تفسير الآية ١٨ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٨ من سورة يونس

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ١٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٨ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ، ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله ، فأخبر تعالى أنها لا تنفع ولا تضر ولا تملك شيئا ، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها ، ولا يكون هذا أبدا ؛ ولهذا قال تعالى : ( قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ) .

وقال ابن جرير : معناه أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض ؟

ثم نزه نفسه عن شركهم وكفرهم ، فقال : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ويعبُد هؤلاء المشركون الذين وصفت لك ، يا محمد صفتهم ، من دون الله الذي لا يضرهم شيئًا ولا ينفعهم ، في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام التي كانوا يعبدونها ، ( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ، يعني: أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله (25) قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله: (قل) لهم ( أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض) ، يقول: أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض؟

(26) وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السماوات ولا في الأرض.

وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله.

فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله: قل لهم: أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السماوات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما؟

وذلك باطلٌ لا تعلم حقيقته وصحته، بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون ، وأنها لا تشفع لأحد ، ولا تنفع ولا تضر ، (سبحان الله عما يشركون) ، يقول: تنـزيهًا لله وعلوًّا عما يفعله هؤلاء المشركون ، (27) من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع ، وافترائهم عليه الكذب.

---------------------- الهوامش : (25) انظر تفسير " الشفاعة " فيما سلف ص : 18 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(26) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة ( نبأ ) .

(27) انظر تفسير " سبحان " فيما سلف ص ، 30 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

، وتفسير " تعالى " فيما سلف 13 : 317 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركونقوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم يريد الأصنام .ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله وهذه غاية الجهالة منهم ; حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال .

وقيل : شفعاؤنا أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا .قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض قراءة العامة " تنبئون " بالتشديد .

وقرأ أبو السمال العدوي " أتنبئون الله " مخففا ، من أنبأ ينبئ .

وقراءة العامة من نبأ ينبئ تنبئة ; وهما بمعنى واحد ، جمعهما قوله تعالى : من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير أي أتخبرون الله أن له شريكا في ملكه أو شفيعا بغير إذنه ، والله لا [ ص: 236 ] يعلم لنفسه شريكا في السماوات ولا في الأرض ; لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه .

نظيره قوله : أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرضثم نزه نفسه وقدسها عن الشرك فقال : سبحانه وتعالى عما يشركون أي هو أعظم من أن يكون له شريك وقيل : المعنى أي يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يميز ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فيكذبون ; وهل يتهيأ لكم أن تنبئوه بما لا يعلم ، سبحانه وتعالى عما يشركون!

.

وقرأ حمزة والكسائي تشركون بالتاء ، وهو اختيار أبي عبيد .

الباقون بالياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ‏}‏ أي‏:‏ المشركون المكذبون لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.‏ ‏{‏مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ لا تملك لهم مثقال ذرة من النفع ولا تدفع عنهم شيئا‏.‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ‏}‏ قولا خاليا من البرهان‏:‏ ‏{‏هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ يعبدونهم ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده، وهذا قول من تلقاء أنفسهم، وكلام ابتكروه هم، ولهذا قال تعالى ـ مبطلا لهذا القول ـ ‏:‏ ‏{‏قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ الله تعالى هو العالم، الذي أحاط علما بجميع ما في السماوات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه، أفأنتم ـ يا معشر المشركين ـ تزعمون أنه يوجد له فيها شركاء‏؟‏ أفتخبرونه بأمر خفي عليه، وعلمتوه‏؟‏ أأنتم أعلم أم الله‏؟‏ فهل يوجد قول أبطل من هذا القول، المتضمن أن هؤلاء الضلال الجهال السفهاء أعلم من رب العالمين‏؟‏ فليكتف العاقل بمجرد تصور هذا القول، فإنه يجزم بفساده وبطلانه‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ أي‏:‏ تقدس وتنزه أن يكون له شريك أو نظير، بل هو الله الأحد الفرد الصمد الذي لا إله في السماوات والأرض إلا هو، وكل معبود في العالم العلوي والسفلي سواه، فإنه باطل عقلا وشرعا وفطرة‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ) إن عصوه وتركوا عبادته ، ( ولا ينفعهم ) إن عبدوه ، يعني : الأصنام ، ( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله ) أتخبرون الله ، ( بما لا يعلم ) الله صحته .

ومعنى الآية : أتخبرون الله أن له شريكا ، أو عنده شفيعا بغير إذنه ، ولا يعلم الله لنفسه شريكا؟!

( في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ) قرأ حمزة والكسائي " تشركون " بالتاء ، هاهنا وفي سورة النحل موضعين ، وفي سورة الروم ، وقرأ الآخرون كلها بالياء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويعبدون من دون الله» أي غيره «ما لا يضرهم» إن لم يعبدوه «ولا ينفعهم» إن عبدوه وهو الأصنام «ويقولون» عنها «هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل» لهم «أتنبئون الله» جبروته «بما لا يعلم في السموات والأرض» استفهام إنكار إذ لو كان له شريك لعلمه، إذا لا يخفى عليه شيء «سبحانه» تنزيها له «وتعالى عما يشركونـ» به معه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يضرهم شيئًا، ولا ينفعهم في الدنيا والآخرة، ويقولون: إنما نعبدهم ليشفعوا لنا عند الله، قل لهم -أيها الرسول-: أتخبرون الله تعالى بشيء لا يعلمه مِن أمر هؤلاء الشفعاء في السموات أو في الأرض؟

فإنه لو كان فيهما شفعاء يشفعون لكم عنده لكان أعلم بهم منكم، فالله تعالى منزَّه عما يفعله هؤلاء المشركون من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - أقبح رذائلهم ، وهى عبادتهم لغير الله ، ودعواهم أن أصنامهم ستشفع لهم فقال - تعالى - :( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ .

.

.

)هذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك ( وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا .

.

.

) عطف القصة على القصة .والعبادة : الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والتعظيم .أي : وهؤلاء الذين لا يرجون لقاؤنا ، ويطلبون قرآنا غير هذا القرآن أو تبديله ، بلغ من جهلهم وسفههم أنهم يعبدون من دون الله أصناما لا تضرهم ولا تنفعهم ، لأنها جمادات لا قدرة لها على ذلك .والمقصود بوصفها بأنها لا تضر ولا تنفع : بطلان عبادتها ، لأن من شأن المعبود أن يملك الضر والنفع ، وأن يكون مثيبا على الطاعة ومعاقبا على المعصية .وقوله : ( مِن دُونِ الله ) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل ( يعبدون ) أي : يعبدونها متجاوزين الله وتاركين طاعته .و ( ما ) موصولة أو نكرة موصوفة .

والمراد بها الأصنام التى عبدوها من دون الله؟قال الجمل : " ونفي الضر والنفع هنا عن الأصنام باعتبار الذات ، وإثباتها لها فى سورة الحج فى قوله ( يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ) باعتبار السبب ، فلا يرد كيف نفي عن الأصنام الضر والنفع ، وأثبتهما لهما فى سورة الحج " .وقوله : ( وَيَقُولُونَ هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله ) حكاية لأقوالهم السخيفة عندما يُدعَوْن إلى عبادة الله وحده .والشفعاء : جمع شفيع ، وهو من يشفع لغيره فى دفع ضر أو جلب نفع .أي : أنهم يدينون بالعبادة لأصنام لا تضرهم إن تركوا عبادتها ، ولا تنفعهم إن عبدوها ، فإذا ما طلب منهم أن يجعلوا عبادتهم لله وحده وقالوا : إننا نعبد هذه الأصنام لتكون شفيعة لنا عند الله فى دنيانا ، بأن نتوسل إليه بها فى إصلاح معاشنا ، وفى آخرتنا إن كان هناك ثواب وعقاب يوم القيامة .وهنا يأمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فى قول : ( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فى السماوات وَلاَ فى الأرض ) .أي : قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين : إن الله - تعالى - لا يخفى عليه شيء فى هذا الكون ولا يعلم أن هناك من يشفع عنده مما تزعمون شفاعته .

فهل تعملون أنتم ما لا يعلمه .

وهل تخبرونه بما لا يعلم له وجوداً فى السموات ولا فى الأرض؟!!فالمقصود بهذه الجملة الكريمة التهكم بهم ، والسخرية بعقولهم وأفكارهم ، ونفي أن تكون الأوثان شفعاء عند الله بأبلغ وجه .والعائد فى قوله ( بِمَا لاَ يَعْلَمُ ) محذوف .

والتقدير بما لا يعلمه .وقوله ( فِي السماوات وَلاَ فى الأرض ) حال من العائد المحذوف ، وهو مؤكد للنفي ، لأن ما لا يوجد فى ها فهو منتف عادة .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت كيف : أنبأوا الله بذلك؟

قلت : هو تهكم بهم ، وبما ادعوه من المحال الذى هو شفاعة الأصنام ، وإعلام بأن الذى أنبأوا به باطل .فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق علمه به ، كما يخبر الرجل بما لا يعلمه .وقوله ( فِي السماوات وَلاَ فى الأرض ) تأكيد لتنفيه ، لأن ما لم يوجد فى هما فهو منتف معدوم .وقوله : ( سُبْحَانَهُ وتعالى ) عن كل شريك ، وعما قاله هؤلاء الجاهلون من أن الأصنام شفعاء عنده .وبذلك تكون الآية الكريمة قد وبخت المشركين على عبادتهم لغير الله وعلى جهالاتهم وتقولهم على الله بغير علم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنا ذكرنا أن القوم إنما التمسوا من الرسول صلى الله عليه وسلم قرآناً غير هذا القرآن أو تبديل هذا القرآن ل، أن هذا القرآن مشتمل على شتم الأصنام التي جعلوها آلهة لأنفسهم، فلهذا السبب ذكر الله تعالى في هذا الموضع ما يدل على قبح عبادة الأصنام، ليبين أن تحقيرها والاستخفاف بها أمر حق وطريق متيقن.

واعلم أنه تعالى حكى عنهم أمرين: أحدهما: أنهم كانوا يعبدون الأصنام.

والثاني: أنهم كانوا يقولون: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ .

أما الأول فقد نبه الله تعالى على فساده بقوله: ﴿ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ وتقريره من وجوه: الأول: قال الزجاج: لا يضرهم إن لم يعبدوه ولا ينفعهم إن عبدوه.

الثاني: أن المعبود لابد وأن يكون أكمل قدرة من العابد، وهذه الأصنام لا تنفع ولا تضر ألبتة، وأما هؤلاء الكفار فهم قادرون على التصرف في هذه الأصنام تارة بالإصلاح وأخرى بالإفساد، وإذا كان العابد أكمل حالاً من المعبود كانت العبادة باطلة.

الثالث: أن العبادة أعظم أنواع التعظيم، فهي لا تليق إلا بمن صدر عنه أعظم أنواع الأنعام، وذلك ليس إلا الحياة والعقل والقدرة ومصالح المعاش والمعاد، فإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله سبحانه وتعالى، وجب أن لا تليق العبادة إلا بالله سبحانه.

وأما النوع الثاني: ما حكاه الله تعالى عنهم في هذه الآية، وهو قولهم: ﴿ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله ﴾ فاعلم أن من الناس من قال إن أولئك الكفار توهموا أن عبادة الأصنام أشد في تعظيم الله من عبادة الله سبحانه وتعالى.

فقالوا ليست لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى بل نحن نشتغل بعبادة هذه الأصنام، وأنها تكون شفعاء لنا عند الله تعالى.

ثم اختلفوا في أنهم كيف قالوا في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله؟

وذكروا فيه أقوالاً كثيرة: فأحدها: أنهم اعتقدوا أن المتولي لكل أقليم من أقاليم العالم، روح معين من أرواح عالم الأفلاك، فعينوا لذلك الروح صنماً معيناً واشتغلوا بعبادة ذلك الصنم، ومقصودهم عبادة ذلك الروح، ثم اعتقدوا أن ذلك الروح يكون عبداً للإله الأعظم ومشتغلاً بعبوديته.

وثانيها: أنهم كانوا يعبدون الكواكب وزعموا أن الكواكب هي التي لها أهلية عبودية الله تعالى، ثم لما رأوا أن الكواكب تطلع وتغرب وضعوا لها أصناماً معينة واشتغلوا بعبادتها، ومقصودهم توجيه العبادة إلى الكواكب.

وثالثها: أنهم وضعوا طلسمات معينة على تلك الأصنام والأوثان، ثم تقربوا إليها كما يفعله أصحاب الطلسمات.

ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل، فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى، ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر، على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله.

وخامسها: أنهم اعتقدوا أن الإله نور عظيم، وأن الملائكة أنوار فوضعوا على صورة الإله الأكبر الصنم الأكبر، وعلى صورة الملائكة صوراً أخرى.

وسادسها: لعل القوم حلولية، وجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام العالية الشريفة.

واعلم أن كل هذه الوجوه باطلة بالدليل الذي ذكره الله تعالى وهو قوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ وتقريره ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة.

قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

اعلم أن المفسرين قرروا وجهاً واحداً، وهو أن المراد من نفي علم الله تعالى بذلك تقرير نفيه في نفسه، وبيان أنه لا وجود له ألبتة، وذلك لأنه لو كان موجوداً لكان معلوماً لله تعالى، وحيث لم يكن معلوماً لله تعالى وجب أن لا يكون موجوداً، ومثل هذا الكلام مشهور في العرف، فإن الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه يقول: ما علم الله هذا مني، ومقصوده أنه ما حصل ذلك قط، وقرئ ﴿ أَتُنَبّئُونَ ﴾ بالتخفيف أما قوله: ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ فالمقصود تنزيه الله تعالى نفسه عن ذلك الشرك، قرأ حمزة والكسائي ﴿ تُشْرِكُونَ ﴾ بالتاء، ومثله في أول النحل في موضعين، وفي الروم كلها بالتاء على الخطاب، قال صاحب الكشاف ما موصولة أو مصدرية أي عن الشركاء الذين يشركونهم به أو عن إشراكهم، قال الواحدي: من قرأ بالتاء فلقوله: ﴿ أَتُنَبّئُونَ الله ﴾ ومن قرأ بالياء فكأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أنت ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ويجوز أن يكون الله سبحانه هو الذي نزه نفسه عما قالوه فقال: ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ الأوثان التي هي جماد لا تقدر على نفع ولا ضرّ.

وقيل: إن عبدوها لن تنفعهم، وإن تركوا عبادتها لم تضرّهم، ومن حق المعبود أن يكون مثيباً على الطاعة معاقباً على المعصية.

وكان أهل الطائف يعبدون اللات، وأهل مكة العزّى ومناة وهبل وأسافاً ونائلة ﴿ و ﴾ كانوا ﴿ يَقُولُونَ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله ﴾ وعن النضر بن الحرث: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزّى ﴿ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ ﴾ أتخبرونه بكونكم شفعاء عنده، وهو إنباء بما ليس بالمعلوم لله، وإذا لم يكن معلوماً له وهو العالم الذات المحيط بجميع المعلومات، لم يكن شيئاً لأنّ الشيء ما يعلم به ويخبر عنه، فكان خبراً ليس له مخبر عنه.

فإن قلت: كيف أنبأوا الله بذلك؟

قلت: هو تهكم بهم وبما ادعوه من المحال الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأنّ الذي أنبؤا به باطل غير منطوٍ تحت الصحة، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه كما يخبر الرجل الرجل بما لا يعلمه.

وقرئ: ﴿ أتنبئون ﴾ بالتخفيف.

وقوله: ﴿ فِى السماوات وَلاَ فِي الأرض ﴾ تأكيد لنفيه؛ لأنّ ما لم يوجد فيهما فهو منتف معدوم ﴿ تُشْرِكُونَ ﴾ قرئ بالتاء والياء وما موصولة أو مصدرية، أي عن الشركاء الذين يشركونهم به أو عن إشراكهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ تُفادُ مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ كِنايَةً، أوْ تَظْلِيمٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَذُو شَرِيكٍ وذُو ولَدٍ.

﴿ أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ فَكَفَرَ بِها.

﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ فَإنَّهُ جَمادٌ لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، والمَعْبُودُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُثِيبًا ومُعاقِبًا حَتّى تَعُودَ عِبادَتُهُ بِجَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ.

﴿ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ ﴾ الأوْثانُ.

﴿ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ تَشْفَعُ لَنا فِيما يَهُمُّنا مِن أُمُورِ الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ إنْ يَكُنْ بَعْثٌ، وكَأنَّهم كانُوا شاكِّينَ فِيهِ وهَذا مِن فَرْطِ جَهالَتِهِمْ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ المُوجِدِ الضّارِّ النّافِعِ إلى عِبادَةِ ما يُعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ رُبَّما يَشْفَعُ لَهم عِنْدَهُ.

﴿ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ ﴾ أتُخْبِرُونَهُ.

﴿ بِما لا يَعْلَمُ ﴾ وهو أنَّ لَهُ شَرِيكًا أوْ هَؤُلاءِ شُفَعاءُ عِنْدَهُ وما لا يَعْلَمُهُ العالِمُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَكُونُ لَهُ تَحَقُّقٌ ما وفِيهِ تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.

﴿ فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إمّا سَماوِيٌّ وإمّا أرْضِيٌّ، ولا شَيْءَ مِنَ المَوْجُوداتِ فِيهِما إلّا وهو حادِثٌ مَقْهُورٌ مِثْلُهم لا يَلِيقُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ.

﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ عَنِ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَهم بِهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي المَوْضِعَيْنِ في أوَّلِ « النَّحْلِ» و « الرُّومِ» بِالتّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ويعبدون من دون الله ما لا يَضُرُّهُمْ} إن تركوا عبادتها {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} إن عبدوها {وَيَقُولُونَ هَؤُلاء} أي الأصنام {شفعاؤنا عِندَ الله} أي في أمر الدنيا ومعيشتها لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله من يموت أو يوم القيامة أن يكن بعث ونشور {قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ} أتخبرونه بكونهم شفعاء عنده وهو إنباء بما ليس بمعلوم لله وإذا لم يكن معلوماً له وهو عالم بجميع المعلومات لم يكن شيئاً وقوله {فِى السماوات وَلاَ فِى الأرض} تأكيد لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو معدوم {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} نزَّه ذاته عن أن يكون له

شريك وبالتاء حمزة وعلي وما موصولة أو مصدرية أي عن الشركاء الذين تشركونهم به أو عن إشراكهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى لَهم وهي عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةَ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ (ومِن دُونِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (يَعْبُدُونَ) أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى إما بِمَعْنى تَرْكِ عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّها لا تَصِحُّ ولا تَقَعُ عِبادَةٌ مَعَ الشَّرِكَةِ أوْ بِمَعْنى عَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِها وجَعْلِها قَرِينًا لِعِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَما اخْتارَهُ البَعْضُ و(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ والمُرادُ بِها الأصْنامُ ومَعْنى كَوْنِها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّها جَماداتٌ والمَقْصُودُ مِن هَذا الوَصْفِ نَفْيُ صِحَّةِ مَعْبُودِيَّتِها لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ القُدْرَةَ عَلى ما ذُكِرَ وقِيلَ: المَعْنى لا تَضُرُّهم إنْ تَرَكُوا عِبادَتَها ولا تَنْفَعُهم إنْ عَبَدُوها والمَقْصُودُ أيْضًا نَفْيُ صِحَّةِ مَعْبُودِيَّتِها لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يُثِيبَ عابِدَهُ ويُعاقِبَ مَن لَمْ يَعْبُدْهُ والفَرْقُ بَيْنَ التَّفْسِيرَيْنِ عَلى ما قالَهُ القُطْبُ إطْلاقُ النَّفْعِ والضُّرِّ في الأوَّلِ والتَّقْيِيدُ بِالعِبادَةِ وتَرْكِها في الثّانِي وقِيلَ: المَقْصُودُ عَلى الأوَّلِ مِنَ المَوْصُولِ الأصْنامُ بِعَيْنِها وعَلى الثّانِي فاقِدُ أوْصافِ المَعْبُودِيَّةِ ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ غَيْرُ الأصْنامِ مِنَ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا الأصْنامُ لِأنَّ العَرَبَ إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَها وكانَ أهْلُ الطّائِفِ يَعْبُدُونَ اللّاتَ وأهْلَ مَكَّةَ ومَناةَ وهُبَلَ وأسافا ونائِلَةَ ﴿ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ يَقُولُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِي اللّاتُ والعُزّى وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ والظّاهِرُ أنَّ سائِرَ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ أيْ إنْ كانَ بُعِثَ كَما زَعَمْتُمْ فَهَؤُلاءِ يَشْفَعُونَ لَنا فَلا يُقالُ: إنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ في الآخِرَةِ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلْبَعْثِ وهم يُنْكِرُونَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ وكَذا ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ فَيَلْزَمُ المُنافاةُ بَيْنَ مَفاهِيمِ الآياتِ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّهم أرادُوا مِن هَذِهِ الشَّفاعَةِ الشَّفاعَةَ في الدُّنْيا لِإصْلاحِ المَعاشِ وحِينَئِذٍ لا مُنافاةَ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ومَن سَبَرَ حالَ القَوْمِ رَآهم مُتَرَدِّدِينَ ولِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ كَلِماتُهم ونِسْبَةُ الشَّفاعَةِ لِلْأصْنامِ قِيلَ بِاعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ وذَلِكَ لِأنَّهم كَما هو المَشْهُورُ وضَعُوها عَلى صُوَرِ رِجالٍ صالِحِينَ ذَوِي خَطَرٍ عِنْدَهم وزَعَمُوا أنَّهم مَتّى اشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها فَإنَّ أُولَئِكَ الرِّجالَ يَشْفَعُونَ لَهم وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُتَوَلِّيَ لِكُلِّ إقْلِيمٍ رُوحُ مُعَيِّنٍ مِن أرْواحِ الأفْلاكِ فَعَيَّنُوا لِذَلِكَ الرُّوحِ صَنَمًا مِنَ الأصْنامِ واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها قَصْدًا إلى عِبادَةِ الكَواكِبِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والحَقُّ أنَّ مِنَ الأصْنامِ ما وُضِعَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ومِنها ما وُضِعَ لِكَوْنِها كالهَياكِلِ لِلرُّوحانِيّاتِ ﴿ قُلْ ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ ﴾ أيْ أتُخْبِرُونَهُ سُبْحانَهُ بِما لا وُجُودَ لَهُ ولا تَحَقُّقَ أصْلًا وهو كَوْنُ الأصْنامِ شُفَعاءَهم عِنْدَهُ جَلَّ شَأْنُهُ فَإنَّ ما لا يَعْلَمُهُ عَلّامُ الغُيُوبِ المُحِيطُ عِلْمُهُ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ لا يَكُونُ لَهُ تَحَقُّقٌ بِالكُلِّيَّةِ وذَكَرُوا أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُسَمّى شَيْئًا بِناءً عَلى أنَّهُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ وهو يَشْمَلُ المَوْجُودَ والمَعْدُومَ كَما حَقَّقَهُ بَعْضُ أصْحابِنا كالمُعْتَزِلَةِ وسَمَّوْا ما لا يُعْلَمُ بِالمَنفِيِّ كالشَّرِيكِ وكاجْتِماعِ الضِّدَّيْنِ وحَقَّقَ ذَلِكَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ أتى فِيها بِالعَجَبِ العُجابِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكًا والمَقْصُودُ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن ذِكْرِ أنْباءِ اللَّهِ تَعالى بِما لا تَحَقُّقَ لَهُ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمُهُ التَّهَكُّمُ والهَزْءُ بِهِمْ وإلّا فَلا أنْباءَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ أيْ بِما لا يَعْلَمُهُ كائِنًا في ذَلِكَ والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما قَبْلَهُ فَإنَّهُ قَدْ جَرى في العُرْفِ أنْ يُقالَ عِنْدَ تَأْكِيدِ النَّفْيِ لِلشَّيْءِ لَيْسَ هَذا في السَّماءِ ولا في الأرْضِ لاعْتِقادِ العامَّةِ أنَّ كُلَّ ما يُوجَدُ إمّا في السَّماءِ وإمّا في الأرْضِ كَما هو رَأْيُ المُتَكَلِّمِينَ في كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إذْ هو سُبْحانَهُ المَعْبُودُ المُنَزَّهُ عَنِ الحُلُولِ في المَكانِ والآياتِ الَّتِي ظاهِرُها ذَلِكَ مِنَ المُتَشابِهِ والمَذاهِبُ فِيهِ شَهِيرَةٌ وهَذا إذا أُرِيدَ بِالسَّماءِ والأرْضِ جِهَتا العُلُوِّ والسُّفْلِ وقِيلَ: الكَلامُ إلْزامِيٌّ لِزَعْمِ المُخاطَبِينَ الكافِرِينَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أتُخْبِرُونَهُ تَعالى بِشَرِيكٍ أوْ شَفِيعٍ لا يَعْلَمُ شَيْئًا في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِن السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ 18﴾ أيْ عَنْ إشْراكِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِتِلْكَ المَقالَةِ الباطِلَةِ أوْ عَنْ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَهم شُرَكاءَ وقُرِئَ (أتُنَبِّئُونَ) بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تُشْرِكُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ وعَلى الأوَّلِ هو اعْتِراضٌ تَذْلِيلِيٌّ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً، يعني: من أشد في كفره ممن اختلق على الله كذبا إن معه شريكاً، أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ بمحمد  والقرآن.

إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ، يعني: المشركين، وقال الضحاك: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: مسيلمة الكذاب إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ يعني: أتباعه وأشياعُه ونظراؤه.

قوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: الأصنام، مَا لاَ يَضُرُّهُمْ إن لم يعبدوها وَلا يَنْفَعُهُمْ إن عبدوها ولا تضرّهم إن لم يعبدوها وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ يعني: الأصنام شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ يشفعون لنا في الآخرة.

قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ يعني: أتخبرون الله بِما لاَ يَعْلَمُ من الآلهة.

فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، أنها تشفع لأحد يوم القيامة، ويقال: معناه أتخبرون الله بشفاعة آلهتكم، أما علموا أنها لا تكون أبداً؟

ويقال: معناه أتشركون مع الله بجاهل لا يعلم ما فى السموات ولا ما في الأرض.

ثم نزه نفسه عن الولد والشريك، فقال تعالى: سُبْحانَهُ، يعني: تنزيهاً له، وَتَعالى، يعني: ارتفع عَمَّا يُشْرِكُونَ من الآلهة.

ويقال: معناه هو أعلى وأجلّ من أن يوصف له شريك.

قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر يُشْرِكُونَ بالياء على معنى المغايبة، وقرأ الباقون بالتاء على وجه المخاطبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عتاب على سوء الخُلُقِ من بعض الناس، ومضمَّنه النهْيُ عن مثل هذا، والأَمرُ بالتسليم إِلى اللَّه والضَّراعة إِليه في كلِّ حال، والعلْمُ بأنَّ الخير والشر منه، لا رَبَّ غيره، وقوله:

لِجَنْبِهِ، في موضع الحال كأنه قال: مُضْطَجِعاً، والضُّرُّ عامٌ لجميع الأمراض والرزايا.

وقوله: مَرَّ يقتضي أن نزولها في الكفَّار، ثم هي بعد تتناوَلُ كلَّ من دَخَلَ تحْتَ معناها مِنْ كافرٍ وعاصٍ.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ/ قَبْلِكُمْ ...

الآية: آيةُ وعيد للكفّار، وضرب أمثال لهم، وخَلائِفَ: جمع خليفة.

وقوله: لِنَنْظُرَ: معناه: لنبيِّن في الوجود ما عَلِمْناه أزلاً، لكنْ جرى القول على طريق الإِيجاز والفصاحةِ والمجازِ، وقال عمر رضي اللَّه عنه: إِنَّ اللَّه تعالَى إِنما جَعَلَنَا خلفاءَ لينظر كَيْفَ عَمَلُنَا فَأَرُوا اللَّه حسن أعمالكم في السر والعلانية «١» .

وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)

وقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنَا يعني:

بعْضَ كفار قريش: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، ثم أمر سبحانه نبيه أَنْ يردَّ عليهم بالحق الواضح، فقال: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ولا أعلمكم به، وأَدْراكُمْ بمعنى:

أعلمكم، تقول: دَرَيْتُ بالأَمْرِ، وأَدْرَيْتُ بِهِ غيري، ثم قال: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ يعني: الأربعين سنةً قبل بعثته عليه السلام، أي: فلم تجرِّبوني في كَذِبٍ، ولا تكلَّمتُ في شيءٍ مِنْ هذا أَفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ من كان على هذه الصفة لا يصحُّ منه كذب بعد أَنْ ولَّى عمره، وتقاصَرَ أملُهُ، واشتدَّت حِنْكَته وخوفُه لربِّه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.

﴿ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنُونَ الأصْنامَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَرَجَتْ كِنايَتُها عَلى لَفْظِ كِنايَةِ الآدَمِيِّينَ.

وقَدْ ذَكَرْنا هَذا المَعْنى في (الأعْرافِ:١٩١) عِنْدَ قَوْلِهِ: " وهم يُخْلَقُونَ " وفي قَوْلِهِ: ﴿ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: شُفَعاؤُنا في الآخِرَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: شُفَعاؤُنا في إصْلاحِ مَعايِشِنا في الدُّنْيا، لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: أتُخَبِّرُونَ اللَّهَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، ولا يَعْلَمُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا في السَّمَواتِ ولا في الأرْضِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللهِ بِما لا يَعْلَمُ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ هَذِهِ مِن كَمالِ الحُجَّةِ.

أيْ: هَذا الكَلامُ لَيْسَ مِن قِبَلِي ولا مِن عِنْدِي، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللهِ، ولَوْ شاءَ ما بَعَثَنِي بِهِ ولا تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أعْلَمْتُكم بِهِ.

و ﴿ أدْراكُمْ ﴾ بِمَعْنى: أعْلَمَكُمْ، يُقالُ: دَرَيْتُ بِالأمْرِ وأدْرَيْتُ غَيْرِي، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "وَلَأدْراكم بِهِ" وهي لامُ تَأْكِيدٍ دَخَلَتْ عَلى "أدْرى"، والمَعْنى -عَلى هَذا- ولَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ طَرِيقِي، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: "وَلا أدْرَأْتُكم بِهِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "وَلا أنْذَرْتُكم بِهِ"، وخَرَّجَ الفَرّاءُ قِراءَةَ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ عَلى لُغَةٍ لِبَعْضِ العَرَبِ مِنها قَوْلُهُمْ: "لَبَّأْتُ" بِمَعْنى "لَبَّيْتُ"، ومِنها قَوْلُ امْرَأةٍ مِنهُمْ: "رَثَأْتُ زَوْجِي بِأبْياتٍ"، أيْ: رَثَيْتُ.

وقالَ أبُو الفَتْحِ: إنَّما هي "أدْرَيْتُكُمْ" قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ورُوِينا عن قُطْرُبٍ: إنَّ لُغَةَ عَقِيلٍ في أعْطَيْتُكَ: أعْطَأْتُكَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا كَما في لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ: "السَلامُ عَلاكَ".

ثُمَّ قالَ: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ ﴾ أيِ الأرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرِيدُ: لَمْ تُجَرِّبُونِي في كَذِبٍ ولا تَكَلَّمْتُ في شَيْءٍ مِن هَذا، ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أنَّ مَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ لا يَصِحُّ مِنهُ كَذِبٌ بَعْدَ أنْ كَلَّ عُمْرُهُ وتَقاصَرَ أمَلُهُ واشْتَدَّتْ حِنْكَتُهُ وخَوْفُهُ لِرَبِّهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالبَيانِ في "لَبِثْتُ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "لَبِتُّ" بِإدْغامِ الثاءِ في التاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ الآيَةُ، جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ التَوْقِيفُ عَلى عِظَمِ جُرْمِ المُفْتَرِي عَلى اللهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ التَنَصُّلِ مِن ذَلِكَ، قِيلَ: فاتَّسَقَ القَوْلُ واطَّرَدَتْ فَصاحَتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ اسْتِفْهامٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو ﴾ مِمَّنْ ﴿ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ بَعْدَ بَيانِها، وذَلِكَ أعْظَمُ جُرْمٍ عَلى اللهِ، وأكْثَرُ اسْتِشْرافٍ إلى عَذابِهِ.

ثُمَّ قَرَّرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ أهْلُ الجُرْمِ، و ﴿ يُفْلِحُ ﴾ مَعْناهُ: يَظْفَرُ بِبُغْيَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "يَعْبُدُونَ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحاوَرَتُهُمْ، و ﴿ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ هي الأصْنامُ، وقَوْلُهم ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا ﴾ هو مَذْهَبُ النُبَلاءِ مِنهُمْ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُقَرِّرَهم ويُوَبِّخَهُمْ: أهم يُعْلِمُونَ اللهَ بِأنْباءٍ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ لا يَعْلَمُها هُوَ؟

وذَكَرَ "السَماواتِ" لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ والشِعْرى، وبِحَسَبِ هَذا حَسُنَ أنْ يَقُولَ: "هَؤُلاءِ"، وقِيلَ: ذَلِكَ عَلى تَجَوُّزِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَعْقِلُ، وفي التَوْقِيفِ عَلى هَذا أعْظَمُ غَلَبَةٍ لَهُمْ، ولا يُمْكِنُهم إلّا أنْ يَقُولُوا: لا نَفْعَلُ ولا نَقْدِرُ، وذَلِكَ لَهم لازِمٌ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا ﴾ .

و ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ اسْتِئْنافُ تَنْزِيهٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ هُنا: "عَمّا يُشْرِكُونَ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وفي حَرْفَيْنِ في النَحْلِ، وحَرْفٍ في الرُومِ، وحَرْفٍ في النَمْلِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ القَعْقاعِ، وشَيْبَةُ، وحُمَيْدٌ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ هُنا وفي النَمْلِ فَقَطْ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ الخَمْسَةَ الأحْرُفِ بِالتاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

على جملة: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ﴾ [يونس: 15] عطفَ القصة على القصة.

فهذه قصة أخرى من قصص أحوال كفرهم أن قالوا: ﴿ ائت بقرآن غير هذا ﴾ [يونس: 15] حين تتلى عليهم آيات القرآن، ومن كفرهم أنهم يعبدون الأصنام ويقولون: ﴿ هم شفعاؤنا عند الله ﴾ .

والمناسبة بين القصتين أن في كلتيهما كفراً أظهروه في صورة السخرية والاستهزاء وإيهام أن العذر لهم في الاسترسال على الكفر، فلعلهم (كما أوهموا أنه إنْ أتاهم قرآن غيرُ المتلو عليهم أو بُدل ما يرومون تبديلَه آمنوا) كانوا إذا أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم بعذاب الله قالوا: تشفع لنا آلهتنا عند الله.

وقد روى أنه قاله النضر بن الحارث (على معنى فرض ما لا يقع واقعاً) «إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعُزّى».

وهذا كقول العاص بن وائل، وكان مشركاً، لخبّاب بن الأرت، وهو مسلم، وقد تقاضاه أجراً له على سيف صنعه «إذا كان يوم القيامة الذي يُخبر به صاحبك (يعني النبي صلى الله عليه وسلم فسيكون لي مال فأقضيك منه».

(وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوُتَيَنَّ مالاً وولداً ﴾ [مريم: 77] الآية.

ويجوز أن تكون جملة: ﴿ ويعبدون ﴾ الخ عطفاً على جملة: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ [يونس: 17] فإن عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الافتراء.

وإيثار اسم الموصول في قوله: ﴿ ما لا يضرهم ولا ينفعهم ﴾ لما تؤذن به صلة الموصول من التنبيه على أنهم مُخطئون في عبادة ما لا يضر ولا ينفع، وفيه تمهيد لعطف ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ لتحقير رأيهم من رجاء الشفاعة من تلك الأصنام، فإنها لا تقدر على ضر ولا نفع في الدنيا فهي أضعف مقدرة في الآخرة.

واختيار صيغة المضارع في ﴿ يعبدون ﴾ و ﴿ يقولون ﴾ لاستحضار الحالة العجيبة من استمرارهم على عبادتها، أي عبدوا الأصنام ويعبدونها تعجيباً من تصميمهم على ضلالهم ومن قولهم: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ فاعترفوا بأن المتصرف هو الله.

وقُدم ذكر نفي الضر على نفي النفع لأن المطلوب من المشركين الإقلاع عن عبادة الأصنام وقد كان سدنتها يخوفون عبدَتها بأنها تُلحق بهم وبصبيانهم الضر، كما قالت امرأة طفيل بن عمرو الدوسي حين أخبرها أنه أسلم ودعاها إلى أن تُسلم فقالت: «أما تخشى على الصبية من ذي الشَّرى».

فأريد الابتداء بنفي الضر لإزالة أوهام المشركين في ذلك الصَّادَّة لكثير منهم عن نبذ عبادة الأصنام.

وقد أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يرد عليهم بتهكم بهم بأنهم قد أخبروا الله بأن لَهم شفعاء لهم عنده.

ومعنى ذلك أن هذا لما كان شيئاً اخترعوه وهو غير واقع جعل اختراعه بمنزلة أنهم أعلموا الله به وكان لا يعلمه فصار ذلك كناية عن بطلانه لأن ما لم يعلم الله وقوعه فهو منتف.

ومن هذا قول من يريد نفي شيء عن نفسه: ما علم الله هذا مني.

وفي ضده قولهم في تأكيد وقوع الشيء: يعلم الله كذا، حتى صار عند العرب من صيغ اليمين.

و ﴿ في السماوات ولا في الأرض ﴾ حال من الضمير المحذوف بعد ﴿ يعلم ﴾ العائد على (ما)، إذْ التقدير: بما لا يعلمه، أي كائناً في السماوات ولا في الأرض.

والمقصود من ذكرهما تعميم الأمكنة، كما هو استعمال الجمع بين المتقابلات مثل المشرق والمغرب.

وأعيد حرف النفي بعد العاطف لزيادة التنصيص على النفي.

والاستفهامُ في ﴿ أتنبئون ﴾ للإنكار والتوبيخ.

والإنباء: الإعلام.

وجملة: ﴿ سبحانه وتعالى ﴾ إنشاء تنزيه، فهي منقطعة عن التي قبلها فلذلك فصلت.

وتقدم الكلام على نظيره عند قوله: ﴿ وخرّقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ﴾ في سورة [الأنعام: 100].

(و (ما) في قوله: عما يشركون} مصدرية، أي عن إشراكهم، أي تعالى عن أن يكون ذلك ثابتاً له.

وقرأ حمزة والكسائي وخلف ﴿ تشركون ﴾ بالمثناة الفوقية على أنه من جملة المقول.

وقرأه الباقون بالتحتية على أنها تعقيب للخطاب بجملة ﴿ قُل ﴾ .

وعلى الوجهين فهي مستحقة للفصل لكمال الانقطاع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ الَّتِي هي تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ.

﴿ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.

﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ تَبْدِيلِهِ والإتْيانِ بِغَيْرِهِ أنَّ تَبْدِيلَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ، والإتْيانُ بِغَيْرِهِ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ.

وَفي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم سَألُوهُ الوَعْدَ وعِيدًا، والوَعِيدَ وعْدًا، والحَلالَ حَرامًا، والحَرامَ حَلالًا، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

الثّانِي: أنَّهم سَألُوهُ أنْ يُسْقِطَ ما في القُرْآنِ مِن عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّهُ سَألُوهُ إسْقاطَ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ﴾ أيْ لَيْسَ لِي أنْ أتَلَقّاهُ بِالتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ كَما لَيْسَ لِي أنْ أتَلَقّاهُ بِالرَّدِّ والتَّكْذِيبِ.

﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ فِيما أتْلُوهُ عَلَيْكم مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ وتَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ أوْ أمْرٍ أوْ نَهْيٍ.

﴿ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ في تَبْدِيلِهِ وتَغْيِيرِهِ.

﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ: ﴿ وَلا أدْراكم بِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولا أعْلَمُكم بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ولا أنْذَرُكم بِهِ، قالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.

الثّالِثُ: ولا أشْعَرُكم بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ ما تَقَدَّمَ مِن عُمُرِهِ قَبْلَ الوَحْيِ إلَيْهِ لِأنَّ عُمْرَ الإنْسانِ مُدَّةُ حَياتِهِ طالَتْ أوْ قَصُرَتْ.

الثّانِي: أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، لِأنَّ النَّبِيَّ  بُعِثَ بَعْدَ الأرْبَعِينَ وهو المُطْلَقُ مِن عُمُرِ الإنْسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أنِّي لَمْ أدَعْ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا حَتّى أُوحِيَ إلَيَّ، ولَوْ كُنْتُ افْتَرَيْتُهُ لَقَدَّمْتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قال النضر: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ﴾ يعني أهل مكة، قال أبو إسحاق: المعنى: ما لا يضرهم إن لم يعبدوه، ولا بنفعهم إن عبدوه (١) وذمّ هؤلاء بعبادة الوثن الذي لا يضر ولا ينفع؛ لأن هذا غاية الجهل حيث عبدوا جمادًا فهم أجهل (٢) وقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ، قال أهل المعاني: توهموا أن عبادتها أشد في تعظيم الله من قصده بالعبادة، فعبدوها وأحلوها محل الشافع عند الله (٣) وقال الحسن: شفعاء في إصلاح معاشهم في الدنيا؛ لأنهم لا يقرون بالبعث؛ ألا تسمعه يقول: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ قال الضحاك: أتخبرون الله [أن له شريكًا ولا يعلم الله لنفسه شريكًا في السموات ولا في الأرض؛ لأنه لا شريك له، فذلك لا يعلمه ولو كان لعلم (٥) قال أهل المعاني] (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ \[وقرئ (تُشركون)\] (٩) (١٠) ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ ﴾ ، ومن قرأ بالياء فكأنه قيل للنبي  : قل أنت: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

ويجوز أن يكون هو سبحانه نزه نفسه عما افتروه، فقال: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ (١١) (١) اهـ.

كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 11.

(٢) في (ى): (أهل جهل)، وهو خطأ.

(٣) ذكر نحو هذا القول الرازي في "تفسيره" 17/ 59 - 60، ولم أجده في كتب أهل المعاني.

(٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 16، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 542.

وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 132.

(٥) ذكره ابن الجوزى في "زاد المسير" 4/ 16، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 542.

(٦) ما بين المعقوفين بياض في (ح).

(٧) هكذا في جميع النسخ (ح) و (ى) و (م) و (ز) و (ص)، والكلام غير مرتبط بما بعده، ولعل المعنى: ليس شفيعًا، أو ليس مأذونًا له بالشفاعة.

(٨) لم أعثر على مصدر هذا القول.

(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(١٠) قرأ حمزة والكسائي وخلف بالتاء على الخطاب، وقرأ الباقون بالياء.

انظر: "إرشاد المبتدي" ص 361، "النشر" 2/ 282، "إتحاف فضلاء البشر" ص 248.

(١١) انظر: توجيه القراءة في "الحجة" 4/ 264.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ الضمير في يعبدون لكفار العرب، وما لا يضرهم ولا ينفعهم هي الأصنام ﴿ وَيَقُولُونَ هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله ﴾ كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ ﴾ رد عليهم في قولهم بشفاعة الأصنام، والمعنى: أن شفاعة الأصنام ليست بمعلومة لله الذي هو عالم بما في السموات والأرض، وكل ما ليس بمعلوم فهو عدم محض، ليس بشيء فقوله: أتنبئون الله تقرير لهم على وجه التوبيخ والتهكم أي: كيف تعلمون الله بما لا يعلم؟

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الۤر ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: أبو عمرو وخلف وحمزة وعلي والخراز عن هبيرة والنجاري عن ورش ويحيى وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

﴿ لساحر ﴾ بالألف: ابن كثير وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ لسحر ﴾ ﴿ حقاً أنه ﴾ بالفتح.

يزيد.

﴿ ضياء ﴾ بالهمز حيث كان: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يفصل ﴾ بالياء: ابن كثير وعمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والعجلي.

الباقون بالنون.

﴿ واطمأنوا ﴾ بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ الۤر ﴾ ق كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ إذنه ﴾ ط ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط، ﴿ حقاً ﴾ ط، إلا لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح.

﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ط ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ نفصل ﴾ بالنون، ومن قرأ بالياء أمكنه أن يجعل ﴿ يفصل ﴾ حالاً.

﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه لا لأن ﴿ أولئك ﴾ خبر "إن" ﴿ بإيمانهم ﴾ ج ط للحذف تقديره يهديهم ربهم بإيمانهم إلى دار البقاء مع اتحاد المقصود وتمام الموعود ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج ط لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد اعترضت جملة معطوفة أخرى لأن قوله ﴿ وآخر دعواهم ﴾ معطوف على ﴿ دعواهم ﴾ الأوّل ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: اتفقوا على أن قوله ﴿ الر ﴾ ليس بآية وعلى أن ﴿ طه ﴾ آية.

ولعل الفرق أن ﴿ الر ﴾ لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده، عن ابن عباس ﴿ الۤر ﴾ معناه أنا الله أرى.

وقيل: لا رب غيري.

وقيل: الۤر وحم ون اسم الرحمن ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، والكتاب السورة، والحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها أو وصف بصفة من تكلم به ومنه قولهم للقصيدة حكيمة.

وقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه يحكم بين الحق والباطل، أو يحكم بأن محمداً صادق لأن القرآن أظهر معجزاته وأبقاها.

وقيل: بمعنى مفعول أي حكم فيه بجميع المأمورات والمنهيات وقيل: بمعنى المحكم والإحكام المنع من الفساد وذلك أنه لا يمحوه الماء ولا يحرقه النار ولا يغيره الدهور.

ويحتمل أن يقال: الكتاب الحكيم هو القرآن أو اللوح المحفوظ أو التوراة والإنجيل، لأن جميع الكتب الإلهية متوافقة في الأصول، ويجوز أن يكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن.

واعلم أنه  لما ختم السورة المتقدمة بقوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم  ﴾ صدر هذه السورة بتعديد بعض الحروف على طريق التحدي، وذلك أن حروف القرآن من جنس الحروف التي يتلفظون بها فلولا أنه معجز لعارضوه وناقضوه.

ولما بين بهذا الطريق أن محمداً رسول حق من عند الله أنكر على كفار قريش تعجبهم من كونه رسولاً فقال: ﴿ أكان للناس عجباً ﴾ نصب على أنه خبر كان واسمه ﴿ أن أوحينا ﴾ وفائدة اللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ مع تقديمه هي أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتحدثون بها، ثم إن تعجبهم إما أن يكون من جعل البشر رسولا أو من تخصيص محمد  بالوحي والنبوة فقد روي أنهم كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وكلا الأمرين ليس بعجب، أما الأول فلأن الجنس إلى الجنس أميل ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً  ﴾ ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً  ﴾ .

وأما الثاني فلأن الفقر واليتم لا يوجب في النبوة قدحاً لأن الله غني عن العالمين ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى  ﴾ وإنما المعتبر في الاستنباء كونه متصفاً بالصدق والأمانة والتقوى، وكان لمحمد  في ذلك قبل بعثه اليد الطولى إذ كان يدعى محمداً الأمين.

و "أن" في قوله: ﴿ أن أنذر الناس ﴾ هي المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، أو مخففة من الثقيلة وقد عملت في ضمير شأن مقدر معناه إنه أي إن الشأن قولنا أنذر الناس.

وقوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا أن لهم ﴾ أي بأن لهم، والإنذار إخبار مع تخويف وإنه عام للناس كلهم، ولكن البشارة خاصة بالمؤمنين.

ويحتمل أن يراد بالناس الكفار فقط ويمكن أن يكون تعجبهم عائداً إلى الإنذار والتبشير وليس ذلك بعجب بل المنكر في العقول تعطيل الأعمال وأن يترك الإنسان سدىً، وإرسال الرسل أمر ما أخلى الله  المكلفين عنه شيئاً من الأزمنة، وبه تتم الماليكة والأمر والنهي والإذن والمنع والثواب والجزاء.

وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن الإنذار تحذير عن فعل ما لا ينبغي، والتبشير ترغيب في فعل ما ينبغي والتخلية مقدمة على التحلية.

ومعنى ﴿ قدم صدق ﴾ سابقة فضل ومنزلة رفيعة أي سبق لهم عند الله خير.

قال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير.

وقال ابن الأنباري: كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء.

والسبب في إطلاق القدم على السابقة أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وإضافة القدم إلى صدق لأجل المبالغة وللتنبيه على أنها من السوابق العظيمة أي القدم التي يصدق ويحق أن تسمى قدماً.

وأما عبارات المفسرين فمنهم من قال: قدم صدق هي الأعمال الصالحة، ومنهم من قال الثواب، ومنها من قال شفاعة محمد  .

أما قوله: ﴿ قال الكافرون ﴾ فقال القفال: فيه إضمار والتقدير: فلما أنذرهم قالوا ذلك.

ثم من قرأ لساحر بالألف فقوله هذا إشارة إلى النبي  ، ومن قرأ السحر إشارة إلى القرآن وفيه دليل على عجزهم واعترافهم بأنهم قاصرون عن معارضته كالسحر، ومن هنا جوز بعضهم أن يكونوا أرادوا به المدح أي إنه لكمال فصاحته وتعذر الإتيان بمثله جارٍ مجرى السحر.

ثم لما أنكر عليهم تعجبهم من الأمور المذكورة وهي الواسطة أراد أن يقيم البرهان عليها بإثبات المبدأ ويبين غايتها بإثبات المعاد وذلك في آيتين متواليتين.

وقد مر في الأعراف تفسير قوله: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.

ثم ذكر ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره فقال: ﴿ يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ وإنما فقد العاطف لأنهما كالتفسير والتفصيل لما دل عليه قوله: ﴿ إن ربكم الله ﴾ الخ.

والأمر الشأن أراد به أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض والعرش.

والمعنى أنه يقضي ويقدر بمقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي.

قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح.

ففي قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ إشارة إلى استقلاله في التصرف جانب المبدأ، وفي قوله ﴿ ما من شفيع ﴾ إشارة إلى استقلاله في طرف المعاد.

ويمكن أن يقال: المراد أنه خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من الأصلح مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في تحصيل المصالح فدل ذلك على أنه محسن إلى عباده مريد للخير والرأفة بهم كامل العناية بأحوالهم.

قال أبو مسلم: الشفيع معناه الثاني من الشفع الذي يخالف الوتر أي خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه ثم خلق الملائكة والثقلين، والمراد أنه لم يدخل في الوجود أحد إلا من بعد أن قال له: "كن" حتى كان وحصل.

ثم أشار إلى المعلوم بالأوصاف المذكورة فقال: ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ الذي يستأهل منكم العبادة بإزاء النعم الجسام من خلق السموات والأرض بما فيهما وعليهما ﴿ فاعبدوه ﴾ وحده ﴿ أفلا تذكرون ﴾ فيه تنبيه على وجوب الاعتبار والنظر في الدلائل الدالة على عظمته وجلاله.

ثم شرع في إثبات المعاد فقال: ﴿ إليه مرجعكم ﴾ أي رجوعكم ﴿ جميعاً ﴾ مجموعين.

وتقديم الجار والمجرور للاختصاص والمعنى لا ترجعون في العاقبة إلا إلى جزائه وحكمه فاستعدوا للقائه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وفيه تأكيدان كما مر.

ثم قال: ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وهو استئناف فيه معنى التعليل كأنه قال إن الذي قدر على الإبداء يقدر على الإعادة بالطريق الأولى كقوله: ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون  ﴾ يعني أنه  لما كان قادراً على إنشاء ذواتكم أوّلاً ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نموّه، وجب القطع بأنه لا يمتنع عليه إعادة تلك الأجزاء بعد البلى والتفرق.

ومن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح فعلى حذف لام التعليل أي لأنه، أو على أنه منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله أي وعد الله وعداً بدء الخلق ثم إعادته، ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب حقاً أي حق حقاً بدء الخلق.

ثم ذكر غاية الإعادة وحكمتها فقال: ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال المفسرون: في الآية إضمار والتقدير أنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ثم يعيدهم ليجزي.

وإنما حسن هذا الحذف لتقدم قوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ ولأن الإعادة لا تكون إلا بعد الإماتة والإعدام.

وقوله: ﴿ بالقسط ﴾ أي بالعدل متعلق بـ ﴿ يجزي ﴾ أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجرهم أو ليجزيهم بقسطهم وبما لم يظلموا أنفسهم حين آمنوا وعملوا صالحاً وهذا وجه حسن لطباق قوله: ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ وفي قوله: ﴿ والذين كفروا ﴾ من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في الأولى دليل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وإنما جاء التعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر.

والحميم الماء الذي أسخن بالنار حتى انتهى حره.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على عدم منزلة بين المنزلتين على ما يقول بها المعتزلة.

وأجيب بأن عدم الذكر لا يدل على العدم ورُدَّ بأن الفساق أكثر من أهل الطاعة فكيف يجوز طي ذكرهم؟

واعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين: الأول طريق القائلين بالحسن والقبح العقليين، والثاني طريق من يقول لا يجب على الله شيء أصلاً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج عقلية منها: أنه  خلق الخلق وأعطاهم عقولاً وقدراً فيجب في حكمته أن يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات، وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا بربط الثواب على الفعل والعقاب على الترك.

هذا في المأمورات وبالعكس في المنهيات، وذلك الثواب المرغب والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون الله  كاذباً في قوله: ﴿ ليجزي ﴾ الخ.

فإن قيل: لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد؟

ولئن سلم فلم لا يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لا أنه يفعل ذلك ولا يلزم منه الكذب على الله، ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه لا كذب؟

سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام؟

فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال، وتجويز الخلف في ذلك مناف للغرض، وأخذ الأجرة إنما يكون بعد الفراغ من العمل والعبد ما دام في الدنيا فهو في العمل، وقد ترى أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بالآفات والبليات، وأفسقهم وأجهلهم في أتم اللذات والمسرات.

ومنها أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء والمظلوم والظالم وأن لا يجعل من كفر به وعصاه كمن آمن به وأطاعه وليس هذه التفرقة في الدنيا كما قيل: كم عالم عالم أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا فلا بد من دار أخرى يظهر فيها التفاوت.

ومنها أنه كلف عبيده بأن يعبدوه، والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلا بد أن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تكليفه، والناس جبلوا على طلب اللذات والتبادر إلى تحصيل أسباب الراحات فلو لم يكن زاجر من خوف المعاد لوقع الهرج والمرج والفتن وحينئذٍ لا يتفرغ المكلف لأداء ما أمر به.

فإن قيل: لم لا يكفي في نظام العالم مهابه الملوك وسياستهم؟

قلنا: إن لم يكن السلطان قاهراً قادراً على الرعية فلا فائدة فيه، وإن كان قاهراً غالباً ولا خوف له من المعاد فحينئذٍ يقدم على أنواع الظلم والإيذاء لأن الداعية النفسانية قائمة ولا وازع له في الدنيا ولا في الآخرة.

ومنها أنه  خلق هذا العالم وخلق فيه الناس، والعبث لا يليق بالحكيم الرحيم فوجب أن يقال: إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير وليس ذلك في الدنيا لأن لذات هذا العالم جسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي وكان هذا حاصلاً قبل الوجود فلا يبقى للتخليق فائدة.

وأيضاً إن لذات الدنيا مشوبة بالآلام بل اللذة في الدنيا كالقطرة من البحر فعلمنا أن للرحة دار أخرى.

فإن قيل: ليس أنه يعذب أهل النار لا لمصلحة وفائدة لهم؟

قلنا: الفرق أن ذلك الألم استحقوه على أعمالهم وهذا الألم الحاصل في الدنيا غير مستحق فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة وإلا فينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

ومنها أنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان أحسن من جميع الحيوانات لأنها تشاركه في اللذات الحسية لأن الروث في مذاق الجعل كاللوز في فم الإنسان، والإنسان يزيد عليها بعقل هو سبب تألمه وتأذيه في أغلب الأحوال، يتفكر في الأحوال الماضية فيتأسف، ويتأمل في الأحوال الآتية فيخاف، فلو لم يكن للإنسان معاد به يكمل حاله ويظهر سعادته كان عقله سبباً لشقائه وخسته دون شرفه ومزيته.

ومنها أن إيصال النعم إما أن يكون مشوباً بالآفات أو خالصاً عنها، فلما أنعم الله  علينا في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علنيا بالمرتبة الثانية في دار أخرى إظهاراً لكمال القدرة والرأفة والحكمة، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخافات.

ومما يقوّي هذا الكلام أن الإنسان دائماً في الترقي من حين كونه جنيناً في بطن أمه إلى أن يخلص من ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا، وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير أميراً نافذ الحكم على الخلق أو عالماً مشرفاً على حقائق الأشياء، فوجب بحكم هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة المشوبة بالآلام.

ومنها طريقة الاحتياط فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له فإن كان هذا المذهب حقاً فقد نجونا وهلك المنكر، وإن كان باطلاً لم يضرنا هذا الاعتقاد، غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات.

ومنها أن أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء.

ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة فلم لا يعقل مثل ذلك في الإنسان؟

ومنها أن الإنسان إنما يتولد من نطفة تولدت من الأغذية الكائنة من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا مات وتفرقت تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن تجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول؟

ومنها أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر، والعقل يحكم بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملاً يكذبون عليه ويجورون، فلا بد من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز خلف فيهما كما مر، ولا يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء.

وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال الله  برعاية المصالح فإنهم يقولون: المعاد أمر جائز الوجود لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى جائزاً فالمرة الثانية أيضاً جائزة.

ثم إن إله العالم قادر مختار عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجز تمييز أجزاء بدن زيد - وإن اختلطت بأجزاء التراب والبحار - عن أجزاء بدن عمرو، وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ثم إنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني.

وأما شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شراً من هذه فالتبديل سفه، وإن كانت مثلها فعبث، وإن كانت خيراً منها فإما أن يقال إنه قادر على خلق ذلك الأجود أولاً ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه، أو يقال إنه ما كان قادراً ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى الحكمة فهو محال على القديم.

والجواب أن كلاً من الدارين خير في وقتها فالأولى لتحصيل الكمالات النفسانية الممكنة للنوع الإنساني من قبيل العلم والعمل، والأخرى للراحة والجزاء، ومن ذلك أنهم قالوا: حركات الأفلاك مستديرة والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد.

والجواب ما ذكرنا في كتبنا الحكمية من أن كل جسم مركب وكل مركب ينحل لا محالة.

ولئن سلمنا أنها أزلية فحركاتها غير أزلية لأن الحركة عبارة عن الانتقال من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها والأزلية تنافي المسبوقية بالغير فكان الجمع بين الأزل والحركة محالاً.

ولئن سلم أن الحركة أزلية فلم لا يجوز أن يكون بعض أوضاع الأفلاك مقتضياً لإعادة المعدومات من الأشخاص الإنسانية؟

ومن ذلك أنهم قالوا: الإنسان عبارة عن هذا البدن ذي الأجزاء لا كيف كانت بل بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، لأن أجزاء البدن كانت موجودة قبل هذا الإنسان والموجود مغاير للمعدوم.

فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصورة والأعراض وعود المعدوم محال.

وأجيب بأن الإنسان ليس عبارة عن هذا الجسد وإنما هو النفس سواء كانت جوهراً مجرداً مفارقاً أو جسماً مخصوصاً لطيفاً باقياً في جميع أحوال البدن من الصبا إلى الهرم مصوناً عن التحلل والتبدل وهو الذي يسميه المتكلمون بالأجزاء الأصلية.

ومن ذلك أنهم قالوا: إذا قتل الإنسان واغتذى به إنسان آخر لزم أن تعاد تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال.

وأجيب بعين ما مر وهي أن الأجزاء الأصلية لا تصير جزءاً من إنسان آخر.

فهذه خلاصة وما وصل إليه العقول من أمر المعاد والله  أعلم بحقائق الأمور.

ثم عدد بعض نعمه على المكلفين فقال: ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء ﴾ وهو أجوف واوي مهموز اللام قلبت واوه ياء لكسرة ما قبلها، ومن قرأ بهمزتين بينهما ألف فمحمول على القلب لأن إذا قدم اللام على العين وقع حرف العلة على الطرف فانقلب همزة كما في "كساء".

وهو إما أن يكون جمع ضوء كحوض وحياض، أو مصدر ضاء يضوء مثل قام قياماً وصام صياماً، ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة فجعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم إنه كرم وجود.

والضياء أقوى من النور.

ولا خلاف بين العقلاء أن ضوء الشمس كيفية قائمة بها لذاتها، أما نور القمر فقد ذهب جمهور الحكماء إلى أنه مستفاد من الشمس وبذلك يقع اختلاف أحواله من الهلالية إلى البدرية كما بينا في تفسير قوله  : { ﴿ يسألونك عن الأهلة  ﴾ ﴿ وقدره منازل ﴾ قال في الكشاف: أي قدّر مسيره منازل أو قدره ذا منازل.

ومنزلة القمر المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به وجملتها ثمانية وعشرون وأساميها مشهورة: الشرطين الثريا البطين الخ.

وهي كواكب ثابتة معروفة عندهم جعلوها علامات المنازلة، فنرى القمر كل ليلة نازلاً بقرب أحدها وذلك أنهم قسموا دور الفلك وهو اثنا عشر برجاً على ثمانية وعشرين - عدد أيام القمر - فأصاب كل برج منزلان وثلث فسموا كل منزل بالعلامة التي وقعت وقت التسمية بحذائه.

ثم ذكر بعض منافعهما العائدة على المكلفين فقال: ﴿ لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي.

وقد ذكرنا السنة الشمسية والسنة القمرية وكيفية دوران إحداهما على الأخرى في تفسير قوله  : ﴿ إن عدة الشهور  ﴾ الآية فلا حاجة إلى التكرار، ثم أشار إلى سائر منافعهما وخواصهما بقوله: ﴿ ما خلق الله ذلك ﴾ المذكور ﴿ إلا ﴾ ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ والصواب دون الباطل والعبث، فالشمس سلطان النهار والقمر خليفتها بالليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى فصولها الأربعة، وبالفصول تنتظم مصالح هذا العالم ويتحصل معايش الخلائق، وبحركة القمر يحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة النور ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات إلى غير ذلك من الخواص التي يرشد إليها التأمل والتدبر ولهذا قال: ﴿ يفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذه الدلائل.

وقيل: المراد بالعلم ههنا العقل الذي يعم الكل.

ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار وقد مر تفسيره في سورة "البقرة" في قوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض  ﴾ .

ومعنى قوله: ﴿ وما خلق الله في السموات والأرض ﴾ كقوله: ﴿ وما خلق الله من شيء  ﴾ وقد مر في آخر "الأعراف".

وإنما خص كونها آيات بالمتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر.

قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بالمبدإ والمعاد.

ثم شرع في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به فقال: ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ عن ابن عباس ومقاتل والكلبي: معناه لا يخافون البعث كقوله  : ﴿ وهم من الساعة مشفقون  ﴾ واستبعد الأكثرون تفسير الرجاء بالخوف وقالوا: إنه بمعنى الطمع أي لا يطمعون في حسن لقائه كما يأمله السعداء، أو لا يتوقعونه أصلاً لأنهم لا يؤمنون بالمعاد فهم ذاهلون عن طلب اللذات الحقيقية فارغون عن التوجه نحو السعادات الباقية ﴿ ورضوا ﴾ مع ذلك ﴿ بالحياة الدنيا ﴾ الحسية الخسيسة ﴿ واطمأنوا بها ﴾ سكنوا إليها سكون العاشق إلى معشوقه وهذه غاية الانهماك الاستغراق في اللذات الجسمانية ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ فلا يعتبرون بالآيات ولا ينظرون في الدلائل الموصلة إلى حقيقة المبدإ والمعاد، فلم يقبلوها بالتقليد ولم ينظروا إليها بعين الاجتهاد ﴿ أولئك مأواهم النار ﴾ فيه معنى الجزاء ولذلك تعلق به قوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ وفيه أن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول العذاب الجسماني وهو النار المحسوسة، والعذاب الروحاني وهو نار البعد من المألوفات والقطيعة من السعادات الباقيات فيكون مثاله مثال من أخرج عن مجالسة معشوقه فألقي في بئر ظلمانية لا إلف بها ولا مؤنس بل يكون فيها أنواع المؤذيات وأصناف الموحشات نعوذ بالله من تلك الحالات.

وهذا حال من لا يؤمن بالمعاد فلا يعمل له، وأما حال الذي يؤمن به فذلك قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ استكملوا من جهة القوة النظرية ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ استكملوا من قبل القوة العملية أو صدقوا بقوله ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله، أو أشغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ثم جوارحهم بالخدمة حتى تكون عيونهم مشغولة بالاعتبار، وآذانهم باستماع كلام الله، وألسنتهم بذكر الله وسائر أعضائهم بطاعة الله  : ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال أكثر المفسرين: معناه يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة.

ومعنى قوله: ﴿ بإيمانهم ﴾ أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهذا التفسير يوافق قوله  : ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم  ﴾ وقوله  : "إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله الصالح في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة.

والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول: أنا عملك فينطلق به إلى النار" .

وقيل: معنى الآية إن إيمانهم يهديهم إلى مزايا من الألطاف ولوامع من الأنوار بحيث تزول بواسطتها عنهم الشكوك والشبهات فتؤدي إلى حصول المثوبات ولذلك جعل ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ بياناً له وتفسيراً لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها.

فهذه الهداية عبارة عن الفوائد الزوائد الحاصلة في الدنيا بعد الإيمان.

قال القفال: فعلى هذا الوجه كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار إلا أنه حذف الواو وجعل قوله: ﴿ تجري ﴾ خبراً مستأنفاً منقطعاً عما قبله.

والتحقيق في تقرير هذا الوجه أن العلم نور والجهل ظلمة والروح كاللوح والعلوم والمعارف كالنقوش ولكن حالهم بالضد من النقوش الجسمانية، فإن تزاحم النقوش الجسمانية يكدر اللوح وتوارد النقوش المعنوية وتكاثرها يزيد لوح الروح لمعاناً وإشراقاً حتى إنه يقوى بها على تحصيل المعارف الباقية بسهولة، فليس فهم الرجل المنتهي للعلوم والحقائق كفهم المبتدىء، فإن الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور المعرفة، وإذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة التوجه إلى الآخرة والإعراض عن الدنيا، ولا تزال تتزايد إشراقات هذه المعارف والملكات فيرتقي في معارجها لحظة فلحظة، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية فلا نهاية لمراتب هذه الهداية.

وفي قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ دليل لمن قال إن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ولكنهما يعدّان الذهن لحصول الفيض من الجواد المطلق.

ومعنى ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ أنهم يكونون في البساتين على مواضع مرتفعة كالسرر والأرائك والأنهار تجري من بين أيديهم.

﴿ دعواهم فيها ﴾ قال بعض المفسرين: أي دعاؤهم ونداؤهم كما يدعو القانت بقوله: اللهم إياك نعبد: وقيل: الدعاء العبادة كقوله: ﴿ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله  ﴾ وإنما تكون هذه عبادتهم لا على سبيل التكليف بل على سبيل الإلهام والعادة ابتهاجاً بذكر الله.

وقيل: الادعاء بين المتخاصمين والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله من المعايب والإقرار له بالإلهية.

قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما.

وقيل: أي طريقتهم وسيرتهم وذلك لأن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم يكن في قولهم سبحانك اللهم دعاء ولا دعوى.

وقيل: أي تمنيهم كقوله: ﴿ ولهم ما يدعون  ﴾ أي ما يتمنونه.

وتقول العرب: ادّع عليّ ما شئت أي تمن فكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، ولقد كانوا في الدنيا يدعون في الحروب من يسكنون إليه ويستنصرونه فيقولون: يا آل فلان فأخبر الله  عنهم أن أنسهم في الجنة بذكر الله وسكونهم بتحميده ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ أي بعضهم يحيي بعضاً بالسلام.

وقيل: هي تحية الله أو الملائكة إياهم إضافة للمصدر إلى المفعول ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد ﴾ هي "أن" المخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد ﴿ لله ﴾ على أن الضمير للشأن.

قال أهل الظاهر من المفسرين: في سبب تخصيص هذه الأذكار بأهل الجنة أن قوله: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ علم بين أهل الجنة وخدامهم إذا سمعوا ذلك منهم أتوهم بما يشتهونه.

قال ابن جريج: ورد في الأخبار أنه إذا مرّ بهم طير يشتهونه قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وقال القاضي: إنه وعد المتقين بالثواب العظيم فإذا دخل أهل الجنة الجنة ووجدوا تلك المواعيد قالوا سبحانك اللهم أي نسبحك عن الخلف في الوعد.

وقيل: ألهم الله بني آدم في الجنة بعد انقراض الدنيا ما افتخر به الملائكة قبلهم في قولهم: ﴿ ونحن نسبح بحمدك  ﴾ ويمكن أن يقال: إن لكل إنسان معراجاً بحسب قوته فإذا وصل العارف الصادق إلى صفات جلال الله  قال سبحانك، وإذا ارتقى منها إلى الذات قال اللهم، فإذا عجز عن ذلك المضمار واحترق في أوائل تلك الأنوار رجع من عالم الجلال إلى عالم الإكرام فأفاض الخير على جميع المحتاجين ويدفع المخافات والمكاره عنهم بكل ما أمكنه وذلك قوله: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ثم إذا شاهدوا أثر نعمة الله عليهم بالاستفاضة والإفاضة اختتموا الكلام بقولهم: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

وعلى هذا يدور أمرهم في العروج والنزول ما داموا في الدنيا فيكون كذلك حالهم في العقبى لقوله: "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون".

التأويل: ﴿ الۤر ﴾ فيه إشارتان: إحداهما من الحق المحق إلى حبيبه محمد  كأنه قال: بآلائي عليك في الأزل وأنت في العدم وبلطفي عليك في الوجود وبرحمتي ورأفتي لك من الأزل إلى الأبد.

والثانية من الحق لنبيه  إليه يقول بإنسك معي حين خلقت روحي ولم يكن ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به حين دعوتك للخروج من العدم فقلت: ياسين أي يا سيد فقلت: لبيك وسعديك والخير كله بيديك.

وبرجوعك منك إلى حين قلت لنفسك بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ تلك ﴾ أي هذه الآيات المنزلة عليك ﴿ آيات الكتاب الحكيم ﴾ الذي وعدتك في الأزل وراثته لك ولأمتك.

والحكيم الحاكم على الكتب كلها فلا ينسخه كتاب وهو ينسخ الشرائع والأحكام والكتب كلها ﴿ إلى رجل منهم ﴾ لما رأى فيه رجولية قبول الوحي دون غيره، ويحتمل أن يكون معنى للناس الناسي عهد الله ﴿ قدم صدق ﴾ محمد  لأنه أول من خرج من العدم إلى الوجود، أو هو العناية الأزلية "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لساحر مبين ﴾ صدقوا في أنهم مسحورون إلا أنه سحرهم سحرة صفات فرعون النفس.

إن الذي يربيكم هو الذي خلق السموات سموات أرواحكم وأرض نفوسكم من ستة أنواع هي: الروح والقلب والعقل والنفس الحيواني والنفس النباتي والصورة المعدنية ﴿ ثم استوى ﴾ على العرش القلب ﴿ يدبر ﴾ أمر السعادة والشقاوة يقلبه كيف يشاء.

﴿ إليه مرجعكم جميعاً ﴾ فرجعوا مقبولين بجذبات العناية التي صورتها خطاب ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وحقيقتها انجذاب القلب إلى الله ونتيجتها عزوف النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها ورجوع المردودين بغير الاختيار بالسلاسل والأغلال.

ومن نتائجه تعلقات الدنيا واستيلاء صفات النفس ﴿ بالقسط ﴾ أي لكل بحسب كماله ونقصانه.

جعل شمس الروح ضياء يستنير بها قمر القلب إذا وقع في مواجهتها، وإذا وقع في مقابلة أرض النفس انكسف ولهذا سمي قلباً لتقلب أحواله بين الروح والنفس.

وتلك الأحوال هي منازله ومقاماته لتعلموا عدد سنين المقامات وحساب الكشوف والمشاهدات ﴿ إن في اختلاف ﴾ ليل صفات البشرية ونهار صفات الروحانية ﴿ وما خلق الله ﴾ في سموات الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف والأخلاق وتبدل الأحوال ﴿ لآيات ﴾ دالة على التوحيد ﴿ لقوم يتقون ﴾ الأخلاق الذميمة ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ وإن لم يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها كالرهابين والبراهمة وبعض الفلاسفة والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ : البينات قد ذكرنا في غير موضع، والبينات هي التي تبين أنها آيات نزلت من عند الله لم يخترعها أحد من الخلق.

وقد ذكرنا قوله - أيضاً -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ : يشبه أن يكون قولهم: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ ﴾ ، إنما أجابهم في التبديل؛ دل أن السؤال كان سؤال تبديل، ولكن كانوا يسألون سؤال استهزاء وتكذيب.

ثم اختلف أهل التأويل في التبديل الذي سألوا.

قال بعضهم: سألوا أن يبدل ويجعل مكان آية العذاب آية الرحمة أو يبدل أحكامه.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ ﴾ أي: بدل أحكامه واترك رسمه.

ويحتمل ما ذكرنا أنهم سألوا أن يتلو مكان آية العذاب آية الرحمة، ومكان ما فيه سب آلهتهم مدحها ونحو ذلك، والله أعلم.

ونحن لا نعلم ما أراد بالتبديل تبديل الأحكام أو تبديل الرسم والنظم، إنما نعلم ذلك بالسماع.

ثم أخبر أنه لا يقول ولا يتبع إلا ما يوحى إليه ويؤمر به بقوله: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ إن تركت تبليغ ما أمرت بالتبليغ إليكم، وهكذا كل من عرف ربه خافه إن عصاه وخالف أمره ونهيه، ومن لم يعرف ربه لم يخفه إن عصاه وخالف.

وقوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ : سؤالهم سؤال تعنت واستهزاء؛ لأنه لا منفعة لهم لو أتى بغيره وبدله سوى ما في هذا ولو جاز لهم هذا السؤال جاز ذلك في كل ما أتى به واحداً بعد واحد، فذلك مما لا ينقطع أبداً ولا غاية ولا نهاية فهو سؤال تعنت واستهزاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ : هو صلة ما تقدم من قوله حيث قالوا: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ قد ذكرنا أن هذا يحتمل وجهين: يحتمل أنهم سألوه أن يبدل أحكامه على ترك رسمه ونظمه.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ أي: ارفع رسمه ونظمه وأحكامه، كأنهم ادعوا على رسول الله  اختراع هذا القرآن من نفسه واختلاقه من عنده، فقال: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ تأويله - والله أعلم -: لو شاء الله ألا يظهر دينه فيكم ولا [ألزمكم حجته] ولا بعثني إليكم رسولا، ﴿ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ و ﴿ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ أي: ولا أعلمكم به.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ : ولا أعلمكم ما فيه من الأحكام، أو يقول: لو شاء الله لم يوح إلي، ولا أمرني بتبليغ ما أوحي إلي إليكم، ولا بالدعاء إلى ما أمرني أن أدعوكم إليه.

وفي قوله: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ \[دلالة أن الله إن شاء شيئاً كان وما لم يشأ لم يكن لأنه أخبر أنه لو شاء ما تلوته عليكم\] فلو لم يشأ أن يتلوه ما تلاه؛ دل أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وذلك يرد على المعتزلة قولهم: شاء الله أن يؤمن الخلائق كلهم لكنهم لم يؤمنوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أي: فقد لبثت فيكم عمرا من قبله فلم أدع ما أدعي للحال، ولا تلوت ما أتلو، أفلا تعقلون أني لم أخترع هذا من نفسي، ولكن وحي أوحي إلي؟!

إذ لو كان اختراعاً مني لكان ذلك مني فيما مضى من الوقت وكنت لابساً فيكم، فإذا لم يكن مني ذلك أفلا تعقلون أني لم أخترع من نفسي؟!

يحتمل هذا الكلام وجوهاً: أحدها: أنهم لما ادعوا عليه الاختراع من عنده قال: إني قد لبثت فيكم من قبله، أي: [من] قبل أن يوحى هذا إلي، فلم تروني خططت بيميني، ولا اختلفت إلى أحد في التعلم والدراسة، فكيف أخترع من عندي؛ إذ التأليف لا يلتئم ولا يتم إلا بأسباب تتقدم؟!

والثاني: فقد لبثت عمرا سنين لم تعرفوني ولا رأيتموني كذبت قط، فكيف أفتري على الله  وأخترع القرآن من عند نفسي؟!

ألا ترى أنه قال على إثر هذه: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً.

والثالث: يحتمل قوله: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ ﴾ فلم أسمع أحداً ادعى البعث، ولا أقام حجة عليه، وأنا قد ادعيت البعث وأقمت على ذلك حجة، أفلا تعقلون هذا أني لم أخترع من عند نفسي؟!

وقوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ ﴾ : يشبه أن هذا صلة قوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ أي كيف تطلبون مني إتيان غيره وتبديل أحكامه وقد تعرفون قبح الكذب وفحشه فكيف تسألونني الافتراء على الله وتكذيب آياته؟

ويحتمل أن يكون صلة ما ادعوا عليه أنه افتراه من [عند] نفسه؛ يقول: إنكم لم تأخذوني بكذب قط، وقد لبثت فيكم عمرا فكيف تنسبوني إلى الكذب على الله، وقد عرفتم قبح الكذب على الله وفحشه؟!

ويحتمل على الابتداء ثم قد ذكرنا أن قوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ استفهام، فجوابه ما قاله أهل التأويل: لا أحد أبين ظلما ولا أفحش ممن افترى على الله كذباً، لا أن تفسيره ما قالوه، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.

﴿ أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ ﴾ : الافتراء على الله تكذيب بآياته، وتكذيب آياته افتراء على الله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويعبد المشركون من دون الله آلهة مزعومة، لا تنفع ولا تضر، والمعبود بالحق ينفع ويضر متى شاء، ويقولون عن معبوداتهم: هؤلاء وسطاء يشفعون لنا عند الله فلا يعذبنا بذنوبنا، قل لهم -أيها الرسول-: أتخبرون الله العليم أن له شريكًا، وهو لا يعلم له شريكًا في السماوات ولا في الأرض، تَقَدَّس وتَنَزَّه عما يقوله المشركون من الباطل والكذب.

<div class="verse-tafsir" id="91.3K1Me"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل