الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٢٩ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 61 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٩ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقال في هذه الآية إخبارا عن قول الشركاء فيما راجعوا فيه عابديهم عند ادعائهم عبادتهم : ( فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ) أي : ما كنا نشعر بها ولا نعلم ، وإنما أنتم كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم ، والله شهيد بيننا وبينكم أنا ما دعوناكم إلى عبادتنا ، ولا أمرناكم بها ، ولا رضينا منكم بذلك .
وفي هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره ، ممن لا يسمع ولا يبصر ، ولا يغني عنهم شيئا ، ولم يأمرهم بذلك ولا رضي به ولا أراده ، بل تبرأ منهم في وقت أحوج ما يكونون إليه ، وقد تركوا عبادة الحي القيوم ، السميع البصير ، القادر على كل شيء ، العليم بكل شيء وقد أرسل رسله وأنزل كتبه ، آمرا بعبادته وحده لا شريك له ، ناهيا عن عبادة ما سواه ، كما قال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ) [ النحل : 36 ] ، وقال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] ، وقال : ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) [ الزخرف : 45 ] .
والمشركون أنواع وأقسام كثيرون ، قد ذكرهم الله في كتابه ، وبين أحوالهم وأقوالهم ، ورد عليهم فيما هم فيه أتم رد .
القول في تأويل قوله تعالى : فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) قال أبو جعفر: ويقول تعالى ذكره ، مخبرًا عن قيل شركاء المشركين من الآلهة والأوثان لهم يوم القيامة، إذ قال المشركون بالله لها: إياكم كنا نعبد ، (كفى بالله شهيدًا بيننا وبينكم)، أي إنها تقول: حسبُنا الله شاهدًا بيننا وبينكم ، أيها المشركون، فإنه قد علم أنّا ما علمنا ما تقولون ، ( إنا كنا عن عبادتكم لغافلين) ، يقول: ما كنا عن عبادتكم إيانا دون الله إلا غافلين، لا نشعر به ولا نعلم، (41) كما:- 17651- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (إن كنا عن عبادتكم لغافلين) ، قال: كُلُّ شيء يعبد من دون الله.
(42) 17652- حدثني المثنى قال ، حدثني إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17653- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال مجاهد: (إن كنا عن عبادتكم لغافلين) ، قال: يقول ذلك كُلُّ شيء كان يُعْبد من دون الله.
------------------- الهوامش : (41) انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ص : 25 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(42) في المطبوعة : " قال ذلك كل شيء " ، زاد " ذلك " وأثبت ما في المخطوطة ، وهو لا بأس به .
قوله تعالى فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلينقوله تعالى فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم شهيدا مفعول ، أي كفى الله شهيدا ، أو تمييز ، أي اكتف به شهيدا بيننا وبينكم إن كنا أمرناكم بهذا أو رضيناه منكم .إن كنا أي ما كنا عن عبادتكم لغافلين إلا غافلين لا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ; لأنا كنا جمادا لا روح فينا .
{فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} ما أمرناكم بها، ولا دعوناكم لذلك، وإنما عبدتم من دعاكم إلى ذلك، وهو الشيطان كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} . وقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} فالملائكة الكرام والأنبياء والأولياء ونحوهم يتبرؤون ممن عبدهم يوم القيامة ويتنصلون من دعائهم إياهم إلى عبادتهم وهم الصادقون البارون في ذلك، فحينئذ يتحسر المشركون حسرة لا يمكن وصفها، ويعلمون مقدار ما قدموا من الأعمال، وما أسلفوا من رديء الخصال، ويتبين لهم يومئذ أنهم كانوا كاذبين، وأنهم مفترون على الله، قد ضلت عبادتهم، واضمحلت معبوداتهم، وتقطعت بهم الأسباب والوسائل.
( فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ) أي : ما كنا عن عبادتكم إيانا إلا غافلين ، ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل .
«فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن» مخففة أي إنا «كنا عن عبادتكم لغافلين».
فكفى بالله شهيدًا بيننا وبينكم، إننا لم نكن نعلم ما كنتم تقولون وتفعلون، ولقد كنَّا عن عبادتكم إيانا غافلين، لا نشعر بها.
وقوله : ( فكفى بالله شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ) تأكيد لهذا التبري والإِنكار ، ورجوع إلى الشهادة الحق فى ذلك .و ( إن ) فى قوله ( إِن كُنَّا ) مخففة من الثقيلة .
.
أى : فكفى أن يكون الله - تعالى - شهيدا وحكما بيننا وبينكم ، فهو - سبحانه - يعلم حالنا وحالكم ، ويعلم أننا كنا فى غفلة عن عبادتكم لنا ، بحيث إننا ما فكرنا فيها ولا رضينا بها .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا نوع آخر من شرح فضائح أولئك الكفار، فالضمير في قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ﴾ عائد إلى المذكور السابق، وذلك هو قوله: ﴿ والذين كَسَبُواْ السيئات ﴾ فلما وصف الله هؤلاء الذين يحشرهم بالشرك والكفر، دل على أن المراد من قوله: ﴿ والذين كَسَبُواْ السيئات ﴾ الكفار، وحاصل الكلام: أنه تعالى يحشر العابد والمعبود، ثم إن المعبود يتبرأ من العابد، ويتبين له أنه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته، والمقصود منه أن القوم كانوا يقولون: ﴿ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله ﴾ فبين الله تعالى أنهم لا يشفعون لهؤلاء الكفار، بل يتبرؤن منهم، وذلك يدل على نهاية الخزي والنكال في حق هؤلاء الكفار، ونظيره آيات منها قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ﴾ .
واعلم أن هذا الكلام يشير على سبيل الرمز إلى دقيقة عقلية، وهي أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته، والممكن لذاته محتاج بحسب ماهيته، والشيء الواحد يمتنع أن يكون قابلاً وفاعلاً معاً، فما سوى الواحد الأحد الحق لا تأثير له في الإيجاد والتكوين، فالممكن المحدث لا يليق به أن يكون معبوداً لغيره، بل المعبود الحق ليس إلا الموجد الحق، وذلك ليس إلا الموجود الحق الذي هو واجب الوجود لذاته، فبراءة المعبود من العابدين، يحتمل أن يكون المراد منه ما ذكرناه.
والله أعلم بمراده.
المسألة الثانية: (الحشر) الجمع من كل جانب إلى موقف واحد و ﴿ جَمِيعاً ﴾ نصب على الحال أي نحشر الكل حال اجتماعهم.
و ﴿ مَكَانَكُمْ ﴾ منصوب بإضمار الزموا.
والتقدير: الزموا مكانكم و ﴿ أَنتُمْ ﴾ تأكيد للضمير ﴿ وَشُرَكَاؤُكُمْ ﴾ عطف عليه.
واعلم أن قوله: ﴿ مَكَانَكُمْ ﴾ كلمة مختصة بالتهديد والوعيد والمراد أنه تعالى يقول للعابدين والمعبودين مكانكم أي الزموا مكانكم حتى تسألوا، ونظيره قوله تعالى: ﴿ ٱحْشُرُوا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ﴾ .
أما قوله: ﴿ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: أن هذه الكلمة جاءت على لفظ المضي بعد قوله: ﴿ ثُمَّ نَقُولُ ﴾ وهو منتظر، والسبب فيه أن الذي حكم الله فيه، بأن سيكون صار كالكائن الراهن الآن، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَنَادَى أصحاب الجنة ﴾ .
البحث الثاني: (زيلنا) فرقنا وميزنا.
قال الفراء: قوله: ﴿ فَزَيَّلْنَا ﴾ ليس من أزلت، إنما هو من زلت إذا فرقت.
تقول العرب: زلت الضأن من المعز فلم تزل.
أي ميزتها فلم تتميز، ثم قال الواحدي: فالزيل والتزييل والمزايلة، والتمييز والتفريق.
قال الواحدي: وقرئ ﴿ فزايلنا بَيْنَهُمْ ﴾ وهو مثل ﴿ فَزَيَّلْنَا ﴾ وحكى الواحدي عن ابن قتيبة أنه قال في هذه الآية: هو من زال يزول وأزلته أنا، ثم حكى عن الأزهري أنه قال: هذا غلط، لأنه لم يميز بين زال يزول، وبين زال يزيل، وبينهما بون بعيد، والقول ما قاله الفراء، ثم قال المفسرون: ﴿ فَزَيَّلْنَا ﴾ أي فرقنا بين المشركين وبين شركائهم من الآلهة والأصنام، وانقطع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا.
وأما قوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: إنما أضاف الشركاء إليهم لوجوه: الأول: أنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام، فصيروها شركاء لأنفسهم في تلك الأموال، فلهذا قال تعالى: ﴿ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ الثاني: أنه يكفي في الإضافة أدنى تعلق، فلما كان الكفار هم الذين أثبتوا هذه الشركة، لا جرم حسنت إضافة الشركاء إليهم.
الثالث: أنه تعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله: ﴿ مَكَانَكُمْ ﴾ صاروا شركاء في هذا الخطاب.
البحث الثاني: اختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء.
فقال بعضهم: هم الملائكة، واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿ يَوْمٍ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ ومنهم من قال: بل هي الأصنام، والدليل عليه: أن هذا الخطاب مشتمل على التهديد والوعيد، وذلك لا يليق بالملائكة المقربين، ثم اختلفوا في أن هذه الأصنام كيف ذكرت هذا الكلام.
فقال بعضهم: إن الله تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق فيها، فلا جرم قدرت على ذكر هذا الكلام.
وقال آخرون إنه تعالى يخلق فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى يسمع منها ذلك الكلام، وهو ضعيف، لأن ظاهر قوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ يقتضي أن يكون فاعل ذلك القول هم الشركاء.
فإن قيل: إذا أحياهم الله تعالى فهل يبقيهم أو يفنيهم؟
قلنا: الكل محتمل ولا اعتراض على الله في شيء من أفعاله، وأحوال القيامة غير معلومة، إلا القليل الذي أخبر الله تعالى عنه في القرآن.
والقول الثالث: إن المراد بهؤلاء الشركاء، كل من عبد من دون الله تعالى، من صنم وشمس وقمر وأنسي وجني وملك.
البحث الثالث: هذا الخطاب لا شك أنه تهديد في حق العابدين، فهل يكون تهديداً في حق المعبودين؟
أما المعتزلة: فإنهم قطعوا بأن ذلك لا يجوز.
قالوا: لأنه لا ذنب للمعبود، ومن لا ذنب له، فإنه يقبح من الله تعالى أن يوجه التخويف والتهديد والوعيد إليه.
وأما أصحابنا، فإنهم قالوا إنه تعالى لا يسئل عما يفعل.
البحث الرابع: أن الشركاء قالوا: ﴿ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ وهم كانوا قد عبدوهم، فكان هذا كذباً، وقد ذكرنا في سورة الأنعام اختلاف الناس في أن أهل القيامة هل يكذبون أم لا، وقد تقدمت هذه المسألة على الاستقصاء، والذي نذكره هاهنا، أن منهم من قال: إن المراد من قولهم: ﴿ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ هو أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا؟
قالوا: والدليل على أن المراد ما ذكرناه وجهان: الأول: أنهم استشهدوا بالله في ذلك حيث قالوا: ﴿ فكفى بالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ والثاني: أنهم قالوا: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لغافلين ﴾ فأثبتوا لهم عبادة، إلا أنهم زعموا أنهم كانوا غافلين عن تلك العبادة، وقد صدقوا في ذلك، لأن من أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها بشيء ولا شعور ألبتة.
ومن الناس من أجرى الآية على ظاهرها.
وقالوا: إن الشركاء أخبروا أن الكفار ما عبدوها، ثم ذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن ذلك الموقف موقف الدهشة والحيرة، فذلك الكذب يكون جارياً مجرى كذب الصبيان، ومجرى كذب المجانين والمدهوشين.
والثاني: أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزنا وجعلوها لبطلانها كالعدم، ولهذا المعنى قالوا: إنهم ما عبدونا.
والثالث: أنهم تخيلوا في الأصنام التي عبدوها صفات كثيرة، فهم في الحقيقة إنما عبدوا ذوات موصوفة بتلك الصفات، ولما كانت ذواتها خالية عن تلك الصفات، فهم ما عبدوها وإنما عبدوا أموراً تخيلوها ولا وجود لها في الأعيان، وتلك الصفات التي تخيلوها في أصنامهم أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله بغير إذنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَكَانَكُمْ ﴾ الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم.
و ﴿ أَنتُمْ ﴾ أكد به الضمير في مكانكم لسدّه مسدّ قوله: الزموا ﴿ وَشُرَكَاؤُكُمْ ﴾ عطف عليه.
وقرئ: ﴿ وشركاءكم ﴾ على أنّ الواو بمعنى مع، والعامل فيه ما في مكانكم من معنى الفعل ﴿ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ ففرّقنا بينهم وقطعنا أقرانهم.
والوصل التي كانت في بينهم في الدنيا.
أو فباعدنا بينهم بعد الجمع بينهم في الموقف.
وتبرؤ شركائهم منهم ومن عبادتهم، كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ [غافر: 73] وقرئ: ﴿ فزايلنا بينهم ﴾ كقولك: صاعر خدّه وصعره، وكالمته وكلّمته.
﴿ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ إنما كنتم تعبدون الشياطين، حيث أمروكم أن تتخذوا لله أنداداً فأطعتموهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى ﴾ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ: في الدّارِ زَيْدٌ والحُجْرَةِ عَمْرٌو، أوِ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ﴿ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ﴾ عَلى تَقْدِيرِ: وجَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، أيْ أنْ تُجازى سَيِّئَةٌ بِسَيِّئَةٍ مِثْلِها لا يُزادُ عَلَيْها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ هي الفَضْلُ أوِ التَّضْعِيفُ أوْ ﴿ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ ، أوْ ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ فَـ ﴿ جَزاءُ سَيِّئَةٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فَجَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها واقِعٌ، أوْ بِمِثْلِها عَلى زِيادَةِ الباءِ أوْ تَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ بِمِثْلِها.
﴿ وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ﴾ وقُرِئَ بِالياءِ.
﴿ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ﴾ ما مِن أحَدٍ يَعْصِمُهم مِن سَخَطِ اللَّهِ، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ ومَن عِنْدَهُ كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
﴿ كَأنَّما أُغْشِيَتْ ﴾ غُطِّيَتْ.
﴿ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ﴾ لِفَرْطِ سَوادِها وظُلْمَتِها ومُظْلِمًا حالٌ مِنَ اللَّيْلِ والعامِلُ فِيهِ ﴿ أُغْشِيَتْ ﴾ لِأنَّهُ العامِلُ في قِطَعًا وهو مَوْصُوفٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، والعامِلُ في المَوْصُوفِ عامِلٌ في الصِّفَةِ أوْ مَعْنى الفِعْلِ في ﴿ مِنَ اللَّيْلِ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿ قِطَعًا ﴾ بِالسُّكُونِ فَعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ﴿ مُظْلِمًا ﴾ صِفَةً لَهُ أوْ حالًا مِنهُ.
﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ مِمّا يَحْتَجُّ بِهِ الوَعِيدِيَّةُ.
والجَوابُ أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ لِاشْتِمالِ السَّيِّئاتِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ ولِأنَّ الَّذِينَ أحْسَنُوا يَتَناوَلُ أصْحابَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ فَلا يَتَناوَلُهم قَسِيمُهُ.
﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ يَعْنِي الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا.
﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ ﴾ الزَمُوا مَكانَكم حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم.
﴿ أنْتُمْ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُنْتَقِلِ إلَيْهِ مِن عامِلِهِ.
﴿ وَشُرَكاؤُكُمْ ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ.
﴿ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ ﴾ فَفَرَّقْنا بَيْنَهم وقَطَّعَنا الوُصُلَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم.
﴿ وَقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ ﴾ مَجازٌ عَنْ بَراءَةِ ما عَبَدُوهُ مِن عِبادَتِهِمْ فَإنَّهم إنَّما عَبَدُوا في الحَقِيقَةِ أهْواءَهم لِأنَّها الآمِرَةُ بِالإشْراكِ لا ما أشْرَكُوا بِهِ.
وقِيلَ يُنْطِقُ اللَّهُ الأصْنامَ فَتُشافِهُهم بِذَلِكَ مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَوَقَّعُونَ مِنها.
وقِيلَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ وقِيلَ الشَّياطِينُ.
<div class="verse-tafsir"
{فكفى بالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أي كفى الله شهيداً وهو تمييز {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لغافلين} إن مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية
﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ 29﴾ عَلى عَدَمِ الِارْتِضاءِ لا عَلى عَدَمِ الشُّعُورِ لِأنَّ عَدَمَ شُعُورِ المَلائِكَةِ بِعِبادَتِهِمْ غَيْرُ ظاهِرٍ بَلْ لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ هَذا الحَمْلِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا لَمْ يَبْعُدْ لِأنَّ عَدَمَ شُعُورِهِ بِعِبادَتِهِمْ مَعَ أنَّهُ سَيَنْزِلُ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ كَذَلِكَ ولا يَكادُ يَصِحُّ الحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ إلّا إذا كانَ المُرادُ الأصْنامَ فَإنَّ عَدَمَ شُعُورِهِمْ بِذَلِكَ ظاهِرٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى شُعُورِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعِبادَتِهِمْ لِيَصْرِفَ لَهُ اللَّفْظَ عَنْ حَقِيقَتِهِ ولَيْسَ هَؤُلاءِ المَعْبُودُونَ هُمُ الحَفَظَةَ أوِ الكَتَبَةَ بَلْ مَلائِكَةٌ آخَرُونَ ولَعَلَّهم مُشْغَلُونَ بِأداءِ ما أُمِرُوا بِهِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما في هَذا العالَمِ ونَحْنُ لا نَدَّعِي في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما يَدَّعِيهِ الفَلاسِفَةُ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ قالُوا يَوْمَ اسْتُنْبِئُوا عَنِ الأسْماءِ: ﴿ سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا ﴾ وهَذا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أجَلِّهِمْ قَدْرًا كانَ كَثِيرًا ما يَسْألُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أشْياءَ فَيَقُولُ: لا أعْلَمُ، وسَوْفَ أسْألُ رَبِّي.
وكَذا لا دَلِيلَ عَلى شُعُورِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعِبادَةِ هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ عِنْدَ إيقاعِها وكَوْنُهُ سَيَنْزِلُ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ لا يَسْتَدْعِي الشُّعُورَ بِها كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى وقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِعَدَمِ شُعُورِهِ بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الجَوابِ عَنْ سُؤالِهِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ واعْتُرِضَ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ مَعَ هَذا القَوْلِ مُطْلَقًا لِأنَّ الشَّياطِينَ هُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا لَهم هَذِهِ الشَّنِيعَةَ الشَّنْعاءَ وأغْرَوْهم عَلَيْها فَكَيْفَ يَتَأتّى القَوْلُ بِأنَّهم غافِلُونَ حَقِيقَةً عَنْها أوْ أنَّهم غَيْرُ مُرْتَضِينَ لَها ولَعَلَّ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ يَلْتَزِمُ الكَذِبَ ويَقُولُ بِجَوازِ وُقُوعِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ لا يَصِحُّ مَعَ هَذا القَوْلِ أيْضًا مُطْلَقًا لِأنَّ الأوْثانَ لا تَتَّصِفُ بِالغَفْلَةِ حَقِيقَةً لِأنَّها كَما يُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ اسْمٌ لِتَرْكِ الشَّيْءِ وذَهابِ القَلْبِ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ وهَذا شَأْنُ ذَوِي القُلُوبِ والأوْثانُ لَيْسَتْ مِن ذَلِكَ وكَذا لا تَتَّصِفُ بِها مَجازًا عَنْ عَدَمِ الِارْتِضاءِ إذِ الظّاهِرُ أنَّ مُرادَهم مِن عَدَمِ الِارْتِضاءِ السَّخَطُ والكَراهَةُ وظاهِرٌ أنَّ الأوْثانَ لا تَتَّصِفُ بِسَخَطٍ ولا ارْتِضاءٍ إذْ هُما تابِعانِ لِلْإدْراكِ ولا إدْراكَ لَها ومَن أثْبَتَهُ لِلْجَماداتِ حَسَبَ عالَمِها فالأمْرُ عِنْدَهُ سَهْلٌ ومَن لا يُثْبِتُهُ يَقُولُ: إنَّها مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الشُّعُورِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ بِغَفْلَتِهِمْ عَنْ عِبادَةِ المُشْرِكِينَ عَدَمُ طَلَبِهِمُ الِاسْتِعْدادِيُّ لَها ويَرْجِعُ ذَلِكَ بِالآخِرَةِ إلى نَفْيِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ عَنْ أنْفُسِهِمْ وإثْباتِ الظُّلْمِ لِعابِدِيهِمْ وحِينَئِذٍ فالأظْهَرُ أنْ يُرادَ بِالشُّرَكاءِ جَمِيعُ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مِن ذَوِي العُقُولِ وغَيْرِهِمْ والكُلُّ صادِقٌ في قَوْلِهِ ذَلِكَ وقَدْ يُرادُ مِن عَدَمِ الطَّلَبِ ما يَشْمَلُ عَدَمَ الطَّلَبِ الحالِيِّ والقالِيِّ إذا اعْتُبِرَ كَوْنُ القائِلِ مِمَّنْ يَصِحُّ نِسْبَةُ ذَلِكَ لَهُ كالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهَذا الوَجْهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى شُعُورِ الشُّرَكاءِ بِعِبادَتِهِمْ ولا عَلى عَدَمِهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم شُعُورٌ بِذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ لَهم شُعُورٌ والظّاهِرُ أنَّ تَفْسِيرَ الغَفْلَةِ بِعَدَمِ الِارْتِضاءُ المُرادُ مِنهم عَلى ما قِيلَ السَّخَطُ والكَراهَةُ يَسْتَدْعِي الشُّعُورَ إذْ كَراهَةُ الشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ الشُّعُورِ بِهِ مِمّا لا يَكادُ يُعْقَلُ وإثْباتُهُ لِجَمِيعِ الشُّرَكاءِ ولَوْ إجْمالًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالغَفْلَةِ أكْثَرُ تَهْجِينًا لِلْمُخاطَبِينَ ولِعِبادَتِهِمْ مِنَ التَّعْبِيرِ بِعَدَمِ الطَّلَبِ مَثَلًا فَتَأمَّلْ والباءُ في ﴿ بِاللَّهِ ﴾ صِلَةٌ و ﴿ شَهِيدًا ﴾ تَمْيِيزٌ و ﴿ إنْ ﴾ مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِغافِلِينَ والتَّقْدِيمُ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ أيْ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا فَإنَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ المُطَّلِعُ عَلى كُنْهِ الحالِ إنّا كُنّا غافِلِينَ عَنْ عِبادَتِكم والظّاهِرُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ ﴿ فَكَفى ﴾ إلَخْ اسْتِشْهادٌ عَلى النَّفْيِ السّابِقِ لا عَلى الإثْباتِ اللّاحِقِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى.
للذين وحدوا الله وأطاعوه في الدنيا، لهم الجنة في الآخرة وَزِيادَةٌ، يعني: فضلاً.
قال عامة المفسرين: هي النظر إلى وجه الله تعالى، وهكذا روي عن النبيّ ، وعن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري وغيرهم.
قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال.
حدثنا أبو العباس السراج قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدثنا عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: تلا رسول الله هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ قال: «إذا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وَدَخَلَ أهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَى مُنَادٍ: يا أَهْلَ الجَنَّةِ، إنَّ لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ مَوْعِداً يُحِبُّ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ فَيَقُولُونَ وما هو الموعد؟
ألم يثقّل موازيننا وبيّض وُجُوهَنَا، وَأَدْخَلَنَا الجَنَّة، وَنَجَّانا مِنَ النَّار؟
قالَ: ثُمَّ يُكْشَفُ الحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إلَى الله تعالى، فو الله مَا أعْطَاهُمْ شَيْئاً أحَبَّ إلَيْهمُ مِنَ النَّظَر إلى وجه الله تعالى» .
قال الفقيه : وأخبرنا الثقة بإسناده، عن أبي بكر الصديق وحذيفة قالا: «الزيادة، النظر إلى وجه الله تعالى» .
وعن أبي موسى الأشعري قال: «الحسنى، هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى» .
وعن عامر بن سعد، وعن قتادة، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعن عكرمة مثله.
قال الفقيه: سمعت محمد بن الفضل العابد قال: سمعت علي بن عاصم قال: «أجمع أهل السنة والجماعة أن الله تعالى لم يره أحد من خلقه، وأن أهل الجنة يرونه يوم القيامة» وقال الزجاج: القول في النظر إلى وجه الله تعالى كثير في القرآن، وفي التفسير مروي بالأسانيد الصحاح أنه لا شك في ذلك.
وقال مجاهد: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ قال: الحسنى مثلها، والزيادة المغفرة والرضوان.
وروي عن علقمة قال: الحسنى مثلها، وزيادة عشر أمثالها.
ويقال: الحسنى الجنة وما فيها من الكرامة، والزيادة ما يأتيهم كل يوم من التحف والكرامات من الله تعالى، فيأتيهم رسول الله فيقول لهم: أنا رضيت عنكم، فهل رضيتم عني؟.
ثم قال تعالى: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ، يعني: لا يعلو ولا يغشى وجوههم قَتَرٌ يعني: سواد، وهو كسوف الوجوه عند معاينة النار، ويقال: حزن وَلا ذِلَّةٌ يعني: ولا مذلة.
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، يعني: دائمين لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها.
ثم بيّن حال أهل النار فقال تعالى: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، يعني: أشركوا بالله وعبدوا الأصنام والشمس والقمر والملائكة، فهذا كله من السيئات.
جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها بلا زيادة، يعني: لا يزاد على ذلك، وهذا موصول بما قبله فكأنه قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها بلا زيادة وهذا كقوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [الأنعام: 160] ، ويقال: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، يعني: جزاء الشرك النار، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أشد من النار.
فيكون العذاب موافقاً لسيئاتهم، كقوله تعالى: جَزاءً وِفاقاً [النبأ: 26] ، أي موافقاً لشركهم.
ثم قال تعالى: وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ، يعني: يغشى وجوههم المذلة، يعني: سواد الوجوه والعذاب.
مَّا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ، يعني: مانع يمنعهم من عذاب الله.
ثم وصف سواد وجوههم فقال: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً، يعني: سواد الليل مظلماً، ويقال: قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ يعني: بعضاً من الليل وساعة منه.
قال الفقيه: حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا محمد بن عقيل قال: حدثنا العباس الدوري قال: حدثنا يحيى بن أبي بكر، عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
قال: قال رسول الله : «أوقِدَ عَلَى النَّارِ ألَفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أوقد عليها ألف سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثم أوقد عليها ألف سنة حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِي سَوْدَاءُ كَاللَّيْلِ المُظْلِمِ» (١) (١) حديث أبي هريرة: أخرجه الترمذي (2591) وقال: موقوف أصح ولا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن أبي بكير عن شريك.
وأخرجه ابن ماجة (4320) .
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» وفي الحديث في نار جهنم: «لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ القَارِ» «٢» وما حفظ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فليس بشَاذٍ.
ص: وَرُدَّ بأَنْ «أَسْوَدُ» مِنْ «فَعِلَ» لا من «افعل» : تقولُ: سَوِدَ فَهُوَ أَسْوَدُ، وإِنما امتنع من «سَوِدَ» ونحوِه عِنْد البصريّين لأنه لون.
انتهى.
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)
وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...
الآية: تعديدُ نِعَمٍ منه سبحانه على عباده.
وقوله سبحانه: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: أي: نسوا الأصنام والشركاء، وأفردوا الدعاء للَّه سبحانه، وذكَر الطبريُّ في ذلك، عَنْ بعض العلماء حكايةَ قَوْلِ العَجَمِ:
«هيا شرا هيا» ، ومعناه: يا حيّ يا قيّوم، ويَبْغُونَ: معناه: يُفسدون.
وقوله: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا متاع: خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره هو متاع، أو ذلك مَتَاعٌ، ومعنى الآية: إِنما بغيكم وإِفسادكم/ مُضِرٌّ لكم، وهو في حالة الدنيا، ثم تَلْقَوْنَ عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عُيَيْنة: إِنما بغيكم علَى أنفسِكُمْ متاع الحياة الدنيا: أي تُعَجَّلُ لكم عقوبته وعلى هذا قالوا: البَغْيُ يَصْرَعُ أهله.
قال ع «٣» : وقالوا: البَاغِي مصروعٌ: قال تعالى: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج: ٦٠] ، وقال النبيُّ عليه السلام: «ما ذَنْبٌ أَسْرَعُ عُقُوبَةً مِنْ بَغْيٍ» .
وقوله سبحانه: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: تفاخُرُ الحياة الدنيا وزينتها بالمال
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُجْمَعُ الكُفّارُ وآلِهَتُهم.
﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ ﴾ أيْ: آلِهَتُكم.
قالَ الزَّجّاجُ: " مَكانَكم " مَنصُوبٌ عَلى الأمْرِ، كَأنَّهم قِيلَ لَهُمُ: انْتَظَرُوا مَكانَكم حَتّى نَفْصِلَ بَيْنَكم، والعَرَبُ تَتَوَعَّدُ فَتَقُولُ: مَكانَكَ، أيِ: انْتَظِرْ مَكانَكَ، فَهي كَلِمَةٌ جَرَتْ عَلى الوَعِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " فَزايَلْنا " بِألِفٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَرَّقْنا بَيْنَهم وبَيْنَ آلِهَتِهِمْ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مَن زالَ يَزُولُ وأزَلْتُهُ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما قالَ " فَزَيَّلْنا " ولَمْ يَقُلْ: " فَزِلْنا " لِإرادَةِ تَكْرِيرِ الفِعْلِ وتَكْثِيرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: " كَيْفَ تَقَعُ الفُرْقَةُ بَيْنَهم وهم مَعَهم في النّارِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ فالجَوابُ: أنَّ الفُرْقَةَ وقَعَتْ بِتَبَرِّي كُلِّ مَعْبُودٍ مِمَّنْ عَبَدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آلِهَتُهم، يُنْطِقُ اللَّهُ الأوْثانَ، فَتَقُولُ: ﴿ ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ ﴾ أيْ: لا نَعْلَمُ بِعِبادَتِكم لَنا، لِأنَّهُ ما كانَ فِينا رُوحٌ، فَيَقُولُ العابِدُونَ: بَلى قَدْ عَبَدْناكم، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: ﴿ فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ ﴾ لا نَعْلَمُ بِها.
قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ إنْ كُنّا ﴾ مَعْناهُ: ما كُنّا إلّا غافِلِينَ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ دُخُولِ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّها دَخَلَتْ لِلْمُبالَغَةِ في المَدْحِ كَما قالُوا: أظْرِفْ بِعَبْدِ اللَّهِ، وأنْبِلْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وناهِيكَ بِأخِينا، وحَسْبُكَ بِصَدِيقِنا، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وأصْحابِهِ.
والثّانِي أنَّها دَخَلَتْ تَوْكِيدًا لِلْكَلامِ، إذْ سُقُوطُها مُمْكِنٌ، كَما يُقالُ: خُذْ بِالخِطامِ، وخُذِ الخِطامَ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ يَدْعُو إلى دارِ السَلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللهِ مِنَ عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ نَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الدُعاءَ إلى الشَرْعِ عامٌّ في كُلِّ بَشَرٍ، والهِدايَةُ الَّتِي هي الإرْشادُ مُخْتَصَّةٌ بِمَن قُدِّرَ إيمانُهُ، و"السَلامِ"، قِيلَ: هو اسْمُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فالمَعْنى يَدْعُو إلى دارِهِ الَّتِي هي الجَنَّةُ، وإضافَتُها إلَيْهِ إضافَةُ مُلْكٍ إلى مالِكٍ، فَقِيلَ: السَلامُ: بِمَعْنى السَلامَةِ، أيْ: مِن دَخَلَها ظَفِرَ بِالسَلامَةِ وأمِنَ الفِناءَ والآفاتِ، وهَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ.
وقَدْ ورَدَتْ في دَعْوَةِ اللهِ تَعالى عِبادَهُ أحادِيثَ مِنها رُؤْيا النَبِيِّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، ومَثَّلا دَعْوَةَ اللهِ، ومُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الداعِيَ، والمِلَّةَ المَدْعُوَّ إلَيْها، والجَنَّةَ الَّتِي هي ثَمَرَةُ الغُفْرانِ بِالمَأْدُبَةِ يَدْعُو إلَيْها مَلِكٌ إلى مَنزِلِهِ.
وذَكَرَ قَتادَةُ في كَلامِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَوْراةِ مَكْتُوبًا: "يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَرِّ انْتَهِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ وهي الجُمْهُورُ: الحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِيادَةُ: النَظَرُ إلى وجْهِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ورُوِيَ في نَحْوِ ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ رَواهُ صُهَيْبٌ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ، وحُذَيْفَةَ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وعامِرِ بْنِ سَعْدٍ، وعَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: الزِيادَةُ: غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحُسْنى: هي الحَسَنَةُ، والزِيادَةُ: هي تَضْعِيفُ الحَسَناتِ إلى سَبْعِمِائَةٍ فَدُونَها حَسَبَما رُوِيَ في نَصِّ الحَدِيثِ، وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ يُعَضِّدُهُ النَظَرُ، ولَوْلا عِظَمُ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ لِتَرَجَّحَ هَذا القَوْلُ، وطَرِيقُ تَرْجِيحِهِ أنَّ الآيَةَ تَتَضَمَّنُ اقْتِرانًا بَيْنَ ذِكْرِ عُمّالِ الحَسَناتِ وعُمّالِ السَيِّئاتِ، فَوَصَفَ المُحْسِنِينَ بِأنَّ لَهم -عَلى إحْسانِهِمْ- حُسْنى زِيادَةً مِن جِنْسِها، ووَصَفَ المُسِيئِينَ بِأنَّ لَهم بِالسَيِّئَةِ مِثْلَها، فَتَعادَلَ الكَلامانِ.
وعَبَّرَ عَنِ الحَسَناتِ بِالحُسْنى مُبالَغَةً إذْ هي عَشْرَةٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الحُسْنى عامٌّ في كُلِّ حُسْنى فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ ما قِيلَ، ووَعَدَ اللهُ تَعالى في جَمِيعِها بِالزِيادَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ ، ولَوْ كانَ مَعْنى الحُسْنى الجَنَّةَ لَكانَ في القَوْلِ تَكْرِيرٌ بِالمَعْنى، عَلى أنَّ هَذا يُنْفَصَلُ عنهُ بِأنَّهُ وصْفُ المُحْسِنِينَ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ وأنَّهم لا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لَهُمْ، أيْ: أُولَئِكَ مُسْتَحِقُّوها وأصْحابُها حَقًّا وبِاسْتِيجابٍ.
و"يَرْهَقُ" مَعْناهُ: يَغْشى مَعَ ذِلَّةٍ وتَضْيِيقٍ، والقَتَرُ: الغُبارُ المُسْوَدُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ...
مَوْجٌ تَرى وسْطَهُ الراياتِ والقَتَرا وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ: "قَتْرٌ" بِسُكُونِ التاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في رَفْعِ "الجَزاءِ" بِمَ هُوَ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: "لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: "جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها" والباءُ زائِدَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ رَفْعُ "الجَزاءِ" عَلى المُبْتَدَإ، وخَبَرُهُ في "الَّذِينَ" لِأنَّ "والَّذِينَ" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لِلَّذِينَ أحْسَنُوا"، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلِلَّذِينِ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها"، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ فَقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَعُمُّ السَيِّئاتُ هاهُنا الكُفْرَ والمَعاصِيَ، فَمَثَلَ سَيِّئَةِ الكُفْرِ التَخْلِيدُ في النارِ، ومَثَلَ سَيِّئَةِ المَعاصِي مَصْرُوفٌ إلى مَشِيئَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
والعاصِمُ: المُنَجِّي والمُجِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ ﴾ ، وَ"أُغْشِيَتْ": كُسِيَتْ، ومِنهُ الغِشاوَةُ، والقِطَعُ: جَمْعُ قِطْعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "قِطْعًا" بِسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الطاءِ، والقِطْعُ: الجُزْءُ مِنَ اللَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ ﴾ ، وهَذا يُرادُ بِهِ الجُزْءُ مِن زَمانِ اللَيْلِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الجُزْءُ مِن سَوادِهِ، و"مُظْلِمًا" نَعْتٌ لِقَطْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "مِنَ اللَيْلِ"، فَإذا كانَ نَعْتًا فَكانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُمْلَةِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَها، وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ: "قِطْعًا اسْتَقَرَّ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمًا" عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ﴾ .
ومَن قَرَأ "قِطَعًا" عَلى جَمْعِ قِطْعَةٍ فَنَصْبُ "مُظْلِمًا" عَلى الحالِ مِنَ اللَيْلِ، والعامِلُ في الحالِ "مِن" إذْ هي العامِلُ في ذِي الحالِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "كَأنَّما يُغْشى وُجُوهَهم قِطْعٌ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمٌ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "قِطَعٌ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمٌ" بِتَحْرِيكِ الطاءِ في "قِطَعٍ".
<div class="verse-tafsir"
هذه الجملة معطوفة على جملة ﴿ والذين كسبوا السيئات ﴾ [يونس: 27] باعتبار كونها معطوفة على جملة ﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ [يونس: 26] فإنه لما ذكر في الجملتين السابقتين ما يختص به كل فريق من الفريقين من الجزاء وسماته جاءت هذه الجملة بإجماللِ حالةٍ جامعةٍ للفريقين ثم بتفصيل حَالة يمتاز بها المشركون ليحصل بذلك ذكر فظيع من أحوال الذين بلغوا الغاية في كسب السيئات، وهي سيئة الإشراك الذي هو أكبر الكبائر، وبذلك حصلت المناسبة مع الجملة التي قبلها المقتضية عطفها عليها.
والمقصود من الخبر هو ذكر حشرهم جميعاً، ثم ما يقع في ذلك الحشر من افتضاح الذين أشركوا، فكان مقتضى الظاهر أن يقال، ونحشرهم جميعاً.
وإنما زيد لفظ ﴿ يوم ﴾ في صدر الجملة لأن ذلك اليوم لما كان هو زمن الحشر وأعماللٍ عظيمة أريد التذكير به تهويلاً وموعظة.
وانتصاب ﴿ يوم نحشرهم ﴾ إما على المفعولية بتقدير: اذْكر، وإما على الظرفية لفعل مقدر يدل عليه قوله: ﴿ ثم نقول للذين أشركوا مكانكم ﴾ والتقدير: ونقول للذين أشركوا مكانكم يوم نحشر الناس جميعاً.
وضمير ﴿ نحشرهم ﴾ للذين تقدم الكلام عليهم وهم الذين أحسنوا والذين كسبوا السيئات.
وقوله: ﴿ جميعاً ﴾ حال من الضمير البارز في ﴿ نحشرهم ﴾ للتنصيص على إرادة عموم الضمير.
وذلك أن الحشر يعم الناس كلهم.
ومن نكت ذِكر حشر الجميع هُنا التنبيهُ على أن فظيعَ حال المشركين وافتضاحهم يكون بمرأى ومسمع من المؤمنين، فتكون السلامة من تلك الحالة زيادة في النعمة على المسلمين وتقوية في النكاية للمشركين.
والحشر: الجمع من أمكنة إلى مكان واحد.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وحشرنا عليهم كل شيء ﴾ في سورة [الأنعام: 111].
وقوله: مكانَكم} منصوب على المفعولية بفعل محذوف تقديره: الزموا مكانكم، واستعماله هذا شائع في كلام العرب في الأمر بالملازمة مع التزام حذف العامل فيه حتى صار بمنزلة أسماء الأفعال الموضوعة للأمر، نحو: صَهْ، ويقترن بضمير مناسب للمخاطب من إفراد وغيره، قال عمرو بن الأطنابة: مكانَككِ تحمدي أو تستريحي *** وأمرُهم بملازمة المكان تثقيف وحَبس.
وإذ قد جمع فيه المخاطَبون وشركاؤهم عُلِم أن ذلك الحبس لأجل جريمة مشتركة بين الفريقين، وهي كون أحد الفريقين عابداً والآخرِ معبوداً.
وقوله: ﴿ أنتم ﴾ تأكيد للضمير المتصل المقدر في الفعل المقدر، وهو المسوغ للعطف عليه وبهذا العطف صار الشركاء مأمورين باللبث في المكان.
والشركاء: الأصنام.
وصفوا بالشركاء لاعتقاد المخاطبين ذلك، ولذلك أضيف إلى ضميرهم، أي أنتم والذين زَعمتم أنهم شركاء.
فإضافة شركاء إلى ضمير المخاطبين تهكم.
وعطف ﴿ فزيلْنا ﴾ بفاء التعقيب لإفادة حصول ذلك في عقب وقت الأمر باللبث.
ولما كانت الفاء تقتضي الترتيب الزمني في حصول معطوفها إثر المعطوف عليه وكان المقصود هنا أن التزييل حصل مقارناً لإلزامهم المكان عبر عن فعل التزييل بصيغة الماضي لإفادة تحقيق وقوع التزييل كقوله: ﴿ أتى أمر الله ﴾ [النحل: 1].
وزيَّل: مضاعف زال المتعدي.
يقال: زَاله عن موضعه يَزِيله بمعنى أزاله فجعلوه يائي العين للتفرقة بينه وبين زال القاصر الذي هو واوي العين، فزيَّل فعل للمبالغة في الزيْل مثل فَرَّق مبالغة في فرق.
والمعنى وقع بينهم تفريق قوي بحيث انقطعت جميع الوِصَل التي كانت بينهم.
والتزييل هنا مجازي فيشمل اختلاف القول.
وتعليق التزييل بالأصنام باعتبار خلق معناه فيها حين أنطقها الله بما يخالف زعم عبّادها.
وجملة ﴿ وقال شركاؤهم ﴾ عطف على جملة: ﴿ فزيلنا ﴾ فهو في حيز التعقيب، ويجوز جعلها حالاً.
ويقول الشركاء هذا الكلام بخَلق نطق فيها خارق للعادة يفهمه الناس لإشعار أولئك العابدين بأن أصنامهم تبرأوا منهم، وذلك مما يزيدهم ندامة.
وكلام الأصنام يفيد نفي أن يكونوا عبدوهم بل عبدوا غيرهم.
وفي استقامة ذلك إشكال لأن الواقع أنهم عبدوهم وعبدوا غيرهم فكيف ينفي كلامهم عبادتهم إياهم وهو كلام خلقه الله فيهم فكيف يكون كذباً.
وقد تأول المفسرون هذا بوجوه لا ينثلج لها الصدر.
والذي ظهر لي أن يكون آخر كلام الأصنام مُبيناً لما أجمله أوله بأنهم نفوا أن يكونوا عبدوهم عبادةً كاملة وهي العبادة التي يقصِد منها العابد امتثال أمر المعبود وإرضاءه فتقتضي أن يكون المعبود عالماً وآمراً بتلك العبادة.
ولما كانت الأصنام غير عالمين ولا آمرين استقام نَفْيهم أن يكون عبدتهم قد عبدوهم تلك العبادة وإنما عبدوا غيرهم ممن أمروهم بالعبادة وهم الشياطين ولذلك قالوا: ﴿ إنْ كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ كما تفسره الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿ أهؤلاء إياكم كانوا يعبُدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ [سبأ: 40، 41].
فالمراد بالشركاء الأصنام لا غيرها، ويجوز أن يكون نُطقها بجحد عبادة المشركين هو أن خلق لها عقولاً فكانت عقولها مستحدثة يومئذٍ لم يتقرر فيها علم بأن المشركين عَبدوها.
ويفسر هذا قولهم بعد ذلك ﴿ إن كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ .
وجملة: ﴿ فكفى بالله شهيدا ﴾ مؤكدة بالقسم ليُثبتوا البراءة مما ألصق بهم.
وجواب القسم ﴿ إن كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ .
وليس قولهم: ﴿ كفى بالله شهيدا ﴾ قسما على كلامهم المتقدم لأن شأن القسم أن يكون في صدر الجملة.
وعطفت جملة القسم بالفاء للدلالة على أن القسم متفرع على الكلام المتقدم لأن إخبارهم بنفي أن يكونوا يعبدونهم خبرٌ غريب مخالف لما هو مشاهد فناسب أن يفرع عليه ما يحققه ويبينه مع تأكيد ذلك بالقسم.
والإتيان بفاء التفريع عند تعقيب الكلام بجملة قسمية من فصيح الاستعمال، كقوله تعالى: ﴿ كمَا أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ [الحجر: 90 93].
ومن خصائصه أنه إذا عطف بفاء التفريع كان مُؤكداً لما قبله بطريق تفريع القسم عليه ومؤكِّداً لما بعده بطريق جواب القسم به.
وهذه الآية لم تفسَّر حق تفسيرها.
والشهيد: الشاهد، وهو المؤيد والمصدّق لدعوى مدع، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ﴾ [النساء: 6].
و (كفى] بمعنى أجزأ وأغنى عن غيره.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وكفى بالله وليا ﴾ في سورة [النساء: 45].
وهو صيغة خبر مستعمل في إنشاء القسم.
والباء مزيدة للتأكيد.
وأصله كفى الله شهيداً.
وانتصب: شهيدا} على التمييز لنسبة الكفاية إلى الله لما فيها من الإجمال.
وجملة: ﴿ إن كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ جواب للقسم.
(وإنْ) مخففة من (إنّ).
واسمها ضمير شأن ملتزم الحذف.
وجملة: ﴿ كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ مفسّرة لضمير الشأن.
واللام فارقة بين (إنْ) المؤكدة المخففة و(إنْ) النافية.
وتقديم قوله: ﴿ عن عبادتكم ﴾ على عامله للاهتمام وللرعاية على الفاصلة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ رَبِّهِمْ.
﴿ الحُسْنى وزِيادَةٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ تَعالى.
وَهَذا قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ وحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ.
والثّانِي: أنَّ الحُسْنى واحِدَةٌ مِنَ الحَسَناتِ، والزِّيادَةُ مُضاعَفَتُها إلى عَشْرِ أمْثالِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الحُسْنى حَسَنَةٌ مِثْلُ حَسَنَةٍ.
والزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ ورِضْوانٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الحُسْنى الجَزاءُ في الآخِرَةِ والزِّيادَةُ ما أُعْطُوا في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: أنَّ الحُسْنى الثَّوابُ، والزِّيادَةُ الدَّوامُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ الحُسْنى ما يَتَمَنَّوْنَهُ، والزِّيادَةُ ما يَشْتَهُونَهُ.
﴿ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ﴾ في مَعْنى يَرْهَقُ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْلُو.
الثّانِي: يَلْحَقُ، ومِنهُ قِيلَ غُلامٌ مُراهِقٌ إذا لَحِقَ بِالرِّجالِ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَتَرٌ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ سَوادُ الوُجُوهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الحُزْنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الدُّخانُ ومِنهُ قُتارُ اللَّحْمِ وقُتارُ العُودِ وهو دُخانُهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الغُبارُ في مَحْشَرِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا ﴿ وَلا ذِلَّةٌ ﴾ فِيها ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: الهَوانُ.
الثّانِي: الخَيْبَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين كسبوا السيئات ﴾ قال: الذين عملوا الكبائر ﴿ جزاء سيئة بمثلها ﴾ قال: النار ﴿ وترهقهم ذلة ﴾ قال: الذل ﴿ كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً ﴾ والقطع السواد، نسخها الآية في البقرة ﴿ بلى من كسب سيئة ﴾ [ البقرة: 81] الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وترهقهم ذلة ﴾ قال: يغشاهم ذلة وشدة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ رضي الله عنهما ﴿ ما لهم من الله من عاصم ﴾ يقول: من مانع.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ما لهم من الله من عاصم ﴾ قال: من نصير ﴿ كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل ﴾ قال: ظلمة من الليل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ الآية، هذا من كلام معبوديهم (١) ﴿ إِنْ كُنَّا ﴾ (إن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة، ودليله إلحاق اللام في الخبر للفرق بين (إن) الجحد و (إن) المؤكدة، والتقدير: إنا (٢) إن هالك كل من يحفى وينتعل (٣) وقد ذكرنا نظائر هذا فيما تقدم.
(١) في (ح) و (ز) و (ص): (معبودهم)، وهو خطأ.
(٢) في (ح) و (ز) و (ص): (إن)، وهو خطأ.
(٣) سبق تخريجه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والله يدعوا إلى دَارِ السلام ﴾ أي إلى الجنة، وسميت دار السلام أي دار السلامة من العناء والتعب، وقيل: السلام هنا اسم الله: أي يدعو إلى داره ﴿ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ذكر الدعوة إلى الجنة عامة مطلقة والهداية خاصة بمن يشاء ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، وقيل: الحسنى جزاء الحسنة بعشر أمثالها والزيادة التضعيف فوق ذلك إلى سبعمائة، والأول أصح لوروده في الحديث وكثرة القائلين به ﴿ قَتَرٌ ﴾ أي غبار بغير الوجه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لقضي إليهم ﴾ مبنياً للفاعل ﴿ أجلهم ﴾ بالنصب: ابن عامر ويعقوب.
الآخرون مبنياً للمفعول ورفع ﴿ أجلهم ﴾ أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام ﴿ لي أن ﴾ بفتح الياء وكذلك ﴿ إني أخاف ﴾ : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ نفسي أن ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.
﴿ ولأدراكم ﴾ بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة.
وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا.
الباقون:مثله ولكن بالتفخيم.
﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالياء.
الوقوف: ﴿ أجلهم ﴾ ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ أو قائماً ﴾ ط ﴿ مسه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ ليؤمنوا ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أو بدله ﴾ ط.
﴿ نفسي ﴾ ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد ﴿ إليّ ﴾ ط ج لمثل ما قلنا ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ به ﴾ ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى ﴿ من قبله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاختلفوا ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ فانتظروا ﴾ ج لاحتمال الابتداء أو التعليل ﴿ المنتظرين ﴾ ه.
التفسير: إنه ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى.
ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ الآية.
وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف.
وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.
كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا.
قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير.
فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم.
وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر.
فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم.
وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب.
وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به.
ثم إن قوله ﴿ لو يعجل ﴾ كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله ﴿ فنذرهم ﴾ معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى.
ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ أي هذا الجنس ﴿ دعانا لجنبه ﴾ اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا.
وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه.
والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء.
ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها.
أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء.
قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر.
ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر.
وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله : ﴿ هل أتى على الإنسان ﴾ إلا أن يساعده نقل صحيح.
والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه.
قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب.
ومعنى ﴿ مرّ ﴾ مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه.
ومعنى ﴿ كأن لم يدعنا ﴾ كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ من تتبع الشهوات.
والمزين هو الله أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً.
قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام.
والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا.
ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ﴿ ولقد أهلكنا القرون ﴾ وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ﴿ ولما ﴾ ظرف لأهلكنا والواو في ﴿ وجاءتهم ﴾ للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم ﴿ رسلهم ﴾ بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات.
وقوله: ﴿ وما كانوا ليؤمنوا ﴾ إما أن يكون عطفاً على ﴿ ظلموا ﴾ أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله .
ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله بقوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ أي استخلفناكم ﴿ في الأرض ﴾ بعد تلك القرون ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ خيراً أو شراً.
استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف".
قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار.
ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.
طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها.
فأمره الله أن يقول في جوابهم ﴿ ما يكون لي ﴾ أي ما ينبغي وما يحل ﴿ أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى.
ثم أكد الجواب بقوله: ﴿ إن أتبع ﴾ أي ما أتبع ﴿ إلا ما يوحى إلي ﴾ إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل.
وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي.
ونقل عن ابن عباس أن قوله: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.
قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية.
فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ .
ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك.
ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله وأنه غير مستبد في إيراده فقال: ﴿ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ﴾ ولا أعلمكم الله ﴿ به ﴾ على لساني.
ومن قرأ بلام الابتداء.
فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري.
وقرىء ﴿ لا أدرأكم به ﴾ بالهمزة.
ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع.
ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ﴿ فقد لبثت فيكم عمراً ﴾ أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل نزول القرآن ﴿ أفلا تعقلون ﴾ فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية.
وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول إلى الله لم يكن أحد أظلم منه.
ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ﴾ إن لم يعبدوه ﴿ ولا ينفعهم ﴾ إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً.
وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ﴾ ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور.
تقول: ما علم الله ذلك مني.
والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط.
وفي قوله: ﴿ في السموات ولا في الأرض ﴾ تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم.
قوله: { وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به.
ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا.
وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لقضى بينهم ﴾ عاجلاً ولميز المحق من المبطل.
ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله: ﴿ لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً.
﴿ فقال إنما الغيب لله ﴾ هو المختص بعلمه ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ اختلف فيه؛ قيل: الجنة، والسلام: الله أضافها إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾ فأضاف الجنة إلى السلام إن كان دار السلام هي الجنة، فهو - والله أعلم - لأن المساجد هي أمكنة يقام فيها القرب، والجنة هي مكان اللذة وقضاء الشهوة، فأضافها إلى السلام لما يسلم أهلها عن جميع الآفات، والمساجد خصت بالإضافة إلى الله ؛ لأنها أمكنة يقام فيها القرب.
وقال بعضهم: دار السلام: الإسلام.
ثم يحتمل كل واحد من التأويلين وجهين بما سمى الإسلام دار السلام والجنة، كذلك سمى الإسلام دار السلام؛ لأنه يأمن ويسلم كل من دخل فيه عن جميع الأهوال والآفات التي تكون.
والثاني: سمى [الإسلام دار السلام] أضافه إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ...
﴾ الآية [الزمر: 22]، أخبر أنه على نور من ربه؛ فعلى ذلك إضافة الإسلام إليه.
ومن قال: دار السلام الجنة سمى دار السلام؛ لأن كل من دخل الجنة سلم وأمن عن الأهوال كلها والآفات جميعاً.
والثاني: دار: الجنة، والسلام: الله أضاف إليه؛ لأنها دار أوليائه، وقد تضاف إلى الله على إرادة أوليائه، والله أعلم.
وروي في بعض الأخبار عن أبي قلابة أن النبي قال: "قيل لي لتنم عينك، وليعقل قلبك، ولتسمع أذنك فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت أذني، ثم قيل لي: سيد بنى داراً وجعل مأدبة وأرسل داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد فالله السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد " إن ثبت هذا الخبر ففيه أن الدار الإسلام على ما قاله بعض أهل التأويل وفي خبر آخر عن جابر بن عبد الله قال: "خرج علينا رسول الله يوماً فقال: رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي، قال أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، قال: اسمع سمعت أذنك، وأعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً ثم بنى فيها بنياناً فأتمه، ثم جعل فيها المأدبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسول، ومن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها" هذا يدل - أيضاً - إن ثبت أن الدار التي ذكر في الآية هو الإسلام، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ...
﴾ الآية: ذكر الاستثناء في الهداية، ولم يذكر في الدعاء؛ ليعلم [أن] لا كل من يدعو إلى دار السلام يهديه، وإنما [يهدي به] من يعلم منه أنه يختار الهدى وذلك على القدرية.
ثم الهدى على وجوه ثلاثة.
أحدها: الدعاء كقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ .
والثاني: هو البيان كقوله: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾ يعني القرآن.
والثالث: التوفيق والعصمة إذا وفق اهتدى، والهدى هاهنا التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: للذين أحسنوا في الدنيا لهم الحسنى في الآخرة جزاء ذلك الإحسان وهي الجنة، سمى الجنة الحسنى؛ لأنها جزاء الإحسان، كما سمى النار السوءى؛ كقوله: ﴿ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤأَىٰ ﴾ لأنها جزاء السوء؛ كقوله: ﴿ هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ ﴾ ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾ قيل: المحبة في قلوب العباد يحبه كل محسن، وهيبة له في قلوب الناس يهابه كل أحد على غير سلطان له ولا يد.
وقال قائلون: قوله: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ﴾ أي: مثل تلك الحسنة وزيادة التضعيف، حتى تكون عشرا وسبعمائة وما شاء الله، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا ﴾ .
وقال قائلون: [قوله]: ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾ الرؤية: رؤية الرب والنظر؛ كقوله : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ .
وقال قائلون: الزيادة قبول حسناته مع ما فيها من الخلط بالسيئات، يقبل حسناته بفضله.
وإن كانت تشوبها السيئات ورضاه عنه، وذلك طريقه الفضل والإحسان؛ إذ قد سبق من الله إليه من النعم ما لا يقدر القيام على وفاء نعمة منها طول عمره.
وعن علي بن أبي طالب - - قال: "الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب".
فلا ندري ما الزيادة التي ذكرها عز وجل في الآية إلا بالخبر عن الله.
وقال قائلون: الحسنى ما تقدره العقول وتدركها وتصورها الأوهام، وأما الزيادة فهي التي لا تقدرها العقول ولا تدركها ولا تصورها الأوهام؛ كقوله : "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ ﴾ قيل: لا يغشى وجوههم الغبار والريح على ما وصف وجوه أهل النار، وهو قوله: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ ، ولكن على ما وصف وجوه أهل الجنة بقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ﴾ ، وذلك - والله أعلم - آثار إحسانهم التي أحسنوا في الدنيا، ولما لم يروا النعم التي كانت لهم من سواه ولم يصرفوا شكرها إلى غيره، والغبرة والقترة التي ذكر لأهل النار هي آثار السيئات التي عملوها في الدنيا من عبادتهم دون الله وصرفهم شكر النعم إلى غيره ونحو ذلك من صنيعهم الذي صنعوا في الدنيا، والله أعلم.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
هنا تتبرأ منهم آلهتهم التي عبدوها من دون الله قائلة: فالله شاهد -وكفى به- أنّا لم نرض بعبادتكم لنا، ولم نأمركم بها، وأنا لم نشعر بعبادتكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.Nmqnj"