الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٥ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 77 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٥ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش الجاحدين الحق المعرضين عنه ، أنهم إذا قرأ عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب الله وحججه الواضحة قالوا له : ( ائت بقرآن غير هذا ) أي : رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر ، أو بدله إلى وضع آخر ، قال الله لنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه ، ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) أي : ليس هذا إلي ، إنما أنا عبد مأمور ، ورسول مبلغ عن الله ، ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم )
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا قرئ على هؤلاء المشركين آيات كتاب الله الذي أنـزلنَاه إليك ، يا محمد (1) ، (بينات)، واضحات ، على الحق دالاتٍ (2) ، (قال الذين لا يرجون لقاءنا)، يقول: قال الذين لا يخافون عقابنا ، ولا يوقنون بالمعاد إلينا ، ولا يصدّقون بالبعث ، (3) لك ، (ائت بقرآن غير هذا أو بدّله) ، يقول: أو غيِّره (4) ، (قل) لهم ، يا محمد ، (ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي) ، أي: من عندي.
(5) * * * والتبديل الذي سألوه ، فيما ذكر، أن يحوّل آية الوعيد آية وعد ، وآية الوعد وعيدًا والحرامَ حلالا والحلال حرامًا، فأمر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم أن ذلك ليس إليه، وأن ذلك إلى من لا يردّ حكمه ، ولا يُتَعَقَّب قضاؤه، وإنما هو رسول مبلّغ ومأمور مُتّبع.
* * * وقوله: (إن أتبع إلا ما يوحى إليّ) ، يقول: قل لهم: ما أتبع في كل ما آمركم به أيها القوم ، وأنهاكم عنه ، إلا ما ينـزله إليّ ربي ، ويأمرني به (6) ، ( إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) ، يقول: إني أخشى من الله إن خالفت أمره ، وغيَّرت أحكام كتابه ، وبدّلت وَحيه، فعصيته بذلك، عذابَ يوم عظيمٍ هَوْلُه، وذلك: يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتَضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى.
(7) ----------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " تلا " فيما سلف 13 : 502 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " بينات " فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .
(3) انظر تفسير " الرجاء " فيما سلف ص : 34 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(4) انظر تفسير " التبديل " فيما سلف 11 : 335 / 12 : 62 ، وفهارس اللغة ( بدل ) .
(5) انظر تفسير " تلقاء " فيما سلف 12 : 466 .
(6) انظر تفسير " الوحي " فيما سلف من فهارس اللغة ( وحي ) .
(7) هذا تضمين لآية سورة الحج : 2 .
قوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيمقوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا تتلى تقرأ ، وبينات نصب على الحال ; أي واضحات لا لبس فيها ولا إشكال .قال الذين لا يرجون لقاءنا يعني لا يخافون يوم البعث والحساب ولا يرجون الثواب .
قال قتادة : يعني مشركي أهل مكة .ائت بقرآن غير هذا أو بدله والفرق بين تبديله والإتيان بغيره أن تبديله لا يجوز أن يكون معه ، والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه ; وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه :أحدها : أنهم سألوه أن يحول الوعد وعيدا والوعيد وعدا ، والحلال حراما والحرام حلالا ; قاله ابن جرير الطبري .الثاني : سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم ; قاله ابن عيسى .الثالث : أنهم سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور ; قاله الزجاج .الثانية : قوله تعالى قل ما يكون لي أي قل يا محمد ما كان لي أن أبدله من تلقاء نفسي ومن عندي ، كما ليس لي أن ألقاه بالرد والتكذيب .إن أتبع إلا ما يوحى إلي أي لا أتبع إلا ما أتلوه عليكم من وعد ووعيد ، وتحريم وتحليل ، وأمر ونهي .
وقد يستدل بهذا من يمنعنسخ الكتاب بالسنة ; لأنه تعالى قال : قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي وهذا فيه بعد ; فإن الآية وردت في طلب المشركين مثل القرآن نظما ، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قادرا على ذلك ، ولم يسألوه تبديل الحكم دون اللفظ ; ولأن الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان وحيا لم يكن من تلقاء نفسه ، بل كان من عند الله تعالى .الثالثة : قوله تعالى إني أخاف إن عصيت ربي أي إن خالفت في تبديله وتغييره أو في ترك العمل به .عذاب يوم عظيم يعني يوم القيامة .
يذكر تعالى تعنت المكذبين لرسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنهم إذا تتلى عليهم آيات الله القرآنية المبينة للحق، أعرضوا عنها، وطلبوا وجوه التعنت فقالوا، جراءة منهم وظلما: {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} فقبحهم الله، ما أجرأهم على الله، وأشدهم ظلما وردا لآياته. فإذا كان الرسول العظيم يأمره الله، أن يقول لهم: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي} أي: ما ينبغي ولا يليق {أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} فإني رسول محض، ليس لي من الأمر شيء، {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} أي: ليس لي غير ذلك، فإني عبد مأمور، {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} فهذا قول خير الخلق وأدبه مع أوامر ربه ووحيه، فكيف بهؤلاء السفهاء الضالين، الذين جمعوا بين الجهل والضلال، والظلم والعناد، والتعنت والتعجيز لرب العالمين، أفلا يخافون عذاب يوم عظيم؟".
قوله عز وجل : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) قال قتادة : يعني مشركي مكة .
وقال مقاتل هم خمسة نفر : عبد الله بن أمية المخزومي ، والوليد بن المغيرة ، ومكرز بن حفص ، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري ، والعاص بن عامر بن هاشم .
( قال الذين لا يرجون لقاءنا ) هم السابق ذكرهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كنت تريد أن نؤمن بك ( ائت بقرآن غير هذا ) ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومناة ، وليس فيه عيبها ، وإن لم ينزلها الله فقل أنت من عند نفسك ، ( أو بدله ) فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة ، أو مكان حرام حلالا أو مكان حلال حراما ، ( قل ) لهم يا محمد ، ( ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) من قبل نفسي ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) أي : ما أتبع إلا ما يوحى إلي فيما آمركم به وأنهاكم عنه ، ( إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) .
«وإذا تُتلى عليهم آياتنا» القرآن «بينات» ظاهرات حال «قال الذين لا يرجون لقاءنا» لا يخافون البعث «ائت بقرآن غير هذا» ليس فيه عيب آلهتنا «أو بدله» من تلقاء نفسك «قل» لهم «ما يكون» ينبغي «لي أن أبدله من تلقاء» قبل «نفسي إن» ما «أتبع إلا ما يوحي إليّ إني أخاف إن عصيت ربي» بتبديله «عذاب يوم عظيم» هو يوم القيامة.
وإذا تتلى على المشركين آيات الله التي أنزلناها إليك -أيها الرسول- واضحات، قال الذين لا يخافون الحساب، ولا يرجون الثواب، ولا يؤمنون بيوم البعث والنشور: ائت بقرآن غير هذا، أو بدِّل هذا القرآن: بأن تجعل الحلال حرامًا، والحرام حلالا والوعد وعيدًا، والوعيد وعدًا، وأن تُسْقط ما فيه مِن عيب آلهتنا وتسفيه أحلامنا، قل لهم -أيها الرسول-: إن ذلك ليس إليَّ، وإنما أتبع في كل ما آمركم به وأنهاكم عنه ما ينزله عليَّ ربي ويأمرني به، إني أخشى من الله -إن خالفت أمره- عذاب يوم عظيم وهو يوم القيامة.
ثم حكى - سبحانه - بعض المقترحات الفاسدة التى اقترحها المشركون على النبي - صلى الله عليه وسلم - ورد عليها بما يبطلها فقال - تعالى - :( وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا .
.
.
) .قال الآلوسى ما ملخصه : " عن مقاتل قال : إن الآية ( وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا .
.
) نزلت في جماعة من قريش قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن كنت تريد أن نؤمن لك ، فأت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى وليس فيه ما يعيبها ، وإن لم ينزل الله - تعالى - عليك ذلك فقل أنت هذا من نفسك ، أو بدله فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة ، ومكان حرام حلال ، ومكان حلال حراما .والمعنى : وإذا تتلى على أولئك المشركين آياتنا الواضحة المنزلة عليك - يا محمد - قالوا على سبل العناد والحسد : ائت بقرآن آخر سوى هذا القرآن الذى تتلوه علينا ، أو بدله بأن تجعل مكان الآية التى فيها سب لآلهتنا ، آية أخرى فيها مدح لها .وفي الآية الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة ، إظهاراً للإِعراض عنهم ، حتى لكأنهم غير حاضرين ، وغير أهل لتوجيه الخطاب إليهم .والمراد بالآيات : الآيات القرآنية الدالة على وحدانية الله - تعالى - وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه ، وأضافها - سبحانه - إليه على سبيل التشريف والتعظيم ، وأسند التلاوة إلى الآيات بصيغة المبني للمفعول ، للإِشارة إلى أن هذه الآيات لوضوجها ، ولمعرفتهم التامة لتاليها ، صارت بغير حاجة إلى تعيين تاليها - صلى الله عليه وسلم - .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : فماذا كان غرضهم - وهم أدهى الناس وأمكرهم - في هذا الاقتراح؟
"قلت : الكبد والمكر .
أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من عندك وأنك قادر على مثله ، فأبدل مكانه آخر ، وأما اقتراح التبديل فللطمع ولاختبار الحال ، وأنه إذا وجد منه تبديل ، فإما أن يهلكه الله فينجوا هم منه أو لا يهلكه فيسخروا منه ، ويجعلوا التبديل حجة عليه ، وتصحيحا لافترائه على الله .وقوله : ( قُلْ مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) هذا القول أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بما يزهق باطلهم .وكلمة ( تلقاء ) مصدر من اللقاء كتبيان من البيان ، وكسر التاء فيهما سماعي ، والقياس في هذا المصدر فتحها كالتكرار والتطواف والتجوال .والمعنى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التوبيخ : لا يصح لي بحال من الأحوال ، أن أبدل هذا القرآن من عند نفسي ومن جهتها؛ وإنما أنا أبلغكم ما أنزل الله على منه ، بدون زيادة أو نقصان ، أو تغيير أو تبديل .وقوله : ( إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) تعليل لمضمون ما قبله من امتناع الإِتيان بغيره أو تبديله ، والاقتصار على اتباع الوحي .أي : إني أخاف إن عصيت ربي أية معصية ، عذاب يوم عظيم الهول ، وإذا كان شأني أن أخشاه - سبحانه - من أية معصية ولو كانت صغيرة ، فكيف لا أخشاه إن عصيت بتبديل كلامه استجابة لأهوائكم؟
فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا الكلام هو النوع الثالث من شبهاتهم وكلماتهم التي ذكروها في الطعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، حكاها الله تعالى في كتابه وأجاب عنها.
واعلم أن من وقف على هذا الترتيب الذي نذكره، علم أن القرآن مرتب على أحسن الوجوه.
المسألة الثانية: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن خمسة من الكفار كانوا يستهزئون بالرسول عليه الصلاة والسلام وبالقرآن.
الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن حنظلة، فقتل الله كل رجل منهم بطريق آخر، كما قال: ﴿ إِنَّا كفيناك المستهزءين ﴾ فذكر الله تعالى أنهم كلما تلي عليهم آيات: ﴿ قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدّلْهُ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أن وصفهم بأنهم لا يرجون لقاء الله أريد به كونهم مكذبين بالحشر والنشر، منكرين للبعث والقيامة، ثم في تقرير حسن هذه الاستعارة وجوه: الأول: قال الأصم: ﴿ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ﴾ أي لا يرجون في لقائنا خيراً على طاعة، فهم من السيئات أبعد أن يخافوها.
الثاني: قال القاضي: الرجاء لا يستعمل إلا في المنافع، لكنه قد يدل على المضار من بعض الوجوه، لأن من لا يرجو لقاء ما وعد ربه من الثواب، وهو القصد بالتكليف، لا يخاف أيضاً ما يوعده به من العقاب، فصار ذلك كناية عن جحدهم للبعث والنشور.
واعلم أن كلام القاضي قريب من كلام الأصم، إلا أن البيان التام أن يقال: كل من كان مؤمناً بالبعث والنشور فإنه لابد وأن يكون راجياً ثواب الله وخائفاً من عقابه، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم، فلزم من نفي الرجاء نفي الإيمان بالبعث.
فهذا هو الوجه في حسن هذه الاستعارة.
البحث الثاني: أنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أمرين على البدل: فالأول: أن يأتيهم بقرآن غير هذا القرآن.
والثاني: أن يبدل هذا القرآن وفيه إشكال، لأنه إذا بدل هذا القرآن بغيره، فقد أتى بقرآن غير هذا القرآن، وإذا كان كذلك كان كل واحد منهما شيئاً واحداً.
وأيضاً مما يدل على أن كل واحد منهما هو عين الآخر أنه عليه الصلاة والسلام اقتصر في الجواب على نفي أحدهما، وهو قوله: ﴿ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى ﴾ وإذا ثبت أن كل واحد من هذين الأمرين هو نفس الآخر، كان إلقاء اللفظ على الترديد والتخيير فيه باطلاً.
والجواب: أن أحد الأمرين غير الآخر، فالإتيان بكتاب آخر، لا على ترتيب هذا القرآن ولا على نظمه، يكون إتياناً بقرآن آخر، وأما إذا أتى بهذا القرآن إلا أنه وضع مكان ذم بعض الأشياء مدحها، ومكان آية رحمة آية عذاب، كان هذا تبديلاً، أو نقول: الإتيان بقرآن غير هذا هو أن يأتيهم بكتاب آخر سوى هذا الكتاب.
مع كون هذا الكتاب باقياً بحاله، والتبديل هو أن يغير هذا الكتاب.
وأما قوله: إنه اكتفى في الجواب على نفي أحد القسمين.
قلنا: الجواب المذكور عن أحد القسمين هو عين الجواب عن القسم الثاني.
وإذا كان كذلك وقع الاكتفاء بذكر أحدهما عن ذكر الثاني.
وإنما قلنا: الجواب عن أحد القسمين عين الجواب عن الثاني لوجهين: الأول: أنه عليه الصلاة والسلام لما بين أنه لا يجوز أن يبدله من تلقاء نفسه، لأنه وارد من الله تعالى ولا يقدر على مثله، كما لا يقدر سائر العرب على مثله، فكان ذلك متقرراً في نفوسهم بسبب ما تقدم من تحديه لهم بمثل هذا القرآن، فقد دلهم بذلك على أنه لا يتمكن من قرآن غير هذا.
والثاني: أن التبديل أقرب إلى الإمكان من المجيء بقرآن غير هذا القرآن، فجوابه عن الأسهل يكون جواباً عن الأصعب، ومن الناس من قال: لا فرق بين الإتيان بقرآن غير هذا القرآن وبين تبديل هذا القرآن، وجعل قوله: ﴿ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ ﴾ جواباً عن الأمرين، إلا أنه ضعيف على ما بيناه.
المسألة الثالثة: اعلم أن إقدام الكفار على هذا الالتماس يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء، مثل أن يقولوا: إنك لو جئتنا بقرآن آخر غير هذا القرآن أو بدلته لآمنا بك، وغرضهم من هذا الكلام السخرية والتطير.
والثاني: أن يكونوا قالوه على سبيل الجد، وذلك أيضاً يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكونوا قالوا ذلك على سبيل التجربة والامتحان، حتى إنه إن فعل ذلك، علموا أنه كان كذاباً في قوله: إن هذا القرآن نزل عليه من عند الله.
وثانيها: أن يكون المقصود من هذا الالتماس أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم والطعن في طرائقهم، وهم كانوا يتأذون منها، فالتمسوا كتاباً آخر ليس فيه ذلك.
وثالثها: أن بتقدير أن يكونوا قد جوزوا كون هذا القرآن من عند الله، التمسوا منه أن يلتمس من الله نسخ هذا القرآن وتبديله بقرآن آخر.
وهذا الوجه أبعد الوجوه.
واعلم أن القوم لما ذكروا ذلك أمره الله تعالى أن يقول: إن هذا التبديل غير جائز مني ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ ﴾ ثم بين تعالى أنه بمنزلة غيره في أنه متوعد بالعذاب العظيم إن عصى.
ويتفرع على هذه الآية فروع: الفرع الأول: أن قوله: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ ﴾ معناه: لا أتبع إلا ما يوحى إلي، فهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما حكم إلا بالوحي، وهذا يدل على أنه لم يحكم قط بالاجتهاد.
الفرع الثاني: تمسك نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: دل هذا النص على أنه عليه الصلاة والسلام ما حكم إلا بالنص.
فوجب أن يجب على جميع الأمة أن لا يحكموا إلا بمقتضى النص لقوله تعالى: ﴿ واتبعوه ﴾ الفرع الثالث: نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن ذلك منسوخ بقوله: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ وهذا بعيد لأن النسخ إنما يدخل في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.
الفرع الرابع: قالت المعتزلة: إن قوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ مشروط بما يكون واقعاً بلا توبة ولا طاعة أعظم منها، ونحن نقول فيه تخصيص ثالث.
وهو أن لا يعفو عنه ابتداء، لأن عندنا يجوز من الله تعالى أن يعفو عن أصحاب الكبائر.
<div class="verse-tafsir"
غاظهم ما في القرآن من ذمّ عبادة الأوثان والوعيد للمشركين، فقالوا: ﴿ ائت بِقُرْءانٍ ﴾ آخر ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك ﴿ أَوْ بَدّلْهُ ﴾ بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة، وتسقط ذكر الآلهة وذمّ عبادتها.
فأمر بأن يجيب عن التبديل، لأنه داخل تحت قدرة الإنسان، وهو أن يضع مكان آية عذاب آية رحمة مما أنزل، وأن يسقط ذكر الآلهة.
وأما الإتيان بقرآن آخر، فغير مقدور عليه للإنسان ﴿ مَا يَكُونُ لِى ﴾ ما ينبغي لي وما يحلّ، كقوله تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ ﴾ [المائدة: 116] .
﴿ أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى ﴾ من قبل نفسي.
وقرئ: بفتح التاء: من غير أن يأمرني بذلك ربي ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ ﴾ لا آتي ولا أذر شيئاً من نحو ذلك، إلاّ متبعاً لوحي الله وأوامره، إن نسخت آية تبعت النسخ، وأن بدِّلت آية مكان آية تبعت التبديل، وليس إليّ تبديل ولا نسخ ﴿ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى ﴾ بالتبديل والنسخ من عند نفسي ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
فإن قلت: أما ظهر وتبين لهم العجز عن الإتيان بمثل القرآن حتى قالوا: ﴿ ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا ﴾ ؟
قلت: بلى، ولكنهم كانوا لا يعترفون بالعجز، وكانوا يقولون: لو نشاء لقلنا مثل هذا.
ويقولون: افترى على الله كذباً، فينسبونه إلى الرسول ويزعمونه قادراً عليه وعلى مثله.
مع علمهم بأنّ العرب مع كثرة فصحائها وبلغائها إذا عجزوا عنه، كان الواحد منهم أعجز.
فإن قلت: لعلهم أرادوا: ائت بقرآن غير هذا أو بدّله، من جهة الوحي كما أتيت بالقرآن من جهته.
وأراد بقوله: ﴿ مَا يَكُونُ لِى ﴾ ما يتسهل لي وما يمكنني أن أُبدّله.
قلت: يردّه قوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى ﴾ .
فإن قلت: فما كان غرضهم وهم أدهى الناس وأنكرهم في هذا الاقتراح؟
قلت: الكيد والمكر.
أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن، ففيه أنه من عندك وأنك قادر على مثله، فأبدل مكانه آخر، وأما اقتراح التبديل والتغيير، فللطمع ولاختبار الحال.
وأنه إن وجد منه تبديل، فإما أن يهلكه الله فينجو منه، أو لا يهلكه فيسخروا منه، ويجعلوا التبديل حجة عليه وتصحيحاً لافترائه على الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.
﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا ﴾ بِكِتابٍ آخَرَ نَقْرَؤُهُ لَيْسَ فِيهِ ما نَسْتَبْعِدُهُ مِنَ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ ما نَكْرَهُهُ مِن مَعايِبِ آلِهَتِنا.
﴿ أوْ بَدِّلْهُ ﴾ بِأنْ تَجْعَلَ مَكانَ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ذَلِكَ آيَةً أُخْرى ولَعَلَّهم سَألُوا ذَلِكَ كَيْ يُسْعِفَهم إلَيْهِ فَيَلْزَمُوهُ.
﴿ قُلْ ما يَكُونُ لِي ﴾ ما يَصِحُّ لِي.
﴿ أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ﴾ مِن قِبَلِ نَفْسِي وهو مَصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا، وإنَّما اكْتُفِيَ بِالجَوابِ عَنِ التَّبْدِيلِ لِاسْتِلْزامِ امْتِناعِهِ امْتِناعَ الإتْيانِ بِقُرْآنٍ آخَرَ.
﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يَكُونُ فَإنَّ المُتْبِعَ لِغَيْرِهِ في أمْرٍ لا يَسْتَبِدُّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، وجَوابٌ لِلنَّقْضِ بِنَسْخِ بَعْضِ الآياتِ بِبَعْضٍ ورَدٌّ لِما عَرَضُوا لَهُ بِهَذا السُّؤالِ مِن أنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ واخْتِراعُهُ ولِذَلِكَ قَيَّدَ التَّبْدِيلَ في الجَوابِ وسَمّاهُ عِصْيانًا فَقالَ: ﴿ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ أيْ بِالتَّبْدِيلِ.
﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِهَذا الِاقْتِراحِ.
<div class="verse-tafsir"
{وإذا تتلى عليهم آياتنا بَيّنَاتٍ} حال {قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} لما غاظهم ما في القرآن من ذم عبادة الأوثان والوعيد لأهل الطغيان {ائت بقرآن غَيْرِ هذا} ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك {أَوْ بَدّلْهُ} بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة وتسقط ذكر الآلهة وذم عبادتها فأمر بأن يجيب عن التبديل لأنه داخل تحت قدرة الإنسان وهو أن يضع مكان آية عذاب آية رحمة وأن يسقط ذكر الآلهة بقوله {قُلْ مَا يَكُونُ لِي} ما يحل لي {أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تلقاء نَفْسِي} من قبل نفسي {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ} لا أتبع إلا وحي الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تبديل لأن الذي أتيت به من عند الله لا من عندي فأبدله {إِنّى أَخَافُ إن عصيت ربي} بالتبدليل من عند نفسي {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي يوم القيامة وأما الايتان بقرآن آخر فلا يقدر عليه الإنسان وقد ظهر لهم العجز عنه إلا أنهم كانوا لا يعترفون بالعجز ويقولون لو نشاء لقلنا مثل هذا ولا يحتمل أن يريدوا بقوله أئت بقرآن غير هذا أو بدله من جهة الوحي لقوله إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عظيم وغرضهم في هذا الاقتراح الكيد أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من عندك وأنك قادر على مثله فأبدل مكانه آخر وأما اقتراح التبديل فلاختيار الحا ل وأنه إن وجد منه تبديل فإما أن يهلكه الله فينجوا منه أولا يهلكه فيسخروا منه فيجعلوا التبديل حجة عليه وتصحيحاً لإفترائه على الله
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ التِفاتٌ مِن خِطابِهِمْ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم وتَوْجِيهًا لِلْخِطابِ إلى سَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَعْدِيدِ جِناياتِهِمُ المُضادَّةِ لِما أُرِيدَ مِنهم بِالِاسْتِخْلافِ مِنَ التَّكْذِيبِ والكُفْرِ بِالآياتِ البَيِّناتِ وغَيْرِ ذَلِكَ كَدَأْبِ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ المُهْلِكَةِ وصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ جَوابِهِمُ الآتِي حَسَبَ تَجَدُّدِ التِّلاوَةِ والمُرادُ بِالآياتِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ وقِيلَ: ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، والإضافَةُ لِتَشْرِيفِ المُضافِ والتَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِهِ والتَّرْهِيبِ عَنْ تَكْذِيبِهِ ونَصْبُ ﴿ بَيِّناتٍ ﴾ عَلى الحالِ أيْ حالَ كَوْنِها واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ وإيرادُ فِعْلِ التِّلاوَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُسْنَدًا إلى الآياتِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبِنائِهِ لِلْفاعِلِ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ الحاجَةِ لِتَعْيِينِ التّالِي ولِلْإيذانِ بِأنَّ كَلامَهم في نَفْسِ المَتْلُوِّ ولَوْ تَلاهُ رَجُلٌ مَن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٌ ﴿ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ وضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ إشْعارًا بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ المُعَظَّمَةِ المَحْكِيَّةِ عَنْهم وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ أيْ قالُوا لِمَن يَتْلُوها عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا ﴾ أشارُوا بِهَذا إلى القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى تِلْكَ الآياتِ لا إلى أنْفُسِها فَقَطْ قَصْدًا إلى إخْراجِ الكُلِّ مِنَ البَيْنِ أيِ ائْتِ بِكِتابٍ آخَرَ نَقْرَؤُهُ لَيْسَ فِيهِ ما نَسْتَبْعِدُهُ مِنَ البَعْثِ وتَوابِعِهِ أوْ ما نَكْرَهُهُ مِن ذَمِّ آلِهَتِنا والوَعِيدِ عَلى عِبادَتِها ﴿ أوْ بَدِّلْهُ ﴾ بِأنْ تَجْعَلَ مَكانَ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ذَلِكَ آيَةً أُخْرى ولَعَلَّهم إنَّما سَألُوا ذَلِكَ كَيْدًا وطَمَعًا في إجابَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَتَوَسَّلُوا إلى الإلْزامِ والِاسْتِهْزاءِ ولَيْسَ مُرادَهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوْ أجابَهم آمَنُوا ﴿ قُلْ ﴾ أيُّها الرَّسُولُ لَهم ﴿ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ ﴾ المَصْدَرُ فاعِلُ يَكُونُ وهي مِن كانَ التّامَّةِ وتُفَسَّرُ بِوَجَدَ ونَفْيُ الوُجُودِ قَدْ يُرادُ بِهِ نَفْيُ الصِّحَّةِ فَإنَّ وُجُودَ ما لَيْسَ بِصَحِيحٍ كَلا وُجُودٍ فالمَعْنى هُنا ما يَصِحُّ لِي أصْلًا تَبْدِيلُهُ ﴿ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ﴾ أيْ مِن جِهَتِي ومِن عِنْدِي وأصْلُ تِلْقاءَ مَصْدَرٌ عَلى تَفْعالِ التّاءِ ولَمْ يَجِئْ مَصْدَرٌ بِكَسْرِها غَيْرُهُ وغَيْرُ تِبْيانٍ في المَشْهُورِ وقُرِئَ شاذًّا بِالفَتْحِ وهو القِياسُ في المَصادِرِ الدّالَّةِ عَلى التَّكْرارِ كالتَّطْوافِ والتَّجْوالِ وقَدْ خَرَجَ هُنا مِن ذَلِكَ إلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ والجَرُّ بِمَن لا يُخْرِجُ الظَّرْفَ عَنْ ظَرْفِيَّتِهِ ولِذا اخْتُصَّتِ الظُّرُوفُ الغَيْرُ المُتَصَرِّفَةِ كَعِنْدَ بِدُخُولِها عَلَيْها ومِنَ النّاسِ مَن وهِمَ في ذَلِكَ وقَصَرَ الجَوابَ بِبَيانِ امْتِناعِ ما اقْتَرَحُوهُ عَلى اقْتِراحِهِمُ الثّانِي لِلْإيذانِ بِأنَّ اسْتِحالَةَ ما اقْتَرَحُوهُ أوَّلًا مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى بَيانِها ولِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الثّانِي يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الأوَّلِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى فَهو بِحَسَبِ المَآلِ والحَقِيقَةُ جَوابٌ عَنِ الأمْرَيْنِ ﴿ إنْ أتَّبِعُ ﴾ أيْ ما أتَّبِعُ فِيما آتى وأذَرُ ﴿ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ لَهُ في شَيْءٍ أصْلًا عَلى مَعْنى قِصَرِ حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى اتِّباعِ ما يُوحى لا قِصَرِ اتِّباعِهِ عَلى ما يُوحى إلَيْهِ كَما هو المُتَبادَرُ مِن ظاهِرِ العِبارَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانًا لِما يَكُونُ فَإنَّ مِن شَأْنِهِ اتِّباعَ الوَحْيِ عَلى ما هو عَلَيْهِ لا يَسْتَقِلُّ بِشَيْءٍ دُونَهُ أصْلًا وفي ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ جَوابٌ لِنَقْضٍ مُقَدَّرٍ وهو أنَّهُ كَيْفَ هَذا وقَدْ نَسَخَ بَعْضَ الآياتِ بِبَعْضِ ورَدَّ لِما عَرَضُوا لَهُ بِهَذا السُّؤالِ مِن أنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَذا تَقْيِيدُ التَّبْدِيلِ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ﴾ لِرَدِّ تَعْرِيضِهِمْ بِأنَّهُ مِن عِنْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِذَلِكَ أيْضًا سَمّاهُ عِصْيانًا عَظِيمًا مُسْتَتْبِعًا العَذابَ عَظِيمٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ 15﴾ وهو تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِنِ امْتِناعِ التَّبْدِيلِ واقْتِصارِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ أيْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُهُ تَعالى بِتَعاطِي التَّبْدِيلِ والإعْراضِ عَنِ الوَحْيِ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو يَوْمُ القِيامَةِ ويَوْمُ اللِّقاءِ الَّذِي لا يَرْجُونَهُ وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِهَذا الِاقْتِراحِ لِأنَّ اقْتِراحَ ما يُوجِبُهُ يَسْتَوْجِبُهُ أيْضًا وإنْ لَمْ يَكُنْ كَفِعْلِهِ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ لِضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَهْوِيلِ أمْرِ العِصْيانِ وإظْهارِ كَمالِ نَزاهَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي إيرادِ اليَوْمَ بِالتَّنْوِينِ التَّفْخِيمِيِّ ووَصْفِهِ بِعَظِيمٍ ما لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ العَذابِ وتَفْظِيعِهِ وجَوَّزَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ كَوْنَ الجَوابِ المَذْكُورِ جَوابًا عَنِ الِاقْتِراحَيْنِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى شَيْءٍ وذَلِكَ بِحَمْلِ التَّبْدِيلِ فِيهِ عَلى ما يَعُمُّ تَبْدِيلَ ذاتٍ بِذاتٍ أُخْرى كَبَدَّلْتُ الدَّنانِيرَ دَراهِمَ وهو الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا ﴾ وتَبْدِيلُ صِفَةٍ بِصِفَةٍ أُخْرى كَبَدَّلْتُ الخاتَمَ حَلْقَةً وهو الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ أوْ بَدِّلْهُ ﴾ وأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ تَقْيِيدَ التَّبْدِيلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ﴾ يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلى الأعَمِّ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّ ذَلِكَ مَقْدُورٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَكِنْ لا يَفْعَلُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ تَعالى والتَّبْدِيلُ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ أوَّلًا غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى إنَّ المُقْتَرِحِينَ يَعْلَمُونَ اسْتِحالَةَ ذَلِكَ لَكِنِ اقْتَرَحُوهُ لِما مَرَّ وقالُوا: لَوْ شِئْنا لَقُلْنا مِثْلَ هَذا مُكابَرَةً وعِنادًا ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا التَّبْدِيلَ والإتْيانَ بِطَرِيقِ الِافْتِراءِ قِيلَ: لا مَساغَ لِلْقَوْلِ بِأنَّهُمُ اقْتَرَحُوا ذَلِكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ فَكَأنَّهم قالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ كَما أتَيْتَ بِالقُرْآنِ مِن جِهَتِهِ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ ما يَكُونُ لِي ﴾ إلَخْ ما يَتَسَهَّلُ لِي ولا يُمْكِنُنِي أنْ أُبَدِّلَهُ لِما في الكَشّافِ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ يَرُدُّ ذَلِكَ ووُجِّهَ بِأنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا ما هو عِصْيانٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَتّى يَقُولَ في جَوابِهِمْ ما ذَكَرَ ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّ الطَّلَبَ مِن غَيْرِ إذْنٍ عِصْيانٌ فَإنْ لَمْ يَحْمِلْ ما يَتَسَهَّلُ لِي عَلى أنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ كانَ الجَوابُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِسُؤالِهِمْ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْ تَبْدِيلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: لا يُمْكِنُنِي التَّبْدِيلُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي في الجَوابِ وإنْ حُمِلَ عَلَيْهِ فالعِصْيانُ أيْضًا مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ وأُجِيبَ بِأنَّ صاحِبَ الكَشّافِ حَمَلَ ﴿ ما يَكُونُ ﴾ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ ولا يَتَسَهَّلُ والعِصْيانُ يَقَعُ عَلى المُمْكِنِ المَقْدُورِ لا أنَّهم طَلَبُوا ما هو عِصْيانٌ أوْ لَيْسَ والمُطابَقَةُ حاصِلَةٌ بَلْ أشَدُّها لِأنَّ الحاصِلَ أمّا التَّبْدِيلُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي فَغَيْرُ مُمْكِنٍ وأما مِن قِبَلِ الوَحْيِ فَأنا تابِعٌ غَيْرُ مَتْبُوعٍ نَعَمْ لا يُنْكِرُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَأْتِيَ وجْهٌ آخَرُ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ لا يَحِلُّ لِي ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ وصاحِبُ الكَشّافِ لَمْ يَنْفِهِ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لا مَساغَ لِحَمْلِ مُقْتَرَحِهِمْ عَلى ما هو مِن جِهَةِ الوَحْيِ لِمَكانِ التَّعْلِيلِ بِـ ﴿ إنِّي أخافُ ﴾ إلَخْ إذِ المَقْصُودُ بِما ذُكِرَ فِيهِ مَعْصِيَةُ الِافْتِراءُ كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ صَرِيحُ ما بَعْدَهُ مِنَ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ وحِينَئِذٍ لا يَتَحَقَّقُ فِيهِ تِلْكَ المَعْصِيَةُ ومَعْصِيَةُ اسْتِدْعاءِ تَبْدِيلِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ لا سِيَّما بِمُوجِبِ اقْتِراحِ الكَفَرَةِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً فَلا يَنْفَعُ تَحَقُّقُها وهو كَلامٌ وجِيهٌ يُعْلَمُ مِنهُ ما في الكَلامِ السّابِقِ مِنَ النَّظَرِ بَقِيَ أنَّهُ يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الآثارِ أنَّهم طَلَبُوا الإتْيانَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ فَعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في خَمْسَةِ نَفَرٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ومُكَرَّزِ بْنِ حَفْصٍ وعَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَيْسٍ العامِرِيِّ والعاصِ بْنِ عامِرِ بْنِ هِشامٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أنْ نُؤْمِنَ لَكَ فائْتِ بِقُرْآنٍ لَيْسَ فِيهِ تَرْكُ عِبادَةِ اللّاتِ والعُزّى ومَناتَ ولَيْسَ فِيهِ عَيْبُها وإنْ لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ فَقُلْ أنْتَ مِن نَفْسِكَ أوْ بَدِّلْهُ فاجْعَلْ مَكانَ آيَةِ عَذابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ ومَكانَ حَرامٍ حَلالًا ومَكانَ حَلالٍ حَرامًا ورُبَّما يُقالُ: إنَّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لا يَأْبى أنْ يَكُونَ ما في الآيَةِ ما أشارَ إلَيْهِ تالِي الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ مِن كَلامِهِمْ فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا، يعني: أهلكناهم بالعذاب حين كذبوا الرسل أقاموا على كفرهم، خوَّف أهل مكة بمثل عذاب الأمم الخالية لكيلا يكذبوا محمداً .
وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، يعني: بالآيات بالأمر والنهي.
وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا، يعني: لم يصدقوا الرسل ولم يرغبوا في الإيمان.
ويقال: وما كانوا ليصدقوا بنزول العذاب بما كذبوا من قبل يوم الميثاق.
كَذلِكَ نَجْزِي، يعني: نعاقب الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ، يعني: الكافرين.
<div class="verse-tafsir"
فهي تحيَّة موضوعةٌ من أول الخلقة إلى غير نهاية، وقد رَوَى ابنُ القاسِمُ، عن مالكٍ في قوله تعالى: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ أي: هذا السَّلام الذي بين أظهركم، وهذا أظهر الأقوال، واللَّه أعلم.
انتهى.
وقرأ الجمهور «١» : «أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ» ، وهي عند سَيْبَوَيْهِ «٢» «أن» المخفَّفَةُ من الثقيلة قال أبو الفتح: فهي بمنزلة قول الأعْشَى: [البسيط] :
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ...
أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يحفى وينتعل «٣»
وقوله سبحانه: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ...
الآية: هذه الآيةُ نزلَت، في دعاء الرَّجُل على نَفْسه أو ولده، أو ماله، فأخبر سبحانه أنَّه لو فعل مع النَّاس في إِجابته إِلى المَكْروه مثْلَ ما يريدُ فعله معهم في إِجابته إِلى الخَيْر، لأهلكهم، وحُذِفَ بعد ذلك جملة يتضمَّنها الظاهرُ، تقديرها: فلا يفعلْ ذلك، ولكنْ يَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا ...
الآية، وقيل: إِن هذه الآية نزلَتْ في قولهم:
إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: ٣٢] ، وقيل:
نزلت في قولهم: ائْتِنا بِما تَعِدُنا [هود: ٣٢] ، وما جرى مجراه، والعَمَهُ: الخبط في ضلال.
وقوله سبحانه: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ ...
الآية: هذه الآية أيضا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والمُرادُ بِالآياتِ: القُرْآنُ.
" ويَرْجُونَ " بِمَعْنى: يَخافُونَ.
وفي عِلَّةِ طَلَبِهِمْ سِوى هَذا القُرْآنِ أوْ تَبْدِيلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا تَغْيِيرَ آيَةِ العَذابِ بِالرَّحْمَةِ، وآيَةِ الرَّحْمَةِ بِالعَذابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم كَرِهُوا مِنهُ ذِكْرَ البَعْثِ والنُّشُورِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، وكَرِهُوا عَيْبَ آلِهَتِهِمْ، فَطَلَبُوا ما يَخْلُو مِن ذَلِكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والفَرْقُ بَيْنَ تَبْدِيلِهِ والإتْيانِ بِغَيْرِهِ، أنَّ تَبْدِيلَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ، والإتْيانَ بِغَيْرِهِ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ لِي ﴾ حَرَّكَ هَذِهِ الياءَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو؛ وأسْكَنَها الباقُونَ.
" مِن تِلْقاءِ نَفْسِي " حَرَّكَها نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو؛ وأسْكَنَها الباقُونَ، والمَعْنى: مِن عِنْدِ نَفْسِي، فالمَعْنى: أنَّ الَّذِي أتَيْتَ بِهِ، مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن عِنْدِي فَأُبَدِّلُهُ.
﴿ إنِّي أخافُ ﴾ فَتَحَ هَذِهِ الياءَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو.
﴿ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ أيْ: في تَبْدِيلِهِ أوْ تَغْيِيرِهِ ﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يَعْنِي في القِيامَةِ.
* فَصْلٌ وَقَدْ تَكَلَّمَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في (الأنْعامِ:١٥) .
ومَقْصُودُ الآيَتَيْنِ تَهْدِيدُ المُخالِفِينَ؛ وأُضِيفَ ذَلِكَ إلى الرَّسُولِ لِيَصْعُبَ الأمْرُ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أو بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وضَرْبُ أمْثالٍ لَهُمْ، أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ فِعْلَكم فَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكم ما فُعِلَ بِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ إخْبارٌ عن قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وشَدَّةِ كُفْرِهِمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وغَيْرُهُمْ: "نَجْزِي" بِنُونِ الجَماعَةِ، وفِرْقَةٌ "يَجْزِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى: يَجْزِي اللهُ، و"خَلائِفُ" جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَوْلُهُ: "لِنَنْظُرَ" مَعْناهُ: لِنُبَيِّنَ في الوُجُودِ ما عَلِمْناهُ أزَلًا، لَكِنْ جَرى القَوْلُ عَلى طَرِيقِ الإيجازِ والفَصاحَةِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ -وَقالَ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ -: "لِنَظُّرَ" بِإدْغامِ النُونِ في الظاءِ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَنا خُلَفاءَ لِيَنْظُرَ كَيْفَ عَمَلُنا فَأرُوا اللهَ حُسْنَ أعْمالِكم في السِرِّ والعَلانِيَةِ"، وكانَ أيْضًا يَقُولُ: "قَدِ اسْتُخْلِفْتَ يا ابْنَ الخَطّابِ فانْظُرْ كَيْفَ تَعْمَلُ"، وأحْيانًا كانَ يَقُولُ: "قَدِ اسْتَخْلِفْتَ يا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّ بَعْضَ كُفّارِهِمْ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى مَعْنى: ساهِلْنا يا مُحَمَّدُ واجْعَلْ هَذا الكَلامَ الَّذِي هو مِن قِبَلِكَ عَلى اخْتِيارِنا، وأحِلَّ ما حَرَّمْتَهُ وحَرِّمْ ما حَلَّلْتَهُ لِيَكُونَ أمْرُنا حِينَئِذٍ واحِدًا وَكَلِمَتُنا مُتَّصِلَةً، فَذَمَّ اللهُ هَذِهِ الصَنْعَةَ وذَكَّرَهم بِأنَّهم يَقُولُونَ هَذا لِلْآياتِ البَيِّناتِ، ووَصَفَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الواضِحِ، وأنْ يَسْتَسْلِمَ ويَتَّبِعَ حُكْمَ اللهِ تَعالى ويُعْلِمَ بِخَوْفِهِ رَبَّهُ، واليَوْمُ العَظِيمُ: يَوْمُ القِيامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر ﴾ [يونس: 11] الخ لأن ذلك ناشئ عن قولهم: ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ايتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32] كما تقدم فذلك أسلوب من أساليب التكذيب.
ثم حُكي في هذه الآية أسلوب آخر من أساليب تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون القرآن موحى إليه من الله تعالى فهم يتوهمون أن القرآن وضَعه النبي صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه، ولذلك جعلوا من تكذيبهم أن يقولوا له ﴿ ايت بقرآننٍ غير هذا أو بَدّله ﴾ إطماعاً له بأن يؤمنوا به مغايراً أو مبدَّلاً إذا وافق هواهم.
ومعنى ﴿ غير هذا ﴾ مخالفهُ.
والمراد المخالفة للقرآن كله بالإعراض عنه وابتداء كتاب آخر بأساليب أخرى، كمثل كتب قصص الفرس وملاحمهم إذ لا يحتمل كلامهم غير ذلك، إذ ليس مرادهم أن يأتي بسُورَ أخرى غير التي نزلتْ من قبل لأن ذلك حاصل، ولا غَرض لهم فيه إذا كان معناها من نوع ما سبقها.
ووصف الآيات ب ﴿ بينات ﴾ لزيادة التعجيب من طلبهم تبديلها لا بطلب تبديله إذ لا طمع في خير منه.
والتبديل: التغيير.
وقد يكون في الذوات، كما تقول: بدلت الدنانير دراهم.
ويكون في الأوصاف، كما تقول: بدلت الحلقة خاتماً.
فلما ذكر الإتيان بغيره من قبل تعيَّن أن المراد بالتبديل المعنى الآخر وهو تبديل الوصف، فكان المراد بالغير في قولهم: ﴿ غير هذا ﴾ كلاماً غير الذي جاء به من قبل لا يكون فيه ما يكرهونه ويغيظهم.
والمراد بالتبديل أن يعمد إلى القرآن الموجود فيغير الآيات المشتملة على عبارات ذم الشرك بمدحه، وعبارات ذم أصنامهم بالثناء عليها، وعبارات البعث والنشر بضدها، وعبارات الوعيد لهم بعبارات بشارة.
وسموا ما طلبوا الإتيان به قُرآناً لأنهُ عوض عن المسمى بالقرآن، فإن القرآن علَم على الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أي ائت بغير هذا مما تُسميه قرآناً.
والضمير في ﴿ بدله ﴾ عائد إلى اسم الإشارة، أي أو بدل هذا.
وأجمل المراد بالتبديل في الآية لأنه معلوم عند السامعين.
ثم إن قولهم يحتمل أن يكون جداً، ويحتمل أن يريدوا به الاستهزاء، وعلى الاحتمالين فقد أمر الله نبيئه صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم بما يقلع شبهتهم من نفوسهم إن كانوا جادين، أو من نفوس من يسمعونهم من دهمائهم فيحسبوا كلامهم جِداً فيترقبوا تبديل القرآن.
وضمير الغيبة في قوله: ﴿ وإذا تتلى عليهم ﴾ راجع إلى الناس المراد منهم المشركون أو راجع إلى ﴿ الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ في قوله: ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ [يونس: 7].
وتقديم الظرف في قوله: ﴿ إذا تتلى ﴾ على عامله وهو ﴿ قَال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ للاهتمام بذكر ذلك الوقت الذي تتلى فيه الآيات عليهم فيقولون فيه هذا القول تعجيباً من كلامهم ووهن أحلامهم.
ولكون العامل في الظرف فعلاً ماضياً عُلم أن قولهم هذا واقع في الزمن الماضي، فكانت إضافة الظرف المتعلق به إلى جملة فعلها مضارع وهو ﴿ تتلى ﴾ دالة على أن ذلك المضارع لم يرد به الحال أو الاستقبال إذ لا يتصور أن يكون الماضي واقعاً في الحال أو الاستقبال فتعين أن اجْتلاب الفعل المضارع لمجرد الدلالة على التكرر والتجدد، أي ذلك قولهم كُلما تتلى عليهم الآيات.
وماصْدق ﴿ الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ هو ما صدق الضمير في قوله: (عليهم)، فكان المقام للإضمار، فما كان الإظهار بالموصولية إلا لأن الذين لا يرجون لقاء الله اشتهر به المشركون فصارت هذه الصلة كالعلَم عليهم.
كما أشرنا إليه عند قوله آنفاً ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضُوا بالحياة الدنيا ﴾ [يونس: 7]، وليس بين الصلة وبين الخبر هنا علاقةُ تعليل فلا يكون الموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر.
ولما كان لاقتراحهم معنى صريح، وهو الإتيان بقرآن آخر أو تبديل آيات القرآن الموجودِ، ومعنى التزامي كنائي، وهو أنه غير منزل من عند الله وأن الذي جاء به غير مرسل من الله، كان الجواب عن قولهم جوابين، أحدهما: ما لقنه الله بقوله: ﴿ قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ وهو جواب عن صريح اقتراحهم، وثانيهما: ما لَقنه بقوله: ﴿ قُل لو شاء الله ما تلوته عليكم ﴾ [يونس: 16] وهو جواب عن لازم كلامهم.
وعن مجاهد تسمية أناس ممن قال هذه المقالة وهم خمسة: عبد الله بن أمية، والوليدُ بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس، والعاص بن عامر، قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة الأصنام واللاتتِ والعزى ومناةَ وهُبل، وليس فيه عَيبها.
وقد جاء الجواب عن اقتراحهم كلاماً جامعاً قضاء لحق الإيجاز البديع، وتعويلاً على أن السؤال يبين المراد من الجواب، فأحسوا بامتناع تبديل القرآن من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا جواب كاف، لأن التبديل يشمل الإتيان بغيره وتبديل بعض تراكيبه.
على أنه إذا كان التبديل الذي هو تغيير كلمات منه وأغراض ممتنعاً كان إبطال جميعه والإتيان بغيره أجدر بالامتناع.
وقد جاء الجواب بأبلغ صيغ النفي وهو ﴿ ما يكون لي أن أبدله ﴾ أي ما يكون التبديل مِلكاً بيدي.
و ﴿ تِلقاء ﴾ صيغة مصدر على وزن التفعال.
وقياس وزن التفعال الشائع هو فتح التاء وقد شذ عن ذلك تلقاء، وتبيان، وتمثال، بمعنى اللقاء والبيان والمُثول فجاءت بكسر التاء لا رابع لها، ثم أطلق التلقاء على جهة التلاقي ثم أطلق على الجهة والمكان مطلقاً كقوله تعالى: ﴿ ولما توجه تلقاء مدين ﴾ [القصص: 22].
فمعنى ﴿ من تلقاء نفسي ﴾ من جهة نفسي.
وهذا المجرور في موضع الحال المؤكدة لجملة: ﴿ ما يكون لي أن أبدله ﴾ وهي المسماة مؤكدة لغيرها إذ التبديل لا يكون إلا من فعل المبدل فليست تلك الحال للتقييد إذ لا يجوز فرض أن يبدَّل من تلقاء الله تعالى التبديلَ الذي يرومونه، فالمعنى أنه مبلغ لا متصرف.
وجملة: ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ تعليل لجملة: ﴿ ما يكون لي أن أبدله ﴾ أي ما أتبع إلا الوحي وليس لي تصرف بتغيير.
و ﴿ ما ﴾ مصدرية.
واتباع الوحي: تبليغ الحاصل به، وهو الموصى به.
والاتباع مجاز في عدم التصرف، بجامع مشابهة ذلك للاتباع الذي هو عدم تجاوز الاقتفاء في المشي.
واقتضت (إنْ) النافية وأداةُ الاستثناء قصرَ تعلق الاتباع على ما أوحى الله وهو قصر إضافي، أي لا أبلغ إلا ما أوحي إلي دون أن يكون المتَّبَع شيئاً مخترعاً حتى أتصرف فيه بالتغيير والتبديل، وقرينة كونه إضافياً وقوعه جواباً لرد اقتراحهم.
فمن رام أن يحتج بهذا القصر على عدم جواز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم فقد خرج بالكلام عن مهيعه.
وجملة: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي ﴾ الخ في موضع التعليل لجملة: ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ ولذلك فصلت عنها.
واقترنت بحرف (إن) للاهتمام، و(إنَّ) تؤذن بالتعليل.
وقوله: ﴿ إن عصيت ربي ﴾ ، أي عصيته بالإتيان بقرآن آخر وتبديله من تلقاء نفسي.
ودل سياق الكلام على أن الإتيان بقرآن آخر غير هذا بمعنى إبطال هذا القرآن وتعويضه بغيره، وأن تبديله بمعنى تغيير معاني وحقائق ما اشتمل عليه ممتنع.
ولذلك لم يلقن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول هنا: إلا ما شاء الله، أو نحو ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ﴾ قال: لا يرجون لقاءنا.
إيتِ بقرآن غير هذا أو بدِّله قال: هذا قول مشركي أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ الآية، قال قتادة (١) (٢) (٣) : ائت بقرآن غير هذا، ليس فيه ترك عبادة آلهتنا، قال الزجاج: (بينات) منصوب على الحال (٤) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴾ ، قال ابن عباس (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا ﴾ أي بقرآن ليس فيه عيب آلهتنا وذكر البعث والنشور ﴿ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ أي تكلم به من ذات نفسك فبدل منه ما نكرهه، قاله المفسرون (٩) وقال أهل المعاني: الفرق بين الإتيان بقرآن غيره وبين تبديله أن الإتيان بغيره قد يكون معه فأما تبديله فلا يكون إلا برفعه ووضع آخر في مكانه أو في شيء منه (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾ ، قال الكلبي (١٢) (١٣) وقال أهل المعاني: معناه ليس لي أن أتلقاه بالتبديل، كما ليس لي أن أتلقاه بالرد (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أخبركم إلا ما أخبرني الله به (١٦) وقال مقاتل: يقول إذا أُمرت بأمر فعلته، ولا أبتدع ما لا (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) والآية بيان عن (٢١) (٢٢) (١) رواه ابن جرير 15/ 42، وابن أبي حاتم 6/ 1934، والثعلبي 7/ 8 ب، والبغوي 4/ 125.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 138 ب، والثعلبي 7/ 8 ب، والبغوي 4/ 125.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 8 ب، والسمرقندي 2/ 91، "أسباب النزول" للمؤلف ص 270.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 10.
(٥) "تنوير المقباس" ص 210.
(٦) "تفسير السمرقندي" 2/ 91.
(٧) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 95.
(٨) ساقط من (ى).
(٩) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 8 ب، والبغوي 4/ 125، و"الوسيط" 2/ 541.
(١٠) انظر نحو هذا القول في: "تفسير الرازي" 17/ 55 - 56، والقرطبي 8/ 319.
(١١) هكذا في جميع النسخ، والسياق يقتضي الجمع.
(١٢) في (ى) ابن عباس والكلبي، ولم أثبت ابن عباس لعدم ذكره في سائر النسخ (ح) و (م) و (ز).
(١٣) لم أعثر على مصدره، وانظر معناه في: "تنوير المقباس" ص 210 عنه، عن ابن عباس.
(١٤) ذكر نحو هذا القول الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 427، والقرطبي في "تفسيره" 8/ 319، ولم أجده في كتب أهل المعاني.
(١٥) ساقط من (م).
(١٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 541، وانظره بمعناه في: "تنوير المقباس" ص 210.
(١٧) في (م): (لم).
(١٨) "تفسير مقاتل" ص 117 مختصرًا عند تفسير قوله تعالي: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ﴾ .
(١٩) " معاني القرآن وإعرابه" 3/ 11 (٢٠) ما بين المعقوفين بياض في (ح).
(٢١) ساقط من (ى).
(٢٢) ما بين المعقوفين بياض في (ح) <div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ أي: لو يعجل الله للناس الشر كما يحبون تعجيل الخير لهلكوا سريعاً، ونزلت الآية عند قوم: في دعاء الإنسان على نفسه وماله وولده، وقيل: نزلت في الذين قالوا: ﴿ إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء ﴾ [الأنفال: 32] ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا ﴾ عتابٌ في ضمنه نهيٌ لمن يدعو الله عند الضر، ويغفل عنه عند العافية ﴿ لِجَنبِهِ ﴾ أي مضطجعاً، وروي أنها نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة لمرض كان به.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الۤر ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: أبو عمرو وخلف وحمزة وعلي والخراز عن هبيرة والنجاري عن ورش ويحيى وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
﴿ لساحر ﴾ بالألف: ابن كثير وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ لسحر ﴾ ﴿ حقاً أنه ﴾ بالفتح.
يزيد.
﴿ ضياء ﴾ بالهمز حيث كان: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يفصل ﴾ بالياء: ابن كثير وعمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والعجلي.
الباقون بالنون.
﴿ واطمأنوا ﴾ بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ الۤر ﴾ ق كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ إذنه ﴾ ط ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط، ﴿ حقاً ﴾ ط، إلا لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح.
﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ط ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ نفصل ﴾ بالنون، ومن قرأ بالياء أمكنه أن يجعل ﴿ يفصل ﴾ حالاً.
﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه لا لأن ﴿ أولئك ﴾ خبر "إن" ﴿ بإيمانهم ﴾ ج ط للحذف تقديره يهديهم ربهم بإيمانهم إلى دار البقاء مع اتحاد المقصود وتمام الموعود ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج ط لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد اعترضت جملة معطوفة أخرى لأن قوله ﴿ وآخر دعواهم ﴾ معطوف على ﴿ دعواهم ﴾ الأوّل ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: اتفقوا على أن قوله ﴿ الر ﴾ ليس بآية وعلى أن ﴿ طه ﴾ آية.
ولعل الفرق أن ﴿ الر ﴾ لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده، عن ابن عباس ﴿ الۤر ﴾ معناه أنا الله أرى.
وقيل: لا رب غيري.
وقيل: الۤر وحم ون اسم الرحمن ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، والكتاب السورة، والحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها أو وصف بصفة من تكلم به ومنه قولهم للقصيدة حكيمة.
وقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه يحكم بين الحق والباطل، أو يحكم بأن محمداً صادق لأن القرآن أظهر معجزاته وأبقاها.
وقيل: بمعنى مفعول أي حكم فيه بجميع المأمورات والمنهيات وقيل: بمعنى المحكم والإحكام المنع من الفساد وذلك أنه لا يمحوه الماء ولا يحرقه النار ولا يغيره الدهور.
ويحتمل أن يقال: الكتاب الحكيم هو القرآن أو اللوح المحفوظ أو التوراة والإنجيل، لأن جميع الكتب الإلهية متوافقة في الأصول، ويجوز أن يكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن.
واعلم أنه لما ختم السورة المتقدمة بقوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ صدر هذه السورة بتعديد بعض الحروف على طريق التحدي، وذلك أن حروف القرآن من جنس الحروف التي يتلفظون بها فلولا أنه معجز لعارضوه وناقضوه.
ولما بين بهذا الطريق أن محمداً رسول حق من عند الله أنكر على كفار قريش تعجبهم من كونه رسولاً فقال: ﴿ أكان للناس عجباً ﴾ نصب على أنه خبر كان واسمه ﴿ أن أوحينا ﴾ وفائدة اللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ مع تقديمه هي أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتحدثون بها، ثم إن تعجبهم إما أن يكون من جعل البشر رسولا أو من تخصيص محمد بالوحي والنبوة فقد روي أنهم كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وكلا الأمرين ليس بعجب، أما الأول فلأن الجنس إلى الجنس أميل ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ .
وأما الثاني فلأن الفقر واليتم لا يوجب في النبوة قدحاً لأن الله غني عن العالمين ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ﴾ وإنما المعتبر في الاستنباء كونه متصفاً بالصدق والأمانة والتقوى، وكان لمحمد في ذلك قبل بعثه اليد الطولى إذ كان يدعى محمداً الأمين.
و "أن" في قوله: ﴿ أن أنذر الناس ﴾ هي المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، أو مخففة من الثقيلة وقد عملت في ضمير شأن مقدر معناه إنه أي إن الشأن قولنا أنذر الناس.
وقوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا أن لهم ﴾ أي بأن لهم، والإنذار إخبار مع تخويف وإنه عام للناس كلهم، ولكن البشارة خاصة بالمؤمنين.
ويحتمل أن يراد بالناس الكفار فقط ويمكن أن يكون تعجبهم عائداً إلى الإنذار والتبشير وليس ذلك بعجب بل المنكر في العقول تعطيل الأعمال وأن يترك الإنسان سدىً، وإرسال الرسل أمر ما أخلى الله المكلفين عنه شيئاً من الأزمنة، وبه تتم الماليكة والأمر والنهي والإذن والمنع والثواب والجزاء.
وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن الإنذار تحذير عن فعل ما لا ينبغي، والتبشير ترغيب في فعل ما ينبغي والتخلية مقدمة على التحلية.
ومعنى ﴿ قدم صدق ﴾ سابقة فضل ومنزلة رفيعة أي سبق لهم عند الله خير.
قال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير.
وقال ابن الأنباري: كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء.
والسبب في إطلاق القدم على السابقة أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وإضافة القدم إلى صدق لأجل المبالغة وللتنبيه على أنها من السوابق العظيمة أي القدم التي يصدق ويحق أن تسمى قدماً.
وأما عبارات المفسرين فمنهم من قال: قدم صدق هي الأعمال الصالحة، ومنهم من قال الثواب، ومنها من قال شفاعة محمد .
أما قوله: ﴿ قال الكافرون ﴾ فقال القفال: فيه إضمار والتقدير: فلما أنذرهم قالوا ذلك.
ثم من قرأ لساحر بالألف فقوله هذا إشارة إلى النبي ، ومن قرأ السحر إشارة إلى القرآن وفيه دليل على عجزهم واعترافهم بأنهم قاصرون عن معارضته كالسحر، ومن هنا جوز بعضهم أن يكونوا أرادوا به المدح أي إنه لكمال فصاحته وتعذر الإتيان بمثله جارٍ مجرى السحر.
ثم لما أنكر عليهم تعجبهم من الأمور المذكورة وهي الواسطة أراد أن يقيم البرهان عليها بإثبات المبدأ ويبين غايتها بإثبات المعاد وذلك في آيتين متواليتين.
وقد مر في الأعراف تفسير قوله: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.
ثم ذكر ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره فقال: ﴿ يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ وإنما فقد العاطف لأنهما كالتفسير والتفصيل لما دل عليه قوله: ﴿ إن ربكم الله ﴾ الخ.
والأمر الشأن أراد به أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض والعرش.
والمعنى أنه يقضي ويقدر بمقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي.
قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح.
ففي قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ إشارة إلى استقلاله في التصرف جانب المبدأ، وفي قوله ﴿ ما من شفيع ﴾ إشارة إلى استقلاله في طرف المعاد.
ويمكن أن يقال: المراد أنه خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من الأصلح مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في تحصيل المصالح فدل ذلك على أنه محسن إلى عباده مريد للخير والرأفة بهم كامل العناية بأحوالهم.
قال أبو مسلم: الشفيع معناه الثاني من الشفع الذي يخالف الوتر أي خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه ثم خلق الملائكة والثقلين، والمراد أنه لم يدخل في الوجود أحد إلا من بعد أن قال له: "كن" حتى كان وحصل.
ثم أشار إلى المعلوم بالأوصاف المذكورة فقال: ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ الذي يستأهل منكم العبادة بإزاء النعم الجسام من خلق السموات والأرض بما فيهما وعليهما ﴿ فاعبدوه ﴾ وحده ﴿ أفلا تذكرون ﴾ فيه تنبيه على وجوب الاعتبار والنظر في الدلائل الدالة على عظمته وجلاله.
ثم شرع في إثبات المعاد فقال: ﴿ إليه مرجعكم ﴾ أي رجوعكم ﴿ جميعاً ﴾ مجموعين.
وتقديم الجار والمجرور للاختصاص والمعنى لا ترجعون في العاقبة إلا إلى جزائه وحكمه فاستعدوا للقائه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وفيه تأكيدان كما مر.
ثم قال: ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وهو استئناف فيه معنى التعليل كأنه قال إن الذي قدر على الإبداء يقدر على الإعادة بالطريق الأولى كقوله: ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون ﴾ يعني أنه لما كان قادراً على إنشاء ذواتكم أوّلاً ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نموّه، وجب القطع بأنه لا يمتنع عليه إعادة تلك الأجزاء بعد البلى والتفرق.
ومن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح فعلى حذف لام التعليل أي لأنه، أو على أنه منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله أي وعد الله وعداً بدء الخلق ثم إعادته، ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب حقاً أي حق حقاً بدء الخلق.
ثم ذكر غاية الإعادة وحكمتها فقال: ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال المفسرون: في الآية إضمار والتقدير أنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ثم يعيدهم ليجزي.
وإنما حسن هذا الحذف لتقدم قوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ ولأن الإعادة لا تكون إلا بعد الإماتة والإعدام.
وقوله: ﴿ بالقسط ﴾ أي بالعدل متعلق بـ ﴿ يجزي ﴾ أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجرهم أو ليجزيهم بقسطهم وبما لم يظلموا أنفسهم حين آمنوا وعملوا صالحاً وهذا وجه حسن لطباق قوله: ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ وفي قوله: ﴿ والذين كفروا ﴾ من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في الأولى دليل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وإنما جاء التعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر.
والحميم الماء الذي أسخن بالنار حتى انتهى حره.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على عدم منزلة بين المنزلتين على ما يقول بها المعتزلة.
وأجيب بأن عدم الذكر لا يدل على العدم ورُدَّ بأن الفساق أكثر من أهل الطاعة فكيف يجوز طي ذكرهم؟
واعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين: الأول طريق القائلين بالحسن والقبح العقليين، والثاني طريق من يقول لا يجب على الله شيء أصلاً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج عقلية منها: أنه خلق الخلق وأعطاهم عقولاً وقدراً فيجب في حكمته أن يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات، وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا بربط الثواب على الفعل والعقاب على الترك.
هذا في المأمورات وبالعكس في المنهيات، وذلك الثواب المرغب والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون الله كاذباً في قوله: ﴿ ليجزي ﴾ الخ.
فإن قيل: لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد؟
ولئن سلم فلم لا يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لا أنه يفعل ذلك ولا يلزم منه الكذب على الله، ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه لا كذب؟
سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام؟
فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال، وتجويز الخلف في ذلك مناف للغرض، وأخذ الأجرة إنما يكون بعد الفراغ من العمل والعبد ما دام في الدنيا فهو في العمل، وقد ترى أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بالآفات والبليات، وأفسقهم وأجهلهم في أتم اللذات والمسرات.
ومنها أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء والمظلوم والظالم وأن لا يجعل من كفر به وعصاه كمن آمن به وأطاعه وليس هذه التفرقة في الدنيا كما قيل: كم عالم عالم أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا فلا بد من دار أخرى يظهر فيها التفاوت.
ومنها أنه كلف عبيده بأن يعبدوه، والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلا بد أن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تكليفه، والناس جبلوا على طلب اللذات والتبادر إلى تحصيل أسباب الراحات فلو لم يكن زاجر من خوف المعاد لوقع الهرج والمرج والفتن وحينئذٍ لا يتفرغ المكلف لأداء ما أمر به.
فإن قيل: لم لا يكفي في نظام العالم مهابه الملوك وسياستهم؟
قلنا: إن لم يكن السلطان قاهراً قادراً على الرعية فلا فائدة فيه، وإن كان قاهراً غالباً ولا خوف له من المعاد فحينئذٍ يقدم على أنواع الظلم والإيذاء لأن الداعية النفسانية قائمة ولا وازع له في الدنيا ولا في الآخرة.
ومنها أنه خلق هذا العالم وخلق فيه الناس، والعبث لا يليق بالحكيم الرحيم فوجب أن يقال: إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير وليس ذلك في الدنيا لأن لذات هذا العالم جسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي وكان هذا حاصلاً قبل الوجود فلا يبقى للتخليق فائدة.
وأيضاً إن لذات الدنيا مشوبة بالآلام بل اللذة في الدنيا كالقطرة من البحر فعلمنا أن للرحة دار أخرى.
فإن قيل: ليس أنه يعذب أهل النار لا لمصلحة وفائدة لهم؟
قلنا: الفرق أن ذلك الألم استحقوه على أعمالهم وهذا الألم الحاصل في الدنيا غير مستحق فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة وإلا فينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
ومنها أنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان أحسن من جميع الحيوانات لأنها تشاركه في اللذات الحسية لأن الروث في مذاق الجعل كاللوز في فم الإنسان، والإنسان يزيد عليها بعقل هو سبب تألمه وتأذيه في أغلب الأحوال، يتفكر في الأحوال الماضية فيتأسف، ويتأمل في الأحوال الآتية فيخاف، فلو لم يكن للإنسان معاد به يكمل حاله ويظهر سعادته كان عقله سبباً لشقائه وخسته دون شرفه ومزيته.
ومنها أن إيصال النعم إما أن يكون مشوباً بالآفات أو خالصاً عنها، فلما أنعم الله علينا في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علنيا بالمرتبة الثانية في دار أخرى إظهاراً لكمال القدرة والرأفة والحكمة، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخافات.
ومما يقوّي هذا الكلام أن الإنسان دائماً في الترقي من حين كونه جنيناً في بطن أمه إلى أن يخلص من ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا، وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير أميراً نافذ الحكم على الخلق أو عالماً مشرفاً على حقائق الأشياء، فوجب بحكم هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة المشوبة بالآلام.
ومنها طريقة الاحتياط فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له فإن كان هذا المذهب حقاً فقد نجونا وهلك المنكر، وإن كان باطلاً لم يضرنا هذا الاعتقاد، غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات.
ومنها أن أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء.
ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة فلم لا يعقل مثل ذلك في الإنسان؟
ومنها أن الإنسان إنما يتولد من نطفة تولدت من الأغذية الكائنة من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا مات وتفرقت تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن تجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول؟
ومنها أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر، والعقل يحكم بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملاً يكذبون عليه ويجورون، فلا بد من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز خلف فيهما كما مر، ولا يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء.
وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال الله برعاية المصالح فإنهم يقولون: المعاد أمر جائز الوجود لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى جائزاً فالمرة الثانية أيضاً جائزة.
ثم إن إله العالم قادر مختار عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجز تمييز أجزاء بدن زيد - وإن اختلطت بأجزاء التراب والبحار - عن أجزاء بدن عمرو، وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثم إنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني.
وأما شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شراً من هذه فالتبديل سفه، وإن كانت مثلها فعبث، وإن كانت خيراً منها فإما أن يقال إنه قادر على خلق ذلك الأجود أولاً ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه، أو يقال إنه ما كان قادراً ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى الحكمة فهو محال على القديم.
والجواب أن كلاً من الدارين خير في وقتها فالأولى لتحصيل الكمالات النفسانية الممكنة للنوع الإنساني من قبيل العلم والعمل، والأخرى للراحة والجزاء، ومن ذلك أنهم قالوا: حركات الأفلاك مستديرة والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد.
والجواب ما ذكرنا في كتبنا الحكمية من أن كل جسم مركب وكل مركب ينحل لا محالة.
ولئن سلمنا أنها أزلية فحركاتها غير أزلية لأن الحركة عبارة عن الانتقال من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها والأزلية تنافي المسبوقية بالغير فكان الجمع بين الأزل والحركة محالاً.
ولئن سلم أن الحركة أزلية فلم لا يجوز أن يكون بعض أوضاع الأفلاك مقتضياً لإعادة المعدومات من الأشخاص الإنسانية؟
ومن ذلك أنهم قالوا: الإنسان عبارة عن هذا البدن ذي الأجزاء لا كيف كانت بل بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، لأن أجزاء البدن كانت موجودة قبل هذا الإنسان والموجود مغاير للمعدوم.
فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصورة والأعراض وعود المعدوم محال.
وأجيب بأن الإنسان ليس عبارة عن هذا الجسد وإنما هو النفس سواء كانت جوهراً مجرداً مفارقاً أو جسماً مخصوصاً لطيفاً باقياً في جميع أحوال البدن من الصبا إلى الهرم مصوناً عن التحلل والتبدل وهو الذي يسميه المتكلمون بالأجزاء الأصلية.
ومن ذلك أنهم قالوا: إذا قتل الإنسان واغتذى به إنسان آخر لزم أن تعاد تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال.
وأجيب بعين ما مر وهي أن الأجزاء الأصلية لا تصير جزءاً من إنسان آخر.
فهذه خلاصة وما وصل إليه العقول من أمر المعاد والله أعلم بحقائق الأمور.
ثم عدد بعض نعمه على المكلفين فقال: ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء ﴾ وهو أجوف واوي مهموز اللام قلبت واوه ياء لكسرة ما قبلها، ومن قرأ بهمزتين بينهما ألف فمحمول على القلب لأن إذا قدم اللام على العين وقع حرف العلة على الطرف فانقلب همزة كما في "كساء".
وهو إما أن يكون جمع ضوء كحوض وحياض، أو مصدر ضاء يضوء مثل قام قياماً وصام صياماً، ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة فجعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم إنه كرم وجود.
والضياء أقوى من النور.
ولا خلاف بين العقلاء أن ضوء الشمس كيفية قائمة بها لذاتها، أما نور القمر فقد ذهب جمهور الحكماء إلى أنه مستفاد من الشمس وبذلك يقع اختلاف أحواله من الهلالية إلى البدرية كما بينا في تفسير قوله : { ﴿ يسألونك عن الأهلة ﴾ ﴿ وقدره منازل ﴾ قال في الكشاف: أي قدّر مسيره منازل أو قدره ذا منازل.
ومنزلة القمر المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به وجملتها ثمانية وعشرون وأساميها مشهورة: الشرطين الثريا البطين الخ.
وهي كواكب ثابتة معروفة عندهم جعلوها علامات المنازلة، فنرى القمر كل ليلة نازلاً بقرب أحدها وذلك أنهم قسموا دور الفلك وهو اثنا عشر برجاً على ثمانية وعشرين - عدد أيام القمر - فأصاب كل برج منزلان وثلث فسموا كل منزل بالعلامة التي وقعت وقت التسمية بحذائه.
ثم ذكر بعض منافعهما العائدة على المكلفين فقال: ﴿ لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي.
وقد ذكرنا السنة الشمسية والسنة القمرية وكيفية دوران إحداهما على الأخرى في تفسير قوله : ﴿ إن عدة الشهور ﴾ الآية فلا حاجة إلى التكرار، ثم أشار إلى سائر منافعهما وخواصهما بقوله: ﴿ ما خلق الله ذلك ﴾ المذكور ﴿ إلا ﴾ ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ والصواب دون الباطل والعبث، فالشمس سلطان النهار والقمر خليفتها بالليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى فصولها الأربعة، وبالفصول تنتظم مصالح هذا العالم ويتحصل معايش الخلائق، وبحركة القمر يحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة النور ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات إلى غير ذلك من الخواص التي يرشد إليها التأمل والتدبر ولهذا قال: ﴿ يفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذه الدلائل.
وقيل: المراد بالعلم ههنا العقل الذي يعم الكل.
ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار وقد مر تفسيره في سورة "البقرة" في قوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ .
ومعنى قوله: ﴿ وما خلق الله في السموات والأرض ﴾ كقوله: ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ وقد مر في آخر "الأعراف".
وإنما خص كونها آيات بالمتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر.
قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بالمبدإ والمعاد.
ثم شرع في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به فقال: ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ عن ابن عباس ومقاتل والكلبي: معناه لا يخافون البعث كقوله : ﴿ وهم من الساعة مشفقون ﴾ واستبعد الأكثرون تفسير الرجاء بالخوف وقالوا: إنه بمعنى الطمع أي لا يطمعون في حسن لقائه كما يأمله السعداء، أو لا يتوقعونه أصلاً لأنهم لا يؤمنون بالمعاد فهم ذاهلون عن طلب اللذات الحقيقية فارغون عن التوجه نحو السعادات الباقية ﴿ ورضوا ﴾ مع ذلك ﴿ بالحياة الدنيا ﴾ الحسية الخسيسة ﴿ واطمأنوا بها ﴾ سكنوا إليها سكون العاشق إلى معشوقه وهذه غاية الانهماك الاستغراق في اللذات الجسمانية ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ فلا يعتبرون بالآيات ولا ينظرون في الدلائل الموصلة إلى حقيقة المبدإ والمعاد، فلم يقبلوها بالتقليد ولم ينظروا إليها بعين الاجتهاد ﴿ أولئك مأواهم النار ﴾ فيه معنى الجزاء ولذلك تعلق به قوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ وفيه أن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول العذاب الجسماني وهو النار المحسوسة، والعذاب الروحاني وهو نار البعد من المألوفات والقطيعة من السعادات الباقيات فيكون مثاله مثال من أخرج عن مجالسة معشوقه فألقي في بئر ظلمانية لا إلف بها ولا مؤنس بل يكون فيها أنواع المؤذيات وأصناف الموحشات نعوذ بالله من تلك الحالات.
وهذا حال من لا يؤمن بالمعاد فلا يعمل له، وأما حال الذي يؤمن به فذلك قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ استكملوا من جهة القوة النظرية ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ استكملوا من قبل القوة العملية أو صدقوا بقوله ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله، أو أشغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ثم جوارحهم بالخدمة حتى تكون عيونهم مشغولة بالاعتبار، وآذانهم باستماع كلام الله، وألسنتهم بذكر الله وسائر أعضائهم بطاعة الله : ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال أكثر المفسرين: معناه يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة.
ومعنى قوله: ﴿ بإيمانهم ﴾ أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهذا التفسير يوافق قوله : ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ وقوله : "إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله الصالح في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة.
والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول: أنا عملك فينطلق به إلى النار" .
وقيل: معنى الآية إن إيمانهم يهديهم إلى مزايا من الألطاف ولوامع من الأنوار بحيث تزول بواسطتها عنهم الشكوك والشبهات فتؤدي إلى حصول المثوبات ولذلك جعل ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ بياناً له وتفسيراً لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها.
فهذه الهداية عبارة عن الفوائد الزوائد الحاصلة في الدنيا بعد الإيمان.
قال القفال: فعلى هذا الوجه كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار إلا أنه حذف الواو وجعل قوله: ﴿ تجري ﴾ خبراً مستأنفاً منقطعاً عما قبله.
والتحقيق في تقرير هذا الوجه أن العلم نور والجهل ظلمة والروح كاللوح والعلوم والمعارف كالنقوش ولكن حالهم بالضد من النقوش الجسمانية، فإن تزاحم النقوش الجسمانية يكدر اللوح وتوارد النقوش المعنوية وتكاثرها يزيد لوح الروح لمعاناً وإشراقاً حتى إنه يقوى بها على تحصيل المعارف الباقية بسهولة، فليس فهم الرجل المنتهي للعلوم والحقائق كفهم المبتدىء، فإن الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور المعرفة، وإذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة التوجه إلى الآخرة والإعراض عن الدنيا، ولا تزال تتزايد إشراقات هذه المعارف والملكات فيرتقي في معارجها لحظة فلحظة، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية فلا نهاية لمراتب هذه الهداية.
وفي قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ دليل لمن قال إن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ولكنهما يعدّان الذهن لحصول الفيض من الجواد المطلق.
ومعنى ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ أنهم يكونون في البساتين على مواضع مرتفعة كالسرر والأرائك والأنهار تجري من بين أيديهم.
﴿ دعواهم فيها ﴾ قال بعض المفسرين: أي دعاؤهم ونداؤهم كما يدعو القانت بقوله: اللهم إياك نعبد: وقيل: الدعاء العبادة كقوله: ﴿ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ﴾ وإنما تكون هذه عبادتهم لا على سبيل التكليف بل على سبيل الإلهام والعادة ابتهاجاً بذكر الله.
وقيل: الادعاء بين المتخاصمين والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله من المعايب والإقرار له بالإلهية.
قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما.
وقيل: أي طريقتهم وسيرتهم وذلك لأن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم يكن في قولهم سبحانك اللهم دعاء ولا دعوى.
وقيل: أي تمنيهم كقوله: ﴿ ولهم ما يدعون ﴾ أي ما يتمنونه.
وتقول العرب: ادّع عليّ ما شئت أي تمن فكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، ولقد كانوا في الدنيا يدعون في الحروب من يسكنون إليه ويستنصرونه فيقولون: يا آل فلان فأخبر الله عنهم أن أنسهم في الجنة بذكر الله وسكونهم بتحميده ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ أي بعضهم يحيي بعضاً بالسلام.
وقيل: هي تحية الله أو الملائكة إياهم إضافة للمصدر إلى المفعول ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد ﴾ هي "أن" المخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد ﴿ لله ﴾ على أن الضمير للشأن.
قال أهل الظاهر من المفسرين: في سبب تخصيص هذه الأذكار بأهل الجنة أن قوله: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ علم بين أهل الجنة وخدامهم إذا سمعوا ذلك منهم أتوهم بما يشتهونه.
قال ابن جريج: ورد في الأخبار أنه إذا مرّ بهم طير يشتهونه قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وقال القاضي: إنه وعد المتقين بالثواب العظيم فإذا دخل أهل الجنة الجنة ووجدوا تلك المواعيد قالوا سبحانك اللهم أي نسبحك عن الخلف في الوعد.
وقيل: ألهم الله بني آدم في الجنة بعد انقراض الدنيا ما افتخر به الملائكة قبلهم في قولهم: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ ويمكن أن يقال: إن لكل إنسان معراجاً بحسب قوته فإذا وصل العارف الصادق إلى صفات جلال الله قال سبحانك، وإذا ارتقى منها إلى الذات قال اللهم، فإذا عجز عن ذلك المضمار واحترق في أوائل تلك الأنوار رجع من عالم الجلال إلى عالم الإكرام فأفاض الخير على جميع المحتاجين ويدفع المخافات والمكاره عنهم بكل ما أمكنه وذلك قوله: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ثم إذا شاهدوا أثر نعمة الله عليهم بالاستفاضة والإفاضة اختتموا الكلام بقولهم: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .
وعلى هذا يدور أمرهم في العروج والنزول ما داموا في الدنيا فيكون كذلك حالهم في العقبى لقوله: "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون".
التأويل: ﴿ الۤر ﴾ فيه إشارتان: إحداهما من الحق المحق إلى حبيبه محمد كأنه قال: بآلائي عليك في الأزل وأنت في العدم وبلطفي عليك في الوجود وبرحمتي ورأفتي لك من الأزل إلى الأبد.
والثانية من الحق لنبيه إليه يقول بإنسك معي حين خلقت روحي ولم يكن ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به حين دعوتك للخروج من العدم فقلت: ياسين أي يا سيد فقلت: لبيك وسعديك والخير كله بيديك.
وبرجوعك منك إلى حين قلت لنفسك بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ تلك ﴾ أي هذه الآيات المنزلة عليك ﴿ آيات الكتاب الحكيم ﴾ الذي وعدتك في الأزل وراثته لك ولأمتك.
والحكيم الحاكم على الكتب كلها فلا ينسخه كتاب وهو ينسخ الشرائع والأحكام والكتب كلها ﴿ إلى رجل منهم ﴾ لما رأى فيه رجولية قبول الوحي دون غيره، ويحتمل أن يكون معنى للناس الناسي عهد الله ﴿ قدم صدق ﴾ محمد لأنه أول من خرج من العدم إلى الوجود، أو هو العناية الأزلية "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لساحر مبين ﴾ صدقوا في أنهم مسحورون إلا أنه سحرهم سحرة صفات فرعون النفس.
إن الذي يربيكم هو الذي خلق السموات سموات أرواحكم وأرض نفوسكم من ستة أنواع هي: الروح والقلب والعقل والنفس الحيواني والنفس النباتي والصورة المعدنية ﴿ ثم استوى ﴾ على العرش القلب ﴿ يدبر ﴾ أمر السعادة والشقاوة يقلبه كيف يشاء.
﴿ إليه مرجعكم جميعاً ﴾ فرجعوا مقبولين بجذبات العناية التي صورتها خطاب ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ وحقيقتها انجذاب القلب إلى الله ونتيجتها عزوف النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها ورجوع المردودين بغير الاختيار بالسلاسل والأغلال.
ومن نتائجه تعلقات الدنيا واستيلاء صفات النفس ﴿ بالقسط ﴾ أي لكل بحسب كماله ونقصانه.
جعل شمس الروح ضياء يستنير بها قمر القلب إذا وقع في مواجهتها، وإذا وقع في مقابلة أرض النفس انكسف ولهذا سمي قلباً لتقلب أحواله بين الروح والنفس.
وتلك الأحوال هي منازله ومقاماته لتعلموا عدد سنين المقامات وحساب الكشوف والمشاهدات ﴿ إن في اختلاف ﴾ ليل صفات البشرية ونهار صفات الروحانية ﴿ وما خلق الله ﴾ في سموات الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف والأخلاق وتبدل الأحوال ﴿ لآيات ﴾ دالة على التوحيد ﴿ لقوم يتقون ﴾ الأخلاق الذميمة ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ وإن لم يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها كالرهابين والبراهمة وبعض الفلاسفة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾ : فإن قيل: قد أهلك من قد ظلم ومن لم يظلم، فما يعلم من أهلك من الظلمة أنه إنما أهلكهم لظلمهم، أو أهلك لصلاح من لم يظلم.
قيل: إنه أهلك الظلمة إهلاك استئصال وعقوبة، وأهلك من لم يظلم لا إهلاك عقوبة واستئصال، إنما هو إهلاك بآجالهم التي جعل لهم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ : إنما أهلك أولئك بسؤالهم الذي سألوا سؤال تعنت رسلهم الآيات، فإذا جاءوا بتلك الآيات كذبوها، فأهلكوا عند ذلك، فأنتم يا أهل مكة إذا سألتم رسولكم الآية ثم كذبتموها، يعذبكم كما عذب أولئك؛ إذ من حكمه الإهلاك على أثر السؤال، كأنه ينهى أهل مكة عن سؤال الآيات، فإن على إثره الإهلاك إذا لم يقبلوها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ يحتمل البينات التي تبين ما يؤتى وما يتقى، وقد ذكرناها في غير موضع.
﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ : يخبر رسوله أنهم وإن سألوك الآيات فإذا جئت بها فإنهم لا يؤمنون، يعني: أهل مكة.
﴿ كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ : كل مجرم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ خَلاَئِفَ ﴾ أي: جعل أنفسكم خلف أنفس أولئك الذين لم يهلكهم، يخرج هذا مخرج تذكير النعمة والامتنان والرحمة، يذكرهم أنه لو شاء أهلك الكل، فلا يكون هؤلاء خلف أولئك، ولكن بفضله ورحمته أبقاكم.
ويحتمل قوله: ﴿ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ ﴾ [أولئك في المحنة والعبادة أي: جعل عليكم من المحنة والعبادة كما كان على آبائكم من المحنة والعبادة.
ويشبه أن يكون قوله جعلناكم خلائف] الذين لم يظلموا، فكيف لا تتبعونهم، لأن الذين ظلموا قد أهلكتهم، فأنتم خلائف أولئك الذين لم يظلموا ولم يكذبوا الرسل، فكيف لا تتبعونهم كأنهم ادعوا أن آباءهم كانوا على ما هم عليه، وأنهم على مذاهب آبائهم، يقول: جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم، أي: لست أنا بأول رسول أرسلت إليكم، بل لم يزل الله [يرسل رسلاً] في الأمم، فكان فيهم لهم أتباع يتبعون رسلهم إلى ما يدعونهم إليه ويجيبونهم، فاتبعوني أنتم يا أهل مكة فيما دعيتم إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ : لم يزل الله عالماً بما كان ويكون منهم من المعصية والطاعة، ولكن ليعلمهم عصاة ومطيعين؛ لأن المعصية إنما تكون بعد ما يكون النهي والطاعة إنما تكون بالأمر فيبتليكم فيعلمكم عصاة كما علم أنه يكون منكم معصية ويعلمكم مطيعين كما علم أنه يكون منكم الطاعة، وقد ذكرنا أمثال هذا فيما تقدم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وإذا تُقْرأ عليهم الآيات القرآنية الواضحة الدالة على توحيد الله، قال منكرو البعث الذين لا يرجون ثوابًا، ولا يخافون عقابًا: جيء -يا محمد- بقرآن غير هذا القرآن المشتمل على سب عبادة الأصنام أو غيره بنَسْخ بعضه أو كله بما يوافق أهواءنا، قل لهم -أيها الرسول-: لا يصح أن أغيِّره أنا، ولا أستطيع -بالأوْلى- الإتيان بغيره، بل الله وحده هو الَّذي يبدل منه ما يشاء، فلست أتبع إلا ما يوحيه الله إلي، إني أخاف إن عصيت الله بإجابتكم إلى ما طلبتم عذاب يوم عظيم، وهو يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir" id="91.7W7oR"