الآية ٣٠ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٣٠ من سورة يونس

هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ) أي : في موقف الحساب يوم القيامة تختبر كل نفس وتعلم ما أسلفت من [ عملها من ] خير وشر ، كما قال تعالى : ( يوم تبلى السرائر ) [ الطارق : 9 ] ، وقال تعالى : ( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) [ القيامة : 13 ] ، وقال تعالى : ( ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) [ الإسراء : 13 ، 14 ] .

وقد قرأ بعضهم : ( هنالك تتلو كل نفس ما أسلفت ) وفسرها بعضهم بالقراءة ، وفسرها بعضهم بمعنى تتبع ما قدمته من خير وشر ، وفسرها بعضهم بحديث : " تتبع كل أمة ما كانت تعبد ، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ، ويتبع من كان يعبد القمر القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت " الحديث .

وقوله : ( وردوا إلى الله مولاهم الحق ) أي : ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل ، ففصلها ، وأدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار .

( وضل عنهم ) أي : ذهب عن المشركين ( ما كانوا يفترون ) أي : ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30) قال أبو جعفر : اختلفت القراء في قراءة قوله: ( هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ) ، بالباء، بمعنى: عند ذلك تختبر كلّ نفس ما قدمت من خيرٍ أو شٍّر.

(43) وكان ممن يقرؤه ويتأوّله كذلك ، مجاهدٌ.

17654- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت) ، قال: تختبر.

17655- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

17656- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* * * وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة وبعض أهل الحجاز: ( تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ) ، بالتاء.

(44) * * * واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله.

فقال بعضهم: معناه وتأويله: هنالك تتبع كل نفس ما قدَّمت في الدنيا لذلك اليوم.

(45) وروي بنحو ذلك خبرٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من وجْه وسَنَدٍ غير مرتضى أنه قال: يَمْثُل لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله يوم القيامة، فيتَّبعونهم حتى يوردوهم النار.

قال: ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (هنالك تتلو كل نفس ما أسلفت) .

(46) * * * وقال بعضهم: بل معناه: يتلو كتاب حسناته وسيئاته.

يعني يقرأ، كما قال جل ثناؤه: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ، [سورة الإسراء: 13].

* * * وقال آخرون: " تَتْلو " تعاين.

(47) *ذكر من قال ذلك: 17657- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (هنالك تَتْلو كل نفس ما أسلفت) ، قال: ما عملت.

تتلو: تعاينه.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء، وهما متقاربتا المعنى.

وذلك أن من تبع في الآخرة ما أسلفَ من العمل في الدنيا، هجم به على مَوْرده، فيخبر هنالك ما أسلفَ من صالح أو سيئ في الدنيا، وإنّ مَنْ خَبَر من أسلف في الدنيا من أعماله في الآخرة، فإنما يخبرُ بعد مصيره إلى حيث أحلَّه ما قدم في الدنيا من علمه، فهو في كلتا الحالتين مُتَّبع ما أسلف من عمله ، مختبر له، فبأيتهما قرأ القارئ كما وصفنا ، فمصيبٌ الصوابَ في ذلك.

* * * وأما قوله: (وردّوا إلى الله مولاهم الحق) ، فإنه يقول: ورجع هؤلاء المشركون يومئذٍ إلى الله الذي هو ربهم ومالكهم ، الحقّ لا شك فيه ، دون ما كانوا يزعمون أنهم لهم أرباب من الآلهة والأنداد ، ( وضل عنهم ما كانوا يفترون) ، يقول: وبطل عنهم ما كانوا يتخرَّصون من الفرية والكذب على الله بدعواهم أوثانهم أنها لله شركاء، وأنها تقرِّبهم منه زُلْفَى، (48) كما:- 17658- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وردوا إلى الله مولاهم الحق وضلّ عنهم ما كانوا يفترون) ، قال: ما كانوا يدعون معه من الأنداد والآلهة، ما كانوا يفترون الآلهة، وذلك أنهم جعلوها أندادًا وآلهة مع الله افتراءً وكذبًا.

--------------------------- الهوامش : (43) في المطبوعة : " بما قدمت " بالباء ، لم يحسن قراءة المخطوطة.

وانظر تفسير " الابتلاء " فيما سلف من فهارس اللغة ( بلا ) (44) انظر هذه القراءة وتفسيرها فيما سلف 2 : 411 .

(45) انظر تفسير " يتلو " فيما سلف من فهارس اللغة ( تلا ) .

(46) " لم أجد نص الخبر في غير هذا المكان .

مسندًا ولا غير مسند .

(47) في المطبوعة في المواضع كلها " تبلو " بالباء ، وفي المخطوطة غير منقوطة ، والصواب بالتاء ، وذلك بين أيضًا من سياق التفسير لهذه القراءة .

(48) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترونقوله تعالى هنالك في موضع نصب على الظرف تبلو أي في ذلك الوقت .

تبلو أي تذوق .

وقال الكلبي : تعلم .

مجاهد : تختبر .كل نفس ما أسلفت أي جزاء ما عملت وقدمت .

وقيل : تسلم ، أي تسلم ما عليها من الحقوق إلى أربابها بغير اختيارها .

وقرأ حمزة والكسائي " تتلو " أي تقرأ كل نفس كتابها الذي كتب عليها .

وقيل : " تتلو " تتبع ; أي تتبع كل نفس ما قدمت في الدنيا ; قاله السدي .

ومنه قول الشاعر :إن المريب يتبع المريبا كما رأيت الذيب يتلو الذيباقوله تعالى وردوا إلى الله مولاهم الحق بالخفض على البدل أو الصفة .

ويجوز نصب الحق من ثلاث جهات ; يكون التقدير : وردوا حقا ، ثم جيء بالألف واللام .

ويجوز أن يكون التقدير : مولاهم حقا لا ما يعبدون من دونه .

والوجه الثالث أن يكون مدحا ; أي أعني الحق .

ويجوز أن يرفع " الحق " ، ويكون المعنى مولاهم الحق - على الابتداء والخبر والقطع مما قبل - لا ما يشركون من دونه .

ووصف نفسه سبحانه بالحق لأن الحق منه ، كما وصف نفسه بالعدل لأن العدل منه ; أي كل عدل وحق فمن قبله ، وقال ابن عباس : مولاهم الحق أي الذي يجازيهم بالحق .

فإن قيل : كيف قال : [ ص: 247 ] وردوا إلى الله مولاهم الحق وقد أخبر بأن الكافرين لا مولى لهم .

قيل ليس بمولاهم في النصرة والمعونة ، وهو مولى لهم في الرزق وإدرار النعم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ـ{‏هُنَالِكَ‏}‏ أي‏:‏ في ذلك اليوم ‏{‏تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ‏}‏ أي‏:‏ تتفقد أعمالها وكسبها، وتتبعه بالجزاء، وتجازي بحسبه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وضل عنهم ما كانوا يفترون من قولهم بصحة ما هم عليه من الشرك وأن ما يعبدون من دون الله تنفعهم وتدفع عنهم العذاب‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قال الله تعالى : ( هنالك تبلو ) أي : تختبر .

وقيل : معناه : تعلم وتقف عليه ، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب : " تتلو " بتاءين ، أي : تقرأ ، ( كل نفس ) صحيفتها .

وقيل : معناه تتبع كل نفس ( ما أسلفت ) ما قدمت من خير أو شر .

وقيل : معناه تعاين ، ( وردوا إلى الله ) إلى حكمه فيتفرد فيهم بالحكم ، ( مولاهم الحق ) الذي يتولى ويملك أمورهم : فإن قيل : أليس قد قال : " وأن الكافرين لا مولى لهم ( محمد - 11 ) ؟

قيل : المولى هناك بمعنى الناصر ، وهاهنا بمعنى : المالك ، ( وضل عنهم ) زال عنهم وبطل ، ( ما كانوا يفترون ) في الدنيا من التكذيب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هنالك» أي ذلك اليوم «تبلوا» من البلوى، وفي قراءة بتاءين من التلاوة «كل نفس ما أسلفت» قدمت من العمل «وردوا إلى الله مولاهم الحق» الثابت الدائم «وضل» غاب «عنهم ما كانوا يفترون» عليه من الشركاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

في ذلك الموقف للحساب تتفقد كل نفس أحوالها وأعمالها التي سلفت وتعاينها، وتجازى بحسبها: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ورُدَّ الجميع إلى الله الحكم العدل، فأُدخِلَ أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النار النار، وذهب عن المشركين ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ببيان أحوال الناس فى هذا اليوم العظيم فقال : ( هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ وردوا إِلَى الله مَوْلاَهُمُ الحق وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) .أى : هنالك فى ذلك الموقف الهائل الشديد ، تختبر كل نفس مؤمنة أو كافرة : ما سلف منها من أعمال ، فترى ما كان نافعاً أو ضاراً من هذه الأعمال ، وترى الجزاء المناسب عن كل عمل بعد أن عاد الجميع إلى الله مولاهم الحق ، ليقضي بينهم بقضائه العادل ، وقد غاب عن المشركني فى هذا الموقف ما كانوا يفترونه من أن هناك آلهة أخرى ستشفع لهم يوم القيامة .وهكذا نرى الآيات الكريمة تصور أحوال الناس يوم الدين تصويرا بليغا مؤثرا ، يتلجى فيه موقف الشركاء من عابديهم ، وموقف كل إنسان من عمله الذى أسلفه فى الدنيا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن هذه الآية كالتتمة لما قبلها.

وقوله: ﴿ هُنَالِكَ ﴾ معناه: في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو يكون المراد في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان، وفي قوله: ﴿ تَبْلُواْ ﴾ مباحث: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي ﴿ تَتْلُواْ ﴾ بتاءين، وقرأ عاصم ﴿ نبلوكُلُّ نَفْسٍ ﴾ بالنون ونصب كل والباقون ﴿ تَبْلُواْ ﴾ بالتاء والباء.

أما قراءة حمزة والكسائي فلها وجهان: الأول: أن يكون معنى قوله: ﴿ تَتْلُواْ ﴾ أي تتبع ما أسلفت، لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة وإلى طريق النار.

الثاني: أن يكون المعنى: أن كل نفس تقرأ ما في صحيفتها من خير أو شر ومنه قوله تعالى: ﴿ اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا  ﴾ وقال: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءونَ كتابهم  ﴾ وأما قراءة عاصم فمعناها: أن الله تعالى يقول في ذلك الوقت نختبر كل نفس بسبب اختبار ما أسلفت من العمل، والمعنى: أنا نعرف حالها بمعرفة حال عملها، إن كان حسناً فهي سعيدة، وإن كان قبيحاً فهي شقية، والمعنى نفعل بها فعل المختبر، كقوله تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ وأما القراءة المشهورة فمعناها: أن كل نفس نختبر أعمالها في ذلك الوقت.

البحث الثاني: الابتلاء عبارة عن الاختبار قال تعالى: ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات  ﴾ ويقال: البلاء ثم الابتلاء أي الاختبار ينبغي أن يكون قبل الابتلاء.

ولقائل أن يقول: إن في ذلك الوقت تنكشف نتائج الأعمال وتظهر آثار الأفعال، فكيف يجوز تسمية حدوث العلم بالابتلاء؟

وجوابه: أن الابتلاء سبب لحدوث العلم، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور.

وأما قوله: ﴿ وَرُدُّواْ إِلَى الله مولاهم الحق ﴾ فاعلم أن الرد عبارة عن صرف الشيء إلى الموضع الذي جاء منه، وهاهنا فيه احتمالات: الأول: أن يكون المراد من قوله: ﴿ وَرُدُّواْ إِلَى الله ﴾ أي وردوا إلى حيث لا حكم إلا لله على ما تقدم من نظائره.

والثاني: أن يكون المراد ﴿ وَرُدُّواْ ﴾ إلى ما يظهر لهم من الله من ثواب وعقاب، منبهاً بذلك على أن حكم الله بالثواب والعقاب لا يتغير.

الثالث: أن يكون المراد من قوله: ﴿ وَرُدُّواْ إِلَى الله ﴾ أي جعلوا ملجئين إلى الإقرار بإلهيته، بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غير الله تعالى، ولذلك قال: ﴿ مولاهم الحق ﴾ أعني أعرضوا عن المولى الباطل ورجعوا إلى المولى الحق.

وأما قوله: ﴿ مولاهم الحق ﴾ فقد مر تفسيره في سورة الأنعام.

وأما قوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ فالمراد أنهم كانوا يدعون فيما يعبدونه أنهم شفعاء وأن عبادتهم مقربة إلى الله تعالى، فنبه تعالى على أن ذلك يزول في الآخرة، ويعلمون أن ذلك باطل وافتراء واختلاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إَن كُنَّا ﴾ هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وهم الملائكة والمسيح ومن عبدوه من دون الله من أولي العقل، وقيل: الأصنام ينطقها الله عزّ وجلّ فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي زعموها وعلقوا بها أطماعهم ﴿ هُنَالِكَ ﴾ في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أوفى ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان ﴿ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ تختبر وتذوق ﴿ مَّا أَسْلَفَتْ ﴾ من العمل فتعرف كيف هو، أقبيح أم حسن، أنافع أم ضارّ، أمقبول أم مردود؟

كما يختبر الرجل الشيء ويتعرّفه ليكتنه حاله.

ومنه قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تبلى السرائر ﴾ [الطارق: 9] وعن عاصم: نبلو كلَّ نفس، بالنون ونصب كل: أي نختبرها باختبار ما أسلفت من العمل، فنفرق حالها بمعرفة حال عملها: إن كان حسناً فهي سعيدة، وإن كان سيئاً فهي شقية.

والمعنى: نفعل بها فعل الخابر، كقوله تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [هود: 7] ويجوز أن يراد نصيب بالبلاء وهو العذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشرّ.

وقرئ: ﴿ تتلو ﴾ ، أي تتبع ما أسلفت؛ لأنّ عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار.

أو تقرأ في صحيفتها ما قدّمت من خير أو شرّ ﴿ مولاهم الحق ﴾ ربهم الصادق ربوبيته؛ لأنهم كانوا يتولون ما ليس لربوبيته حقيقة.

أو الذي يتولى حسابهم وثوابهم، العدل الذي لا يظلم أحداً.

وقرئ: ﴿ الحق ﴾ بالفتح على تأكيد قوله: ﴿ رُدُّواْ إلى الله ﴾ [الأنعام: 62] كقولك: هذا عبد الله الحق لا الباطل.

أو على المدح كقولك: الحمد لله.

أهل الحمد ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ وضاع عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله.

أو بطل عنهم ما كانوا يختلقون من الكذب وشفاعة الآلهة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ ﴾ فَإنَّهُ العالِمُ بِكُنْهِ الحالِ.

﴿ إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ.

﴿ هُنالِكَ ﴾ في ذَلِكَ المَقامِ.

﴿ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ﴾ تَخْتَبِرُ ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ فَتُعايِنُ نَفْعَهُ وضَرَّهُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « تَتْلُو» مِنَ التِّلاوَةِ أيْ تَقْرَأُ ذِكْرَ ما قَدَّمَتْ، أوْ مِنَ التِّلْوِ أيْ تَتَّبِعُ عَمَلَها فَيَقُودُها إلى الجَنَّةِ أوْ إلى النّارِ.

وقُرِئَ « نَبْلُو» بِالنُّونِ ونُصِبَ ﴿ كُلُّ ﴾ وإبْدالُ ﴿ ما ﴾ مِنهُ والمَعْنى نَخْتَبِرُها أيْ نَفْعَلُ بِها فِعْلَ المُخْتَبِرُ لِحالِها المُتَعَرِّفِ لِسَعادَتِها وشَقاوَتِها بِتَعَرُّفِ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ نُصِيبُ بِالبَلاءِ أيْ بِالعَذابِ كُلَّ نَفْسٍ عاصِيَةٍ بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ الشَّرِّ فَتَكُونُ ﴿ ما ﴾ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ.

﴿ وَرُدُّوا إلى اللَّهِ ﴾ إلى جَزائِهِ إيّاهم بِما أسْلَفُوا.

﴿ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ رَبِّهِمْ ومُتَوَلِّي أمْرِهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ لا ما اتَّخَذُوهُ مَوْلًى، وقُرِئَ « الحَقَّ» بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ أوِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ.

﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ وضاعَ عَنْهم.

﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِن أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم، أوْ ما كانُوا يَدَّعُونَ أنَّها آلِهَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)

{هُنَالِكَ} في ذلك المكان أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان {تبلو كُلُّ نَفْسٍ} تختبر وتذوق {مَّا أَسْلَفَتْ} من العمل فتعرف كيف هو أقبيح أم حسن أنافع أم ضار أمقبول أم مردود وقال الزجاج تعلم كل نفس ما قدمت تتلوا حمزة وعلي أي تتبع ما أسلفت لأن عمله هو الذى هديه إلى طريق الجنة أو النار أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر كذا عن الأخفش {وَرُدُّواْ إِلَى الله مولاهم الحق} ربهم الصادق

فى ربوبيته لأنهم كانوا يتولون ماليس لربوبيته حقيقة أو الذي يتولى حسابهم وثوابهم العدل الذي لا يظلم أحداً {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} وضاع عنهم ما كانوا يدّعون أنهم شركاء لله أو بطل عنهم ما كانوا يختلقون من الكذب وشفاعة الآلهة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هُنالِكَ ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَقامِ الدَّحْضِ والمَكانِ الدَّهْشِ وهو مَقامُ الحَشْرِ فَهُنالِكَ باقٍ عَلى أصْلِهِ وهو الظَّرْفِيَّةُ المَكانِيَّةُ وقِيلَ: إنَّهُ اسْتُعْمِلَ ظَرْفَ زَمانٍ مَجازًا أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿ تَبْلُو ﴾ أيْ تُخْتَبَرُ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ مُؤْمِنَةً كانَتْ أوْ كافِرَةً ﴿ ما أسْلَفَتْ ﴾ مِنَ العَمَلِ فَتُعايِنُ نَفْعَهُ وضُرَّهُ أتَمَّ مُعايَنَةٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَتْلُو) مِنَ التِّلاوَةِ بِمَعْنى القِراءَةِ والمُرادُ قِراءَةُ صُحُفِ ما أسْلَفَتْ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ ظُهُورِ الأعْمالِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ التِّلْوِ عَلى مَعْنى أنَّ العَمَلَ يَتَجَسَّمُ ويَظْهَرُ فَيَتَّبِعُهُ صاحِبُهُ حَتّى يَرِدَ بِهِ الجَنَّةَ أوِ النّارَ أوْ هو تَمْثِيلٌ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ (نَبْلُو) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ والنُّونِ ونَصْبِ (كُلٍّ) عَلى أنَّ فاعِلَ نَبْلُو ضَمِيرُهُ تَعالى و(كُلّ) مَفْعُولُهُ و(ما) بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ والكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أيْ هُنالِكَ نُعامِلُ كُلَّ نَفْسٍ مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوها ويَتَعَرَّفُ أحْوالَها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ بِاخْتِبارِ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نُصِيبُ بِالبَلاءِ أيِ العَذابِ كُلَّ نَفْسٍ عاصِيَةٍ بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ الشَّرِّ فَتَكُونُ ما مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ وهو الباءُ السَّبَبِيَّةُ ﴿ ورُدُّوا إلى اللَّهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى زَيَّلْنا والضَّمِيرُ لِلَّذِينِ أشْرَكُوا وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ في أثْناءِ الحِكايَةِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِها والمَعْنى رُدُّوا إلى جَزائِهِ وعِقابِهِ أوْ إلى مَوْضِعِ ذَلِكَ فالرَّدُّ إمّا مَعْنَوِيٌّ أوْ حِسِّيٌّ وقالَ الإمامُ: المَعْنى جُعِلُوا مُلْجَئِينَ إلى الإقْرارِ بِأُلُوهِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ مَوْلاهُمُ ﴾ أيْ رَبِّهِمُ ﴿ الحَقِّ ﴾ أيِ المُتَحَقَّقِ الصّادِقِ في رُبُوبِيَّتِهِ لا ما اتَّخَذُوهُ رَبًّا باطِلًا وقُرِئَ (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ والمُرادُ بِهِ اللَّهُ تَعالى وهو مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ أوْ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ والمُرادُ بِهِ ما يُقابِلُ الباطِلَ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ﴾ لِاخْتِلافِ مَعْنى المَوْلى فِيهِما.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ الأوْلى مَنسُوخَةٌ بِالثّانِيَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿ وضَلَّ ﴾ أيْ ضاعَ وذَهَبَ ﴿عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ 30﴾ مِن أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم أوْ ما كانُوا يَدَّعُونَ أنَّها شُرَكاءُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ و(ما) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (رُدُّوا) ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَها عَطْفًا عَلى - زَيَّلْنا - وجُمْلَةُ - رُدُّوا- مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ - تَبْلُو - إلَخْ داخِلَةٌ في الِاعْتِراضِ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلنُّفُوسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ، والعُدُولُ إلى الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ رَدَّهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ يَكُونُ عَلى طَرِيقِ الِاجْتِماعِ وما ذَكَرْناهُ أوْلى لَفْظًا ومَعْنًى، وتَعَقَّبَ شَيْخُ الإسْلامِ جَعْلَ الضَّمِيرِ لِلنُّفُوسِ وعَطَفَ (رُدُّوا) عَلى ﴿ تَبْلُو ﴾ إلَخْ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الحَقِّيَّةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ فَإنَّهُ لِلتَّعْرِيضِ بِالمَرْدُودِينَ ثُمَّ قالَ: ولَئِنِ اكْتُفِيَ فِيهِ بِالتَّعْرِيضِ بِبَعْضِهِمْ أوْ حُمِلَ ﴿ الحَقِّ ﴾ عَلى مَعْنى العَدْلِ في الثَّوابِ والعِقابِ أيْ مَعَ تَفْسِيرِ المَوْلى بِمُتَوَلِّي الأُمُورِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وضَلَّ ﴾ إلَخْ مِمّا لا مَجالَ فِيهِ لِلتَّدارُكِ قَطْعًا فَإنَّ ما فِيهِ مِنَ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ لِلْمُشْرِكِينَ فَيَلْزَمُ التَّفْكِيكُ حَتْمًا وتَخْصِيصُ كُلِّ نَفْسٍ بِالنُّفُوسِ المُشْرِكَةِ مَعَ عُمُومِ البَلْوى لِلْكُلِّ يَأْباهُ مَقامُ تَهْوِيلِ المَقامِ انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ عَطْفَ ﴿ وضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ إلَخْ عَلى (رُدُّوا) مَعَ رُجُوعِ ضَمِيرِهِ لِلنُّفُوسِ وهو غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ فَلا تَغْفَلْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً، هذا كله في يوم نجمعهم جميعاً، يعني: الكفار وآلهتهم.

ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ، يعني: قفوا أنتم وآلهتكم ويقال: الرؤساء والأتباع فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ، يعني: ميزنا وفرقنا بين المشركين وبين آلهتهم، وأصله في اللغة: من زال يزول، وأزلته وزيلته بمعنى واحد، ويقال: فرقنا ما بينهم من التواصل والألفة، يعني: بين الرؤساء والأتباع، ويقال: يأمر الله تعالى أن تلحق كل أمة بما كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله، فيفرّق بين أهل الملل، فذلك قوله فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ يعني: بين أهل الشرك وأهل الإسلام.

ثم قال للمشركين: ماذا كنتم تعبدون؟

فينكرون ويحلفون، ثم يقرون بعد ما يختم على أفواههم وتشد أعضاؤهم أنهم كان يعبدون الأصنام.

وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ، يعني: آلهتهم لمن عبدها: مَّا كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ في الدنيا بأمرنا ولا نعلم بعبادتكم إيانا، ولم تكن فينا روح فنعقل عبادتكم إيانا، فيقول من عبدها: قد عبدناكم وأمرتمونا فأطعناكم، فقالت الآلهة: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً يعني: عالماً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ، يعني: ولم نعلم أنكم تعبدوننا، والفائدة في إحضار الأصنام: أن يظهر عند المشركين ضعف معبودهم، فيزيدهم حسرة على ذلك.

ثم قال تعالى: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ، قرأ حمزة والكسائي تتلوا كل نفس بالتاءين، يعني: عند ذلك تقرّ كل نفس برة أو فاجرة مَّا أَسْلَفَتْ، يعني: ما عملت من خير أو شر.

وهذا قوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء: 71] ويقال: تتلو يعني: تتبع، كقوله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها [الشمس: 2] يعني: يتبعها، وقرأ الباقون تَبْلُوا بالتاء والباء، يعني: عند ذلك تجد، ويقال: تظهر، كقوله يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [الطارق: 9] وقال القتبي: أي يختبر.

ثم قال: وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ، يعني: رجعوا في الآخرة إلى الله مولاهم الحق.

وَضَلَّ عَنْهُمْ، يعني: اشتغل عنهم آلهتهم بأنفسهم مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يختلقون من الكذب الأوثان، فلا يكون لهم شفاعة، ويقال بطل افتراؤهم واضمحل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والبَنِينَ، إِذ مصيرُ ذلك إِلى الفَناءِ كمطرٍ نَزَلَ من السماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، أي: اختلط النباتُ بعْضُهُ ببعض بسَبَبِ الماء، ولفظ البخاريِّ: قال ابن عباس: فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ: فنبت بالماء مِنْ كلِّ لونٍ «١» انتهى.

وأَخَذَتِ الْأَرْضُ لَفْظَةٌ كثُرت في مثل هذا، كقوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ [الأعراف: ٣١] والزُّخْرُف: التزيينُ بالألوان، وقرأ ابن مسعود «٢» وغيره: «وتَزَيَّنَتْ» ، وهذه أصل قراءة الجمهور.

وقوله: وَظَنَّ أَهْلُها: على بابها، وهذا الكلامُ فيه تشبيهُ جملة أمْرِ الحياة الدنيا بهذه الجملة الموصوفة أحوالها، وحَتَّى غايةٌ، وهي حرفُ ابتداء لدخولها على «إِذا» ، ومعناهما متَّصِلٌ إِلى قوله: قادِرُونَ عَلَيْها، ومن بعد ذلك بدأ الجوابُ، والأمْرُ الآتي:

واحدُ الأمور كالرِّيحِ، والصِّرِّ، والسَّمُومِ، ونحوِ ذلك، وتقسيمُهُ لَيْلًا أَوْ نَهاراً، تنبيهٌ على الخَوْف وارتفاع الأمن في كلّ وقت، وحَصِيداً، بمعنى محصود، أي: تالفاً مستهلكاً، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ: أي: لم تنضر، ولم تنعم، ولم تعمر بغَضَارتها، ومعنى الآية:

التحذير من الاغترار بالدنيا إِذ هي معرَّضة للتلف كنبات هذه الأرض وخَصَّ المتفكِّرين بالذكْر تشريفاً للمنزلة وليقَعَ التسابُقُ إِلى هذه الرتبة.

وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ...

الآية: نصٌّ أن الدعاء إِلى الشرْع عامٌّ في كل بَشَرٍ، والهداية التي هي الإِرشادُ مختصّة بمن قدّر إيمانه، والسَّلامِ هنا: قيل: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، والمعنَى: يدعو إِلى داره التي هي الجنّة، وقيل: السَّلامِ بمعنى السّلامة.

لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ مَّا كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)

وقوله سبحانه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ: قال الجمهور: الْحُسْنى:

الجنةُ، وال زِيادَةٌ: النَّظَر إِلَى وجهِ اللَّه عزَّ وجلَّ وفي «صحيح مسلمٍ» من حديثِ صُهَيْبٍ: «فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ» ، وفي رواية: ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةِ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وأخرج هذه الزيادةَ النَّسَائِيُّ عن صُهَيْبٍ، وأَخْرَجَهَا عن صُهَيْبٍ أَيضاً أَبو دَاوُدَ الطَّيَالِسي «١» انتهى من «التذكرة» «٢» .

وقوله سبحانه: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ ...

الآية.

ويَرْهَقُ معناه:

يَغْشَى مع غلبةٍ وتضييقٍ، وال قَتَرٌ: الغُبَار المُسْوَدُّ.

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها قالت فِرْقَةٌ: التقديرُ لهم جزاءُ سيئةٍ بمثلها، وقالت فرقة: التقديرِ جزاءُ سيِّئة مثلها، والباء زائدةٌ، وتعم السيئاتُ هاهنا الكفر والمعاصي، وال عاصِمٍ: المنجّي والمجير، وأُغْشِيَتْ: كسبت، و «القَطْع» :

جمع قِطْعة، وقرأ ابن كثيرٍ والكِسَائِيُّ: «قَطْعاً مِنَ اللَّيْلِ» - بسكون الطاء- «٣» ، وهو الجُزْء من الليل، والمراد: الجُزْء من سواده، وباقي الآية بيّن.

ومَكانَكُمْ: اسم فعلِ الأَمْرِ، ومعناه: قِفُوا واسكنوا، ت: قال ص:

وقدِّر ب «اثبتوا» وأما من قدَّره ب «الزموا مكانَكُمْ» ، فمردودٌ، لأن «الزموا» متعدّ، ومَكانَكُمْ: لا يتعدَّى، فلا يقدَّر به، وإلا لكان متعدياً، واسم الفعل عَلَى حَسَب الفعلِ إِنْ متعدياً فمتعدٍّ، وإِنْ لازماً فلازِمٌ، ثم اعتذر بأنه يمكن أن يكون تقديره ب «الزموا» تقديرَ معنًى، لا تقديرَ إِعرابٍ، فلا اعتراض، انتهى.

قال ع «٤» : فأخبر سبحانَهُ عن حالةٍ تكون لعبدة الأوثان يوم القيامة يؤمرون

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنالِكَ تَبْلُو ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: " تَبْلُو " بِالباءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " تَتْلُو " بِالتّاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: " هُنالِكَ " ظَرْفٌ، والمَعْنى: في ذَلِكَ الوَقْتِ تَبْلُو، وهو مَنصُوبٌ بِتَبْلُو، إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، واللّامُ زائِدَةٌ، والأصْلُ: هُناكَ، وكُسِرَتِ اللّامُ لِسُكُونِها وسُكُونِ الألِفِ، والكافُ لِلْمُخاطَبَةِ.

" وتَبْلُو " تَخْتَبِرُ، أيْ: تَعْلَمُ ومَن قَرَأ " تَتْلُو " بِتاءَيْنِ فَقَدْ فَسَّرَها الأخْفَشُ وغَيْرُهُ: تَتْلُو مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ: تَقْرَأُ.

وفَسَّرُوهُ أيْضًا: تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ.

ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: قَدْ جَعَلَتْ دَلْوِي تَسْتَتْلِينِي ولا أُرِيدُ تَبَعَ القَرِينِ أيْ: تَسْتَتْبِعُنِي، أيْ: مِن ثِقَلِها تَسْتَدْعِي اتِّباعِي إيّاها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرُدُّوا ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ ﴿ إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ الَّذِي يَمْلِكُ أمْرَهم حَقًّا، لا مَن جَعَلُوا مَعَهُ مِنَ الشُّرَكاءِ.

﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أيْ: زالَ وبَطَلَ ﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِنَ الآلِهَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عن عِبادَتِكم لَغافِلِينَ ﴾ ﴿ هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهُمْ: "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ، والضَمِيرُ في "نَحْشُرُهُمْ" عائِدٌ عَلى جَمِيعِ الناسِ مُحْسِنِينَ ومُسِيئِينَ، و"مَكانَكُمْ" نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: لازِمُوا مَكانَكُمْ، وذَلِكَ مُقْتَرِنٌ بِحالِ شِدَّةٍ وخِزْيٍ، و"مَكانَكُمْ" في هَذا المَوْضِعِ مِن أسْماءِ الأفْعالِ إذْ مَعْناهُ: قِفُوا واسْكُنُوا، وهَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن حالَةٍ تَكُونُ لِعَبَدَةِ الأوثانِ يَوْمَ القِيامَةِ، يُؤْمَرُونَ بِالإقامَةِ في مَوْقِفِ الخِزْيِ مَعَ أصْنامِهِمْ، ثُمَّ يُنْطِقُ اللهُ الأصْنامَ بِالتَبَرِّي مِنهم.

وقَوْلُهُ: "وَشُرَكاؤُكُمْ" أيِ:الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ، فَأضافَهم إلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهم شُرَكاءَ إنَّما هو بِزَعْمِ هَؤُلاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: فَرَّقْنا في الحُجَّةِ والمَذْهَبِ وهو مَن زِلْتُ الشَيْءَ عَنِ الشَيْءِ أُزِيلُهُ، وهو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ، وكَوْنُ مَصْدَرِ زَيَّلَ تَزْيِيلًا، يَدُلُّ عَلى أنَّ زَيَّلَ إنَّما هو فَعَّلَ لا فَيْعَلَ، لِأنَّ مَصْدَرَهُ كانَ يَجِيءُ عَلى فَيْعَلَةٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَزايَلْنا"، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّ الكَفّارَ إذا رَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ قِيلَ لَهُمُ:اتَّبَعُوا ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ هَؤُلاءِ، فَتَقُولُ الأصْنامُ: واللهِ ما كُنّا نَسْمَعُ ولا نَعْقِلُ، وما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: ﴿ فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُحاوَرَتَهم إنَّما هي مَعَ الأصْنامِ دُونَ المَلائِكَةِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ بِدَلِيلِ القَوْلِ لَهُمْ: ﴿ مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ ﴾ ، ودُونَ فِرْعَوْنَ ومَن عُبِدَ مِنَ الجِنِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿ إنْ كُنّا عن عِبادَتِكم لَغافِلِينَ ﴾ ، وهَؤُلاءِ لَمْ يَغْفُلُوا قَطُّ عن عِبادَةِ مَن عَبَدَهُمْ، و"أنْتُمْ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: مُوَبَّخُونَ أو مُهانُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أنْتُمْ" تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي هو "قِفُوا" أو نَحْوُهُ.

وَ"شَهِيدًا" نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ، و"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هي مُخَفَّفَةٌ مُوجَبَةٌ حَرْفُ ابْتِداءٍ، ولَزِمَتْها اللامُ فَرْقًا بَيْنَها وبَيْنَ"إنِ" النافِيَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، و"هُنالِكَ" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَبْلُو" بِالباءِ بِواحِدَةٍ بِمَعْنى: تَخْتَبِرُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَتْلُو" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ مِن فَوْقٍ بِمَعْنى: تَتْبَعُ، أيْ: تَطْلُبُ وتَتْبَعُ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: تَقْرَأُ كُتُبَها الَّتِي تُرْفَعُ إلَيْها، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَرِدُّوا" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرُدُّوا إلى اللهِ"، أيْ: رُدُّوا إلى عِقابِ مالِكِهِمْ وشَدِيدِ بَأْسِهِ، فَهو مَوْلاهم في المُلْكِ والإحاطَةِ لا في الرَحْمَةِ والنَصْرِ ونَحْوِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ ﴾ تذييل وفذلكة للجمل السابقة من قوله: ﴿ والله يدعو إلى دار السلام ﴾ [يونس: 25] إلى هنا.

وهو اعتراض بين الجمل المتعاطفة.

والإشارة إلى المكان الذي أنبأ عنه قوله: ﴿ نَحْشرهم ﴾ [يونس: 28] أي في ذلك المكان الذي نحشرهم فيه.

واسم الإشارة في محل نصب على الظرفية.

وعامله ﴿ تبلو ﴾ ، وقدم هذا الظرف للاهتمام به لأن الغرض الأهم من الكلام لعظم ما يقع فيه.

و ﴿ تبلو ﴾ تختبر، وهو هنا كناية عن التحقق وعلم اليقين.

و ﴿ أسلفت ﴾ قدّمتْ، أي عملاً أسلفته.

والمعنى أنها تختبر حالته وثمرته فتعرف ما هو حسن ونافع وما هو قبيح وضار إذ قد وضح لهم ما يفضي إلى النعيم بصاحبه، وضدُه.

وقرأ الجمهور ﴿ تبلو ﴾ بموحدة بعد المثناة الفوقية.

وقرأه حمزة والكسائي وخلف بمثناة فوقية بعد المثناة الأولى على أنه من التلو وهو المتابعة، أي تتبع كل نفس ما قدمته من عمل فيسوقها إلى الجنة أو إلى النار.

يجوز أن تكون معطوفة على جملة: ﴿ هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ﴾ فتكون من تمام التذييل، ويكون ضمير (ردوا) عائداً إلى (كل نفس).

ويجوز أن تكون معطوفة على قوله و ﴿ يوم نحشرهم جميعاً ﴾ [يونس: 28] الآية فلا تتصل بالتذييل، أي ونردهم إلينا، ويكون ضمير (ردوا) عائداً إلى الذين أشركوا خاصة.

والمعنى تحقق عندهم الحشر الذي كانوا ينكرونه.

ويناسب هذا المعنى قوله: ﴿ مولاهم الحق ﴾ فإن فيه إشعاراً بالتورك عليهم بإبطال مواليهم الباطلة.

والرد: الإرجاع.

والإرجاع إلى الله الإرجاع إلى تصرفه بالجزاء على ما يرضيه وما لا يرضيه وقد كانوا من قبل حين كانوا في الحياة الدنيا ممهلين غير مجازين.

والمولى: السيد، لأن بينه وبين عبده ولاء عهد الملك.

ويطلق على متولي أمور غيره وموفر شؤونه.

والحقّ: الموافق للواقع والصدق، أي ردوا إلى الاله الحق دون الباطل.

والوصف بالحق هو وصف المصدر في معنى الحاق، أي الحاق المولوية، أي دون الأولياء الذين زعموهم باطلاً.

﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ هذه الجملة مختصه بالمشركين كما هو واضح.

والضلال: الضياع.

و ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ ما كانوا يكذبون من نسبتهم الإلهية إلى الأصنام، فيجوز أن يكون ماصْدق (ما) الموصولة الأصنام، فيكون قد حذف العائد مع حرف الجر بدون أن يجر الموصول بمثل ما جر به العائد والحق جوازه، فالتقدير: ما كانوا يكذبون عليه أو له.

وضلاله: عدم وجوده على الوصف المزعوم له.

ويجوز أن يكون ماصدق (ما) نفس الافتراء، أي الافتراء الذي كانوا يفترونه.

وضلاله: ظهور نَفْيِه وكذبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِتاءَيْنِ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وفي تَأْوِيلِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ ما قَدَّمَتْ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إنَّ المُرِيبَ يَتْبَعُ المُرِيبا كَما رَأيْتَ الذِّيبَ يَتْلُو الذِّيبا الثّانِي: تَتْلُو كِتابَ حَسَناتِها وكِتابَ سَيِّئاتِها، ومِنَ التِّلاوَةِ.

والثّالِثُ: تُعايِنُ كُلُّ نَفْسٍ جَزاءَ ما عَمِلَتْ.

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: وهي قِراءَةُ الباقِينَ تَتْلُو بِالباءِ وفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: تُسَلِّمُ كُلُّ نَفْسٍ.

الثّانِي: تَخْتَبِرُ كُلُّ نَفْسٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ أيْ مالِكِهِمْ، ووَصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِالحَقِّ، لِأنَّ الحَقَّ مِنهُ، كَما وصَفَ نَفْسَهُ بِالعَدْلِ، لِأنَّ العَدْلَ مِنهُ.

فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ وَأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ  ﴾ فَكَيْفَ صارَ ها هُنا مَوْلًى لَهُمْ؟

قِيلَ لَيْسَ بِمَوْلًى في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وهو مَوْلًى لَهم في المِلْكِيَّةِ.

﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أيْ بَطَلَ عَنْهم ما كانُوا يَكْذِبُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ قال: الحشر الموت.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فزيلنا بينهم ﴾ قال: فرقنا بينهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: يأتي على الناس يوم القيامة ساعة فيها لين، يرى أهل الشرك أهل التوحيد يغفر لهم فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [ الأنعام: 23] قال الله: ﴿ أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ [ الأنعام: 24] ثم يكون من بعد ذلك ساعة فيها شدة، تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدون من دون الله فيقول: هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله؟

فيقولون: نعم، هؤلاء الذين كنا نعبد.

فتقول لهم الآلهة: والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا.

فيقولون: بلى، والله لإِياكم كنا نعبد.

فتقول لهم الآلهة ﴿ فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمثل لهم يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونهم حتى يوردوهم النار، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه.

أنه كان يقرأ ﴿ هنالك تتلو ﴾ بالتاء قال: هنالك تتبع.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ هنالك تتلو ﴾ يقال: تتبع.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ هنالك تبلوا ﴾ يقول: تختبر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ﴾ قال: عملت.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ هناك تبلوا ﴾ قال: تعاين ﴿ كل نفس ما أسلفت ﴾ قال: عملت ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ قال: ما كانوا يدعون معه من الأنداد.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وردوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ قال: نسختها قوله: ﴿ مولى الذين آمنوا وإن الكافرين لا مولى لهم ﴾ [ محمد: 11] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن حرملة بن عبد العزيز قال: قلت لمالك بن أنس رضي الله عنه: ما تقول في رجل أمره يقيني؟

قال: ليس ذلك من الحق.

قال الله: ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أشهب رضي الله عنه قال: سئل مالك عن شهادة اللعاب بالشطرنج والنرد فقال: أما من أدمنها فما أرى شهادتهم طائلة.

يقول الله: ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ ﴾ ، قال أبو إسحاق: (هنالك) (١) (٢) قال صاحب النظم: ويجوز أن يكون معنى ﴿ هُنَالِكَ ﴾ هاهنا (٣) ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّه  ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ﴾ ، قال ابن عباس والمفسرون: أي (٤) (٥) (٦) ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، ويقال: [البلاء ثم] (٨) وقرئ (تَتُلُو) بتاءين (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) ﴿ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ  ﴾ .

قال الزجاج: وفسروه أيضاً تتبع كل نفس ما أسلفت (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ ، الرد في اللغة الرجع إلى الشيء بعد الذهاب عنه، وهؤلاء ذهبوا عن أمر الله فأعيدوا إليه.

[وقوله تعالى] (١٥) ﴿ مَوْلَاهُمُ ﴾ أي: الذي يملك تولي أمرهم.

وقوله تعالى: ﴿ الْحَقِّ ﴾ هو من (١٦) ﴿ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ﴾ يريد الذي يجازيهم بالحق (١٧) ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: زال وبطل، ﴿ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ في الدنيا من التكذيب.

وقال صاحب النظم في هذه الآية: قوله: ﴿ هُنَالِكَ ﴾ خبر لقوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ﴾ ؛ لأنه مبتدأ يقتضي جوابا، وهو ظرف للجواب الذي هو قوله: ﴿ هُنَالِكَ تَبْلُو ﴾ وبني عليه ﴿ هُنَالِكَ ﴾ وهو محل، فجعل كناية عن الظرف -الذي هو وقت- على السعة والاستعارة [[المعنى: (هنالك) ظرف للمكان والمحل فمعناه: في ذلك الموقف، لكن معناه في الآية: في ذلك الوقت، وهذا من باب استعارة ظرف المكان للزمان.]].

(١) ساقط من (ح).

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 17 بتصرف.

(٣) يعني في هذه الاَية.

(٤) في (ح) و (ز): (كي)، واللفظ ساقط من (ى).

(٥) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 112 - 113، والثعلبي 7/ 14 أ، والبغوي 4/ 131، ولم أجده من ذكره عن ابن عباس.

(٦) في "لسان العرب" (بلا) 1/ 380: بلوت الرجل بلوًا وبلاءً وابتليته: اختبرته.

(٧) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 212، عن ابن عباس، ونسبه القرطبي في "تفسيره" 8/ 334 إلي الكلبي، وانظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 14 أ.

(٨) وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف، وقراءة الباقين (تبلو) بالتاء وبعدها باء موحدة.

انظر: "كتاب السبعة" ص 325، "النشر" 2/ 283، "إتحاف فضلاء البشر" ص 248.

(٩) انظر قول الأخفش في: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 17، "معاني القرآن" للنحاس 3/ 292، "حجة القراءات" ص 331، وفسرها الأخفش في كتابه "معاني القرآن" 1/ 373 بقوله: تتبعه (١٠) "معاني القرآن" 1/ 463.

(١١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 17، "الحجة للقراء السبعة" 4/ 271، "الحجة في القراءات" ص 181.

(١٢) في (ى): (أعمالها)، أما الضمير التالي ففي جميع النسخ بالتذكير، وقد أعاد الضمير على مذكر باعتبار المعنى؛ لأن النفس يراد بها الإنسان.

(١٣) اهـ.

كلام الزجاج كما في "معاني القرآن واعرابه" 3/ 17، والجدير بالذكر أن لهذا الكتاب نسخًا متفاوتة، يزيد بعضها على بعض كما بينه الأزهري في مقدمة كتابه "تهذيب اللغة" 1/ 46 - 47، فلعل بقية القول من نسخة أخرى، أو من توضيح الواحدي وزيادته كما هي عادته في عدم التقيد باللفظ في النقل.

(١٤) ما بين المعقوفين بياض في (م).

(١٥) ساقط من (ى).

(١٦) " الجامع لأحكام القرآن" 8/ 334.

(١٧) المعنى: (هنالك) ظرف للمكان والمحل فمعناه: في ذلك الموقف، لكن معناه في الآية: في ذلك الوقت، وهذا من باب استعارة ظرف المكان للزمان.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين كَسَبُواْ السيئات ﴾ مبتدأ على حذف مضاف تقديره: جزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها أو على تقدير: لهم جزاء سيئة بمثلها، أو معطوفاً على الذين أحسنوا، ويكون: جزاء سيئة مبتدأ وخبره بمثلها ﴿ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ ﴾ أي لا يعصمهم أحد من عذاب الله ﴿ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً ﴾ من قرأ بفتح الطاء فهو جمع قطعة وإعراب مظلماً على هذه القراءة: حال من الليل، ومن قرأ قِطْعاً بإسكان الطاء، فمظلماً صفة له أو حال من الليل ﴿ مَكَانَكُمْ ﴾ تقدير الزموا مكانكم أي لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل الله بكم ﴿ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ أي فرقنا ﴿ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ ﴾ أي تختبر بما قدمت من الأعمال، وقرئ تتلو بتاءين بمعنى تتبع أو تقرأه في المصاحف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يمكرون ﴾ بياء الغيبة: سهل وروح.

الباقون: بالتاء الفوقانية.

﴿ ينشركم ﴾ النون: ابن عامر ويزيد.

الباقون ﴿ يسيركم ﴾ من التسيير ﴿ متاع ﴾ بالنصب: حفص والمفضل.

الباقون بالرفع ﴿ قطعاً ﴾ بسكون الطاء: ابن كثير وعلي وسهل ويعقوب.

والآخرون بفتحها ﴿ تتلو ﴾ بتاءين من التلاوة: حمزة وعلي وخلف وروح، وروي عن عاصم ﴿ نبلو ﴾ بالنون ثم الباء الموحدة.

﴿ كل نفس ﴾ بالنصب الباقون: بتاء التأنيث ﴿ كل ﴾ بالرفع.

الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ مكراً ﴾ ط، ﴿ تمكرون ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ في الفلك ﴾ ج ط للعدول مع أن جواب "إذا" منتظر، ﴿ أحيط بهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ دعوا ﴾ بدل من ﴿ ظنوا ﴾ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو متلبس به، وإن جعل ﴿ دعوا ﴾ جواباً عن سؤال سائل فما صنعوا كان للوقف وجه.

﴿ الدين ﴾ ج لاحتمال إضمار القول وجعل الدعاء في معنى القول ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ط.

﴿ على أنفسكم ﴾ ط، إلا لمن جعله متعلقاً بــ ﴿ بغيكم ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".

﴿ بالأمس ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ السلام ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وزيادة ﴾ ط ﴿ ولا ذلة ﴾ ط، ﴿ الجنة ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بمثلها ﴾ لا لأن قوله ﴿ وترهقهم ﴾ معطوف على محذوف أي يلزمهم جزاء سيئة وترهقهم ذلة.

﴿ عاصم ﴾ ج ط لأن الكاف لا يتعلق بــ ﴿ عاصم ﴾ مع تعلقها بذلة قبله معنىً، لأن رهق الذلة سواد الوجه المعبر عنه بقوله كأنما ﴿ مظلماً ﴾ ط ﴿ أصحاب النار ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ وشركاؤكم ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغافلين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.

التفسير: لما بين في الآية المتقدمة أنهم يطلبون الآيات الزائدة عناداً ومكراً ولجاجاً أكد ذلك بقوله: ﴿ وإذا أذقنا ﴾ روي أنه  سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم وأنزل الأمطار النافعة، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع إلى الأصنام - وقيل نسبوها إلى الأنواء - فقابلوا نعم الله بالكفران فذلك مكرهم وهو احتيالهم في دفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في المناظرة.

وفي تخصيص الإذاقة بجانب الرحمة دليل على أن الكثير من الرحمة قليل بالنسبة إلى رحمته الواسعة.

وفيه أن الإنسان لغاية ضعفه الفطري لا يطيق أدنى الرحمة كما أنه لا يطيق أدنى الألم الذي يمسه.

قال في الكشاف: معنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم.

وهذا أيضاً من جملة الضعف لأنه نسي ما عهده من الضر الشديد.

و "إذا" الثانية للمفاجأة وقع مقام الفاء في جواب الشرط كما في قوله: ﴿ إذا هم يسخطون  ﴾ وفائدته أن يعلم أنهم فاجأوا وقوع المكر منهم في وقت الإذاقة وسارعوا إليه ولم يلبثوا قدر ما ينفضون عن رؤوسهم غبار الضر ولهذا قال  ﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ يقدر على إيصال جزاء مكرهم إليهم قبل أن يرتد إليهم طرفهم ولكنه يمهلهم لأجل معلوم ليتضاعف خبثهم مع كونه محفوظاً بيانه قوله ﴿ إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾ وقد مر تحقيق هذا في تفسير قوله: ﴿ ويرسل عليكم حفظة  ﴾ .

واعلم أن مضمون هذه الآية قريب من مضمون قوله: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر  ﴾ إلا أن هذه زائدة عليها بدقيقة هي أنهم بعد الإعراض عن الدعاء يطلبون الغوائل ويقابلون الرحمة بالمكر والخديعة ولا يرضون رأساً برأس.

ثم ضرب لأجل ما وصفهم به مثالاً حتى ينكشف المقصود تمام الانكشاف فقال: ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ ينشركم ﴾ فكقوله: ﴿ فانتشروا في الأرض  ﴾ قال بعض العلماء: المسير في البحر هو الله  وتعالى ، وأما في البر فالمراد من التسيير التمكين والإقدار.

والحق أن جميع الأفعال والحركات مستندة إلى إحداث الله  ، غاية ذلك أن آثار إقداره وإحداثه في البحر أظهر كما مر في تفسير قوله: ﴿ والفلك التي تجري في البحر  ﴾ قال القفال: هو الله الهادي لكم إلى السير في البحر طلباً للمعاش، وهو المسير لكم لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير.

وحتى لانتهاء الغاية والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة: أولها الكون في الفلك، وثانيها جري الفلك بهم بالريح الطيبة، والضمير في ﴿ جرين ﴾ للفلك على أنها جمع كما مر.

وثالثها فرحهم بها.

والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة أيضاً: أوّلها ﴿ جاءتها ﴾ أي الفلك أو الريح الطيبة تلتها ريح عاصف ذات عصوف كلابن لذات اللبن، أو لأن لفظ الريح مذكر والعصوف شدة هبوب الريح.

وثانيها ﴿ وجاءهم الموج من كل مكان ﴾ أي من جميع جوانب أحياز الفلك، والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر.

وثالثها ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ أي غلب على ظنونهم الهلاك.

وأصله أن العدوّ إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا من البوار، فجعل إحاطة العدوّ بالشخص مثلاً في الهلاك.

وقرىء ﴿ في الفلكي ﴾ والياء زائدة كما في "الأحمري" أو أريد به الماء الغمر الذي لا تجري الفلك إلا فيه.

قال في الكشاف: وإنما التفت في قوله: ﴿ وجرين بهم ﴾ إلى آخره من الخطاب الى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذه الآية دليل المقت والتبعيد كما أن عكس ذلك في قوله: ﴿ إياك نعبد  ﴾ دليل الرضا والتقريب.

قلت: هذا وجه حسن.

أما قوله: ﴿ دعوا الله مخلصين ﴾ فقد قال ابن عباس: تركوا الشرك ولم يشركوا به من آلهتهم شيئاً، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية.

وقال الحسن: ليس هذا إخلاص الإيمان لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ذلك جارياً مجرى الإيمان الاضطراري.

وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضر والألم لم يدعوا إلا الله.

وعن أبي عبيدة: أن المراد من ذلك الدعاء قولهم: "أهيا شراهياً" تفسيره "يا حي يا قيوم" يحكى أن رجلاً قال لجعفر الصادق  : ما الدليل على إثبات الصانع؟

فقال: أخبرني عن حرفتك.

فقال: التجارة في البحر قال: صف لي كيف حالك؟

فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح من ألواحها وجاءت الرياح العاصفة.

قال جعفر الصادق  : هل وجدت في قلبك تضرعاً؟

فقال: نعم.

قال جعفر: فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت.

﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الشدة كما مر في الأنعام ﴿ يبغون في الأرض بغير الحق ﴾ البغي قصد الاستعلاء بالظلم من قولك بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد، وأصله الطلب فلهذا أكد المعنى بقوله: ﴿ بغير الحق ﴾ قال في الكشاف: إنما زاد هذا القيد احترازاً من استيلاء المسلمين على أرض الكفرة بهدم دورهم وإحراق زروعهم كما فعل رسول الله  ببني قريظة.

قلت: ويحتمل أن يراد بغير شبهة حق عندهم كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق  ﴾ من قرأ متاع بالنصب فما قبله جملة تامة أي إنما بغيكم وبال على أنفسكم وهو مصدر مؤكد كأنه قيل: يتمتعون متاع الحياة الدنيا.

ومن قرأ بالرفع فإما على أن التقدير هو متاع الدنيا بعد تمام الكلام، أو على أنه خبر وقوله: ﴿ على أنفسكم ﴾ صلة أي إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم يعني بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها والبغي من منكرات المعاصي قال  : "أسرع الخير ثواباً صلة الرحم وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة" وروي "اثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين" .

وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر.

قال  : ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ أي لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياماً قلائل وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها ﴿ ثم ﴾ إلى ما وعدنا من المجازاة ﴿ مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ﴾ وهو في هذا الموضع وعيد بالعقاب كقول الرجل في معرض التهديد سأخبرك بما فعلت.

ثم ذكر مثلاً لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا ويشتد تمسكه بها فقال: ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن ﴿ كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ﴾ أي اشتبك بسبب هذا الماء ﴿ نبات الأرض ﴾ فيحتمل أن يراد أن نباته ثم وصوله إلى حد الكمال كليهما بسبب المطر، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدإ حدوثه غير مهتز ولا مترعرع، فإذا نزل المطر عليه اهتز وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض وتكاثف.

﴿ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ﴾ قال الجوهري: الزخرف الذهب ثم يشبه به كل مموه مزوّر.

﴿ وازينت ﴾ أصله تزينت فأدغم واجتلبت لذلك همزة الوصل.

وهذا كلام في نهاية الفصاحة وفيه تشبيه الأرض بالعروس التي تأخذ الثياب الفاخرة من كل لون فتلبسها، ثم تزين بجميع الأقسام المعهودة لها من حمرة وبياض ونحوها ﴿ وظن أهلها ﴾ أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا ﴿ أنهم قادرون عليها ﴾ متمكنون من تحصيل ريعها.

﴿ أتاها أمرنا ﴾ بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات.

﴿ ليلاً أو نهاراً ﴾ أي حين غفلتهم بالنوم أو حين اشتغالهم وتقلبهم في طلب معايشهم ﴿ فجعلناها ﴾ أي زرعها ﴿ حصيداً ﴾ شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله.

﴿ كأن لم تغن ﴾ أي كأن الشأن لم يلبث زرعها ﴿ بالأمس ﴾ أي في زمان قريب.

يقال: غنى بالمكان بالكسر يغنى بالفتح إذا أقام به.

والأمس مثل في الوقت القريب.

هذا والصحيح عند علماء البيان أن هذا التشبيه من التشبيه المركب.

قال في الكشاف: شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه.

وقيل: المراد أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء به وقع اليأس منه، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا اطمأن بها وعظمت رغبته فيها وانتظم أمره بعض الانتظام أتاه الموت.

وتلخيصه أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد.

ويحتمل أن يكون هذا مثلاً لمن لا يؤمن بالمعاد، فإن الأرض المزينة إذا زال حسنها فإنه يعود رونقها مرة أخرى فكذا النشور ﴿ كذلك نفصل الآيات ﴾ نذكر واحدة منها بعد الأخرى لتكون كثرتها وتواليها سبباً لقوة اليقين وموجباً لزوال الشك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ في أحوال الآفاق والأنفس.

ثم لما نفر المكلفين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبهم في الآخرة بقوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ ومثله ما روي عن النبي  أنه قال: "سيد بنى داراً وصنع مائدة وأرسل داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل ورضي عنه السيد، ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد، فالله السيد والدار دار السلام والمائدة الجنة والداعي محمد  " وعنه  : "ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثلقين أيها الناس هلموا إلى ربكم والله يدعو إلى دار السلام" واتفقوا على أن دار السلام هي الجنة واختلفوا في سبب التسمية.

فقيل: لأن السلام هو الله والجنة داره فالإضافة للتشريف، وإنما أطلق اسم السلام عليه  لأنه سلم من الفناء والتغير ومن جميع سمات النقص والحدوث ومن الظلم والعجز والجهل وهو القادر على تخليص المضطرين عن المكاره والآفات، وكفى بدار أضافها الله  لنفسه فضلاً وشرفاً وبهجة وسروراً.

وقيل: سميت دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات والمخافات.

وقيل: لفشوّ السلام بينهم ﴿ تحيتهم فيها سلام  ﴾ ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم  ﴾ ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ واعلم أن الدعوة عامة ولكن الهداية خاصة فلذلك قال ﴿ ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ ومن هنا ذهب أهل السنة إلى أن الهداية والضلالة والخير والشر كلها بمشيئة الله  وإرادته.

وقالت المعتزلة: المراد ويهدي من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة ويعنون أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن الله يهديه إليها.

والمراد من الهداية الألطاف، ثم قسم أهل الدعوة إلى قسمين وبين حال كل طائفة فقال: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ولا بد من تفسير هذه الألفاظ الثلاثة: فعن ابن عباس أحسنوا أي ذكروا كلمة لا إله إلا الله، وذهب غيره إلى أن المراد إتيان الطاعات واجتناب المنهيات لأن الدرجات العالية لا تليق إلا بهم.

وأما الحسنى فقال في الكشاف: المراد المثوبة الحسنى.

وقال ابن الأنباري: العرب توقع هذه اللفظة على الخلة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها، ولذلك ترك موصوفها.

وأما الزيادة فحملها أهل السنة على رؤية الله لأن اللام في الحسنى للمعهود بين المسلمين من المنافع التي أعدها الله  لعباده، فالزيادة عليها تكون مغايرة لها فما هي إلا الرؤية.

وقالت المعتزلة: الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله  بعد تسليم جوازها ليست من جنس نعيم الجنة، فالمراد بها ما يزيد على المثوبة من التفضل كقوله: ﴿ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله  ﴾ وزيف بأن الزيادة إذا كان المزيد عليه مقدراً بمقدار معين وجب أن يكون من جنسه كما لو قال الرجل لغيره: أعطيتك عشرة أمنان من الحنطة وزيادة.

أما إذا كان غير مقدر كما لو قال: أعطيتك الحنطة زيادة.

لم يجب أن تكون الزيادة من جنس المزيد عليه.

والمذكور في الآية لفظة الحسنى وهي الجنة وإنها مطلقة، فالزيادة عليها شيء مغاير لكل ما في الجنة.

وعن علي  : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة.

وعن ابن عباس: الحسنى الجنة والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

وعن مجاهد: مغفرة من الله ورضوان.

وعن يزيد بن سمرة: هي أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم.

هذا شأن المنافع الحاصلة لهم، وأما أنها منافع خالصة عن الكدورات فأفاد ذلك بقوله: ﴿ ولا يرهق ﴾ أي لا يغشى ﴿ وجوههم قتر ﴾ غبرة فيها سواد ﴿ ولا ذلة ﴾ ولا أثر هوان وكسوف بال.

ثم أشار إلى كون تلك المنافع الخالصة آمنة من الانقطاع بقوله: ﴿ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ وهذا معنى قول علماء الأصول "الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم" ثم بين حال الفريق الآخر بقوله: ﴿ والذين ﴾ أي وجزاء الذين ﴿ كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ﴾ أي جزاؤهم أن تجازى سيئة واحد بسيئة مثلها لا يزاد عليها.

ومن جوز العطف على عاملين مختلفين جوز أن يكون التقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها.

قالت المعتزلة: وفيه دليل على أن المراد بالزيادة في الآية المتقدمة الفضل، لأنه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله فناسب أن يكون قد دل هناك بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله.

﴿ وترهقهم ذلة ﴾ فإنهم حين ماتوا ناقصين خالين عن الملكات الحميدة كان شعورهم بذلك سبباً لذلهم وهوانهم على أنفسهم، وهذا على قاعدة حكماء الإسلام أن الجهل سواد وظلمة كما أن العلم والمعرفة بياض ونور ومنه قول الشبلي  : كل بيت أنت ساكنه *** غير محتاج إلى السرج ومريض أنت عائده *** قد أتاه الله بالفرج ﴿ ما لهم من الله من عاصم ﴾ أي لا يعصمهم أحد من عذابه وسخطه، أو ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما للمؤمنين.

والتحقيق أنه لا عاصم من الله لأحد في الدنيا ولا في الآخرة إلا بإذن الله إلا أن هذا المعنى في الآخرة أظهر كقوله: ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ثم بالغ في الكشف عن سواد وجوههم فقال: ﴿ كأنما أغشيت ﴾ أي ألبست ﴿ وجوههم قطعاً من الليل ﴾ من قرأ بسكون الطاء فمعناه البعض والطائفة و ﴿ مظلماً ﴾ صفته.

ومن قرأ بفتحها على أنه جمع قطعه فمظلماً حال من الليل والعامل فيه إما معنى الفعل في ﴿ من الليل ﴾ أو ﴿ أغشيت ﴾ لأن قوله: ﴿ من الليل ﴾ صفة لقوله: ﴿ قطعاً ﴾ فكان إفضاء العامل إلى الموصوف كإفضائه الى الصفة قاله في الكشاف.

واعلم أن جمعاً من العلماء ذهبوا إلى أن المراد بقوله: ﴿ والذين كسبوا السيئات ﴾ هم الكفار لأن سواد الوجه من علامات الكفر بدليل قوله: ﴿ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم  ﴾ وقوله: ﴿ ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة  ﴾ ولقوله بعدها ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والضمير عائد إلى ﴿ هؤلاء ﴾ .

ثم إنه وصفهم بالشرك.

وقال الآخرون: اللفظ عام يتناول الكافر والفاسق إلا أن الآيات المذكورة مخصصة.

ثم شرع بعض أحوال المشركين في القيامة فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ منصوب بإضمار "اذكر" أو ظرف متعلق بتبلو أي في يوم كذا تبلو كل نفس.

وحاصل الكلام أنه يحشر العابد والمعبود ليسألوا فيتبرأ المعبود من العابد خلاف ما كانوا يزعمون من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

وفيه إشارة إلى أن الممكن لا نسبة له إلى الواجب الحق، فإذا اتخذ الممكن معبوداً برىء من ذلك في مقام لا ينفع إلا الصدق.

قال في الكشاف: ﴿ مكانكم ﴾ أي الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما نفعل بكم.

وعند أبي علي هو اسم من أسماء الأفعال وحركته حركة بناء وهو كلمة وعيد عند العرب.

و ﴿ أنتم ﴾ لتأكيد الضمير في ﴿ مكانكم ﴾ لسده مسد قوله: "الزموا".

﴿ وشركاؤكم ﴾ عطف عليه.

﴿ فزيلنا بينهم ﴾ ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم في الدنيا.

قيل: عين الكلمة "واو" لأنه من زال يزول.

وإنما قلبت ياء لأن وزن الكلمة "فيعل" أي زيولنا مثل بيطره أعل إعلال سيد.

وقيل: هي من زلت الشيء أزيله، فعينه على هذا ياء والوزن "فعل" ونظير زيلنا قوله: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف  ﴾ لأن حكم الله بأنه سيكون كالكائن ﴿ وقال شركاؤهم ﴾ في صحة هذه الإضافة وجوه منها: أنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام فهم شركاؤهم.

ومنها أنهم متشاركون في الخطاب في قوله: ﴿ مكانكم ﴾ ومنها أنهم أثبتوا هذه الشركة والشركاء.

وقيل: هم الملائكة لقوله: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾ وقيل: كل من عبد من دون الله.

وقيل: الأصنام لأن هذا الخطاب مشتمل على التهديد وأنه لا يليق بالملائكة المقربين.

وكيف تنطق هذه الأصنام؟

وقيل: لأن الله يخلق فيهم الحياة والعقل والنطق.

ثم هل يبقيهم أو يفنيهم؟

الكل محتمل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقيل: يخلق فيهم الكلام فقط.

وهذا الخطاب تهديد في حق العابدين فهل يكون تهديداً في حق المعبودين؟

قالت المعتزلة لا، لأنه لا ذنب للمعبودين ومن لا ذنب له يقبح من الله تهديده وتخويفه.

وقالت الأشاعرة: لا يسأل عما يفعل.

أما قول الشركاء ﴿ ما كنتم إيانا تعبدون ﴾ وهم كانوا قد عبدوهم فالمراد أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا لقولهم: ﴿ فكفى بالله شهيداً ﴾ الآية.

ومن أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها ولا شعور.

وقيل: لما في ذلك الموقف من الدهشة والحيرة فذلك الكذب يجري مجرى كذب الصبيان والمجانين والمدهوشين.

وقيل: إنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزناً فجعلوها كالعدم.

وقيل: المراد أنهم عبدوا الشياطين حيث أمروهم باتخاذ الأنداد، ومن جوز الكذب في القيامة فلا إشكال.

و ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان.

﴿ تبلوا كل نفس ﴾ تختبر وتذوق ﴿ ما أسلفت ﴾ من العمل.

ومن قرأ بالنون فالمعنى نفعل بها فعل الخابر، أو نصيب بالبلاء وهو العذاب كل نفس عاصية لأجل ما أسلفت من الشر.

ومن قرأ ﴿ تتلو ﴾ بتائين فمعناه تتبع ما أسفلت لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار.

أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر.

﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ الصادق ربوبيته ﴿ وضل عنهم ﴾ وضاع عنهم ﴿ ما كانوا ﴾ يدعون أنهم شركاء الله أو ما كانوا يختلفون من شفاعة الآلهة.

والحاصل أنهم يرجعون عن الباطل ويعترفون بالحق حين لا ينفعهم ذلك.

التأويل: ﴿ وإذا أذقنا الناس ﴾ ذوق توبة وإنابة أو ذوق كشف وشهود ﴿ من بعد ضراء ﴾ وهي الفسوق والأخلاق الذميمة وحجب الأوصاف ﴿ إذا لهم مكر في آياتنا ﴾ بإظهارها إلى غير أهلها بشرف النفس وطلب الجاه والقبول.

﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ فيستدرجهم عن تلك المقامات إلى دركات البعد ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ في بر البشرية وبحر الروحانية، أو في بر العبودية وبحر الربوبية ﴿ حتى إذا كنتم ﴾ في فلك جذبات العناية ﴿ وجرين بهم ﴾ بهبوب نسيم شهود الجمال ﴿ وفرحوا ﴾ بالوصول والوصال ﴿ جاءتها ﴾ نكباء تجلى صفات الجلال ﴿ وجاءهم ﴾ موج البلايا والمحن من أماكن النعم والبلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ فلما أنجاهم ﴾ فيه إشارة إلى أن أرباب الطلب لما وصلوا بجذبات الحق إلى شهود الجمال واستغراق لجج بحر الجلال، استقبلتهم عواصف العزة والكبرياء فيستدرجهم إلى البغي وهو الطلب في أرض ما سوى الحق غير الحق ﴿ كماء أنزلناه ﴾ من سماء القلب إلى أرض البشرية ﴿ فاختلط به ﴾ الصفات المولدة من أرض البشرية ﴿ مما يأكل الناس والأنعام ﴾ من الصفات الحميدة الإنسانية والذميمة البهيمية ﴿ أتاها ﴾ حكمنا الأزلي ﴿ ليلاً ﴾ عند استيلاء ظلمات صفات النفس ﴿ أو نهاراً ﴾ عند بقاء ضوء الفيض الروحاني، لكنه بامتزاج القوة الخيالية والوهمية وقع في ورطة العقائد الباطلة كما لبعض الفلاسفة والمبتدعة.

﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ وهي مقام الفناء لأن صاحبه يسلم عن آفات الحجب أو مقام العلم والمعرفة لأن صاحبه يسلم عن آفة الأثنينية والجهالة ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ بجذبات العناية ﴿ إلى صراط مستقيم ﴾ يؤدي إلى السير بالله في الله.

﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، والحسنى هي شواهد الحق والنظر إليه، والزيادة الجنة وما فيها من النعيم أو هي ما زاد على النظر من إفناء الناسوتية في اللاهوتية والله ولي التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا ﴾ : جزاء سيئة مما يوجبه الحكمة أن يجزي بمثلها، وأما جزاء الإحسان والخير طريق وجوبه [الإفضال والإحسان ليس طريق وجوبه] الحكمة، إذ سبق من الله، إلى كل أحد من النعم ما ليس في وسعه القيام بمكافأة واحدة منها عمره وإن طال واجتهد كل جهده، فضلا أن يستوجب قبله جزاء ما كان منه من الخيرات.

وقوله: ﴿ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ : هو ما ذكرنا من آثار السيئات التي عملوها في الدنيا ذلا وهواناً لهم ﴿ مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾ ، وذلك أنهم - والله أعلم - كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن يكونوا [لهم شفعاء] عند الله، فأخبر أن ليس لهم من عذاب الله مانع يمنع ذلك عنهم؛ كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ قيل: ألبست وأغطيت قطعاً مثقلا ومخففا قطعا، قيل: القطع بالتثقيل هو جمع القطعة، والقطع بالتخفيف جزء من الليل، يقال: سرنا بقطع من الليل، أي: بجزء من الليل، وقوله: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ  ﴾ أي: بجزء منه، والله أعلم.

ثم شبه وجوههم بظلمة الليل، ولم يشبه بسواد الوجوه على ما يكون من سواد الوجوه في الدنيا؛ فذلك - والله أعلم - أن سواد الوجوه على ما يكون في الدنيا لا يبلغ من القبح غايته؛ إذ قد يرغب من كان جنسه ونوعه في ذلك ويحسن ذلك عنده، فإذا كانت الرغبة قد تقع لبعضهم في بعض لم يبلغ في القبح نهايته، وأما ظلمة الليل: فإن الطباع تنفر عنها، ولا تقع الرغبة فيها بحال؛ لذلك شبه وجوه أهل النار بها، والله أعلم.

﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ : قال أهل التأويل: يعني العابد والمعبود الذين عبدوا دونه، ولكن نحشر الخلائق جميعاً.

﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ﴾ هذا الحرف هو حرف وعيد؛ يقال: مكانك أنت، كذا وإن كان هذا الحرف يجوز أن يستعمل في الكرامات وبر بعضهم بعضا، ولكن إنما يعرف ذا من ذا بالمقدمات، فما تقدم هاهنا يدل أنه لم يرد به الكرامة، ولكن أراد به الوعيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ قيل: فرقنا بينهم [وميزنا بينهم]، أي: بين العابد والمعبود.

ثم يحتمل التفريق بينهم وجوهاً: أحدها: فرقنا بينهم في الحساب مما عمل ومما صحب.

والثاني: يحتمل فرقنا بينهم لما طمعوا بعبادتهم إياها والشفاعة أن يكونوا لهم شفعاء عند الله، ففرق بينهم في الشفاعة.

ويحتمل فرقنا بينهم فيما ضل عنهم ما كانوا يفترون، فصار ما عبدوا ترابا وهم في النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ ﴾ : يحتمل قوله: شركاؤهم: سماهم شركاء وإن لم يكونوا [شركاء في الحقيقة] لما عندهم أنهم شركاء؛ كما سمى الأصنام آلهة لما عندهم أنها آلهة.

والثاني: ﴿ شُرَكَآؤُهُمْ ﴾ لما أشركوها في العبادة فهم شركاؤهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ : ينطق الله  [يوم القيامة هذه الأصنام] وإن لم يكن في خلقتها النطق في الدنيا؛ كقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24]، أنطقهم ليشهدوا عليهم.

وقوله: ﴿ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ : يحتمل الملائكة أن يكونوا هم الذين أنكروا؛ لأن منهم من يعبد الملائكة، أنكروا أن يكونوا يعبدونهم؛ لأن العبادة لآخر إنما تكون عبادة إذا كان من المعبود أمر بها، وكانت عبادتهم الأصنام عبادة للشيطان لأنه هو الآمر لهم بالعبادة للأصنام؛ كقوله: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنه لما كان الآمر لهم بالعبادة للأصنام صار كأنهم عبدوه، وإن لم يقصدوه بها ويحتمل ما ذكر من الإنكار من الأصنام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ أي: كفى الله القاضي والحاكم بيننا وبينكم أنا لم نأمركم بعبادتنا، وهو العالم بأنا كنا بعبادتكم إيانا غافلين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ قيل: عند ذلك، وقيل: يومئذ أي يوم القيامة.

وقوله: ﴿ تَبْلُواْ ﴾ أو ﴿ تَتْلُواْ ﴾ بالباء والتاء، قيل: تقرأ في الصحف: "ما كتب من أعمالهم" وتبلو بالباء من الابتلاء، يقال: بلوته وابتليته واحد، وخبرته واختبرته أيضاً، وقيل: ﴿ تَبْلُواْ ﴾ تجد وتعلم كل نفس ما قدمت من الأعمال [وقيل: تجزى كل نفس بما عملت.

وقيل: ﴿ تَتْلُواْ ﴾ بالتاء أيضاً: تتبع، كل نفس ما قدمت من الأعمال] والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ﴾ قيل: ملكهم الحق لأن غيره من الآلهة التي عبدوها قد بطل عنهم وضل في الآخرة.

ويحتمل: ﴿ وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ﴾ أي: حق ما تجد كل نفس ما قدمت من أعمالها، أو حق أن تقرأ كل نفس ما عملت وضل عنهم ما كانوا يفترون من العبادة للأصنام وقول الكفر، وقوله: ﴿ وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل وجهين؛ أي: ردوا إلى ما أعدّ لهم مولاهم الحق، والثاني أي: ردوا إلى أمر مولاهم الحق، لا إلى أمر الأصنام التي كانوا يعبدونها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

في ذلك الموقف العظيم تختبر كل نفس ما أمضت من عمل في حياتها الدنيا، وأرجع المشركون إلى ربهم الحق الَّذي هو الله الذي يتولى حسابهم، وذهب عنهم ما افتروه من شفاعة أصنامهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.pnqEy"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده