الآية ١٩ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٩ من سورة يونس

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 66 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس ، كائن بعد أن لم يكن ، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد ، وهو الإسلام ؛ قال ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون ، كلهم على الإسلام ، ثم وقع الاختلاف بين الناس ، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان ، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة ، ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ) [ الأنفال : 42 ] .

وقوله : ( ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ) أي : لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه ؛ وأنه قد أجل الخلق إلى أجل معدود لقضى بينهم فيما فيه اختلفوا ، فأسعد المؤمنين ، وأعنت الكافرين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما كان الناس إلا أهل دين واحد وملة واحدة فاختلفوا في دينهم، فافترقت بهم السبل في ذلك ، ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) ، يقول: ولولا أنه سبق من الله أنه لا يهلك قوما إلا بعد انقضاء آجالهم ، " لقضي بينهم فيما فيه يختلفون " يقول: لقضي بينهم بأن يُهلِك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق .

(28) * * * وقد بينا اختلاف المختلفين في معنى ذلك في " سورة البقرة "، وذلك في قوله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ، [سورة البقرة: 213] ، وبينا الصواب من القول فيه بشواهده ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(29) 17589- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا) ، حين قتل أحدُ ابني آدم أخاه.

17590- حدثني المثنى قال ، حدثنا القاسم قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، بنحوه.

17591- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.

------------------------- الهوامش : (28) انظر تفسير " قضى " فيما سلف من فهارس اللغة ( قضى ) .

(29) انظر ما سلف 4 : 275 - 280 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون تقدم في " البقرة " معناه فلا معنى للإعادة .

وقال الزجاج : هم العرب كانوا على الشرك .

وقيل : كل مولود يولد على الفطرة ، فاختلفوا عند البلوغ .

ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون إشارة إلى القضاء والقدر ; أي لولا ما سبق في حكمه أنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة لقضي بينهم في الدنيا ، فأدخل المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين النار بكفرهم ، ولكنه سبق من الله الأجل مع علمه بصنيعهم فجعل موعدهم القيامة ; قاله الحسن .

وقال أبو روق : لقضي بينهم لأقام عليهم الساعة .

وقيل : لفرغ من هلاكهم .

وقال الكلبي : " الكلمة " أن الله أخر هذه الأمة فلا يهلكهم بالعذاب في الدنيا إلى يوم القيامة ، فلولا هذا التأخير لقضي بينهم بنزول العذاب أو بإقامة الساعة .

والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في تأخير العذاب عمن كفر به .

وقيل : الكلمة السابقة أنه لا يأخذ أحدا إلا بحجة وهو إرسال الرسل ; كما قال : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقيل : الكلمة قوله : سبقت رحمتي غضبي ولولا ذلك لما أخر العصاة إلى التوبة .

وقرأ عيسى " لقضى " بالفتح .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً‏}‏ متفقين على الدين الصحيح، ولكنهم اختلفوا، فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه‏.‏ ‏{‏وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ‏}‏ بإمهال العاصين وعدم معاجلتهم بذنوبهم، ‏{‏لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏}‏ بأن ننجي المؤمنين، ونهلك الكافرين المكذبين، وصار هذا فارقا بينهم ‏{‏فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ ولكنه أراد امتحانهم وابتلاء بعضهم ببعض، ليتبين الصادق من الكاذب‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وما كان الناس إلا أمة واحدة ) أي : على الإسلام .

وقد ذكرنا الاختلاف فيه في سورة البقرة ( فاختلفوا ) وتفرقوا إلى مؤمن وكافر ، ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) بأن جعل لكل أمة أجلا .

وقال الكلبي : هي إمهال هذه الأمة وأنه لا يهلكهم بالعذاب في الدنيا ، ( لقضي بينهم ) بنزول العذاب وتعجيل العقوبة للمكذبين ، وكان ذلك فصلا بينهم ، ( فيما فيه يختلفون ) وقال الحسن : ولولا كلمة سبقت من ربك مضت في حكمه أنه : لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة ، لقضي بينهم في الدنيا فأدخل المؤمن الجنة والكافر النار ، ولكنه سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما كان الناس إلا أمة واحدة» على دين واحد وهو الإسلام، من لدن آدم إلى نوح، وقيل من عهد إبراهيم إلى عمرو بن لحيِّ «فاختلفوا» بأن ثبت بعض وكفر بعض «ولولا كلمة سبقت من ربك» بتأخير الجزاء إلى يوم القيامة «لقضي بينهم» أي الناس في الدنيا «فيما فيه يختلفون» من الدين بتعذيب الكافرين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كان الناس على دين واحد وهو الإسلام، ثم اختلفوا بعد ذلك، فكفر بعضهم، وثبت بعضهم على الحق.

ولولا كلمة سبقت من الله بإمهال العاصين وعدم معاجلتهم بذنوبهم لقُضِيَ بينهم: بأن يُهْلك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن عبادة الناس لغيره - تعالى - إنما حدثت بعد أن اختلفووا واتبعوا الهوى .

فقال :( وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا .

.

.

)المراد بالناس : الجنس البشرى كله فى جملته ، فإنهم كانوا أمة واحدة .

ثم كثروا وتفرقوا وصاروا شعوبا وقبائل .ويرى بعض المفسرين أن المراد بالناس هنا : العرب خاصة ، فإنهم كانوا حنفاء على ملة إبراهيم ، إلى أن ظهر فيهم عمرو بن لحى الذي ابتدع لهم عبادة الأصنام .قال الآلوسى : " قوله ( وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا ) أى : وما كان الناس كافة من أول الأمر إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير اختلاف ، وروى هذا عن ابن عباس والسدى ومجاهد .

.

وذلك من عهد آدم - عليه السلام - إلأى أن قتل قابيل هابيل .

وقيل إلى زمن إدريس - عليه السلام - وقيل إلى زمن نوح .

وقيل كانا كذلك فى زمنه - عليه السلام - بعد أن لم يبق على الأرض من الكافرين ديار إلى أن ظهر بينهم الكفر .وقيل : من لدن إبراهيم - عليه السلام - إلى أن أظهر عمرو بن لحي عبادة الأصنام ، وهو المروى عن عطاء .

وعليه فالمراد من الناس العرب خاصة ، وهو الأنسب بإبراد الآية الكريمة إثر حكاية ما حكى عنهم من رذائل ، وتنزيه ساحة الكبرياء عن ذلك .وقوله : ( فاختلفوا ) أى ما بين ضال ومهتد ، فبعث الله إليهم رسله ، ليبشروا المهتدين بجزيل الثواب ، ولينذروا الضالين بسوء العقاب .والفاء للتعقيب ، وهى لا تنافي امتداد زمان اتفاقهم على الحق ، لأن المراد بيان أن ووقع الاختلاف بينهم إنما حدث عقيب انتهاء مدة الاتفاق ، لا عقيب حدوثه .والمراد بالكلمة فى قوله : ( وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ .

.

.

) ما قضاه الله - تعالى - وأراده من تأخير الحكم بين المؤمنين وغيرهم إلى يوم القيامة .أى : ولولا كلمة سبقت من ربك بتأخير القضاء بين الطائعين والعاصين إلى يوم القيامة ، لقضي بينهم - سبحانه - فى هذه الدنيا .

فيما كانوا يختلفون فيه وذلك بأن يعجل للكافرين والعصاة العقوبة فى الدنيا قبل الآخرة ، ولكنه - سبحانه - اقتضت حكمته عدم تعجيل العقوبة فى الدنيا ، وأن يجعل الدار الآخرة هي دار الجزاء والثواب والعقاب .وقد تضمنت هذه الآية الكريمة الوعيد الشديد على الاختلاف المؤدي إلى التفرقة فى الدين ، وإلى الشقاق والنزاع ، كما تضمنت تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من قومه : فكأنه - سبحانه - يقول إن الاختلاف من طبيعة البشر ، فلا تنتظر من الناس جميعا أن يكونوا مؤمنين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام، بين السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد، والمقالة الباطلة، فقال: ﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ واعلم أن ظاهر قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ لا يدل على أنهم أمة واحدة فيماذا؟

وفيه ثلاثة أقوال: القول الأول: أنهم كانوا جميعاً على الدين الحق، وهو دين الإسلام، واحتجوا عليه بأمور: الأول: أن المقصود من هذه الآيات بيان كون الكفر باطلاً، وتزييف طريق عبادة الأصنام، وتقرير أن الإسلام هو الدين الفاضل، فوجب أن يكون المراد من قوله: ﴿ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة ﴾ هو أنهم كانوا أمة واحدة، إما في الإسلام وإما في الكفر، ولا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر.

فبقي أنهم كانوا أمة واحدة في الإسلام، إنما قلنا إنه لا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر لوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ  ﴾ وشهيد الله لابد وأن يكون مؤمناً عدلاً.

فثبت أنه ما خلت أمة من الأمم إلا وفيهم مؤمن.

الثاني: أن الأحاديث وردت بأن الأرض لا تخلو عمن يعبد الله تعالى، وعن أقوام بهم يمطر أهل الأرض وبهم يرزقون.

الثالث: أنه لما كانت الحكمة الأصلية في الخلق هو العبودية، فيبعد خلو أهل الأرض بالكلية عن هذا المقصود.

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقية من أهل الكتاب» وهذا يدل على قوم تمسكوا بالإيمان قبل مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر؟

وإذا ثبت أن الناس كانوا أمة واحدة إما في الكفر وإما في الإيمان، وأنهم ما كانوا أمة واحدة في الكفر، ثبت أنهم كانوا أمة واحدة في الإيمان، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنهم متى كانوا كذلك؟

فقال ابن عباس ومجاهد كانوا على دين الإسلام في عهد آدم وفي عهد ولده، واختلفوا عند قتل أحد ابنيه الابن الثاني، وقال قوم: إنهم بقوا على دين الإسلام إلى زمن نوح، وكانوا عشرة قرون.

ثم اختلفوا على عهد نوح.

فبعث الله تعالى إليهم نوحاً.

وقال آخرون: كانوا على دين الإسلام في زمن نوح بعد الغرق، إلى أن ظهر الكفر فيهم.

وقال آخرون: كانوا على دين الإسلام من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحي، وهذا القائل قال: المراد من الناس في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ فاختلفوا العرب خاصة.

إذا عرفت تفصيل هذا القول فنقول: إنه تعالى لما بين فيما قبل فساد القول بعبادة الأصنام بالدليل الذي قررناه، بين في هذه الآية أن هذا المذهب ليس مذهباً للعرب من أول الأمر، بل كانوا على دين الإسلام، ونفي عبادة الأصنام.

ثم حذف هذا المذهب الفاسد فيهم، والغرض منه أن العرب إذا علموا أن هذا المذهب ما كان أصلياً فيهم، وأنه إنما حدث بعد أن لم يكن، لم يتعصبوا لنصرته، ولم يتأذوا من تزييف هذا المذهب، ولم تنفر طباعهم من إبطاله.

ومما يقوي هذا القول وجهان: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله  ﴾ ثم بالغ في إبطاله بالدليل.

ثم قال عقيبه: ﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ فلو كان المراد منه بيان أن هذا الكفر كان حاصلاً فيهم من الزمان القديم، لم يصح جعل هذا الكلام دليلاً على إبطال تلك المقالة.

أما لو حملناه على أن الناس في أول الأمر كانوا مسلمين، وهذا الكفر إنما حدث فيهم من زمان، أمكن التوسل به إلى تزييف اعتقاد الكفار في هذه المقالة، وفي تقبيح صورتها عندهم، فوجب حمل اللفظ عليه تحصيلاً لهذا الغرض.

الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ ﴾ ولا شك أن هذا وعيد، وصرف هذا الوعيد إلى أقرب الأشياء المذكورة أولى، والأقرب هو ذكر الاختلاف، فوجب صرف هذا الوعيد إلى هذا الاختلاف، لا إلى ما سبق من كون الناس أمة واحدة، وإذا كان كذلك، وجب أن يقال: كانوا أمة واحدة في الإسلام لا في الكفر، لأنهم لو كانوا أمة واحدة في الكفر لكان اختلافهم بسبب الإيمان، ولا يجوز أن يكون الاختلاف الحاصل بسبب الإيمان سبباً لحصول الوعيد.

أما لو كانوا أمة واحدة في الإيمان لكان اختلافهم بسبب الكفر، وحينئذ يصح جعل ذلك الاختلاف سبباً للوعيد.

القول الثاني: قول من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الكفر، وهذا القول منقول عن طائفة من المفسرين.

قالوا: وعلى هذا التقدير ففائدة هذا الكلام في هذا المقام هي أنه تعالى بين للرسول عليه الصلاة والسلام، أنه لا تطمع في أن يصير كل من تدعوه إلى الدين مجيباً لك، قابلاً لدينك.

فإن الناس كلهم كانوا على الكفر، وإنما حدث الإسلام في بعضهم بعد ذلك، فكيف تطمع في اتفاق الكل على الإيمان؟

القول الثالث: قول من يقول: المراد إنهم كانوا أمة واحدة في أنهم خلقوا على فطرة الإسلام، ثم اختلفوا في الأديان.

وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».

ومنهم من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الشرائع العقلية، وحاصلها يرجع إلى أمرين: التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله.

وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً  ﴾ واعلم أن هذه المسألة قد استقصينا فيها في سورة البقرة، فلنكتف بهذا القدر هاهنا.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ فاعلم أنه ليس في الآية ما يدل على أن تلك الكلمة ما هي؟

وذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن يقال لولا أنه تعالى أخبر بأنه يبقى التكليف على عباده، وإن كانوا به كافرين، لقضى بينهم بتعجيل الحساب والعقاب لكفرهم، لكن لما كان ذلك سبباً لزوال التكليف، ويوجب الإلجاء، وكان إبقاء التكليف أصوب وأصلح، لا جرم أنه تعالى أخر هذا العقاب إلى الآخرة.

ثم قال هذا القائل، وفي ذلك تصبير للمؤمنين على احتمال المكاره من قبل الكافرين والظالمين.

الثاني: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ ﴾ في أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة إنعاماً عليهم، لقضى بينهم في اختلافهم، بما يمتاز المحق من المبطل والمصيب من المخطئ الثالث: أن تلك الكلمة هي قوله: سبقت رحمتي غضبي فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة إسبال الستر على الجاهل الضال وإمهاله إلى وقت الوجدان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ حنفاء متفقين على ملة واحدة من غير أن يختلفوا بينهم، وذلك في عهد آدم إلى أن قتل قابيل هابيل.

وقيل: بعد الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين دياراً ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ ﴾ وهوتأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة ﴿ لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ ﴾ عاجلاً فيما اختلفوا فيه، ولميز المحق من المبطل، وسبق كلمته بالتأخير لحكمة أوجبت أن تكون هذه الدار دار تكليف، وتلك دار ثواب وعقاب.

وقالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ ﴾ أرادوا آية من الآيات التي كانوا يقترحونها وكانوا لا يعتدّون بما أنزل عليه من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر بديعة غريبة في الآيات، دقيقة المسلك من بين المعجزات، وجعلوا نزولها كلا نزول، وكأنه لم ينزل آية قط، حتى قالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ رَبَّهُ ﴾ ، وذلك لفرط عنادهم وتماديهم في التمرّد وانهماكهم في الغيّ ﴿ فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ ﴾ أي هو المختصّ بعلم الغيب المستأثر به لا علم لي ولا لأحد به، يعني أنّ الصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب لا يعلمه إلاّ هو ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه ﴿ إِنّى مَعَكُم مّنَ المنتظرين ﴾ لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مُوَحَّدِينَ عَلى الفِطْرَةِ أوْ مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ، وذَلِكَ في عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ أوْ بَعْدَ الطُّوفانِ، أوْ عَلى الضَّلالِ في فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ.

﴿ فاخْتَلَفُوا ﴾ بِاتِّباعِ الهَوى والأباطِيلِ، أوْ بِبَعْثِهِ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَبِعَتْهم طائِفَةٌ وأصَرَّتْ أُخْرى.

﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ بِتَأْخِيرِ الحُكْمِ بَيْنَهم أوِ العَذابِ الفاصِلِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ والجَزاءِ.

﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ عاجِلًا.

﴿ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ بِإهْلاكِ المُبْطِلِ وإبْقاءِ المُحِقِّ.

﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ أيْ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها.

﴿ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ ﴾ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِهِ فَلَعَلَّهُ يَعْلَمُ في إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ مِن مَفاسِدِ تَصَرِّفٍ عَنْ إنْزالِها.

﴿ فانْتَظِرُوا ﴾ لِنُزُولِ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ.

﴿ إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ ﴾ لِما يَفْعَلُ اللَّهُ بِكم بِجُحُودِكم ما نَزَلَ عَلَيَّ مِنَ الآياتِ العِظامِ واقْتِراحِكم غَيْرَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} حنفاء متفقين على ملة واحدة من غير أن يختلفوا بينهم وذلك في عهد آدم عليه السلام إلى أن قتل قابيل هابيل أو بعد الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين دياراً {فاختلفوا} فصاروا مللاً {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} وهو تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} عاجلاً {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيما اختلفوا فيه وليميز المحق من المبطل وسبق كلمته لحكمة وهي أن هذه الدار تكليف وتلك الدار دار

يونس (٢٠ _ ٢٢)

ثواب وعقاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ أيْ وما كانَ النّاسُ كافَّةً مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ والتَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ والجِبائِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً عَلى هُدًى) وذَلِكَ مِن عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ وقِيلَ: إلى زَمَنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ: إلى زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانُوا عَشَرَةَ قُرُونٍ وقِيلَ: كانُوا كَذَلِكَ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَبْقَ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارٌ إلى أنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمُ الكُفْرُ وقِيلَ: مِن لَدُنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ أظْهَرَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ عِبادَةَ الأصْنامِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَطاءٍ وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِنَ ﴿ النّاسُ ﴾ العَرَبُ خاصَّةً وهو الأنْسَبُ بِإيرادِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إثْرَ حِكايَةِ ما حُكِيَ مِنهم مِنَ الهَناتِ وتَنْزِيهِ ساحَةِ الكِبْرِياءِ عَنْ ذَلِكَ.

﴿ فاخْتَلَفُوا ﴾ بِأنْ كَفَرَ بَعْضُهم وثَبَتَ الآخَرُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ فَخالَفَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الآخَرَ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ وهي لا تُنافِي امْتِدادَ زَمانٍ الِاتِّفاقِ إذِ المُرادُ بَيانُ وُقُوعِ الِاخْتِلافِ عَقِيبَ انْصِرامِ مُدَّةِ الِاتِّفاقِ لا عَقِيبَ حُدُوثِهِ ﴿ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ بِتَأْخِيرِ القَضاءِ بَيْنَهُمِ أوِ العَذابِ الفاصِلِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمَ الفَصْلِ والجَزاءِ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ عاجِلًا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 19﴾ بِأنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ آياتٍ مُلْجِئَةً إلى اتِّباعِ الحَقِّ ورَفْعِ الِاخْتِلافِ أوْ بِأنْ يُهْلِكَ المُبْطِلَ ويُبْقِيَ المُحِقَّ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ ووَجْهُ ارْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّها كالتَّأْكِيدِ لِما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ التَّوْحِيدَ هو الدِّينُ الحَقُّ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهُ مِلَّةٌ قَدِيمَةٌ اجْتَمَعَتْ عَلَيْها الأُمَمُ قاطِبَةً وأنَّ الشِّرْكَ وفُرُوعَهُ جَهالاتٌ ابْتَدَعَها الغُواةُ خِلافًا لِلْجُمْهُورِ وشَقًّا لِعَصا الجَماعَةِ وقِيلَ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ فِيما قَبْلُ فَسادَ القَوْمِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وبَيَّنَ في هَذِهِ أنَّ هَذا المَذْهَبَ لَيْسَ مَذْهَبًا لِلْعَرَبِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بَلْ كانُوا عَلى الدِّينِ الحَقَّ الخالِي عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وإنَّما حَدَثَتْ فِيهِمْ عِبادَتُها بِتَسْوِيلِ الشَّياطِينِ قِيلَ: والغَرَضُ مِن ذَلِكَ أنَّ العَرَبَ إذا عَلِمُوا أنَّ ما هم عَلَيْهِ اليَوْمَ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ فِيهِمْ وإنَّما حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَتَعَصَّبُوا لِنُصْرَتِهِ ولَمْ يَتَأذَّوْا مِن تَزْيِيفِهِ وإبْطالِهِ وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً اتِّفاقُهم عَلى الكُفْرِ وذَلِكَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ إلّا أنَّهُ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ مِن لَدُنْ وفاةِ آدَمَ إلى زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ثُمَّ آمَنَ مَن آمَنَ وبَقِيَ مَن بَقِيَ عَلى الكُفْرِ وفائِدَةُ إيرادِ هَذا الكَلامِ في هَذا المَقامِ تَسْلِيَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَطْمَعْ في أنْ يَصِيرَ كُلُّ مَن تَدْعُوهُ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ مُجِيبًا لَكَ قابِلًا لِدِينِكَ فَإنَّ النّاسَ كُلَّهم كانُوا عَلى الكُفْرِ وإنَّما حَدَثَ الإيمانُ في بَعْضِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَيْفَ تَطْمَعُ في اتِّفاقِ الكُلِّ عَلَيْهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا خُلُوُّ الأرْضِ في عَصْرٍ عَنْ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ تَعالى عارِفٍ بِهِ وقَدْ قالُوا: إنَّ الأرْضَ في كُلِّ وقْتٍ لا تَخْلُو عَنْ ذَلِكَ وأُجِيبُ بِأنَّ عَدَمَ الخُلُوِّ في حَيِّزِ المَنعِ فَقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ النّاسَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِمْ مَن يَقُولُ اللَّهُ اللَّهُ وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ المُرادِ بِالِاتِّفاقِ عَلى الكَفْرِ اتِّفاقُ الأكْثَرِ والحَقُّ أنَّ هَذا القَوْلَ في حَدِّ ذاتِهِ ضَعِيفٌ فَلا يَنْبَغِي دَفْعُ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ وأضْعَفَ مِنهُ بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ كَوْنُ المُرادِ أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا بِأنْ أحْدَثَ كُلٌّ مِنهم مِلَّةً عَلى حِدَةٍ مِن مِلَلِ الكُفْرِ مُخالَفَةً لِمِلَّةِ الآخَرِ لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ في ذَلِكَ الِاخْتِلافِ إذْ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُبْطِلٌ حِينَئِذٍ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقْضى بَيْنَهُما بِإبْقاءِ المُحِقِّ وإهْلاكِ المُبْطِلِ أوْ بِإلْجاءِ أحَدِهِما إلى اتِّباعِ الحَقِّ لِيَرْتَفِعَ الِاخْتِلافُ كَما لا يَخْفى هَذا * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ الر ﴾ -ا- إشارَةٌ إلى الذّاتِ الَّذِي هو أوَّلُ الوُجُودِ و(ل) إشارَةٌ إلى العَقْلِ المُسَمّى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوْسَطُ الوُجُودِ الَّذِي يَسْتَفِيضُ مِنَ المَبْدَأِ ويَفِيضُ إلى المُنْتَهى و(ر) إشارَةٌ إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي هي الذّاتُ المُحَمَّدِيَّةُ وهي في الحَقِيقَةِ أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ لَكِنَّ الِاعْتِباراتِ مُخْتَلِفَةٌ وكَأنَّ ذَلِكَ قَسَمٌ مِنهُ تَعالى بِالحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ أوِ القُرْآنُ مِنَ الآيِ آياتُ الكِتابِ المُتْقَنِ وقِيلَ: المَعْنى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذِهِ الأحْرُفِ أرْكانُ كِتابِ الكُلِّ ذِي الحِكْمَةِ أوِ المُحْكَمِ ومُعْظَمُ تَفاصِيلِهِ ﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ ﴾ إنْكارٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِن سُنَّةِ اللَّهِ الجارِيَةِ وهي الإيحاءُ إلى رَجُلٍ وكانَ ذَلِكَ لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَقامِهِمْ وعَدَمِ مُناسَبَةِ حالِهِمْ لِحالِهِ ومُنافاةِ ما جاءَ بِهِ لِما اعْتَقَدُوهُ ﴿ أنْ أنْذِرِ النّاسَ ﴾ أيْ خَوِّفْهم مِن أنْ يُشْرِكُوا بِي شَيْئًا ﴿ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ سابِقَةً عَظِيمَةً وقُرْبَةً لَيْسَ لِأحَدٍ مِثْلُها وقِيلَ: سابِقَةَ رَحْمَةٍ أوْدَعَها في مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ قالَ الكافِرُونَ ﴾ أيِ المَحْجُوبُونَ عَنِ اللَّهِ تَعالى ﴿ إنَّ هَذا ﴾ أيِ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ لَمّا رَأوْهُ خارِجًا عَنْ قَدْرِهِمْ واحْتَجَبُوا بِالشَّيْطَنَةِ عَنِ الوُقُوفِ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ قالُوا ذَلِكَ ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ أيْ أوْقاتٍ مِقْدارُ كَلِّ يَوْمٍ مِنها دَوْرَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ مَرَّةً واحِدَةً كَما نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الأكْبَرُ والسِّتَّةُ عَدَدٌ تامٌّ واخْتارَهُ اللَّهُ تَعالى لِما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ ﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ أيِ المُلْكِ ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ فِيهِ عَلى وفْقِ حَكَمَتْهُ بِيَدِ قُدْرَتِهِ وقَدْ يُفَسَّرُ العَرْشُ بِقَلْبِ الكامِلِ فالكَلامُ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ الَّذِي انْطَوى فِيهِ العالَمُ بِأسْرِهِ ﴿ ما مِن شَفِيعٍ ﴾ يَشْفَعُ لِأحَدٍ بِدَفْعِ ما يَضُرُّهُ أوْ جَلْبِ ما يَنْفَعُهُ ﴿ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ بِمَوْهِبَةِ الِاسْتِعْدادِ بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ ﴿ ذَلِكُمُ ﴾ المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ ﴿ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ الَّذِي يَرُبُّكم ويُدَبِّرُ أمْرَكم فاعْبُدُوهُ فَخُصُّوهُ بِالعِبادَةِ واعْرِفُوهُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ ولا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ولا تَحْتَجِبُوا عَنْهُ تَعالى فَتَنْسُبُوا قَوْلَهُ وفِعْلَهُ إلى الشَّيْطانِ ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ آياتِهِ الَّتِي خَطَّها بِيَدِ قُدْرَتِهِ في صَحائِفِ الآفاقِ والأنْفُسِ فَتَتَفَكَّرُوا فِيها وتَنْزَجِرُوا عَنِ الشِّرْكِ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا ﴾ بِالعَوْدِ إلى عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ في القِيامَةِ الصُّغْرى أوْ إلى عَيْنِ جَمْعِ الذّاتِ بِالفَناءِ فِيهِ تَعالى عِنْدَ القِيامَةِ الكُبْرى كَذا قِيلَ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ مَرْجِعَ العاشِقِينَ جَمالُهُ ومَرْجِعَ العارِفِينَ جَلالُهُ ومَرْجِعَ المُوَحِّدِينَ كِبْرِياؤُهُ ومَرْجِعَ الخائِفِينَ عَظَمَتُهُ ومَرْجِعَ المُشْتاقِينَ وِصالُهُ ومَرْجِعَ المُحِبِّينَ دُنُوُّهُ ومَرْجِعَ أهْلِ العِنايَةِ ذاتُهُ وقالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ في الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى مِنهُ الِابْتِداءُ وإلَيْهِ الِانْتِهاءُ وما بَيْنَ ذَلِكَ مَرابِعُ فَضْلِهِ وتَواتُرُ نِعَمِهِ ﴿ وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ أيْ يَبْدَؤُهُ في النَّشْأةِ الأُولى ثُمَّ يُعِيدُهُ في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ أوْ يَبْدَأُ الخَلْقَ بِاخْتِفائِهِ وإظْهارِهِمْ ثُمَّ يُعِيدُهُ بِإفْنائِهِمْ وظُهُورِهِ ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ أيْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ المُؤْمِنَ والكافِرَ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ عَمَلُ كُلٍّ، ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً ﴾ أيْ جَعَلَ شَمْسَ الرُّوحِ ضِياءَ الوُجُودِ ﴿ والقَمَرَ ﴾ أيْ قَمَرَ القَلْبِ ﴿ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ ﴾ أيْ مَقاماتٍ ﴿ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ ﴾ أيْ سِنِي مَراتِبِكم وأطْوارِكم في المَسِيرِ إلَيْهِ وفِيهِ تَعالى ﴿ والحِسابَ ﴾ أيْ حِسابَ دَرَجاتِكم ومَواقِعِ أقْدامِكم في كُلِّ مَقامٍ ومَرْتَبَةٍ ويُقالُ: جَعَلَ شَمْسَ الذّاتِ ضِياءً لِلْأرْواحِ العارِفَةِ وجَعَلَ قَمَرَ الصِّفاتِ نُورًا لِلْقُلُوبِ العاشِقَةِ فَفَنِيَتِ الأرْواحُ بِصَوْلَةِ الذّاتِ في عَيْنِ الذّاتِ وبَقِيَتِ القُلُوبُ بِمُشاهَدَةِ الصِّفاتِ في عَيْنِ الصِّفاتِ وهَذِهِ الشَّمْسُ المُشارُ إلَيْها لا تَغِيبُ أصْلًا عَنْ بَصائِرِ الأرْواحِ ومِن هُنا قالَ قائِلُهُمْ: هِيَ الشَّمْسُ إلّا أنَّ لِلشَّمْسِ غَيْبَةً وهَذا الَّذِي نَعْنِيهِ لَيْسَ يَغِيبُ ﴿ إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ ﴾ أيْ غَلَبَةِ ظُلْمَةِ النَّفْسِ عَلى القَلْبِ ﴿ والنَّهارِ ﴾ أيْ نَهارِ إشْراقِ ضَوْءِ الرَّوْحِ عَلَيْهِ ﴿ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ ﴾ أيْ سَماواتِ الأرْواحِ ﴿ والأرْضِ ﴾ أيْ أرْضِ الأجْسادِ ﴿ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ حَجْبَ صِفاتِ النَّفْسِ الأمّارَةِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ ﴾ أيْ يُوصِلُهم إلى الجَنّاتِ الثَّلاثِ بِحَسَبِ نُورِ إيمانِهِمْ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ ﴾ كالبَيانِ لِذَلِكَ ﴿ دَعْواهُمْ ﴾ الِاسْتِعْدادِيُّ ﴿ فِيها ﴾ أيْ في تِلْكَ الجَنّاتِ ﴿ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ﴾ إشارَةٌ إلى تَنْزِيهِهِ تَعالى والتَّنْزِيهُ في الأوْلى عَنِ الشِّرْكِ في الأفْعالِ بِالبَراءَةِ عَنْ حَوْلِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وفي الثّانِيَةِ عَنِ الشِّرْكِ في الصِّفاتِ بِالِانْسِلاخِ عَنْ صِفاتِهِمْ وفي الثّالِثَةِ عَنِ الشِّرْكِ في الوُجُودِ بِفَنائِهِمْ و(تَحِيَّتُهُمْ) أيْ تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أوْ تَحِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى ﴿ فِيها سَلامٌ ﴾ أيْ إفاضَةُ أنْوارِ التَّزْكِيَةِ وإمْدادُ التَّصْفِيَةِ أوْ إشْراقُ أنْوارِ التَّجَلِّياتِ وإمْدادُ التَّجْرِيدِ وإزالَةُ الآفاتِ ﴿ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيْ آخِرُ ما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهم قِيامُهم بِاللَّهِ تَعالى في ظُهُورِ كَمالاتِهِ وصِفاتِ جَلالِهِ وجَمالِهِ عَلَيْهِمْ وهو الحَمْدُ الحَقِيقِيُّ مِنهُ ولَهُ سُبْحانَهُ ﴿ وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا ﴾ أيِ اسْتَغْرَقَ أوْقاتَهُ في الدُّعاءِ ﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ ﴾ هَذا وصْفُ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا حَقائِقَ العُبُودِيَّةِ في مَشاهِدِ الرُّبُوبِيَّةِ فَإنَّهم إذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ لَيْلُ البَلاءِ قامُوا إلى إيقادِ مِصْباحِ التَّضَرُّعِ فَإذا انْجَلَتْ عَنْهُمُ الغَياهِبُ بِسُطُوعِ أنْوارِ فَجْرِ الفَرَجِ نَسُوا ما كانُوا فِيهِ ومَرُّوا كَأنْ لَمْ يَدْعُوا مَوْلاهم إلى كَشْفِ ما عَناهُمْ كَأنَّ الفَتى لَمْ يُعِرْ يَوْمًا إذا اكْتَسى ولَمْ يَكْ صُعْلُوكًا إذا ما تَمَوَّلا ولَوْ كانُوا عارِفِينَ لَمْ يَبْرَحُوا دارَةَ التَّضَرُّعِ وإظْهارَ العُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى في كُلِّ حِينٍ ﴿ وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ عَلى الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْها مُتَوَجِّهِينَ إلى التَّوْحِيدِ مُتَنَوِّرِينَ بِنُورِ الهِدايَةِ الأصْلِيَّةِ ﴿ فاخْتَلَفُوا ﴾ بِمُقْتَضَياتِ النَّشْأةِ واخْتِلافِ الأمْزِجَةِ والأهْوِيَةِ والعاداتِ والمُخالَطاتِ ﴿ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ وهو قَضاؤُهُ سُبْحانَهُ الأزَلِيُّ بِتَقْدِيرِ الآجالِ والأرْزاقِ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ بِإهْلاكِ المُبْطِلِ وإبْقاءِ المُحِقِّ والمُرادُ أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى اقْتَضَتْ أنْ يَبْلُغَ كُلٌّ مِنهم وُجْهَتَهُ الَّتِي ولّى وجْهَهُ إلَيْها بِأعْمالِهِ الَّتِي يُزاوِلُها هو وإظْهارُ ما خَفِيَ في نَفْسِهِ وسُبْحانَ اللَّهِ الحَكِيمِ العَلِيمِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً قال مقاتل: وما كان الناس إلاّ على ملة واحدة، يعني: على عهد آدم، وعلى عهد نوح من بعد الغرق كانوا كلهم مسلمين.

فَاخْتَلَفُوا في الدين بعد ذلك.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً على عهد آدم، فاختلفوا حين قتل أحد ابني آدم أخاه، فتفرقوا مؤمناً وكافراً- وقال الكلبي: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً كافرة على عهد إبراهيم (١)  ، فتفرّقوا واختلفوا بعده، فآمن بعضهم وكفر بعضهم.

وقال الزجاج: وقيل أيضاً: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً يعني: ولدوا على الفطرة واختلفوا بعد الفطرة.

وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ- أي: لو أنَّ الله جعل لهم أجلا للقضاء بينهم (٢) (٣) (٤) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

(٣) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .

(٤) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: فَمَنْ أَظْلَمُ: استفهام وتقريرٌ، أي: لا أحد أظلم ممَّن افترى على اللَّه كذباً، أو ممَّن كذَّب بآياته بَعْد بيانها، والضمير في يَعْبُدُونَ لكفَّار قريش، وقولهم:

هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ: هذا قول النبلاء منهم، ثم أمر سبحانه نبيَّه أن يقرِّرهم ويوبِّخهم بقوله: أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، وذكر السموات لأن من العرب من يعبد الملائكَةَ والشِّعْرَى، وبحسب هذا حَسُنَ أن يقول:

هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا، وقيل: ذلك على تجوُّز في الأصنام التي لا تَعْقِلُ.

وقوله سبحانه: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا قالت فرقة: المراد آدم كان أُمة وحده، ثم اختلف الناس بعده، وقالت فرقة: المراد آدم وبنوه مِنْ لدن نزوله إلى قتل أحد ابنيه الآخَرَ، ويحتمل أن يريد: كان الناس صِنْفاً واحداً بالفِطْرة معدًّا للاهتداء، وقد تقدَّم الكلام علَى هذا في قوله سبحانه: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [البقرة: ٢١٣] .

وقوله سبحانه: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يريد: قضاءه وتقديره لبني آدم بالآجال المؤقَّتة، ويحتمل أنْ يريد: الكَلِمَةَ في أمر القيامة، وأنَّ العقابَ والثوابَ إِنما يكونُ حينئذٍ.

وقوله: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ أي: إِنْ شاء فَعَلَ، وإِن شاء لَمْ يَفْعَلْ.

وقوله: فَانْتَظِرُوا: وعيدٌ.

وقوله سبحانه: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ...

الآية: هذه الآية في الكفَّار، وهي بعْدُ تتناول من العُصَاةِ مَنْ لا يؤدي شكر اللَّه عند زوال المَكْروه عنه، ولا يرتدعُ بذلك عن معاصيه، وذلك في الناس كثيرٌ، والرحمة هنا بعد الضرَّاء كالمطر بعد القَحْط، والأمن بعد الخَوْف ونحو هذا ممَّا لا ينحصر، والمَكْر: الاستهزاء والطَّعْن عليها مِن الكُفَّار واطراح الشكر والخوف من العصاة.

وقال أبو عليٍّ: أَسْرَعُ من «سَرُعَ» لا من «أَسْرَعَ يُسْرِعُ» ، إِذ لو كان من «أَسْرَعَ» ، لكان شاذًّا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ﴾ قَدْ شَرَحْنا هَذا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢١٣) وأحْسَنُ الأقْوالِ أنَّهم كانُوا عَلى دِينٍ واحِدٍ مُوَحِّدِينَ، فاخْتَلَفُوا وعَبَدُوا الأصْنامَ، فَكانَ أوَّلَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ بِتَأْخِيرِ هَذِهِ الأُمَّةِ أنَّهُ لا يُهْلِكُهم بِالعَذابِ كَما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، لَقُضِيَ بَيْنَهم بِنُزُولِ العَذابِ، فَكانَ ذَلِكَ فَصْلًا بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ مِنَ الدِّينِ.

والثّانِي: أنَّ الكَلِمَةَ: أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلًا، ولِلدُّنْيا مُدَّةٌ لا يَتَقَدَّمُ ذَلِكَ عَلى وقْتِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ الكَلِمَةَ: أنَّهُ لا يَأْخُذُ أحَدًا إلّا بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما لَقُضِيَ بَيْنَهم بِإقامَةِ السّاعَةِ.

والثّانِي: بِنُزُولِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ الناسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِن المُنْتَظِرِينَ ﴾ ﴿ وَإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ آدَمُ، كانَ أُمَّةً واحِدَةً، ثُمَّ اخْتَلَفَ الناسُ بَعْدُ، وفي أمْرِ بَنِيهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ نَسَمُ بَنِيهِ إذِ اسْتَخْرَجَهُمُ اللهُ مِن ظَهْرِهِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ آدَمُ وبَنُوهُ مِن لَدُنْ نُزُولِهِ إلى قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْهِ الآخَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ: وما كانَ الناسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً في الضَلالَةِ والجَهْلِ بِاللهِ، فاخْتَلَفُوا فِرَقًا في ذَلِكَ بِحَسَبِ الجَهالَةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كانَ الناسُ صِنْفًا واحِدًا مُعَدًّا لِلِاهْتِداءِ، واسْتِيفاءُ القَوْلِ في هَذا مُتَقَدِّمٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً  ﴾ .

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَمْرٍو: "لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "لَقَضى" بِفَتْحِهِما عَلى الفِعْلِ الماضِي.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ يُرِيدُ قَضاءَهُ وتَقْدِيرَهُ لِبَنِي آدَمَ بِالآجالِ المُوَقَّتَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكَلِمَةَ في أمْرِ القِيامَةِ وأنَّ العِقابَ والثَوابَ إنَّما كانَ حِينَئِذٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ آيَةً تَضْطَرُّ الناسَ إلى الإيمانِ، وهَذا النَوْعُ مِنَ الآياتِ لَمْ يَأْتِ بِها نَبِيٌّ قَطُّ، ولا هي مُعْجِزاتٌ اضْطِرارِيَّةٌ، وإنَّما هي مُعَرَّضَةٌ لِلنَّظَرِ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ ويَضِلَّ آخَرُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ ﴾ إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، لا يَطَّلِعُ عَلى غَيْبِهِ أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ فانْتَظِرُوا ﴾ وعِيدٌ وقَدْ صَدَّقَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِنُصْرَتِهِ مُحَمَّدًا  ، قالَ الطَبَرِيُّ: في بَدْرٍ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أذَقْنا الناسَ ﴾ الآيَةُ، المُرادُ بِالناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ، وهي بَعْدُ تَتَناوَلُ مِنَ العاصِينَ مَن لا يُؤَدِّي شُكْرَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عِنْدَ زَوالِ المَكْرُوهِ عنهُ، ولا يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ عن مَعاصِيهِ، وذَلِكَ في الناسِ كَثِيرٌ.

والرَحْمَةُ هُنا بَعْدَ الضَرّاءِ كالمَطَرِ بَعْدَ القَحْطِ والأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ والصِحَّةِ بَعْدَ المَرَضِ ونَحْوِ هَذا مِمّا لا يَنْحَصِرُ، والمَكْرُ: الِاسْتِهْزاءُ والطَعْنُ عَلَيْها مِنَ الكُفّارِ واطِّراحُ الشُكْرِ والخَوْفِ مِنَ العُصاةِ، ووَصْفُ مَكْرِ اللهِ بِالسُرْعَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِدْراجُ بِمَهْلِهِمْ لِأنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ الناسُ: "إنَّ رُسُلَنا" بِضَمِّ السِينِ، وخَفَّفَ السِينَ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو عَمْرٍو.

ويُقالُ: "أسْرَعُ" مِن سَرُعَ، ولا يَكُونُ مِن أسْرَعَ يُسْرِعُ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، قالَ: ولَوْ كانَ مِن أسْرَعَ لَكانَ شاذًّا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللهِ  في نارِ جَهَنَّمَ: "لَهِيَ أسْوَدُ مِنَ القارِ"» وما حُفِظَ لِلنَّبِيِّ  فَلَيْسَ بِشاذٍّ.

وَقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: "تَمْكُرُونَ" بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، وشِبْلٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وطَلْحَةَ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ، والجَحْدَرِيِّ، وأيُّوبَ بْنِ المُتَوَكِّلِ، [وَقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ ] ورُوِيَتْ أيْضًا عن نافِعٍ، والأعْرَجِ: "يَمْكُرُونَ" عَلى الغَيْبَةِ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ: في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "يا أيُّها الناسُ إنَّ اللهَ أسْرَعُ مَكْرًا وإنَّ رُسُلَهُ لَدَيْكم يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ة معترضة بين جملة [يونس: 18] وجملة: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ [يونس: 20].

ومناسبة الاعتراض قوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ لأن عبادة الأصنام واختراع صفة الشفاعة لها هو من الاختلاف الذي أحدثه ضلال البشر في العقيدة السليمة التي فطر الله الناس عليها في أول النشأة، فهي مما يشمله التوبيخ الذي في قوله: ﴿ أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ﴾ [يونس: 18].

وصيغة القصر للمبالغة في تأكيد الخبر لأنه خبر مهم عجيب هو من الحِكم العُمرانية والحقائق التاريخية بالمكان الأسمى، إذ القصر تأكيد على تأكيد باعتبار اشتماله على صيغتي إثبات للمثبَت ونفي عما عداه، فهو أقوى من تأكيد رد الإنكار، ولذلك يؤذن برد إنكار شديد.

وحسَّن القصر هنا وقوعه عقب الجدال مع الذين غيروا الدين الحق وروجوا نحلتهم بالمعاذير الباطلة كقولهم: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18]، وقوله: ﴿ ما نبعدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ [الزمر: 3]، بخلاف آية سورة [البقرة: 213] ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ فإنها وقعت في سياق المجادلة مع أهل الكتاب لقوله: ﴿ سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ﴾ [البقرة: 211] وأهل الكتاب لا ينكرون أن الناس كانوا أمة واحدة.

فآية هذه السورة تشير إلى الوحدة الاعتقادية ولذلك عبر عن التفرق الطارئ عليها باعتبار الاختلاف المشعر بالمذمة والمعقب بالتخويف في قوله: ﴿ ولولا كلمة سبقت ﴾ إلى آخره، وآية سورة البقرة تشير إلى الوحدة الشرعية التي تجمعها الحنيفية الفطرية، ولذلك عبر عن التفرق الذي طرأ عليها بأن الله بعث النبيئين مبشرين ومنذرين، ثم جاء ذكر الاختلاف عرضاً عقب ذلك بقوله: ﴿ وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾ [البقرة: 213].

وأريد به الاختلاف بين أتباع الشرائع لقوله: ﴿ وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ﴾ [البقرة: 213].

وتقدم القول في ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ في سورة [البقرة: 213].

والناس: اسم جمع للبشر.

وتعريفه للاستغراق.

والأمة: الجماعة العظيمة التي لها حال واحد في شيء مَّا.

والمراد هنا أمة واحدة في الدين.

والسياق يدل على أن المراد أنها واحدة في الدين الحق وهو التوحيد لأن الحق هو الذي يمكن اتفاق البشر عليه لأنه ناشيء عن سلامة الاعتقاد من الضلال والتحْريف.

والإنسان لما أنشئ على فطرة كاملة بعيدة عن التكلف.

وإنما يتصور ذلك في معرفة الله تعالى دون الأعمال، لأنها قد تختلف باختلاف الحاجات، فإذا جاز أن يحدث في البشر الضلال والخطأ فلا يكون الضلال عاماً على عقولهم، فتعين أن الناس في معرفة الله تعالى كانوا أمة واحدة متفقين على التوحيد لأن الله لما فطر الإنسان فطره على عقل سليم موافق للواقع، ووَضَع في عقله الشعور بخالق وبأنه واحد وضعاً جِبلِّياً كما وضَع الإلهامات في أصناف الحيوان.

وتأيد ذلك بالوحي لأبي البشر وهو آدم عليه السلام.

ثم إن البشر أدخلوا على عقولهم الاختلاف البعيد عن الحق بسبب الاختلاق الباطل والتخيل والأوهام بالأقيسة الفاسدة.

وهذا مما يدخل في معنى قوله تعالى: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [التين: 4 6]، فتعين أن المراد في هذه الآية بكون الناس أمةً واحدة الوحدة في الحق، وأن المقصود مدح تلك الحالة لأن المقصود من هذه الآية بيان فساد الشرك وإثبات خطأ منتحليه بأن سلفهم الأول لم يكن مثلهم في فساد العقول، وقد كان للمخاطبين تعظيم لما كان عليه أسلافهم، ولأن صيغة القصر تؤذن بأن المراد إبطال زعم من يزعم غير ذلك.

ووقوعُه عقب ذكر من يعبدون من دون الله أصناماً لا تضرهم ولا تنفعهم يدل على أنهم المقصود بالإبطال، فإنهم كانوا يحسبون أن ما هم عليه من الضلال هو دين الحق، ولذلك صوروا إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام في الكعبة.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح «كَذبوا والله إِنْ استقسما بها قَطِ، وقرأ: ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ﴾ [آل عمران: 67]» وبهذا الوجه يجعل التعريف في ﴿ الناس ﴾ للاستغراق.

ويجوز أن يراد بالناس العربُ خاصة بقرينة الخطاب ويكون المراد تذكيرهم بعهد أبيهم إبراهيم عليه السلام إذ كان هو وأبناؤه وذريتهم على الحنيفية والتوحيدِ كما قال تعالى: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني بَراء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمةً باقية في عقبه لعلهم يرجعون ﴾ [الزخرف: 26 28]، أي في عقبه من العرب، فيكون التعريف للعهد.

وجملة: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ إخبار بأن الحق واحد، وأن ذلك الاختلاف مذموم، وأنه لولا أن الله أراد إمهال البشر إلى يوم الجزاء لأراهم وجه الفصل في اختلافهم باستيصال المُبطل وإبقاءِ المحق.

وهذه الكلمة أجملت هنا وأشير إليها في سورة [الشورى: 14] بقوله: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مُسمى لقضي بينهم.

﴾ والأجل: هو أجل بقاء الأمم، وذلك عند انقراض العالم، فالقضاء بينهم إذن مؤخر إلى يوم الحساب.

وأصرح من ذلك في بيان معنى (الكلمة) قولُه في سورة [هود: 118] ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمةُ ربك لأملأنَّ جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ وسيأتي بيانها.

وتقديم المجرور في قوله: فيما فيه يختلفون} للرعاية على الفاصلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتُخْبِرُونَهُ بِعِبادَةِ مَن لا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ ولا ما في الأرْضِ.

الثّانِي: أتُخْبِرُونَهُ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ ولَيْسَ يَعْلَمُ لَهُ شَرِيكًا في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ في النّاسِ ها هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهم أهْلُ السَّفِينَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهم مَن كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّهُ بَنُو آدَمَ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى الإسْلامِ حَتّى اخْتَلَفُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

الثّانِي: عَلى الكُفْرِ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الرُّسُلَ، وهَذا قَوْلٌ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّالِثُ: عَلى دِينٍ واحِدٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ فاخْتَلَفُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاخْتَلَفُوا في الدِّينِ فَمُؤْمِنٌ وكافِرٌ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

الثّانِي: هو اخْتِلافُ بَنِي آدَمَ حِينَ قَتَلَ قابِيلُ أخاهُ هابِيلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ في تَأْجِيلِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَقُضِيَ بَيْنَهم مِن تَعْجِيلِ العَذابِ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ في أنْ لا يُعاجِلَ العُصاةِ إنْعامًا مِنهُ يَبْتَلِيهِمْ بِهِ لَقَضى بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ بِأنْ يَضْطَرَّهم إلى مَعْرِفَةِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما كان الناس إلا أمة واحدة ﴾ قال: على الإِسلام.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ﴾ في قراءة ابن مسعود قال: كانوا على هدى.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ وما كان الناس إلا أمة واحدة ﴾ قال: آدم عليه السلام ﴿ واحدة فاختلفوا ﴾ قال: حين قتل أحد ابني آدم أخاه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وما كان الناس ﴾ الآية.

قال: كان الناس أهل دين واحد على دين آدم فكفروا، فلولا أن ربك أجلهم إلى يوم القيامة لقضى بينهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أي مجتمعة على دين واحد، قال عطاء، عن ابن عباس: يعني من لدن إبراهيم إلى أن غيّر الدين عمرو بن لحي، فاختلفوا واتخذوا الأصنام أربابًا وأندادًا مع الله (١) وقال الكلبي: يعني أمة كافرة على عهد إبراهيم، فاختلفوا فآمن بعضهم وكفر بعضهم (٢) وقال مجاهد: كانوا على ملة الإسلام إلى أن قتل أحد بني آدم أخاه (٣) (٤) وحكى الزجاج وابن الأنباري: أن الناس هاهنا العرب، وكان دينهم في أول دهرهم (٥) (٦) وقد ذكرنا الاختلاف في هذا في قوله: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً  ﴾ الآية (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس (٨) (٩) (١٠) (١١) ومعنى ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ [لفصل بينهم ﴿ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: بنزول العذاب (١٢) (١٣) وقال أبو روق: بإقامة الساعة (١٤) وقال الحسن: بإدخال المؤمنين الجنة بأعمالهم، والكافرين النار بكفرهم ولكنه (١٥) (١٦) وقال أهل المعاني: لولا كلمة سبقت من ربك في أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة إنعامًا عليهم في التأني بهم لقضي بينهم في اختلافهم بما يضطرهم إلى علم المحق من المبطل (١٧) (١) رواه الثعلبي في "تفسيره" 7/ 10 أ، عن عطاء، وانظر: "تفسير الوسيط" للمؤلف 2/ 542.

(٢) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع، "تفسير السمرقندي" 2/ 92.

(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" 7/ 9 أ، ورواه بنحوه ابن جرير في "تفسيره" 11/ 98، وابن أبي حاتم 6/ 1936، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 542.

(٤) رواه الثعلبي في نفس الموضع، وذكره أيضًا المصنف في "الوسيط" 2/ 542.

(٥) في (ى): (الدهر).

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 12 بنحوه، ولم أعثر على قول ابن الأنباري.

(٧) قال في هذا الموضع: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ الآية، قال ابن عباس: كان الناس على عهد إبراهيم -  - أمة واحدة كفارًا كلهم، وولد إبراهيم في جاهلية، فبعث الله إليهم إبراهيم وغيره من النبيين، وقال الحسن وعطاء: كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح أمة واحدة على ملة الكفر، قال ابن الأنباري على هذا القول: وإن كان فيما بينهم من لم يكن بهذا الوصف نحو هابيل وإدريس فإن الغالب كان الكفر، والحكم للأغلب، وقال الكلبي والواقدي: هم أهل سفينة نوح كانوا مؤمنين كلهم ثم اختلفوا.

(٨) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 210 من رواية الكلبي.

(٩) رواه الثعلبي 7/ 10 أ، والبغوي 4/ 127، والسمرقندي 2/ 92.

(١٠) لم أجده بهذا اللفظ، وقد ذكره هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 187 بلفظ: يعني المؤمنين والكافرين، لولا أن الله قضى ألا يحاسب بحساب الآخرة في الدنيا لحسابهم في الدنيا بحساب الآخرة.

ونحوه عند القرطبي 8/ 322.

(١١) لم أجد أحدًا من المفسرين المصنفين ذهب إلى هذا القول سوى المؤلف في "الوسيط" 2/ 542، وهذا القول فيه نظر إذ ليس للأمة ذكر في الآية، والضمير يعود إلى الناس في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ والمراد بهم عامة الناس أو العرب خاصة، كما بينه المؤلف، وقد ذهب ابن جرير 11/ 98، والبغوي 4/ 127، والسمرقندي 2/ 92، وابن عطية 7/ 123، وغيرهم إلى أن معنى الجملة: لولا أنه سبق من الله أن لا يهلك قومًا إلا بعد إنقضاء آجالهم المقدرة لقضي بين المختلفين.

(١٢) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 210 بمعناه، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 135، عن الكلبي، كما أشار إليه ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 17 دون تعيين القائل.

(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(١٤) رواه الثعلبي 7/ 10 أ.

(١٥) في (ى): (وقد).

(١٦) رواه الثعلبي 7/ 10 أ، والبغوي 4/ 127.

(١٧) ذكره الرازي في "تفسيره" 17/ 63 دون تعيين القائل، وبنحوه قال الزمخشري في "كشافه" 2/ 230، ولم أجده في كتب أهل المعاني.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً واحدة ﴾ تقدم في [البقرة: 213] في قوله: كان الناس أمة واحدة ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ ﴾ يعني القضاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لقضي إليهم ﴾ مبنياً للفاعل ﴿ أجلهم ﴾ بالنصب: ابن عامر ويعقوب.

الآخرون مبنياً للمفعول ورفع ﴿ أجلهم ﴾ أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام ﴿ لي أن ﴾ بفتح الياء وكذلك ﴿ إني أخاف ﴾ : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ نفسي أن ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ ولأدراكم ﴾ بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة.

وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا.

الباقون:مثله ولكن بالتفخيم.

﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ أجلهم ﴾ ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ أو قائماً ﴾ ط ﴿ مسه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ ليؤمنوا ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أو بدله ﴾ ط.

﴿ نفسي ﴾ ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد ﴿ إليّ ﴾ ط ج لمثل ما قلنا ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ به ﴾ ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى ﴿ من قبله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاختلفوا ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ فانتظروا ﴾ ج لاحتمال الابتداء أو التعليل ﴿ المنتظرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً  بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى.

ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ الآية.

وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف.

وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.

كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا.

قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير.

فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم.

وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر.

فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم.

وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه  وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب.

وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به.

ثم إن قوله ﴿ لو يعجل ﴾ كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله ﴿ فنذرهم ﴾ معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى.

ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ أي هذا الجنس ﴿ دعانا لجنبه ﴾ اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا.

وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه.

والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء.

ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها.

أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء.

قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر.

ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر.

وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله  : ﴿ هل أتى على الإنسان  ﴾ إلا أن يساعده نقل صحيح.

والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه.

قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب.

ومعنى ﴿ مرّ ﴾ مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه.

ومعنى ﴿ كأن لم يدعنا ﴾ كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ من تتبع الشهوات.

والمزين هو الله  أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً.

قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام.

والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا.

ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ﴿ ولقد أهلكنا القرون ﴾ وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ﴿ ولما ﴾ ظرف لأهلكنا والواو في ﴿ وجاءتهم ﴾ للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم ﴿ رسلهم ﴾ بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات.

وقوله: ﴿ وما كانوا ليؤمنوا ﴾ إما أن يكون عطفاً على ﴿ ظلموا ﴾ أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله  .

ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله  بقوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ أي استخلفناكم ﴿ في الأرض ﴾ بعد تلك القرون ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ خيراً أو شراً.

استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف".

قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار.

ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.

طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها.

فأمره الله  أن يقول في جوابهم ﴿ ما يكون لي ﴾ أي ما ينبغي وما يحل ﴿ أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى.

ثم أكد الجواب بقوله: ﴿ إن أتبع ﴾ أي ما أتبع ﴿ إلا ما يوحى إلي ﴾ إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل.

وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي.

ونقل عن ابن عباس أن قوله: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.

قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية.

فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين  ﴾ .

ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك.

ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله  وأنه غير مستبد في إيراده فقال: ﴿ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ﴾ ولا أعلمكم الله ﴿ به ﴾ على لساني.

ومن قرأ بلام الابتداء.

فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري.

وقرىء ﴿ لا أدرأكم به ﴾ بالهمزة.

ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع.

ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ﴿ فقد لبثت فيكم عمراً ﴾ أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل نزول القرآن ﴿ أفلا تعقلون ﴾ فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية.

وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول  إلى الله لم يكن أحد أظلم منه.

ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ﴾ إن لم يعبدوه ﴿ ولا ينفعهم ﴾ إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً.

وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون  ﴾ ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور.

تقول: ما علم الله ذلك مني.

والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط.

وفي قوله: ﴿ في السموات ولا في الأرض ﴾ تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم.

قوله: {  وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي  أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله  تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به.

ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا.

وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة  ﴾ والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لقضى بينهم ﴾ عاجلاً ولميز المحق من المبطل.

ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله: ﴿ لولا نزل عليه آية من ربه  ﴾ كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً.

﴿ فقال إنما الغيب لله ﴾ هو المختص بعلمه ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: ما لا يضرهم لو تركوا عبادته ولا ينفعهم إن عبدوه.

والثاني: ﴿ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ ﴾ أي: ما لا يملكون الضرر بهم، ﴿ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ أي: ولا يملكون جر النفع إليهم بسفههم في عبادتهم من لا يملك بهم دفع الضرر، ولا يملك جر النفع، وتركهم عبادة من به يكون جميع منافعهم وعذابهم، ومنه يكون كل خوف وضرّ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل هذا القول منهم تقليدا لآبائهم؛ كقولهم: ﴿ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ظنوا أن آباءهم لما تركوا وما هم عليه لم يعذبوا - أنهم على الحق، وأن الله قد رضي بذلك، أو قالوا ذلك لما لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله والقيام بخدمته، وقد يكون مثل هذا في ملوك الأرض أن كل أحد لا يرى نفسه يصلح لخدمة الملك، فيخدم من دونه المتصلين به رجاء أن يكون من خدمه شفيعا له عند الملك؛ فعلى ذلك هؤلاء طمعوا أن عبادتهم هؤلاء تقربهم إلى الله زلفى، ويكونون لهم شفعاء عند الله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: أتنبئون الله [أي أتخبرون الله] بما لا يعلم، أي: تعلمون أنه عالم، أي: أتعلمون من تَعْلَمون أنه يعلم ما ذكر وأنتم لا تعلمون ذلك، وقد تعلمون أنه لو كان كذلك لكان هو أعلم به منكم.

والثاني: أن تقولوا ما لا يعلم، أي: يعلم أنه ليس كما تقولون كقول الناس: ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون، أي: ما شاء ألا يكون لا يكون.

وقوله: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ : كلمة جعلت لإجلال الله عما يحتمله غيره من الأشكال والأضداد، ومن العيوب والآفات، وهو في هذا الموضع يتوجه إلى وجهين إذ كانوا يعبدون ما ذكر ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله، فيقول:  أن يجعل لأمثال أولئك شفاعة عنده؛ إذ الشفيع يكون من له منزلة وقدر عند من يشفع له، والمنزلة تكون [للعبيد بما يتعبدهم]، فيقومون بتوفير ما يحتمل وسعهم من العبادة، فأما من لا يحتمل التعبد فهو بعيد عما ذكر يعني  أن يجعل الشفاعة لمن ذكر دون الأنبياء والرسل، وهم قد أخبروا أنها لا تملك ضرا ولا نفعاً، وفي الشفاعة ذلك.

والثاني: أن يكون عما أشركوا في العبادة، ف  عن أن يكون معه معبود أو يأذن لأحد بعبادة غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أي: أهل مكة كانوا كلهم أهل شرك عبّاد الأصنام والأوثان، لم يكن فيهم اليهودية ولا النصرانية ولا شيء من اختلاف المذاهب، فلما بعث محمد  اختلفوا: فمنهم من آمن به وصدقه وأخلص دينه لله، ومنهم من عاند وكابر في تكذيبه بعد أن عرف أنه رسول الله ومنهم من شك فيه، ومنهم من لم ينظر في أمره قط ولا تفكر فيه؛ فصاروا أربع فرق.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، بالفطرة، أي: كانوا جميعاً على الفطرة، وفي فطرة كل [أحد] الشهادة على وحدانية الله  وألوهيته؛ كقوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا  ﴾ في خلقة كل أحد الشهادة لله بالوحدانية له والألوهية فاختلفوا: فمنهم من كان على تلك الفطرة، ومنهم من كذب واختار الكفر، وهو ما روي: "كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه وينصرانه" أخبر أنهم على الفطرة لو تركوا على ذلك، لكن أبويه يمنعانه عن الكون عليها.

وقيل: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أي: كان الخلائق جملة أمم؛ كقوله: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ  ﴾ كأنه يعاتب هذه الأمة يقول: إن الأمم مع اختلاف جواهرها وأجناسها كانوا خاضعين لله مخلصين له، فأنتم أيها الناس أمة من تلك الأمم، فكيف اختلفتم وأشركتم غيره في ألوهيته وربوبيته، مع ما ركب فيكم من العقول والتمييز بين ما هو حكمة وما هو سفه، وقد فضلكم على غيرها من الأمم في خلق ما خلق في السماوات وما في الأرض لكم، وسخر لكم ذلك كله ما لم يفعل ذلك بغيرنا من الأمم؟!

ومنهم من قال من أهل التأويل في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ : زمن نوح: نوح ومن دخل معه في السفينة كانوا على دين واحد، فاختلفوا بعدما خرجوا.

ومنهم من قال: آدم فاختلف أولاده.

ومنهم من قال: زمن إبراهيم.

لكنا لا نشهد كيف كان الأمر، فلا نعلم إلا بخبر عن الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ قيل: لولا أن من حكمه ألا يعذب هذه الأمة عند تكذيبهم الآيات إذا سألوها وإلا لأهلكها كما أهلك الأمم الخالية بتكذيبهم الآيات عند السؤال، ولكن أخر تعذيب هذه الأمة إلى يوم القيامة.

والثاني: سبقت من ربك ألا يستأصل هذه الأمة عند تكذيبهم الرسل والعناد لهم أحد التأويلين في ترك استئصالهم، والآخر في تأخير العذاب عنهم إلى وقت.

وقوله: ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ ببيان يضطرهم إلى القبول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ ﴾ : جوابه - والله أعلم - ما ذكر: لولا كلمة سبقت من ربك ألا يعذب هذه الأمة بتكذيبهم الآيات عند سؤالها، وإلا لعذبتم أنتم كما عذبت الأمم الخالية بتكذيبهم الآيات عند السؤال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ ﴾ : أي: إنكم تعلمون أن علم الغيب لله، وقد أنزل من الآيات ما يبين ويدل على رسالتي.

وقوله: ﴿ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ﴾ قيل: انتظروا هلاكي إني منتظر هلاككم؛ لأنهم كانوا يوعدونه الهلاك.

وقيل: انتظروا مواعيد الشيطان إني منتظر مواعيد الله، وهو حرف وعيد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما كان الناس إلا أمة واحدة مؤمنة موحدة فاختلفوا، فمنهم من بقي مؤمنًا، ومنهم من كفر، ولولا ما مضى من قضاء الله أنَّه لا يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه في الدنيا، وإنما يحكم بينهم فيه يوم القيامة، لولا ذلك لحكم بينهم في الدنيا فيما يختلفون فيه، فيتبين المهتدي من الضال.

<div class="verse-tafsir" id="91.Z0mwy"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر