الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٧ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 48 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراما ( ممن افترى على الله كذبا ) وتقول على الله ، وزعم أن الله أرسله ، ولم يكن كذلك ، فليس أحد أكبر جرما ولا أعظم ظلما من هذا ، ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء ، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء !
فإن من قال هذه المقالة صادقا أو كاذبا ، فلا بد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما وأظهر من الشمس ، فإن الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذاب [ لعنه الله ] لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى ووقت نصف الليل في حندس الظلماء ، فمن سيما كل منهما وكلامه وفعاله يستدل من له بصيرة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وكذب مسيلمة الكذاب ، وسجاح ، والأسود العنسي .
قال عبد الله بن سلام : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس ، فكنت فيمن انجفل ، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب ، فكان أول ما سمعته يقول : " يا أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، [ وصلوا الأرحام ] وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلون الجنة بسلام " .
ولما قدم ضمام بن ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه بني سعد بن بكر قال لرسول الله فيما قال له من رفع هذه السماء ؟
قال : " الله " .
قال : ومن نصب هذه الجبال ؟
قال : " الله " .
قال : ومن سطح هذه الأرض ؟
قال : " الله " .
قال : فبالذي رفع هذه السماء ، ونصب هذه الجبال ، وسطح هذه الأرض : الله أرسلك إلى الناس كلهم ؟
قال : " اللهم نعم " ثم سأله عن الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصيام ، ويحلف عند كل واحدة هذه اليمين ، ويحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : صدقت ، والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص .
فاكتفى هذا الرجل بمجرد هذا ، وقد أيقن بصدقه ، صلوات الله وسلامه عليه ، بما رأى وشاهد من الدلائل الدالة عليه ، كما قال حسان بن ثابت : لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر وأما مسيلمة فمن شاهده من ذوي البصائر ، علم أمره لا محالة ، بأقواله الركيكة التي ليست بفصيحة ، وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة ، وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة ، وكم من فرق بين قوله تعالى : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم ) [ البقرة : 255 ] .
وبين علاك مسيلمة قبحه الله ولعنه : " يا ضفدع بنت الضفدعين ، نقي كما تنقين لا الماء تكدرين ، ولا الشارب تمنعين " .
وقوله - قبح ولعن - : " لقد أنعم الله على الحبلى ، إذ أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشى " .
وقوله - خدره الله في نار جهنم ، وقد فعل - : " الفيل وما أدراك ما الفيل ؟
له زلقوم طويل " وقوله - أبعده الله من رحمته : " والعاجنات عجنا ، والخابزات خبزا ، واللاقمات لقما ، إهالة وسمنا ، إن قريشا قوم يعتدون " إلى غير ذلك من الهذيانات والخرافات التي يأنف الصبيان أن يتلفظوا بها ، إلا على وجه السخرية والاستهزاء ؛ ولهذا أرغم الله أنفه ، وشرب يوم " حديقة الموت " حتفه .
ومزق شمله .
ولعنه صحبه وأهله .
وقدموا على الصديق تائبين ، وجاءوا في دين الله راغبين ، فسألهم الصديق خليفة الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه ، ورضي [ الله ] عنه - أن يقرءوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة لعنه الله ، فسألوه أن يعفيهم من ذلك ، فأبى عليهم إلا أن يقرءوا شيئا منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس ، فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم .
فقرءوا عليه من هذا الذي ذكرناه وأشباهه ، فلما فرغوا قال لهم الصديق ، رضي الله عنه : ويحكم !
أين كان يذهب بعقولكم ؟
والله إن هذا لم يخرج من إل .
وذكروا أن وفد عمرو بن العاص على مسيلمة ، وكان صديقا له في الجاهلية ، وكان عمرو لم يسلم بعد ، فقال له مسيلمة : ويحك يا عمرو ، ماذا أنزل على صاحبكم - يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم - في هذه المدة ؟
فقال : لقد سمعت أصحابه يقرءون سورة عظيمة قصيرة فقال : وما هي ؟
فقال : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) [ سورة العصر ] ، ففكر مسيلمة ساعة ، ثم قال : وقد أنزل علي مثله .
فقال : وما هو ؟
فقال : " يا وبر إنما أنت أذنان وصدر ، وسائرك حقر نقر ، كيف ترى يا عمرو ؟
" فقال له عمرو : والله إنك لتعلم أني أعلم أنك لتكذب " ، فإذا كان هذا من مشرك في حال شركه ، لم يشتبه عليه حال محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه ، وحال مسيلمة - لعنه الله - وكذبه ، فكيف بأولي البصائر والنهى ، وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجى !
ولهذا قال الله تعالى : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) [ الأنعام : 93 ] ، وقال في هذه الآية الكريمة : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون ) [ الأنعام : 21 ] ، وكذلك من كذب بالحق الذي جاءت به الرسل ، وقامت عليه الحجج ، لا أحد أظلم منه كما جاء في الحديث : " أعتى الناس على الله رجل قتل نبيا ، أو قتله نبي " .
القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين الذين نسبوك فيما جئتهم به من عند ربّك إلى الكذب: أيُّ خلق أشدُّ تعدّيًا ، (20) وأوضع لقيله في غير موضعه، (21) ممن اختلق على الله كذبًا ، وافترى عليه باطلا ، (22) (أو كذب بآياته) يعني بحججه ورسله وآيات كتابه؟
(23) يقول له جل ثناؤه: قل لهم : ليس الذي أضفتموني إليه بأعجب من كذبكم على ربكم ، وافترائكم عليه ، وتكذيبكم بآياته ، ( إنه لا يفلح المجرمون) ، يقول: إنه لا ينجح الذين اجترموا الكفر في الدنيا يوم القيامة ، إذا لقوا ربّهم، ولا ينالون الفلاح.
(24) -------------------------- الهوامش : (20) في المطبوعة : " أي خلق أشر بعدنا " ، وهو كلام ساقط جدًا ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقولة .
(21) انظر تفسير " الظلم " فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .
(22) انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف 13 : 135 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(23) انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة ( أيى ) .
(24) انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف 14 : 415 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
، وتفسير " الإجرام " فيما سلف من فهارس اللغة ( جرم ) .
قوله تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمونهذا استفهام بمعنى الجحد ; أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب ، وبدل كلامه وأضاف شيئا إليه مما لم ينزله .
وكذلك لا أحد أظلم منكم إذا أنكرتم القرآن وافتريتم على الله الكذب ، وقلتم ليس هذا كلامه .
وهذا مما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم .
وقيل : هو من قول الله ابتداء .
وقيل : المفتري المشرك ، والمكذب بالآيات أهل الكتاب .
إنه لا يفلح المجرمون .
فلو كنت متقولا لكنت أظلم الناس، وفاتني الفلاح، ولم تخف عليكم حالي، ولكني جئتكم بآيات الله، فكذبتم بها، فتعين فيكم الظلم، ولا بد أن أمركم سيضمحل، ولن تنالوا الفلاح، ما دمتم كذلك. ودل قوله: {قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} الآية، أن الذي حملهم على هذا التعنت الذي صدر منهم هو عدم إيمانهم بلقاء الله وعدم رجائه، وأن من آمن بلقاء الله فلا بد أن ينقاد لهذا الكتاب ويؤمن به، لأنه حسن القصد.
قوله تعالى : ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) فزعم أن له شريكا أو ولدا ( أو كذب بآياته ) بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ، ( إنه لا يفلح المجرمون ) لا ينجو المشركون .
«فمن» أي لا أحد «أظلم ممن افترى على الله كذبا» بنسبة الشريك إليه «أو كذَّب بآياته» القرآن «إنه» أي الشأن «لا يفلح» يسعد «المجرمون» المشركون.
لا أحد أشد ظلمًا ممن اختلق على الله الكذب أو كذَّب بآياته إنه لا ينجح مَن كذَّب أنبياء الله ورسله، ولا ينالون الفلاح.
ثم ختم - سبحانه - الرد على هؤلاء الذين لا يرجون لقاءه ، بالحكم عليهم بعدم الفلاح فقال - تعالى - ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ المجرمون ) والاستفهام في قوله : ( فَمَنْ أَظْلَمُ ) للإِنكار والنفي .أي : لا أحد أشد ظلما عند الله ، وأجدر بعقابه وغضبه ، ممن افترى عليه الكذب ، بأن نسب إليه - سبحانه - ما هو برئ منه ، أو كذب بآياته وحججه التى أنزلها لتأييد رسله .وقوله : ( إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ المجرمون ) تذييل قصد به التهديد والوعيد .أي : إن حال وشأن هؤلاء المجرمين ، أنهم لا يفلحون .
ولا يصلون إلى ما يبغون ويريدون .هذا ، وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض الشواهد الدالة على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغه عن ربه عند تفسيره لهذه الآية : " لا أحد أشد ظلما ممن افترى على الله كذبا ، وتقول على الله ، وزعم أن الله أرسله ولم يكن كذلك .
.
ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء .
فإن من قال هذه المقالة صادقا أو كاذبا .
فلابد أن الله ينصب من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس .
فإن الفرق بين محمد - صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى وبين نصف الليل في حندس الظلماء .
فمن شيم كل منهما وأفعاله وكلامه يستدل من له بصيرة على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - وكذب مسيلمة .
.
"
واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر، وذلك لأنهم التمسوا منه قرآناً يذكره من عند نفسه، ونسبوه إلى أنه إنما يأتي بهذا القرآن من عند نفسه، ثم إنه أقام البرهان القاهر الظاهر على أن ذلك باطل، وأن هذا القرآن ليس إلا بوحي الله تعالى وتنزيله، فعند هذا قال: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ والمراد أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله، لما كان في الدنيا أحد أظلم على نفسه مني، حيث افتريته على الله، ولما أقمت الدلالة على أنه ليس الأمر كذلك، بل هو بوحي من الله تعالى وجب أن يقال إنه ليس في الدنيا أحد أجهل ولا أظلم على نفسه منكم، لأنه لما ظهر بالبرهان المذكور كونه من عند الله، فإذا أنكرتموه كنتم قد كذبتم بآيات الله.
فوجب أن تكونوا أظلم الناس.
والحاصل أن قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ المقصود منه نفي الكذب عن نفسه وقوله: ﴿ أوكذَّب بآياته ﴾ المقصود منه إلحاق الوعيد الشديد بهم حيث أنكروا دلائل الله، وكذبوا بآيات الله تعالى.
وأما قوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ المجرمون ﴾ فهو تأكيد لما سبق من هذين الكلامين، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ يحتمل أن يريد افتراء المشركين على الله في قولهم: إنه ذو شريك وذو ولد، وأن يكون تفادياً مما أضافوه إليه من الافتراء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ تُفادُ مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ كِنايَةً، أوْ تَظْلِيمٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَذُو شَرِيكٍ وذُو ولَدٍ.
﴿ أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ فَكَفَرَ بِها.
﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ فَإنَّهُ جَمادٌ لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، والمَعْبُودُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُثِيبًا ومُعاقِبًا حَتّى تَعُودَ عِبادَتُهُ بِجَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ.
﴿ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ ﴾ الأوْثانُ.
﴿ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ تَشْفَعُ لَنا فِيما يَهُمُّنا مِن أُمُورِ الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ إنْ يَكُنْ بَعْثٌ، وكَأنَّهم كانُوا شاكِّينَ فِيهِ وهَذا مِن فَرْطِ جَهالَتِهِمْ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ المُوجِدِ الضّارِّ النّافِعِ إلى عِبادَةِ ما يُعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ رُبَّما يَشْفَعُ لَهم عِنْدَهُ.
﴿ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ ﴾ أتُخْبِرُونَهُ.
﴿ بِما لا يَعْلَمُ ﴾ وهو أنَّ لَهُ شَرِيكًا أوْ هَؤُلاءِ شُفَعاءُ عِنْدَهُ وما لا يَعْلَمُهُ العالِمُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَكُونُ لَهُ تَحَقُّقٌ ما وفِيهِ تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.
﴿ فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إمّا سَماوِيٌّ وإمّا أرْضِيٌّ، ولا شَيْءَ مِنَ المَوْجُوداتِ فِيهِما إلّا وهو حادِثٌ مَقْهُورٌ مِثْلُهم لا يَلِيقُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ.
﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ عَنِ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَهم بِهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي المَوْضِعَيْنِ في أوَّلِ « النَّحْلِ» و « الرُّومِ» بِالتّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا} يحتمل أن يريد افتراء المشركين على الله في أنه ذو شريك وذو ولد وأن يكون تفادياً مما أضافوه إليه من الافتراء {أو كذّب بآياته} بالقرآن فيه بيان أن الكاذب على الله والمكذب بآياته في الكفر سواء {إِنَّهُ لا يُفْلَحُ الْمُجرِمُون}
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مَعْناهُ النَّفْيُ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِن ذَلِكَ ونَفْيُ الأظْلَمِيَّةِ كَما هو المَشْهُورُ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ المُساواةِ فالمُرادُ أنَّهُ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ والآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِما قَبْلَها عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنها تَفادِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِمّا لَوَّحُوا بِهِ مِن نِسْبَةِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحاشاهُ وتَظْلِيمٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ لِلْقُرْآنِ وكُفْرِهِمْ بِهِ وزِيادَةٌ ﴿ كَذِبًا ﴾ مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما لَوَّحُوا بِهِ ضِمْنًا وحَمَلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِ صَرِيحًا مَعَ كَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ كَذِبٌ في نَفْسِهِ فَرُبَّ افْتِراءٌ يَكُونُ كَذِبُهُ في الإسْنادِ فَقَطْ كَما إذا أسْنَدْتَ ذَنْبَ زَيْدٍ إلى عَمْرٍو وهَذا لِلْمُبالَغَةِ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في التَّفادِي مِمّا ذُكِرَ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الكَلامِ عَلى ما سَبَقَ مِن بَيانِ كَوْنِ القُرْآنِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى وأمْرِهِ أيْ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَمَنِ افْتَرى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يَخْلُقَ كَلامًا فَيَقُولُ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أوْ يُبَدِّلُ بَعْضَ آياتِهِ بِبَعْضٍ كَما تُجَوِّزُونَ ذَلِكَ في شَأْنِي وكَذَلِكَ مَن كَذَّبَ بِآياتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ كَما تَفْعَلُونَهُ أنْتُمْ أظْلَمُ مَن كُلِّ ظالِمٍ وقِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَظْلِيمُ المُشْرِكِينَ لِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ تَعالى عَما يَقُولُونَ ذُو شَرِيكٍ وذُو ولَدٍ وتَكْذِيبُهم بِآياتِهِ سُبْحانَهُ وهي مُرْتَبِطَةٌ إما بِما قَبْلَها أيْضًا عَلى مَعْنى أنِّي لَمْ أفْتَرِ عَلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ أكْذِبْ عَلَيْهِ وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ وأنْتُمْ قَدْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَيْثُ زَعَمْتُمْ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا وأنَّ لَهُ ولَدًا وكَذَّبْتُمْ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وأما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا ﴾ إلَخْ عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ إلى هُنا إعْلامًا بِأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واسْتَنُّوا بِسُنَنِ مَن قَبْلَهم في تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَكُونُ هَذا عَوْدًا إلى الأوَّلِ بَعْدَ الفَراغِ مِن قِصَّةِ المُشْرِكِينَ وقِيلَ: وجْهُ تَعَلُّقِها بِما تَقَدَّمَ أنَّهم إنَّما سَألُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَبْدِيلَ القُرْآنِ لِما فِيهِ مِن ذَمِّ آلِهَتِهِمُ الَّذِينَ افْتَرَوْا في جَعْلِها آلِهَةً وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ تَوْطِئَةٌ لَما بَعْدَها ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ وأوْفَقُ بِالفاءِ وأبْعَدُ عَنِ التَّكَلُّفِ وأقْرَبُ انْسِياقًا إلى الذِّهْنِ السَّلِيمِ (أنَّهُ) أيِ الشَّأْنَ ﴿لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ 17﴾ أيْ لا يَنْجُونَ مِن مَحْذُورٍ ولا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ والمُرادُ جِنْسُ المُجْرِمِينَ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المُفْتَرِي والمُكَذِّبُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا ولا يَخْفى ما في اخْتِيارِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ ما يُذْكَرُ بَعْدَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً، يعني: من أشد في كفره ممن اختلق على الله كذبا إن معه شريكاً، أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ بمحمد والقرآن.
إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ، يعني: المشركين، وقال الضحاك: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: مسيلمة الكذاب إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ يعني: أتباعه وأشياعُه ونظراؤه.
قوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: الأصنام، مَا لاَ يَضُرُّهُمْ إن لم يعبدوها وَلا يَنْفَعُهُمْ إن عبدوها ولا تضرّهم إن لم يعبدوها وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ يعني: الأصنام شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ يشفعون لنا في الآخرة.
قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ يعني: أتخبرون الله بِما لاَ يَعْلَمُ من الآلهة.
فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، أنها تشفع لأحد يوم القيامة، ويقال: معناه أتخبرون الله بشفاعة آلهتكم، أما علموا أنها لا تكون أبداً؟
ويقال: معناه أتشركون مع الله بجاهل لا يعلم ما فى السموات ولا ما في الأرض.
ثم نزه نفسه عن الولد والشريك، فقال تعالى: سُبْحانَهُ، يعني: تنزيهاً له، وَتَعالى، يعني: ارتفع عَمَّا يُشْرِكُونَ من الآلهة.
ويقال: معناه هو أعلى وأجلّ من أن يوصف له شريك.
قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر يُشْرِكُونَ بالياء على معنى المغايبة، وقرأ الباقون بالتاء على وجه المخاطبة.
<div class="verse-tafsir"
عتاب على سوء الخُلُقِ من بعض الناس، ومضمَّنه النهْيُ عن مثل هذا، والأَمرُ بالتسليم إِلى اللَّه والضَّراعة إِليه في كلِّ حال، والعلْمُ بأنَّ الخير والشر منه، لا رَبَّ غيره، وقوله:
لِجَنْبِهِ، في موضع الحال كأنه قال: مُضْطَجِعاً، والضُّرُّ عامٌ لجميع الأمراض والرزايا.
وقوله: مَرَّ يقتضي أن نزولها في الكفَّار، ثم هي بعد تتناوَلُ كلَّ من دَخَلَ تحْتَ معناها مِنْ كافرٍ وعاصٍ.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ/ قَبْلِكُمْ ...
الآية: آيةُ وعيد للكفّار، وضرب أمثال لهم، وخَلائِفَ: جمع خليفة.
وقوله: لِنَنْظُرَ: معناه: لنبيِّن في الوجود ما عَلِمْناه أزلاً، لكنْ جرى القول على طريق الإِيجاز والفصاحةِ والمجازِ، وقال عمر رضي اللَّه عنه: إِنَّ اللَّه تعالَى إِنما جَعَلَنَا خلفاءَ لينظر كَيْفَ عَمَلُنَا فَأَرُوا اللَّه حسن أعمالكم في السر والعلانية «١» .
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)
وقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنَا يعني:
بعْضَ كفار قريش: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، ثم أمر سبحانه نبيه أَنْ يردَّ عليهم بالحق الواضح، فقال: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ولا أعلمكم به، وأَدْراكُمْ بمعنى:
أعلمكم، تقول: دَرَيْتُ بالأَمْرِ، وأَدْرَيْتُ بِهِ غيري، ثم قال: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ يعني: الأربعين سنةً قبل بعثته عليه السلام، أي: فلم تجرِّبوني في كَذِبٍ، ولا تكلَّمتُ في شيءٍ مِنْ هذا أَفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ من كان على هذه الصفة لا يصحُّ منه كذب بعد أَنْ ولَّى عمره، وتقاصَرَ أملُهُ، واشتدَّت حِنْكَته وخوفُه لربِّه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ كانَ لا يُنْزِلُهُ عَلَيَّ، فَيَأْمُرُنِي بِتِلاوَتِهِ عَلَيْكم.
﴿ وَلا أدْراكم بِهِ ﴾ أيْ: ولا أعْلَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " ولَأدْراكم " بِلامِ التَّوْكِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَها، يَجْعَلُها لامًا دَخَلَتْ عَلى " أدْراكم " .
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " أُدْرِيكم " بِالإمالَةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ: " ولا أدْرَأْتُكم " بِتاءٍ بَيْنَ الألِفِ والكافِ.
﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: " عُمْرًا " بِسُكُونِ المِيمِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وفي العُمْرِ ثَلاثُ لُغاتٍ: عُمْرُ، وعُمُرُ، وعَمْرُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أقَمْتُ فِيكم أرْبَعِينَ سَنَةً لا أُحَدِّثُكم بِشَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أنَّهُ لَيْسَ مِن قِبَلِي.
﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ يُرِيدُ: إنِّي لَمْ أفْتَرِ عَلى اللَّهِ ولَمْ أكْذِبْ عَلَيْهِ، وأنْتُمْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَيْثُ زَعَمْتُمْ أنَّ مَعَهُ شَرِيكًا.
والمُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللهِ بِما لا يَعْلَمُ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ هَذِهِ مِن كَمالِ الحُجَّةِ.
أيْ: هَذا الكَلامُ لَيْسَ مِن قِبَلِي ولا مِن عِنْدِي، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللهِ، ولَوْ شاءَ ما بَعَثَنِي بِهِ ولا تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أعْلَمْتُكم بِهِ.
و ﴿ أدْراكُمْ ﴾ بِمَعْنى: أعْلَمَكُمْ، يُقالُ: دَرَيْتُ بِالأمْرِ وأدْرَيْتُ غَيْرِي، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "وَلَأدْراكم بِهِ" وهي لامُ تَأْكِيدٍ دَخَلَتْ عَلى "أدْرى"، والمَعْنى -عَلى هَذا- ولَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ طَرِيقِي، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: "وَلا أدْرَأْتُكم بِهِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "وَلا أنْذَرْتُكم بِهِ"، وخَرَّجَ الفَرّاءُ قِراءَةَ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ عَلى لُغَةٍ لِبَعْضِ العَرَبِ مِنها قَوْلُهُمْ: "لَبَّأْتُ" بِمَعْنى "لَبَّيْتُ"، ومِنها قَوْلُ امْرَأةٍ مِنهُمْ: "رَثَأْتُ زَوْجِي بِأبْياتٍ"، أيْ: رَثَيْتُ.
وقالَ أبُو الفَتْحِ: إنَّما هي "أدْرَيْتُكُمْ" قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ورُوِينا عن قُطْرُبٍ: إنَّ لُغَةَ عَقِيلٍ في أعْطَيْتُكَ: أعْطَأْتُكَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا كَما في لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ: "السَلامُ عَلاكَ".
ثُمَّ قالَ: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ ﴾ أيِ الأرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرِيدُ: لَمْ تُجَرِّبُونِي في كَذِبٍ ولا تَكَلَّمْتُ في شَيْءٍ مِن هَذا، ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أنَّ مَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ لا يَصِحُّ مِنهُ كَذِبٌ بَعْدَ أنْ كَلَّ عُمْرُهُ وتَقاصَرَ أمَلُهُ واشْتَدَّتْ حِنْكَتُهُ وخَوْفُهُ لِرَبِّهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالبَيانِ في "لَبِثْتُ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "لَبِتُّ" بِإدْغامِ الثاءِ في التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ الآيَةُ، جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ التَوْقِيفُ عَلى عِظَمِ جُرْمِ المُفْتَرِي عَلى اللهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ التَنَصُّلِ مِن ذَلِكَ، قِيلَ: فاتَّسَقَ القَوْلُ واطَّرَدَتْ فَصاحَتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ اسْتِفْهامٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو ﴾ مِمَّنْ ﴿ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ بَعْدَ بَيانِها، وذَلِكَ أعْظَمُ جُرْمٍ عَلى اللهِ، وأكْثَرُ اسْتِشْرافٍ إلى عَذابِهِ.
ثُمَّ قَرَّرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ أهْلُ الجُرْمِ، و ﴿ يُفْلِحُ ﴾ مَعْناهُ: يَظْفَرُ بِبُغْيَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "يَعْبُدُونَ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحاوَرَتُهُمْ، و ﴿ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ هي الأصْنامُ، وقَوْلُهم ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا ﴾ هو مَذْهَبُ النُبَلاءِ مِنهُمْ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُقَرِّرَهم ويُوَبِّخَهُمْ: أهم يُعْلِمُونَ اللهَ بِأنْباءٍ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ لا يَعْلَمُها هُوَ؟
وذَكَرَ "السَماواتِ" لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ والشِعْرى، وبِحَسَبِ هَذا حَسُنَ أنْ يَقُولَ: "هَؤُلاءِ"، وقِيلَ: ذَلِكَ عَلى تَجَوُّزِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَعْقِلُ، وفي التَوْقِيفِ عَلى هَذا أعْظَمُ غَلَبَةٍ لَهُمْ، ولا يُمْكِنُهم إلّا أنْ يَقُولُوا: لا نَفْعَلُ ولا نَقْدِرُ، وذَلِكَ لَهم لازِمٌ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا ﴾ .
و ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ اسْتِئْنافُ تَنْزِيهٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ هُنا: "عَمّا يُشْرِكُونَ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وفي حَرْفَيْنِ في النَحْلِ، وحَرْفٍ في الرُومِ، وحَرْفٍ في النَمْلِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ القَعْقاعِ، وشَيْبَةُ، وحُمَيْدٌ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ هُنا وفي النَمْلِ فَقَطْ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ الخَمْسَةَ الأحْرُفِ بِالتاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ.
<div class="verse-tafsir"
لما قامت الحجة عليها بما لا قبل لهم بالتنصل منه أعقبت بالتفريع على افترائهم الكذب وذلك مما عرف من أحوالهم من اتخاذهم الشركاء له كما أشار إليه قوله: ﴿ ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ﴾ أي أشركوا إلى قوله: ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ [يونس: 13، 14] وتكذيبهم بآيات الله في قولهم: ﴿ ائت بقرآن غير هذا أو بدّله ﴾ [يونس: 15].
وفي ذلك أيضاً توجيه الكلام بصلاحيته لأن يكون إنصافاً بينه وبينهم إذ هم قد عرضوا بنسبته إلى الافتراء على الله حين قالوا: ﴿ ائت بقرآن غير هذا ﴾ [يونس: 15]، وصرحوا بنفي أن يكون القرآن من عند الله، فلما أقام الحجة عليهم بأن ذلك من عند الله وأنه ما يكون له أن يأتي به من تلقاء نفسه فُرع عليه أن المفتري على الله كذباً والمكذبين بآياته كلاهما أظلم الناس لا أحد أظلم منهما، وذلك من مجاراة الخصم ليعثر، يخيل إليه من الكلام أنه إنصاف بينهما فإذا حصحص المعنى وُجد انصبابه على الخصم وحده.
والتفريع صالح للمعنيين، وهو تفريع على ما تقدم قبله مما تضمن أنهم أشركوا بالله وكذبوا بالقرآن.
ومحل (أو) على الوجهين هو التقسيم، وهو إما تقسم أحوال، وإما تقسم أنواع.
والاستفهام إنكاري.
والظلم: هنا بمعنى الاعتداء.
وإنما كان أحد الأمرين أشد الظلم لأنه اعتداء على الخالق بالكذب عليه وبتكذيب آياته.
وجملة: ﴿ إنه لا يفلح المجرمون ﴾ تذييل، وموقعه يقتضي شمول عمومه للمذكورين في الكلام المذيَّل (بفتح التحتية) فيقتضي أن أولئك مجرمون، وأنهم لا يفلحون.
والفلاح تقدم في قوله تعالى: ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ في سورة [البقرة: 5].
وتأكيد الجملة بحرف التأكيد ناظر إلى شمول عموم المجرمين للمخاطبين لأنهم ينكرون أن يكونوا من المجرمين.
وافتتاح الجملة بضمير الشأن لقصد الاهتمام بمضمونها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ الَّتِي هي تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ.
﴿ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.
﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ تَبْدِيلِهِ والإتْيانِ بِغَيْرِهِ أنَّ تَبْدِيلَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ، والإتْيانُ بِغَيْرِهِ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ.
وَفي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم سَألُوهُ الوَعْدَ وعِيدًا، والوَعِيدَ وعْدًا، والحَلالَ حَرامًا، والحَرامَ حَلالًا، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.
الثّانِي: أنَّهم سَألُوهُ أنْ يُسْقِطَ ما في القُرْآنِ مِن عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّهُ سَألُوهُ إسْقاطَ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ﴾ أيْ لَيْسَ لِي أنْ أتَلَقّاهُ بِالتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ كَما لَيْسَ لِي أنْ أتَلَقّاهُ بِالرَّدِّ والتَّكْذِيبِ.
﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ فِيما أتْلُوهُ عَلَيْكم مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ وتَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ أوْ أمْرٍ أوْ نَهْيٍ.
﴿ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ في تَبْدِيلِهِ وتَغْيِيرِهِ.
﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ: ﴿ وَلا أدْراكم بِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولا أعْلَمُكم بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ولا أنْذَرُكم بِهِ، قالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.
الثّالِثُ: ولا أشْعَرُكم بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ ما تَقَدَّمَ مِن عُمُرِهِ قَبْلَ الوَحْيِ إلَيْهِ لِأنَّ عُمْرَ الإنْسانِ مُدَّةُ حَياتِهِ طالَتْ أوْ قَصُرَتْ.
الثّانِي: أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، لِأنَّ النَّبِيَّ بُعِثَ بَعْدَ الأرْبَعِينَ وهو المُطْلَقُ مِن عُمُرِ الإنْسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أنِّي لَمْ أدَعْ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا حَتّى أُوحِيَ إلَيَّ، ولَوْ كُنْتُ افْتَرَيْتُهُ لَقَدَّمْتُهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قال النضر: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ الآية (فمن) هاهنا استفهام معناه الجحد، أي لا أحد أظلم ممن هذه صفته، والمعنى: لا أحد أظلم ممن يظلم ظلم الكفر، كأنه قيل: لا أحد أظلم من الكافر.
قال ابن عباس: يريد: إني لم أفتر على الله ولم أكذب عليه، وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أن معه شريكًا وعبدتم الأوثان وكذبتم نبيه وما جاء به من عند الله (١) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ ، قال: يريد: لا يسعد من كذب أنبياء الله (٢) (١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 15، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 541.
(٢) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 541.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون ﴾ إخبار ضمنه وعيد للكفار ﴿ لِنَنظُرَ ﴾ معناه ليظهر في الوجود فتقوم عليكم الحجة به ﴿ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ﴾ يعني على قريش ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي ما تلوته إلا بمشيئة الله، لأنه من عنده وما هو من عندي ﴿ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ أي ولا أعلمكم به ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ ﴾ أي بقيت بينكم أربعين سنة قبل البعث ما تكلمت في هذا حتى جاءني من عند الله ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ تنصل من الافتراء على الله، وبيان لبراءته صلى الله عليه وسلم مما نسبوه إليه من الكذب، وإشارة إلى كذبهم على الله في نسبة الشركاء له ﴿ أَوْ كَذَّبَ بآياته ﴾ بيان لظلمهم في تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لقضي إليهم ﴾ مبنياً للفاعل ﴿ أجلهم ﴾ بالنصب: ابن عامر ويعقوب.
الآخرون مبنياً للمفعول ورفع ﴿ أجلهم ﴾ أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام ﴿ لي أن ﴾ بفتح الياء وكذلك ﴿ إني أخاف ﴾ : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ نفسي أن ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.
﴿ ولأدراكم ﴾ بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة.
وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا.
الباقون:مثله ولكن بالتفخيم.
﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالياء.
الوقوف: ﴿ أجلهم ﴾ ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ أو قائماً ﴾ ط ﴿ مسه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ ليؤمنوا ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أو بدله ﴾ ط.
﴿ نفسي ﴾ ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد ﴿ إليّ ﴾ ط ج لمثل ما قلنا ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ به ﴾ ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى ﴿ من قبله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاختلفوا ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ فانتظروا ﴾ ج لاحتمال الابتداء أو التعليل ﴿ المنتظرين ﴾ ه.
التفسير: إنه ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى.
ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ الآية.
وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف.
وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.
كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا.
قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير.
فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم.
وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر.
فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم.
وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب.
وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به.
ثم إن قوله ﴿ لو يعجل ﴾ كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله ﴿ فنذرهم ﴾ معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى.
ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ أي هذا الجنس ﴿ دعانا لجنبه ﴾ اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا.
وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه.
والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء.
ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها.
أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء.
قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر.
ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر.
وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله : ﴿ هل أتى على الإنسان ﴾ إلا أن يساعده نقل صحيح.
والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه.
قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب.
ومعنى ﴿ مرّ ﴾ مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه.
ومعنى ﴿ كأن لم يدعنا ﴾ كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ من تتبع الشهوات.
والمزين هو الله أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً.
قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام.
والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا.
ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ﴿ ولقد أهلكنا القرون ﴾ وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ﴿ ولما ﴾ ظرف لأهلكنا والواو في ﴿ وجاءتهم ﴾ للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم ﴿ رسلهم ﴾ بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات.
وقوله: ﴿ وما كانوا ليؤمنوا ﴾ إما أن يكون عطفاً على ﴿ ظلموا ﴾ أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله .
ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله بقوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ أي استخلفناكم ﴿ في الأرض ﴾ بعد تلك القرون ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ خيراً أو شراً.
استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف".
قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار.
ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.
طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها.
فأمره الله أن يقول في جوابهم ﴿ ما يكون لي ﴾ أي ما ينبغي وما يحل ﴿ أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى.
ثم أكد الجواب بقوله: ﴿ إن أتبع ﴾ أي ما أتبع ﴿ إلا ما يوحى إلي ﴾ إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل.
وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي.
ونقل عن ابن عباس أن قوله: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.
قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية.
فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ .
ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك.
ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله وأنه غير مستبد في إيراده فقال: ﴿ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ﴾ ولا أعلمكم الله ﴿ به ﴾ على لساني.
ومن قرأ بلام الابتداء.
فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري.
وقرىء ﴿ لا أدرأكم به ﴾ بالهمزة.
ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع.
ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ﴿ فقد لبثت فيكم عمراً ﴾ أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل نزول القرآن ﴿ أفلا تعقلون ﴾ فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية.
وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول إلى الله لم يكن أحد أظلم منه.
ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ﴾ إن لم يعبدوه ﴿ ولا ينفعهم ﴾ إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً.
وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ﴾ ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور.
تقول: ما علم الله ذلك مني.
والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط.
وفي قوله: ﴿ في السموات ولا في الأرض ﴾ تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم.
قوله: { وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به.
ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا.
وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لقضى بينهم ﴾ عاجلاً ولميز المحق من المبطل.
ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله: ﴿ لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً.
﴿ فقال إنما الغيب لله ﴾ هو المختص بعلمه ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ : البينات قد ذكرنا في غير موضع، والبينات هي التي تبين أنها آيات نزلت من عند الله لم يخترعها أحد من الخلق.
وقد ذكرنا قوله - أيضاً -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ : يشبه أن يكون قولهم: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ ﴾ ، إنما أجابهم في التبديل؛ دل أن السؤال كان سؤال تبديل، ولكن كانوا يسألون سؤال استهزاء وتكذيب.
ثم اختلف أهل التأويل في التبديل الذي سألوا.
قال بعضهم: سألوا أن يبدل ويجعل مكان آية العذاب آية الرحمة أو يبدل أحكامه.
ويحتمل قوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ ﴾ أي: بدل أحكامه واترك رسمه.
ويحتمل ما ذكرنا أنهم سألوا أن يتلو مكان آية العذاب آية الرحمة، ومكان ما فيه سب آلهتهم مدحها ونحو ذلك، والله أعلم.
ونحن لا نعلم ما أراد بالتبديل تبديل الأحكام أو تبديل الرسم والنظم، إنما نعلم ذلك بالسماع.
ثم أخبر أنه لا يقول ولا يتبع إلا ما يوحى إليه ويؤمر به بقوله: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ إن تركت تبليغ ما أمرت بالتبليغ إليكم، وهكذا كل من عرف ربه خافه إن عصاه وخالف أمره ونهيه، ومن لم يعرف ربه لم يخفه إن عصاه وخالف.
وقوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ : سؤالهم سؤال تعنت واستهزاء؛ لأنه لا منفعة لهم لو أتى بغيره وبدله سوى ما في هذا ولو جاز لهم هذا السؤال جاز ذلك في كل ما أتى به واحداً بعد واحد، فذلك مما لا ينقطع أبداً ولا غاية ولا نهاية فهو سؤال تعنت واستهزاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ : هو صلة ما تقدم من قوله حيث قالوا: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ قد ذكرنا أن هذا يحتمل وجهين: يحتمل أنهم سألوه أن يبدل أحكامه على ترك رسمه ونظمه.
ويحتمل قوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ أي: ارفع رسمه ونظمه وأحكامه، كأنهم ادعوا على رسول الله اختراع هذا القرآن من نفسه واختلاقه من عنده، فقال: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ تأويله - والله أعلم -: لو شاء الله ألا يظهر دينه فيكم ولا [ألزمكم حجته] ولا بعثني إليكم رسولا، ﴿ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ و ﴿ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ أي: ولا أعلمكم به.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ : ولا أعلمكم ما فيه من الأحكام، أو يقول: لو شاء الله لم يوح إلي، ولا أمرني بتبليغ ما أوحي إلي إليكم، ولا بالدعاء إلى ما أمرني أن أدعوكم إليه.
وفي قوله: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ \[دلالة أن الله إن شاء شيئاً كان وما لم يشأ لم يكن لأنه أخبر أنه لو شاء ما تلوته عليكم\] فلو لم يشأ أن يتلوه ما تلاه؛ دل أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وذلك يرد على المعتزلة قولهم: شاء الله أن يؤمن الخلائق كلهم لكنهم لم يؤمنوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أي: فقد لبثت فيكم عمرا من قبله فلم أدع ما أدعي للحال، ولا تلوت ما أتلو، أفلا تعقلون أني لم أخترع هذا من نفسي، ولكن وحي أوحي إلي؟!
إذ لو كان اختراعاً مني لكان ذلك مني فيما مضى من الوقت وكنت لابساً فيكم، فإذا لم يكن مني ذلك أفلا تعقلون أني لم أخترع من نفسي؟!
يحتمل هذا الكلام وجوهاً: أحدها: أنهم لما ادعوا عليه الاختراع من عنده قال: إني قد لبثت فيكم من قبله، أي: [من] قبل أن يوحى هذا إلي، فلم تروني خططت بيميني، ولا اختلفت إلى أحد في التعلم والدراسة، فكيف أخترع من عندي؛ إذ التأليف لا يلتئم ولا يتم إلا بأسباب تتقدم؟!
والثاني: فقد لبثت عمرا سنين لم تعرفوني ولا رأيتموني كذبت قط، فكيف أفتري على الله وأخترع القرآن من عند نفسي؟!
ألا ترى أنه قال على إثر هذه: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً.
والثالث: يحتمل قوله: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ ﴾ فلم أسمع أحداً ادعى البعث، ولا أقام حجة عليه، وأنا قد ادعيت البعث وأقمت على ذلك حجة، أفلا تعقلون هذا أني لم أخترع من عند نفسي؟!
وقوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ ﴾ : يشبه أن هذا صلة قوله: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ أي كيف تطلبون مني إتيان غيره وتبديل أحكامه وقد تعرفون قبح الكذب وفحشه فكيف تسألونني الافتراء على الله وتكذيب آياته؟
ويحتمل أن يكون صلة ما ادعوا عليه أنه افتراه من [عند] نفسه؛ يقول: إنكم لم تأخذوني بكذب قط، وقد لبثت فيكم عمرا فكيف تنسبوني إلى الكذب على الله، وقد عرفتم قبح الكذب على الله وفحشه؟!
ويحتمل على الابتداء ثم قد ذكرنا أن قوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ استفهام، فجوابه ما قاله أهل التأويل: لا أحد أبين ظلما ولا أفحش ممن افترى على الله كذباً، لا أن تفسيره ما قالوه، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
﴿ أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ ﴾ : الافتراء على الله تكذيب بآياته، وتكذيب آياته افتراء على الله.
<div class="verse-tafsir"
فلا أحد أظلم ممن اختلق على الله كذبًا، فكيف لي أن أبدل القرآن افتراء عليه، إن الشأن أن المتجاوزين لحدود الله بالافتراء عليه لا يفوزون بمطلوبهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.Rz8vK"