الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٩ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 83 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٩ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس ، كائن بعد أن لم يكن ، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد ، وهو الإسلام ؛ قال ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون ، كلهم على الإسلام ، ثم وقع الاختلاف بين الناس ، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان ، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة ، ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ) [ الأنفال : 42 ] .
وقوله : ( ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ) أي : لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه ؛ وأنه قد أجل الخلق إلى أجل معدود لقضى بينهم فيما فيه اختلفوا ، فأسعد المؤمنين ، وأعنت الكافرين .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما كان الناس إلا أهل دين واحد وملة واحدة فاختلفوا في دينهم، فافترقت بهم السبل في ذلك ، ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) ، يقول: ولولا أنه سبق من الله أنه لا يهلك قوما إلا بعد انقضاء آجالهم ، " لقضي بينهم فيما فيه يختلفون " يقول: لقضي بينهم بأن يُهلِك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق .
(28) * * * وقد بينا اختلاف المختلفين في معنى ذلك في " سورة البقرة "، وذلك في قوله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ، [سورة البقرة: 213] ، وبينا الصواب من القول فيه بشواهده ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(29) 17589- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا) ، حين قتل أحدُ ابني آدم أخاه.
17590- حدثني المثنى قال ، حدثنا القاسم قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، بنحوه.
17591- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.
------------------------- الهوامش : (28) انظر تفسير " قضى " فيما سلف من فهارس اللغة ( قضى ) .
(29) انظر ما سلف 4 : 275 - 280 .
قوله تعالى وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون تقدم في " البقرة " معناه فلا معنى للإعادة .
وقال الزجاج : هم العرب كانوا على الشرك .
وقيل : كل مولود يولد على الفطرة ، فاختلفوا عند البلوغ .
ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون إشارة إلى القضاء والقدر ; أي لولا ما سبق في حكمه أنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة لقضي بينهم في الدنيا ، فأدخل المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين النار بكفرهم ، ولكنه سبق من الله الأجل مع علمه بصنيعهم فجعل موعدهم القيامة ; قاله الحسن .
وقال أبو روق : لقضي بينهم لأقام عليهم الساعة .
وقيل : لفرغ من هلاكهم .
وقال الكلبي : " الكلمة " أن الله أخر هذه الأمة فلا يهلكهم بالعذاب في الدنيا إلى يوم القيامة ، فلولا هذا التأخير لقضي بينهم بنزول العذاب أو بإقامة الساعة .
والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في تأخير العذاب عمن كفر به .
وقيل : الكلمة السابقة أنه لا يأخذ أحدا إلا بحجة وهو إرسال الرسل ; كما قال : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقيل : الكلمة قوله : سبقت رحمتي غضبي ولولا ذلك لما أخر العصاة إلى التوبة .
وقرأ عيسى " لقضى " بالفتح .
أي: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً} متفقين على الدين الصحيح، ولكنهم اختلفوا، فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} بإمهال العاصين وعدم معاجلتهم بذنوبهم، {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} بأن ننجي المؤمنين، ونهلك الكافرين المكذبين، وصار هذا فارقا بينهم {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} ولكنه أراد امتحانهم وابتلاء بعضهم ببعض، ليتبين الصادق من الكاذب.
قوله تعالى : ( وما كان الناس إلا أمة واحدة ) أي : على الإسلام .
وقد ذكرنا الاختلاف فيه في سورة البقرة ( فاختلفوا ) وتفرقوا إلى مؤمن وكافر ، ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) بأن جعل لكل أمة أجلا .
وقال الكلبي : هي إمهال هذه الأمة وأنه لا يهلكهم بالعذاب في الدنيا ، ( لقضي بينهم ) بنزول العذاب وتعجيل العقوبة للمكذبين ، وكان ذلك فصلا بينهم ، ( فيما فيه يختلفون ) وقال الحسن : ولولا كلمة سبقت من ربك مضت في حكمه أنه : لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة ، لقضي بينهم في الدنيا فأدخل المؤمن الجنة والكافر النار ، ولكنه سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة .
«وما كان الناس إلا أمة واحدة» على دين واحد وهو الإسلام، من لدن آدم إلى نوح، وقيل من عهد إبراهيم إلى عمرو بن لحيِّ «فاختلفوا» بأن ثبت بعض وكفر بعض «ولولا كلمة سبقت من ربك» بتأخير الجزاء إلى يوم القيامة «لقضي بينهم» أي الناس في الدنيا «فيما فيه يختلفون» من الدين بتعذيب الكافرين.
كان الناس على دين واحد وهو الإسلام، ثم اختلفوا بعد ذلك، فكفر بعضهم، وثبت بعضهم على الحق.
ولولا كلمة سبقت من الله بإمهال العاصين وعدم معاجلتهم بذنوبهم لقُضِيَ بينهم: بأن يُهْلك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق.
ثم بين - سبحانه - أن عبادة الناس لغيره - تعالى - إنما حدثت بعد أن اختلفووا واتبعوا الهوى .
فقال :( وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا .
.
.
)المراد بالناس : الجنس البشرى كله فى جملته ، فإنهم كانوا أمة واحدة .
ثم كثروا وتفرقوا وصاروا شعوبا وقبائل .ويرى بعض المفسرين أن المراد بالناس هنا : العرب خاصة ، فإنهم كانوا حنفاء على ملة إبراهيم ، إلى أن ظهر فيهم عمرو بن لحى الذي ابتدع لهم عبادة الأصنام .قال الآلوسى : " قوله ( وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا ) أى : وما كان الناس كافة من أول الأمر إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير اختلاف ، وروى هذا عن ابن عباس والسدى ومجاهد .
.
وذلك من عهد آدم - عليه السلام - إلأى أن قتل قابيل هابيل .
وقيل إلى زمن إدريس - عليه السلام - وقيل إلى زمن نوح .
وقيل كانا كذلك فى زمنه - عليه السلام - بعد أن لم يبق على الأرض من الكافرين ديار إلى أن ظهر بينهم الكفر .وقيل : من لدن إبراهيم - عليه السلام - إلى أن أظهر عمرو بن لحي عبادة الأصنام ، وهو المروى عن عطاء .
وعليه فالمراد من الناس العرب خاصة ، وهو الأنسب بإبراد الآية الكريمة إثر حكاية ما حكى عنهم من رذائل ، وتنزيه ساحة الكبرياء عن ذلك .وقوله : ( فاختلفوا ) أى ما بين ضال ومهتد ، فبعث الله إليهم رسله ، ليبشروا المهتدين بجزيل الثواب ، ولينذروا الضالين بسوء العقاب .والفاء للتعقيب ، وهى لا تنافي امتداد زمان اتفاقهم على الحق ، لأن المراد بيان أن ووقع الاختلاف بينهم إنما حدث عقيب انتهاء مدة الاتفاق ، لا عقيب حدوثه .والمراد بالكلمة فى قوله : ( وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ .
.
.
) ما قضاه الله - تعالى - وأراده من تأخير الحكم بين المؤمنين وغيرهم إلى يوم القيامة .أى : ولولا كلمة سبقت من ربك بتأخير القضاء بين الطائعين والعاصين إلى يوم القيامة ، لقضي بينهم - سبحانه - فى هذه الدنيا .
فيما كانوا يختلفون فيه وذلك بأن يعجل للكافرين والعصاة العقوبة فى الدنيا قبل الآخرة ، ولكنه - سبحانه - اقتضت حكمته عدم تعجيل العقوبة فى الدنيا ، وأن يجعل الدار الآخرة هي دار الجزاء والثواب والعقاب .وقد تضمنت هذه الآية الكريمة الوعيد الشديد على الاختلاف المؤدي إلى التفرقة فى الدين ، وإلى الشقاق والنزاع ، كما تضمنت تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من قومه : فكأنه - سبحانه - يقول إن الاختلاف من طبيعة البشر ، فلا تنتظر من الناس جميعا أن يكونوا مؤمنين .
اعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام، بين السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد، والمقالة الباطلة، فقال: ﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ واعلم أن ظاهر قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ لا يدل على أنهم أمة واحدة فيماذا؟
وفيه ثلاثة أقوال: القول الأول: أنهم كانوا جميعاً على الدين الحق، وهو دين الإسلام، واحتجوا عليه بأمور: الأول: أن المقصود من هذه الآيات بيان كون الكفر باطلاً، وتزييف طريق عبادة الأصنام، وتقرير أن الإسلام هو الدين الفاضل، فوجب أن يكون المراد من قوله: ﴿ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة ﴾ هو أنهم كانوا أمة واحدة، إما في الإسلام وإما في الكفر، ولا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر.
فبقي أنهم كانوا أمة واحدة في الإسلام، إنما قلنا إنه لا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر لوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ وشهيد الله لابد وأن يكون مؤمناً عدلاً.
فثبت أنه ما خلت أمة من الأمم إلا وفيهم مؤمن.
الثاني: أن الأحاديث وردت بأن الأرض لا تخلو عمن يعبد الله تعالى، وعن أقوام بهم يمطر أهل الأرض وبهم يرزقون.
الثالث: أنه لما كانت الحكمة الأصلية في الخلق هو العبودية، فيبعد خلو أهل الأرض بالكلية عن هذا المقصود.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقية من أهل الكتاب» وهذا يدل على قوم تمسكوا بالإيمان قبل مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر؟
وإذا ثبت أن الناس كانوا أمة واحدة إما في الكفر وإما في الإيمان، وأنهم ما كانوا أمة واحدة في الكفر، ثبت أنهم كانوا أمة واحدة في الإيمان، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنهم متى كانوا كذلك؟
فقال ابن عباس ومجاهد كانوا على دين الإسلام في عهد آدم وفي عهد ولده، واختلفوا عند قتل أحد ابنيه الابن الثاني، وقال قوم: إنهم بقوا على دين الإسلام إلى زمن نوح، وكانوا عشرة قرون.
ثم اختلفوا على عهد نوح.
فبعث الله تعالى إليهم نوحاً.
وقال آخرون: كانوا على دين الإسلام في زمن نوح بعد الغرق، إلى أن ظهر الكفر فيهم.
وقال آخرون: كانوا على دين الإسلام من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحي، وهذا القائل قال: المراد من الناس في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ فاختلفوا العرب خاصة.
إذا عرفت تفصيل هذا القول فنقول: إنه تعالى لما بين فيما قبل فساد القول بعبادة الأصنام بالدليل الذي قررناه، بين في هذه الآية أن هذا المذهب ليس مذهباً للعرب من أول الأمر، بل كانوا على دين الإسلام، ونفي عبادة الأصنام.
ثم حذف هذا المذهب الفاسد فيهم، والغرض منه أن العرب إذا علموا أن هذا المذهب ما كان أصلياً فيهم، وأنه إنما حدث بعد أن لم يكن، لم يتعصبوا لنصرته، ولم يتأذوا من تزييف هذا المذهب، ولم تنفر طباعهم من إبطاله.
ومما يقوي هذا القول وجهان: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله ﴾ ثم بالغ في إبطاله بالدليل.
ثم قال عقيبه: ﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ فلو كان المراد منه بيان أن هذا الكفر كان حاصلاً فيهم من الزمان القديم، لم يصح جعل هذا الكلام دليلاً على إبطال تلك المقالة.
أما لو حملناه على أن الناس في أول الأمر كانوا مسلمين، وهذا الكفر إنما حدث فيهم من زمان، أمكن التوسل به إلى تزييف اعتقاد الكفار في هذه المقالة، وفي تقبيح صورتها عندهم، فوجب حمل اللفظ عليه تحصيلاً لهذا الغرض.
الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ ﴾ ولا شك أن هذا وعيد، وصرف هذا الوعيد إلى أقرب الأشياء المذكورة أولى، والأقرب هو ذكر الاختلاف، فوجب صرف هذا الوعيد إلى هذا الاختلاف، لا إلى ما سبق من كون الناس أمة واحدة، وإذا كان كذلك، وجب أن يقال: كانوا أمة واحدة في الإسلام لا في الكفر، لأنهم لو كانوا أمة واحدة في الكفر لكان اختلافهم بسبب الإيمان، ولا يجوز أن يكون الاختلاف الحاصل بسبب الإيمان سبباً لحصول الوعيد.
أما لو كانوا أمة واحدة في الإيمان لكان اختلافهم بسبب الكفر، وحينئذ يصح جعل ذلك الاختلاف سبباً للوعيد.
القول الثاني: قول من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الكفر، وهذا القول منقول عن طائفة من المفسرين.
قالوا: وعلى هذا التقدير ففائدة هذا الكلام في هذا المقام هي أنه تعالى بين للرسول عليه الصلاة والسلام، أنه لا تطمع في أن يصير كل من تدعوه إلى الدين مجيباً لك، قابلاً لدينك.
فإن الناس كلهم كانوا على الكفر، وإنما حدث الإسلام في بعضهم بعد ذلك، فكيف تطمع في اتفاق الكل على الإيمان؟
القول الثالث: قول من يقول: المراد إنهم كانوا أمة واحدة في أنهم خلقوا على فطرة الإسلام، ثم اختلفوا في الأديان.
وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
ومنهم من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الشرائع العقلية، وحاصلها يرجع إلى أمرين: التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله.
وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً ﴾ واعلم أن هذه المسألة قد استقصينا فيها في سورة البقرة، فلنكتف بهذا القدر هاهنا.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ فاعلم أنه ليس في الآية ما يدل على أن تلك الكلمة ما هي؟
وذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن يقال لولا أنه تعالى أخبر بأنه يبقى التكليف على عباده، وإن كانوا به كافرين، لقضى بينهم بتعجيل الحساب والعقاب لكفرهم، لكن لما كان ذلك سبباً لزوال التكليف، ويوجب الإلجاء، وكان إبقاء التكليف أصوب وأصلح، لا جرم أنه تعالى أخر هذا العقاب إلى الآخرة.
ثم قال هذا القائل، وفي ذلك تصبير للمؤمنين على احتمال المكاره من قبل الكافرين والظالمين.
الثاني: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ ﴾ في أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة إنعاماً عليهم، لقضى بينهم في اختلافهم، بما يمتاز المحق من المبطل والمصيب من المخطئ الثالث: أن تلك الكلمة هي قوله: سبقت رحمتي غضبي فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة إسبال الستر على الجاهل الضال وإمهاله إلى وقت الوجدان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ الأوثان التي هي جماد لا تقدر على نفع ولا ضرّ.
وقيل: إن عبدوها لن تنفعهم، وإن تركوا عبادتها لم تضرّهم، ومن حق المعبود أن يكون مثيباً على الطاعة معاقباً على المعصية.
وكان أهل الطائف يعبدون اللات، وأهل مكة العزّى ومناة وهبل وأسافاً ونائلة ﴿ و ﴾ كانوا ﴿ يَقُولُونَ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله ﴾ وعن النضر بن الحرث: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزّى ﴿ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ ﴾ أتخبرونه بكونكم شفعاء عنده، وهو إنباء بما ليس بالمعلوم لله، وإذا لم يكن معلوماً له وهو العالم الذات المحيط بجميع المعلومات، لم يكن شيئاً لأنّ الشيء ما يعلم به ويخبر عنه، فكان خبراً ليس له مخبر عنه.
فإن قلت: كيف أنبأوا الله بذلك؟
قلت: هو تهكم بهم وبما ادعوه من المحال الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأنّ الذي أنبؤا به باطل غير منطوٍ تحت الصحة، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه كما يخبر الرجل الرجل بما لا يعلمه.
وقرئ: ﴿ أتنبئون ﴾ بالتخفيف.
وقوله: ﴿ فِى السماوات وَلاَ فِي الأرض ﴾ تأكيد لنفيه؛ لأنّ ما لم يوجد فيهما فهو منتف معدوم ﴿ تُشْرِكُونَ ﴾ قرئ بالتاء والياء وما موصولة أو مصدرية، أي عن الشركاء الذين يشركونهم به أو عن إشراكهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ تُفادُ مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ كِنايَةً، أوْ تَظْلِيمٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَذُو شَرِيكٍ وذُو ولَدٍ.
﴿ أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ فَكَفَرَ بِها.
﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ فَإنَّهُ جَمادٌ لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، والمَعْبُودُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُثِيبًا ومُعاقِبًا حَتّى تَعُودَ عِبادَتُهُ بِجَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ.
﴿ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ ﴾ الأوْثانُ.
﴿ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ تَشْفَعُ لَنا فِيما يَهُمُّنا مِن أُمُورِ الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ إنْ يَكُنْ بَعْثٌ، وكَأنَّهم كانُوا شاكِّينَ فِيهِ وهَذا مِن فَرْطِ جَهالَتِهِمْ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ المُوجِدِ الضّارِّ النّافِعِ إلى عِبادَةِ ما يُعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ رُبَّما يَشْفَعُ لَهم عِنْدَهُ.
﴿ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ ﴾ أتُخْبِرُونَهُ.
﴿ بِما لا يَعْلَمُ ﴾ وهو أنَّ لَهُ شَرِيكًا أوْ هَؤُلاءِ شُفَعاءُ عِنْدَهُ وما لا يَعْلَمُهُ العالِمُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَكُونُ لَهُ تَحَقُّقٌ ما وفِيهِ تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.
﴿ فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إمّا سَماوِيٌّ وإمّا أرْضِيٌّ، ولا شَيْءَ مِنَ المَوْجُوداتِ فِيهِما إلّا وهو حادِثٌ مَقْهُورٌ مِثْلُهم لا يَلِيقُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ.
﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ عَنِ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَهم بِهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي المَوْضِعَيْنِ في أوَّلِ « النَّحْلِ» و « الرُّومِ» بِالتّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} حنفاء متفقين على ملة واحدة من غير أن يختلفوا بينهم وذلك في عهد آدم عليه السلام إلى أن قتل قابيل هابيل أو بعد الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين دياراً {فاختلفوا} فصاروا مللاً {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} وهو تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} عاجلاً {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيما اختلفوا فيه وليميز المحق من المبطل وسبق كلمته لحكمة وهي أن هذه الدار تكليف وتلك الدار دار
يونس (٢٠ _ ٢٢)
ثواب وعقاب
﴿ وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ أيْ وما كانَ النّاسُ كافَّةً مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ والتَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ والجِبائِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً عَلى هُدًى) وذَلِكَ مِن عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ وقِيلَ: إلى زَمَنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ: إلى زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانُوا عَشَرَةَ قُرُونٍ وقِيلَ: كانُوا كَذَلِكَ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَبْقَ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارٌ إلى أنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمُ الكُفْرُ وقِيلَ: مِن لَدُنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ أظْهَرَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ عِبادَةَ الأصْنامِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَطاءٍ وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِنَ ﴿ النّاسُ ﴾ العَرَبُ خاصَّةً وهو الأنْسَبُ بِإيرادِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إثْرَ حِكايَةِ ما حُكِيَ مِنهم مِنَ الهَناتِ وتَنْزِيهِ ساحَةِ الكِبْرِياءِ عَنْ ذَلِكَ.
﴿ فاخْتَلَفُوا ﴾ بِأنْ كَفَرَ بَعْضُهم وثَبَتَ الآخَرُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ فَخالَفَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الآخَرَ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ وهي لا تُنافِي امْتِدادَ زَمانٍ الِاتِّفاقِ إذِ المُرادُ بَيانُ وُقُوعِ الِاخْتِلافِ عَقِيبَ انْصِرامِ مُدَّةِ الِاتِّفاقِ لا عَقِيبَ حُدُوثِهِ ﴿ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ بِتَأْخِيرِ القَضاءِ بَيْنَهُمِ أوِ العَذابِ الفاصِلِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمَ الفَصْلِ والجَزاءِ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ عاجِلًا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 19﴾ بِأنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ آياتٍ مُلْجِئَةً إلى اتِّباعِ الحَقِّ ورَفْعِ الِاخْتِلافِ أوْ بِأنْ يُهْلِكَ المُبْطِلَ ويُبْقِيَ المُحِقَّ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ ووَجْهُ ارْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّها كالتَّأْكِيدِ لِما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ التَّوْحِيدَ هو الدِّينُ الحَقُّ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهُ مِلَّةٌ قَدِيمَةٌ اجْتَمَعَتْ عَلَيْها الأُمَمُ قاطِبَةً وأنَّ الشِّرْكَ وفُرُوعَهُ جَهالاتٌ ابْتَدَعَها الغُواةُ خِلافًا لِلْجُمْهُورِ وشَقًّا لِعَصا الجَماعَةِ وقِيلَ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ فِيما قَبْلُ فَسادَ القَوْمِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وبَيَّنَ في هَذِهِ أنَّ هَذا المَذْهَبَ لَيْسَ مَذْهَبًا لِلْعَرَبِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بَلْ كانُوا عَلى الدِّينِ الحَقَّ الخالِي عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وإنَّما حَدَثَتْ فِيهِمْ عِبادَتُها بِتَسْوِيلِ الشَّياطِينِ قِيلَ: والغَرَضُ مِن ذَلِكَ أنَّ العَرَبَ إذا عَلِمُوا أنَّ ما هم عَلَيْهِ اليَوْمَ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ فِيهِمْ وإنَّما حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَتَعَصَّبُوا لِنُصْرَتِهِ ولَمْ يَتَأذَّوْا مِن تَزْيِيفِهِ وإبْطالِهِ وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً اتِّفاقُهم عَلى الكُفْرِ وذَلِكَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ إلّا أنَّهُ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ مِن لَدُنْ وفاةِ آدَمَ إلى زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ثُمَّ آمَنَ مَن آمَنَ وبَقِيَ مَن بَقِيَ عَلى الكُفْرِ وفائِدَةُ إيرادِ هَذا الكَلامِ في هَذا المَقامِ تَسْلِيَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَطْمَعْ في أنْ يَصِيرَ كُلُّ مَن تَدْعُوهُ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ مُجِيبًا لَكَ قابِلًا لِدِينِكَ فَإنَّ النّاسَ كُلَّهم كانُوا عَلى الكُفْرِ وإنَّما حَدَثَ الإيمانُ في بَعْضِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَيْفَ تَطْمَعُ في اتِّفاقِ الكُلِّ عَلَيْهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا خُلُوُّ الأرْضِ في عَصْرٍ عَنْ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ تَعالى عارِفٍ بِهِ وقَدْ قالُوا: إنَّ الأرْضَ في كُلِّ وقْتٍ لا تَخْلُو عَنْ ذَلِكَ وأُجِيبُ بِأنَّ عَدَمَ الخُلُوِّ في حَيِّزِ المَنعِ فَقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ النّاسَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِمْ مَن يَقُولُ اللَّهُ اللَّهُ وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ المُرادِ بِالِاتِّفاقِ عَلى الكَفْرِ اتِّفاقُ الأكْثَرِ والحَقُّ أنَّ هَذا القَوْلَ في حَدِّ ذاتِهِ ضَعِيفٌ فَلا يَنْبَغِي دَفْعُ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ وأضْعَفَ مِنهُ بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ كَوْنُ المُرادِ أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا بِأنْ أحْدَثَ كُلٌّ مِنهم مِلَّةً عَلى حِدَةٍ مِن مِلَلِ الكُفْرِ مُخالَفَةً لِمِلَّةِ الآخَرِ لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ في ذَلِكَ الِاخْتِلافِ إذْ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُبْطِلٌ حِينَئِذٍ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقْضى بَيْنَهُما بِإبْقاءِ المُحِقِّ وإهْلاكِ المُبْطِلِ أوْ بِإلْجاءِ أحَدِهِما إلى اتِّباعِ الحَقِّ لِيَرْتَفِعَ الِاخْتِلافُ كَما لا يَخْفى هَذا * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ الر ﴾ -ا- إشارَةٌ إلى الذّاتِ الَّذِي هو أوَّلُ الوُجُودِ و(ل) إشارَةٌ إلى العَقْلِ المُسَمّى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوْسَطُ الوُجُودِ الَّذِي يَسْتَفِيضُ مِنَ المَبْدَأِ ويَفِيضُ إلى المُنْتَهى و(ر) إشارَةٌ إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي هي الذّاتُ المُحَمَّدِيَّةُ وهي في الحَقِيقَةِ أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ لَكِنَّ الِاعْتِباراتِ مُخْتَلِفَةٌ وكَأنَّ ذَلِكَ قَسَمٌ مِنهُ تَعالى بِالحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ أوِ القُرْآنُ مِنَ الآيِ آياتُ الكِتابِ المُتْقَنِ وقِيلَ: المَعْنى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذِهِ الأحْرُفِ أرْكانُ كِتابِ الكُلِّ ذِي الحِكْمَةِ أوِ المُحْكَمِ ومُعْظَمُ تَفاصِيلِهِ ﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ ﴾ إنْكارٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِن سُنَّةِ اللَّهِ الجارِيَةِ وهي الإيحاءُ إلى رَجُلٍ وكانَ ذَلِكَ لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَقامِهِمْ وعَدَمِ مُناسَبَةِ حالِهِمْ لِحالِهِ ومُنافاةِ ما جاءَ بِهِ لِما اعْتَقَدُوهُ ﴿ أنْ أنْذِرِ النّاسَ ﴾ أيْ خَوِّفْهم مِن أنْ يُشْرِكُوا بِي شَيْئًا ﴿ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ سابِقَةً عَظِيمَةً وقُرْبَةً لَيْسَ لِأحَدٍ مِثْلُها وقِيلَ: سابِقَةَ رَحْمَةٍ أوْدَعَها في مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ قالَ الكافِرُونَ ﴾ أيِ المَحْجُوبُونَ عَنِ اللَّهِ تَعالى ﴿ إنَّ هَذا ﴾ أيِ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ لَمّا رَأوْهُ خارِجًا عَنْ قَدْرِهِمْ واحْتَجَبُوا بِالشَّيْطَنَةِ عَنِ الوُقُوفِ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ قالُوا ذَلِكَ ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ أيْ أوْقاتٍ مِقْدارُ كَلِّ يَوْمٍ مِنها دَوْرَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ مَرَّةً واحِدَةً كَما نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الأكْبَرُ والسِّتَّةُ عَدَدٌ تامٌّ واخْتارَهُ اللَّهُ تَعالى لِما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ ﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ أيِ المُلْكِ ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ فِيهِ عَلى وفْقِ حَكَمَتْهُ بِيَدِ قُدْرَتِهِ وقَدْ يُفَسَّرُ العَرْشُ بِقَلْبِ الكامِلِ فالكَلامُ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ الَّذِي انْطَوى فِيهِ العالَمُ بِأسْرِهِ ﴿ ما مِن شَفِيعٍ ﴾ يَشْفَعُ لِأحَدٍ بِدَفْعِ ما يَضُرُّهُ أوْ جَلْبِ ما يَنْفَعُهُ ﴿ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ بِمَوْهِبَةِ الِاسْتِعْدادِ بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ ﴿ ذَلِكُمُ ﴾ المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ ﴿ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ الَّذِي يَرُبُّكم ويُدَبِّرُ أمْرَكم فاعْبُدُوهُ فَخُصُّوهُ بِالعِبادَةِ واعْرِفُوهُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ ولا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ولا تَحْتَجِبُوا عَنْهُ تَعالى فَتَنْسُبُوا قَوْلَهُ وفِعْلَهُ إلى الشَّيْطانِ ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ آياتِهِ الَّتِي خَطَّها بِيَدِ قُدْرَتِهِ في صَحائِفِ الآفاقِ والأنْفُسِ فَتَتَفَكَّرُوا فِيها وتَنْزَجِرُوا عَنِ الشِّرْكِ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا ﴾ بِالعَوْدِ إلى عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ في القِيامَةِ الصُّغْرى أوْ إلى عَيْنِ جَمْعِ الذّاتِ بِالفَناءِ فِيهِ تَعالى عِنْدَ القِيامَةِ الكُبْرى كَذا قِيلَ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ مَرْجِعَ العاشِقِينَ جَمالُهُ ومَرْجِعَ العارِفِينَ جَلالُهُ ومَرْجِعَ المُوَحِّدِينَ كِبْرِياؤُهُ ومَرْجِعَ الخائِفِينَ عَظَمَتُهُ ومَرْجِعَ المُشْتاقِينَ وِصالُهُ ومَرْجِعَ المُحِبِّينَ دُنُوُّهُ ومَرْجِعَ أهْلِ العِنايَةِ ذاتُهُ وقالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ في الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى مِنهُ الِابْتِداءُ وإلَيْهِ الِانْتِهاءُ وما بَيْنَ ذَلِكَ مَرابِعُ فَضْلِهِ وتَواتُرُ نِعَمِهِ ﴿ وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ أيْ يَبْدَؤُهُ في النَّشْأةِ الأُولى ثُمَّ يُعِيدُهُ في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ أوْ يَبْدَأُ الخَلْقَ بِاخْتِفائِهِ وإظْهارِهِمْ ثُمَّ يُعِيدُهُ بِإفْنائِهِمْ وظُهُورِهِ ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ أيْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ المُؤْمِنَ والكافِرَ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ عَمَلُ كُلٍّ، ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً ﴾ أيْ جَعَلَ شَمْسَ الرُّوحِ ضِياءَ الوُجُودِ ﴿ والقَمَرَ ﴾ أيْ قَمَرَ القَلْبِ ﴿ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ ﴾ أيْ مَقاماتٍ ﴿ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ ﴾ أيْ سِنِي مَراتِبِكم وأطْوارِكم في المَسِيرِ إلَيْهِ وفِيهِ تَعالى ﴿ والحِسابَ ﴾ أيْ حِسابَ دَرَجاتِكم ومَواقِعِ أقْدامِكم في كُلِّ مَقامٍ ومَرْتَبَةٍ ويُقالُ: جَعَلَ شَمْسَ الذّاتِ ضِياءً لِلْأرْواحِ العارِفَةِ وجَعَلَ قَمَرَ الصِّفاتِ نُورًا لِلْقُلُوبِ العاشِقَةِ فَفَنِيَتِ الأرْواحُ بِصَوْلَةِ الذّاتِ في عَيْنِ الذّاتِ وبَقِيَتِ القُلُوبُ بِمُشاهَدَةِ الصِّفاتِ في عَيْنِ الصِّفاتِ وهَذِهِ الشَّمْسُ المُشارُ إلَيْها لا تَغِيبُ أصْلًا عَنْ بَصائِرِ الأرْواحِ ومِن هُنا قالَ قائِلُهُمْ: هِيَ الشَّمْسُ إلّا أنَّ لِلشَّمْسِ غَيْبَةً وهَذا الَّذِي نَعْنِيهِ لَيْسَ يَغِيبُ ﴿ إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ ﴾ أيْ غَلَبَةِ ظُلْمَةِ النَّفْسِ عَلى القَلْبِ ﴿ والنَّهارِ ﴾ أيْ نَهارِ إشْراقِ ضَوْءِ الرَّوْحِ عَلَيْهِ ﴿ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ ﴾ أيْ سَماواتِ الأرْواحِ ﴿ والأرْضِ ﴾ أيْ أرْضِ الأجْسادِ ﴿ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ حَجْبَ صِفاتِ النَّفْسِ الأمّارَةِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ ﴾ أيْ يُوصِلُهم إلى الجَنّاتِ الثَّلاثِ بِحَسَبِ نُورِ إيمانِهِمْ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ ﴾ كالبَيانِ لِذَلِكَ ﴿ دَعْواهُمْ ﴾ الِاسْتِعْدادِيُّ ﴿ فِيها ﴾ أيْ في تِلْكَ الجَنّاتِ ﴿ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ﴾ إشارَةٌ إلى تَنْزِيهِهِ تَعالى والتَّنْزِيهُ في الأوْلى عَنِ الشِّرْكِ في الأفْعالِ بِالبَراءَةِ عَنْ حَوْلِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وفي الثّانِيَةِ عَنِ الشِّرْكِ في الصِّفاتِ بِالِانْسِلاخِ عَنْ صِفاتِهِمْ وفي الثّالِثَةِ عَنِ الشِّرْكِ في الوُجُودِ بِفَنائِهِمْ و(تَحِيَّتُهُمْ) أيْ تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أوْ تَحِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى ﴿ فِيها سَلامٌ ﴾ أيْ إفاضَةُ أنْوارِ التَّزْكِيَةِ وإمْدادُ التَّصْفِيَةِ أوْ إشْراقُ أنْوارِ التَّجَلِّياتِ وإمْدادُ التَّجْرِيدِ وإزالَةُ الآفاتِ ﴿ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيْ آخِرُ ما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهم قِيامُهم بِاللَّهِ تَعالى في ظُهُورِ كَمالاتِهِ وصِفاتِ جَلالِهِ وجَمالِهِ عَلَيْهِمْ وهو الحَمْدُ الحَقِيقِيُّ مِنهُ ولَهُ سُبْحانَهُ ﴿ وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا ﴾ أيِ اسْتَغْرَقَ أوْقاتَهُ في الدُّعاءِ ﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ ﴾ هَذا وصْفُ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا حَقائِقَ العُبُودِيَّةِ في مَشاهِدِ الرُّبُوبِيَّةِ فَإنَّهم إذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ لَيْلُ البَلاءِ قامُوا إلى إيقادِ مِصْباحِ التَّضَرُّعِ فَإذا انْجَلَتْ عَنْهُمُ الغَياهِبُ بِسُطُوعِ أنْوارِ فَجْرِ الفَرَجِ نَسُوا ما كانُوا فِيهِ ومَرُّوا كَأنْ لَمْ يَدْعُوا مَوْلاهم إلى كَشْفِ ما عَناهُمْ كَأنَّ الفَتى لَمْ يُعِرْ يَوْمًا إذا اكْتَسى ولَمْ يَكْ صُعْلُوكًا إذا ما تَمَوَّلا ولَوْ كانُوا عارِفِينَ لَمْ يَبْرَحُوا دارَةَ التَّضَرُّعِ وإظْهارَ العُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى في كُلِّ حِينٍ ﴿ وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ عَلى الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْها مُتَوَجِّهِينَ إلى التَّوْحِيدِ مُتَنَوِّرِينَ بِنُورِ الهِدايَةِ الأصْلِيَّةِ ﴿ فاخْتَلَفُوا ﴾ بِمُقْتَضَياتِ النَّشْأةِ واخْتِلافِ الأمْزِجَةِ والأهْوِيَةِ والعاداتِ والمُخالَطاتِ ﴿ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ وهو قَضاؤُهُ سُبْحانَهُ الأزَلِيُّ بِتَقْدِيرِ الآجالِ والأرْزاقِ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ بِإهْلاكِ المُبْطِلِ وإبْقاءِ المُحِقِّ والمُرادُ أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى اقْتَضَتْ أنْ يَبْلُغَ كُلٌّ مِنهم وُجْهَتَهُ الَّتِي ولّى وجْهَهُ إلَيْها بِأعْمالِهِ الَّتِي يُزاوِلُها هو وإظْهارُ ما خَفِيَ في نَفْسِهِ وسُبْحانَ اللَّهِ الحَكِيمِ العَلِيمِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً قال مقاتل: وما كان الناس إلاّ على ملة واحدة، يعني: على عهد آدم، وعلى عهد نوح من بعد الغرق كانوا كلهم مسلمين.
فَاخْتَلَفُوا في الدين بعد ذلك.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً على عهد آدم، فاختلفوا حين قتل أحد ابني آدم أخاه، فتفرقوا مؤمناً وكافراً- وقال الكلبي: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً كافرة على عهد إبراهيم (١) ، فتفرّقوا واختلفوا بعده، فآمن بعضهم وكفر بعضهم.
وقال الزجاج: وقيل أيضاً: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً يعني: ولدوا على الفطرة واختلفوا بعد الفطرة.
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ- أي: لو أنَّ الله جعل لهم أجلا للقضاء بينهم (٢) (٣) (٤) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .
(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .
(٣) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .
(٤) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .
<div class="verse-tafsir"
عتاب على سوء الخُلُقِ من بعض الناس، ومضمَّنه النهْيُ عن مثل هذا، والأَمرُ بالتسليم إِلى اللَّه والضَّراعة إِليه في كلِّ حال، والعلْمُ بأنَّ الخير والشر منه، لا رَبَّ غيره، وقوله:
لِجَنْبِهِ، في موضع الحال كأنه قال: مُضْطَجِعاً، والضُّرُّ عامٌ لجميع الأمراض والرزايا.
وقوله: مَرَّ يقتضي أن نزولها في الكفَّار، ثم هي بعد تتناوَلُ كلَّ من دَخَلَ تحْتَ معناها مِنْ كافرٍ وعاصٍ.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ/ قَبْلِكُمْ ...
الآية: آيةُ وعيد للكفّار، وضرب أمثال لهم، وخَلائِفَ: جمع خليفة.
وقوله: لِنَنْظُرَ: معناه: لنبيِّن في الوجود ما عَلِمْناه أزلاً، لكنْ جرى القول على طريق الإِيجاز والفصاحةِ والمجازِ، وقال عمر رضي اللَّه عنه: إِنَّ اللَّه تعالَى إِنما جَعَلَنَا خلفاءَ لينظر كَيْفَ عَمَلُنَا فَأَرُوا اللَّه حسن أعمالكم في السر والعلانية «١» .
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)
وقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنَا يعني:
بعْضَ كفار قريش: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، ثم أمر سبحانه نبيه أَنْ يردَّ عليهم بالحق الواضح، فقال: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ولا أعلمكم به، وأَدْراكُمْ بمعنى:
أعلمكم، تقول: دَرَيْتُ بالأَمْرِ، وأَدْرَيْتُ بِهِ غيري، ثم قال: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ يعني: الأربعين سنةً قبل بعثته عليه السلام، أي: فلم تجرِّبوني في كَذِبٍ، ولا تكلَّمتُ في شيءٍ مِنْ هذا أَفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ من كان على هذه الصفة لا يصحُّ منه كذب بعد أَنْ ولَّى عمره، وتقاصَرَ أملُهُ، واشتدَّت حِنْكَته وخوفُه لربِّه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ﴾ قَدْ شَرَحْنا هَذا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢١٣) وأحْسَنُ الأقْوالِ أنَّهم كانُوا عَلى دِينٍ واحِدٍ مُوَحِّدِينَ، فاخْتَلَفُوا وعَبَدُوا الأصْنامَ، فَكانَ أوَّلَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ بِتَأْخِيرِ هَذِهِ الأُمَّةِ أنَّهُ لا يُهْلِكُهم بِالعَذابِ كَما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، لَقُضِيَ بَيْنَهم بِنُزُولِ العَذابِ، فَكانَ ذَلِكَ فَصْلًا بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ مِنَ الدِّينِ.
والثّانِي: أنَّ الكَلِمَةَ: أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلًا، ولِلدُّنْيا مُدَّةٌ لا يَتَقَدَّمُ ذَلِكَ عَلى وقْتِهِ.
والثّالِثُ: أنَّ الكَلِمَةَ: أنَّهُ لا يَأْخُذُ أحَدًا إلّا بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما لَقُضِيَ بَيْنَهم بِإقامَةِ السّاعَةِ.
والثّانِي: بِنُزُولِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللهِ بِما لا يَعْلَمُ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ هَذِهِ مِن كَمالِ الحُجَّةِ.
أيْ: هَذا الكَلامُ لَيْسَ مِن قِبَلِي ولا مِن عِنْدِي، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللهِ، ولَوْ شاءَ ما بَعَثَنِي بِهِ ولا تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أعْلَمْتُكم بِهِ.
و ﴿ أدْراكُمْ ﴾ بِمَعْنى: أعْلَمَكُمْ، يُقالُ: دَرَيْتُ بِالأمْرِ وأدْرَيْتُ غَيْرِي، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "وَلَأدْراكم بِهِ" وهي لامُ تَأْكِيدٍ دَخَلَتْ عَلى "أدْرى"، والمَعْنى -عَلى هَذا- ولَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ طَرِيقِي، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: "وَلا أدْرَأْتُكم بِهِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "وَلا أنْذَرْتُكم بِهِ"، وخَرَّجَ الفَرّاءُ قِراءَةَ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ عَلى لُغَةٍ لِبَعْضِ العَرَبِ مِنها قَوْلُهُمْ: "لَبَّأْتُ" بِمَعْنى "لَبَّيْتُ"، ومِنها قَوْلُ امْرَأةٍ مِنهُمْ: "رَثَأْتُ زَوْجِي بِأبْياتٍ"، أيْ: رَثَيْتُ.
وقالَ أبُو الفَتْحِ: إنَّما هي "أدْرَيْتُكُمْ" قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ورُوِينا عن قُطْرُبٍ: إنَّ لُغَةَ عَقِيلٍ في أعْطَيْتُكَ: أعْطَأْتُكَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا كَما في لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ: "السَلامُ عَلاكَ".
ثُمَّ قالَ: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ ﴾ أيِ الأرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرِيدُ: لَمْ تُجَرِّبُونِي في كَذِبٍ ولا تَكَلَّمْتُ في شَيْءٍ مِن هَذا، ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أنَّ مَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ لا يَصِحُّ مِنهُ كَذِبٌ بَعْدَ أنْ كَلَّ عُمْرُهُ وتَقاصَرَ أمَلُهُ واشْتَدَّتْ حِنْكَتُهُ وخَوْفُهُ لِرَبِّهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالبَيانِ في "لَبِثْتُ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "لَبِتُّ" بِإدْغامِ الثاءِ في التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ الآيَةُ، جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ التَوْقِيفُ عَلى عِظَمِ جُرْمِ المُفْتَرِي عَلى اللهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ التَنَصُّلِ مِن ذَلِكَ، قِيلَ: فاتَّسَقَ القَوْلُ واطَّرَدَتْ فَصاحَتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ اسْتِفْهامٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو ﴾ مِمَّنْ ﴿ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ بَعْدَ بَيانِها، وذَلِكَ أعْظَمُ جُرْمٍ عَلى اللهِ، وأكْثَرُ اسْتِشْرافٍ إلى عَذابِهِ.
ثُمَّ قَرَّرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ أهْلُ الجُرْمِ، و ﴿ يُفْلِحُ ﴾ مَعْناهُ: يَظْفَرُ بِبُغْيَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "يَعْبُدُونَ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحاوَرَتُهُمْ، و ﴿ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ هي الأصْنامُ، وقَوْلُهم ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا ﴾ هو مَذْهَبُ النُبَلاءِ مِنهُمْ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُقَرِّرَهم ويُوَبِّخَهُمْ: أهم يُعْلِمُونَ اللهَ بِأنْباءٍ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ لا يَعْلَمُها هُوَ؟
وذَكَرَ "السَماواتِ" لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ والشِعْرى، وبِحَسَبِ هَذا حَسُنَ أنْ يَقُولَ: "هَؤُلاءِ"، وقِيلَ: ذَلِكَ عَلى تَجَوُّزِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَعْقِلُ، وفي التَوْقِيفِ عَلى هَذا أعْظَمُ غَلَبَةٍ لَهُمْ، ولا يُمْكِنُهم إلّا أنْ يَقُولُوا: لا نَفْعَلُ ولا نَقْدِرُ، وذَلِكَ لَهم لازِمٌ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا ﴾ .
و ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ اسْتِئْنافُ تَنْزِيهٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ هُنا: "عَمّا يُشْرِكُونَ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وفي حَرْفَيْنِ في النَحْلِ، وحَرْفٍ في الرُومِ، وحَرْفٍ في النَمْلِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ القَعْقاعِ، وشَيْبَةُ، وحُمَيْدٌ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ هُنا وفي النَمْلِ فَقَطْ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ الخَمْسَةَ الأحْرُفِ بِالتاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ.
<div class="verse-tafsir"
ة معترضة بين جملة [يونس: 18] وجملة: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ [يونس: 20].
ومناسبة الاعتراض قوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ لأن عبادة الأصنام واختراع صفة الشفاعة لها هو من الاختلاف الذي أحدثه ضلال البشر في العقيدة السليمة التي فطر الله الناس عليها في أول النشأة، فهي مما يشمله التوبيخ الذي في قوله: ﴿ أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ﴾ [يونس: 18].
وصيغة القصر للمبالغة في تأكيد الخبر لأنه خبر مهم عجيب هو من الحِكم العُمرانية والحقائق التاريخية بالمكان الأسمى، إذ القصر تأكيد على تأكيد باعتبار اشتماله على صيغتي إثبات للمثبَت ونفي عما عداه، فهو أقوى من تأكيد رد الإنكار، ولذلك يؤذن برد إنكار شديد.
وحسَّن القصر هنا وقوعه عقب الجدال مع الذين غيروا الدين الحق وروجوا نحلتهم بالمعاذير الباطلة كقولهم: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18]، وقوله: ﴿ ما نبعدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ [الزمر: 3]، بخلاف آية سورة [البقرة: 213] ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ فإنها وقعت في سياق المجادلة مع أهل الكتاب لقوله: ﴿ سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ﴾ [البقرة: 211] وأهل الكتاب لا ينكرون أن الناس كانوا أمة واحدة.
فآية هذه السورة تشير إلى الوحدة الاعتقادية ولذلك عبر عن التفرق الطارئ عليها باعتبار الاختلاف المشعر بالمذمة والمعقب بالتخويف في قوله: ﴿ ولولا كلمة سبقت ﴾ إلى آخره، وآية سورة البقرة تشير إلى الوحدة الشرعية التي تجمعها الحنيفية الفطرية، ولذلك عبر عن التفرق الذي طرأ عليها بأن الله بعث النبيئين مبشرين ومنذرين، ثم جاء ذكر الاختلاف عرضاً عقب ذلك بقوله: ﴿ وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾ [البقرة: 213].
وأريد به الاختلاف بين أتباع الشرائع لقوله: ﴿ وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ﴾ [البقرة: 213].
وتقدم القول في ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ في سورة [البقرة: 213].
والناس: اسم جمع للبشر.
وتعريفه للاستغراق.
والأمة: الجماعة العظيمة التي لها حال واحد في شيء مَّا.
والمراد هنا أمة واحدة في الدين.
والسياق يدل على أن المراد أنها واحدة في الدين الحق وهو التوحيد لأن الحق هو الذي يمكن اتفاق البشر عليه لأنه ناشيء عن سلامة الاعتقاد من الضلال والتحْريف.
والإنسان لما أنشئ على فطرة كاملة بعيدة عن التكلف.
وإنما يتصور ذلك في معرفة الله تعالى دون الأعمال، لأنها قد تختلف باختلاف الحاجات، فإذا جاز أن يحدث في البشر الضلال والخطأ فلا يكون الضلال عاماً على عقولهم، فتعين أن الناس في معرفة الله تعالى كانوا أمة واحدة متفقين على التوحيد لأن الله لما فطر الإنسان فطره على عقل سليم موافق للواقع، ووَضَع في عقله الشعور بخالق وبأنه واحد وضعاً جِبلِّياً كما وضَع الإلهامات في أصناف الحيوان.
وتأيد ذلك بالوحي لأبي البشر وهو آدم عليه السلام.
ثم إن البشر أدخلوا على عقولهم الاختلاف البعيد عن الحق بسبب الاختلاق الباطل والتخيل والأوهام بالأقيسة الفاسدة.
وهذا مما يدخل في معنى قوله تعالى: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [التين: 4 6]، فتعين أن المراد في هذه الآية بكون الناس أمةً واحدة الوحدة في الحق، وأن المقصود مدح تلك الحالة لأن المقصود من هذه الآية بيان فساد الشرك وإثبات خطأ منتحليه بأن سلفهم الأول لم يكن مثلهم في فساد العقول، وقد كان للمخاطبين تعظيم لما كان عليه أسلافهم، ولأن صيغة القصر تؤذن بأن المراد إبطال زعم من يزعم غير ذلك.
ووقوعُه عقب ذكر من يعبدون من دون الله أصناماً لا تضرهم ولا تنفعهم يدل على أنهم المقصود بالإبطال، فإنهم كانوا يحسبون أن ما هم عليه من الضلال هو دين الحق، ولذلك صوروا إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام في الكعبة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح «كَذبوا والله إِنْ استقسما بها قَطِ، وقرأ: ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ﴾ [آل عمران: 67]» وبهذا الوجه يجعل التعريف في ﴿ الناس ﴾ للاستغراق.
ويجوز أن يراد بالناس العربُ خاصة بقرينة الخطاب ويكون المراد تذكيرهم بعهد أبيهم إبراهيم عليه السلام إذ كان هو وأبناؤه وذريتهم على الحنيفية والتوحيدِ كما قال تعالى: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني بَراء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمةً باقية في عقبه لعلهم يرجعون ﴾ [الزخرف: 26 28]، أي في عقبه من العرب، فيكون التعريف للعهد.
وجملة: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ إخبار بأن الحق واحد، وأن ذلك الاختلاف مذموم، وأنه لولا أن الله أراد إمهال البشر إلى يوم الجزاء لأراهم وجه الفصل في اختلافهم باستيصال المُبطل وإبقاءِ المحق.
وهذه الكلمة أجملت هنا وأشير إليها في سورة [الشورى: 14] بقوله: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مُسمى لقضي بينهم.
﴾ والأجل: هو أجل بقاء الأمم، وذلك عند انقراض العالم، فالقضاء بينهم إذن مؤخر إلى يوم الحساب.
وأصرح من ذلك في بيان معنى (الكلمة) قولُه في سورة [هود: 118] ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمةُ ربك لأملأنَّ جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ وسيأتي بيانها.
وتقديم المجرور في قوله: فيما فيه يختلفون} للرعاية على الفاصلة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتُخْبِرُونَهُ بِعِبادَةِ مَن لا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ ولا ما في الأرْضِ.
الثّانِي: أتُخْبِرُونَهُ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ ولَيْسَ يَعْلَمُ لَهُ شَرِيكًا في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ في النّاسِ ها هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهم أهْلُ السَّفِينَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهم مَن كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ بَنُو آدَمَ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى الإسْلامِ حَتّى اخْتَلَفُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
الثّانِي: عَلى الكُفْرِ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الرُّسُلَ، وهَذا قَوْلٌ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الثّالِثُ: عَلى دِينٍ واحِدٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ فاخْتَلَفُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاخْتَلَفُوا في الدِّينِ فَمُؤْمِنٌ وكافِرٌ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
الثّانِي: هو اخْتِلافُ بَنِي آدَمَ حِينَ قَتَلَ قابِيلُ أخاهُ هابِيلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ في تَأْجِيلِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَقُضِيَ بَيْنَهم مِن تَعْجِيلِ العَذابِ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ في أنْ لا يُعاجِلَ العُصاةِ إنْعامًا مِنهُ يَبْتَلِيهِمْ بِهِ لَقَضى بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ بِأنْ يَضْطَرَّهم إلى مَعْرِفَةِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما كان الناس إلا أمة واحدة ﴾ قال: على الإِسلام.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ﴾ في قراءة ابن مسعود قال: كانوا على هدى.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ وما كان الناس إلا أمة واحدة ﴾ قال: آدم عليه السلام ﴿ واحدة فاختلفوا ﴾ قال: حين قتل أحد ابني آدم أخاه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وما كان الناس ﴾ الآية.
قال: كان الناس أهل دين واحد على دين آدم فكفروا، فلولا أن ربك أجلهم إلى يوم القيامة لقضى بينهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أي مجتمعة على دين واحد، قال عطاء، عن ابن عباس: يعني من لدن إبراهيم إلى أن غيّر الدين عمرو بن لحي، فاختلفوا واتخذوا الأصنام أربابًا وأندادًا مع الله (١) وقال الكلبي: يعني أمة كافرة على عهد إبراهيم، فاختلفوا فآمن بعضهم وكفر بعضهم (٢) وقال مجاهد: كانوا على ملة الإسلام إلى أن قتل أحد بني آدم أخاه (٣) (٤) وحكى الزجاج وابن الأنباري: أن الناس هاهنا العرب، وكان دينهم في أول دهرهم (٥) (٦) وقد ذكرنا الاختلاف في هذا في قوله: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ الآية (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس (٨) (٩) (١٠) (١١) ومعنى ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ [لفصل بينهم ﴿ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: بنزول العذاب (١٢) (١٣) وقال أبو روق: بإقامة الساعة (١٤) وقال الحسن: بإدخال المؤمنين الجنة بأعمالهم، والكافرين النار بكفرهم ولكنه (١٥) (١٦) وقال أهل المعاني: لولا كلمة سبقت من ربك في أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة إنعامًا عليهم في التأني بهم لقضي بينهم في اختلافهم بما يضطرهم إلى علم المحق من المبطل (١٧) (١) رواه الثعلبي في "تفسيره" 7/ 10 أ، عن عطاء، وانظر: "تفسير الوسيط" للمؤلف 2/ 542.
(٢) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع، "تفسير السمرقندي" 2/ 92.
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" 7/ 9 أ، ورواه بنحوه ابن جرير في "تفسيره" 11/ 98، وابن أبي حاتم 6/ 1936، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 542.
(٤) رواه الثعلبي في نفس الموضع، وذكره أيضًا المصنف في "الوسيط" 2/ 542.
(٥) في (ى): (الدهر).
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 12 بنحوه، ولم أعثر على قول ابن الأنباري.
(٧) قال في هذا الموضع: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ الآية، قال ابن عباس: كان الناس على عهد إبراهيم - - أمة واحدة كفارًا كلهم، وولد إبراهيم في جاهلية، فبعث الله إليهم إبراهيم وغيره من النبيين، وقال الحسن وعطاء: كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح أمة واحدة على ملة الكفر، قال ابن الأنباري على هذا القول: وإن كان فيما بينهم من لم يكن بهذا الوصف نحو هابيل وإدريس فإن الغالب كان الكفر، والحكم للأغلب، وقال الكلبي والواقدي: هم أهل سفينة نوح كانوا مؤمنين كلهم ثم اختلفوا.
(٨) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 210 من رواية الكلبي.
(٩) رواه الثعلبي 7/ 10 أ، والبغوي 4/ 127، والسمرقندي 2/ 92.
(١٠) لم أجده بهذا اللفظ، وقد ذكره هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 187 بلفظ: يعني المؤمنين والكافرين، لولا أن الله قضى ألا يحاسب بحساب الآخرة في الدنيا لحسابهم في الدنيا بحساب الآخرة.
ونحوه عند القرطبي 8/ 322.
(١١) لم أجد أحدًا من المفسرين المصنفين ذهب إلى هذا القول سوى المؤلف في "الوسيط" 2/ 542، وهذا القول فيه نظر إذ ليس للأمة ذكر في الآية، والضمير يعود إلى الناس في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ والمراد بهم عامة الناس أو العرب خاصة، كما بينه المؤلف، وقد ذهب ابن جرير 11/ 98، والبغوي 4/ 127، والسمرقندي 2/ 92، وابن عطية 7/ 123، وغيرهم إلى أن معنى الجملة: لولا أنه سبق من الله أن لا يهلك قومًا إلا بعد إنقضاء آجالهم المقدرة لقضي بين المختلفين.
(١٢) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 210 بمعناه، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 135، عن الكلبي، كما أشار إليه ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 17 دون تعيين القائل.
(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(١٤) رواه الثعلبي 7/ 10 أ.
(١٥) في (ى): (وقد).
(١٦) رواه الثعلبي 7/ 10 أ، والبغوي 4/ 127.
(١٧) ذكره الرازي في "تفسيره" 17/ 63 دون تعيين القائل، وبنحوه قال الزمخشري في "كشافه" 2/ 230، ولم أجده في كتب أهل المعاني.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً واحدة ﴾ تقدم في [البقرة: 213] في قوله: كان الناس أمة واحدة ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ ﴾ يعني القضاء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الۤر ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: أبو عمرو وخلف وحمزة وعلي والخراز عن هبيرة والنجاري عن ورش ويحيى وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
﴿ لساحر ﴾ بالألف: ابن كثير وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ لسحر ﴾ ﴿ حقاً أنه ﴾ بالفتح.
يزيد.
﴿ ضياء ﴾ بالهمز حيث كان: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يفصل ﴾ بالياء: ابن كثير وعمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والعجلي.
الباقون بالنون.
﴿ واطمأنوا ﴾ بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ الۤر ﴾ ق كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ إذنه ﴾ ط ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط، ﴿ حقاً ﴾ ط، إلا لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح.
﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ط ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ نفصل ﴾ بالنون، ومن قرأ بالياء أمكنه أن يجعل ﴿ يفصل ﴾ حالاً.
﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه لا لأن ﴿ أولئك ﴾ خبر "إن" ﴿ بإيمانهم ﴾ ج ط للحذف تقديره يهديهم ربهم بإيمانهم إلى دار البقاء مع اتحاد المقصود وتمام الموعود ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج ط لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد اعترضت جملة معطوفة أخرى لأن قوله ﴿ وآخر دعواهم ﴾ معطوف على ﴿ دعواهم ﴾ الأوّل ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: اتفقوا على أن قوله ﴿ الر ﴾ ليس بآية وعلى أن ﴿ طه ﴾ آية.
ولعل الفرق أن ﴿ الر ﴾ لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده، عن ابن عباس ﴿ الۤر ﴾ معناه أنا الله أرى.
وقيل: لا رب غيري.
وقيل: الۤر وحم ون اسم الرحمن ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، والكتاب السورة، والحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها أو وصف بصفة من تكلم به ومنه قولهم للقصيدة حكيمة.
وقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه يحكم بين الحق والباطل، أو يحكم بأن محمداً صادق لأن القرآن أظهر معجزاته وأبقاها.
وقيل: بمعنى مفعول أي حكم فيه بجميع المأمورات والمنهيات وقيل: بمعنى المحكم والإحكام المنع من الفساد وذلك أنه لا يمحوه الماء ولا يحرقه النار ولا يغيره الدهور.
ويحتمل أن يقال: الكتاب الحكيم هو القرآن أو اللوح المحفوظ أو التوراة والإنجيل، لأن جميع الكتب الإلهية متوافقة في الأصول، ويجوز أن يكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن.
واعلم أنه لما ختم السورة المتقدمة بقوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ صدر هذه السورة بتعديد بعض الحروف على طريق التحدي، وذلك أن حروف القرآن من جنس الحروف التي يتلفظون بها فلولا أنه معجز لعارضوه وناقضوه.
ولما بين بهذا الطريق أن محمداً رسول حق من عند الله أنكر على كفار قريش تعجبهم من كونه رسولاً فقال: ﴿ أكان للناس عجباً ﴾ نصب على أنه خبر كان واسمه ﴿ أن أوحينا ﴾ وفائدة اللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ مع تقديمه هي أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتحدثون بها، ثم إن تعجبهم إما أن يكون من جعل البشر رسولا أو من تخصيص محمد بالوحي والنبوة فقد روي أنهم كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وكلا الأمرين ليس بعجب، أما الأول فلأن الجنس إلى الجنس أميل ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ .
وأما الثاني فلأن الفقر واليتم لا يوجب في النبوة قدحاً لأن الله غني عن العالمين ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ﴾ وإنما المعتبر في الاستنباء كونه متصفاً بالصدق والأمانة والتقوى، وكان لمحمد في ذلك قبل بعثه اليد الطولى إذ كان يدعى محمداً الأمين.
و "أن" في قوله: ﴿ أن أنذر الناس ﴾ هي المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، أو مخففة من الثقيلة وقد عملت في ضمير شأن مقدر معناه إنه أي إن الشأن قولنا أنذر الناس.
وقوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا أن لهم ﴾ أي بأن لهم، والإنذار إخبار مع تخويف وإنه عام للناس كلهم، ولكن البشارة خاصة بالمؤمنين.
ويحتمل أن يراد بالناس الكفار فقط ويمكن أن يكون تعجبهم عائداً إلى الإنذار والتبشير وليس ذلك بعجب بل المنكر في العقول تعطيل الأعمال وأن يترك الإنسان سدىً، وإرسال الرسل أمر ما أخلى الله المكلفين عنه شيئاً من الأزمنة، وبه تتم الماليكة والأمر والنهي والإذن والمنع والثواب والجزاء.
وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن الإنذار تحذير عن فعل ما لا ينبغي، والتبشير ترغيب في فعل ما ينبغي والتخلية مقدمة على التحلية.
ومعنى ﴿ قدم صدق ﴾ سابقة فضل ومنزلة رفيعة أي سبق لهم عند الله خير.
قال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير.
وقال ابن الأنباري: كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء.
والسبب في إطلاق القدم على السابقة أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وإضافة القدم إلى صدق لأجل المبالغة وللتنبيه على أنها من السوابق العظيمة أي القدم التي يصدق ويحق أن تسمى قدماً.
وأما عبارات المفسرين فمنهم من قال: قدم صدق هي الأعمال الصالحة، ومنهم من قال الثواب، ومنها من قال شفاعة محمد .
أما قوله: ﴿ قال الكافرون ﴾ فقال القفال: فيه إضمار والتقدير: فلما أنذرهم قالوا ذلك.
ثم من قرأ لساحر بالألف فقوله هذا إشارة إلى النبي ، ومن قرأ السحر إشارة إلى القرآن وفيه دليل على عجزهم واعترافهم بأنهم قاصرون عن معارضته كالسحر، ومن هنا جوز بعضهم أن يكونوا أرادوا به المدح أي إنه لكمال فصاحته وتعذر الإتيان بمثله جارٍ مجرى السحر.
ثم لما أنكر عليهم تعجبهم من الأمور المذكورة وهي الواسطة أراد أن يقيم البرهان عليها بإثبات المبدأ ويبين غايتها بإثبات المعاد وذلك في آيتين متواليتين.
وقد مر في الأعراف تفسير قوله: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.
ثم ذكر ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره فقال: ﴿ يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ وإنما فقد العاطف لأنهما كالتفسير والتفصيل لما دل عليه قوله: ﴿ إن ربكم الله ﴾ الخ.
والأمر الشأن أراد به أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض والعرش.
والمعنى أنه يقضي ويقدر بمقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي.
قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح.
ففي قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ إشارة إلى استقلاله في التصرف جانب المبدأ، وفي قوله ﴿ ما من شفيع ﴾ إشارة إلى استقلاله في طرف المعاد.
ويمكن أن يقال: المراد أنه خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من الأصلح مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في تحصيل المصالح فدل ذلك على أنه محسن إلى عباده مريد للخير والرأفة بهم كامل العناية بأحوالهم.
قال أبو مسلم: الشفيع معناه الثاني من الشفع الذي يخالف الوتر أي خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه ثم خلق الملائكة والثقلين، والمراد أنه لم يدخل في الوجود أحد إلا من بعد أن قال له: "كن" حتى كان وحصل.
ثم أشار إلى المعلوم بالأوصاف المذكورة فقال: ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ الذي يستأهل منكم العبادة بإزاء النعم الجسام من خلق السموات والأرض بما فيهما وعليهما ﴿ فاعبدوه ﴾ وحده ﴿ أفلا تذكرون ﴾ فيه تنبيه على وجوب الاعتبار والنظر في الدلائل الدالة على عظمته وجلاله.
ثم شرع في إثبات المعاد فقال: ﴿ إليه مرجعكم ﴾ أي رجوعكم ﴿ جميعاً ﴾ مجموعين.
وتقديم الجار والمجرور للاختصاص والمعنى لا ترجعون في العاقبة إلا إلى جزائه وحكمه فاستعدوا للقائه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وفيه تأكيدان كما مر.
ثم قال: ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وهو استئناف فيه معنى التعليل كأنه قال إن الذي قدر على الإبداء يقدر على الإعادة بالطريق الأولى كقوله: ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون ﴾ يعني أنه لما كان قادراً على إنشاء ذواتكم أوّلاً ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نموّه، وجب القطع بأنه لا يمتنع عليه إعادة تلك الأجزاء بعد البلى والتفرق.
ومن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح فعلى حذف لام التعليل أي لأنه، أو على أنه منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله أي وعد الله وعداً بدء الخلق ثم إعادته، ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب حقاً أي حق حقاً بدء الخلق.
ثم ذكر غاية الإعادة وحكمتها فقال: ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال المفسرون: في الآية إضمار والتقدير أنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ثم يعيدهم ليجزي.
وإنما حسن هذا الحذف لتقدم قوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ ولأن الإعادة لا تكون إلا بعد الإماتة والإعدام.
وقوله: ﴿ بالقسط ﴾ أي بالعدل متعلق بـ ﴿ يجزي ﴾ أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجرهم أو ليجزيهم بقسطهم وبما لم يظلموا أنفسهم حين آمنوا وعملوا صالحاً وهذا وجه حسن لطباق قوله: ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ وفي قوله: ﴿ والذين كفروا ﴾ من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في الأولى دليل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وإنما جاء التعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر.
والحميم الماء الذي أسخن بالنار حتى انتهى حره.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على عدم منزلة بين المنزلتين على ما يقول بها المعتزلة.
وأجيب بأن عدم الذكر لا يدل على العدم ورُدَّ بأن الفساق أكثر من أهل الطاعة فكيف يجوز طي ذكرهم؟
واعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين: الأول طريق القائلين بالحسن والقبح العقليين، والثاني طريق من يقول لا يجب على الله شيء أصلاً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج عقلية منها: أنه خلق الخلق وأعطاهم عقولاً وقدراً فيجب في حكمته أن يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات، وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا بربط الثواب على الفعل والعقاب على الترك.
هذا في المأمورات وبالعكس في المنهيات، وذلك الثواب المرغب والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون الله كاذباً في قوله: ﴿ ليجزي ﴾ الخ.
فإن قيل: لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد؟
ولئن سلم فلم لا يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لا أنه يفعل ذلك ولا يلزم منه الكذب على الله، ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه لا كذب؟
سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام؟
فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال، وتجويز الخلف في ذلك مناف للغرض، وأخذ الأجرة إنما يكون بعد الفراغ من العمل والعبد ما دام في الدنيا فهو في العمل، وقد ترى أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بالآفات والبليات، وأفسقهم وأجهلهم في أتم اللذات والمسرات.
ومنها أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء والمظلوم والظالم وأن لا يجعل من كفر به وعصاه كمن آمن به وأطاعه وليس هذه التفرقة في الدنيا كما قيل: كم عالم عالم أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا فلا بد من دار أخرى يظهر فيها التفاوت.
ومنها أنه كلف عبيده بأن يعبدوه، والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلا بد أن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تكليفه، والناس جبلوا على طلب اللذات والتبادر إلى تحصيل أسباب الراحات فلو لم يكن زاجر من خوف المعاد لوقع الهرج والمرج والفتن وحينئذٍ لا يتفرغ المكلف لأداء ما أمر به.
فإن قيل: لم لا يكفي في نظام العالم مهابه الملوك وسياستهم؟
قلنا: إن لم يكن السلطان قاهراً قادراً على الرعية فلا فائدة فيه، وإن كان قاهراً غالباً ولا خوف له من المعاد فحينئذٍ يقدم على أنواع الظلم والإيذاء لأن الداعية النفسانية قائمة ولا وازع له في الدنيا ولا في الآخرة.
ومنها أنه خلق هذا العالم وخلق فيه الناس، والعبث لا يليق بالحكيم الرحيم فوجب أن يقال: إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير وليس ذلك في الدنيا لأن لذات هذا العالم جسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي وكان هذا حاصلاً قبل الوجود فلا يبقى للتخليق فائدة.
وأيضاً إن لذات الدنيا مشوبة بالآلام بل اللذة في الدنيا كالقطرة من البحر فعلمنا أن للرحة دار أخرى.
فإن قيل: ليس أنه يعذب أهل النار لا لمصلحة وفائدة لهم؟
قلنا: الفرق أن ذلك الألم استحقوه على أعمالهم وهذا الألم الحاصل في الدنيا غير مستحق فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة وإلا فينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
ومنها أنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان أحسن من جميع الحيوانات لأنها تشاركه في اللذات الحسية لأن الروث في مذاق الجعل كاللوز في فم الإنسان، والإنسان يزيد عليها بعقل هو سبب تألمه وتأذيه في أغلب الأحوال، يتفكر في الأحوال الماضية فيتأسف، ويتأمل في الأحوال الآتية فيخاف، فلو لم يكن للإنسان معاد به يكمل حاله ويظهر سعادته كان عقله سبباً لشقائه وخسته دون شرفه ومزيته.
ومنها أن إيصال النعم إما أن يكون مشوباً بالآفات أو خالصاً عنها، فلما أنعم الله علينا في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علنيا بالمرتبة الثانية في دار أخرى إظهاراً لكمال القدرة والرأفة والحكمة، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخافات.
ومما يقوّي هذا الكلام أن الإنسان دائماً في الترقي من حين كونه جنيناً في بطن أمه إلى أن يخلص من ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا، وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير أميراً نافذ الحكم على الخلق أو عالماً مشرفاً على حقائق الأشياء، فوجب بحكم هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة المشوبة بالآلام.
ومنها طريقة الاحتياط فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له فإن كان هذا المذهب حقاً فقد نجونا وهلك المنكر، وإن كان باطلاً لم يضرنا هذا الاعتقاد، غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات.
ومنها أن أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء.
ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة فلم لا يعقل مثل ذلك في الإنسان؟
ومنها أن الإنسان إنما يتولد من نطفة تولدت من الأغذية الكائنة من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا مات وتفرقت تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن تجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول؟
ومنها أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر، والعقل يحكم بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملاً يكذبون عليه ويجورون، فلا بد من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز خلف فيهما كما مر، ولا يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء.
وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال الله برعاية المصالح فإنهم يقولون: المعاد أمر جائز الوجود لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى جائزاً فالمرة الثانية أيضاً جائزة.
ثم إن إله العالم قادر مختار عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجز تمييز أجزاء بدن زيد - وإن اختلطت بأجزاء التراب والبحار - عن أجزاء بدن عمرو، وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثم إنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني.
وأما شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شراً من هذه فالتبديل سفه، وإن كانت مثلها فعبث، وإن كانت خيراً منها فإما أن يقال إنه قادر على خلق ذلك الأجود أولاً ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه، أو يقال إنه ما كان قادراً ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى الحكمة فهو محال على القديم.
والجواب أن كلاً من الدارين خير في وقتها فالأولى لتحصيل الكمالات النفسانية الممكنة للنوع الإنساني من قبيل العلم والعمل، والأخرى للراحة والجزاء، ومن ذلك أنهم قالوا: حركات الأفلاك مستديرة والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد.
والجواب ما ذكرنا في كتبنا الحكمية من أن كل جسم مركب وكل مركب ينحل لا محالة.
ولئن سلمنا أنها أزلية فحركاتها غير أزلية لأن الحركة عبارة عن الانتقال من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها والأزلية تنافي المسبوقية بالغير فكان الجمع بين الأزل والحركة محالاً.
ولئن سلم أن الحركة أزلية فلم لا يجوز أن يكون بعض أوضاع الأفلاك مقتضياً لإعادة المعدومات من الأشخاص الإنسانية؟
ومن ذلك أنهم قالوا: الإنسان عبارة عن هذا البدن ذي الأجزاء لا كيف كانت بل بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، لأن أجزاء البدن كانت موجودة قبل هذا الإنسان والموجود مغاير للمعدوم.
فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصورة والأعراض وعود المعدوم محال.
وأجيب بأن الإنسان ليس عبارة عن هذا الجسد وإنما هو النفس سواء كانت جوهراً مجرداً مفارقاً أو جسماً مخصوصاً لطيفاً باقياً في جميع أحوال البدن من الصبا إلى الهرم مصوناً عن التحلل والتبدل وهو الذي يسميه المتكلمون بالأجزاء الأصلية.
ومن ذلك أنهم قالوا: إذا قتل الإنسان واغتذى به إنسان آخر لزم أن تعاد تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال.
وأجيب بعين ما مر وهي أن الأجزاء الأصلية لا تصير جزءاً من إنسان آخر.
فهذه خلاصة وما وصل إليه العقول من أمر المعاد والله أعلم بحقائق الأمور.
ثم عدد بعض نعمه على المكلفين فقال: ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء ﴾ وهو أجوف واوي مهموز اللام قلبت واوه ياء لكسرة ما قبلها، ومن قرأ بهمزتين بينهما ألف فمحمول على القلب لأن إذا قدم اللام على العين وقع حرف العلة على الطرف فانقلب همزة كما في "كساء".
وهو إما أن يكون جمع ضوء كحوض وحياض، أو مصدر ضاء يضوء مثل قام قياماً وصام صياماً، ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة فجعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم إنه كرم وجود.
والضياء أقوى من النور.
ولا خلاف بين العقلاء أن ضوء الشمس كيفية قائمة بها لذاتها، أما نور القمر فقد ذهب جمهور الحكماء إلى أنه مستفاد من الشمس وبذلك يقع اختلاف أحواله من الهلالية إلى البدرية كما بينا في تفسير قوله : { ﴿ يسألونك عن الأهلة ﴾ ﴿ وقدره منازل ﴾ قال في الكشاف: أي قدّر مسيره منازل أو قدره ذا منازل.
ومنزلة القمر المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به وجملتها ثمانية وعشرون وأساميها مشهورة: الشرطين الثريا البطين الخ.
وهي كواكب ثابتة معروفة عندهم جعلوها علامات المنازلة، فنرى القمر كل ليلة نازلاً بقرب أحدها وذلك أنهم قسموا دور الفلك وهو اثنا عشر برجاً على ثمانية وعشرين - عدد أيام القمر - فأصاب كل برج منزلان وثلث فسموا كل منزل بالعلامة التي وقعت وقت التسمية بحذائه.
ثم ذكر بعض منافعهما العائدة على المكلفين فقال: ﴿ لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي.
وقد ذكرنا السنة الشمسية والسنة القمرية وكيفية دوران إحداهما على الأخرى في تفسير قوله : ﴿ إن عدة الشهور ﴾ الآية فلا حاجة إلى التكرار، ثم أشار إلى سائر منافعهما وخواصهما بقوله: ﴿ ما خلق الله ذلك ﴾ المذكور ﴿ إلا ﴾ ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ والصواب دون الباطل والعبث، فالشمس سلطان النهار والقمر خليفتها بالليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى فصولها الأربعة، وبالفصول تنتظم مصالح هذا العالم ويتحصل معايش الخلائق، وبحركة القمر يحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة النور ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات إلى غير ذلك من الخواص التي يرشد إليها التأمل والتدبر ولهذا قال: ﴿ يفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذه الدلائل.
وقيل: المراد بالعلم ههنا العقل الذي يعم الكل.
ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار وقد مر تفسيره في سورة "البقرة" في قوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ .
ومعنى قوله: ﴿ وما خلق الله في السموات والأرض ﴾ كقوله: ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ وقد مر في آخر "الأعراف".
وإنما خص كونها آيات بالمتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر.
قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بالمبدإ والمعاد.
ثم شرع في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به فقال: ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ عن ابن عباس ومقاتل والكلبي: معناه لا يخافون البعث كقوله : ﴿ وهم من الساعة مشفقون ﴾ واستبعد الأكثرون تفسير الرجاء بالخوف وقالوا: إنه بمعنى الطمع أي لا يطمعون في حسن لقائه كما يأمله السعداء، أو لا يتوقعونه أصلاً لأنهم لا يؤمنون بالمعاد فهم ذاهلون عن طلب اللذات الحقيقية فارغون عن التوجه نحو السعادات الباقية ﴿ ورضوا ﴾ مع ذلك ﴿ بالحياة الدنيا ﴾ الحسية الخسيسة ﴿ واطمأنوا بها ﴾ سكنوا إليها سكون العاشق إلى معشوقه وهذه غاية الانهماك الاستغراق في اللذات الجسمانية ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ فلا يعتبرون بالآيات ولا ينظرون في الدلائل الموصلة إلى حقيقة المبدإ والمعاد، فلم يقبلوها بالتقليد ولم ينظروا إليها بعين الاجتهاد ﴿ أولئك مأواهم النار ﴾ فيه معنى الجزاء ولذلك تعلق به قوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ وفيه أن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول العذاب الجسماني وهو النار المحسوسة، والعذاب الروحاني وهو نار البعد من المألوفات والقطيعة من السعادات الباقيات فيكون مثاله مثال من أخرج عن مجالسة معشوقه فألقي في بئر ظلمانية لا إلف بها ولا مؤنس بل يكون فيها أنواع المؤذيات وأصناف الموحشات نعوذ بالله من تلك الحالات.
وهذا حال من لا يؤمن بالمعاد فلا يعمل له، وأما حال الذي يؤمن به فذلك قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ استكملوا من جهة القوة النظرية ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ استكملوا من قبل القوة العملية أو صدقوا بقوله ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله، أو أشغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ثم جوارحهم بالخدمة حتى تكون عيونهم مشغولة بالاعتبار، وآذانهم باستماع كلام الله، وألسنتهم بذكر الله وسائر أعضائهم بطاعة الله : ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال أكثر المفسرين: معناه يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة.
ومعنى قوله: ﴿ بإيمانهم ﴾ أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهذا التفسير يوافق قوله : ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ وقوله : "إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله الصالح في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة.
والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول: أنا عملك فينطلق به إلى النار" .
وقيل: معنى الآية إن إيمانهم يهديهم إلى مزايا من الألطاف ولوامع من الأنوار بحيث تزول بواسطتها عنهم الشكوك والشبهات فتؤدي إلى حصول المثوبات ولذلك جعل ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ بياناً له وتفسيراً لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها.
فهذه الهداية عبارة عن الفوائد الزوائد الحاصلة في الدنيا بعد الإيمان.
قال القفال: فعلى هذا الوجه كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار إلا أنه حذف الواو وجعل قوله: ﴿ تجري ﴾ خبراً مستأنفاً منقطعاً عما قبله.
والتحقيق في تقرير هذا الوجه أن العلم نور والجهل ظلمة والروح كاللوح والعلوم والمعارف كالنقوش ولكن حالهم بالضد من النقوش الجسمانية، فإن تزاحم النقوش الجسمانية يكدر اللوح وتوارد النقوش المعنوية وتكاثرها يزيد لوح الروح لمعاناً وإشراقاً حتى إنه يقوى بها على تحصيل المعارف الباقية بسهولة، فليس فهم الرجل المنتهي للعلوم والحقائق كفهم المبتدىء، فإن الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور المعرفة، وإذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة التوجه إلى الآخرة والإعراض عن الدنيا، ولا تزال تتزايد إشراقات هذه المعارف والملكات فيرتقي في معارجها لحظة فلحظة، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية فلا نهاية لمراتب هذه الهداية.
وفي قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ دليل لمن قال إن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ولكنهما يعدّان الذهن لحصول الفيض من الجواد المطلق.
ومعنى ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ أنهم يكونون في البساتين على مواضع مرتفعة كالسرر والأرائك والأنهار تجري من بين أيديهم.
﴿ دعواهم فيها ﴾ قال بعض المفسرين: أي دعاؤهم ونداؤهم كما يدعو القانت بقوله: اللهم إياك نعبد: وقيل: الدعاء العبادة كقوله: ﴿ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ﴾ وإنما تكون هذه عبادتهم لا على سبيل التكليف بل على سبيل الإلهام والعادة ابتهاجاً بذكر الله.
وقيل: الادعاء بين المتخاصمين والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله من المعايب والإقرار له بالإلهية.
قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما.
وقيل: أي طريقتهم وسيرتهم وذلك لأن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم يكن في قولهم سبحانك اللهم دعاء ولا دعوى.
وقيل: أي تمنيهم كقوله: ﴿ ولهم ما يدعون ﴾ أي ما يتمنونه.
وتقول العرب: ادّع عليّ ما شئت أي تمن فكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، ولقد كانوا في الدنيا يدعون في الحروب من يسكنون إليه ويستنصرونه فيقولون: يا آل فلان فأخبر الله عنهم أن أنسهم في الجنة بذكر الله وسكونهم بتحميده ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ أي بعضهم يحيي بعضاً بالسلام.
وقيل: هي تحية الله أو الملائكة إياهم إضافة للمصدر إلى المفعول ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد ﴾ هي "أن" المخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد ﴿ لله ﴾ على أن الضمير للشأن.
قال أهل الظاهر من المفسرين: في سبب تخصيص هذه الأذكار بأهل الجنة أن قوله: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ علم بين أهل الجنة وخدامهم إذا سمعوا ذلك منهم أتوهم بما يشتهونه.
قال ابن جريج: ورد في الأخبار أنه إذا مرّ بهم طير يشتهونه قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وقال القاضي: إنه وعد المتقين بالثواب العظيم فإذا دخل أهل الجنة الجنة ووجدوا تلك المواعيد قالوا سبحانك اللهم أي نسبحك عن الخلف في الوعد.
وقيل: ألهم الله بني آدم في الجنة بعد انقراض الدنيا ما افتخر به الملائكة قبلهم في قولهم: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ ويمكن أن يقال: إن لكل إنسان معراجاً بحسب قوته فإذا وصل العارف الصادق إلى صفات جلال الله قال سبحانك، وإذا ارتقى منها إلى الذات قال اللهم، فإذا عجز عن ذلك المضمار واحترق في أوائل تلك الأنوار رجع من عالم الجلال إلى عالم الإكرام فأفاض الخير على جميع المحتاجين ويدفع المخافات والمكاره عنهم بكل ما أمكنه وذلك قوله: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ثم إذا شاهدوا أثر نعمة الله عليهم بالاستفاضة والإفاضة اختتموا الكلام بقولهم: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .
وعلى هذا يدور أمرهم في العروج والنزول ما داموا في الدنيا فيكون كذلك حالهم في العقبى لقوله: "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون".
التأويل: ﴿ الۤر ﴾ فيه إشارتان: إحداهما من الحق المحق إلى حبيبه محمد كأنه قال: بآلائي عليك في الأزل وأنت في العدم وبلطفي عليك في الوجود وبرحمتي ورأفتي لك من الأزل إلى الأبد.
والثانية من الحق لنبيه إليه يقول بإنسك معي حين خلقت روحي ولم يكن ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به حين دعوتك للخروج من العدم فقلت: ياسين أي يا سيد فقلت: لبيك وسعديك والخير كله بيديك.
وبرجوعك منك إلى حين قلت لنفسك بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ تلك ﴾ أي هذه الآيات المنزلة عليك ﴿ آيات الكتاب الحكيم ﴾ الذي وعدتك في الأزل وراثته لك ولأمتك.
والحكيم الحاكم على الكتب كلها فلا ينسخه كتاب وهو ينسخ الشرائع والأحكام والكتب كلها ﴿ إلى رجل منهم ﴾ لما رأى فيه رجولية قبول الوحي دون غيره، ويحتمل أن يكون معنى للناس الناسي عهد الله ﴿ قدم صدق ﴾ محمد لأنه أول من خرج من العدم إلى الوجود، أو هو العناية الأزلية "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لساحر مبين ﴾ صدقوا في أنهم مسحورون إلا أنه سحرهم سحرة صفات فرعون النفس.
إن الذي يربيكم هو الذي خلق السموات سموات أرواحكم وأرض نفوسكم من ستة أنواع هي: الروح والقلب والعقل والنفس الحيواني والنفس النباتي والصورة المعدنية ﴿ ثم استوى ﴾ على العرش القلب ﴿ يدبر ﴾ أمر السعادة والشقاوة يقلبه كيف يشاء.
﴿ إليه مرجعكم جميعاً ﴾ فرجعوا مقبولين بجذبات العناية التي صورتها خطاب ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ وحقيقتها انجذاب القلب إلى الله ونتيجتها عزوف النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها ورجوع المردودين بغير الاختيار بالسلاسل والأغلال.
ومن نتائجه تعلقات الدنيا واستيلاء صفات النفس ﴿ بالقسط ﴾ أي لكل بحسب كماله ونقصانه.
جعل شمس الروح ضياء يستنير بها قمر القلب إذا وقع في مواجهتها، وإذا وقع في مقابلة أرض النفس انكسف ولهذا سمي قلباً لتقلب أحواله بين الروح والنفس.
وتلك الأحوال هي منازله ومقاماته لتعلموا عدد سنين المقامات وحساب الكشوف والمشاهدات ﴿ إن في اختلاف ﴾ ليل صفات البشرية ونهار صفات الروحانية ﴿ وما خلق الله ﴾ في سموات الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف والأخلاق وتبدل الأحوال ﴿ لآيات ﴾ دالة على التوحيد ﴿ لقوم يتقون ﴾ الأخلاق الذميمة ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ وإن لم يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها كالرهابين والبراهمة وبعض الفلاسفة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ : البينات قد ذكرنا في غير موضع، والبينات هي التي تبين أنها آيات نزلت من عند الله لم يخترعها أحد من الخلق.
وقد ذكرنا قوله - أيضاً -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ : يشبه أن يكون قولهم: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ ﴾ ، إنما أجابهم في التبديل؛ دل أن السؤال كان سؤال تبديل، ولكن كانوا يسألون سؤال استهزاء وتكذيب.
ثم اختلف أهل التأويل في التبديل الذي سألوا.
قال بعضهم: سألوا أن يبدل ويجعل مكان آية العذاب آية الرحمة أو يبدل أحكامه.
ويحتمل قوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ ﴾ أي: بدل أحكامه واترك رسمه.
ويحتمل ما ذكرنا أنهم سألوا أن يتلو مكان آية العذاب آية الرحمة، ومكان ما فيه سب آلهتهم مدحها ونحو ذلك، والله أعلم.
ونحن لا نعلم ما أراد بالتبديل تبديل الأحكام أو تبديل الرسم والنظم، إنما نعلم ذلك بالسماع.
ثم أخبر أنه لا يقول ولا يتبع إلا ما يوحى إليه ويؤمر به بقوله: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ إن تركت تبليغ ما أمرت بالتبليغ إليكم، وهكذا كل من عرف ربه خافه إن عصاه وخالف أمره ونهيه، ومن لم يعرف ربه لم يخفه إن عصاه وخالف.
وقوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ : سؤالهم سؤال تعنت واستهزاء؛ لأنه لا منفعة لهم لو أتى بغيره وبدله سوى ما في هذا ولو جاز لهم هذا السؤال جاز ذلك في كل ما أتى به واحداً بعد واحد، فذلك مما لا ينقطع أبداً ولا غاية ولا نهاية فهو سؤال تعنت واستهزاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ : هو صلة ما تقدم من قوله حيث قالوا: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ قد ذكرنا أن هذا يحتمل وجهين: يحتمل أنهم سألوه أن يبدل أحكامه على ترك رسمه ونظمه.
ويحتمل قوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ أي: ارفع رسمه ونظمه وأحكامه، كأنهم ادعوا على رسول الله اختراع هذا القرآن من نفسه واختلاقه من عنده، فقال: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ تأويله - والله أعلم -: لو شاء الله ألا يظهر دينه فيكم ولا [ألزمكم حجته] ولا بعثني إليكم رسولا، ﴿ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ و ﴿ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ أي: ولا أعلمكم به.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ : ولا أعلمكم ما فيه من الأحكام، أو يقول: لو شاء الله لم يوح إلي، ولا أمرني بتبليغ ما أوحي إلي إليكم، ولا بالدعاء إلى ما أمرني أن أدعوكم إليه.
وفي قوله: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ \[دلالة أن الله إن شاء شيئاً كان وما لم يشأ لم يكن لأنه أخبر أنه لو شاء ما تلوته عليكم\] فلو لم يشأ أن يتلوه ما تلاه؛ دل أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وذلك يرد على المعتزلة قولهم: شاء الله أن يؤمن الخلائق كلهم لكنهم لم يؤمنوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أي: فقد لبثت فيكم عمرا من قبله فلم أدع ما أدعي للحال، ولا تلوت ما أتلو، أفلا تعقلون أني لم أخترع هذا من نفسي، ولكن وحي أوحي إلي؟!
إذ لو كان اختراعاً مني لكان ذلك مني فيما مضى من الوقت وكنت لابساً فيكم، فإذا لم يكن مني ذلك أفلا تعقلون أني لم أخترع من نفسي؟!
يحتمل هذا الكلام وجوهاً: أحدها: أنهم لما ادعوا عليه الاختراع من عنده قال: إني قد لبثت فيكم من قبله، أي: [من] قبل أن يوحى هذا إلي، فلم تروني خططت بيميني، ولا اختلفت إلى أحد في التعلم والدراسة، فكيف أخترع من عندي؛ إذ التأليف لا يلتئم ولا يتم إلا بأسباب تتقدم؟!
والثاني: فقد لبثت عمرا سنين لم تعرفوني ولا رأيتموني كذبت قط، فكيف أفتري على الله وأخترع القرآن من عند نفسي؟!
ألا ترى أنه قال على إثر هذه: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً.
والثالث: يحتمل قوله: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ ﴾ فلم أسمع أحداً ادعى البعث، ولا أقام حجة عليه، وأنا قد ادعيت البعث وأقمت على ذلك حجة، أفلا تعقلون هذا أني لم أخترع من عند نفسي؟!
وقوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ ﴾ : يشبه أن هذا صلة قوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ أي كيف تطلبون مني إتيان غيره وتبديل أحكامه وقد تعرفون قبح الكذب وفحشه فكيف تسألونني الافتراء على الله وتكذيب آياته؟
ويحتمل أن يكون صلة ما ادعوا عليه أنه افتراه من [عند] نفسه؛ يقول: إنكم لم تأخذوني بكذب قط، وقد لبثت فيكم عمرا فكيف تنسبوني إلى الكذب على الله، وقد عرفتم قبح الكذب على الله وفحشه؟!
ويحتمل على الابتداء ثم قد ذكرنا أن قوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ استفهام، فجوابه ما قاله أهل التأويل: لا أحد أبين ظلما ولا أفحش ممن افترى على الله كذباً، لا أن تفسيره ما قالوه، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
﴿ أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ ﴾ : الافتراء على الله تكذيب بآياته، وتكذيب آياته افتراء على الله.
<div class="verse-tafsir"
وما كان الناس إلا أمة واحدة مؤمنة موحدة فاختلفوا، فمنهم من بقي مؤمنًا، ومنهم من كفر، ولولا ما مضى من قضاء الله أنَّه لا يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه في الدنيا، وإنما يحكم بينهم فيه يوم القيامة، لولا ذلك لحكم بينهم في الدنيا فيما يختلفون فيه، فيتبين المهتدي من الضال.
<div class="verse-tafsir" id="91.Z0mwy"