الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٤ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 42 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم ، وأرسل إليهم رسولا لينظر طاعتهم له ، واتباعهم رسوله ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون ، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء " .
وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة فهد حدثنا حماد ، عن ثابت البناني ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ؛ أن عوف بن مالك قال لأبي بكر : رأيت فيما يرى النائم كأن سببا دلي من السماء ، فانتشط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أعيد ، فانتشط أبو بكر ، ثم ذرع الناس حول المنبر ، ففضل عمر بثلاث أذرع إلى المنبر .
فقال عمر : دعنا من رؤياك ، لا أرب لنا فيها !
فلما استخلف عمر قال : يا عوف ، رؤياك !
فقال : وهل لك في رؤياي من حاجة ؟
أولم تنتهرني ؟
فقال : ويحك !
إني : كرهت أن تنعى لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه !
فقص عليه الرؤيا ، حتى إذا بلغ : " ذرع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع " ، قال : أما إحداهن فإنه كائن خليفة .
وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم .
وأما الثالثة فإنه شهيد .
قال : فقال : يقول الله تعالى : ( ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ) فقد استخلفت يا ابن أم عمر ، فانظر كيف تعمل ؟
وأما قوله : " فإني لا أخاف في الله لومة لائم " ، فما شاء الله !
وأما قوله : [ إني ] شهيد فأنى لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون به .
القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) قال أبو جعفر يقول تعالى ذكره: ثم جعلناكم ، أيها الناس، خلائف من بعد هؤلاء القرون الذين أهلكناهم لما ظلموا ، تخلفونهم في الأرض، وتكونون فيها بعدهم (37) (لننظر كيف تعملون) ، يقول: لينظر ربكم أين عملكم من عمل من هلك من قبلكم من الأمم بذنوبهم وكفرهم بربهم، تحتذون مثالهم فيه، فتستحقون من العقاب ما استحقوا، أم تخالفون سبيلَهم فتؤمنون بالله ورسوله وتقرّون بالبعث بعد الممات، فتستحقون من ربكم الثواب الجزيل، كما:- 17579- حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) ، ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: صدق ربُّنا ، ما جعلنا خُلفاء إلا لينظر كيف أعمالُنا، فأرُوا الله من أعمالكم خيرًا بالليل والنهار ، والسر والعلانية.
17580- حدثني المثنى قال ، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة فهد قال ، حدثنا حماد عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن عوف بن مالك رضي الله عنه قال لأبي بكر رضي الله عنه: رأيتُ فيما يرى النائم كأن سببًا دُلِّي من السماء ، فانتُشِط رسول الله صلى الله عليه وسلم، (38) ثم دُلِّي فانتُشِط أبو بكر، ثم ذُرِع الناس حول المنبر، (39) ففضَل عمر رضي الله عنه بثلاث أذرع إلى المنبر.
فقال عمر: دعنا من رؤياك، لا أرَبَ لنا فيها !
فلما استخلف عمر قال: يا عوف ، رؤياك!
قال: وهل لك في رؤياي من حاجة؟
أو لم تنتهرني!
قال: ويحك !
إني كرهت أن تنعَى لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه !
فقصّ عليه الرؤيا، حتى إذا بلغ : " ذُرِع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع " ، قال: أمّا إحداهن ، فإنه كائن خليفةً.
وأما الثانية ، فإنه لا يخاف في الله لومة لائم.
وأما الثالثة ، فإنه شهيد.
قال: فقال يقول الله: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) ، فقد استخلفت يا ابن أم عمر، فانظر كيف تعمل.
وأما قوله: " فإني لا أخاف في الله لومة لائم " فما شاء الله.
وأما قوله: " فإني شهيد " فأنَّى لعمر الشهادة ، والمسلمون مُطِيفون به!
ثم قال : إن الله على ما يشاء قدير.
(40) ------------------------ الهوامش: (37) انظر تفسير " الخلائف " فيما سلف 13 : 122 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(38) " انتشط " ( بالبناء للمجهول ) ، أي : انتزع ، جذب إلى السماء ورفع إليها ، من قولهم : " نشط الدلو من البئر " ، إذا نزعها وجذبها من البئر صعدا بغير بكرة .
(39) "ذرع الناس" ، أي : قدر ما بينهم وبين المنبر بالذراع .
يقال: "ذرع الثوب " ، إذا قدره بالذراع.
(40) الأثر : 17580 - " زيد بن عوف القطعي " ، " أبو ربيعة " ، " فهد " ، متروك ، وقد مضى برقم : 5623 ، 14215 ، 14218 ، 14221 .
وكان في المطبوعة هنا : " يزيد بن عوف ، أبو ربيعة ، بهذا " ، ومثله في تفسير ابن كثير 4 : 287 ، وهو اتفاق غريب على الخطأ !
.
وهذا الخبر ، رواه ابن سعد بغير هذا اللفظ ، بإسناد حسن في كتاب الطبقات الكبير 3 / 1 / 239 .
قوله تعالى ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملونقوله تعالى : ثم جعلناكم خلائف مفعولان .
والخلائف جمع خليفة ، وقد تقدم آخر " الأنعام " أي جعلناكم سكانا في الأرض .
من بعدهم أي من بعد القرون المهلكة .
لننظر نصب بلام كي ، وقد تقدم نظائره وأمثاله ; أي ليقع منكم ما تستحقون به الثواب والعقاب ، ولم يزل يعلمه غيبا .
وقيل : يعاملكم معاملة المختبر إظهارا للعدل .
وقيل : النظر راجع إلى الرسل ; أي لينظر رسلنا وأولياؤنا كيف أعمالكم .
وكيف نصب بقوله : تعملون : لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله .
{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ} أيها المخاطبون {خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} فإن أنتم اعتبرتم واتعظتم بمن قبلكم واتبعتم آيات الله وصدقتم رسله، نجوتم في الدنيا والآخرة. وإن فعلتم كفعل الظالمين قبلكم، أحل بكم ما أحل بهم، ومن أنذر فقد أعذر.
( ثم جعلناكم خلائف ) أي : خلفاء ، ( في الأرض من بعدهم ) أي : من بعد القرون التي أهلكناهم ، ( لننظر كيف تعملون ) وهو أعلم بهم .
وروينا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألا إن هذه الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها ، فناظر كيف تعملون " .
«ثم جعلناكم» يا أهل مكة «خلائف» جمع خليفة «في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون» فيها وهل تعتبرون بهم فتصدقوا رسلنا.
ثم جعلناكم -أيها الناس- خَلَفًا في الأرض من بعد القرون الـمُهْلَكة، لننظر كيف تعملون: أخيرًا أم شرًا، فنجازيكم بذلك حسب عملكم.
وقوله - سبحانه : ( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فى الأرض مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) معطوف على قوله ( أهلكنا ) .والخلائف جمع خليفة .
وهو كل من يخلف غيره ويأتي من بعده .أي : ثم جعلناكم أيها المكلفون باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - خلفاء فى الأرض من بعد أولئك الأقوام المهلكين لنرى ونشاهد ونعلم أي عمل تعملون فى خلافتكم فنجازيكم على ذلك الجزاء المناسب الذى تقتضيه حكمتنا وإرادتنا ، و ( كيف ) مفعول مطلق ل ( تعملون ) لا ( لننظر ) لأن الاستفهام له الصدارة ، فلا يعمل فيه ما قبله .قال الآلوسى : واستعمال النظر بمعنى العلم مجاز ، حيث شبه بنظر الناظر .
وعيان المعاين فى تحققه .
والمراد نعاملكم معاملة من يطلب العلم بأعمالكم ليجازيكم بحسبها ، كقوله - تعالى - ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) قال قتادة : صدق الله ربنا ، ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا ، فأروا الله من أعمالكم خيرا ، بالليل والنهار .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: في بيان كيفية النظم.
اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم كانوا يقولون: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ثم إنه أجاب عنه بأن ذكر أنه لا صلاح في إجابة دعائهم، ثم بين أنهم كاذبون في هذا الطلب لأنه لو نزلت بهم آفة أخذوا في التضرع إلى الله تعالى في إزالتها والكشف لها، بين في هذه الآية ما يجري مجرى التهديد، وهو أنه تعالى قد ينزل بهم عذاب الاستئصال ولا يزيله عنهم، والغرض منه أن يكون ذلك رادعاً لهم عن قولهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، لأنهم متى سمعوا أن الله تعالى قد يجيب دعاءهم وينزل عليهم عذاب الاستئصال، ثم سمعوا من اليهود والنصارى أن ذلك قد وقع مراراً كثيرة.
صار ذلك رادعاً لهم وزاجراً عن ذكر ذلك الكلام، فهذا وجه حسن مقبول في كيفية النظم.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف ﴿ لَّمّاً ﴾ ظرف لأهلكنا، والواو في قوله: ﴿ وَجَاءتْهُمْ ﴾ للحال، أي ظلموا بالتكذيب.
وقد جاءتهم رسلهم بالدلائل والشواهد على صدقهم وهي المعجزات، وقوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ يجوز أن يكون عطفاً على ظلموا، وأن يكون اعتراضاً، واللام لتأكيد النفي، وأن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر وهذا يدل على أنه تعالى إنما أهلكهم لأجل تكذيبهم الرسل، فكذلك يجزى كل مجرم، وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله، وقرئ ﴿ يَجْزِى ﴾ بالياء وقوله: ﴿ ثُمَّ جعلناكم خلائف ﴾ الخطاب للذين بعث إليهم محمد عليه الصلاة والسلام، أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكناهم، لننظر كيف تعملون، خيراً أو شراً، فنعاملكم على حسب عملكم.
بقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: كيف جاز النظر إلى الله تعالى وفيه معنى المقابلة؟
والجواب: أنه استعير لفظ النظر للعلم الحقيقي الذي لا يتطرق الشك إليه، وشبه هذا العلم بنظر الناظر وعيان المعاين.
السؤال الثاني: قوله: ﴿ ثُمَّ جعلناكم خلائف فِي الأرض مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ مشعر بأن الله تعالى ما كان عالماً بأحوالهم قبل وجودهم.
والجواب: المراد منه أنه تعالى يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم، ليجازيهم بحسبه كقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ وقد مر نظائر هذا.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا خضرة حلوة وأن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون» وقال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيراً، بالليل والنهار.
المسألة الثالثة: قال الزجاج: موضع ﴿ كَيْفَ ﴾ نصب بقوله: ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ لأنها حرف، لاستفهام والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، ولو قلت: لننظر خيراً تعملون أم شراً، كان العالم في خير وشر تعملون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَمَّا ﴾ ظرف لأهلكنا: والواو في ﴿ وَجَاءتْهُمْ ﴾ للحال، أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم بالحجج والشواهد على صدقهم وهي المعجزات.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ يجوز أن يكون عطفاً على ظلموا، وأن يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، يعني: ما كانوا يؤمنون حقاً تأكيداً لنفي إيمانهم، وأن الله قد علم منهم أنهم يصرون على كفرهم، وأن الإيمان مستبعد منهم.
والمعنى: أن السبب في إهلاكهم تكذيب الرسل، وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجّة ببعثه الرسل ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الجزاء يعني الإهلاك ﴿ نَجْزِي ﴾ كل مجرم، وهو وعيد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقرئ: ﴿ يجزي ﴾ بالياء ﴿ ثُمَّ جعلناكم ﴾ الخطاب للذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم، أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكنا ﴿ لِنَنظُرَ ﴾ أتعملون خيراً أم شراً فنعاملكم على حسب عملكم.
و ﴿ كَيْفَ ﴾ في محل النصب بتعلمون لا بننظر، لأنّ معنى الاستفهام فيه يحجب أن يتقدّم عليه عامله.
فإن قلت: كيف جاز النظر على الله تعالى وفيه معنى المقابلة قلت: هو مستعار للعلم المحقق الذي هو العلم بالشيء موجوداً شبه بنظر الناظر وعيان المعاين في تحققه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ.
﴿ لَمّا ظَلَمُوا ﴾ حِينَ ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ واسْتِعْمالِ القُوى والجَوارِحِ لا عَلى ما يَنْبَغِي ﴿ وَجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ بِالحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ وهو حالٌ مِنَ الواوِ بِإضْمارِ قَدْ أوْ عَطْفٍ عَلى ظَلَمُوا.
﴿ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ وما اسْتَقامَ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا لِفَسادِ اسْتِعْدادِهِمْ وخِذْلانِ اللَّهِ لَهم وعِلْمِهِ بِأنَّهم يَمُوتُونَ عَلى كَفْرِهِمْ، واللّامِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ وهو إهْلاكُهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ بِحَيْثُ تَحَقَّقَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في إمْهالِهِمْ ﴿ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ نَجْزِي كُلَّ مُجْرِمٍ أوْ نَجْزِيكم فَوُضِعَ المَظْهَرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ جُرْمِهِمْ وأنَّهم أعْلامٌ فِيهِ.
﴿ ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ اسْتَخْلَفْناكم فِيها بَعْدَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها اسْتِخْلافَ مَن يُخْتَبَرُ.
﴿ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ أتَعْمَلُونَ خَيْرًا أوْ شَرًّا فَنُعامِلُكم عَلى مُقْتَضى أعْمالِكم، وكَيْفَ مَعْمُولُ تَعْمَلُونَ فَإنَّ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ يَحْجُبُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ ما قَبْلَهُ، وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الجَزاءِ جِهاتُ الأفْعالِ وكَيْفِيّاتُها لا هي مِن حَيْثُ ذاتِها ولِذَلِكَ يَحْسُنُ الفِعْلُ تارَةً ويَقَبَحُ أُخْرى.
<div class="verse-tafsir"
{ثُمَّ جعلناكم خلائف فِى الأرض مِن بَعْدِهِم} الخطاب للذين بعث اليهم محمد صلى الله عليه وسلم أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكناها {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أي لننظر أتعملون خيرا وشرا فنعاملكم على حسب عملكم وكيف فى محل النصب يتعملون لا ينتظر لأن معنى الاستفهام فيه يمنع أن يتقدم عليه عامله والمعنى أنتم بمنظر منا فانظروا كيف تعملون أبالاعتبار ب
ماضيكم أم الاغترار بما فيكم قال عليه السلام الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ ابْتِداءُ تَعُرُّضٍ لِأُمُورِهِمْ وأنَّ ما بُيِّنَ فِيهِ مَبادِئُ أحْوالِهِمْ لِاخْتِبارِ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِاسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ الإيمانِ والطّاعَةِ فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إثْرَ بَيانِ مُنْتَهى أمْرِهِمْ وخِطابِهِمْ بِبَتِّ القَوْلِ بِإهْلاكِهِمْ لِكَمالِ إجْرامِهِمْ والعَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ أهْلَكْنا ﴾ لا عَلى ما قَبْلَهُ والمَعْنى ثُمَّ اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ إهْلاكِ أُولَئِكَ القُرُونِ الَّتِي تَسْمَعُونَ أخْبارَها وتُشاهِدُونَ آثارَها (لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْلَمُونَ 14) أيْ لِنَعْلَمَ أيَّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَ فَكَيْفَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِتَعْلَمُونِ، وقَدْ صَرَّحَ في المُغْنِي بِأنَّ كَيْفَ تَأْتِي كَذَلِكَ وأنَّ مِنهُ ﴿ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ﴾ ولَيْسَتْ مَعْمُولَةً ﴿ لِنَنْظُرَ ﴾ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ الصَّدارَةُ فَيُمْنَعُ ما قَبْلَهُ مِنَ العَمَلِ فِيهِ ولِذا لَزِمَ تَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ هُنا وقِيلَ: مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ كَما هو المَشْهُورُ فِيها إذا كانَ بَعْدَها فِعْلٌ نَحْوَ كَيْفَ ضَرَبَ زَيْدٌ أيْ عَلى أيِّ حالٍ تَعْمَلُونَ الأفْعالَ اللّائِقَةَ بِالِاسْتِخْلافِ مِن أوْصافِ الحُسْنِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ما فِيهِ وقِيلَ: مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِتَعْلَمُونِ أيْ أيَّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَ خَيْرًا أوْ شَرًّا وقَدْ صَرَّحُوا بِمَجِيئِها كَذَلِكَ أيْضًا وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ نَحْوَ كَيْفَ ظَنَنْتَ زَيْدًا وبِما ذُكِرَ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ وتَعَقَّبَهُ القُطْبُ بِما تَعَقَّبَهُ ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّهُ جَعَلَ كَيْفَ هَهُنا مَجازًا بِمَعْنى أيِّ شَيْءٍ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَعْنى كَيْفَ السُّؤالُ عَنِ الأحْوالِ والصِّفاتِ لا عَنِ الذَّواتِ وغَيْرِها فالسُّؤالُ هُنا عَنْ أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ ولا مَعْنى لِلسُّؤالِ عَنِ العَمَلِ إلّا عَنْ كَوْنِهِ حَسَنًا أوْ قَبِيحًا وخَيْرًا أوْ شَرًّا فَكَيْفَ لَيْسَتْ مَجازًا بَلْ هي عَلى حَقِيقَتِها ثُمَّ إنَّ اسْتِعْمالَ النَّظَرِ بِمَعْنى العِلْمِ مَجازٌ حَيْثُ شُبِّهَ بِنَظَرِ النّاظِرِ وعِيانِ المُعايِنِ في تَحَقُّقِهِ والكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مُرَتَّبَةٌ عَلى اسْتِعارَةٍ تَصْرِيحِيَّةٍ تَبَعِيَّةٍ والمُرادُ يُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَطْلُبُ العِلْمَ بِأعْمالِكم لِيُجازِيَكم بِحَسَبِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالعِلْمِ المَعْلُومُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا مَجازًا مُرَتَّبًا عَلى اسْتِعارَةٍ وأيًّا ما كانَ فَلا يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمًا بِأعْمالِهِمْ قَبْلَ اسْتِخْلافِهِمْ ولَيْسَ مَبْنى تَفْسِيرِ النَّظَرِ بِالعِلْمِ عَلى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ كَما هو مَذْهَبُ بَعْضِ القَدَرِيَّةِ القائِلِينَ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَرى ولا يَرى فَإنّا ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَرى ويُرى والشُّرُوطُ في الشّاهِدِ لَيْسَتْ عَقْلِيَّةً كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ وإنَّ الرُّؤْيَةَ صِفَةٌ مُغايِرَةٌ لِلْعِلْمِ وكَذا السَّمْعُ أيْضًا ومِمَّنْ يَقُولُ أيْضًا: إنَّ صُوَرَ الماهِيّاتِ الحادِثَةَ مَشْهُودَةٌ لِلَّهِ تَعالى أزَلًا في حالِ عَدَمِها في أنْفُسِها في مَرايا الماهِيّاتِ الثّابِتَةِ عِنْدَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بَلْ هو مَبْنِيٌّ عَلى اقْتِضاءِ المَعْنى لَهُ فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: أكْرَمْتُكَ لِأرى ما تَصْنَعُ.
فَمَعْناهُ أكْرَمْتُكَ لِأخْتَبِرَكَ وأعْلَمَ صُنْعَكَ فَأُجازِيَكَ عَلَيْهِ ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ حَمْلَ النَّظَرِ عَلى الِانْتِظارِ والتَّرَبُّصِ كَما هو أحَدُ مَعانِيهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وبَعْضُ النّاسِ حَمَلَ كَلامَ بَعْضِ الأفاضِلِ عَلَيْهِ وارْتَكَبَ شَطَطًا وتَكَلَّمَ غَلَطًا (هَذا) وقُرِئَ (لِنَظُّرَ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الظّاءِ ووَجْهُ ذاكَ أنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ قُلِبَتْ ظاءً وأُدْغِمَتْ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ، يعني: جعلناكم يا أمة محمد خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ، يعني: من بعد هلاكهم، لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ.
وهذا على معنى التهديد، يعني: إنْ كانت معاملتكم مثل معاملتهم في تكذيب الرسل، أهلكتكم كما أهلكت تلك القرون.
قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ، يعني: القرآن، قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنَا يعني: كفار قريش لما سمعوا القرآن قالوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، يعني: امحه وانسخه، فإنا نجد فيه تحريم عبادة الأوثان وما نحن عليه، وهذا قول الضحاك.
وقال الكلبي: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ يعني: المستهزئين، وكانوا خمسة رهط قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنَا يعني: لا يخافون البعث بعد الموت ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ ائت يا محمد أو اجعل مكان آية الرحمة آية العذاب، ومكان آية العذاب آية الرحمة، وقال الزجاج: معناه ائت بقرآن ليس فيه ذكر البعث والنشور، وليس فيه عيب آلهتنا، أو بدل منه ذكر البعث والنشور.
قال الله تعالى: قُلْ مَا يَكُونُ لِي، يعني: قل: ما يجوز لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي يقول من قبل نفسى.
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ، يعني: لا أعمل إلا ما أومر به وأنزل عليّ من القرآن.
إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي، يعني: إني أعلم أن لو فعلت ما لم أؤمر به عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ، يعني: يوم القيامة.
قال مقاتل والكلبي: نسختها لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: 2] ويقال: هذا على وجه المثل، ومعناه: إني أعلم أن من عصى الله وخالف أمره، له عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني: يصيبه العذاب.
وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، ولا أعلمكم به، ومعناه: أن الله تعالى لو لم يجعلني رسولاً إليكم ما تلوته عليكم كما لم أتل عليكم قبل الوحي.
ويقال: معناه لو رضي الله لكم مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ من الكفر والجهل، ما بعثني إليكم رسولاً.
قرأ أبو عمرو وحمزة ونافع في رواية ورش والكسائي: ولا أدريكم بكسر الراء، وقرأ الباقون بالنصب، وهما لغتان ومعناهما واحد.
وعن الحسن أنه قرأ: ولا أدرأتكم بالتاء.
قال أبو عبيدة: ما أرى ذلك إلا غلطاً منه في الرواية، لأنه لا مخرج لها في العربية.
ثم قال: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ، يعني: إلى أربعين سنة من قبل هذا القرآن فهل سمعتموني أقرأ شيئاً من هذا عليكم؟
أَفَلا تَعْقِلُونَ أَنِّي لم أتقوله من تلقاء نفسي، ولكنه هو القرآن الذي أوحى الله من عنده، لأنه لو كان من تلقاء نفسي لسمعتم مني قبل هذا شيئا منه.
<div class="verse-tafsir"
فهي تحيَّة موضوعةٌ من أول الخلقة إلى غير نهاية، وقد رَوَى ابنُ القاسِمُ، عن مالكٍ في قوله تعالى: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ أي: هذا السَّلام الذي بين أظهركم، وهذا أظهر الأقوال، واللَّه أعلم.
انتهى.
وقرأ الجمهور «١» : «أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ» ، وهي عند سَيْبَوَيْهِ «٢» «أن» المخفَّفَةُ من الثقيلة قال أبو الفتح: فهي بمنزلة قول الأعْشَى: [البسيط] :
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ...
أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يحفى وينتعل «٣»
وقوله سبحانه: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ...
الآية: هذه الآيةُ نزلَت، في دعاء الرَّجُل على نَفْسه أو ولده، أو ماله، فأخبر سبحانه أنَّه لو فعل مع النَّاس في إِجابته إِلى المَكْروه مثْلَ ما يريدُ فعله معهم في إِجابته إِلى الخَيْر، لأهلكهم، وحُذِفَ بعد ذلك جملة يتضمَّنها الظاهرُ، تقديرها: فلا يفعلْ ذلك، ولكنْ يَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا ...
الآية، وقيل: إِن هذه الآية نزلَتْ في قولهم:
إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: ٣٢] ، وقيل:
نزلت في قولهم: ائْتِنا بِما تَعِدُنا [هود: ٣٢] ، وما جرى مجراه، والعَمَهُ: الخبط في ضلال.
وقوله سبحانه: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ ...
الآية: هذه الآية أيضا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلْناكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ خَلائِفَ، أيِ: اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ.
وقالَ قَتادَةُ: ما جَعَلَنا اللَّهُ خَلائِفَ إلّا لِيَنْظُرَ إلى أعْمالِنا، فَأرُوا اللَّهَ مِن أعْمالِكم خَيْرًا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أو بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وضَرْبُ أمْثالٍ لَهُمْ، أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ فِعْلَكم فَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكم ما فُعِلَ بِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ إخْبارٌ عن قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وشَدَّةِ كُفْرِهِمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وغَيْرُهُمْ: "نَجْزِي" بِنُونِ الجَماعَةِ، وفِرْقَةٌ "يَجْزِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى: يَجْزِي اللهُ، و"خَلائِفُ" جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَوْلُهُ: "لِنَنْظُرَ" مَعْناهُ: لِنُبَيِّنَ في الوُجُودِ ما عَلِمْناهُ أزَلًا، لَكِنْ جَرى القَوْلُ عَلى طَرِيقِ الإيجازِ والفَصاحَةِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ -وَقالَ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ -: "لِنَظُّرَ" بِإدْغامِ النُونِ في الظاءِ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَنا خُلَفاءَ لِيَنْظُرَ كَيْفَ عَمَلُنا فَأرُوا اللهَ حُسْنَ أعْمالِكم في السِرِّ والعَلانِيَةِ"، وكانَ أيْضًا يَقُولُ: "قَدِ اسْتُخْلِفْتَ يا ابْنَ الخَطّابِ فانْظُرْ كَيْفَ تَعْمَلُ"، وأحْيانًا كانَ يَقُولُ: "قَدِ اسْتَخْلِفْتَ يا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّ بَعْضَ كُفّارِهِمْ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى مَعْنى: ساهِلْنا يا مُحَمَّدُ واجْعَلْ هَذا الكَلامَ الَّذِي هو مِن قِبَلِكَ عَلى اخْتِيارِنا، وأحِلَّ ما حَرَّمْتَهُ وحَرِّمْ ما حَلَّلْتَهُ لِيَكُونَ أمْرُنا حِينَئِذٍ واحِدًا وَكَلِمَتُنا مُتَّصِلَةً، فَذَمَّ اللهُ هَذِهِ الصَنْعَةَ وذَكَّرَهم بِأنَّهم يَقُولُونَ هَذا لِلْآياتِ البَيِّناتِ، ووَصَفَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الواضِحِ، وأنْ يَسْتَسْلِمَ ويَتَّبِعَ حُكْمَ اللهِ تَعالى ويُعْلِمَ بِخَوْفِهِ رَبَّهُ، واليَوْمُ العَظِيمُ: يَوْمُ القِيامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على ﴿ أهلكنا ﴾ [يونس: 13] وحرف (ثم) مؤذن ببعد ما بين الزمنين، أي ثم جعلناكم تخلفونهم في الأرض.
وكون حرف (ثم) هنا عاطفاً جملة على جملة تقتضي التراخي الرتبي لأن جعلهم خلائف أهم من إهلاك القرون قبلهم لما فيه من المنة عليهم، ولأنه عوضهم بهم.
والخلائف: جمع خليفة.
وتقدم في قوله: ﴿ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ﴾ في سورة [الأنعام: 165].
والمراد بالأرض } بلاد العرب، فالتعريف فيه للعهد؛ لأن المخاطبين خلفوا عاداً وثموداً وطسماً وجديساً وجُرهماً في منازلهم على الجملة.
والنظر: مستعمل في العلم المحقق، لأن النظر أقوى طرق المعرفة، فمعنى ﴿ لننظر ﴾ لنتعلم، أي لنعلم علماً متعلقاً بأعمالكم.
فالمراد بالعلم تعلقه التنجيزي.
و ﴿ كيف ﴾ اسم استفهام معلق لفعل العلم عن العمل، وهو منصوب ب ﴿ ننظر ﴾ ، والمعنى في مثله: لنعلم جواب كيف تعملون، قال إياس بن قبيصة: وأقبلت والخطى يخطر بيننا *** لا علم مَن جبانها من شجاعها أي (لا علم) جَواب مَن (جبانها).
وإنما جعل استخلافهم في الأرض علة لعلم الله بأعمالهم كناية عن ظهور أعمالهم في الواقع إن كانت مما يرضي الله أو ممَّا لا يرضيه فإذا ظهرت أعمالهم علمها الله علم الأشياء النافعة وإن كان يعلم أن ذلك سيقع علماً أزلياً، كما أن بيت إياس بن قبيصة معناه ليَظهر الجبانُ من الشجاع.
وليس المقصود بتعليل الإقْدام حصول علمه بالجبان والشجاع ولكنه كنّى بذلك عن ظهور الجبان والشجاع.
وقد تقدم نظير هذا في قوله تعالى: ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ﴾ في سورة [آل عمران: 140].
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ﴾ قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية فقال: صدق ربنا، ما جعلنا خلائف في الأرض إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله خير أعمالكم بالليل والنهار والسر والعلانية.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد أهل مكة (١) وقوله تعالى: ﴿ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد لنختبر أعمالكم، وهو يعلم ما يكون قبل أن يكون (٢) وقال أهل المعاني: معنى النظر هو طلب العلم، وجاز في وصف الله تعالى للمظاهرة في العدل بأنه يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه كقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ (٣) (٤) وقال رسول الله : "إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون" (٥) (٦) وقال أبو إسحاق: موضع (كيف) نصب بقوله (تعملون)] (٧) (٨) (١) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 541.
(٢) المصدر السابق، نفس المصدر.
(٣) وانظر معنى هذا القول في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 472، وللنحاس 1/ 482.
(٤) انظر مثلاً: تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا ﴾ في "البسيط".
(٥) رواه مسلم في "صحيحه" (2742) كتاب الرقاق، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء، والترمذي في "سننه" (2191) كتاب: الفتن، باب: ما جاء ما أخبر النبي أصحابه، وابن ماجه في "سننه" (4000) كتاب: الفتن، باب: فتنة النساء، وأحمد في "المسند" 3/ 19.
(٦) ذكره عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 13، والرازي في "تفسيره" 17/ 54، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 541، ولا أرى نسبته إلى قتادة إلا وهمًا، إذ رواه ابن جرير 11/ 94، والثعلبي 7/ 8 أ، وابن أبي حاتم 6/ 1934، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 540، عن قتادة، عن عمر.
(٧) ما بين المعقوفين مكرر في (ى).
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 10.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون ﴾ إخبار ضمنه وعيد للكفار ﴿ لِنَنظُرَ ﴾ معناه ليظهر في الوجود فتقوم عليكم الحجة به ﴿ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ﴾ يعني على قريش ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي ما تلوته إلا بمشيئة الله، لأنه من عنده وما هو من عندي ﴿ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ أي ولا أعلمكم به ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ ﴾ أي بقيت بينكم أربعين سنة قبل البعث ما تكلمت في هذا حتى جاءني من عند الله ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ تنصل من الافتراء على الله، وبيان لبراءته صلى الله عليه وسلم مما نسبوه إليه من الكذب، وإشارة إلى كذبهم على الله في نسبة الشركاء له ﴿ أَوْ كَذَّبَ بآياته ﴾ بيان لظلمهم في تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لقضي إليهم ﴾ مبنياً للفاعل ﴿ أجلهم ﴾ بالنصب: ابن عامر ويعقوب.
الآخرون مبنياً للمفعول ورفع ﴿ أجلهم ﴾ أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام ﴿ لي أن ﴾ بفتح الياء وكذلك ﴿ إني أخاف ﴾ : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ نفسي أن ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.
﴿ ولأدراكم ﴾ بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة.
وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا.
الباقون:مثله ولكن بالتفخيم.
﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالياء.
الوقوف: ﴿ أجلهم ﴾ ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ أو قائماً ﴾ ط ﴿ مسه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ ليؤمنوا ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أو بدله ﴾ ط.
﴿ نفسي ﴾ ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد ﴿ إليّ ﴾ ط ج لمثل ما قلنا ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ به ﴾ ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى ﴿ من قبله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاختلفوا ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ فانتظروا ﴾ ج لاحتمال الابتداء أو التعليل ﴿ المنتظرين ﴾ ه.
التفسير: إنه ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى.
ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ الآية.
وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف.
وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.
كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا.
قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير.
فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم.
وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر.
فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم.
وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب.
وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به.
ثم إن قوله ﴿ لو يعجل ﴾ كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله ﴿ فنذرهم ﴾ معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى.
ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ أي هذا الجنس ﴿ دعانا لجنبه ﴾ اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا.
وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه.
والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء.
ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها.
أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء.
قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر.
ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر.
وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله : ﴿ هل أتى على الإنسان ﴾ إلا أن يساعده نقل صحيح.
والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه.
قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب.
ومعنى ﴿ مرّ ﴾ مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه.
ومعنى ﴿ كأن لم يدعنا ﴾ كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ من تتبع الشهوات.
والمزين هو الله أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً.
قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام.
والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا.
ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ﴿ ولقد أهلكنا القرون ﴾ وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ﴿ ولما ﴾ ظرف لأهلكنا والواو في ﴿ وجاءتهم ﴾ للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم ﴿ رسلهم ﴾ بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات.
وقوله: ﴿ وما كانوا ليؤمنوا ﴾ إما أن يكون عطفاً على ﴿ ظلموا ﴾ أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله .
ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله بقوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ أي استخلفناكم ﴿ في الأرض ﴾ بعد تلك القرون ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ خيراً أو شراً.
استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف".
قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار.
ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.
طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها.
فأمره الله أن يقول في جوابهم ﴿ ما يكون لي ﴾ أي ما ينبغي وما يحل ﴿ أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى.
ثم أكد الجواب بقوله: ﴿ إن أتبع ﴾ أي ما أتبع ﴿ إلا ما يوحى إلي ﴾ إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل.
وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي.
ونقل عن ابن عباس أن قوله: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.
قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية.
فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ .
ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك.
ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله وأنه غير مستبد في إيراده فقال: ﴿ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ﴾ ولا أعلمكم الله ﴿ به ﴾ على لساني.
ومن قرأ بلام الابتداء.
فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري.
وقرىء ﴿ لا أدرأكم به ﴾ بالهمزة.
ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع.
ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ﴿ فقد لبثت فيكم عمراً ﴾ أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل نزول القرآن ﴿ أفلا تعقلون ﴾ فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية.
وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول إلى الله لم يكن أحد أظلم منه.
ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ﴾ إن لم يعبدوه ﴿ ولا ينفعهم ﴾ إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً.
وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ﴾ ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور.
تقول: ما علم الله ذلك مني.
والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط.
وفي قوله: ﴿ في السموات ولا في الأرض ﴾ تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم.
قوله: { وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به.
ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا.
وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لقضى بينهم ﴾ عاجلاً ولميز المحق من المبطل.
ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله: ﴿ لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً.
﴿ فقال إنما الغيب لله ﴾ هو المختص بعلمه ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾ : فإن قيل: قد أهلك من قد ظلم ومن لم يظلم، فما يعلم من أهلك من الظلمة أنه إنما أهلكهم لظلمهم، أو أهلك لصلاح من لم يظلم.
قيل: إنه أهلك الظلمة إهلاك استئصال وعقوبة، وأهلك من لم يظلم لا إهلاك عقوبة واستئصال، إنما هو إهلاك بآجالهم التي جعل لهم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ : إنما أهلك أولئك بسؤالهم الذي سألوا سؤال تعنت رسلهم الآيات، فإذا جاءوا بتلك الآيات كذبوها، فأهلكوا عند ذلك، فأنتم يا أهل مكة إذا سألتم رسولكم الآية ثم كذبتموها، يعذبكم كما عذب أولئك؛ إذ من حكمه الإهلاك على أثر السؤال، كأنه ينهى أهل مكة عن سؤال الآيات، فإن على إثره الإهلاك إذا لم يقبلوها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ يحتمل البينات التي تبين ما يؤتى وما يتقى، وقد ذكرناها في غير موضع.
﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ : يخبر رسوله أنهم وإن سألوك الآيات فإذا جئت بها فإنهم لا يؤمنون، يعني: أهل مكة.
﴿ كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ : كل مجرم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ خَلاَئِفَ ﴾ أي: جعل أنفسكم خلف أنفس أولئك الذين لم يهلكهم، يخرج هذا مخرج تذكير النعمة والامتنان والرحمة، يذكرهم أنه لو شاء أهلك الكل، فلا يكون هؤلاء خلف أولئك، ولكن بفضله ورحمته أبقاكم.
ويحتمل قوله: ﴿ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ ﴾ [أولئك في المحنة والعبادة أي: جعل عليكم من المحنة والعبادة كما كان على آبائكم من المحنة والعبادة.
ويشبه أن يكون قوله جعلناكم خلائف] الذين لم يظلموا، فكيف لا تتبعونهم، لأن الذين ظلموا قد أهلكتهم، فأنتم خلائف أولئك الذين لم يظلموا ولم يكذبوا الرسل، فكيف لا تتبعونهم كأنهم ادعوا أن آباءهم كانوا على ما هم عليه، وأنهم على مذاهب آبائهم، يقول: جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم، أي: لست أنا بأول رسول أرسلت إليكم، بل لم يزل الله [يرسل رسلاً] في الأمم، فكان فيهم لهم أتباع يتبعون رسلهم إلى ما يدعونهم إليه ويجيبونهم، فاتبعوني أنتم يا أهل مكة فيما دعيتم إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ : لم يزل الله عالماً بما كان ويكون منهم من المعصية والطاعة، ولكن ليعلمهم عصاة ومطيعين؛ لأن المعصية إنما تكون بعد ما يكون النهي والطاعة إنما تكون بالأمر فيبتليكم فيعلمكم عصاة كما علم أنه يكون منكم معصية ويعلمكم مطيعين كما علم أنه يكون منكم الطاعة، وقد ذكرنا أمثال هذا فيما تقدم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ثم صَيَّرناكم -أيها النَّاس- خَلَفًا لتلك الأمم المكذبة التي أهلكناها؛ لننظر كيف تعملون، هل تعملون خيرًا فتثابوا عليه، أم تعملون شرًّا فتعاقبوا عليه؟
من فوائد الآيات لطف الله عز وجل بعباده في عدم إجابة دعائهم على أنفسهم وأولادهم بالشر.
بيان حال الإنسان بالدعاء في الضراء والإعراض عند الرخاء والتحذير من الاتصاف بذلك.
هلاك الأمم السابقة كان سببه ارتكابهم المعاصي والظلم.
<div class="verse-tafsir" id="91.r8kyd"