الآية ١٢ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٢ من سورة يونس

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًۭا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الضر ، كقوله : ( وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ) [ فصلت : 51 ] أي : كثير ، وهما في معنى واحد ؛ وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها ، وأكثر الدعاء عند ذلك ، فدعا الله في كشفها وزوالها عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه ، وفي جميع أحواله ، فإذا فرج الله شدته وكشف كربته ، أعرض ونأى بجانبه ، وذهب كأنه ما كان به من ذاك شيء ، ( مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته فقال : ( كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ) فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد ، فإنه مستثنى من ذلك ، كما قال تعالى : ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ) [ هود : 11 ] ، وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عجبا لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له : إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له " ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وإذا أصاب الإنسان الشدة والجهد (29) ، (دعانا لجنبه) ، يقول: استغاث بنا في كشف ذلك عنه ، ( لجنبه) ، يعني مضطجعًا لجنبه.

، (أو قاعدًا أو قائمًا) بالحال التي يكون بها عند نـزول ذلك الضرّ به ، (فلما كشفنا عنه ضره) ، يقول: فلما فرّجنا عنه الجهد الذي أصابه (30) ، (مرّ كأن لم يدعنا إلى ضر مسه) ، يقول: استمرَّ على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر، (31) ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء أو تناساه، وترك الشكر لربه الذي فرّج عنه ما كان قد نـزل به من البلاء حين استعاذ به، وعاد للشرك ودَعوى الآلهةِ والأوثانِ أربابًا معه.

يقول تعالى ذكره: (كذلك زيّن للمسرفين ما كانوا يعملون) ، يقول: كما زُيِّن لهذا الإنسان الذي وصفنا صفتَه ، (32) استمرارُه على كفره بعد كشف الله عنه ما كان فيه من الضر، كذلك زُيّن للذين أسرفوا في الكذِب على الله وعلى أنبيائه، فتجاوزوا في القول فيهم إلى غير ما أذن الله لهم به، (33) ما كانوا يعملون من معاصي الله والشرك وبه.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17578- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: (دعانا لجنبه) ، قال: مضطجعًا.

-------------------------- الهوامش : (29) انظر تفسير " المس " فيما سلف 14 : 64 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

، وتفسير " الضر " فيما سلف من فهارس اللغة ( ضرر ) .

(30) انظر تفسير " الكشف " فيما سلف 11 : 354 / 13 : 73 .

(31) انظر تفسير " مر " فيما سلف 13 : 304 ، 305 .

(32) انظر تفسير " التزيين " فيما سلف 14 : 245 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(33) انظر تفسير " الإسراف " فيما سلف 12 : 458 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملونقوله تعالى وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه قيل : المراد بالإنسان هنا الكافر ، قيل : هو أبو حذيفة بن المغيرة المشرك ، تصيبه البأساء والشدة والجهد .

دعانا لجنبه أي على جنبه مضطجعا .أو قاعدا أو قائما وإنما أراد جميع حالاته ; لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات الثلاث .

قال بعضهم : إنما بدأ بالمضطجع لأنه بالضر أشد في غالب الأمر ، فهو يدعو أكثر ، واجتهاده أشد ، ثم القاعد ثم القائم .فلما كشفنا عنه ضره مر أي استمر على كفره ولم يشكر ولم يتعظ .

قلت : وهذه صفة كثير من المخلصين الموحدين ، إذا أصابته العافية مر على ما كان عليه [ ص: 232 ] من المعاصي ; فالآية تعم الكافر وغيره .كأن لم يدعنا قال الأخفش : هي " كأن " الثقيلة خففت ، والمعنى كأنه وأنشد :وي كأن من يكن له نشب يح بب ومن يفتقر يعش عيش ضركذلك زين أي كما زين لهذا الدعاء عند البلاء والإعراض عن الرخاء .

زين للمسرفين أي للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصي .

وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله ، ويجوز أن يكون من الشيطان ، وإضلاله دعاؤه إلى الكفر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا إخبار عن طبيعة الإنسان من حيث هو، وأنه إذا مسه ضر، من مرض أو مصيبة اجتهد في الدعاء، وسأل الله في جميع أحواله، قائما وقاعدا ومضطجعا، وألح في الدعاء ليكشف الله عنه ضره‏.‏ ‏{‏فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ‏}‏ أي‏:‏ استمر في غفلته معرضا عن ربه، كأنه ما جاءه ضره، فكشفه الله عنه، فأي ظلم أعظم من هذا الظلم‏؟‏‏"‏ يطلب من الله قضاء غرضه، فإذا أناله إياه لم ينظر إلى حق ربه، وكأنه ليس عليه لله حق‏.‏ وهذا تزيين من الشيطان، زين له ما كان مستهجنا مستقبحا في العقول والفطر‏.‏ ‏{‏كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ‏}‏ أي‏:‏ المتجاوزين للحد ‏{‏مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإذا مس الإنسان الضر ) الجهد والشدة ، ( دعانا لجنبه ) أي : على جنبه مضطجعا ، ( أو قاعدا أو قائما ) يريد في جميع حالاته ، لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات .

( فلما كشفنا ) دفعنا ( عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) أي استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر ، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء ، كأنه لم يدعنا إلى ضر مسه أي : لم يطلب منا كشف ضر مسه .

( كذلك زين للمسرفين ) المجاوزين الحد في الكفر والمعصية ، ( ما كانوا يعملون ) من العصيان .

قال ابن جريج : كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون من الدعاء عند البلاء وترك الشكر عند الرخاء .

وقيل : معناه كما زين لكم أعمالكم زين للمسرفين الذين كانوا من قبلكم أعمالهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا مس الإنسان» الكافر «الضُّرُّ» المرض والفقر «دعانا لجنبه» أي مضطجعا «أو قاعدا أو قائما» أي في كل حال «فلما كشفنا عنه ضُره مرَّ» على كفره «كأن» مخففة واسمها محذوف، أي كأنه «لم يدعنا إلى ضرٍّ مسه كذلك» كما زُيّن له الدعاء عند الضرر والإعراض عند الرخاء «زُيِّن للمسرفين» المشركين «ما كانوا يعملون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا أصاب الإنسانَ الشدةُ استغاث بنا في كشف ذلك عنه مضطجعًا لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا، على حسب الحال التي يكون بها عند نزول ذلك الضرِّ به.

فلما كشفنا عنه الشدة التي أصابته استمرَّ على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر، ونسي ما كان فيه من الشدة والبلاء، وترك الشكر لربه الذي فرَّج عنه ما كان قد نزل به من البلاء، كما زُيِّن لهذا الإنسان استمراره على جحوده وعناده بعد كشف الله عنه ما كان فيه من الضر، زُيِّن للذين أسرفوا في الكذب على الله وعلى أنبيائه ما كانوا يعملون من معاصي الله والشرك به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم صور - سبحانه - طبيعة الإِنسان فى حالتي العسر واليسر فقال : ( وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ .والمس : اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإِحساس والإِصابة .والضر : ما يصيب الإِنسان من سوء الحال فى نفسه أو بدنه أو غيرهما مما يحبه ويشتهيه .والمعنى : ( وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر ) عن طريق المرض أو الفقر أو غيرها ( دَعَانَا ) بإلحاح وتضرع لكي نكشفه عنه ، فهو تارة يدعونا وهو مضطجع على جنبه ، وتارة يدعونا وهو قاعد ، وتارة يدعونا وهو قائم على قدميه .( فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ ) وما أصابه من سوء ( مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ ) أي : مضى واستمر فى غفلته الأولى حتى لكأنه لم تنزل به كروب ، ولم يسبق له أن دعانا بإلحاح لكشفها .وخص - سبحانه - هذه الأحوال بالذكر ، لعدم خلو الإِنسان عنها فى العادة .وقيل : يصح أن يراد بهذه الأحوال تعميم أصناف المضار ، لأنها قد تكون خفيفة فيدعو الله وهو قائم ، وقد تكون متوسطة فيدعوه وهو قاعد ، وقد تكون ثقيلة فيدعوه وهو نائم .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : " فإن قلت : فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟قلت : معناه أن المضرور لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر ، فهو يدعونا فى حالاته كلها ، سواء أكان منبطحا عاجزاً عن النهوض ، أم كان قاعداً لا يقدر على القيام ، أم كان قائما لا يطيق المشي .ويجوز أن يراد أن من المضرورين من هو أشد حالا وهو صاحب الفراش ، ومنهم من هو أخف ، وهو القادر على القعود ، ومنهم المستطيع للقيام ، وكلهم لا يستغنون عن الدعاء واستدفاع البلاء ، لأن الإِنسان للجنس .

.

.وفي التعبير بالمس إشارة إلى أن ما أصابه من ضر حتى لو كان يسيراً فإنه لا يترك الدعاء والابتهال إلى الله بأن يكشفه عنه .وقوله : ( لجنبه ) فى موضع الحال من فاعل ( دعانا ) و ( أو ) لتنويع الأحوال ، أو لأصناف المضار .والتعبير بقوله - سبحانه ( مر ) يمثل أدق تصوير لطبيعة الإِنسان الذى يدعو الله عند البلاء ، وينساه عند الرخاء ، فهو فى حالة البلاء يدعو الله فى كل الأحوال ، فإذا ما انكشف عنه البلاء مر واندفع فى تيار الحياة .

يدون كابح ، ولا زاجر ، ولا مبالاة ، وبدون توقف ليتدبر أو ليعتبر .

.ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( كذلك زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) أى : كما زين لهذا الإِنسان الدعاء عند البلاء والإِعراض عند الرخاء ، زين لهؤلاء المسرفين المتجاوزين لحدود الله ، ما كانوا يعملونه من إعراض عن ذكره ، ومن غفلة عن حكمته وعن سننه فى كونه .قال الآلوسى : " وفى الآية ذم لمن يترك الدعاء فى الرخاء ويهرع إليه فى الشدة ، واللائق بحال العاقل التضرع إلى مولاه فى السراء والضراء .فإن ذلك أرجى للإِجابة .

ففي الحديث الشريف : " تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة " .وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال : ادع الله يوم سرائك يستجيب لك يوم ضرائك .وفى حديث للترمذي عن أبى هريرة ورواه الحاكم عن سلمان وقال صحيح الإِسناد " من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكروب ، فليكثر من الدعاء عن الرخاء " .وقال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : " وقد ذم الله - تعالى - من هذه طريقته وصفته فى الدعاء .

أما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد فإنه مستثنى من ذلك ، - لأنه يدعو الله فى الشدة والرخاء - ، وفي الحديث الشريف : " عجباً لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له : إن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له ، وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه لو أنزل العذاب على العبد في الدنيا لهلك ولقضى عليه، فبين في هذه الآية ما يدل على غاية ضعفه ونهاية عجزه، ليكون ذلك مؤكداً لما ذكره من أنه لو أنزل عليه العذاب لمات.

الثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستعجلون في نزول العذاب، ثم بين في هذه الآية أنهم كاذبون في ذلك الطلب والاستعجال، لأنه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه ويؤذيه، فإنه يتضرع إلى الله تعالى في إزالته عنه وفي دفعه عنه وذلك يدل على أنه ليس صادقاً في هذا الطلب.

المسألة الثانية: المقصود من هذه الآية، بيان أن الإنسان قليل الصبر عند نزول البلاء، قليل الشكر عند وجدان النعماء والآلاء، فإذا مسه الضر أقبل على التضرع والدعاء مضطجعاً أو قائماً أو قاعداً مجتهداً في ذلك الدعاء طالباً من الله تعالى إزالة تلك المحنة، وتبديلها بالنعمة والمنحة، فإذا كشف تعالى عنه ذلك بالعافية أعرض عن الشكر، ولم يتذكر ذلك الضر ولم يعرف قدر الإنعام، وصار بمنزلة من لم يدع الله تعالى لكشف ضره، وذلك يدل على ضعف طبيعة الإنسان وشدة استيلاء الغفلة والشهوة عليه، وإنما ذكر الله تعالى ذلك تنبيهاً على أن هذه الطريقة مذمومة، بل الواجب على الإنسان العاقل أن يكون صابراً عند نزول البلاء شاكراً عند الفوز بالنعماء، ومن شأنه أن يكون كثير الدعاء والتضرع في أوقات الراحة والرفاهية.

حتى يكون مجاب الدعوة في وقت المحنة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء عند الرخاء».

واعلم أن المؤمن إذا ابتلي ببلية ومحنة، وجب عليه رعاية أمور: فأولها: أن يكون راضياً بقضاء الله تعالى غير معترض بالقلب واللسان عليه.

وإنما وجب عليه ذلك لأنه تعالى مالك على الإطلاق وملك بالاستحقاق.

فله أن يفعل في ملكه وملكه ما شاء كما يشاء، ولأنه تعالى حكيم على الإطلاق وهو منزه عن فعل الباطل والعبث، فكل ما فعله فهو حكمة وصواب، وإذا كان كذلك فحينئذ يعلم أنه تعالى إن أبقى عليه تلك المحنة فهو عدل، وإن أزالها عنه فهو فضل، وحينئذ يجب عليه الصبر والسكوت وترك القلق والاضطراب.

وثانيها: أنه في ذلك الوقت إن اشتغل بذكر الله تعالى والثناء عليه بدلاً عن الدعاء كان أفضل، لقوله عليه السلام حكاية عن رب العزة من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ولأن الاشتغال بالذكر اشتغال بالحق، والاشتغال بالدعاء اشتغال بطلب حظ النفس، ولا شك أن الأول أفضل، ثم إن اشتغل بالدعاء وجب أن يشترط فيه أن يكون إزالته صلاحاً في الدين، وبالجملة فإنه يجب أن يكون الدين راجحاً عنده على الدنيا.

وثالثها: أنه سبحانه إذا أزال عنه تلك البلية فإنه يجب عليه أن يبالغ في الشكر وأن لا يخلو عن ذلك الشكر في السراء والضراء، وأحوال الشدة والرخاء، فهذا هو الطريق الصحيح عند نزول البلاء.

وهاهنا مقام آخر أعلى وأفضل مما ذكرناه، وهو أن أهل التحقيق قالوا: إن من كان في وقت وجدان النعمة مشغولاً بالنعمة لا بالمنعم كان عند البلية مشغولاً بالبلاء لا بالمبلي، ومثل هذا الشخص يكون أبداً في البلاء، أما في وقت البلاء فلا شك أنه يكون في البلاء، وأما في وقت حصول النعماء فإن خوفه من زوالها يكون أشد أنواع البلاء، فإن النعمة كلما كانت أكمل وألذ وأقوى وأفضل، كان خوف زوالها أشد إيذاء وأقوى إيحاشاً، فثبت أن من كان مشغولاً بالنعمة كان أبداً في لجة البلية.

أما من كان في وقت النعمة مشغولاً بالمنعم، لزم أن يكون في وقت البلاء مشغولاً بالمبلي.

وإذا كان المنعم والمبلي واحداً، كان نظره أبداً على مطلوب واحد، وكان مطلوبه منزهاً عن التغير مقدساً عن التبدل ومن كان كذلك كان في وقت البلاء وفي وقت النعماء، غرقاً في بحر السعادات، واصلاً إلى أقصى الكمالات، وهذا النوع من البيان بحر لا ساحل له، ومن أراد أن يصل إليه فليكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر.

المسألة الثالثة: اختلفوا في ﴿ الإنسان ﴾ في قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر ﴾ فقال بعضهم: إنه الكافر، ومنهم من بالغ وقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان، فالمراد هو الكافر، وهذا باطل، لأن قوله: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَٰقِيهِ  فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ  ﴾ لا شبهة في أن المؤمن داخل فيه، وكذلك قوله: ﴿ هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مّنَ الدهر  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ  ﴾ فالذي قالوه بعيد، بل الحق أن نقول: اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام حكمه أنه إذا حصل هناك معهود سابق انصرف إليه، وإن لم يحصل هناك معهود سابق وجب حمله على الاستغراق صوناً له عن الإجمال والتعطيل.

ولفظ ﴿ الإنسان ﴾ هاهنا لائق بالكافر، لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم ألبتة.

المسألة الرابعة: في قوله: ﴿ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ﴾ وجهان: الوجه الأول: أن المراد منه ذكر أحوال الدعاء فقوله: ﴿ لِجَنبِهِ ﴾ في موضع الحال بدليل عطف الحالين عليه، والتقدير: دعانا مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً.

فإن قالوا: فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟

قلنا: معناه: إن المضرور لا يزال داعياً لا يفتر عن الدعاء إلى أن يزول عنه الضر، سواء كان مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً.

والوجه الثاني: أن تكون هذه الأحوال الثلاثة تعديداً لأحوال الضر، والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً دعانا وهو قول الزجاج.

والأول: أصح، لأن ذكر الدعاء أقرب إلى هذه الأحوال من ذكر الضر، ولأن القول بأن هذه الأحوال أحوال للدعاء يقتضي مبالغة الإنسان في الدعاء، ثم إذا ترك الدعاء بالكلية وأعرض عنه كان ذلك أعجب.

المسألة الخامسة: في قوله: ﴿ مَرَّ ﴾ وجوه: الأول: المراد منه أنه مضى على طريقته الأولى قبل مس الضر ونسي حال الجهد.

الثاني: مر عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به.

المسألة السادسة: قوله تعالى: ﴿ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إلى ضُرّ مَّسَّهُ ﴾ تقديره: كأنه لم يدعنا، ثم أسقط الضمير عنه على سبيل التخفيف ونظيره قوله تعالى: ﴿ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ  ﴾ قال الحسن: نسي ما دعا الله فيه، وما صنع الله به في إزالة ذلك البلاء عنه: المسألة السابعة: قال صاحب النظم: قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان ﴾ ﴿ إِذَا ﴾ موضوعة للمستقبل.

ثم قال: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا ﴾ وهذا للماضي، فهذا النظم يدل على أن معنى الآية أنه هكذا كان فيما مضى وهكذا يكون في المستقبل.

فدل ما في الآية من الفعل المستقبل على ما فيه من المعنى المستقبل، وما فيه من الفعل الماضي على ما فيه من المعنى الماضي، وأقول البرهان العقلي مساعد على هذا المعنى وذلك لأن الإنسان جبل على الضعف والعجز وقلة الصبر، وجبل أيضاً على الغرور والبطر والنسيان والتمرد والعتو، فإذا نزل به البلاء حمله ضعفه وعجزه على كثرة الدعاء والتضرع، وإظهار الخضوع والانقياد، وإذا زال البلاء ووقع في الراحة استولى عليه النسيان فنسي إحسان الله تعالى إليه، ووقع في البغي والطغيان والجحود والكفران.

فهذه الأحوال من نتائج طبيعته ولوازم خلقته، وبالجملة فهؤلاء المساكين معذورون ولا عذر لهم.

المسألة الثامنة: في قوله تعالى: ﴿ كذلك زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أبحاث: البحث الأول: أن هذا المزين هو الله تعالى أو النفس أو الشيطان، فرع على مسألة الجبر والقدر وهو معلوم.

البحث الثاني: في بيان السبب الذي لأجله سمى الله سبحانه الكافر مسرفاً.

وفيه وجوه: الوجه الأول: قال أبو بكر الأصم: الكافر مسرف في نفسه وفي ماله ومضيع لهما، أما في النفس فلأنه جعلها عبداً للوثن، وأما في المال فلأنهم كانوا يضيعون أموالهم في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

الوجه الثاني: قال القاضي: إن من كانت عادته أن يكون عند نزول البلاء كثير التضرع والدعاء، وعند زوال البلاء ونزول الآلاء معرضاً عن ذكر الله متغافلاً عنه غير مشتغل بشكره، كان مسرفاً في أمر دينه متجاوزاً للحد في الغفلة عنه، ولا شبهة في أن المرء كما يكون مسرفاً في الإنفاق فكذلك يكون مسرفاً فيما يتركه من واجب أو يقدم عليه من قبيح، إذا تجاوز الحد فيه.

الوجه الثالث: وهو الذي خطر بالبال في هذا الوقت، أن المسرف هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس، ومعلوم أن لذات الدنيا وطيباتها خسيسة جداً في مقابلة سعادات الدار الآخرة.

والله تعالى أعطاه الحواس والعقل والفهم والقدرة لاكتساب تلك السعادات العظيمة، فمن بذل هذه الآلات الشريفة لأجل أن يفوز بهذه السعادات الجسمانية الخسيسة، كان قد أنفق أشياء عظيمة كثيرة، لأجل أن يفوز بأشياء حقيرة خسيسة، فوجب أن يكون من المسرفين.

البحث الثالث: الكاف في قوله تعالى: ﴿ كذلك ﴾ للتشبيه.

والمعنى: كما زين لهذا الكافر هذا العمل القبيح المنكر زُيِّن للمسرفين ما كانوا يعملون من الإعراض عن الذكر ومتابعة الشهوات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِجَنبِهِ ﴾ في موضع الحال، بدليل عطف الحالين عليه أي دعانا مضطجعاً ﴿ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ﴾ .

فإن قلت: فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟

قلت: معناه أنّ المضرور لا يزال داعياً لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضرّ، فهو يدعونا في حالاته كلها- إن كان مضطجعاً عاجز النهض متخاذل النوء أو كان قاعداً لا يقدر على القيام، أو كان قائماً لا يطيق المشي والمضطرب- إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها والمسحة بتمامها.

ويجوز أن يراد أن من المضرورين من هو أشدّ حالاً وهو صاحب الفراش.

ومنهم من هو أخفّ وهو القادر على القعود.

ومنهم المستطيع للقيام، وكلهم لا يستغنون عن الدعاء واستدفاع البلاء، لأنّ الإنسان للجنس ﴿ مَرَّ ﴾ أي مضى على طريقته الأولى قبل مسّ الضرّ، ونسي حال الجهد.

أو مرّ عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه، كأنه لا عهد له به ﴿ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا ﴾ ، كأنه لم يدعنا، فخفف وحذف ضمير الشأن قال: كَأَنْ ثَدْيَاهُ حُقّانِ ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ زين الشيطان بوسوسته أو الله بخذلانه وتخليته ﴿ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ من الإعراض عن الذكر واتباع الشهوات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا ﴾ لِإزالَتِهِ مُخْلِصًا فِيهِ.

﴿ لِجَنْبِهِ ﴾ مُلْقًى لِجَنْبِهِ أيْ مُضْطَجِعًا.

﴿ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا ﴾ وفائِدَةُ التَّرْدِيدِ تَعْمِيمُ الدُّعاءِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ أوْ لِأصْنافِ المَضارِّ.

﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ ﴾ يَعْنِي مَضى عَلى طَرِيقَتِهِ واسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ أوْ مَرَّ عَنْ مَوْقِفِ الدُّعاءِ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ.

﴿ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا ﴾ كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا فَخُفِّفَ وحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ كَما قالَ: ونَحْرٌ مُشْرِقُ اللَّوْنِ.

.

.

كَأنْ ثَدْياهُ حُقّانِ ﴿ إلى ضُرٍّ مَسَّهُ ﴾ إلى كَشْفِ ضُرٍّ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ.

﴿ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والإعْراضِ عَنِ العِباداتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا مَسَّ الإنسان} أصابه والمراد به الكافر {الضر دَعَانَا} أي دعا الله لإزالته {لِجَنبِهِ} في موضع الحال بدليل عطف الحالين أي {أَوْ قَاعِدًا

أَوْ قَائِمًا} عليه أي دعانا مضطجعا وفائدة ذكر هذه الأحوال أن المضرور لا يزال داعياً لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر فهو يدعونا فى حالاته كلها كان مضطجعاً عاجزاً عن النهوض أو قاعداً لا يقدر على القيام أو قائماً لا يطيق المشي {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ} أزلنا ما به {مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إلى ضُرّ مَّسَّهُ} أي مضى على طريقته الأولى قبل مس الضر ونسي حال الجهد أو مر عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به والأصل كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن {كذلك} مثل ذلك التزيين {زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} للمجاوزين الحد في الكفر زين الشيطان بوسوسته {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الإعراض عن الذكر واتباع الكفر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ ﴾ أيْ إذا أصابَهُ جِنْسُ الضُّرِّ مِن مَرَضٍ وفَقْرٍ وغَيْرِهِما مِنَ الشَّدائِدِ إصابَةً يَسِيرَةً وقِيلَ: مُطْلَقًا ﴿ دَعانا ﴾ لِكَشْفِهِ وإزالَتِهِ ﴿ لِجَنْبِهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ ولِذا عَطَفَ عَلَيْهِ الحالَ الصَّرِيحَةَ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا ﴾ أيْ دَعانا مُضْطَجِعًا أوْ مُلْقًى لِجَنْبِهِ واللّامُ عَلى ظاهِرِها وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى عَلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ ﴾ ولا حاجَةَ إلَيْهِ وقَدْ يُعَبَّرُ بِعَلى وهي تُفِيدُ اسْتِعْلاءَهُ عَلَيْهِ واللّامُ تُفِيدُ اخْتِصاصَ كَيْنُونَتِهِ واسْتِقْرارَهُ بِالجَنْبِ إذْ لا يُمْكِنُهُ الِاسْتِقْرارُ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الهَيْئَةِ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ زائِدَةٌ واخْتُلِفَ في ذِي الحالِ فَقِيلَ: إنَّهُ فاعِلُ ﴿ دَعانا ﴾ وقِيلَ: هو مَفْعُولُ ﴿ مَسَّ ﴾ واسْتُضْعِفَ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما تَأخُّرُ الحالِ عَنْ مَحَلِّها مِن غَيْرِ داعٍ الثّانِي أنَّ المَعْنى عَلى أنَّهُ يَدْعُو كَثِيرًا في كُلِّ أحْوالِهِ إلّا أنَّهُ خَصَّ المَعْدُوداتِ بِالذِّكْرِ لِعَدَمِ خُلُوِّ الإنْسانِ عَنْها عادَةً لا أنَّ الضُّرَّ يُصِيبُهُ في كُلِّ أحْوالِهِ: وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِن مَسَّهُ الضُّرُّ في هَذِهِ الأحْوالِ دُعاؤُهُ فِيها أيْضًا لِأنَّ القَيْدَ في الشَّرْطِ قَيْدٌ في الجَوابِ فَإذا قُلْتَ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَقِيرًا أحْسَنّا إلَيْهِ فالمَعْنى أحْسَنّا إلَيْهِ في حالِ فَقْرِهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأظْهَرَ هو الأوَّلُ واعْتَبَرَ بَعْضُهم تَوْزِيعَ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى أفْرادِ الإنْسانِ عَلى مَعْنى أنَّ مِنَ الإنْسانِ مَن يَدْعُو عَلى هَذِهِ الحالَةِ ومِنهُ مَن يَدْعُو عَلى تِلْكَ وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الأحْوالِ تَعْمِيمَ أصْنافِ المَضارِّ لِأنَّها إمّا خَفِيفَةٌ لا تَمْنَعُ الشَّخْصَ القِيامَ أوْ مُتَوَسِّطَةٌ تَمْنَعُهُ القِيامَ دُونَ القُعُودِ أوْ شَدِيدَةٌ تَمْنَعُهُ مِنها وانْفَهامَ ذَلِكَ مِنها بِمَعُونَةِ السِّياقِ و(إذا) قِيلَ إنَّها عَلى أصْلِها وقِيلَ إنَّها لِلْمُضِيِّ ﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ ﴾ الَّذِي مَسَّهُ غَبَّ ما دَعانا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ ﴿ مَرَّ ﴾ أيْ مَضى واسْتَمَرَّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلُ ونَسِيَ حالَةَ الجَهْدِ والبَلاءِ أوْ مَرَّ عَنْ مَوْقِفِ الدُّعاءِ والِابْتِهالِ ونَأى بِجانِبِهِ والمُرُورُ عَلى الأوَّلِ مَجازٌ وعَلى الثّانِي باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ ويَكُونُ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الدُّعاءِ ﴿ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا ﴾ أيْ كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا فَخَفَّفَ وحَذَفَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ووَجْهٌ مُشْرِقُ النَّحْرِ كَأنْ ثَدْياهُ حُقّانِ فَإنَّ الأصْلَ فِيهِ كَأنَّهُ فَخَفَّفَ كَأنَّ وحَذَفَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ هِشامٍ في شَواهِدِهِ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ إذْ يَجُوزُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْوَجْهِ أوْ لِلصَّدْرِ عَلى رِوايَةٍ - وصَدْرٍ - ورُوِيَ كَأنَّ ثَدْيَيْهِ عَلى إعْمالِ كَأنَّ في اسْمٍ مَذْكُورٍ ولا يَبْعُدُ أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ في الرِّوايَةِ الأُولى عَلى بَعْضِ اللُّغاتِ والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿ مَرَّ ﴾ أيْ مَرَّ مُشَبَّهًا بِمَن لَمْ يَدْعُنا ﴿ إلى ضُرٍّ ﴾ أيْ إلى كَشْفِهِ لِأنَّهُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ وإلى بِمَعْنى اللّامِ أيْ لِضُرٍّ ﴿ مَسَّهُ ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذا وصْفٌ لِجِنْسِ الإنْسانِ مُطْلَقًا أوالكافِرِ مِنهُ بِاعْتِبارِ حالِ بَعْضِ الأفْرادِ مِمَّنْ هو مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ وذَكَرَ الشِّهابُ أنَّ لِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالإنْسانِ هُنا ثَلاثَةَ أقْوالٍ فَقِيلَ: الجِنْسُ وقِيلَ: الكافِرُ وقِيلَ: شَخْصٌ مُعَيَّنٌ وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى الِاعْتِبارِ لَكِنْ لا اعْتِبارَ لَهُ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ العَجِيبِ ﴿ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ أيْ لِلْمَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ (ما كانُوا يَعْلَمُونَ 12) مِنَ الإعْراضِ عَنِ الذَّكَرِ والدُّعاءِ والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والإسْرافُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ وسُمُّوا أُولَئِكَ مُسْرِفِينَ لَمّا أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أعْطاهُمُ القُوى والمَشاعِرَ لِيَصْرِفُوها إلى مَصارِفِها ويَسْتَعْمِلُوها فِيما خُلِقَتْ لَهُ مِنَ العُلُومِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ وهم قَدْ صَرَفُوها إلى ما لا يَنْبَغِي مَعَ أنَّها رَأْسُ مالِهِمْ وفاعِلُ التَّزْيِينِ إمّا مالِكُ المُلْكِ جَلَّ شَأْنُهُ وإمّا الشَّيْطانُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ وكَذَلِكَ فَتَذَكَّرْ.

وتَعَلُّقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما قَبْلَها قِيلَ مِن حَيْثُ إنَّ في كُلٍّ مِنهُما إمْلاءً لِلْكَفَرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْراجِ بَعْدَ الإنْقاذِ مِنَ الشَّرِّ المُقَرَّرِ في الأُولى ومِنَ الضُّرِّ المُقَرَّرِ في الأُخْرى وذَكَرَ الإمامُ في وجْهِ الِانْتِظامِ مَعَ الآيَةِ الأُولى وجْهَيْنِ الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الأُولى أنَّهُ لَوْ أنْزَلَ العَذابَ عَلى العَبْدِ في الدُّنْيا لَهَلَكَ وأكَّدَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ دَلَّتْ عَلى غايَةِ ضَعْفِهِ ونِهايَةِ عَجْزِهِ والثّانِي أنَّهُ سُبْحانَهُ أشارَ في الأُولى إلى أنَّ الكَفَرَةَ يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ العَذابِ وبَيَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ في هَذِهِ أنَّهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ الطَّلَبِ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ بِالإنْسانِ أدْنى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ فَإنَّهُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى في إزالَتِهِ عَنْهُ انْتَهى ولِكُلِّ وُجْهَةٌ وفِي الآيَةِ ذَمٌّ لِمَن يَتْرُكُ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ ويُهْرَعُ إلَيْهِ في الشِّدَّةِ واللّائِقُ بِحالِ الكامِلِ التَّضَرُّعُ إلى مَوْلاهُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ فَإنَّ ذَلِكَ أرْجى لِلْإجابَةِ فَفي الحَدِيثِ: «تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ» وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «ادْعُ اللَّهَ تَعالى يَوْمَ سَرّائِكَ يَسْتَجِبْ لَكَ يَوْمَ ضَرائِكَ» وفي حَدِيثٍ لِلتِّرْمِذِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ورَواهُ الحاكِمُ عَنْ سَلْمانَ وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ: «مَن سَرَّهُ أنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ والكُرُوبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ» .

والآثارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ، قال مقاتل: وذلك حين تمنى النضر بن الحارث السّهمي العذاب، فنزل قوله: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ يقول: لو استجيب لهم في الشر استعجالهم بالخير، يعني: كما يحبون أن يستجاب لهم في الخير.

لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ في الدنيا بالهلاك.

وقال مجاهد والضحاك والكلبي: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ يعني: العقوبة، إذا دعا على نفسه وولده وعلى صاحبته: أخزاك الله، ولعنك الله، كما يعجل لهم الخير إذا دعوه بالرحمة والرزق والعافية، لماتوا وهلكوا.

وقال القتبي: هذا من الإضمار ومعناه وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ، يعني: إجابتهم بالشر اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ، يعني: كإجابتهم بالخير.

وإنَّما صار اسْتِعْجالَهُمْ نصباً على معنى مثل استعجالهم.

قرأ ابن عامر لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ بالنصب، يعني: لقضى الله أجلهم، لأنه اتصل بقوله: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ، وقرأ الباقون لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ بالضم على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

ثم قال: فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا، يعني: بترك الذين لا يخافون البعث بعد الموت.

فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، يعني: يتحيرون ويترددون فيها مجازاة لهم.

قوله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ يقول إذ مس الكافر ما يكره من المرض والفقر والبلاء، دَعانا يقول أخلص في الدعاء إلينا لِجَنْبِهِ، يعني: وهو مطروح على جنبه إذا اشتد به المرض، أَوْ قاعِداً إذا كانت العلة أهون، أَوْ قائِماً إذا بقي فيه أثر العلة.

ويقال: دعانا في الأحوال كلها مضطجعاً كان، أَوْ قَائِماً، أَوْ قَاعِداً.

فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ، يعني: فلمّا رفعنا عنه بلاءه، مَرَّ يقول: استمر على ترك الدعاء ونسي الدعاء.

ويقال: مَرَّ في العافية على ما كان عليه قبل أن يبتلى، ولم يتعظ بما ناله.

كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ، يعني: إلى بلاء أصابه قبل ذلك فلم يشكره.

ويقال: معناه أَمِنَ من أن يصيبه مثل الضر الذي دعا فيه حين مسّه كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ، يعني: المشركين مَا كانُوا يَعْمَلُونَ ، يعني: بالدعاء عند الشدة وترك الدعاء عند الرخاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فهي تحيَّة موضوعةٌ من أول الخلقة إلى غير نهاية، وقد رَوَى ابنُ القاسِمُ، عن مالكٍ في قوله تعالى: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ أي: هذا السَّلام الذي بين أظهركم، وهذا أظهر الأقوال، واللَّه أعلم.

انتهى.

وقرأ الجمهور «١» : «أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ» ، وهي عند سَيْبَوَيْهِ «٢» «أن» المخفَّفَةُ من الثقيلة قال أبو الفتح: فهي بمنزلة قول الأعْشَى: [البسيط] :

فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ...

أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يحفى وينتعل «٣»

وقوله سبحانه: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ...

الآية: هذه الآيةُ نزلَت، في دعاء الرَّجُل على نَفْسه أو ولده، أو ماله، فأخبر سبحانه أنَّه لو فعل مع النَّاس في إِجابته إِلى المَكْروه مثْلَ ما يريدُ فعله معهم في إِجابته إِلى الخَيْر، لأهلكهم، وحُذِفَ بعد ذلك جملة يتضمَّنها الظاهرُ، تقديرها: فلا يفعلْ ذلك، ولكنْ يَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا ...

الآية، وقيل: إِن هذه الآية نزلَتْ في قولهم:

إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: ٣٢] ، وقيل:

نزلت في قولهم: ائْتِنا بِما تَعِدُنا [هود: ٣٢] ، وما جرى مجراه، والعَمَهُ: الخبط في ضلال.

وقوله سبحانه: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ ...

الآية: هذه الآية أيضا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي حُذَيْفَةَ واسْمُهُ هاشِمُ بْنُ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.

و " الضُّرُّ ": الجَهْدُ والشِّدَّةُ.

واللّامُ في قَوْلِهِ: " لِجَنْبِهِ " بِمَعْنى " عَلى " .

وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إذا مَسَّهُ الضُّرُّ دَعا عَلى جَنْبِهِ، أوْ دَعا قاعِدًا، أوْ دَعا قائِمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إذا مَسَّهُ الضُّرُّ في هَذِهِ الأحْوالِ، دَعا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أعْرَضَ عَنِ الدُّعاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والثّانِي: مَرَّ في العافِيَةِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يُبْتَلى، ولَمْ يَتَّعِظْ بِما يَنالُهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: مَرَّ طاغِيًا عَلى تَرْكِ الشُّكْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " كَأنْ " هَذِهِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، المَعْنى: كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا، قالَتِ الخَنْساءُ: كَأنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُتَّقى إذِ النّاسُ إذْ ذاكَ مَن عَزَّ بَزّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ المَعْنى: كَما زُيِّنَ لِهَذا الكافِرِ الدُّعاءُ عِنْدَ البَلاءِ، والإعْراضُ عِنْدَ الرَّخاءِ، كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ، وهُمُ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، عَمَلُهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: "نَزَلَتْ في دُعاءِ الرَجُلِ عَلى نَفْسِهِ أو مالِهِ أو ولَدِهِ ونَحْوِ هَذا، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ فَعَلَ مَعَ الناسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لِأهْلَكَهُمْ، ثُمَّ حَذَفَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ جُمْلَةً يَتَضَمَّنُها الظاهِرُ تَقْدِيرُها: ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ ولَكِنْ يَذْرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ، فاقْتُضِبَ القَوْلُ وتُوُصِّلَ إلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ ، فَتَأمَّلْ هَذا التَقْدِيرَ تَجِدْهُ صَحِيحًا، و ﴿ اسْتِعْجالَهُمْ ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والتَقْدِيرُ: مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.

وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ  ﴾ ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ائْتِنا بِما تَعِدُنا  ﴾ وما جَرى مَجْراهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لَقُضِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "الأجَلُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وعَوْفٌ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ويَعْقُوبُ: "لَقَضى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "الأجَلَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَقَضَيْنا"، والأجْلُ -فِي هَذا المَوْضِعِ- أجْلُ المَوْتِ، ومَعْنى "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ: أكْمَلَ وفَرَغَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أو صَنَعُ السَوابِغِ تُبَّعُ وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في هَذا المَعْنى: قَضَيْتُ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتُ بَعْدَها ∗∗∗ ∗∗∗ فَوائِحَ في أكْمامِها لَمْ تُفَتَّقِ وتَعَدّى "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ بِـ "إلى" لَمّا كانَ بِمَعْنى: فَرَغَ، وفَرَغَ يَتَعَدّى بِإلى ويَتَعَدّى بِاللامِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ: ألْآنَ فَقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَصِرْتُ عَلى جَماعَتِها عَذابا وَمِنَ الآخَرِ قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَقَلانِ  ﴾ ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا"، و"يَرْجُونَ" في هَذا المَوْضِعِ عَلى بابِها، والمُرادُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَهم لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللهِ، والرَجاءُ مُقْتَرِنٌ أبَدًا بِخَوْفٍ، والطُغْيانُ: الغُلُوُّ في الأمْرِ وتَجاوُزُ الحَدِّ، والعَمَهُ: الخَبْطُ في ضَلالٍ، فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ ذامَّةً لِخُلُقٍ ذَمِيمٍ هو في الناسِ، يَدْعُونَ في الخَيْرِ فَيُرِيدُونَ تَعْجِيلَ الإجابَةِ فَيَحْمِلُهم أحْيانًا سُوءُ الخُلُقِ عَلى الدُعاءِ في الشَرِّ، فَلَوْ عَجَّلَ لَهم لَهَلَكُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا عِتابٌ عَلى سُوءِ الخُلُقِ مِن بَعْضِ الناسِ، ومُضَمَّنُهُ النَهْيُ عن مِثْلِ هَذا، والأمْرُ بِالتَسْلِيمِ إلى اللهِ تَعالى والضَراعَةِ إلَيْهِ في كُلِّ حالٍ، والعِلْمُ بِأنَّ الخَيْرَ والشَرَّ مِنهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ، وقَوْلُهُ: "لِجَنْبِهِ" في مَوْضِعِ حالٍ، كَأنَّهُ قالَ: مُضْطَجِعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ "الإنْسانِ"، والعامِلُ فِيهِ "مَسَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "دَعانا" والعامِلُ فِيهِ "دَعا" وهُما مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ.

و"الضُرُّ" لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الأمْراضِ والرَزايا في النَفْسِ والمالِ والأحِبَّةِ، هَذا قَوْلُ اللُغَوِيِّينَ، وقِيلَ: هو مُخْتَصٌّ بِرَزايا البَدَنِ: الهُزالُ والمَرَضُ، وقَوْلُهُ: "مَرَّ" يَقْتَضِي أنَّ نُزُولَها في الكُفّارِ ثُمَّ هي بَعْدُ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ مَعْناها مِن كافِرٍ أو عاصٍ، فَمَعْنى الآيَةِ: مَرَّ في إشْراكِهِ بِاللهِ وقِلَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: "زُيِّنَ" إنْ قَدَّرْناهُ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَهو خَلْقُهُ الكُفْرَ لَهم واخْتِراعُهُ في نُفُوسِهِمْ صُحْبَةَ أعْمالِهِمُ الفاسِدَةِ ومُثابَرَتِهِمْ عَلَيْها، وإنْ قَدَّرْنا ذَلِكَ مِنَ الشَيْطانِ فَهو بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ والمُخادَعَةِ، ولَفْظَةُ التَزْيِينِ قَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ بِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ مَرَّةً مِن فِعْلِ اللهِ تَعالى ومَرَّةً مِن فِعْلِ الشَياطِينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر ﴾ [يونس: 11] الآية، لأن الغرض الأهم من كلتيهما هو الاعتبار بذميم أحوال المشركين تفظيعاً لحالهم وتحذيراً من الوقوع في أمثالها بقرينة تنهية هذه الآية بجملة ﴿ كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ .

فلما بُين في الآية السابقة وجه تأخير عذاببِ الاستئصال عنهم وإرجاء جزائهم إلى الآخرة بُين في هذه الآية حالهم عندما يمسهم شيء من الضر وعندما يُكشف الضر عنهم.

فالإنسان مراد به الجنس، والتعريف باللام يفيد الاستغراق العرفي، أي الإنسان الكافر، لأن جمهور الناس حينئذٍ كافرون، إذ كان المسلمون قبل الهجرة لا يعْدُون بضعة وسبعين رجلاً مع نسائهم وأبنائهم الذين هم تبع لهم.

وبهذا الاعتبار يكون المنظور إليهم في هذا الحكم هم الكافرون، كما في قوله تعالى: ﴿ ويقول الإنسان أئذا ما مِت لسَوف أخرج حيا ﴾ [مريم: 66] وقوله: ﴿ يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسوّاك ﴾ [الانفطار: 6، 7].

ويأخذ المسلمون من هذا الحكم ما يناسب مقدار ما في آحادهم من بقايا هذه الحال الجاهلية فيفيق كلٌّ من غفلته.

وعدل عن الإتيان بالضمير الراجع إلى (الناس) من قوله: ﴿ ولو يجعل الله للناس الشر ﴾ [يونس: 11] لأن في ذكر لفظ الإنسان إيماء إلى التذكير بنعمة الله عليهم إذ جعلهم، من أشرف الأنواع الموجودة على الأرض.

ومن المفسرين من جعل اللام في الإنسان للعهد وجعل المراد به أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، واسمه مُهَشِّم، وكان مشركاً، وكان أصابه مرض.

والضر تقدم في قوله: ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ في سورة والدعاء: هنا الطلب والسؤال بتضرع.

واللام في قوله: لجنبه } بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿ يخرون لِلأذقان ﴾ [الإسراء: 109] وقوله: ﴿ وتلَّه للجبين ﴾ [الصافات: 103].

ألا ترى أنه جاء في موضع اللام حرف (على) في قوله تعالى: ﴿ فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبكم ﴾ [النساء: 103] وقوله: ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ [آل عمران: 190] ونحوه قول جابر بن جني التغلبي: تناولَه بالرمح ثم انثنى به *** فخَرَّ صريعاً لليدين وللفم أي على اليدين وعلى الفم، وهو متولد من معنى الاختصاص الذي هو أعم معاني اللام، لأن الاختصاص بالشيء يقع بكيفيات كثيرة منها استعلاؤه عليه.

وإنما سلك هنا حرف الاختصاص للإشارة إلى أن الجنب مختص بالدعاء عند الضر ومتصل به فبالأولى غيره.

وهذا الاستعمال منظور إليه في بيت جابر والآيتين الأخريين كما يظهر بالتأمل، فهذا وجه الفرق بين الاستعمالين.

وموضع المجرور في موضع الحال، ولذلك عطف ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ بالنصب.

وإنما جعل الجنب مجروراً باللام ولم ينصب فيقال مثلاً مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً لتمثيل التمكن من حالة الراحة بذكر شق من جسده لأن ذلك أظهر في تمكنه، كما كان ذكر الإعطاء في الآيتين الأخريين وبيت جابر أظهر في تمثيل الحالة بحيث جمع فيها بين ذكر الأعضاء وذكر الأفعال الدالة على أصل المعنى للدلالة على أنه يدعو الله في أندر الأحوال ملابَسَةً للدعاء، وهي حالة تطلب الراحة وملازمة السكون.

ولذلك ابتدئ بذكر الجنب، وأما زيادة قوله: ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ فلقصد تعميم الأحوال وتكميلها، لأن المقام مقام الإطناب لزيادة تمثيل الأحوال، أي دعانا في سائر الأحوال لا يلهيه عن دعائنا شيء.

والجنب: واحد الجنوب.

وتقدم في قوله: ﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم ﴾ في سورة [براءة: 35].

والقعود: الجلوس.

والقيام: الانتصاب.

وتقدم في قوله: ﴿ وإذا أظلم عليهم قاموا ﴾ في سورة [البقرة: 20].

و (إذا) هٌّا لمجرد الظرفية وتوقيتتِ جوابها بشرطها، وليست للاستقبال كما هو غالب أحوالها لأن المقصود هنا حكاية حال المشركين في دعائهم الله عند الاضطرار وإعراضهم عنه إلى عبادة آلهتهم عند الرخاء، بقرينة قوله: كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } إذ جعلها حالاً للمسرفين.

وإذ عبر عن عملهم بلفظ ﴿ كانوا ﴾ الدال على أنه عملهم في ماضي أزمانهم، ولذلك جيء في شرطها وجوابها وما عطف عليهما بأفعال المضي لأن كون ذلك حالهم فيما مضى أدخلُ في تسجيله عليهم مما لو فرض ذلك من حالهم في المستقبل إذ لعل فيهم من يتعظ بهذه الآية فيقطع عن عمله هذا أو يساق إلى النظر في الحقيقة.

ولهذا فرع عليه جملة: ﴿ فلما كشفنا عنه ضره مرَّ ﴾ لأن هذا التفريع هو المقصود من الكلام إذ الحالة الأولى وهي المفرع عليها حالة محمودة لولا ما يعقبها.

والكشف: حقيقته إظهار شيء عليه ساتر أو غطاء.

وشاع إطلاقه على مطلق الإزالة.

إما على طريقة المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق، وإما على طريقة الاستعارة بتشبيه المزال بشيء ساتر لشيء.

والمرور: هنا مجازي بمعنى استبدال حالة بغيرها.

شُبه الاستبدال بالانتقال من مكان إلى آخر لأن الانتقال استبدال، أي انتقل إلى حال كحَال من لم يسبق له دعاؤُنا، أي نسي حالة اضطراره واحتياجه إلينا فصار كأنه لم يقع في ذلك الاحتياج.

و (كأنْ) مخففة كأنَّ، واسمها ضمير الشأن حذف على ما هو الغالب.

وعدي الدعاء بحرف (إلى) في قوله: ﴿ إلى ضر ﴾ دون اللام كما هو الغالب في نحو قوله: دعوت لما نابني مسورا *** على طريقة الاستعارة التبعية بتشبيه الضر بالعدو المفاجئ الذي يدعو إلى من فاجأه ناصراً إلى دفعه.

وجَعْل (إلى) بمعنى اللام بُعد عن بلاغة هذا النظم وخلط للاعتبارات البلاغية.

وجملة: ﴿ كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ تذييل يعم ما تقدم وغيره، أي هكذا التزيين الشيطاني زين لهم ما كانوا يعملون من أعمالهم في ماضي أزمانهم في الدعاء وغيره من ضلالاتهم.

وتقدم القول في معنى مَوقع (كذلك) في أمثال هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ في سورة [البقرة: 143] وقوله: ﴿ كذلك زينا لكل أمة عملهم ﴾ في سورة [الأنعام: 108]، فالإشارة إلى التزيين المستفاد هنا وهو تزيين إعراضهم عن دعاء الله في حالة الرخاء، أي مثلَ هذا التزيين العجيب زين لكل مُسرف عمله.

والإسراف: الإفراط والإكثار في شيء غير محمود.

فالمراد بالمسرفين هنا الكافرون.

واختير لفظ المسرفين} لدلالته على مبالغتهم في كفرهم، فالتعريف في المسرفين للاستغراق ليشمل المتحدث عنهم وغيرهم.

وأسند فعل التزيين إلى المجهول لأن المسلمين يعلمون أن المزين للمسرفين خواطرهم الشيطانية، فقد أسند فعل التزيين إلى الشيطان غيرَ مرة، أو لأن معرفة المزين لهم غيرُ مهمة ههنا وإنما المهم الاعتبار والاتعاظ باستحسانهم أعمالهم الذميمة استحساناً شنيطاً.

والمعنى أن شأن الأعمال الذميمة القبيحة إذا تكررت من أصحابها أن تصير لهم دُربة تُحسن عندهم قبائحها فلا يكادون يشعرون بقبحها فكيف يقلعون عنها كما قيل: يقضى على المرء في أيام محنته حتى يَرى حسناً ما ليس بالحسن <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إذا مَسَّهُ الضُّرُّ دَعا رَبَّهُ في هَذِهِ الأحْوالِ.

الثّانِي: دَعا رَبَّهُ فَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلى الدُّعاءِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ دعانا لجنبه ﴾ قال: مضطجعاً.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً ﴾ قال: على كل حال.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال: ادع الله يوم سرائك يستجب لك يوم ضرائك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ ﴾ أي: مضطجعا على جنبه؛ ولهذا المعنى عطف عليه بالحال، كقوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا  ﴾ فنسق ﴿ وَكَهْلًا ﴾ على ﴿ فِي الْمَهْدِ ﴾ ؛ لأن معناه: ويكلم الناس صغيرًا وكبيرًا، قال ابن الأنباري: وهذا كما يقول القائل إنا بخير وكثير صيدنا، فيعطف (كثيراً) على الباء، إذ تأويلها: إنا مخصبون (١) قال ابن عباس: إذا أصاب الكافر ما يكره من فقر أو مرض أو بلاءً أو شدة أخلص في الدعاء مضطجعًا كان أو قائمًا أو قاعدًا (٢) قال أبو إسحاق: وجائز أن يكون: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو مسه قاعدًا أو مسه قائمًا دعانا (٣) (٤) قال: ومما يزيد هذا القول فسادًا أنّ اللام في قوله (لجنبه) إذا انتصب بـ (مس) لم يجز أن يدخل بين (دعانا) وما يتعلق به كتعلق الصلة، والفاء في قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا ﴾ يتصل ما (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ ﴾ \[قال ابن عباس: فلما كشفنا عنه\] (٧) (٨) وقال الفراء: استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه البلاء (٩) وقال الزجاج: مرّ في العافية على ما كان عليه قبل (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ﴾ ، قال الأخفش: ﴿ كَأَنْ لَمْ ﴾ يريد: كأنه لم، فخففت، ومثله: ﴿ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ (١٣) (١٤) (١٥) وقال صاحب النظم في هذه الآية: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ﴾ : (وإذا) موضوعة للمستقبل، ثم قال: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا ﴾ وهذا واجب ماضٍ، فهذا النظم محمول على الاشتراك من أن المعنى فيه: إنه هكذا كان فيما مضى، وهكذا يكون في المستأنف، فدل ما فيه من [الفعل المستأنف على ما فيه من المعنى المستأنف، وما فيه من] (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، قال المفسرون: [يقول: كما زُين لهذا الكافر الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء، زُين للمسرفين عملهم (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) قال ابن عباس: يريد بالمسرفين: المشركين (٢٢) قال ابن كيسان: أسرفوا على أنفسهم إذ عبدوا الوثن (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (١) لم أجده.

(٢) ذكره المؤلف في "الوسيط " 2/ 540، وبنحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 12، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 209.

(٣) اهـ.

كلام أبي إسحاق الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 9.

(٤) ساقط من (م).

(٥) في (ى): (بما)، وهو خطأ.

(٦) لم أجد مصدره، وانظر: "التبيان في إعراب القرآن" ص 434، فقد ضعف أبو البقاء أيضاً قول الزجاج المذكور.

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٨) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 540 مختصرًا، و"زاد المسير" 4/ 12 بلا نسبة.

(٩) "معاني القرآن" 1/ 459.

(١٠) ساقط من (ى).

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 9.

(١٢) في (ى): (الجاهلية).

(١٣) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 369.

(١٤) في (م): (فيه).

(١٥) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 540، ولم أجده عند غيره.

(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(١٧) ذكره بنحوه الرازي في "تفسيره" 17/ 52، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 130.

(١٨) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 7 ب، والبغوي 4/ 124، وابن الجوزي 4/ 13.

(١٩) في (م): (بإسرارهم)، وهو خطأ.

(٢٠) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ عدا (م).

(٢١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 9.

(٢٢) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 209.

(٢٣) "الوسيط" 2/ 540، ولم أجده في مصدر آخر.

(٢٤) هو: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أبو الوليد، كبير قريش، واحد ساداتها في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، بل عاند وتكبر، وشهد بدرًا مع المشركين وقتل فيها سنة 2 هـ.

انظر: "السيرة النبوية" 1/ 276، "الأعلام" 4/ 200.

(٢٥) هو: الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، أبو عبد شمس، كان من قضاة العرب في الجاهلية، ومن زعماء قريش وأثريائها، أدرك الإسلام وهو هرم، فقاوم دعوته، وسعى لإطفاء نوره حتى هلك سنة 1 هـ.

انظر: "السيرة النبوية" 1/ 277، "الأعلام" 8/ 122.

(٢٦) "زاد المسير" 3/ 12، "الوسيط" 2/ 540.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ أي: لو يعجل الله للناس الشر كما يحبون تعجيل الخير لهلكوا سريعاً، ونزلت الآية عند قوم: في دعاء الإنسان على نفسه وماله وولده، وقيل: نزلت في الذين قالوا: ﴿ إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء ﴾ [الأنفال: 32] ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا ﴾ عتابٌ في ضمنه نهيٌ لمن يدعو الله عند الضر، ويغفل عنه عند العافية ﴿ لِجَنبِهِ ﴾ أي مضطجعاً، وروي أنها نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة لمرض كان به.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لقضي إليهم ﴾ مبنياً للفاعل ﴿ أجلهم ﴾ بالنصب: ابن عامر ويعقوب.

الآخرون مبنياً للمفعول ورفع ﴿ أجلهم ﴾ أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام ﴿ لي أن ﴾ بفتح الياء وكذلك ﴿ إني أخاف ﴾ : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ نفسي أن ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ ولأدراكم ﴾ بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة.

وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا.

الباقون:مثله ولكن بالتفخيم.

﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ أجلهم ﴾ ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ أو قائماً ﴾ ط ﴿ مسه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ ليؤمنوا ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أو بدله ﴾ ط.

﴿ نفسي ﴾ ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد ﴿ إليّ ﴾ ط ج لمثل ما قلنا ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ به ﴾ ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى ﴿ من قبله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاختلفوا ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ فانتظروا ﴾ ج لاحتمال الابتداء أو التعليل ﴿ المنتظرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً  بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى.

ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ الآية.

وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف.

وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.

كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا.

قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير.

فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم.

وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر.

فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم.

وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه  وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب.

وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به.

ثم إن قوله ﴿ لو يعجل ﴾ كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله ﴿ فنذرهم ﴾ معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى.

ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ أي هذا الجنس ﴿ دعانا لجنبه ﴾ اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا.

وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه.

والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء.

ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها.

أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء.

قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر.

ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر.

وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله  : ﴿ هل أتى على الإنسان  ﴾ إلا أن يساعده نقل صحيح.

والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه.

قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب.

ومعنى ﴿ مرّ ﴾ مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه.

ومعنى ﴿ كأن لم يدعنا ﴾ كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ من تتبع الشهوات.

والمزين هو الله  أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً.

قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام.

والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا.

ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ﴿ ولقد أهلكنا القرون ﴾ وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ﴿ ولما ﴾ ظرف لأهلكنا والواو في ﴿ وجاءتهم ﴾ للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم ﴿ رسلهم ﴾ بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات.

وقوله: ﴿ وما كانوا ليؤمنوا ﴾ إما أن يكون عطفاً على ﴿ ظلموا ﴾ أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله  .

ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله  بقوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ أي استخلفناكم ﴿ في الأرض ﴾ بعد تلك القرون ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ خيراً أو شراً.

استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف".

قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار.

ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.

طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها.

فأمره الله  أن يقول في جوابهم ﴿ ما يكون لي ﴾ أي ما ينبغي وما يحل ﴿ أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى.

ثم أكد الجواب بقوله: ﴿ إن أتبع ﴾ أي ما أتبع ﴿ إلا ما يوحى إلي ﴾ إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل.

وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي.

ونقل عن ابن عباس أن قوله: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.

قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية.

فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين  ﴾ .

ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك.

ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله  وأنه غير مستبد في إيراده فقال: ﴿ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ﴾ ولا أعلمكم الله ﴿ به ﴾ على لساني.

ومن قرأ بلام الابتداء.

فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري.

وقرىء ﴿ لا أدرأكم به ﴾ بالهمزة.

ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع.

ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ﴿ فقد لبثت فيكم عمراً ﴾ أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل نزول القرآن ﴿ أفلا تعقلون ﴾ فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية.

وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول  إلى الله لم يكن أحد أظلم منه.

ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ﴾ إن لم يعبدوه ﴿ ولا ينفعهم ﴾ إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً.

وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون  ﴾ ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور.

تقول: ما علم الله ذلك مني.

والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط.

وفي قوله: ﴿ في السموات ولا في الأرض ﴾ تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم.

قوله: {  وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي  أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله  تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به.

ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا.

وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة  ﴾ والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لقضى بينهم ﴾ عاجلاً ولميز المحق من المبطل.

ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله: ﴿ لولا نزل عليه آية من ربه  ﴾ كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً.

﴿ فقال إنما الغيب لله ﴾ هو المختص بعلمه ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ .

كأن الآية على الإخبار كأنه قال: ولو يعجل الله للناس الشر إذا استعجلوه كما يعجل لهم الخير إذا استعجلوه - لقضي إليهم أجلهم؛ لأنه ليس يذكر في ظاهر الآية استعجالهم الشر إنما يذكر تعجيله، ولكن فيه ما ذكر من الإضمار إضمار الاستعجال، ومنه ما ذكر في غير آية من القرآن استعجالهم العذاب؛ كقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ الآية [النحل: 1]، وقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً ﴾ الآية [الأنفال: 32] ونحو ذلك، كانوا يستعجلون العذاب استعجال تضرع، فيقول: لو عجل لهم العذاب إذا استعجلوه كما يعجل لهم الخير إذا استعجلوه - لقضي أجلهم، يقول: لهلكوا أو فنوا، هذا التأويل في أهل الكفر خاصة عند استعجالهم العذاب استعجال تضرع وسؤال، ويشبه أن يكون هذا في جملة الخلق على غير تصريح سؤال، ولكن عند ارتكابهم الشر بقوله: لو يعجل الله للناس الشر باكتسابهم الشر وبارتكابهم إياه [وقت اكتسابهم، كما يعجل لهم الخير] وقت اكتسابهم الخير - لقضي إليهم أجلهم، أي: لو عجل لهم جزاء شرهم وقت اكتسابهم الشر، كما يعجل لهم جزاء خيرهم، لكان ما ذكر ما يستوجبون بارتكابهم الشر وقت فعلهم إياه لقضي إليهم أجلهم، لكنه لم يعجل لهم ذلك وأخره إلى المدة التي جعل لآجالهم.

ويمكن وجه آخر: وهو ما يدعو بعضهم على بعض باللعن والخزي، يقول الرجل عند شدة الغضب: اللهم العن فلانا، اللهم أخزه، ونحو ذلك من الدعوات، يقول: لو عجل لهم هذا كما يعجل لهم عند دعاء بعضهم لبعض بالرحمة والسعة - لقضي إليهم أجلهم؛ لهلكوا وفنوا، ويكون ذلك انقضاء أجلهم، ويكون ذلك على وجوه ثلاثة.

أحدها: استعجال سؤال وتضرع، الذي ذكرنا.

والثاني: بأفعالهم وارتكابهم الشر وقت ارتكابهم.

والثالث: الأسباب التي بها يرتكبون ويفعلون.

وقوله: ﴿ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ يحتمل: لقضي [أجلهم قبل المدة التي جعل لهم.

والثاني: لقضي أجلهم؛ أي: يجعل أجلهم ذلك، ففيه دلالة ألاَّ يهلك أحد قبل أجله و] لا يقدم ولا يؤخر، فهو ما ذكر: ﴿ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

هو ما ذكرنا أن من حكمه ألا يعاقب.

أحداً من الكفرة في [الدنيا بصنيعه] الذي صنع، وقد يعجل لهم جزاء خيراتهم في الدنيا؛ كما ساق إليهم من أنواع النعم، ولكن من حكمه أن يؤخر عقوبتهم إلى يوم القيامة؛ فذلك تأويله، والله أعلم.

﴿ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ أي: نتركهم يترددون في أعمالهم، [وجرمهم إلى] الوقت الذي وعد لهم العذاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾ : قال بعض أهل التأويل: إن جميع ما ذُكر في القرآن الإنسان فالمراد منه الكافر؛ من ذلك قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلْعَصْرِ  إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ  ﴾ ونحوه، لكن هذا لا نعلم أنه أراد به الكافر، فلئن كان ما ذكروا فإن أهل الإيمان يدخلون في هذا الخطاب، إذا كان منهم ما يكون من الكفرة؛ لأن من أهل الإيمان من يقبل على الدعاء والتضرع إلى الله عند مس الحاجة والشدة، فإذا انجلى ذلك وانكشف عنه ترك ذلك الدعاء الذي كان دعا، وذلك التضرع الذي كان يتضرع إليه، فدخل في ذلك.

ثم قوله: ﴿ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾ : ليس على إرادة حقيقة الجنب والقعود والقيام، ولكن على الدعاء في كل حال، أي: يدعونه في كل حال؛ لما عرفوا أن الذين كانوا يعبدون من دون الله لا يملكون دفع ما حل بهم من الشدائد والمضار - أقبلوا على الله بالتضرع والدعاء إليه في كشف ذلك عنهم.

ثم أخبر عن سفههم وشدة تعنتهم وعودهم إلى الحال التي كانوا من قبل فقال: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾ : يقول - والله أعلم -: مر كأن لم يدعنا قد نسينا في الرخاء كأن لم يعرفنا [واستمر على ترك الدعاء في الرخاء، وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ ﴾ عرفنا ما كانوا يعملون والإسراف هو العدوان] والتعدي عن الحد الذي جعل له وهو وضع الأموال والأنفس في الموضع الذي لا ينتفعون بها في عبادة الأصنام وغيرها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا أصاب الإنسانَ المسرف على نفسه مرض أو سوء حال، دعانا متذللًا متضرعًا مضطجعًا على جنبه أو قاعدًا أو قائمًا؛ رجاء أن يُزَال ما به من ضر، فلما استجبنا دعاءه، وأزلنا ما به من ضر مضى على ما كان عليه كأنه لم يدعنا لكشف ضر أصابه، كما زُيِّن لهذا المعرض الاستمرار في ضلاله زُيِّن للمتجاوزين للحدود بكفرهم ما كانوا يعملونه من الكفر والمعاصي، فلا يتركونه.

<div class="verse-tafsir" id="91.emoX1"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل