الآية ١٥ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٥ من سورة يونس

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش الجاحدين الحق المعرضين عنه ، أنهم إذا قرأ عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب الله وحججه الواضحة قالوا له : ( ائت بقرآن غير هذا ) أي : رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر ، أو بدله إلى وضع آخر ، قال الله لنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه ، ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) أي : ليس هذا إلي ، إنما أنا عبد مأمور ، ورسول مبلغ عن الله ، ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا قرئ على هؤلاء المشركين آيات كتاب الله الذي أنـزلنَاه إليك ، يا محمد (1) ، (بينات)، واضحات ، على الحق دالاتٍ (2) ، (قال الذين لا يرجون لقاءنا)، يقول: قال الذين لا يخافون عقابنا ، ولا يوقنون بالمعاد إلينا ، ولا يصدّقون بالبعث ، (3) لك ، (ائت بقرآن غير هذا أو بدّله) ، يقول: أو غيِّره (4) ، (قل) لهم ، يا محمد ، (ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي) ، أي: من عندي.

(5) * * * والتبديل الذي سألوه ، فيما ذكر، أن يحوّل آية الوعيد آية وعد ، وآية الوعد وعيدًا والحرامَ حلالا والحلال حرامًا، فأمر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم أن ذلك ليس إليه، وأن ذلك إلى من لا يردّ حكمه ، ولا يُتَعَقَّب قضاؤه، وإنما هو رسول مبلّغ ومأمور مُتّبع.

* * * وقوله: (إن أتبع إلا ما يوحى إليّ) ، يقول: قل لهم: ما أتبع في كل ما آمركم به أيها القوم ، وأنهاكم عنه ، إلا ما ينـزله إليّ ربي ، ويأمرني به (6) ، ( إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) ، يقول: إني أخشى من الله إن خالفت أمره ، وغيَّرت أحكام كتابه ، وبدّلت وَحيه، فعصيته بذلك، عذابَ يوم عظيمٍ هَوْلُه، وذلك: يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتَضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى.

(7) ----------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " تلا " فيما سلف 13 : 502 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(2) انظر تفسير " بينات " فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .

(3) انظر تفسير " الرجاء " فيما سلف ص : 34 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(4) انظر تفسير " التبديل " فيما سلف 11 : 335 / 12 : 62 ، وفهارس اللغة ( بدل ) .

(5) انظر تفسير " تلقاء " فيما سلف 12 : 466 .

(6) انظر تفسير " الوحي " فيما سلف من فهارس اللغة ( وحي ) .

(7) هذا تضمين لآية سورة الحج : 2 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيمقوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا تتلى تقرأ ، وبينات نصب على الحال ; أي واضحات لا لبس فيها ولا إشكال .قال الذين لا يرجون لقاءنا يعني لا يخافون يوم البعث والحساب ولا يرجون الثواب .

قال قتادة : يعني مشركي أهل مكة .ائت بقرآن غير هذا أو بدله والفرق بين تبديله والإتيان بغيره أن تبديله لا يجوز أن يكون معه ، والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه ; وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه :أحدها : أنهم سألوه أن يحول الوعد وعيدا والوعيد وعدا ، والحلال حراما والحرام حلالا ; قاله ابن جرير الطبري .الثاني : سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم ; قاله ابن عيسى .الثالث : أنهم سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور ; قاله الزجاج .الثانية : قوله تعالى قل ما يكون لي أي قل يا محمد ما كان لي أن أبدله من تلقاء نفسي ومن عندي ، كما ليس لي أن ألقاه بالرد والتكذيب .إن أتبع إلا ما يوحى إلي أي لا أتبع إلا ما أتلوه عليكم من وعد ووعيد ، وتحريم وتحليل ، وأمر ونهي .

وقد يستدل بهذا من يمنعنسخ الكتاب بالسنة ; لأنه تعالى قال : قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي وهذا فيه بعد ; فإن الآية وردت في طلب المشركين مثل القرآن نظما ، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قادرا على ذلك ، ولم يسألوه تبديل الحكم دون اللفظ ; ولأن الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان وحيا لم يكن من تلقاء نفسه ، بل كان من عند الله تعالى .الثالثة : قوله تعالى إني أخاف إن عصيت ربي أي إن خالفت في تبديله وتغييره أو في ترك العمل به .عذاب يوم عظيم يعني يوم القيامة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يذكر تعالى تعنت المكذبين لرسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنهم إذا تتلى عليهم آيات الله القرآنية المبينة للحق، أعرضوا عنها، وطلبوا وجوه التعنت فقالوا، جراءة منهم وظلما‏:‏ ‏{‏ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ‏}‏ فقبحهم الله، ما أجرأهم على الله، وأشدهم ظلما وردا لآياته‏.‏ فإذا كان الرسول العظيم يأمره الله، أن يقول لهم‏:‏ ‏{‏قُلْ مَا يَكُونُ لِي‏}‏ أي‏:‏ ما ينبغي ولا يليق ‏{‏أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي‏}‏ فإني رسول محض، ليس لي من الأمر شيء، ‏{‏إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ‏}‏ أي‏:‏ ليس لي غير ذلك، فإني عبد مأمور، ‏{‏إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏ فهذا قول خير الخلق وأدبه مع أوامر ربه ووحيه، فكيف بهؤلاء السفهاء الضالين، الذين جمعوا بين الجهل والضلال، والظلم والعناد، والتعنت والتعجيز لرب العالمين، أفلا يخافون عذاب يوم عظيم‏؟‏‏"‏‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) قال قتادة : يعني مشركي مكة .

وقال مقاتل هم خمسة نفر : عبد الله بن أمية المخزومي ، والوليد بن المغيرة ، ومكرز بن حفص ، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري ، والعاص بن عامر بن هاشم .

( قال الذين لا يرجون لقاءنا ) هم السابق ذكرهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كنت تريد أن نؤمن بك ( ائت بقرآن غير هذا ) ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومناة ، وليس فيه عيبها ، وإن لم ينزلها الله فقل أنت من عند نفسك ، ( أو بدله ) فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة ، أو مكان حرام حلالا أو مكان حلال حراما ، ( قل ) لهم يا محمد ، ( ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) من قبل نفسي ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) أي : ما أتبع إلا ما يوحى إلي فيما آمركم به وأنهاكم عنه ، ( إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا تُتلى عليهم آياتنا» القرآن «بينات» ظاهرات حال «قال الذين لا يرجون لقاءنا» لا يخافون البعث «ائت بقرآن غير هذا» ليس فيه عيب آلهتنا «أو بدله» من تلقاء نفسك «قل» لهم «ما يكون» ينبغي «لي أن أبدله من تلقاء» قبل «نفسي إن» ما «أتبع إلا ما يوحي إليّ إني أخاف إن عصيت ربي» بتبديله «عذاب يوم عظيم» هو يوم القيامة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا تتلى على المشركين آيات الله التي أنزلناها إليك -أيها الرسول- واضحات، قال الذين لا يخافون الحساب، ولا يرجون الثواب، ولا يؤمنون بيوم البعث والنشور: ائت بقرآن غير هذا، أو بدِّل هذا القرآن: بأن تجعل الحلال حرامًا، والحرام حلالا والوعد وعيدًا، والوعيد وعدًا، وأن تُسْقط ما فيه مِن عيب آلهتنا وتسفيه أحلامنا، قل لهم -أيها الرسول-: إن ذلك ليس إليَّ، وإنما أتبع في كل ما آمركم به وأنهاكم عنه ما ينزله عليَّ ربي ويأمرني به، إني أخشى من الله -إن خالفت أمره- عذاب يوم عظيم وهو يوم القيامة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعض المقترحات الفاسدة التى اقترحها المشركون على النبي - صلى الله عليه وسلم - ورد عليها بما يبطلها فقال - تعالى - :( وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا .

.

.

) .قال الآلوسى ما ملخصه : " عن مقاتل قال : إن الآية ( وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا .

.

) نزلت في جماعة من قريش قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن كنت تريد أن نؤمن لك ، فأت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى وليس فيه ما يعيبها ، وإن لم ينزل الله - تعالى - عليك ذلك فقل أنت هذا من نفسك ، أو بدله فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة ، ومكان حرام حلال ، ومكان حلال حراما .والمعنى : وإذا تتلى على أولئك المشركين آياتنا الواضحة المنزلة عليك - يا محمد - قالوا على سبل العناد والحسد : ائت بقرآن آخر سوى هذا القرآن الذى تتلوه علينا ، أو بدله بأن تجعل مكان الآية التى فيها سب لآلهتنا ، آية أخرى فيها مدح لها .وفي الآية الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة ، إظهاراً للإِعراض عنهم ، حتى لكأنهم غير حاضرين ، وغير أهل لتوجيه الخطاب إليهم .والمراد بالآيات : الآيات القرآنية الدالة على وحدانية الله - تعالى - وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه ، وأضافها - سبحانه - إليه على سبيل التشريف والتعظيم ، وأسند التلاوة إلى الآيات بصيغة المبني للمفعول ، للإِشارة إلى أن هذه الآيات لوضوجها ، ولمعرفتهم التامة لتاليها ، صارت بغير حاجة إلى تعيين تاليها - صلى الله عليه وسلم - .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : فماذا كان غرضهم - وهم أدهى الناس وأمكرهم - في هذا الاقتراح؟

"قلت : الكبد والمكر .

أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من عندك وأنك قادر على مثله ، فأبدل مكانه آخر ، وأما اقتراح التبديل فللطمع ولاختبار الحال ، وأنه إذا وجد منه تبديل ، فإما أن يهلكه الله فينجوا هم منه أو لا يهلكه فيسخروا منه ، ويجعلوا التبديل حجة عليه ، وتصحيحا لافترائه على الله .وقوله : ( قُلْ مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) هذا القول أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بما يزهق باطلهم .وكلمة ( تلقاء ) مصدر من اللقاء كتبيان من البيان ، وكسر التاء فيهما سماعي ، والقياس في هذا المصدر فتحها كالتكرار والتطواف والتجوال .والمعنى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التوبيخ : لا يصح لي بحال من الأحوال ، أن أبدل هذا القرآن من عند نفسي ومن جهتها؛ وإنما أنا أبلغكم ما أنزل الله على منه ، بدون زيادة أو نقصان ، أو تغيير أو تبديل .وقوله : ( إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) تعليل لمضمون ما قبله من امتناع الإِتيان بغيره أو تبديله ، والاقتصار على اتباع الوحي .أي : إني أخاف إن عصيت ربي أية معصية ، عذاب يوم عظيم الهول ، وإذا كان شأني أن أخشاه - سبحانه - من أية معصية ولو كانت صغيرة ، فكيف لا أخشاه إن عصيت بتبديل كلامه استجابة لأهوائكم؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا الكلام هو النوع الثالث من شبهاتهم وكلماتهم التي ذكروها في الطعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، حكاها الله تعالى في كتابه وأجاب عنها.

واعلم أن من وقف على هذا الترتيب الذي نذكره، علم أن القرآن مرتب على أحسن الوجوه.

المسألة الثانية: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن خمسة من الكفار كانوا يستهزئون بالرسول عليه الصلاة والسلام وبالقرآن.

الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن حنظلة، فقتل الله كل رجل منهم بطريق آخر، كما قال: ﴿ إِنَّا كفيناك المستهزءين  ﴾ فذكر الله تعالى أنهم كلما تلي عليهم آيات: ﴿ قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدّلْهُ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أن وصفهم بأنهم لا يرجون لقاء الله أريد به كونهم مكذبين بالحشر والنشر، منكرين للبعث والقيامة، ثم في تقرير حسن هذه الاستعارة وجوه: الأول: قال الأصم: ﴿ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ﴾ أي لا يرجون في لقائنا خيراً على طاعة، فهم من السيئات أبعد أن يخافوها.

الثاني: قال القاضي: الرجاء لا يستعمل إلا في المنافع، لكنه قد يدل على المضار من بعض الوجوه، لأن من لا يرجو لقاء ما وعد ربه من الثواب، وهو القصد بالتكليف، لا يخاف أيضاً ما يوعده به من العقاب، فصار ذلك كناية عن جحدهم للبعث والنشور.

واعلم أن كلام القاضي قريب من كلام الأصم، إلا أن البيان التام أن يقال: كل من كان مؤمناً بالبعث والنشور فإنه لابد وأن يكون راجياً ثواب الله وخائفاً من عقابه، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم، فلزم من نفي الرجاء نفي الإيمان بالبعث.

فهذا هو الوجه في حسن هذه الاستعارة.

البحث الثاني: أنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أمرين على البدل: فالأول: أن يأتيهم بقرآن غير هذا القرآن.

والثاني: أن يبدل هذا القرآن وفيه إشكال، لأنه إذا بدل هذا القرآن بغيره، فقد أتى بقرآن غير هذا القرآن، وإذا كان كذلك كان كل واحد منهما شيئاً واحداً.

وأيضاً مما يدل على أن كل واحد منهما هو عين الآخر أنه عليه الصلاة والسلام اقتصر في الجواب على نفي أحدهما، وهو قوله: ﴿ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى ﴾ وإذا ثبت أن كل واحد من هذين الأمرين هو نفس الآخر، كان إلقاء اللفظ على الترديد والتخيير فيه باطلاً.

والجواب: أن أحد الأمرين غير الآخر، فالإتيان بكتاب آخر، لا على ترتيب هذا القرآن ولا على نظمه، يكون إتياناً بقرآن آخر، وأما إذا أتى بهذا القرآن إلا أنه وضع مكان ذم بعض الأشياء مدحها، ومكان آية رحمة آية عذاب، كان هذا تبديلاً، أو نقول: الإتيان بقرآن غير هذا هو أن يأتيهم بكتاب آخر سوى هذا الكتاب.

مع كون هذا الكتاب باقياً بحاله، والتبديل هو أن يغير هذا الكتاب.

وأما قوله: إنه اكتفى في الجواب على نفي أحد القسمين.

قلنا: الجواب المذكور عن أحد القسمين هو عين الجواب عن القسم الثاني.

وإذا كان كذلك وقع الاكتفاء بذكر أحدهما عن ذكر الثاني.

وإنما قلنا: الجواب عن أحد القسمين عين الجواب عن الثاني لوجهين: الأول: أنه عليه الصلاة والسلام لما بين أنه لا يجوز أن يبدله من تلقاء نفسه، لأنه وارد من الله تعالى ولا يقدر على مثله، كما لا يقدر سائر العرب على مثله، فكان ذلك متقرراً في نفوسهم بسبب ما تقدم من تحديه لهم بمثل هذا القرآن، فقد دلهم بذلك على أنه لا يتمكن من قرآن غير هذا.

والثاني: أن التبديل أقرب إلى الإمكان من المجيء بقرآن غير هذا القرآن، فجوابه عن الأسهل يكون جواباً عن الأصعب، ومن الناس من قال: لا فرق بين الإتيان بقرآن غير هذا القرآن وبين تبديل هذا القرآن، وجعل قوله: ﴿ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ ﴾ جواباً عن الأمرين، إلا أنه ضعيف على ما بيناه.

المسألة الثالثة: اعلم أن إقدام الكفار على هذا الالتماس يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء، مثل أن يقولوا: إنك لو جئتنا بقرآن آخر غير هذا القرآن أو بدلته لآمنا بك، وغرضهم من هذا الكلام السخرية والتطير.

والثاني: أن يكونوا قالوه على سبيل الجد، وذلك أيضاً يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكونوا قالوا ذلك على سبيل التجربة والامتحان، حتى إنه إن فعل ذلك، علموا أنه كان كذاباً في قوله: إن هذا القرآن نزل عليه من عند الله.

وثانيها: أن يكون المقصود من هذا الالتماس أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم والطعن في طرائقهم، وهم كانوا يتأذون منها، فالتمسوا كتاباً آخر ليس فيه ذلك.

وثالثها: أن بتقدير أن يكونوا قد جوزوا كون هذا القرآن من عند الله، التمسوا منه أن يلتمس من الله نسخ هذا القرآن وتبديله بقرآن آخر.

وهذا الوجه أبعد الوجوه.

واعلم أن القوم لما ذكروا ذلك أمره الله تعالى أن يقول: إن هذا التبديل غير جائز مني ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ ﴾ ثم بين تعالى أنه بمنزلة غيره في أنه متوعد بالعذاب العظيم إن عصى.

ويتفرع على هذه الآية فروع: الفرع الأول: أن قوله: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ ﴾ معناه: لا أتبع إلا ما يوحى إلي، فهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما حكم إلا بالوحي، وهذا يدل على أنه لم يحكم قط بالاجتهاد.

الفرع الثاني: تمسك نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: دل هذا النص على أنه عليه الصلاة والسلام ما حكم إلا بالنص.

فوجب أن يجب على جميع الأمة أن لا يحكموا إلا بمقتضى النص لقوله تعالى: ﴿ واتبعوه  ﴾ الفرع الثالث: نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن ذلك منسوخ بقوله: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ  ﴾ وهذا بعيد لأن النسخ إنما يدخل في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.

الفرع الرابع: قالت المعتزلة: إن قوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ مشروط بما يكون واقعاً بلا توبة ولا طاعة أعظم منها، ونحن نقول فيه تخصيص ثالث.

وهو أن لا يعفو عنه ابتداء، لأن عندنا يجوز من الله تعالى أن يعفو عن أصحاب الكبائر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

غاظهم ما في القرآن من ذمّ عبادة الأوثان والوعيد للمشركين، فقالوا: ﴿ ائت بِقُرْءانٍ ﴾ آخر ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك ﴿ أَوْ بَدّلْهُ ﴾ بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة، وتسقط ذكر الآلهة وذمّ عبادتها.

فأمر بأن يجيب عن التبديل، لأنه داخل تحت قدرة الإنسان، وهو أن يضع مكان آية عذاب آية رحمة مما أنزل، وأن يسقط ذكر الآلهة.

وأما الإتيان بقرآن آخر، فغير مقدور عليه للإنسان ﴿ مَا يَكُونُ لِى ﴾ ما ينبغي لي وما يحلّ، كقوله تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ ﴾ [المائدة: 116] .

﴿ أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى ﴾ من قبل نفسي.

وقرئ: بفتح التاء: من غير أن يأمرني بذلك ربي ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ ﴾ لا آتي ولا أذر شيئاً من نحو ذلك، إلاّ متبعاً لوحي الله وأوامره، إن نسخت آية تبعت النسخ، وأن بدِّلت آية مكان آية تبعت التبديل، وليس إليّ تبديل ولا نسخ ﴿ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى ﴾ بالتبديل والنسخ من عند نفسي ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

فإن قلت: أما ظهر وتبين لهم العجز عن الإتيان بمثل القرآن حتى قالوا: ﴿ ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا ﴾ ؟

قلت: بلى، ولكنهم كانوا لا يعترفون بالعجز، وكانوا يقولون: لو نشاء لقلنا مثل هذا.

ويقولون: افترى على الله كذباً، فينسبونه إلى الرسول ويزعمونه قادراً عليه وعلى مثله.

مع علمهم بأنّ العرب مع كثرة فصحائها وبلغائها إذا عجزوا عنه، كان الواحد منهم أعجز.

فإن قلت: لعلهم أرادوا: ائت بقرآن غير هذا أو بدّله، من جهة الوحي كما أتيت بالقرآن من جهته.

وأراد بقوله: ﴿ مَا يَكُونُ لِى ﴾ ما يتسهل لي وما يمكنني أن أُبدّله.

قلت: يردّه قوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى ﴾ .

فإن قلت: فما كان غرضهم وهم أدهى الناس وأنكرهم في هذا الاقتراح؟

قلت: الكيد والمكر.

أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن، ففيه أنه من عندك وأنك قادر على مثله، فأبدل مكانه آخر، وأما اقتراح التبديل والتغيير، فللطمع ولاختبار الحال.

وأنه إن وجد منه تبديل، فإما أن يهلكه الله فينجو منه، أو لا يهلكه فيسخروا منه، ويجعلوا التبديل حجة عليه وتصحيحاً لافترائه على الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.

﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا ﴾ بِكِتابٍ آخَرَ نَقْرَؤُهُ لَيْسَ فِيهِ ما نَسْتَبْعِدُهُ مِنَ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ ما نَكْرَهُهُ مِن مَعايِبِ آلِهَتِنا.

﴿ أوْ بَدِّلْهُ ﴾ بِأنْ تَجْعَلَ مَكانَ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ذَلِكَ آيَةً أُخْرى ولَعَلَّهم سَألُوا ذَلِكَ كَيْ يُسْعِفَهم إلَيْهِ فَيَلْزَمُوهُ.

﴿ قُلْ ما يَكُونُ لِي ﴾ ما يَصِحُّ لِي.

﴿ أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ﴾ مِن قِبَلِ نَفْسِي وهو مَصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا، وإنَّما اكْتُفِيَ بِالجَوابِ عَنِ التَّبْدِيلِ لِاسْتِلْزامِ امْتِناعِهِ امْتِناعَ الإتْيانِ بِقُرْآنٍ آخَرَ.

﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يَكُونُ فَإنَّ المُتْبِعَ لِغَيْرِهِ في أمْرٍ لا يَسْتَبِدُّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، وجَوابٌ لِلنَّقْضِ بِنَسْخِ بَعْضِ الآياتِ بِبَعْضٍ ورَدٌّ لِما عَرَضُوا لَهُ بِهَذا السُّؤالِ مِن أنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ واخْتِراعُهُ ولِذَلِكَ قَيَّدَ التَّبْدِيلَ في الجَوابِ وسَمّاهُ عِصْيانًا فَقالَ: ﴿ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ أيْ بِالتَّبْدِيلِ.

﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِهَذا الِاقْتِراحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذا تتلى عليهم آياتنا بَيّنَاتٍ} حال {قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} لما غاظهم ما في القرآن من ذم عبادة الأوثان والوعيد لأهل الطغيان {ائت بقرآن غَيْرِ هذا} ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك {أَوْ بَدّلْهُ} بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة وتسقط ذكر الآلهة وذم عبادتها فأمر بأن يجيب عن التبديل لأنه داخل تحت قدرة الإنسان وهو أن يضع مكان آية عذاب آية رحمة وأن يسقط ذكر الآلهة بقوله {قُلْ مَا يَكُونُ لِي} ما يحل لي {أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تلقاء نَفْسِي} من قبل نفسي {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ} لا أتبع إلا وحي الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تبديل لأن الذي أتيت به من عند الله لا من عندي فأبدله {إِنّى أَخَافُ إن عصيت ربي} بالتبدليل من عند نفسي {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي يوم القيامة وأما الايتان بقرآن آخر فلا يقدر عليه الإنسان وقد ظهر لهم العجز عنه إلا أنهم كانوا لا يعترفون بالعجز ويقولون لو نشاء لقلنا مثل هذا ولا يحتمل أن يريدوا بقوله أئت بقرآن غير هذا أو بدله من جهة الوحي لقوله إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عظيم وغرضهم في هذا الاقتراح الكيد أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من عندك وأنك قادر على مثله فأبدل مكانه آخر وأما اقتراح التبديل فلاختيار الحا ل وأنه إن وجد منه تبديل فإما أن يهلكه الله فينجوا منه أولا يهلكه فيسخروا منه فيجعلوا التبديل حجة عليه وتصحيحاً لإفترائه على الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ التِفاتٌ مِن خِطابِهِمْ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم وتَوْجِيهًا لِلْخِطابِ إلى سَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَعْدِيدِ جِناياتِهِمُ المُضادَّةِ لِما أُرِيدَ مِنهم بِالِاسْتِخْلافِ مِنَ التَّكْذِيبِ والكُفْرِ بِالآياتِ البَيِّناتِ وغَيْرِ ذَلِكَ كَدَأْبِ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ المُهْلِكَةِ وصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ جَوابِهِمُ الآتِي حَسَبَ تَجَدُّدِ التِّلاوَةِ والمُرادُ بِالآياتِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ وقِيلَ: ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، والإضافَةُ لِتَشْرِيفِ المُضافِ والتَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِهِ والتَّرْهِيبِ عَنْ تَكْذِيبِهِ ونَصْبُ ﴿ بَيِّناتٍ ﴾ عَلى الحالِ أيْ حالَ كَوْنِها واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ وإيرادُ فِعْلِ التِّلاوَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُسْنَدًا إلى الآياتِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبِنائِهِ لِلْفاعِلِ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ الحاجَةِ لِتَعْيِينِ التّالِي ولِلْإيذانِ بِأنَّ كَلامَهم في نَفْسِ المَتْلُوِّ ولَوْ تَلاهُ رَجُلٌ مَن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٌ ﴿ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ وضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ إشْعارًا بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ المُعَظَّمَةِ المَحْكِيَّةِ عَنْهم وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ أيْ قالُوا لِمَن يَتْلُوها عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا ﴾ أشارُوا بِهَذا إلى القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى تِلْكَ الآياتِ لا إلى أنْفُسِها فَقَطْ قَصْدًا إلى إخْراجِ الكُلِّ مِنَ البَيْنِ أيِ ائْتِ بِكِتابٍ آخَرَ نَقْرَؤُهُ لَيْسَ فِيهِ ما نَسْتَبْعِدُهُ مِنَ البَعْثِ وتَوابِعِهِ أوْ ما نَكْرَهُهُ مِن ذَمِّ آلِهَتِنا والوَعِيدِ عَلى عِبادَتِها ﴿ أوْ بَدِّلْهُ ﴾ بِأنْ تَجْعَلَ مَكانَ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ذَلِكَ آيَةً أُخْرى ولَعَلَّهم إنَّما سَألُوا ذَلِكَ كَيْدًا وطَمَعًا في إجابَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَتَوَسَّلُوا إلى الإلْزامِ والِاسْتِهْزاءِ ولَيْسَ مُرادَهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوْ أجابَهم آمَنُوا ﴿ قُلْ ﴾ أيُّها الرَّسُولُ لَهم ﴿ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ ﴾ المَصْدَرُ فاعِلُ يَكُونُ وهي مِن كانَ التّامَّةِ وتُفَسَّرُ بِوَجَدَ ونَفْيُ الوُجُودِ قَدْ يُرادُ بِهِ نَفْيُ الصِّحَّةِ فَإنَّ وُجُودَ ما لَيْسَ بِصَحِيحٍ كَلا وُجُودٍ فالمَعْنى هُنا ما يَصِحُّ لِي أصْلًا تَبْدِيلُهُ ﴿ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ﴾ أيْ مِن جِهَتِي ومِن عِنْدِي وأصْلُ تِلْقاءَ مَصْدَرٌ عَلى تَفْعالِ التّاءِ ولَمْ يَجِئْ مَصْدَرٌ بِكَسْرِها غَيْرُهُ وغَيْرُ تِبْيانٍ في المَشْهُورِ وقُرِئَ شاذًّا بِالفَتْحِ وهو القِياسُ في المَصادِرِ الدّالَّةِ عَلى التَّكْرارِ كالتَّطْوافِ والتَّجْوالِ وقَدْ خَرَجَ هُنا مِن ذَلِكَ إلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ والجَرُّ بِمَن لا يُخْرِجُ الظَّرْفَ عَنْ ظَرْفِيَّتِهِ ولِذا اخْتُصَّتِ الظُّرُوفُ الغَيْرُ المُتَصَرِّفَةِ كَعِنْدَ بِدُخُولِها عَلَيْها ومِنَ النّاسِ مَن وهِمَ في ذَلِكَ وقَصَرَ الجَوابَ بِبَيانِ امْتِناعِ ما اقْتَرَحُوهُ عَلى اقْتِراحِهِمُ الثّانِي لِلْإيذانِ بِأنَّ اسْتِحالَةَ ما اقْتَرَحُوهُ أوَّلًا مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى بَيانِها ولِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الثّانِي يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الأوَّلِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى فَهو بِحَسَبِ المَآلِ والحَقِيقَةُ جَوابٌ عَنِ الأمْرَيْنِ ﴿ إنْ أتَّبِعُ ﴾ أيْ ما أتَّبِعُ فِيما آتى وأذَرُ ﴿ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ لَهُ في شَيْءٍ أصْلًا عَلى مَعْنى قِصَرِ حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى اتِّباعِ ما يُوحى لا قِصَرِ اتِّباعِهِ عَلى ما يُوحى إلَيْهِ كَما هو المُتَبادَرُ مِن ظاهِرِ العِبارَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانًا لِما يَكُونُ فَإنَّ مِن شَأْنِهِ اتِّباعَ الوَحْيِ عَلى ما هو عَلَيْهِ لا يَسْتَقِلُّ بِشَيْءٍ دُونَهُ أصْلًا وفي ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ جَوابٌ لِنَقْضٍ مُقَدَّرٍ وهو أنَّهُ كَيْفَ هَذا وقَدْ نَسَخَ بَعْضَ الآياتِ بِبَعْضِ ورَدَّ لِما عَرَضُوا لَهُ بِهَذا السُّؤالِ مِن أنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَذا تَقْيِيدُ التَّبْدِيلِ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ﴾ لِرَدِّ تَعْرِيضِهِمْ بِأنَّهُ مِن عِنْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِذَلِكَ أيْضًا سَمّاهُ عِصْيانًا عَظِيمًا مُسْتَتْبِعًا العَذابَ عَظِيمٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ 15﴾ وهو تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِنِ امْتِناعِ التَّبْدِيلِ واقْتِصارِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ أيْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُهُ تَعالى بِتَعاطِي التَّبْدِيلِ والإعْراضِ عَنِ الوَحْيِ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو يَوْمُ القِيامَةِ ويَوْمُ اللِّقاءِ الَّذِي لا يَرْجُونَهُ وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِهَذا الِاقْتِراحِ لِأنَّ اقْتِراحَ ما يُوجِبُهُ يَسْتَوْجِبُهُ أيْضًا وإنْ لَمْ يَكُنْ كَفِعْلِهِ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ لِضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَهْوِيلِ أمْرِ العِصْيانِ وإظْهارِ كَمالِ نَزاهَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي إيرادِ اليَوْمَ بِالتَّنْوِينِ التَّفْخِيمِيِّ ووَصْفِهِ بِعَظِيمٍ ما لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ العَذابِ وتَفْظِيعِهِ وجَوَّزَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ كَوْنَ الجَوابِ المَذْكُورِ جَوابًا عَنِ الِاقْتِراحَيْنِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى شَيْءٍ وذَلِكَ بِحَمْلِ التَّبْدِيلِ فِيهِ عَلى ما يَعُمُّ تَبْدِيلَ ذاتٍ بِذاتٍ أُخْرى كَبَدَّلْتُ الدَّنانِيرَ دَراهِمَ وهو الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا ﴾ وتَبْدِيلُ صِفَةٍ بِصِفَةٍ أُخْرى كَبَدَّلْتُ الخاتَمَ حَلْقَةً وهو الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ أوْ بَدِّلْهُ ﴾ وأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ تَقْيِيدَ التَّبْدِيلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ﴾ يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلى الأعَمِّ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّ ذَلِكَ مَقْدُورٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَكِنْ لا يَفْعَلُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ تَعالى والتَّبْدِيلُ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ أوَّلًا غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى إنَّ المُقْتَرِحِينَ يَعْلَمُونَ اسْتِحالَةَ ذَلِكَ لَكِنِ اقْتَرَحُوهُ لِما مَرَّ وقالُوا: لَوْ شِئْنا لَقُلْنا مِثْلَ هَذا مُكابَرَةً وعِنادًا ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا التَّبْدِيلَ والإتْيانَ بِطَرِيقِ الِافْتِراءِ قِيلَ: لا مَساغَ لِلْقَوْلِ بِأنَّهُمُ اقْتَرَحُوا ذَلِكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ فَكَأنَّهم قالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ كَما أتَيْتَ بِالقُرْآنِ مِن جِهَتِهِ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ ما يَكُونُ لِي ﴾ إلَخْ ما يَتَسَهَّلُ لِي ولا يُمْكِنُنِي أنْ أُبَدِّلَهُ لِما في الكَشّافِ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ يَرُدُّ ذَلِكَ ووُجِّهَ بِأنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا ما هو عِصْيانٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَتّى يَقُولَ في جَوابِهِمْ ما ذَكَرَ ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّ الطَّلَبَ مِن غَيْرِ إذْنٍ عِصْيانٌ فَإنْ لَمْ يَحْمِلْ ما يَتَسَهَّلُ لِي عَلى أنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ كانَ الجَوابُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِسُؤالِهِمْ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْ تَبْدِيلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: لا يُمْكِنُنِي التَّبْدِيلُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي في الجَوابِ وإنْ حُمِلَ عَلَيْهِ فالعِصْيانُ أيْضًا مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ وأُجِيبَ بِأنَّ صاحِبَ الكَشّافِ حَمَلَ ﴿ ما يَكُونُ ﴾ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ ولا يَتَسَهَّلُ والعِصْيانُ يَقَعُ عَلى المُمْكِنِ المَقْدُورِ لا أنَّهم طَلَبُوا ما هو عِصْيانٌ أوْ لَيْسَ والمُطابَقَةُ حاصِلَةٌ بَلْ أشَدُّها لِأنَّ الحاصِلَ أمّا التَّبْدِيلُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي فَغَيْرُ مُمْكِنٍ وأما مِن قِبَلِ الوَحْيِ فَأنا تابِعٌ غَيْرُ مَتْبُوعٍ نَعَمْ لا يُنْكِرُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَأْتِيَ وجْهٌ آخَرُ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ لا يَحِلُّ لِي ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ وصاحِبُ الكَشّافِ لَمْ يَنْفِهِ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لا مَساغَ لِحَمْلِ مُقْتَرَحِهِمْ عَلى ما هو مِن جِهَةِ الوَحْيِ لِمَكانِ التَّعْلِيلِ بِـ ﴿ إنِّي أخافُ ﴾ إلَخْ إذِ المَقْصُودُ بِما ذُكِرَ فِيهِ مَعْصِيَةُ الِافْتِراءُ كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ صَرِيحُ ما بَعْدَهُ مِنَ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ وحِينَئِذٍ لا يَتَحَقَّقُ فِيهِ تِلْكَ المَعْصِيَةُ ومَعْصِيَةُ اسْتِدْعاءِ تَبْدِيلِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ لا سِيَّما بِمُوجِبِ اقْتِراحِ الكَفَرَةِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً فَلا يَنْفَعُ تَحَقُّقُها وهو كَلامٌ وجِيهٌ يُعْلَمُ مِنهُ ما في الكَلامِ السّابِقِ مِنَ النَّظَرِ بَقِيَ أنَّهُ يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الآثارِ أنَّهم طَلَبُوا الإتْيانَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ فَعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في خَمْسَةِ نَفَرٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ومُكَرَّزِ بْنِ حَفْصٍ وعَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَيْسٍ العامِرِيِّ والعاصِ بْنِ عامِرِ بْنِ هِشامٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أنْ نُؤْمِنَ لَكَ فائْتِ بِقُرْآنٍ لَيْسَ فِيهِ تَرْكُ عِبادَةِ اللّاتِ والعُزّى ومَناتَ ولَيْسَ فِيهِ عَيْبُها وإنْ لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ فَقُلْ أنْتَ مِن نَفْسِكَ أوْ بَدِّلْهُ فاجْعَلْ مَكانَ آيَةِ عَذابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ ومَكانَ حَرامٍ حَلالًا ومَكانَ حَلالٍ حَرامًا ورُبَّما يُقالُ: إنَّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لا يَأْبى أنْ يَكُونَ ما في الآيَةِ ما أشارَ إلَيْهِ تالِي الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ مِن كَلامِهِمْ فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ، يعني: جعلناكم يا أمة محمد  خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ، يعني: من بعد هلاكهم، لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ.

وهذا على معنى التهديد، يعني: إنْ كانت معاملتكم مثل معاملتهم في تكذيب الرسل، أهلكتكم كما أهلكت تلك القرون.

قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ، يعني: القرآن، قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنَا يعني: كفار قريش لما سمعوا القرآن قالوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، يعني: امحه وانسخه، فإنا نجد فيه تحريم عبادة الأوثان وما نحن عليه، وهذا قول الضحاك.

وقال الكلبي: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ يعني: المستهزئين، وكانوا خمسة رهط قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنَا يعني: لا يخافون البعث بعد الموت ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ ائت يا محمد أو اجعل مكان آية الرحمة آية العذاب، ومكان آية العذاب آية الرحمة، وقال الزجاج: معناه ائت بقرآن ليس فيه ذكر البعث والنشور، وليس فيه عيب آلهتنا، أو بدل منه ذكر البعث والنشور.

قال الله تعالى: قُلْ مَا يَكُونُ لِي، يعني: قل: ما يجوز لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي يقول من قبل نفسى.

إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ، يعني: لا أعمل إلا ما أومر به وأنزل عليّ من القرآن.

إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي، يعني: إني أعلم أن لو فعلت ما لم أؤمر به عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ، يعني: يوم القيامة.

قال مقاتل والكلبي: نسختها لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: 2] ويقال: هذا على وجه المثل، ومعناه: إني أعلم أن من عصى الله وخالف أمره، له عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني: يصيبه العذاب.

وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، ولا أعلمكم به، ومعناه: أن الله تعالى لو لم يجعلني رسولاً إليكم ما تلوته عليكم كما لم أتل عليكم قبل الوحي.

ويقال: معناه لو رضي الله لكم مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ من الكفر والجهل، ما بعثني إليكم رسولاً.

قرأ أبو عمرو وحمزة ونافع في رواية ورش والكسائي: ولا أدريكم بكسر الراء، وقرأ الباقون بالنصب، وهما لغتان ومعناهما واحد.

وعن الحسن أنه قرأ: ولا أدرأتكم بالتاء.

قال أبو عبيدة: ما أرى ذلك إلا غلطاً منه في الرواية، لأنه لا مخرج لها في العربية.

ثم قال: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ، يعني: إلى أربعين سنة من قبل هذا القرآن فهل سمعتموني أقرأ شيئاً من هذا عليكم؟

أَفَلا تَعْقِلُونَ أَنِّي لم أتقوله من تلقاء نفسي، ولكنه هو القرآن الذي أوحى الله من عنده، لأنه لو كان من تلقاء نفسي لسمعتم مني قبل هذا شيئا منه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عتاب على سوء الخُلُقِ من بعض الناس، ومضمَّنه النهْيُ عن مثل هذا، والأَمرُ بالتسليم إِلى اللَّه والضَّراعة إِليه في كلِّ حال، والعلْمُ بأنَّ الخير والشر منه، لا رَبَّ غيره، وقوله:

لِجَنْبِهِ، في موضع الحال كأنه قال: مُضْطَجِعاً، والضُّرُّ عامٌ لجميع الأمراض والرزايا.

وقوله: مَرَّ يقتضي أن نزولها في الكفَّار، ثم هي بعد تتناوَلُ كلَّ من دَخَلَ تحْتَ معناها مِنْ كافرٍ وعاصٍ.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ/ قَبْلِكُمْ ...

الآية: آيةُ وعيد للكفّار، وضرب أمثال لهم، وخَلائِفَ: جمع خليفة.

وقوله: لِنَنْظُرَ: معناه: لنبيِّن في الوجود ما عَلِمْناه أزلاً، لكنْ جرى القول على طريق الإِيجاز والفصاحةِ والمجازِ، وقال عمر رضي اللَّه عنه: إِنَّ اللَّه تعالَى إِنما جَعَلَنَا خلفاءَ لينظر كَيْفَ عَمَلُنَا فَأَرُوا اللَّه حسن أعمالكم في السر والعلانية «١» .

وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)

وقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنَا يعني:

بعْضَ كفار قريش: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، ثم أمر سبحانه نبيه أَنْ يردَّ عليهم بالحق الواضح، فقال: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ولا أعلمكم به، وأَدْراكُمْ بمعنى:

أعلمكم، تقول: دَرَيْتُ بالأَمْرِ، وأَدْرَيْتُ بِهِ غيري، ثم قال: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ يعني: الأربعين سنةً قبل بعثته عليه السلام، أي: فلم تجرِّبوني في كَذِبٍ، ولا تكلَّمتُ في شيءٍ مِنْ هذا أَفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ من كان على هذه الصفة لا يصحُّ منه كذب بعد أَنْ ولَّى عمره، وتقاصَرَ أملُهُ، واشتدَّت حِنْكَته وخوفُه لربِّه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والمُرادُ بِالآياتِ: القُرْآنُ.

" ويَرْجُونَ " بِمَعْنى: يَخافُونَ.

وفي عِلَّةِ طَلَبِهِمْ سِوى هَذا القُرْآنِ أوْ تَبْدِيلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا تَغْيِيرَ آيَةِ العَذابِ بِالرَّحْمَةِ، وآيَةِ الرَّحْمَةِ بِالعَذابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم كَرِهُوا مِنهُ ذِكْرَ البَعْثِ والنُّشُورِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، وكَرِهُوا عَيْبَ آلِهَتِهِمْ، فَطَلَبُوا ما يَخْلُو مِن ذَلِكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والفَرْقُ بَيْنَ تَبْدِيلِهِ والإتْيانِ بِغَيْرِهِ، أنَّ تَبْدِيلَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ، والإتْيانَ بِغَيْرِهِ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ لِي ﴾ حَرَّكَ هَذِهِ الياءَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو؛ وأسْكَنَها الباقُونَ.

" مِن تِلْقاءِ نَفْسِي " حَرَّكَها نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو؛ وأسْكَنَها الباقُونَ، والمَعْنى: مِن عِنْدِ نَفْسِي، فالمَعْنى: أنَّ الَّذِي أتَيْتَ بِهِ، مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن عِنْدِي فَأُبَدِّلُهُ.

﴿ إنِّي أخافُ ﴾ فَتَحَ هَذِهِ الياءَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو.

﴿ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ أيْ: في تَبْدِيلِهِ أوْ تَغْيِيرِهِ ﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يَعْنِي في القِيامَةِ.

* فَصْلٌ وَقَدْ تَكَلَّمَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في (الأنْعامِ:١٥) .

ومَقْصُودُ الآيَتَيْنِ تَهْدِيدُ المُخالِفِينَ؛ وأُضِيفَ ذَلِكَ إلى الرَّسُولِ لِيَصْعُبَ الأمْرُ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أو بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وضَرْبُ أمْثالٍ لَهُمْ، أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ فِعْلَكم فَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكم ما فُعِلَ بِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ إخْبارٌ عن قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وشَدَّةِ كُفْرِهِمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وغَيْرُهُمْ: "نَجْزِي" بِنُونِ الجَماعَةِ، وفِرْقَةٌ "يَجْزِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى: يَجْزِي اللهُ، و"خَلائِفُ" جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَوْلُهُ: "لِنَنْظُرَ" مَعْناهُ: لِنُبَيِّنَ في الوُجُودِ ما عَلِمْناهُ أزَلًا، لَكِنْ جَرى القَوْلُ عَلى طَرِيقِ الإيجازِ والفَصاحَةِ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ -وَقالَ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ -: "لِنَظُّرَ" بِإدْغامِ النُونِ في الظاءِ.

وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَنا خُلَفاءَ لِيَنْظُرَ كَيْفَ عَمَلُنا فَأرُوا اللهَ حُسْنَ أعْمالِكم في السِرِّ والعَلانِيَةِ"، وكانَ أيْضًا يَقُولُ: "قَدِ اسْتُخْلِفْتَ يا ابْنَ الخَطّابِ فانْظُرْ كَيْفَ تَعْمَلُ"، وأحْيانًا كانَ يَقُولُ: "قَدِ اسْتَخْلِفْتَ يا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّ بَعْضَ كُفّارِهِمْ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى مَعْنى: ساهِلْنا يا مُحَمَّدُ واجْعَلْ هَذا الكَلامَ الَّذِي هو مِن قِبَلِكَ عَلى اخْتِيارِنا، وأحِلَّ ما حَرَّمْتَهُ وحَرِّمْ ما حَلَّلْتَهُ لِيَكُونَ أمْرُنا حِينَئِذٍ واحِدًا وَكَلِمَتُنا مُتَّصِلَةً، فَذَمَّ اللهُ هَذِهِ الصَنْعَةَ وذَكَّرَهم بِأنَّهم يَقُولُونَ هَذا لِلْآياتِ البَيِّناتِ، ووَصَفَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الواضِحِ، وأنْ يَسْتَسْلِمَ ويَتَّبِعَ حُكْمَ اللهِ تَعالى ويُعْلِمَ بِخَوْفِهِ رَبَّهُ، واليَوْمُ العَظِيمُ: يَوْمُ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر ﴾ [يونس: 11] الخ لأن ذلك ناشئ عن قولهم: ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ايتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32] كما تقدم فذلك أسلوب من أساليب التكذيب.

ثم حُكي في هذه الآية أسلوب آخر من أساليب تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون القرآن موحى إليه من الله تعالى فهم يتوهمون أن القرآن وضَعه النبي صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه، ولذلك جعلوا من تكذيبهم أن يقولوا له ﴿ ايت بقرآننٍ غير هذا أو بَدّله ﴾ إطماعاً له بأن يؤمنوا به مغايراً أو مبدَّلاً إذا وافق هواهم.

ومعنى ﴿ غير هذا ﴾ مخالفهُ.

والمراد المخالفة للقرآن كله بالإعراض عنه وابتداء كتاب آخر بأساليب أخرى، كمثل كتب قصص الفرس وملاحمهم إذ لا يحتمل كلامهم غير ذلك، إذ ليس مرادهم أن يأتي بسُورَ أخرى غير التي نزلتْ من قبل لأن ذلك حاصل، ولا غَرض لهم فيه إذا كان معناها من نوع ما سبقها.

ووصف الآيات ب ﴿ بينات ﴾ لزيادة التعجيب من طلبهم تبديلها لا بطلب تبديله إذ لا طمع في خير منه.

والتبديل: التغيير.

وقد يكون في الذوات، كما تقول: بدلت الدنانير دراهم.

ويكون في الأوصاف، كما تقول: بدلت الحلقة خاتماً.

فلما ذكر الإتيان بغيره من قبل تعيَّن أن المراد بالتبديل المعنى الآخر وهو تبديل الوصف، فكان المراد بالغير في قولهم: ﴿ غير هذا ﴾ كلاماً غير الذي جاء به من قبل لا يكون فيه ما يكرهونه ويغيظهم.

والمراد بالتبديل أن يعمد إلى القرآن الموجود فيغير الآيات المشتملة على عبارات ذم الشرك بمدحه، وعبارات ذم أصنامهم بالثناء عليها، وعبارات البعث والنشر بضدها، وعبارات الوعيد لهم بعبارات بشارة.

وسموا ما طلبوا الإتيان به قُرآناً لأنهُ عوض عن المسمى بالقرآن، فإن القرآن علَم على الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أي ائت بغير هذا مما تُسميه قرآناً.

والضمير في ﴿ بدله ﴾ عائد إلى اسم الإشارة، أي أو بدل هذا.

وأجمل المراد بالتبديل في الآية لأنه معلوم عند السامعين.

ثم إن قولهم يحتمل أن يكون جداً، ويحتمل أن يريدوا به الاستهزاء، وعلى الاحتمالين فقد أمر الله نبيئه صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم بما يقلع شبهتهم من نفوسهم إن كانوا جادين، أو من نفوس من يسمعونهم من دهمائهم فيحسبوا كلامهم جِداً فيترقبوا تبديل القرآن.

وضمير الغيبة في قوله: ﴿ وإذا تتلى عليهم ﴾ راجع إلى الناس المراد منهم المشركون أو راجع إلى ﴿ الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ في قوله: ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ [يونس: 7].

وتقديم الظرف في قوله: ﴿ إذا تتلى ﴾ على عامله وهو ﴿ قَال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ للاهتمام بذكر ذلك الوقت الذي تتلى فيه الآيات عليهم فيقولون فيه هذا القول تعجيباً من كلامهم ووهن أحلامهم.

ولكون العامل في الظرف فعلاً ماضياً عُلم أن قولهم هذا واقع في الزمن الماضي، فكانت إضافة الظرف المتعلق به إلى جملة فعلها مضارع وهو ﴿ تتلى ﴾ دالة على أن ذلك المضارع لم يرد به الحال أو الاستقبال إذ لا يتصور أن يكون الماضي واقعاً في الحال أو الاستقبال فتعين أن اجْتلاب الفعل المضارع لمجرد الدلالة على التكرر والتجدد، أي ذلك قولهم كُلما تتلى عليهم الآيات.

وماصْدق ﴿ الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ هو ما صدق الضمير في قوله: (عليهم)، فكان المقام للإضمار، فما كان الإظهار بالموصولية إلا لأن الذين لا يرجون لقاء الله اشتهر به المشركون فصارت هذه الصلة كالعلَم عليهم.

كما أشرنا إليه عند قوله آنفاً ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضُوا بالحياة الدنيا ﴾ [يونس: 7]، وليس بين الصلة وبين الخبر هنا علاقةُ تعليل فلا يكون الموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر.

ولما كان لاقتراحهم معنى صريح، وهو الإتيان بقرآن آخر أو تبديل آيات القرآن الموجودِ، ومعنى التزامي كنائي، وهو أنه غير منزل من عند الله وأن الذي جاء به غير مرسل من الله، كان الجواب عن قولهم جوابين، أحدهما: ما لقنه الله بقوله: ﴿ قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ وهو جواب عن صريح اقتراحهم، وثانيهما: ما لَقنه بقوله: ﴿ قُل لو شاء الله ما تلوته عليكم ﴾ [يونس: 16] وهو جواب عن لازم كلامهم.

وعن مجاهد تسمية أناس ممن قال هذه المقالة وهم خمسة: عبد الله بن أمية، والوليدُ بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس، والعاص بن عامر، قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة الأصنام واللاتتِ والعزى ومناةَ وهُبل، وليس فيه عَيبها.

وقد جاء الجواب عن اقتراحهم كلاماً جامعاً قضاء لحق الإيجاز البديع، وتعويلاً على أن السؤال يبين المراد من الجواب، فأحسوا بامتناع تبديل القرآن من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا جواب كاف، لأن التبديل يشمل الإتيان بغيره وتبديل بعض تراكيبه.

على أنه إذا كان التبديل الذي هو تغيير كلمات منه وأغراض ممتنعاً كان إبطال جميعه والإتيان بغيره أجدر بالامتناع.

وقد جاء الجواب بأبلغ صيغ النفي وهو ﴿ ما يكون لي أن أبدله ﴾ أي ما يكون التبديل مِلكاً بيدي.

و ﴿ تِلقاء ﴾ صيغة مصدر على وزن التفعال.

وقياس وزن التفعال الشائع هو فتح التاء وقد شذ عن ذلك تلقاء، وتبيان، وتمثال، بمعنى اللقاء والبيان والمُثول فجاءت بكسر التاء لا رابع لها، ثم أطلق التلقاء على جهة التلاقي ثم أطلق على الجهة والمكان مطلقاً كقوله تعالى: ﴿ ولما توجه تلقاء مدين ﴾ [القصص: 22].

فمعنى ﴿ من تلقاء نفسي ﴾ من جهة نفسي.

وهذا المجرور في موضع الحال المؤكدة لجملة: ﴿ ما يكون لي أن أبدله ﴾ وهي المسماة مؤكدة لغيرها إذ التبديل لا يكون إلا من فعل المبدل فليست تلك الحال للتقييد إذ لا يجوز فرض أن يبدَّل من تلقاء الله تعالى التبديلَ الذي يرومونه، فالمعنى أنه مبلغ لا متصرف.

وجملة: ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ تعليل لجملة: ﴿ ما يكون لي أن أبدله ﴾ أي ما أتبع إلا الوحي وليس لي تصرف بتغيير.

و ﴿ ما ﴾ مصدرية.

واتباع الوحي: تبليغ الحاصل به، وهو الموصى به.

والاتباع مجاز في عدم التصرف، بجامع مشابهة ذلك للاتباع الذي هو عدم تجاوز الاقتفاء في المشي.

واقتضت (إنْ) النافية وأداةُ الاستثناء قصرَ تعلق الاتباع على ما أوحى الله وهو قصر إضافي، أي لا أبلغ إلا ما أوحي إلي دون أن يكون المتَّبَع شيئاً مخترعاً حتى أتصرف فيه بالتغيير والتبديل، وقرينة كونه إضافياً وقوعه جواباً لرد اقتراحهم.

فمن رام أن يحتج بهذا القصر على عدم جواز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم فقد خرج بالكلام عن مهيعه.

وجملة: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي ﴾ الخ في موضع التعليل لجملة: ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ ولذلك فصلت عنها.

واقترنت بحرف (إن) للاهتمام، و(إنَّ) تؤذن بالتعليل.

وقوله: ﴿ إن عصيت ربي ﴾ ، أي عصيته بالإتيان بقرآن آخر وتبديله من تلقاء نفسي.

ودل سياق الكلام على أن الإتيان بقرآن آخر غير هذا بمعنى إبطال هذا القرآن وتعويضه بغيره، وأن تبديله بمعنى تغيير معاني وحقائق ما اشتمل عليه ممتنع.

ولذلك لم يلقن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول هنا: إلا ما شاء الله، أو نحو ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ الَّتِي هي تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ.

﴿ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.

﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ تَبْدِيلِهِ والإتْيانِ بِغَيْرِهِ أنَّ تَبْدِيلَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ، والإتْيانُ بِغَيْرِهِ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ.

وَفي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم سَألُوهُ الوَعْدَ وعِيدًا، والوَعِيدَ وعْدًا، والحَلالَ حَرامًا، والحَرامَ حَلالًا، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

الثّانِي: أنَّهم سَألُوهُ أنْ يُسْقِطَ ما في القُرْآنِ مِن عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّهُ سَألُوهُ إسْقاطَ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ﴾ أيْ لَيْسَ لِي أنْ أتَلَقّاهُ بِالتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ كَما لَيْسَ لِي أنْ أتَلَقّاهُ بِالرَّدِّ والتَّكْذِيبِ.

﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ فِيما أتْلُوهُ عَلَيْكم مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ وتَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ أوْ أمْرٍ أوْ نَهْيٍ.

﴿ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ في تَبْدِيلِهِ وتَغْيِيرِهِ.

﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ: ﴿ وَلا أدْراكم بِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولا أعْلَمُكم بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ولا أنْذَرُكم بِهِ، قالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.

الثّالِثُ: ولا أشْعَرُكم بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ ما تَقَدَّمَ مِن عُمُرِهِ قَبْلَ الوَحْيِ إلَيْهِ لِأنَّ عُمْرَ الإنْسانِ مُدَّةُ حَياتِهِ طالَتْ أوْ قَصُرَتْ.

الثّانِي: أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، لِأنَّ النَّبِيَّ  بُعِثَ بَعْدَ الأرْبَعِينَ وهو المُطْلَقُ مِن عُمُرِ الإنْسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أنِّي لَمْ أدَعْ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا حَتّى أُوحِيَ إلَيَّ، ولَوْ كُنْتُ افْتَرَيْتُهُ لَقَدَّمْتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ﴾ قال: لا يرجون لقاءنا.

إيتِ بقرآن غير هذا أو بدِّله قال: هذا قول مشركي أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ الآية، قال قتادة (١) (٢) (٣)  : ائت بقرآن غير هذا، ليس فيه ترك عبادة آلهتنا، قال الزجاج: (بينات) منصوب على الحال (٤) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴾ ، قال ابن عباس (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا ﴾ أي بقرآن ليس فيه عيب آلهتنا وذكر البعث والنشور ﴿ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ أي تكلم به من ذات نفسك فبدل منه ما نكرهه، قاله المفسرون (٩) وقال أهل المعاني: الفرق بين الإتيان بقرآن غيره وبين تبديله أن الإتيان بغيره قد يكون معه فأما تبديله فلا يكون إلا برفعه ووضع آخر في مكانه أو في شيء منه (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾ ، قال الكلبي (١٢) (١٣) وقال أهل المعاني: معناه ليس لي أن أتلقاه بالتبديل، كما ليس لي أن أتلقاه بالرد (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أخبركم إلا ما أخبرني الله به (١٦) وقال مقاتل: يقول إذا أُمرت بأمر فعلته، ولا أبتدع ما لا (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) والآية بيان عن (٢١) (٢٢) (١) رواه ابن جرير 15/ 42، وابن أبي حاتم 6/ 1934، والثعلبي 7/ 8 ب، والبغوي 4/ 125.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 138 ب، والثعلبي 7/ 8 ب، والبغوي 4/ 125.

(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 8 ب، والسمرقندي 2/ 91، "أسباب النزول" للمؤلف ص 270.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 10.

(٥) "تنوير المقباس" ص 210.

(٦) "تفسير السمرقندي" 2/ 91.

(٧) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 95.

(٨) ساقط من (ى).

(٩) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 8 ب، والبغوي 4/ 125، و"الوسيط" 2/ 541.

(١٠) انظر نحو هذا القول في: "تفسير الرازي" 17/ 55 - 56، والقرطبي 8/ 319.

(١١) هكذا في جميع النسخ، والسياق يقتضي الجمع.

(١٢) في (ى) ابن عباس والكلبي، ولم أثبت ابن عباس لعدم ذكره في سائر النسخ (ح) و (م) و (ز).

(١٣) لم أعثر على مصدره، وانظر معناه في: "تنوير المقباس" ص 210 عنه، عن ابن عباس.

(١٤) ذكر نحو هذا القول الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 427، والقرطبي في "تفسيره" 8/ 319، ولم أجده في كتب أهل المعاني.

(١٥) ساقط من (م).

(١٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 541، وانظره بمعناه في: "تنوير المقباس" ص 210.

(١٧) في (م): (لم).

(١٨) "تفسير مقاتل" ص 117 مختصرًا عند تفسير قوله تعالي: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي  ﴾ .

(١٩) " معاني القرآن وإعرابه" 3/ 11 (٢٠) ما بين المعقوفين بياض في (ح).

(٢١) ساقط من (ى).

(٢٢) ما بين المعقوفين بياض في (ح) <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون ﴾ إخبار ضمنه وعيد للكفار ﴿ لِنَنظُرَ ﴾ معناه ليظهر في الوجود فتقوم عليكم الحجة به ﴿ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ﴾ يعني على قريش ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي ما تلوته إلا بمشيئة الله، لأنه من عنده وما هو من عندي ﴿ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ أي ولا أعلمكم به ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ ﴾ أي بقيت بينكم أربعين سنة قبل البعث ما تكلمت في هذا حتى جاءني من عند الله ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ تنصل من الافتراء على الله، وبيان لبراءته صلى الله عليه وسلم مما نسبوه إليه من الكذب، وإشارة إلى كذبهم على الله في نسبة الشركاء له ﴿ أَوْ كَذَّبَ بآياته ﴾ بيان لظلمهم في تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لقضي إليهم ﴾ مبنياً للفاعل ﴿ أجلهم ﴾ بالنصب: ابن عامر ويعقوب.

الآخرون مبنياً للمفعول ورفع ﴿ أجلهم ﴾ أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام ﴿ لي أن ﴾ بفتح الياء وكذلك ﴿ إني أخاف ﴾ : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ نفسي أن ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ ولأدراكم ﴾ بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة.

وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا.

الباقون:مثله ولكن بالتفخيم.

﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ أجلهم ﴾ ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ أو قائماً ﴾ ط ﴿ مسه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ ليؤمنوا ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أو بدله ﴾ ط.

﴿ نفسي ﴾ ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد ﴿ إليّ ﴾ ط ج لمثل ما قلنا ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ به ﴾ ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى ﴿ من قبله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاختلفوا ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ فانتظروا ﴾ ج لاحتمال الابتداء أو التعليل ﴿ المنتظرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً  بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى.

ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ الآية.

وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف.

وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.

كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا.

قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير.

فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم.

وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر.

فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم.

وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه  وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب.

وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به.

ثم إن قوله ﴿ لو يعجل ﴾ كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله ﴿ فنذرهم ﴾ معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى.

ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ أي هذا الجنس ﴿ دعانا لجنبه ﴾ اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا.

وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه.

والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء.

ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها.

أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء.

قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر.

ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر.

وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله  : ﴿ هل أتى على الإنسان  ﴾ إلا أن يساعده نقل صحيح.

والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه.

قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب.

ومعنى ﴿ مرّ ﴾ مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه.

ومعنى ﴿ كأن لم يدعنا ﴾ كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ من تتبع الشهوات.

والمزين هو الله  أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً.

قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام.

والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا.

ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ﴿ ولقد أهلكنا القرون ﴾ وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ﴿ ولما ﴾ ظرف لأهلكنا والواو في ﴿ وجاءتهم ﴾ للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم ﴿ رسلهم ﴾ بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات.

وقوله: ﴿ وما كانوا ليؤمنوا ﴾ إما أن يكون عطفاً على ﴿ ظلموا ﴾ أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله  .

ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله  بقوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ أي استخلفناكم ﴿ في الأرض ﴾ بعد تلك القرون ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ خيراً أو شراً.

استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف".

قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار.

ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.

طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها.

فأمره الله  أن يقول في جوابهم ﴿ ما يكون لي ﴾ أي ما ينبغي وما يحل ﴿ أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى.

ثم أكد الجواب بقوله: ﴿ إن أتبع ﴾ أي ما أتبع ﴿ إلا ما يوحى إلي ﴾ إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل.

وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي.

ونقل عن ابن عباس أن قوله: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.

قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية.

فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين  ﴾ .

ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك.

ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله  وأنه غير مستبد في إيراده فقال: ﴿ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ﴾ ولا أعلمكم الله ﴿ به ﴾ على لساني.

ومن قرأ بلام الابتداء.

فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري.

وقرىء ﴿ لا أدرأكم به ﴾ بالهمزة.

ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع.

ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ﴿ فقد لبثت فيكم عمراً ﴾ أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل نزول القرآن ﴿ أفلا تعقلون ﴾ فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية.

وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول  إلى الله لم يكن أحد أظلم منه.

ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ﴾ إن لم يعبدوه ﴿ ولا ينفعهم ﴾ إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً.

وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون  ﴾ ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور.

تقول: ما علم الله ذلك مني.

والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط.

وفي قوله: ﴿ في السموات ولا في الأرض ﴾ تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم.

قوله: {  وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي  أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله  تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به.

ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا.

وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة  ﴾ والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لقضى بينهم ﴾ عاجلاً ولميز المحق من المبطل.

ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله: ﴿ لولا نزل عليه آية من ربه  ﴾ كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً.

﴿ فقال إنما الغيب لله ﴾ هو المختص بعلمه ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ : البينات قد ذكرنا في غير موضع، والبينات هي التي تبين أنها آيات نزلت من عند الله لم يخترعها أحد من الخلق.

وقد ذكرنا قوله - أيضاً -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ : يشبه أن يكون قولهم: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ ﴾ ، إنما أجابهم في التبديل؛ دل أن السؤال كان سؤال تبديل، ولكن كانوا يسألون سؤال استهزاء وتكذيب.

ثم اختلف أهل التأويل في التبديل الذي سألوا.

قال بعضهم: سألوا أن يبدل ويجعل مكان آية العذاب آية الرحمة أو يبدل أحكامه.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ ﴾ أي: بدل أحكامه واترك رسمه.

ويحتمل ما ذكرنا أنهم سألوا أن يتلو مكان آية العذاب آية الرحمة، ومكان ما فيه سب آلهتهم مدحها ونحو ذلك، والله أعلم.

ونحن لا نعلم ما أراد بالتبديل تبديل الأحكام أو تبديل الرسم والنظم، إنما نعلم ذلك بالسماع.

ثم أخبر أنه لا يقول ولا يتبع إلا ما يوحى إليه ويؤمر به بقوله: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ إن تركت تبليغ ما أمرت بالتبليغ إليكم، وهكذا كل من عرف ربه خافه إن عصاه وخالف أمره ونهيه، ومن لم يعرف ربه لم يخفه إن عصاه وخالف.

وقوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ : سؤالهم سؤال تعنت واستهزاء؛ لأنه لا منفعة لهم لو أتى بغيره وبدله سوى ما في هذا ولو جاز لهم هذا السؤال جاز ذلك في كل ما أتى به واحداً بعد واحد، فذلك مما لا ينقطع أبداً ولا غاية ولا نهاية فهو سؤال تعنت واستهزاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ : هو صلة ما تقدم من قوله حيث قالوا: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ قد ذكرنا أن هذا يحتمل وجهين: يحتمل أنهم سألوه أن يبدل أحكامه على ترك رسمه ونظمه.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ أي: ارفع رسمه ونظمه وأحكامه، كأنهم ادعوا على رسول الله  اختراع هذا القرآن من نفسه واختلاقه من عنده، فقال: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ تأويله - والله أعلم -: لو شاء الله ألا يظهر دينه فيكم ولا [ألزمكم حجته] ولا بعثني إليكم رسولا، ﴿ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ و ﴿ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ أي: ولا أعلمكم به.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ : ولا أعلمكم ما فيه من الأحكام، أو يقول: لو شاء الله لم يوح إلي، ولا أمرني بتبليغ ما أوحي إلي إليكم، ولا بالدعاء إلى ما أمرني أن أدعوكم إليه.

وفي قوله: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ \[دلالة أن الله إن شاء شيئاً كان وما لم يشأ لم يكن لأنه أخبر أنه لو شاء ما تلوته عليكم\] فلو لم يشأ أن يتلوه ما تلاه؛ دل أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وذلك يرد على المعتزلة قولهم: شاء الله أن يؤمن الخلائق كلهم لكنهم لم يؤمنوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أي: فقد لبثت فيكم عمرا من قبله فلم أدع ما أدعي للحال، ولا تلوت ما أتلو، أفلا تعقلون أني لم أخترع هذا من نفسي، ولكن وحي أوحي إلي؟!

إذ لو كان اختراعاً مني لكان ذلك مني فيما مضى من الوقت وكنت لابساً فيكم، فإذا لم يكن مني ذلك أفلا تعقلون أني لم أخترع من نفسي؟!

يحتمل هذا الكلام وجوهاً: أحدها: أنهم لما ادعوا عليه الاختراع من عنده قال: إني قد لبثت فيكم من قبله، أي: [من] قبل أن يوحى هذا إلي، فلم تروني خططت بيميني، ولا اختلفت إلى أحد في التعلم والدراسة، فكيف أخترع من عندي؛ إذ التأليف لا يلتئم ولا يتم إلا بأسباب تتقدم؟!

والثاني: فقد لبثت عمرا سنين لم تعرفوني ولا رأيتموني كذبت قط، فكيف أفتري على الله  وأخترع القرآن من عند نفسي؟!

ألا ترى أنه قال على إثر هذه: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً.

والثالث: يحتمل قوله: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ ﴾ فلم أسمع أحداً ادعى البعث، ولا أقام حجة عليه، وأنا قد ادعيت البعث وأقمت على ذلك حجة، أفلا تعقلون هذا أني لم أخترع من عند نفسي؟!

وقوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ ﴾ : يشبه أن هذا صلة قوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ أي كيف تطلبون مني إتيان غيره وتبديل أحكامه وقد تعرفون قبح الكذب وفحشه فكيف تسألونني الافتراء على الله وتكذيب آياته؟

ويحتمل أن يكون صلة ما ادعوا عليه أنه افتراه من [عند] نفسه؛ يقول: إنكم لم تأخذوني بكذب قط، وقد لبثت فيكم عمرا فكيف تنسبوني إلى الكذب على الله، وقد عرفتم قبح الكذب على الله وفحشه؟!

ويحتمل على الابتداء ثم قد ذكرنا أن قوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ استفهام، فجوابه ما قاله أهل التأويل: لا أحد أبين ظلما ولا أفحش ممن افترى على الله كذباً، لا أن تفسيره ما قالوه، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.

﴿ أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ ﴾ : الافتراء على الله تكذيب بآياته، وتكذيب آياته افتراء على الله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا تُقْرأ عليهم الآيات القرآنية الواضحة الدالة على توحيد الله، قال منكرو البعث الذين لا يرجون ثوابًا، ولا يخافون عقابًا: جيء -يا محمد- بقرآن غير هذا القرآن المشتمل على سب عبادة الأصنام أو غيره بنَسْخ بعضه أو كله بما يوافق أهواءنا، قل لهم -أيها الرسول-: لا يصح أن أغيِّره أنا، ولا أستطيع -بالأوْلى- الإتيان بغيره، بل الله وحده هو الَّذي يبدل منه ما يشاء، فلست أتبع إلا ما يوحيه الله إلي، إني أخاف إن عصيت الله بإجابتكم إلى ما طلبتم عذاب يوم عظيم، وهو يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.7W7oR"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده