الآية ١٨ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٨ من سورة يونس

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ، ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله ، فأخبر تعالى أنها لا تنفع ولا تضر ولا تملك شيئا ، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها ، ولا يكون هذا أبدا ؛ ولهذا قال تعالى : ( قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ) .

وقال ابن جرير : معناه أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض ؟

ثم نزه نفسه عن شركهم وكفرهم ، فقال : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ويعبُد هؤلاء المشركون الذين وصفت لك ، يا محمد صفتهم ، من دون الله الذي لا يضرهم شيئًا ولا ينفعهم ، في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام التي كانوا يعبدونها ، ( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ، يعني: أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله (25) قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله: (قل) لهم ( أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض) ، يقول: أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض؟

(26) وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السماوات ولا في الأرض.

وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله.

فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله: قل لهم: أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السماوات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما؟

وذلك باطلٌ لا تعلم حقيقته وصحته، بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون ، وأنها لا تشفع لأحد ، ولا تنفع ولا تضر ، (سبحان الله عما يشركون) ، يقول: تنـزيهًا لله وعلوًّا عما يفعله هؤلاء المشركون ، (27) من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع ، وافترائهم عليه الكذب.

---------------------- الهوامش : (25) انظر تفسير " الشفاعة " فيما سلف ص : 18 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(26) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة ( نبأ ) .

(27) انظر تفسير " سبحان " فيما سلف ص ، 30 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

، وتفسير " تعالى " فيما سلف 13 : 317 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركونقوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم يريد الأصنام .ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله وهذه غاية الجهالة منهم ; حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال .

وقيل : شفعاؤنا أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا .قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض قراءة العامة " تنبئون " بالتشديد .

وقرأ أبو السمال العدوي " أتنبئون الله " مخففا ، من أنبأ ينبئ .

وقراءة العامة من نبأ ينبئ تنبئة ; وهما بمعنى واحد ، جمعهما قوله تعالى : من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير أي أتخبرون الله أن له شريكا في ملكه أو شفيعا بغير إذنه ، والله لا [ ص: 236 ] يعلم لنفسه شريكا في السماوات ولا في الأرض ; لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه .

نظيره قوله : أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرضثم نزه نفسه وقدسها عن الشرك فقال : سبحانه وتعالى عما يشركون أي هو أعظم من أن يكون له شريك وقيل : المعنى أي يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يميز ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فيكذبون ; وهل يتهيأ لكم أن تنبئوه بما لا يعلم ، سبحانه وتعالى عما يشركون!

.

وقرأ حمزة والكسائي تشركون بالتاء ، وهو اختيار أبي عبيد .

الباقون بالياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ‏}‏ أي‏:‏ المشركون المكذبون لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.‏ ‏{‏مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ لا تملك لهم مثقال ذرة من النفع ولا تدفع عنهم شيئا‏.‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ‏}‏ قولا خاليا من البرهان‏:‏ ‏{‏هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ يعبدونهم ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده، وهذا قول من تلقاء أنفسهم، وكلام ابتكروه هم، ولهذا قال تعالى ـ مبطلا لهذا القول ـ ‏:‏ ‏{‏قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ الله تعالى هو العالم، الذي أحاط علما بجميع ما في السماوات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه، أفأنتم ـ يا معشر المشركين ـ تزعمون أنه يوجد له فيها شركاء‏؟‏ أفتخبرونه بأمر خفي عليه، وعلمتوه‏؟‏ أأنتم أعلم أم الله‏؟‏ فهل يوجد قول أبطل من هذا القول، المتضمن أن هؤلاء الضلال الجهال السفهاء أعلم من رب العالمين‏؟‏ فليكتف العاقل بمجرد تصور هذا القول، فإنه يجزم بفساده وبطلانه‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ أي‏:‏ تقدس وتنزه أن يكون له شريك أو نظير، بل هو الله الأحد الفرد الصمد الذي لا إله في السماوات والأرض إلا هو، وكل معبود في العالم العلوي والسفلي سواه، فإنه باطل عقلا وشرعا وفطرة‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ) إن عصوه وتركوا عبادته ، ( ولا ينفعهم ) إن عبدوه ، يعني : الأصنام ، ( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله ) أتخبرون الله ، ( بما لا يعلم ) الله صحته .

ومعنى الآية : أتخبرون الله أن له شريكا ، أو عنده شفيعا بغير إذنه ، ولا يعلم الله لنفسه شريكا؟!

( في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ) قرأ حمزة والكسائي " تشركون " بالتاء ، هاهنا وفي سورة النحل موضعين ، وفي سورة الروم ، وقرأ الآخرون كلها بالياء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويعبدون من دون الله» أي غيره «ما لا يضرهم» إن لم يعبدوه «ولا ينفعهم» إن عبدوه وهو الأصنام «ويقولون» عنها «هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل» لهم «أتنبئون الله» جبروته «بما لا يعلم في السموات والأرض» استفهام إنكار إذ لو كان له شريك لعلمه، إذا لا يخفى عليه شيء «سبحانه» تنزيها له «وتعالى عما يشركونـ» به معه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يضرهم شيئًا، ولا ينفعهم في الدنيا والآخرة، ويقولون: إنما نعبدهم ليشفعوا لنا عند الله، قل لهم -أيها الرسول-: أتخبرون الله تعالى بشيء لا يعلمه مِن أمر هؤلاء الشفعاء في السموات أو في الأرض؟

فإنه لو كان فيهما شفعاء يشفعون لكم عنده لكان أعلم بهم منكم، فالله تعالى منزَّه عما يفعله هؤلاء المشركون من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - أقبح رذائلهم ، وهى عبادتهم لغير الله ، ودعواهم أن أصنامهم ستشفع لهم فقال - تعالى - :( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ .

.

.

)هذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك ( وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا .

.

.

) عطف القصة على القصة .والعبادة : الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والتعظيم .أي : وهؤلاء الذين لا يرجون لقاؤنا ، ويطلبون قرآنا غير هذا القرآن أو تبديله ، بلغ من جهلهم وسفههم أنهم يعبدون من دون الله أصناما لا تضرهم ولا تنفعهم ، لأنها جمادات لا قدرة لها على ذلك .والمقصود بوصفها بأنها لا تضر ولا تنفع : بطلان عبادتها ، لأن من شأن المعبود أن يملك الضر والنفع ، وأن يكون مثيبا على الطاعة ومعاقبا على المعصية .وقوله : ( مِن دُونِ الله ) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل ( يعبدون ) أي : يعبدونها متجاوزين الله وتاركين طاعته .و ( ما ) موصولة أو نكرة موصوفة .

والمراد بها الأصنام التى عبدوها من دون الله؟قال الجمل : " ونفي الضر والنفع هنا عن الأصنام باعتبار الذات ، وإثباتها لها فى سورة الحج فى قوله ( يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ) باعتبار السبب ، فلا يرد كيف نفي عن الأصنام الضر والنفع ، وأثبتهما لهما فى سورة الحج " .وقوله : ( وَيَقُولُونَ هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله ) حكاية لأقوالهم السخيفة عندما يُدعَوْن إلى عبادة الله وحده .والشفعاء : جمع شفيع ، وهو من يشفع لغيره فى دفع ضر أو جلب نفع .أي : أنهم يدينون بالعبادة لأصنام لا تضرهم إن تركوا عبادتها ، ولا تنفعهم إن عبدوها ، فإذا ما طلب منهم أن يجعلوا عبادتهم لله وحده وقالوا : إننا نعبد هذه الأصنام لتكون شفيعة لنا عند الله فى دنيانا ، بأن نتوسل إليه بها فى إصلاح معاشنا ، وفى آخرتنا إن كان هناك ثواب وعقاب يوم القيامة .وهنا يأمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فى قول : ( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فى السماوات وَلاَ فى الأرض ) .أي : قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين : إن الله - تعالى - لا يخفى عليه شيء فى هذا الكون ولا يعلم أن هناك من يشفع عنده مما تزعمون شفاعته .

فهل تعملون أنتم ما لا يعلمه .

وهل تخبرونه بما لا يعلم له وجوداً فى السموات ولا فى الأرض؟!!فالمقصود بهذه الجملة الكريمة التهكم بهم ، والسخرية بعقولهم وأفكارهم ، ونفي أن تكون الأوثان شفعاء عند الله بأبلغ وجه .والعائد فى قوله ( بِمَا لاَ يَعْلَمُ ) محذوف .

والتقدير بما لا يعلمه .وقوله ( فِي السماوات وَلاَ فى الأرض ) حال من العائد المحذوف ، وهو مؤكد للنفي ، لأن ما لا يوجد فى ها فهو منتف عادة .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت كيف : أنبأوا الله بذلك؟

قلت : هو تهكم بهم ، وبما ادعوه من المحال الذى هو شفاعة الأصنام ، وإعلام بأن الذى أنبأوا به باطل .فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق علمه به ، كما يخبر الرجل بما لا يعلمه .وقوله ( فِي السماوات وَلاَ فى الأرض ) تأكيد لتنفيه ، لأن ما لم يوجد فى هما فهو منتف معدوم .وقوله : ( سُبْحَانَهُ وتعالى ) عن كل شريك ، وعما قاله هؤلاء الجاهلون من أن الأصنام شفعاء عنده .وبذلك تكون الآية الكريمة قد وبخت المشركين على عبادتهم لغير الله وعلى جهالاتهم وتقولهم على الله بغير علم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنا ذكرنا أن القوم إنما التمسوا من الرسول صلى الله عليه وسلم قرآناً غير هذا القرآن أو تبديل هذا القرآن ل، أن هذا القرآن مشتمل على شتم الأصنام التي جعلوها آلهة لأنفسهم، فلهذا السبب ذكر الله تعالى في هذا الموضع ما يدل على قبح عبادة الأصنام، ليبين أن تحقيرها والاستخفاف بها أمر حق وطريق متيقن.

واعلم أنه تعالى حكى عنهم أمرين: أحدهما: أنهم كانوا يعبدون الأصنام.

والثاني: أنهم كانوا يقولون: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ .

أما الأول فقد نبه الله تعالى على فساده بقوله: ﴿ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ وتقريره من وجوه: الأول: قال الزجاج: لا يضرهم إن لم يعبدوه ولا ينفعهم إن عبدوه.

الثاني: أن المعبود لابد وأن يكون أكمل قدرة من العابد، وهذه الأصنام لا تنفع ولا تضر ألبتة، وأما هؤلاء الكفار فهم قادرون على التصرف في هذه الأصنام تارة بالإصلاح وأخرى بالإفساد، وإذا كان العابد أكمل حالاً من المعبود كانت العبادة باطلة.

الثالث: أن العبادة أعظم أنواع التعظيم، فهي لا تليق إلا بمن صدر عنه أعظم أنواع الأنعام، وذلك ليس إلا الحياة والعقل والقدرة ومصالح المعاش والمعاد، فإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله سبحانه وتعالى، وجب أن لا تليق العبادة إلا بالله سبحانه.

وأما النوع الثاني: ما حكاه الله تعالى عنهم في هذه الآية، وهو قولهم: ﴿ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله ﴾ فاعلم أن من الناس من قال إن أولئك الكفار توهموا أن عبادة الأصنام أشد في تعظيم الله من عبادة الله سبحانه وتعالى.

فقالوا ليست لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى بل نحن نشتغل بعبادة هذه الأصنام، وأنها تكون شفعاء لنا عند الله تعالى.

ثم اختلفوا في أنهم كيف قالوا في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله؟

وذكروا فيه أقوالاً كثيرة: فأحدها: أنهم اعتقدوا أن المتولي لكل أقليم من أقاليم العالم، روح معين من أرواح عالم الأفلاك، فعينوا لذلك الروح صنماً معيناً واشتغلوا بعبادة ذلك الصنم، ومقصودهم عبادة ذلك الروح، ثم اعتقدوا أن ذلك الروح يكون عبداً للإله الأعظم ومشتغلاً بعبوديته.

وثانيها: أنهم كانوا يعبدون الكواكب وزعموا أن الكواكب هي التي لها أهلية عبودية الله تعالى، ثم لما رأوا أن الكواكب تطلع وتغرب وضعوا لها أصناماً معينة واشتغلوا بعبادتها، ومقصودهم توجيه العبادة إلى الكواكب.

وثالثها: أنهم وضعوا طلسمات معينة على تلك الأصنام والأوثان، ثم تقربوا إليها كما يفعله أصحاب الطلسمات.

ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل، فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى، ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر، على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله.

وخامسها: أنهم اعتقدوا أن الإله نور عظيم، وأن الملائكة أنوار فوضعوا على صورة الإله الأكبر الصنم الأكبر، وعلى صورة الملائكة صوراً أخرى.

وسادسها: لعل القوم حلولية، وجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام العالية الشريفة.

واعلم أن كل هذه الوجوه باطلة بالدليل الذي ذكره الله تعالى وهو قوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ وتقريره ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة.

قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

اعلم أن المفسرين قرروا وجهاً واحداً، وهو أن المراد من نفي علم الله تعالى بذلك تقرير نفيه في نفسه، وبيان أنه لا وجود له ألبتة، وذلك لأنه لو كان موجوداً لكان معلوماً لله تعالى، وحيث لم يكن معلوماً لله تعالى وجب أن لا يكون موجوداً، ومثل هذا الكلام مشهور في العرف، فإن الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه يقول: ما علم الله هذا مني، ومقصوده أنه ما حصل ذلك قط، وقرئ ﴿ أَتُنَبّئُونَ ﴾ بالتخفيف أما قوله: ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ فالمقصود تنزيه الله تعالى نفسه عن ذلك الشرك، قرأ حمزة والكسائي ﴿ تُشْرِكُونَ ﴾ بالتاء، ومثله في أول النحل في موضعين، وفي الروم كلها بالتاء على الخطاب، قال صاحب الكشاف ما موصولة أو مصدرية أي عن الشركاء الذين يشركونهم به أو عن إشراكهم، قال الواحدي: من قرأ بالتاء فلقوله: ﴿ أَتُنَبّئُونَ الله ﴾ ومن قرأ بالياء فكأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أنت ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ويجوز أن يكون الله سبحانه هو الذي نزه نفسه عما قالوه فقال: ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ الأوثان التي هي جماد لا تقدر على نفع ولا ضرّ.

وقيل: إن عبدوها لن تنفعهم، وإن تركوا عبادتها لم تضرّهم، ومن حق المعبود أن يكون مثيباً على الطاعة معاقباً على المعصية.

وكان أهل الطائف يعبدون اللات، وأهل مكة العزّى ومناة وهبل وأسافاً ونائلة ﴿ و ﴾ كانوا ﴿ يَقُولُونَ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله ﴾ وعن النضر بن الحرث: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزّى ﴿ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ ﴾ أتخبرونه بكونكم شفعاء عنده، وهو إنباء بما ليس بالمعلوم لله، وإذا لم يكن معلوماً له وهو العالم الذات المحيط بجميع المعلومات، لم يكن شيئاً لأنّ الشيء ما يعلم به ويخبر عنه، فكان خبراً ليس له مخبر عنه.

فإن قلت: كيف أنبأوا الله بذلك؟

قلت: هو تهكم بهم وبما ادعوه من المحال الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأنّ الذي أنبؤا به باطل غير منطوٍ تحت الصحة، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه كما يخبر الرجل الرجل بما لا يعلمه.

وقرئ: ﴿ أتنبئون ﴾ بالتخفيف.

وقوله: ﴿ فِى السماوات وَلاَ فِي الأرض ﴾ تأكيد لنفيه؛ لأنّ ما لم يوجد فيهما فهو منتف معدوم ﴿ تُشْرِكُونَ ﴾ قرئ بالتاء والياء وما موصولة أو مصدرية، أي عن الشركاء الذين يشركونهم به أو عن إشراكهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ تُفادُ مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ كِنايَةً، أوْ تَظْلِيمٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَذُو شَرِيكٍ وذُو ولَدٍ.

﴿ أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ فَكَفَرَ بِها.

﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ فَإنَّهُ جَمادٌ لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، والمَعْبُودُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُثِيبًا ومُعاقِبًا حَتّى تَعُودَ عِبادَتُهُ بِجَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ.

﴿ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ ﴾ الأوْثانُ.

﴿ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ تَشْفَعُ لَنا فِيما يَهُمُّنا مِن أُمُورِ الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ إنْ يَكُنْ بَعْثٌ، وكَأنَّهم كانُوا شاكِّينَ فِيهِ وهَذا مِن فَرْطِ جَهالَتِهِمْ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ المُوجِدِ الضّارِّ النّافِعِ إلى عِبادَةِ ما يُعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ رُبَّما يَشْفَعُ لَهم عِنْدَهُ.

﴿ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ ﴾ أتُخْبِرُونَهُ.

﴿ بِما لا يَعْلَمُ ﴾ وهو أنَّ لَهُ شَرِيكًا أوْ هَؤُلاءِ شُفَعاءُ عِنْدَهُ وما لا يَعْلَمُهُ العالِمُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَكُونُ لَهُ تَحَقُّقٌ ما وفِيهِ تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.

﴿ فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إمّا سَماوِيٌّ وإمّا أرْضِيٌّ، ولا شَيْءَ مِنَ المَوْجُوداتِ فِيهِما إلّا وهو حادِثٌ مَقْهُورٌ مِثْلُهم لا يَلِيقُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ.

﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ عَنِ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَهم بِهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي المَوْضِعَيْنِ في أوَّلِ « النَّحْلِ» و « الرُّومِ» بِالتّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ويعبدون من دون الله ما لا يَضُرُّهُمْ} إن تركوا عبادتها {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} إن عبدوها {وَيَقُولُونَ هَؤُلاء} أي الأصنام {شفعاؤنا عِندَ الله} أي في أمر الدنيا ومعيشتها لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله من يموت أو يوم القيامة أن يكن بعث ونشور {قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ} أتخبرونه بكونهم شفعاء عنده وهو إنباء بما ليس بمعلوم لله وإذا لم يكن معلوماً له وهو عالم بجميع المعلومات لم يكن شيئاً وقوله {فِى السماوات وَلاَ فِى الأرض} تأكيد لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو معدوم {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} نزَّه ذاته عن أن يكون له

شريك وبالتاء حمزة وعلي وما موصولة أو مصدرية أي عن الشركاء الذين تشركونهم به أو عن إشراكهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى لَهم وهي عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةَ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ (ومِن دُونِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (يَعْبُدُونَ) أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى إما بِمَعْنى تَرْكِ عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّها لا تَصِحُّ ولا تَقَعُ عِبادَةٌ مَعَ الشَّرِكَةِ أوْ بِمَعْنى عَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِها وجَعْلِها قَرِينًا لِعِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَما اخْتارَهُ البَعْضُ و(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ والمُرادُ بِها الأصْنامُ ومَعْنى كَوْنِها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّها جَماداتٌ والمَقْصُودُ مِن هَذا الوَصْفِ نَفْيُ صِحَّةِ مَعْبُودِيَّتِها لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ القُدْرَةَ عَلى ما ذُكِرَ وقِيلَ: المَعْنى لا تَضُرُّهم إنْ تَرَكُوا عِبادَتَها ولا تَنْفَعُهم إنْ عَبَدُوها والمَقْصُودُ أيْضًا نَفْيُ صِحَّةِ مَعْبُودِيَّتِها لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يُثِيبَ عابِدَهُ ويُعاقِبَ مَن لَمْ يَعْبُدْهُ والفَرْقُ بَيْنَ التَّفْسِيرَيْنِ عَلى ما قالَهُ القُطْبُ إطْلاقُ النَّفْعِ والضُّرِّ في الأوَّلِ والتَّقْيِيدُ بِالعِبادَةِ وتَرْكِها في الثّانِي وقِيلَ: المَقْصُودُ عَلى الأوَّلِ مِنَ المَوْصُولِ الأصْنامُ بِعَيْنِها وعَلى الثّانِي فاقِدُ أوْصافِ المَعْبُودِيَّةِ ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ غَيْرُ الأصْنامِ مِنَ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا الأصْنامُ لِأنَّ العَرَبَ إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَها وكانَ أهْلُ الطّائِفِ يَعْبُدُونَ اللّاتَ وأهْلَ مَكَّةَ ومَناةَ وهُبَلَ وأسافا ونائِلَةَ ﴿ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ يَقُولُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِي اللّاتُ والعُزّى وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ والظّاهِرُ أنَّ سائِرَ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ أيْ إنْ كانَ بُعِثَ كَما زَعَمْتُمْ فَهَؤُلاءِ يَشْفَعُونَ لَنا فَلا يُقالُ: إنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ في الآخِرَةِ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلْبَعْثِ وهم يُنْكِرُونَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ وكَذا ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ فَيَلْزَمُ المُنافاةُ بَيْنَ مَفاهِيمِ الآياتِ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّهم أرادُوا مِن هَذِهِ الشَّفاعَةِ الشَّفاعَةَ في الدُّنْيا لِإصْلاحِ المَعاشِ وحِينَئِذٍ لا مُنافاةَ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ومَن سَبَرَ حالَ القَوْمِ رَآهم مُتَرَدِّدِينَ ولِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ كَلِماتُهم ونِسْبَةُ الشَّفاعَةِ لِلْأصْنامِ قِيلَ بِاعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ وذَلِكَ لِأنَّهم كَما هو المَشْهُورُ وضَعُوها عَلى صُوَرِ رِجالٍ صالِحِينَ ذَوِي خَطَرٍ عِنْدَهم وزَعَمُوا أنَّهم مَتّى اشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها فَإنَّ أُولَئِكَ الرِّجالَ يَشْفَعُونَ لَهم وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُتَوَلِّيَ لِكُلِّ إقْلِيمٍ رُوحُ مُعَيِّنٍ مِن أرْواحِ الأفْلاكِ فَعَيَّنُوا لِذَلِكَ الرُّوحِ صَنَمًا مِنَ الأصْنامِ واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها قَصْدًا إلى عِبادَةِ الكَواكِبِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والحَقُّ أنَّ مِنَ الأصْنامِ ما وُضِعَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ومِنها ما وُضِعَ لِكَوْنِها كالهَياكِلِ لِلرُّوحانِيّاتِ ﴿ قُلْ ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ ﴾ أيْ أتُخْبِرُونَهُ سُبْحانَهُ بِما لا وُجُودَ لَهُ ولا تَحَقُّقَ أصْلًا وهو كَوْنُ الأصْنامِ شُفَعاءَهم عِنْدَهُ جَلَّ شَأْنُهُ فَإنَّ ما لا يَعْلَمُهُ عَلّامُ الغُيُوبِ المُحِيطُ عِلْمُهُ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ لا يَكُونُ لَهُ تَحَقُّقٌ بِالكُلِّيَّةِ وذَكَرُوا أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُسَمّى شَيْئًا بِناءً عَلى أنَّهُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ وهو يَشْمَلُ المَوْجُودَ والمَعْدُومَ كَما حَقَّقَهُ بَعْضُ أصْحابِنا كالمُعْتَزِلَةِ وسَمَّوْا ما لا يُعْلَمُ بِالمَنفِيِّ كالشَّرِيكِ وكاجْتِماعِ الضِّدَّيْنِ وحَقَّقَ ذَلِكَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ أتى فِيها بِالعَجَبِ العُجابِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكًا والمَقْصُودُ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن ذِكْرِ أنْباءِ اللَّهِ تَعالى بِما لا تَحَقُّقَ لَهُ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمُهُ التَّهَكُّمُ والهَزْءُ بِهِمْ وإلّا فَلا أنْباءَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ أيْ بِما لا يَعْلَمُهُ كائِنًا في ذَلِكَ والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما قَبْلَهُ فَإنَّهُ قَدْ جَرى في العُرْفِ أنْ يُقالَ عِنْدَ تَأْكِيدِ النَّفْيِ لِلشَّيْءِ لَيْسَ هَذا في السَّماءِ ولا في الأرْضِ لاعْتِقادِ العامَّةِ أنَّ كُلَّ ما يُوجَدُ إمّا في السَّماءِ وإمّا في الأرْضِ كَما هو رَأْيُ المُتَكَلِّمِينَ في كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إذْ هو سُبْحانَهُ المَعْبُودُ المُنَزَّهُ عَنِ الحُلُولِ في المَكانِ والآياتِ الَّتِي ظاهِرُها ذَلِكَ مِنَ المُتَشابِهِ والمَذاهِبُ فِيهِ شَهِيرَةٌ وهَذا إذا أُرِيدَ بِالسَّماءِ والأرْضِ جِهَتا العُلُوِّ والسُّفْلِ وقِيلَ: الكَلامُ إلْزامِيٌّ لِزَعْمِ المُخاطَبِينَ الكافِرِينَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أتُخْبِرُونَهُ تَعالى بِشَرِيكٍ أوْ شَفِيعٍ لا يَعْلَمُ شَيْئًا في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِن السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ 18﴾ أيْ عَنْ إشْراكِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِتِلْكَ المَقالَةِ الباطِلَةِ أوْ عَنْ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَهم شُرَكاءَ وقُرِئَ (أتُنَبِّئُونَ) بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تُشْرِكُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ وعَلى الأوَّلِ هو اعْتِراضٌ تَذْلِيلِيٌّ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً، يعني: من أشد في كفره ممن اختلق على الله كذبا إن معه شريكاً، أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ بمحمد  والقرآن.

إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ، يعني: المشركين، وقال الضحاك: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: مسيلمة الكذاب إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ يعني: أتباعه وأشياعُه ونظراؤه.

قوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: الأصنام، مَا لاَ يَضُرُّهُمْ إن لم يعبدوها وَلا يَنْفَعُهُمْ إن عبدوها ولا تضرّهم إن لم يعبدوها وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ يعني: الأصنام شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ يشفعون لنا في الآخرة.

قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ يعني: أتخبرون الله بِما لاَ يَعْلَمُ من الآلهة.

فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، أنها تشفع لأحد يوم القيامة، ويقال: معناه أتخبرون الله بشفاعة آلهتكم، أما علموا أنها لا تكون أبداً؟

ويقال: معناه أتشركون مع الله بجاهل لا يعلم ما فى السموات ولا ما في الأرض.

ثم نزه نفسه عن الولد والشريك، فقال تعالى: سُبْحانَهُ، يعني: تنزيهاً له، وَتَعالى، يعني: ارتفع عَمَّا يُشْرِكُونَ من الآلهة.

ويقال: معناه هو أعلى وأجلّ من أن يوصف له شريك.

قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر يُشْرِكُونَ بالياء على معنى المغايبة، وقرأ الباقون بالتاء على وجه المخاطبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عتاب على سوء الخُلُقِ من بعض الناس، ومضمَّنه النهْيُ عن مثل هذا، والأَمرُ بالتسليم إِلى اللَّه والضَّراعة إِليه في كلِّ حال، والعلْمُ بأنَّ الخير والشر منه، لا رَبَّ غيره، وقوله:

لِجَنْبِهِ، في موضع الحال كأنه قال: مُضْطَجِعاً، والضُّرُّ عامٌ لجميع الأمراض والرزايا.

وقوله: مَرَّ يقتضي أن نزولها في الكفَّار، ثم هي بعد تتناوَلُ كلَّ من دَخَلَ تحْتَ معناها مِنْ كافرٍ وعاصٍ.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ/ قَبْلِكُمْ ...

الآية: آيةُ وعيد للكفّار، وضرب أمثال لهم، وخَلائِفَ: جمع خليفة.

وقوله: لِنَنْظُرَ: معناه: لنبيِّن في الوجود ما عَلِمْناه أزلاً، لكنْ جرى القول على طريق الإِيجاز والفصاحةِ والمجازِ، وقال عمر رضي اللَّه عنه: إِنَّ اللَّه تعالَى إِنما جَعَلَنَا خلفاءَ لينظر كَيْفَ عَمَلُنَا فَأَرُوا اللَّه حسن أعمالكم في السر والعلانية «١» .

وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)

وقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنَا يعني:

بعْضَ كفار قريش: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، ثم أمر سبحانه نبيه أَنْ يردَّ عليهم بالحق الواضح، فقال: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ولا أعلمكم به، وأَدْراكُمْ بمعنى:

أعلمكم، تقول: دَرَيْتُ بالأَمْرِ، وأَدْرَيْتُ بِهِ غيري، ثم قال: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ يعني: الأربعين سنةً قبل بعثته عليه السلام، أي: فلم تجرِّبوني في كَذِبٍ، ولا تكلَّمتُ في شيءٍ مِنْ هذا أَفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ من كان على هذه الصفة لا يصحُّ منه كذب بعد أَنْ ولَّى عمره، وتقاصَرَ أملُهُ، واشتدَّت حِنْكَته وخوفُه لربِّه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.

﴿ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنُونَ الأصْنامَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَرَجَتْ كِنايَتُها عَلى لَفْظِ كِنايَةِ الآدَمِيِّينَ.

وقَدْ ذَكَرْنا هَذا المَعْنى في (الأعْرافِ:١٩١) عِنْدَ قَوْلِهِ: " وهم يُخْلَقُونَ " وفي قَوْلِهِ: ﴿ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: شُفَعاؤُنا في الآخِرَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: شُفَعاؤُنا في إصْلاحِ مَعايِشِنا في الدُّنْيا، لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: أتُخَبِّرُونَ اللَّهَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، ولا يَعْلَمُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا في السَّمَواتِ ولا في الأرْضِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللهِ بِما لا يَعْلَمُ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ هَذِهِ مِن كَمالِ الحُجَّةِ.

أيْ: هَذا الكَلامُ لَيْسَ مِن قِبَلِي ولا مِن عِنْدِي، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللهِ، ولَوْ شاءَ ما بَعَثَنِي بِهِ ولا تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أعْلَمْتُكم بِهِ.

و ﴿ أدْراكُمْ ﴾ بِمَعْنى: أعْلَمَكُمْ، يُقالُ: دَرَيْتُ بِالأمْرِ وأدْرَيْتُ غَيْرِي، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "وَلَأدْراكم بِهِ" وهي لامُ تَأْكِيدٍ دَخَلَتْ عَلى "أدْرى"، والمَعْنى -عَلى هَذا- ولَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ طَرِيقِي، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: "وَلا أدْرَأْتُكم بِهِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "وَلا أنْذَرْتُكم بِهِ"، وخَرَّجَ الفَرّاءُ قِراءَةَ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ عَلى لُغَةٍ لِبَعْضِ العَرَبِ مِنها قَوْلُهُمْ: "لَبَّأْتُ" بِمَعْنى "لَبَّيْتُ"، ومِنها قَوْلُ امْرَأةٍ مِنهُمْ: "رَثَأْتُ زَوْجِي بِأبْياتٍ"، أيْ: رَثَيْتُ.

وقالَ أبُو الفَتْحِ: إنَّما هي "أدْرَيْتُكُمْ" قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ورُوِينا عن قُطْرُبٍ: إنَّ لُغَةَ عَقِيلٍ في أعْطَيْتُكَ: أعْطَأْتُكَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا كَما في لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ: "السَلامُ عَلاكَ".

ثُمَّ قالَ: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ ﴾ أيِ الأرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرِيدُ: لَمْ تُجَرِّبُونِي في كَذِبٍ ولا تَكَلَّمْتُ في شَيْءٍ مِن هَذا، ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أنَّ مَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ لا يَصِحُّ مِنهُ كَذِبٌ بَعْدَ أنْ كَلَّ عُمْرُهُ وتَقاصَرَ أمَلُهُ واشْتَدَّتْ حِنْكَتُهُ وخَوْفُهُ لِرَبِّهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالبَيانِ في "لَبِثْتُ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "لَبِتُّ" بِإدْغامِ الثاءِ في التاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ الآيَةُ، جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ التَوْقِيفُ عَلى عِظَمِ جُرْمِ المُفْتَرِي عَلى اللهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ التَنَصُّلِ مِن ذَلِكَ، قِيلَ: فاتَّسَقَ القَوْلُ واطَّرَدَتْ فَصاحَتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ اسْتِفْهامٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو ﴾ مِمَّنْ ﴿ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ بَعْدَ بَيانِها، وذَلِكَ أعْظَمُ جُرْمٍ عَلى اللهِ، وأكْثَرُ اسْتِشْرافٍ إلى عَذابِهِ.

ثُمَّ قَرَّرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ أهْلُ الجُرْمِ، و ﴿ يُفْلِحُ ﴾ مَعْناهُ: يَظْفَرُ بِبُغْيَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "يَعْبُدُونَ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحاوَرَتُهُمْ، و ﴿ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ هي الأصْنامُ، وقَوْلُهم ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا ﴾ هو مَذْهَبُ النُبَلاءِ مِنهُمْ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُقَرِّرَهم ويُوَبِّخَهُمْ: أهم يُعْلِمُونَ اللهَ بِأنْباءٍ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ لا يَعْلَمُها هُوَ؟

وذَكَرَ "السَماواتِ" لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ والشِعْرى، وبِحَسَبِ هَذا حَسُنَ أنْ يَقُولَ: "هَؤُلاءِ"، وقِيلَ: ذَلِكَ عَلى تَجَوُّزِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَعْقِلُ، وفي التَوْقِيفِ عَلى هَذا أعْظَمُ غَلَبَةٍ لَهُمْ، ولا يُمْكِنُهم إلّا أنْ يَقُولُوا: لا نَفْعَلُ ولا نَقْدِرُ، وذَلِكَ لَهم لازِمٌ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا ﴾ .

و ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ اسْتِئْنافُ تَنْزِيهٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ هُنا: "عَمّا يُشْرِكُونَ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وفي حَرْفَيْنِ في النَحْلِ، وحَرْفٍ في الرُومِ، وحَرْفٍ في النَمْلِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ القَعْقاعِ، وشَيْبَةُ، وحُمَيْدٌ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ هُنا وفي النَمْلِ فَقَطْ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ الخَمْسَةَ الأحْرُفِ بِالتاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

على جملة: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ﴾ [يونس: 15] عطفَ القصة على القصة.

فهذه قصة أخرى من قصص أحوال كفرهم أن قالوا: ﴿ ائت بقرآن غير هذا ﴾ [يونس: 15] حين تتلى عليهم آيات القرآن، ومن كفرهم أنهم يعبدون الأصنام ويقولون: ﴿ هم شفعاؤنا عند الله ﴾ .

والمناسبة بين القصتين أن في كلتيهما كفراً أظهروه في صورة السخرية والاستهزاء وإيهام أن العذر لهم في الاسترسال على الكفر، فلعلهم (كما أوهموا أنه إنْ أتاهم قرآن غيرُ المتلو عليهم أو بُدل ما يرومون تبديلَه آمنوا) كانوا إذا أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم بعذاب الله قالوا: تشفع لنا آلهتنا عند الله.

وقد روى أنه قاله النضر بن الحارث (على معنى فرض ما لا يقع واقعاً) «إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعُزّى».

وهذا كقول العاص بن وائل، وكان مشركاً، لخبّاب بن الأرت، وهو مسلم، وقد تقاضاه أجراً له على سيف صنعه «إذا كان يوم القيامة الذي يُخبر به صاحبك (يعني النبي صلى الله عليه وسلم فسيكون لي مال فأقضيك منه».

(وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوُتَيَنَّ مالاً وولداً ﴾ [مريم: 77] الآية.

ويجوز أن تكون جملة: ﴿ ويعبدون ﴾ الخ عطفاً على جملة: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ [يونس: 17] فإن عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الافتراء.

وإيثار اسم الموصول في قوله: ﴿ ما لا يضرهم ولا ينفعهم ﴾ لما تؤذن به صلة الموصول من التنبيه على أنهم مُخطئون في عبادة ما لا يضر ولا ينفع، وفيه تمهيد لعطف ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ لتحقير رأيهم من رجاء الشفاعة من تلك الأصنام، فإنها لا تقدر على ضر ولا نفع في الدنيا فهي أضعف مقدرة في الآخرة.

واختيار صيغة المضارع في ﴿ يعبدون ﴾ و ﴿ يقولون ﴾ لاستحضار الحالة العجيبة من استمرارهم على عبادتها، أي عبدوا الأصنام ويعبدونها تعجيباً من تصميمهم على ضلالهم ومن قولهم: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ فاعترفوا بأن المتصرف هو الله.

وقُدم ذكر نفي الضر على نفي النفع لأن المطلوب من المشركين الإقلاع عن عبادة الأصنام وقد كان سدنتها يخوفون عبدَتها بأنها تُلحق بهم وبصبيانهم الضر، كما قالت امرأة طفيل بن عمرو الدوسي حين أخبرها أنه أسلم ودعاها إلى أن تُسلم فقالت: «أما تخشى على الصبية من ذي الشَّرى».

فأريد الابتداء بنفي الضر لإزالة أوهام المشركين في ذلك الصَّادَّة لكثير منهم عن نبذ عبادة الأصنام.

وقد أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يرد عليهم بتهكم بهم بأنهم قد أخبروا الله بأن لَهم شفعاء لهم عنده.

ومعنى ذلك أن هذا لما كان شيئاً اخترعوه وهو غير واقع جعل اختراعه بمنزلة أنهم أعلموا الله به وكان لا يعلمه فصار ذلك كناية عن بطلانه لأن ما لم يعلم الله وقوعه فهو منتف.

ومن هذا قول من يريد نفي شيء عن نفسه: ما علم الله هذا مني.

وفي ضده قولهم في تأكيد وقوع الشيء: يعلم الله كذا، حتى صار عند العرب من صيغ اليمين.

و ﴿ في السماوات ولا في الأرض ﴾ حال من الضمير المحذوف بعد ﴿ يعلم ﴾ العائد على (ما)، إذْ التقدير: بما لا يعلمه، أي كائناً في السماوات ولا في الأرض.

والمقصود من ذكرهما تعميم الأمكنة، كما هو استعمال الجمع بين المتقابلات مثل المشرق والمغرب.

وأعيد حرف النفي بعد العاطف لزيادة التنصيص على النفي.

والاستفهامُ في ﴿ أتنبئون ﴾ للإنكار والتوبيخ.

والإنباء: الإعلام.

وجملة: ﴿ سبحانه وتعالى ﴾ إنشاء تنزيه، فهي منقطعة عن التي قبلها فلذلك فصلت.

وتقدم الكلام على نظيره عند قوله: ﴿ وخرّقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ﴾ في سورة [الأنعام: 100].

(و (ما) في قوله: عما يشركون} مصدرية، أي عن إشراكهم، أي تعالى عن أن يكون ذلك ثابتاً له.

وقرأ حمزة والكسائي وخلف ﴿ تشركون ﴾ بالمثناة الفوقية على أنه من جملة المقول.

وقرأه الباقون بالتحتية على أنها تعقيب للخطاب بجملة ﴿ قُل ﴾ .

وعلى الوجهين فهي مستحقة للفصل لكمال الانقطاع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتُخْبِرُونَهُ بِعِبادَةِ مَن لا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ ولا ما في الأرْضِ.

الثّانِي: أتُخْبِرُونَهُ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ ولَيْسَ يَعْلَمُ لَهُ شَرِيكًا في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ في النّاسِ ها هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهم أهْلُ السَّفِينَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهم مَن كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّهُ بَنُو آدَمَ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى الإسْلامِ حَتّى اخْتَلَفُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

الثّانِي: عَلى الكُفْرِ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الرُّسُلَ، وهَذا قَوْلٌ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّالِثُ: عَلى دِينٍ واحِدٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ فاخْتَلَفُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاخْتَلَفُوا في الدِّينِ فَمُؤْمِنٌ وكافِرٌ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

الثّانِي: هو اخْتِلافُ بَنِي آدَمَ حِينَ قَتَلَ قابِيلُ أخاهُ هابِيلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ في تَأْجِيلِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَقُضِيَ بَيْنَهم مِن تَعْجِيلِ العَذابِ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ في أنْ لا يُعاجِلَ العُصاةِ إنْعامًا مِنهُ يَبْتَلِيهِمْ بِهِ لَقَضى بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ بِأنْ يَضْطَرَّهم إلى مَعْرِفَةِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قال النضر: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ﴾ يعني أهل مكة، قال أبو إسحاق: المعنى: ما لا يضرهم إن لم يعبدوه، ولا بنفعهم إن عبدوه (١) وذمّ هؤلاء بعبادة الوثن الذي لا يضر ولا ينفع؛ لأن هذا غاية الجهل حيث عبدوا جمادًا فهم أجهل (٢) وقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ، قال أهل المعاني: توهموا أن عبادتها أشد في تعظيم الله من قصده بالعبادة، فعبدوها وأحلوها محل الشافع عند الله (٣) وقال الحسن: شفعاء في إصلاح معاشهم في الدنيا؛ لأنهم لا يقرون بالبعث؛ ألا تسمعه يقول: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ قال الضحاك: أتخبرون الله [أن له شريكًا ولا يعلم الله لنفسه شريكًا في السموات ولا في الأرض؛ لأنه لا شريك له، فذلك لا يعلمه ولو كان لعلم (٥) قال أهل المعاني] (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ \[وقرئ (تُشركون)\] (٩) (١٠) ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ ﴾ ، ومن قرأ بالياء فكأنه قيل للنبي  : قل أنت: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

ويجوز أن يكون هو سبحانه نزه نفسه عما افتروه، فقال: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ (١١) (١) اهـ.

كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 11.

(٢) في (ى): (أهل جهل)، وهو خطأ.

(٣) ذكر نحو هذا القول الرازي في "تفسيره" 17/ 59 - 60، ولم أجده في كتب أهل المعاني.

(٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 16، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 542.

وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 132.

(٥) ذكره ابن الجوزى في "زاد المسير" 4/ 16، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 542.

(٦) ما بين المعقوفين بياض في (ح).

(٧) هكذا في جميع النسخ (ح) و (ى) و (م) و (ز) و (ص)، والكلام غير مرتبط بما بعده، ولعل المعنى: ليس شفيعًا، أو ليس مأذونًا له بالشفاعة.

(٨) لم أعثر على مصدر هذا القول.

(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(١٠) قرأ حمزة والكسائي وخلف بالتاء على الخطاب، وقرأ الباقون بالياء.

انظر: "إرشاد المبتدي" ص 361، "النشر" 2/ 282، "إتحاف فضلاء البشر" ص 248.

(١١) انظر: توجيه القراءة في "الحجة" 4/ 264.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ الضمير في يعبدون لكفار العرب، وما لا يضرهم ولا ينفعهم هي الأصنام ﴿ وَيَقُولُونَ هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله ﴾ كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ ﴾ رد عليهم في قولهم بشفاعة الأصنام، والمعنى: أن شفاعة الأصنام ليست بمعلومة لله الذي هو عالم بما في السموات والأرض، وكل ما ليس بمعلوم فهو عدم محض، ليس بشيء فقوله: أتنبئون الله تقرير لهم على وجه التوبيخ والتهكم أي: كيف تعلمون الله بما لا يعلم؟

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لقضي إليهم ﴾ مبنياً للفاعل ﴿ أجلهم ﴾ بالنصب: ابن عامر ويعقوب.

الآخرون مبنياً للمفعول ورفع ﴿ أجلهم ﴾ أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام ﴿ لي أن ﴾ بفتح الياء وكذلك ﴿ إني أخاف ﴾ : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ نفسي أن ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ ولأدراكم ﴾ بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة.

وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا.

الباقون:مثله ولكن بالتفخيم.

﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ أجلهم ﴾ ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ أو قائماً ﴾ ط ﴿ مسه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ ليؤمنوا ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أو بدله ﴾ ط.

﴿ نفسي ﴾ ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد ﴿ إليّ ﴾ ط ج لمثل ما قلنا ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ به ﴾ ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى ﴿ من قبله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاختلفوا ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ فانتظروا ﴾ ج لاحتمال الابتداء أو التعليل ﴿ المنتظرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً  بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى.

ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ الآية.

وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف.

وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.

كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا.

قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير.

فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم.

وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر.

فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم.

وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه  وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب.

وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به.

ثم إن قوله ﴿ لو يعجل ﴾ كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله ﴿ فنذرهم ﴾ معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى.

ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ أي هذا الجنس ﴿ دعانا لجنبه ﴾ اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا.

وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه.

والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء.

ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها.

أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء.

قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر.

ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر.

وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله  : ﴿ هل أتى على الإنسان  ﴾ إلا أن يساعده نقل صحيح.

والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه.

قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب.

ومعنى ﴿ مرّ ﴾ مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه.

ومعنى ﴿ كأن لم يدعنا ﴾ كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ من تتبع الشهوات.

والمزين هو الله  أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً.

قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام.

والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا.

ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ﴿ ولقد أهلكنا القرون ﴾ وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ﴿ ولما ﴾ ظرف لأهلكنا والواو في ﴿ وجاءتهم ﴾ للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم ﴿ رسلهم ﴾ بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات.

وقوله: ﴿ وما كانوا ليؤمنوا ﴾ إما أن يكون عطفاً على ﴿ ظلموا ﴾ أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله  .

ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله  بقوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ أي استخلفناكم ﴿ في الأرض ﴾ بعد تلك القرون ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ خيراً أو شراً.

استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف".

قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار.

ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.

طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها.

فأمره الله  أن يقول في جوابهم ﴿ ما يكون لي ﴾ أي ما ينبغي وما يحل ﴿ أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى.

ثم أكد الجواب بقوله: ﴿ إن أتبع ﴾ أي ما أتبع ﴿ إلا ما يوحى إلي ﴾ إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل.

وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي.

ونقل عن ابن عباس أن قوله: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.

قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية.

فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين  ﴾ .

ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك.

ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله  وأنه غير مستبد في إيراده فقال: ﴿ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ﴾ ولا أعلمكم الله ﴿ به ﴾ على لساني.

ومن قرأ بلام الابتداء.

فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري.

وقرىء ﴿ لا أدرأكم به ﴾ بالهمزة.

ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع.

ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ﴿ فقد لبثت فيكم عمراً ﴾ أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل نزول القرآن ﴿ أفلا تعقلون ﴾ فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية.

وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول  إلى الله لم يكن أحد أظلم منه.

ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ﴾ إن لم يعبدوه ﴿ ولا ينفعهم ﴾ إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً.

وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون  ﴾ ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور.

تقول: ما علم الله ذلك مني.

والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط.

وفي قوله: ﴿ في السموات ولا في الأرض ﴾ تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم.

قوله: {  وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي  أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله  تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به.

ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا.

وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة  ﴾ والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لقضى بينهم ﴾ عاجلاً ولميز المحق من المبطل.

ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله: ﴿ لولا نزل عليه آية من ربه  ﴾ كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً.

﴿ فقال إنما الغيب لله ﴾ هو المختص بعلمه ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: ما لا يضرهم لو تركوا عبادته ولا ينفعهم إن عبدوه.

والثاني: ﴿ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ ﴾ أي: ما لا يملكون الضرر بهم، ﴿ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ أي: ولا يملكون جر النفع إليهم بسفههم في عبادتهم من لا يملك بهم دفع الضرر، ولا يملك جر النفع، وتركهم عبادة من به يكون جميع منافعهم وعذابهم، ومنه يكون كل خوف وضرّ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل هذا القول منهم تقليدا لآبائهم؛ كقولهم: ﴿ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ظنوا أن آباءهم لما تركوا وما هم عليه لم يعذبوا - أنهم على الحق، وأن الله قد رضي بذلك، أو قالوا ذلك لما لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله والقيام بخدمته، وقد يكون مثل هذا في ملوك الأرض أن كل أحد لا يرى نفسه يصلح لخدمة الملك، فيخدم من دونه المتصلين به رجاء أن يكون من خدمه شفيعا له عند الملك؛ فعلى ذلك هؤلاء طمعوا أن عبادتهم هؤلاء تقربهم إلى الله زلفى، ويكونون لهم شفعاء عند الله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: أتنبئون الله [أي أتخبرون الله] بما لا يعلم، أي: تعلمون أنه عالم، أي: أتعلمون من تَعْلَمون أنه يعلم ما ذكر وأنتم لا تعلمون ذلك، وقد تعلمون أنه لو كان كذلك لكان هو أعلم به منكم.

والثاني: أن تقولوا ما لا يعلم، أي: يعلم أنه ليس كما تقولون كقول الناس: ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون، أي: ما شاء ألا يكون لا يكون.

وقوله: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ : كلمة جعلت لإجلال الله عما يحتمله غيره من الأشكال والأضداد، ومن العيوب والآفات، وهو في هذا الموضع يتوجه إلى وجهين إذ كانوا يعبدون ما ذكر ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله، فيقول:  أن يجعل لأمثال أولئك شفاعة عنده؛ إذ الشفيع يكون من له منزلة وقدر عند من يشفع له، والمنزلة تكون [للعبيد بما يتعبدهم]، فيقومون بتوفير ما يحتمل وسعهم من العبادة، فأما من لا يحتمل التعبد فهو بعيد عما ذكر يعني  أن يجعل الشفاعة لمن ذكر دون الأنبياء والرسل، وهم قد أخبروا أنها لا تملك ضرا ولا نفعاً، وفي الشفاعة ذلك.

والثاني: أن يكون عما أشركوا في العبادة، ف  عن أن يكون معه معبود أو يأذن لأحد بعبادة غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أي: أهل مكة كانوا كلهم أهل شرك عبّاد الأصنام والأوثان، لم يكن فيهم اليهودية ولا النصرانية ولا شيء من اختلاف المذاهب، فلما بعث محمد  اختلفوا: فمنهم من آمن به وصدقه وأخلص دينه لله، ومنهم من عاند وكابر في تكذيبه بعد أن عرف أنه رسول الله ومنهم من شك فيه، ومنهم من لم ينظر في أمره قط ولا تفكر فيه؛ فصاروا أربع فرق.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، بالفطرة، أي: كانوا جميعاً على الفطرة، وفي فطرة كل [أحد] الشهادة على وحدانية الله  وألوهيته؛ كقوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا  ﴾ في خلقة كل أحد الشهادة لله بالوحدانية له والألوهية فاختلفوا: فمنهم من كان على تلك الفطرة، ومنهم من كذب واختار الكفر، وهو ما روي: "كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه وينصرانه" أخبر أنهم على الفطرة لو تركوا على ذلك، لكن أبويه يمنعانه عن الكون عليها.

وقيل: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أي: كان الخلائق جملة أمم؛ كقوله: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ  ﴾ كأنه يعاتب هذه الأمة يقول: إن الأمم مع اختلاف جواهرها وأجناسها كانوا خاضعين لله مخلصين له، فأنتم أيها الناس أمة من تلك الأمم، فكيف اختلفتم وأشركتم غيره في ألوهيته وربوبيته، مع ما ركب فيكم من العقول والتمييز بين ما هو حكمة وما هو سفه، وقد فضلكم على غيرها من الأمم في خلق ما خلق في السماوات وما في الأرض لكم، وسخر لكم ذلك كله ما لم يفعل ذلك بغيرنا من الأمم؟!

ومنهم من قال من أهل التأويل في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ : زمن نوح: نوح ومن دخل معه في السفينة كانوا على دين واحد، فاختلفوا بعدما خرجوا.

ومنهم من قال: آدم فاختلف أولاده.

ومنهم من قال: زمن إبراهيم.

لكنا لا نشهد كيف كان الأمر، فلا نعلم إلا بخبر عن الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ قيل: لولا أن من حكمه ألا يعذب هذه الأمة عند تكذيبهم الآيات إذا سألوها وإلا لأهلكها كما أهلك الأمم الخالية بتكذيبهم الآيات عند السؤال، ولكن أخر تعذيب هذه الأمة إلى يوم القيامة.

والثاني: سبقت من ربك ألا يستأصل هذه الأمة عند تكذيبهم الرسل والعناد لهم أحد التأويلين في ترك استئصالهم، والآخر في تأخير العذاب عنهم إلى وقت.

وقوله: ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ ببيان يضطرهم إلى القبول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ ﴾ : جوابه - والله أعلم - ما ذكر: لولا كلمة سبقت من ربك ألا يعذب هذه الأمة بتكذيبهم الآيات عند سؤالها، وإلا لعذبتم أنتم كما عذبت الأمم الخالية بتكذيبهم الآيات عند السؤال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ ﴾ : أي: إنكم تعلمون أن علم الغيب لله، وقد أنزل من الآيات ما يبين ويدل على رسالتي.

وقوله: ﴿ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ﴾ قيل: انتظروا هلاكي إني منتظر هلاككم؛ لأنهم كانوا يوعدونه الهلاك.

وقيل: انتظروا مواعيد الشيطان إني منتظر مواعيد الله، وهو حرف وعيد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويعبد المشركون من دون الله آلهة مزعومة، لا تنفع ولا تضر، والمعبود بالحق ينفع ويضر متى شاء، ويقولون عن معبوداتهم: هؤلاء وسطاء يشفعون لنا عند الله فلا يعذبنا بذنوبنا، قل لهم -أيها الرسول-: أتخبرون الله العليم أن له شريكًا، وهو لا يعلم له شريكًا في السماوات ولا في الأرض، تَقَدَّس وتَنَزَّه عما يقوله المشركون من الباطل والكذب.

<div class="verse-tafsir" id="91.3K1Me"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
اللهم صل على محمد