَ ذَنوب أصحابهم فلا يستعجلون ﴾ [الذاريات: 59] وقد بينا ذلك في سورة الأنعام وفي سورة الأنفال.
وكان المؤمنون ربما تمنوا نزول العذاب بالمشركين واستبطأوا مجيء النصر للنبيء عليه الصلاة والسلام وأصحابه كما جاء في الحديث: أنَّ المسلمين قالوا: ألا تستنصر.
وربما عجب بعضهم من أن يرزق الله المشركين وهم يكفُرون به.
فلما جاءت آيات هذه السورة بقوارع التهديد للمشركين أعقبت بما يزيل شبهاتهم ويطمئن نفوس المؤمنين بما يجمَعه قوله: ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليْهم أجلهم ﴾ .
وهو إجمال ينبئ بأن الله جعل نظام هذا العالم على الرفق بالمخلوقات واستبقاء الأنواع إلى آجال أرادها، وجعل لهذا البقاء وسائل الإمداد بالنعم التي بها دوام الحياة، فالخيرات المُفاضة على المخلوقات في هذا العالم كثيرة، والشرور العارضة نادرة ومعظمها مسبب عن أسباب مجعولة في نظام الكون وتصرفات أهله، ومنها ما يأتي على خلاف العادة عند محل آجاله التي قدرها الله تعالى بقوله: ﴿ لكل أمة أجل ﴾ [يونس: 49] وقوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ [الرعد: 38].
فهذه الجملة معطوفة على جملة ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ [يونس: 7] الآية، فحيث ذكر عذابهم الذي هم آيلون إليه ناسب أن يبين لهم سبب تأخير العذاب عنهم في الدنيا لتكشف شبهة غرورهم وليعلم الذين آمنوا حكمةً من حكم تصرف الله في هذا الكون.
والقرينة على اتصال هذه الجملة بجملة ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ [يونس: 7] قولُه في آخر هذه ﴿ فنذَر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون ﴾ .
فبينت هذه الآية أن الرفق جعله الله مستمراً على عباده غير منقطع عنهم لأنه أقام عليه نظام العالم إذْ أراد ثَبات بنائِه، وأنه لم يقدّر توازيَ الشر في هذا العالم بالخير لطفاً منه ورفقاً، فالله لطيف بعباده، وفي ذلك منة عظيمة عليهم، وأن الذين يستحقون الشر لو عُجل لهم ما استحقوه لبطل النظام الذي وضع عليه العالم.
والناس: اسم عام لجميع الناس، ولكن لما كان الكلام على إبطال شبهة المشركين وكانوا المستحقين للشرّ كانوا أولَ من يتبادر من عموم الناس، كما زاده تصريحاً قوله: ﴿ فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون ﴾ .
وقد جاء نظم الآية على إيجاز محكم بديع، فذُكر في جانب الشر ﴿ يُعَجل ﴾ الدال على أصل جنس التعجيل ولو بأقل ما يتحقق فيه معناه، وعبر عن تعجيل الله الخيرَ لهم بلفظ ﴿ استعجالهم ﴾ الدال على المبالغة في التعجيل بما تفيده زياد السين والتاء لغير الطلب إذ لا يظهر الطلب هنا، وهو نحو قولهم: استأخر واستقدم واستجلَب واستقام واستبان واستجاب واستمتع واستكبر واستخفى وقوله تعالى: ﴿ واستغشوا ثيابهم ﴾ [نوح: 7].
ومعناه: تعجّلهم الخيرَ، كما حمله عليه في «الكشاف» للإشارة إلى أن تعجيل الخير من لدُنه.
فليس الاستعجال هنا بمعنى طلب التعجيل لأن المشركين لم يسألوا تعجيل الخير ولا سألوه فحصل، بل هو بمعنى التعجل الكثير، كما في قول سُلْمِيّ بن رَبيعة: وإذا العذارَى بالدخان تقنَّعت *** واستعجلتْ نصب القدور فملت أي تعجلت)، وهو في هذا الاستعمال مثله في الاستعمال الآخر يتعدى إلى مفعول، كما في البيت وكما في الحديث " فاستعجلَ الموتَ ".
وانتصب ﴿ استعجالهم ﴾ على المفعولية المطلقة المفيدة للتشبيه، والعامل فيه ﴿ يُعجل ﴾ .
والمعنى: ولو يعجل الله للناس الشر كما يجعل لهم الخير كثيراً، فقوله: ﴿ استعجالهم ﴾ مصدر مضاف إلى مفعوله لا إلى فاعله، وفاعل الاستعجال هو الله تعالى كما دل عليه قوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ .
والباء في قوله: ﴿ بالخير ﴾ لتأكيد اللصوق، كالتي في قوله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6].
وأصله: استعجالهم الخير، فدلَّت المبالغة بالسين والتاء وتأكيد اللصوق على الامتنان بأن الخير لهم كثير ومكين.
وقد كثر اقتران مفعول فعل الاستعجال بهذه الباء ولم ينبهوا عليه في مواقعه المتعددة.
وسيجيء في النحل.
وقد جعل جواب (لو) قوله: ﴿ لقضي إليهم أجلهم ﴾ ، وشأن جواب (لو) أن يكون في حيز الامتناع، أي وذلك ممتنع لأن الله قدَّر لآجال انقراضهم ميقاتاً معيَّناً ﴿ ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ﴾ [الحجر: 5].
والقضاء: التقدير.
والأجل: المدة المعينة لبقاء قوم.
والمعنى: لقضي إليهم حلول أجلهم.
ولما ضمن (قضي) معنى بَلَغ ووصل عدي ب (إلى).
فهذا وجه تفسير الآية وسر نظمها، ولا يلتفت إلى غيره في فهمها.
وهذا المعنى مثل معنى ﴿ قُل لو أن عندي ما تستعجلون به لقُضي الأمر بيني وبينكم ﴾ في سورة [الأنعام: 58].
وجملة: ﴿ فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ الخ مفرعة على جملة ﴿ ولو يعجل الله للناس ﴾ إلى آخرها.
وقرأ الجمهور ﴿ لقضي ﴾ بالبناء للنائب ورفععِ ﴿ أجلهم ﴾ على أنه نائب الفاعل.
وقرأه ابن عامر ويعقوب بفتح القاف والضاد ونصب ﴿ أجلهم ﴾ على أن في (قضي) ضميراً عائداً إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ ولو يجعل الله للناس الشر ﴾ الخ.
وجملة: ﴿ فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ مفرعة على جملة (لو) وجوابها المفيدة انتفاء أن يعجل الله للناس الشر بانتفاء لازمه وهو بلوغ أجلهم إليهم، أي فإذا انتفى التعجيل فنحن نذر الذين لا يرجون لقاءنا يعمهون، أي نتركهم في مدة تأخير العذاب عنهم متلبسين بطغيانهم، أي فرطِ تكبرهم وتعاظمهم.
والعمه: عدم البصر.
وإنما لم ينصب الفعل بعد الفاء لأن النصب يكون في جواب النفي المحْض، وأما النفي المستفاد من (لو) فحاصل بالتضمن، ولأن شأن جواب النفي أن يكون مسبباً على المنفي لا على النفي، والتفريع هنا على مستفاد من النفي.
وأما المنفي فهو تعجيل الشر فهو لا يُسبب أن يترك الكافرين يعمهون، وبذلك تعرف أن قوله: ﴿ فنذر ﴾ ليس معطوفاً على كلام مقدر وإنما التقديرُ تقدير معنى لا تقدير إعراب، أي فنترك المنكرين للبعث في ضلالهم استدراجاً لهم.
وقوله: ﴿ في طغيانهم يعمهون ﴾ تقدم نظيره في قوله: ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾ في سورة [البقرة: 15].
والطغيان: الكفر.
والإتيان بالموصولية في تعريف الكافرين للدلالة على أن الطغيان أشده إنكارهم البعث، ولأنه صار كالعلامة عليهم كما تقدم آنفاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلْكافِرِ العَذابَ عَلى كُفْرِهِ كَما عَجَّلَ لَهُ خَيْرَ الدُّنْيا مِنَ المالِ والوَلَدِ لَعَجَّلَ لَهُ قَضاءَ أجْلِهِ لِيَتَعَجَّلَ عَذابَ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ الرَّجُلَ إذا غَضِبَ عَلى نَفْسِهِ أوْ مالِهِ أوْ ولَدِهِ فَيَدْعُو بِالشَّرِّ فَيَقُولُ: لا بارَكَ اللَّهُ فِيهِ وأهْلَكَهُ اللَّهُ، فَلَوِ اسْتُجِيبَ ذَلِكَ مِنهُ كَما يُسْتَجابُ مِنهُ الخَيْرُ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم أيْ لَهَلَكُوا.
فَيَكُونُ تَأْوِيلًا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ خاصًّا في الكافِرِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي عامًّا في المُسْلِمِ والكافِرِ.
﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.
﴿ فِي طُغْيانِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في شِرْكِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: في ضَلالِهِمْ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
الثّالِثُ: في ظُلْمِهِمْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَتَرَدَّدُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ وأبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: يَتَمادَوْنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: يَلْعَبُونَ، قالَهُ الأعْمَشُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ﴾ قال: هو قول إنسان لولده وماله إذا غضب عليه: اللهمَّ لا تبارك فيه والعنه ﴿ لقضي إليهم أجلهم ﴾ قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ﴾ قال: قول الرجل للرجل: اللهمَّ اخزه اللهمَّ العنه، قال: وهو يحب أن يستجاب له كما يحب اللهمَّ اغفر له اللهمَّ ارحمه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ ﴾ ، قال مجاهد: هو (١) (٢) (٣) قال الفراء: ﴿ اسْتِعْجَالَهُمْ ﴾ منصوب بوقوع الفعل وهو (يعجل) كما تقول: قد ضربت اليوم ضربك (٤) (٥) وقال أبو إسحاق: نصب (استعجالهم) على [معنى: مثل استعجالهم، على] (٦) (٧) (٨) (٩) وزاد ابن قتيبة بيانًا فقال: إن الناس عند الغضب وعند الضجر قد يدعون على أنفسهم وأهليهم وأولادهم بالموت وتعجيل البلاء، كما قد يدعونه بالرزق والرحمة وإعطاء السؤال، يقول: فلو أجابهم الله إذا دعوه بالشر الذي يستعجلونه به استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم، قال: وفي الكلام حذف واختصار كأنه قال: ولو يعجل الله للناس إجابتهم في الشر الذي يستعجلونه استعجالهم بالخير (١٠) (١١) ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ ﴾ فعل من الله -عز وجل-، وقوله تعالى: ﴿ اسْتِعْجَالَهُمْ ﴾ فعل من المخلوقين.
وقال مقاتل في هذه الآية: لو استجيب لهم في الشر كما يحبون أن يستجاب لهم في الخير (١٢) وسلك أبو علي الفارسي في الآية طريقة أخرى فقال: المعنى والله أعلم: ولو يعجل الله للناس الشر (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ﴾ في حذف ضمير الفاعل قال: والتقدير: ولو يعجل الله للناس الشر (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ ، قال عامة المفسرين: أي لماتوا وهلكوا جميعًا وفرغ من هلاكهم (١٩) (٢٠) ﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ﴾ .
فأما ما يتعلق به الجار في قوله: ﴿ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قال أبو علي: لما كان معنى (قضى): فرغ [وكان فرغ] (٢١) (٢٢) ألان فقد فرغت إلى نمير ...
فهذا حين صرت لهم عذابا فلما تعلق (إلى) بفرغ كذلك تعلق بقضى (٢٣) وتحقيق التأويل: لو أجيبوا إلى ما يدعون به من الشر والعذاب لفرغ إليهم من أَجَلِهم بأن ينقضي الأجل فيموتوا ويحصلوا في البلاء والعذاب.
وقرأ ابن عامر: (لقَضَى إليهم أجلَهم) على إسناد الفعل إلى الفاعل (٢٤) ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ ﴾ .
وذكر عن بعض المفسرين (٢٥) ﴿ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ الآية، يدل على صحة هذا قوله: ﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ، يعني الكفار الذين لا يخافون البعث.
(١) ساقط من (م).
(٢) رواه ابن جرير 11/ 92، وابن أبي حاتم 6/ 1932، والثعلبي 7/ 7 أ، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 539.
(٣) رواه ابن جرير 11/ 92، وابن أبي حاتم 6/ 1932، والثعلبي 7/ 7 أ، والبغوي 4/ 123.
(٤) في (ح): (مضربك).
(٥) " معاني القرآن" 1/ 458.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 8.
(٨) "معاني القرآن" 1/ 8 بمعناه.
(٩) هكذا في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن" للفراء: يعجل، وانظر نقل المؤلف النص قبل بضعة أسطر.
(١٠) "تأويل مشكل القرآن" ص 393.
(١١) في (م): (فعلى).
(١٢) هذا قول مقاتل بن سليمان، انظر: "تفسيره" 138 ب.
(١٣) في "الحجة" دعاء الشر.
(١٤) في (م): (إليه).
(١٥) هكذا في جميع النسخ، وكذلك هو في إحدى نسخ "الحجة" كما أشار إليه المحقق، ونص بقية النسخ: استعجالهم إياه، ولعل صواب عبارة أبي علي ما ذكره المؤلف ويدل على ذلك ما يأتي: أ- قول أبي علي: فأضيف المصدر إلى المفعول به، وحذف الفاعل، دليل على أنه أراد ما ذكره المؤلف، إذ إنه على العبارة الثانية يكون المصدر مضافًا إلى الفاعل.
ب- بيان المؤلف أن عبارة الكلبي بمعنى عبارة أبي علي وهذا لا يتحقق إلا على ما ذكره المؤلف.
ج- قول المؤلف: وعلى هذا: التعجيل والاستعجال كلاهما من الله، لا يتحقق إلا بالعبارة التي ذكرها المؤلف، إذ إن العبارة الثانية تفيد أنه أراد العبارة الأخرى؛ لأنه لو أراد العبارة التي ذكرها المؤلف لقال: استعجالًا مثل استعجاله لهم بالخير.
فليتأمل.
(١٦) ساقط من (ح).
(١٧) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 254.
(١٨) ذكره بنحوه السمرقندي في "تفسيره" 2/ 90.
(١٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 8، و"تفسير ابن جرير" 11/ 92، والثعلبي 7/ 7 أ، والبغوي 4/ 124، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 8.
(٢٠) "مجاز القرآن" 1/ 275 ولفظه: لفرغ ولقطع ونبذ إليهم.
وقد ذكره أبو علي في "الحجة" 4/ 254 بلفظ المؤلف.
(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢٢) هو: جرير كما في "لسان العرب" (أين) 1/ 193، ولم أجده في "ديوانه"، ورواية "اللسان": الآن وقد نزعت ...
إلخ ونمير: قبيلة عربيته معروفة منها الراعي النميري، وكان بينه وبين جرير هجاء ومناقضات.
انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 436.
(٢٣) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 256 بنحوه.
(٢٤) كتاب "السبعة" ص 323، "إرشاد المبتدي" ص 360، " النشر" 2/ 282، وقد وافقه يعقوب كما في المصدرين الأخيرين.
(٢٥) هو: مقاتل بن سليمان كما في "تفسيره" 138 ب، "تفسير القرطبي" 8/ 315.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بإيمانهم ﴾ أي يسددهم بسبب إيمانهم إلى الاستقامة أو يهديهم في الآخرة إلى طريق الجنة، وهو أرجح لما بعده ﴿ دعواهم فِيهَا ﴾ أي دعاؤهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الۤر ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: أبو عمرو وخلف وحمزة وعلي والخراز عن هبيرة والنجاري عن ورش ويحيى وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
﴿ لساحر ﴾ بالألف: ابن كثير وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ لسحر ﴾ ﴿ حقاً أنه ﴾ بالفتح.
يزيد.
﴿ ضياء ﴾ بالهمز حيث كان: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يفصل ﴾ بالياء: ابن كثير وعمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والعجلي.
الباقون بالنون.
﴿ واطمأنوا ﴾ بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ الۤر ﴾ ق كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ إذنه ﴾ ط ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط، ﴿ حقاً ﴾ ط، إلا لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح.
﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ط ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ نفصل ﴾ بالنون، ومن قرأ بالياء أمكنه أن يجعل ﴿ يفصل ﴾ حالاً.
﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه لا لأن ﴿ أولئك ﴾ خبر "إن" ﴿ بإيمانهم ﴾ ج ط للحذف تقديره يهديهم ربهم بإيمانهم إلى دار البقاء مع اتحاد المقصود وتمام الموعود ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج ط لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد اعترضت جملة معطوفة أخرى لأن قوله ﴿ وآخر دعواهم ﴾ معطوف على ﴿ دعواهم ﴾ الأوّل ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: اتفقوا على أن قوله ﴿ الر ﴾ ليس بآية وعلى أن ﴿ طه ﴾ آية.
ولعل الفرق أن ﴿ الر ﴾ لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده، عن ابن عباس ﴿ الۤر ﴾ معناه أنا الله أرى.
وقيل: لا رب غيري.
وقيل: الۤر وحم ون اسم الرحمن ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، والكتاب السورة، والحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها أو وصف بصفة من تكلم به ومنه قولهم للقصيدة حكيمة.
وقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه يحكم بين الحق والباطل، أو يحكم بأن محمداً صادق لأن القرآن أظهر معجزاته وأبقاها.
وقيل: بمعنى مفعول أي حكم فيه بجميع المأمورات والمنهيات وقيل: بمعنى المحكم والإحكام المنع من الفساد وذلك أنه لا يمحوه الماء ولا يحرقه النار ولا يغيره الدهور.
ويحتمل أن يقال: الكتاب الحكيم هو القرآن أو اللوح المحفوظ أو التوراة والإنجيل، لأن جميع الكتب الإلهية متوافقة في الأصول، ويجوز أن يكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن.
واعلم أنه لما ختم السورة المتقدمة بقوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ صدر هذه السورة بتعديد بعض الحروف على طريق التحدي، وذلك أن حروف القرآن من جنس الحروف التي يتلفظون بها فلولا أنه معجز لعارضوه وناقضوه.
ولما بين بهذا الطريق أن محمداً رسول حق من عند الله أنكر على كفار قريش تعجبهم من كونه رسولاً فقال: ﴿ أكان للناس عجباً ﴾ نصب على أنه خبر كان واسمه ﴿ أن أوحينا ﴾ وفائدة اللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ مع تقديمه هي أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتحدثون بها، ثم إن تعجبهم إما أن يكون من جعل البشر رسولا أو من تخصيص محمد بالوحي والنبوة فقد روي أنهم كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وكلا الأمرين ليس بعجب، أما الأول فلأن الجنس إلى الجنس أميل ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ .
وأما الثاني فلأن الفقر واليتم لا يوجب في النبوة قدحاً لأن الله غني عن العالمين ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ﴾ وإنما المعتبر في الاستنباء كونه متصفاً بالصدق والأمانة والتقوى، وكان لمحمد في ذلك قبل بعثه اليد الطولى إذ كان يدعى محمداً الأمين.
و "أن" في قوله: ﴿ أن أنذر الناس ﴾ هي المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، أو مخففة من الثقيلة وقد عملت في ضمير شأن مقدر معناه إنه أي إن الشأن قولنا أنذر الناس.
وقوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا أن لهم ﴾ أي بأن لهم، والإنذار إخبار مع تخويف وإنه عام للناس كلهم، ولكن البشارة خاصة بالمؤمنين.
ويحتمل أن يراد بالناس الكفار فقط ويمكن أن يكون تعجبهم عائداً إلى الإنذار والتبشير وليس ذلك بعجب بل المنكر في العقول تعطيل الأعمال وأن يترك الإنسان سدىً، وإرسال الرسل أمر ما أخلى الله المكلفين عنه شيئاً من الأزمنة، وبه تتم الماليكة والأمر والنهي والإذن والمنع والثواب والجزاء.
وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن الإنذار تحذير عن فعل ما لا ينبغي، والتبشير ترغيب في فعل ما ينبغي والتخلية مقدمة على التحلية.
ومعنى ﴿ قدم صدق ﴾ سابقة فضل ومنزلة رفيعة أي سبق لهم عند الله خير.
قال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير.
وقال ابن الأنباري: كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء.
والسبب في إطلاق القدم على السابقة أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وإضافة القدم إلى صدق لأجل المبالغة وللتنبيه على أنها من السوابق العظيمة أي القدم التي يصدق ويحق أن تسمى قدماً.
وأما عبارات المفسرين فمنهم من قال: قدم صدق هي الأعمال الصالحة، ومنهم من قال الثواب، ومنها من قال شفاعة محمد .
أما قوله: ﴿ قال الكافرون ﴾ فقال القفال: فيه إضمار والتقدير: فلما أنذرهم قالوا ذلك.
ثم من قرأ لساحر بالألف فقوله هذا إشارة إلى النبي ، ومن قرأ السحر إشارة إلى القرآن وفيه دليل على عجزهم واعترافهم بأنهم قاصرون عن معارضته كالسحر، ومن هنا جوز بعضهم أن يكونوا أرادوا به المدح أي إنه لكمال فصاحته وتعذر الإتيان بمثله جارٍ مجرى السحر.
ثم لما أنكر عليهم تعجبهم من الأمور المذكورة وهي الواسطة أراد أن يقيم البرهان عليها بإثبات المبدأ ويبين غايتها بإثبات المعاد وذلك في آيتين متواليتين.
وقد مر في الأعراف تفسير قوله: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.
ثم ذكر ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره فقال: ﴿ يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ وإنما فقد العاطف لأنهما كالتفسير والتفصيل لما دل عليه قوله: ﴿ إن ربكم الله ﴾ الخ.
والأمر الشأن أراد به أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض والعرش.
والمعنى أنه يقضي ويقدر بمقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي.
قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح.
ففي قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ إشارة إلى استقلاله في التصرف جانب المبدأ، وفي قوله ﴿ ما من شفيع ﴾ إشارة إلى استقلاله في طرف المعاد.
ويمكن أن يقال: المراد أنه خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من الأصلح مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في تحصيل المصالح فدل ذلك على أنه محسن إلى عباده مريد للخير والرأفة بهم كامل العناية بأحوالهم.
قال أبو مسلم: الشفيع معناه الثاني من الشفع الذي يخالف الوتر أي خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه ثم خلق الملائكة والثقلين، والمراد أنه لم يدخل في الوجود أحد إلا من بعد أن قال له: "كن" حتى كان وحصل.
ثم أشار إلى المعلوم بالأوصاف المذكورة فقال: ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ الذي يستأهل منكم العبادة بإزاء النعم الجسام من خلق السموات والأرض بما فيهما وعليهما ﴿ فاعبدوه ﴾ وحده ﴿ أفلا تذكرون ﴾ فيه تنبيه على وجوب الاعتبار والنظر في الدلائل الدالة على عظمته وجلاله.
ثم شرع في إثبات المعاد فقال: ﴿ إليه مرجعكم ﴾ أي رجوعكم ﴿ جميعاً ﴾ مجموعين.
وتقديم الجار والمجرور للاختصاص والمعنى لا ترجعون في العاقبة إلا إلى جزائه وحكمه فاستعدوا للقائه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وفيه تأكيدان كما مر.
ثم قال: ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وهو استئناف فيه معنى التعليل كأنه قال إن الذي قدر على الإبداء يقدر على الإعادة بالطريق الأولى كقوله: ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون ﴾ يعني أنه لما كان قادراً على إنشاء ذواتكم أوّلاً ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نموّه، وجب القطع بأنه لا يمتنع عليه إعادة تلك الأجزاء بعد البلى والتفرق.
ومن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح فعلى حذف لام التعليل أي لأنه، أو على أنه منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله أي وعد الله وعداً بدء الخلق ثم إعادته، ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب حقاً أي حق حقاً بدء الخلق.
ثم ذكر غاية الإعادة وحكمتها فقال: ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال المفسرون: في الآية إضمار والتقدير أنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ثم يعيدهم ليجزي.
وإنما حسن هذا الحذف لتقدم قوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ ولأن الإعادة لا تكون إلا بعد الإماتة والإعدام.
وقوله: ﴿ بالقسط ﴾ أي بالعدل متعلق بـ ﴿ يجزي ﴾ أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجرهم أو ليجزيهم بقسطهم وبما لم يظلموا أنفسهم حين آمنوا وعملوا صالحاً وهذا وجه حسن لطباق قوله: ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ وفي قوله: ﴿ والذين كفروا ﴾ من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في الأولى دليل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وإنما جاء التعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر.
والحميم الماء الذي أسخن بالنار حتى انتهى حره.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على عدم منزلة بين المنزلتين على ما يقول بها المعتزلة.
وأجيب بأن عدم الذكر لا يدل على العدم ورُدَّ بأن الفساق أكثر من أهل الطاعة فكيف يجوز طي ذكرهم؟
واعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين: الأول طريق القائلين بالحسن والقبح العقليين، والثاني طريق من يقول لا يجب على الله شيء أصلاً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج عقلية منها: أنه خلق الخلق وأعطاهم عقولاً وقدراً فيجب في حكمته أن يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات، وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا بربط الثواب على الفعل والعقاب على الترك.
هذا في المأمورات وبالعكس في المنهيات، وذلك الثواب المرغب والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون الله كاذباً في قوله: ﴿ ليجزي ﴾ الخ.
فإن قيل: لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد؟
ولئن سلم فلم لا يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لا أنه يفعل ذلك ولا يلزم منه الكذب على الله، ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه لا كذب؟
سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام؟
فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال، وتجويز الخلف في ذلك مناف للغرض، وأخذ الأجرة إنما يكون بعد الفراغ من العمل والعبد ما دام في الدنيا فهو في العمل، وقد ترى أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بالآفات والبليات، وأفسقهم وأجهلهم في أتم اللذات والمسرات.
ومنها أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء والمظلوم والظالم وأن لا يجعل من كفر به وعصاه كمن آمن به وأطاعه وليس هذه التفرقة في الدنيا كما قيل: كم عالم عالم أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا فلا بد من دار أخرى يظهر فيها التفاوت.
ومنها أنه كلف عبيده بأن يعبدوه، والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلا بد أن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تكليفه، والناس جبلوا على طلب اللذات والتبادر إلى تحصيل أسباب الراحات فلو لم يكن زاجر من خوف المعاد لوقع الهرج والمرج والفتن وحينئذٍ لا يتفرغ المكلف لأداء ما أمر به.
فإن قيل: لم لا يكفي في نظام العالم مهابه الملوك وسياستهم؟
قلنا: إن لم يكن السلطان قاهراً قادراً على الرعية فلا فائدة فيه، وإن كان قاهراً غالباً ولا خوف له من المعاد فحينئذٍ يقدم على أنواع الظلم والإيذاء لأن الداعية النفسانية قائمة ولا وازع له في الدنيا ولا في الآخرة.
ومنها أنه خلق هذا العالم وخلق فيه الناس، والعبث لا يليق بالحكيم الرحيم فوجب أن يقال: إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير وليس ذلك في الدنيا لأن لذات هذا العالم جسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي وكان هذا حاصلاً قبل الوجود فلا يبقى للتخليق فائدة.
وأيضاً إن لذات الدنيا مشوبة بالآلام بل اللذة في الدنيا كالقطرة من البحر فعلمنا أن للرحة دار أخرى.
فإن قيل: ليس أنه يعذب أهل النار لا لمصلحة وفائدة لهم؟
قلنا: الفرق أن ذلك الألم استحقوه على أعمالهم وهذا الألم الحاصل في الدنيا غير مستحق فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة وإلا فينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
ومنها أنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان أحسن من جميع الحيوانات لأنها تشاركه في اللذات الحسية لأن الروث في مذاق الجعل كاللوز في فم الإنسان، والإنسان يزيد عليها بعقل هو سبب تألمه وتأذيه في أغلب الأحوال، يتفكر في الأحوال الماضية فيتأسف، ويتأمل في الأحوال الآتية فيخاف، فلو لم يكن للإنسان معاد به يكمل حاله ويظهر سعادته كان عقله سبباً لشقائه وخسته دون شرفه ومزيته.
ومنها أن إيصال النعم إما أن يكون مشوباً بالآفات أو خالصاً عنها، فلما أنعم الله علينا في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علنيا بالمرتبة الثانية في دار أخرى إظهاراً لكمال القدرة والرأفة والحكمة، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخافات.
ومما يقوّي هذا الكلام أن الإنسان دائماً في الترقي من حين كونه جنيناً في بطن أمه إلى أن يخلص من ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا، وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير أميراً نافذ الحكم على الخلق أو عالماً مشرفاً على حقائق الأشياء، فوجب بحكم هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة المشوبة بالآلام.
ومنها طريقة الاحتياط فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له فإن كان هذا المذهب حقاً فقد نجونا وهلك المنكر، وإن كان باطلاً لم يضرنا هذا الاعتقاد، غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات.
ومنها أن أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء.
ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة فلم لا يعقل مثل ذلك في الإنسان؟
ومنها أن الإنسان إنما يتولد من نطفة تولدت من الأغذية الكائنة من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا مات وتفرقت تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن تجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول؟
ومنها أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر، والعقل يحكم بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملاً يكذبون عليه ويجورون، فلا بد من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز خلف فيهما كما مر، ولا يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء.
وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال الله برعاية المصالح فإنهم يقولون: المعاد أمر جائز الوجود لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى جائزاً فالمرة الثانية أيضاً جائزة.
ثم إن إله العالم قادر مختار عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجز تمييز أجزاء بدن زيد - وإن اختلطت بأجزاء التراب والبحار - عن أجزاء بدن عمرو، وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثم إنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني.
وأما شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شراً من هذه فالتبديل سفه، وإن كانت مثلها فعبث، وإن كانت خيراً منها فإما أن يقال إنه قادر على خلق ذلك الأجود أولاً ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه، أو يقال إنه ما كان قادراً ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى الحكمة فهو محال على القديم.
والجواب أن كلاً من الدارين خير في وقتها فالأولى لتحصيل الكمالات النفسانية الممكنة للنوع الإنساني من قبيل العلم والعمل، والأخرى للراحة والجزاء، ومن ذلك أنهم قالوا: حركات الأفلاك مستديرة والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد.
والجواب ما ذكرنا في كتبنا الحكمية من أن كل جسم مركب وكل مركب ينحل لا محالة.
ولئن سلمنا أنها أزلية فحركاتها غير أزلية لأن الحركة عبارة عن الانتقال من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها والأزلية تنافي المسبوقية بالغير فكان الجمع بين الأزل والحركة محالاً.
ولئن سلم أن الحركة أزلية فلم لا يجوز أن يكون بعض أوضاع الأفلاك مقتضياً لإعادة المعدومات من الأشخاص الإنسانية؟
ومن ذلك أنهم قالوا: الإنسان عبارة عن هذا البدن ذي الأجزاء لا كيف كانت بل بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، لأن أجزاء البدن كانت موجودة قبل هذا الإنسان والموجود مغاير للمعدوم.
فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصورة والأعراض وعود المعدوم محال.
وأجيب بأن الإنسان ليس عبارة عن هذا الجسد وإنما هو النفس سواء كانت جوهراً مجرداً مفارقاً أو جسماً مخصوصاً لطيفاً باقياً في جميع أحوال البدن من الصبا إلى الهرم مصوناً عن التحلل والتبدل وهو الذي يسميه المتكلمون بالأجزاء الأصلية.
ومن ذلك أنهم قالوا: إذا قتل الإنسان واغتذى به إنسان آخر لزم أن تعاد تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال.
وأجيب بعين ما مر وهي أن الأجزاء الأصلية لا تصير جزءاً من إنسان آخر.
فهذه خلاصة وما وصل إليه العقول من أمر المعاد والله أعلم بحقائق الأمور.
ثم عدد بعض نعمه على المكلفين فقال: ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء ﴾ وهو أجوف واوي مهموز اللام قلبت واوه ياء لكسرة ما قبلها، ومن قرأ بهمزتين بينهما ألف فمحمول على القلب لأن إذا قدم اللام على العين وقع حرف العلة على الطرف فانقلب همزة كما في "كساء".
وهو إما أن يكون جمع ضوء كحوض وحياض، أو مصدر ضاء يضوء مثل قام قياماً وصام صياماً، ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة فجعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم إنه كرم وجود.
والضياء أقوى من النور.
ولا خلاف بين العقلاء أن ضوء الشمس كيفية قائمة بها لذاتها، أما نور القمر فقد ذهب جمهور الحكماء إلى أنه مستفاد من الشمس وبذلك يقع اختلاف أحواله من الهلالية إلى البدرية كما بينا في تفسير قوله : { ﴿ يسألونك عن الأهلة ﴾ ﴿ وقدره منازل ﴾ قال في الكشاف: أي قدّر مسيره منازل أو قدره ذا منازل.
ومنزلة القمر المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به وجملتها ثمانية وعشرون وأساميها مشهورة: الشرطين الثريا البطين الخ.
وهي كواكب ثابتة معروفة عندهم جعلوها علامات المنازلة، فنرى القمر كل ليلة نازلاً بقرب أحدها وذلك أنهم قسموا دور الفلك وهو اثنا عشر برجاً على ثمانية وعشرين - عدد أيام القمر - فأصاب كل برج منزلان وثلث فسموا كل منزل بالعلامة التي وقعت وقت التسمية بحذائه.
ثم ذكر بعض منافعهما العائدة على المكلفين فقال: ﴿ لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي.
وقد ذكرنا السنة الشمسية والسنة القمرية وكيفية دوران إحداهما على الأخرى في تفسير قوله : ﴿ إن عدة الشهور ﴾ الآية فلا حاجة إلى التكرار، ثم أشار إلى سائر منافعهما وخواصهما بقوله: ﴿ ما خلق الله ذلك ﴾ المذكور ﴿ إلا ﴾ ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ والصواب دون الباطل والعبث، فالشمس سلطان النهار والقمر خليفتها بالليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى فصولها الأربعة، وبالفصول تنتظم مصالح هذا العالم ويتحصل معايش الخلائق، وبحركة القمر يحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة النور ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات إلى غير ذلك من الخواص التي يرشد إليها التأمل والتدبر ولهذا قال: ﴿ يفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذه الدلائل.
وقيل: المراد بالعلم ههنا العقل الذي يعم الكل.
ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار وقد مر تفسيره في سورة "البقرة" في قوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ .
ومعنى قوله: ﴿ وما خلق الله في السموات والأرض ﴾ كقوله: ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ وقد مر في آخر "الأعراف".
وإنما خص كونها آيات بالمتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر.
قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بالمبدإ والمعاد.
ثم شرع في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به فقال: ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ عن ابن عباس ومقاتل والكلبي: معناه لا يخافون البعث كقوله : ﴿ وهم من الساعة مشفقون ﴾ واستبعد الأكثرون تفسير الرجاء بالخوف وقالوا: إنه بمعنى الطمع أي لا يطمعون في حسن لقائه كما يأمله السعداء، أو لا يتوقعونه أصلاً لأنهم لا يؤمنون بالمعاد فهم ذاهلون عن طلب اللذات الحقيقية فارغون عن التوجه نحو السعادات الباقية ﴿ ورضوا ﴾ مع ذلك ﴿ بالحياة الدنيا ﴾ الحسية الخسيسة ﴿ واطمأنوا بها ﴾ سكنوا إليها سكون العاشق إلى معشوقه وهذه غاية الانهماك الاستغراق في اللذات الجسمانية ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ فلا يعتبرون بالآيات ولا ينظرون في الدلائل الموصلة إلى حقيقة المبدإ والمعاد، فلم يقبلوها بالتقليد ولم ينظروا إليها بعين الاجتهاد ﴿ أولئك مأواهم النار ﴾ فيه معنى الجزاء ولذلك تعلق به قوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ وفيه أن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول العذاب الجسماني وهو النار المحسوسة، والعذاب الروحاني وهو نار البعد من المألوفات والقطيعة من السعادات الباقيات فيكون مثاله مثال من أخرج عن مجالسة معشوقه فألقي في بئر ظلمانية لا إلف بها ولا مؤنس بل يكون فيها أنواع المؤذيات وأصناف الموحشات نعوذ بالله من تلك الحالات.
وهذا حال من لا يؤمن بالمعاد فلا يعمل له، وأما حال الذي يؤمن به فذلك قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ استكملوا من جهة القوة النظرية ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ استكملوا من قبل القوة العملية أو صدقوا بقوله ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله، أو أشغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ثم جوارحهم بالخدمة حتى تكون عيونهم مشغولة بالاعتبار، وآذانهم باستماع كلام الله، وألسنتهم بذكر الله وسائر أعضائهم بطاعة الله : ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال أكثر المفسرين: معناه يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة.
ومعنى قوله: ﴿ بإيمانهم ﴾ أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهذا التفسير يوافق قوله : ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ وقوله : "إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله الصالح في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة.
والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول: أنا عملك فينطلق به إلى النار" .
وقيل: معنى الآية إن إيمانهم يهديهم إلى مزايا من الألطاف ولوامع من الأنوار بحيث تزول بواسطتها عنهم الشكوك والشبهات فتؤدي إلى حصول المثوبات ولذلك جعل ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ بياناً له وتفسيراً لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها.
فهذه الهداية عبارة عن الفوائد الزوائد الحاصلة في الدنيا بعد الإيمان.
قال القفال: فعلى هذا الوجه كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار إلا أنه حذف الواو وجعل قوله: ﴿ تجري ﴾ خبراً مستأنفاً منقطعاً عما قبله.
والتحقيق في تقرير هذا الوجه أن العلم نور والجهل ظلمة والروح كاللوح والعلوم والمعارف كالنقوش ولكن حالهم بالضد من النقوش الجسمانية، فإن تزاحم النقوش الجسمانية يكدر اللوح وتوارد النقوش المعنوية وتكاثرها يزيد لوح الروح لمعاناً وإشراقاً حتى إنه يقوى بها على تحصيل المعارف الباقية بسهولة، فليس فهم الرجل المنتهي للعلوم والحقائق كفهم المبتدىء، فإن الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور المعرفة، وإذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة التوجه إلى الآخرة والإعراض عن الدنيا، ولا تزال تتزايد إشراقات هذه المعارف والملكات فيرتقي في معارجها لحظة فلحظة، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية فلا نهاية لمراتب هذه الهداية.
وفي قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ دليل لمن قال إن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ولكنهما يعدّان الذهن لحصول الفيض من الجواد المطلق.
ومعنى ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ أنهم يكونون في البساتين على مواضع مرتفعة كالسرر والأرائك والأنهار تجري من بين أيديهم.
﴿ دعواهم فيها ﴾ قال بعض المفسرين: أي دعاؤهم ونداؤهم كما يدعو القانت بقوله: اللهم إياك نعبد: وقيل: الدعاء العبادة كقوله: ﴿ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ﴾ وإنما تكون هذه عبادتهم لا على سبيل التكليف بل على سبيل الإلهام والعادة ابتهاجاً بذكر الله.
وقيل: الادعاء بين المتخاصمين والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله من المعايب والإقرار له بالإلهية.
قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما.
وقيل: أي طريقتهم وسيرتهم وذلك لأن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم يكن في قولهم سبحانك اللهم دعاء ولا دعوى.
وقيل: أي تمنيهم كقوله: ﴿ ولهم ما يدعون ﴾ أي ما يتمنونه.
وتقول العرب: ادّع عليّ ما شئت أي تمن فكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، ولقد كانوا في الدنيا يدعون في الحروب من يسكنون إليه ويستنصرونه فيقولون: يا آل فلان فأخبر الله عنهم أن أنسهم في الجنة بذكر الله وسكونهم بتحميده ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ أي بعضهم يحيي بعضاً بالسلام.
وقيل: هي تحية الله أو الملائكة إياهم إضافة للمصدر إلى المفعول ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد ﴾ هي "أن" المخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد ﴿ لله ﴾ على أن الضمير للشأن.
قال أهل الظاهر من المفسرين: في سبب تخصيص هذه الأذكار بأهل الجنة أن قوله: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ علم بين أهل الجنة وخدامهم إذا سمعوا ذلك منهم أتوهم بما يشتهونه.
قال ابن جريج: ورد في الأخبار أنه إذا مرّ بهم طير يشتهونه قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وقال القاضي: إنه وعد المتقين بالثواب العظيم فإذا دخل أهل الجنة الجنة ووجدوا تلك المواعيد قالوا سبحانك اللهم أي نسبحك عن الخلف في الوعد.
وقيل: ألهم الله بني آدم في الجنة بعد انقراض الدنيا ما افتخر به الملائكة قبلهم في قولهم: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ ويمكن أن يقال: إن لكل إنسان معراجاً بحسب قوته فإذا وصل العارف الصادق إلى صفات جلال الله قال سبحانك، وإذا ارتقى منها إلى الذات قال اللهم، فإذا عجز عن ذلك المضمار واحترق في أوائل تلك الأنوار رجع من عالم الجلال إلى عالم الإكرام فأفاض الخير على جميع المحتاجين ويدفع المخافات والمكاره عنهم بكل ما أمكنه وذلك قوله: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ثم إذا شاهدوا أثر نعمة الله عليهم بالاستفاضة والإفاضة اختتموا الكلام بقولهم: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .
وعلى هذا يدور أمرهم في العروج والنزول ما داموا في الدنيا فيكون كذلك حالهم في العقبى لقوله: "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون".
التأويل: ﴿ الۤر ﴾ فيه إشارتان: إحداهما من الحق المحق إلى حبيبه محمد كأنه قال: بآلائي عليك في الأزل وأنت في العدم وبلطفي عليك في الوجود وبرحمتي ورأفتي لك من الأزل إلى الأبد.
والثانية من الحق لنبيه إليه يقول بإنسك معي حين خلقت روحي ولم يكن ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به حين دعوتك للخروج من العدم فقلت: ياسين أي يا سيد فقلت: لبيك وسعديك والخير كله بيديك.
وبرجوعك منك إلى حين قلت لنفسك بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ تلك ﴾ أي هذه الآيات المنزلة عليك ﴿ آيات الكتاب الحكيم ﴾ الذي وعدتك في الأزل وراثته لك ولأمتك.
والحكيم الحاكم على الكتب كلها فلا ينسخه كتاب وهو ينسخ الشرائع والأحكام والكتب كلها ﴿ إلى رجل منهم ﴾ لما رأى فيه رجولية قبول الوحي دون غيره، ويحتمل أن يكون معنى للناس الناسي عهد الله ﴿ قدم صدق ﴾ محمد لأنه أول من خرج من العدم إلى الوجود، أو هو العناية الأزلية "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لساحر مبين ﴾ صدقوا في أنهم مسحورون إلا أنه سحرهم سحرة صفات فرعون النفس.
إن الذي يربيكم هو الذي خلق السموات سموات أرواحكم وأرض نفوسكم من ستة أنواع هي: الروح والقلب والعقل والنفس الحيواني والنفس النباتي والصورة المعدنية ﴿ ثم استوى ﴾ على العرش القلب ﴿ يدبر ﴾ أمر السعادة والشقاوة يقلبه كيف يشاء.
﴿ إليه مرجعكم جميعاً ﴾ فرجعوا مقبولين بجذبات العناية التي صورتها خطاب ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ وحقيقتها انجذاب القلب إلى الله ونتيجتها عزوف النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها ورجوع المردودين بغير الاختيار بالسلاسل والأغلال.
ومن نتائجه تعلقات الدنيا واستيلاء صفات النفس ﴿ بالقسط ﴾ أي لكل بحسب كماله ونقصانه.
جعل شمس الروح ضياء يستنير بها قمر القلب إذا وقع في مواجهتها، وإذا وقع في مقابلة أرض النفس انكسف ولهذا سمي قلباً لتقلب أحواله بين الروح والنفس.
وتلك الأحوال هي منازله ومقاماته لتعلموا عدد سنين المقامات وحساب الكشوف والمشاهدات ﴿ إن في اختلاف ﴾ ليل صفات البشرية ونهار صفات الروحانية ﴿ وما خلق الله ﴾ في سموات الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف والأخلاق وتبدل الأحوال ﴿ لآيات ﴾ دالة على التوحيد ﴿ لقوم يتقون ﴾ الأخلاق الذميمة ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ وإن لم يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها كالرهابين والبراهمة وبعض الفلاسفة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل: يهديهم ربهم بإيمانهم في الدنيا طريق الجنة في الآخرة، وهو يعني ما ذكر في القصة أن المؤمن إذا أخرج من القبر يصور له عمله في صورة حسنة.
والثاني: يهديهم [ربهم] بإيمانهم، [أي: يهديهم ربهم بإيمانهم] فيصيرون مهتدين بهدايته إياهم ويشبه يهديهم ربهم بإيمانهم أي يدعوهم إلى الخيرات في الدنيا بإيمانهم، والله أعلم.
فهذا على المعتزلة؛ لأنهم يمتنعون عن تسمية صاحب الكبيرة مؤمناً ومعه إيمان، فيلزمهم أن يمتنعوا عما وعد له وإن كان معه إيمان، فإذا ذكر له الوعد مع هذا ألزمهم أن يسموه مؤمناً لما معه من الإيمان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ .
يقول أهل التأويل: من تحت أهل الجنة، وقد ذكرنا هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ ﴾ .
قال قائلون: قوله: ﴿ دَعْوَاهُمْ ﴾ دعوى الإيمان؛ أي: يدعون في الآخرة من الإيمان والتوحيد لله والتنزيه له كما ادعوا في الدنيا وحدانية الله ونزهوه.
وقوله: ﴿ سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ ﴾ .
هو حرف تنزيه وتبرئة الرب عن الأشباه وجميع الآفات التي وصفته المشبهة الملحدة بها، فهذا يدل أن ما خرج مخرج الدعوى فإنه لا يختلف باختلاف الدور.
وقال عامة أهل التأويل: هو من الدعاء لا من الدعوى، يقولون: إنهم إذا اشتهوا طعاماً أو شراباً وتمنوا شيئاً فيدعونه بقوله: ﴿ سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ ﴾ فيؤتون ما تمنوا واشتهوا؛ لما ذكر أنه لا تنقطع اللذات في الجنة، ولو كان ما يقولون لكان فيه انقطاع اللذات والشهوات، إلا أن يقال: إنهم يلهمون شهوات وأماني فيشتهون، وقال الله - عز وجل -: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ ﴾ ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ ولا نعلم ما أراد به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: يخبر أنه ليس على أهل الجنة من العبادات شيء سوى التوحيد وهو كلمة التوحيد.
والثاني: يقولون ذلك لعظيم ما رأوا من النعيم وعجيب ما عاينوا.
والثالث: شكراً لما أعطاهم من ألوان النعيم والأطعمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ .
قال أهل التأويل: إن الملائكة يأتون بما اشتهوا ويسلمون عليهم ويردون السلام على الملائكة؛ فذلك قوله: ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ ، فإذا طعموا وفرغوا قالوا عند ذلك: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، وهو قول ابن عباس وغيره من أهل التأويل، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ والسلام الذي لا عيب فيه ولا مطعن، أي كلام بعضهم لبعض منزه منقى من جميع العيوب والمطاعن؛ كقوله: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً ﴾ الآية، وقوله: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
قال أهل التأويل: يقولون على أثر فراغهم من الطعام والشراب ذلك.
وقال الحسن: إن الله رضي عن عباده بالشكر لما أنعم عليهم في الدنيا والآخرة بـ ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ ﴾ أي دعواهم في الآخرة: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، كما كان دعواهم في الدنيا ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ولو يُعَجِّل الله سبحانه استجابة دعاء الناس على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بالشر عند الغضب، مثل ما يستجيب لهم في دعائهم بالخير -لهلكوا، ولكن الله يمهلهم، فيترك الذين لا ينتظرون لقاءه- لأنهم لا يخافون عقابًا ولا يرتجون ثوابًا- يتركهم مترددين حائرين مرتابين في يوم الحساب.
<div class="verse-tafsir" id="91.glk2r"