الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٣١ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 66 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣١ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته على وحدانية الإله فقال : ( قل من يرزقكم من السماء والأرض ) أي : من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر ، فيشق الأرض شقا بقدرته ومشيئته ، فيخرج منها ( حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا ) [ عبس : 27 - 31 ] ، أإله مع الله ؟
فسيقولون : الله ، ( أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ) [ الملك : 21 ] ؟
، وكذلك قوله : ( أمن يملك السمع والأبصار ) [ يونس : 31 ] ؟
؟
أي : الذي وهبكم هذه القوة السامعة ، والقوة الباصرة ، ولو شاء لذهب بها ولسلبكم إياها ، كما قال تعالى : ( قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) [ الملك : 23 ] ، وقال ( قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به ) [ الأنعام : 46 ] .
وقوله : ( ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ) أي : بقدرته العظيمة ، ومنته العميمة ، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك ، وأن الآية عامة في ذلك كله .
وقوله : ( ومن يدبر الأمر ) أي : من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ، وهو المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، ( يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن ) [ الرحمن : 29 ] ، فالملك كله العلوي والسفلي ، وما فيهما من ملائكة وإنس وجان ، فقيرون إليه ، عبيد له ، خاضعون لديه ، ( فسيقولون الله ) أي : هم يعلمون ذلك ويعترفون به ، ( فقل أفلا تتقون ) أي : أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم ؟
.
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (31) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل) ، يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الأوثانَ والأصنامَ ، (من يرزقكم من السماء) ، الغيثَ والقطر ، ويطلع لكم شمسها ، ويُغْطِش ليلها ، ويخرج ضحاها ، ومن الأرض أقواتَكم وغذاءَكم الذي ينْبته لكم ، وثمار أشجارها ، ( أَمَّنْ يملك السمع والأبصار) يقول: أم من ذا الذي يملك أسماعكم وأبصاركم التي تسمعون بها : أن يزيدَ في قواها ، أو يسلبكموها ، فيجعلكم صمًّا، وأبصاركم التي تبصرون بها : أن يضيئها لكم وينيرها، أو يذهب بنورها ، فيجعلكم عُمْيًا لا تبصرون ، ( ومن يخرج الحي من الميت) ، يقول: ومن يخرج الشيء الحي من الميت ، ( ويخرج الميت من الحي ) ، يقول: ويخرج الشيء الميت من الحيّ.
* * * وقد ذكرنا اختلاف المختلفين من أهل التأويل، والصواب من القول عندنا في ذلك بالأدلّة الدالة على صحته ، في " سورة آل عمران " ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(49) * * * ، ( ومن يدبر الأمر) ، وقل لهم: من يُدبر أمر السماء والأرض وما فيهن ، وأمركم وأمرَ الخلق (50) ؟
، ( فسيقولون الله) ، يقول جل ثناؤه: فسوف يجيبونك بأن يقولوا : الذي يفعل ذلك كله الله ، ( فقل أفلا تتقون)، يقول: أفلا تخافون عقاب الله على شرككم وادعائكم ربًّا غيرَ من هذه الصفة صفتُه، وعبادتكم معه من لا يرزقكم شيئًا ، ولا يملك لكم ضرًا ولا نفعا، ولا يفعل فعلا؟
------------------------ الهوامش : (49) انظر ما سلف 6 : 304 - 312 .
(50) انظر تفسير " تدبير الأمر " فيما سلف ص : 18 ، 19 .
قوله تعالى : يفترون قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون المراد بمساق هذا الكلام الرد على المشركين وتقرير الحجة عليهم ; فمن اعترف منهم فالحجة ظاهرة عليهم ، ومن لم يعترف فيقرر عليه أن هذه السماوات والأرض لا بد لهما من خالق ; ولا يتمارى في هذا عاقل .
وهذا قريب من مرتبة الضرورة .
من السماء أي بالمطر .
والأرض بالنبات .أم من يملك السمع والأبصار أي من جعلهما وخلقهما لكم .ومن يخرج الحي من الميت أي النبات من الأرض ، والإنسان من النطفة ، والسنبلة من الحبة ، والطير من البيضة ، والمؤمن من الكافر .ومن يدبر الأمر أي يقدره ويقضيه .فسيقولون الله لأنهم كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله ; أو فسيقولون هو الله إن فكروا وأنصفوا فقل لهم يا محمد أفلا تتقون ، أي : أفلا تخافون عقابه ونقمته في الدنيا والآخرة .
أي: {قل} لهؤلاء الذين أشركوا بالله، ما لم ينزل به سلطانًا ـ محتجًا عليهم بما أقروا به من توحيد الربوبية، على ما أنكروه من توحيد الألوهية ـ {مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} بإنزال الأرزاق من السماء، وإخراج أنواعها من الأرض، وتيسير أسبابها فيها؟ {أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} أي: من هو الذي خلقهما وهو مالكهما؟، وخصهما بالذكر من باب التنبيه على المفضول بالفاضل، ولكمال شرفهما ونفعهما. {وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} كإخراج أنواع الأشجار والنبات من الحبوب والنوى، وإخراج المؤمن من الكافر، والطائر من البيضة، ونحو ذلك، {وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} عكس هذه المذكورات، {وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} في العالم العلوي والسفلي، وهذا شامل لجميع أنواع التدابير الإلهية، فإنك إذا سألتهم عن ذلك {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} لأنهم يعترفون بجميع ذلك، وأن الله لا شريك له في شيء من المذكورات. {فَقُلْ} لهم إلزامًا بالحجة {أَفَلَا تَتَّقُونَ} الله فتخلصون له العبادة وحده لا شريك له، وتخلعون ما تعبدون من دونه من الأنداد والأوثان
قوله تعالى : ( قل من يرزقكم من السماء والأرض ) أي : من السماء بالمطر ، ومن الأرض بالنبات ، ( أمن يملك السمع والأبصار ) أي : من إعطائكم السمع والأبصار ، ( ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ) يخرج الحي من النطفة والنطفة من الحي ، ( ومن يدبر الأمر ) أي : يقضي الأمر ، ( فسيقولون الله ) هو الذي يفعل هذه الأشياء ، ( فقل أفلا تتقون ) أفلا تخافون عقابه في شرككم؟
وقيل : أفلا تتقون الشرك مع هذا الإقرار؟
«قل» لهم «من يرزقكم من السماء» بالمطر «والأرض» بالنبات «أمَّن يملك السمع» بمعنى الأسماع، أي خلقها «والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبِّر الأمر» بين الخلائق «فسيقولون» هو «الله فقل» لهم «أفلا تتقونـ» ـه فتؤمنون.
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: مَن يرزقكم من السماء، بما يُنزله من المطر، ومن الأرض بما ينبته فيها من أنواع النبات والشجر تأكلون منه أنتم وأنعامكم؟
ومَن يملك ما تتمتعون به أنتم وغيركم من حواسِّ السمع والأبصار؟
ومن ذا الذي يملك الحياة والموت في الكون كلِّه، فيخرج الأحياء والأموات بعضها من بعض فيما تعرفون من المخلوقات، وفيما لا تعرفون؟
ومَن يدبِّر أمر السماء والأرض وما فيهن، وأمركم وأمر الخليقة جميعًا؟
فسوف يجيبونك بأن الذي يفعل ذلك كله هو الله، فقل لهم: أفلا تخافون عقاب الله إن عبدتم معه غيره؟
وبعد هذا الحديث المعجز عن الحشر وأهواله ، ساقت السورة الكريمة بضع آيات فيها الأدلة المقنعة على وحدانية الله وقدرته ، ولكن بأسلوب السؤال والجواب ، فقال - تعالى - :( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء .
.
.
)المعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : من الذى يرزقكم من السماء بالأمطار وما يتولد عنها ، ومن الأرض وما يخرج منها من نباتات وأشجار ، وغير ذلك مما تخرجه الأرض .وقوله : ( أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار ) أى : بل قل لهم - أيضا - من الذى يملك ما تتمتعون به من سمع وبصر ، ومن الذى يستطيع خلقهما وتسويتهما بالطريقة التي أوجدها - سبحانه .وخص هاتين الحاستين بالذكر ، لأن لهما أعظم الأثر فى حياة الإِنسان ، ولأنهما قد اشتملتا فى تركيبهما على ما بهر العقول ، ويشهد بقدرته - تعالى - وعجيب صنعه فى خلقه .و ( أم ) هنا منقطعة بمعنى بل ، وهى هنا للإِضراب الانتالي لا الإِبطالي ، وفى ه تنبيه على كفاية هذا الاستفهام فى الدلالة على المقصود ، وهو إثبات قدرة الله - تعالى - ووجوب إخلاص العبادة له .وقوله : ( وَمَن يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي ) دليل ثالث على قدرة الله ووحدانيته .أى : وقيل لهم كذلك من سوى الله - تعالى - يملك خراج النبات وهو كائن حي من الأرض الميتة ، وإخراج الإِنسان وهو كائن حى من النطفة وبالعكس ، وإخراج الطير من البيضة وبالعكس .وقوله : ( وَمَن يُدَبِّرُ الأمر ) دليل رابع على قدرة الله ووحدانيته أى : وقل لهم - أيضاً - من الذى يتولى تدبير أمر هذا الكون من إحياء وأماتة ، وصحة ومرض ، وغني وفقر ، وليل ونهار ، وشمس وقمر ونجوم .
.
.هذه الجملة الكريمة من باب التعميم بعد التخصيص ، لأن كل ما سبق من نعم يندرج فيها .وقوله : ( فَسَيَقُولُونَ الله ) حكاية للجواب الذى لا يستطيعون إنكاره ، لأنهم مقرون معترفون بأن الله - تعالى - وهو الذى خلقهم ، وهو الذى يدبر أمرهم ، وإنما كانوا يتخذون الشركاء للزلفى ، كما حكى القرآن عنهم فى قوله : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله .
.
) وفي قوله - سبحانه - حكاية عنهم ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى .
.
.
) ولفظ الجلالة مبتدأ ، والخبر محذوف والتقدير : فسيقولون الله وحده هو الذى فعل كل ذلك .وقوله : ( فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عيلهم بهذا الرد .والهمزة لإِنكار واقعهم الذميم ، وهى داخلة على كلام مقدر ، ومفعول تتقون محذوف .أى : أتعلمون وتعترفون بأن الله - تعالى - هو الخالق لكل ما سبق ، ومع ذلك تشركون معه آلهة فى العبادة ، دون أن تتقوا عذابه يوم القيامة؟إن مسلكك هذا إنما يدل على ضعف فى التفكير ، وانطماس فى العقول ، وجهالة ليس بعدها جهالة .
اعلم أنه تعالى لما بين فضائح عبدة الأوثان أتبعها بذكر الدلائل الدالة على فساد هذا المذهب.
فالحجة الأولى: ما ذكره في هذه الآية وهو أحوال الرزق وأحوال الحواس وأحوال الموت والحياة.
أما الرزق فإنه إنما يحصل من السماء والأرض، أما من السماء فبنزول الأمطار الموافقة وأما من الأرض، فلأن الغذاء إما أن يكون نباتاً أو حيواناً، أما النبات فلا ينبت إلا من الأرض وأما الحيوان فهو محتاج أيضاً إلى الغذاء.
ولا يمكن أن يكون غذاء كل حيوان حيواناً آخر وإلا لزم الذهاب إلى ما لا نهاية له وذلك محال، فثبت أن أغذية الحيوانات يجب انتهاؤها إلى النبات وثبت أن تولد النبات من الأرض، فلزم القطع بأن الأرزاق لا تحصل إلا من السماء والأرض، ومعلوم أن مدبر السموات والأرضين ليس إلا الله سبحانه وتعالى، فثبت أن الرزق ليس إلا من الله تعالى، وأما أحوال الحواس فكذلك، لأن أشرفها السمع والبصر وكان علي رضي الله عنه يقول: سبحان من بصر بشحم، وأسمع بعظم، وأنطق بلحم، وأما أحوال الموت والحياة فهو قوله: ﴿ وَمَن يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى ﴾ وفيه وجهان: الأول: أنه يخرج الإنسان والطائر من النطفة والبيضة ﴿ وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى ﴾ أي يخرج النطفة والبيضة من الإنسان والطائر.
والثاني: أن المراد منه أنه يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والأكثرون على القول الأول، وهو إلى الحقيقة أقرب، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا التفصيل ذكر بعده كلاماً كلياً، وهو قوله: ﴿ وَمَن يُدَبّرُ الامر ﴾ وذلك لأن أقسام تدبير الله تعالى في العالم العلوي وفي العالم السفلي وفي عالمي الأرواح والأجساد أمور لا نهاية لها، وذكر كلها كالمتعذر، فلما ذكر بعض تلك التفاصيل لا جرم عقبها بالكلام الكلي ليدل على الباقي ثم بين تعالى أن الرسول عليه السلام، إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال فسيقولون إنه الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أن المخاطبين بهذا الكلام كانوا يعرفون الله ويقرون به، وهم الذين قالوا في عبادتهم للأصنام إنها تقربنا إلى الله زلفى وإنهم شفعاؤنا عند الله وكانوا يعلمون أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، فعند ذلك قال لرسوله عليه السلام: ﴿ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ يعني أفلا تتقون أن تجعلوا هذه الأوثان شركاء لله في المعبودية، مع اعترافكم بأن كل الخيرات في الدنيا والآخرة إنما تحصل من رحمة الله وإحسانه، واعترافكم بأن هذه الأوثان لا تنفع ولا تضر ألبتة.
ثم قال تعالى: ﴿ فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ ﴾ ومعناه أن من هذه قدرته ورحمته هو ﴿ رَبُّكُمُ الحق ﴾ الثابت ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه، وإذا ثبت أن هذا هو الحق، وجب أن يكون ما سواه ضلالاً، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا باطلين، فإذا كان أحدهما حقاً وجب أن يكون ما سواه باطلاً.
ثم قال: ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ والمعنى أنكم لما عرفتم هذا الأمر الواضح الظاهر ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ وكيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر، واعلم أن الجبائي قد استدل بهذه الآية وقال: هذا يدل على بطلان قول المجبرة أنه تعالى يصرف الكفار عن الإيمان، لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يقول: ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ كما لا يقول إذا أعمى بصر أحدهم إني عميت، واعلم أن الجواب عنه سيأتي عن قريب.
أما قوله: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ عَلَى الذين فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله تعالى وإرادته، وتقريره أنه تعالى أخبر عنهم خبراً جزماً قطعاً أنهم لا يؤمنون، فلو آمنوا لكان إما أن يبقى ذلك الخبر صدقاً أو لا يبقى، والأول باطل، لأن الخبر بأنه لا يؤمن يمتنع أن يبقى صدقاً حال ما يوجد الإيمان منه والثاني أيضاً باطل، لأن انقلاب خبر الله تعالى كذباً محال فثبت أن صدور الإيمان منهم محال.
والمحال لا يكون مراداً، فثبت أنه تعالى ما أراد الإيمان من هذا الكافر وأنه أراد الكفر منه، ثم نقول: إن كان قوله: ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ يدل على صحة مذهب القدرية، فهذه الآية الموضوعة بجنبه تدل على فساده، وقد كان من الواجب على الجبائي مع قوة خاطره حين استدل بتلك الآية على صحة قوله أن يذكر هذه الحجة ويجيب عنها حتى يحصل مقصوده.
المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر ﴿ كلمات رَبَّكَ ﴾ على الجمع وبعده ﴿ إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كلمات رَبَّكَ ﴾ وفي حم المؤمن ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كلمات ﴾ كله بالألف على الجمع والباقون ﴿ كَلِمَتُ رَبّكَ ﴾ في جميع ذلك على لفظ الوحدان.
المسألة الثالثة: الكاف في قوله: ﴿ كذلك ﴾ للتشبيه، وفيه قولان: الأول: أنه كما ثبت وحق أنه ليس بعد الحق إلا الضلال كذلك حقت كلمة ربك بأنهم لا يؤمنون.
الثاني: كما حق صدور العصيان منهم، كذلك حقت كلمة العذاب عليهم.
المسألة الرابعة: ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بدل من ﴿ كلمت ﴾ أي حق عليهم انتفاء الإيمان.
المسألة الخامسة: المراد من كلمة الله إما إخباره عن ذلك وخبره صدق لا يقبل التغير والزوال، أو علمه بذلك، وعلمه لا يقبل التغير والجهل.
وقال بعض المحققين: علم الله تعلق بأنه لا يؤمن وخبره تعالى تعلق بأنه لا يؤمن، وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه، بل بخلق الكفر فيه وإرادته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه، بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ، وأشهد عليه ملائكته، وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء، فينقلب علمه جهلاً، وخبره الصدق كذباً، وقدرته عجزاً، وإرادته كرهاً، وإشهاده باطلاً، وإخبار الملائكة والأنبياء كذباً، وكل ذلك محال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والأرض ﴾ أي يرزقكم منهما جميعاً، لم يقتصر برزقكم على جهة واحدة ليفيض عليكم نعمته ويوسع رحمته ﴿ مِنْ يَمْلِكُ السمع والأبصار ﴾ من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحدّ الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة.
أو من يحميهما ويحصنهما من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال، وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء بكلاءته وحفظه ﴿ وَمَن يُدَبّرُ الأمر ﴾ ومن يلي تدبير أمر العالم كله، جاء بالعموم بعد الخصوص ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ أفلا تقون أنفسكم ولا تحذرون عليها عقابه فيما أنتم بصدده من الضلال ﴿ فَذَلِكُمُ ﴾ إشارة إلى من هذه قدرته وأفعاله ﴿ رَبُّكُمُ الحق ﴾ الثابت ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه لمن حقق النظر ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال ﴾ يعني أن الحق والضلال لا واسطة بينهما، فمن تخطى الحق وقع في الضلال ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ عن الحق إلى الضلال، وعن التوحيد إلى الشرك، وعن السعادة إلى الشقاء ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مثل ذلك الحق ﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ ﴾ أي كما حق وثبت أنّ الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق، فكذلك حقّت كلمة ربك ﴿ عَلَى الذين فَسَقُواْ ﴾ أي تمرّدوا في كفرهم وخرجوا إلى الحدّ الأقصى فيه، و ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بدل من الكلمة أي حقّ عليهم انتفاء الإيمان، وعلم الله منهم ذلك.
أو حق عليهم كلمة الله أنهم من أهل الخذلان، وأن إيمانهم غير كائن.
أو أراد بالكلمة: العدة بالعذاب، وأنهم لا يؤمنون تعليل، بمعنى: لأنهم لا يؤمنون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ أيْ مِنهُما جَمِيعًا فَإنَّ الأرْزاقَ تَحْصُلُ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ ومَوادَّ أرْضِيَّةٍ أوْ ﴿ مَن ﴾ كَلِّ واحِدٍ مِنهُما تَوْسِعَةً عَلَيْكم.
وقِيلَ مَن لِبَيانِ مِن عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ.
﴿ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ﴾ أمْ مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما، أوْ مَن يَحْفَظُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها وسُرْعَةِ انْفِعالِها مِن أدْنى شَيْءٍ.
﴿ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ﴾ ومَن يُحْيِي ويُمِيتُ، أوْ مَن يُنْشِئُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ والنُّطْفَةَ مِنهُ.
﴿ وَمَن يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ ومَن يَلِي تَدْبِيرَ أمْرِ العالَمِ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.
﴿ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ﴾ إذْ لا يَقْدِرُونَ عَلى المُكابَرَةِ والعِنادِ في ذَلِكَ لِفَرْطِ وُضُوحِهِ.
﴿ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ أنْفُسَكم عِقابَهُ بِإشْراكِكم إيّاهُ ما لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ ﴾ أيِ المُتَوَلِّي لِهَذِهِ الأُمُورِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ هو رَبُّكُمُ الثّابِتُ رُبُوبِيَّتُهُ لِأنَّهُ الَّذِي أنْشَأكم وأحْياكم ورَزَقَكم ودَبَّرَ أُمُورَكم.
﴿ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ أيْ لَيْسَ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَمَن تَخَطّى الحَقَّ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى وقَعَ في الضَّلالِ.
﴿ فَأنّى تُصْرَفُونَ ﴾ عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ.
<div class="verse-tafsir"
{قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء} بالمطر {والأرض} بالنبات {أم من يَمْلِكُ السمع والأبصار} من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذى سويا عليه من القطرة العجيبة أو من يحميها من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء {وَمَن يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي} أي الحيوان والفرخ والزرع والمؤمن والعالم من النطفة والبيضة والحب والكافر والجاهل وعكسها {وَمَن يُدَبّرُ الأمر} ومن يلي تدبير أمر العالم كله جاء بالعموم بعد الخصوص {فَسَيَقُولُونَ الله} فسيجيبونك عند سؤالك إن القادر على هذه هو الله {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} الشرك في العبودية إذا اعترفتم بالربوبية
﴿ قُلْ ﴾ أيْ لِأُولَئِكَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَكَيْتُ أحْوالَهم وبَيْنَ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ أفْعالُهُمُ الَّتِي هي أفْعى لَهُمُ احْتِجاجًا عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ ﴿ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ ﴾ أيْ مِنهُما جَمِيعًا فَإنَّ الأرْزاقَ تَحْصُلُ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ كالمَطَرِ وحَرارَةِ الشَّمْسِ المُنْضَجَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ومَوادَّ أرْضِيَّةٍ والأُولى بِمَنزِلَةِ الفاعِلِ والثّانِيَةُ بِمَنزِلَةِ القابِلِ أوْ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالِاسْتِقْلالِ كالإمْطارِ والمَنِّ والأغْذِيَةِ الأرْضِيَّةِ تَوْسِعَةً عَلَيْكم - فَمِن - عَلى هَذا لِابْتِداءِ الغايَةِ وقِيلَ: هي لِبَيانِ (مِن) عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أيْ مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ ﴿ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ﴾ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ والِاضْطِرابُ انْتِقالِيٌّ لا إبْطالِيٌّ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كِفايَةِ هَذا الِاسْتِفْهامِ فِيما هو المَقْصُودُ أيْ مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الفِطْرَةِ العَجِيبَةِ ومَن وقَفَ عَلى تَشْرِيحِهِما وقَفَ عَلى ما يُبْهِرُ العُقُولَ أوْ مَن يَحْفَظُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها وسُرْعَةِ انْفِعالِهِما عَنْ أدْنى شَيْءٍ يُصِيبُهُما أوْ مَن يَتَصَرَّفُ بِهِما إذْهابًا وإبْقاءً والمُلْكُ عَلى كُلٍّ مَجازٌ وقِيلَ: والمَعْنى الأوَّلُ أوْفَقُ لِنَظْمِ الخالِقِيَّةِ مَعَ الرّازِقِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِن السَّماءِ والأرْضِ ﴾ ﴿ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ ﴾ أيْ ومَن يُنْشِئُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ مَثَلًا والنُّطْفَةَ مِنَ الحَيَوانِ أوْ مَن يُحْيِي أوْ يُمِيتُ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإخْراجِ التَّحْصِيلَ مِن قَوْلِهِمُ: الخارِجُ كَذا أيِ الحاصِلُ أيْ مَن يُحَصِّلُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ الحَياةَ ويُحَصِّلُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ المَوْتَ ويَسْلُبَ عَنْهُ الحَياةَ والمَآلَ ما عَلِمْتَ ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الحَيَّ والمَيِّتَ هُنا بِالمُؤْمِنِ والكافِرِ والأوَّلُ أوْلى ﴿ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ أيْ ومَن يَلِي تَدْبِيرَ أمْرِ العالَمِ جَمِيعًا وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصِ ما انْدَرَجَ تَحْتَهُ مِنَ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ بِالذِّكْرِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الكُلَّ مِنهُ سُبْحانَهُ وإلَيْهِ وأنَّهُ لا يُمْكِنُكم عِلْمُ تَفاصِيلِهِ ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ بِلا تَلَعْثُمٍ ولا تَأْخِيرٍ ﴿ اللَّهِ ﴾ إذْ لا مَجالَ لِلْمُكابَرَةِ والعِنادِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لِغايَةِ وُضُوحِهِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ما ذَكَرَ مِنَ الأفاعِيلِ لا غَيْرُهُ ﴿ هَذا ﴾ ورُبَّما يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا تَكُونَ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ عَلى جَوازِ أنْ يُقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ، وكَوْنُ المُرادِ هُناكَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا يُناسِبُ الجَوابَ ومَن لَمْ يَرَ الجَوازَ تَعْنِي ومَن رَآهُ بِناءً عَلى ظَواهِرِ الآياتِ المُفِيدَةِ لِكَوْنِهِ تَعالى في السَّماءِ «وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الجارِيَةِ الَّتِي أشارَتْ إلى السَّماءِ حِينَ قِيلَ لَها: أيْنَ اللَّهُ؟
أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» .
وإقْرارُهُ حُصَيْنًا حِينَ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كَمْ تَعْبُدُ يا حُصَيْنُ؟
فَقالَ: سَبْعَةَ سِتَّةٍ في الأرْضِ وواحِدٌ في السَّماءِ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فَمَنِ الَّذِي أعْدَدْتَهُ لِرَغْبَتِكَ ورَهْبَتِكَ؟
فَقالَ حُصَيْنٌ: الإلَهُ الَّذِي في السَّماءِ» .
أبْقى الآيَةَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُها وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ صَرِيحًا كَوْنُهُ تَعالى مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ وإنْ ورَدَ كَوْنُهُ جَلَّ وعَلا في السَّماءِ عَلى المَعْنى اللّائِقِ بِجَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ فَلا أرى جَوازَ ذَلِكَ ولا داعِيَ لِإخْراجِ (مِن) عَنِ ابْتِداءِ الغايَةِ لِيُحْتاجَ إلى العِنايَةِ في رَدِّ الِاسْتِدْلالِ كَما لا يَخْفى وفي الِانْتِصافِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كافِحَةٌ لِوُجُوهِ القَدَرِيَّةِ الزّاعِمِينَ أنَّ الأرْزاقَ مُنْقَسِمَةٌ فَمِنها ما رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْعَبْدِ وهو الحَلالُ ومِنها ما رَزَقَهُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ وهو الحَرامُ فَهي ناعِيَةٌ عَلَيْهِمْ هَذا الشِّرْكَ الخَفِيَّ لَوْ سَمِعُوا ﴿ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ﴾ وكَذا فِيما قِيلَ تَكْفَحُ في وُجُوهِ أُناسٍ يَزْعُمُونَ أنَّ الَّذِي يُدَبِّرُ الأمْرَ في كُلِّ عَصْرٍ قُطْبُهُ وهو عِمادُ السَّماءِ عِنْدَهم ولَوْلاهُ لَوَقَعَتْ عَلى الأرْضِ فَكَأنِّي بِكَ إذا سَألْتَهم مَن يُدَبِّرُ الأمْرَ يَقُولُونَ القُطْبُ، وقَدْ يُعْتَذَرُ عَنْهم بِأنَّ مُرادَهم أنَّهُ المُدَبِّرُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وجاءَ إطْلاقُ المُدَبِّرِ بِهَذا المَعْنى عَلى غَيْرِهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا ﴾ ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهم بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ القُطْبِ إلّا بِالِاعْتِبارِ لِأنَّهُ الَّذِي فازَ بِقُرْبى النَّوافِلِ والفَرائِضِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فارْتَفَعَتِ الغَيْرِيَّةُ فالقَوْلُ بِأنَّ القُطْبَ هو المُدَبِّرُ كالقَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المُدَبِّرُ بِلا فَرْقٍ واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّهُ ذَهابٌ إلى القَوْلِ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ وأكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ وبَعْضُ الصُّوفِيَّةِ كالإمامِ الرَّبّانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ والأوَّلُ بِأنَّهُ هَلّا قالَ المُشْرِكُونَ في جَوابِ ذَلِكَ: المَلائِكَةُ أوْ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَثَلًا عَلى مَعْنى أنَّهُمُ المُدَبِّرُونَ لِلْأمْرِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ المَذْكُورُونَ عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ الأقْطابِ عِنْدَ أُولَئِكَ، وأُجِيبُ بِأنَّ السُّؤالَ إنَّما هو عَمَّنْ يَنْتَهِي إلَيْهِ الأمْرُ فَلا يَتَسَنّى لَهم إلّا الجَوابُ المَذْكُورُ ولَعَلَّ غَيْرَ أهْلِ الوَحْدَةِ لَوْ سُئِلُوا كَذَلِكَ ما عَدَلُوا في الجَوابِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وأمّا أهْلُ الوَحْدَةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَلَهم كَلِماتٌ لا يَقُولُها المُشْرِكُونَ وهي لَعَمْرِي فَوْقَ طَوْرِ العَقْلِ ولِذا أنْكَرَها أهْلُ الظّاهِرِ عَلَيْهِمْ ﴿ فَقُلْ ﴾ لَهم ﴿أفَلا تَتَّقُونَ 31﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ عَدَمِ الِاتِّقاءِ بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ كَما في قَوْلِكَ: أتَضْرِبُ أباكَ لا بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ كَما في قَوْلِكَ: أأضْرِبُ أبِي والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ أيْ أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا تَتَّقُونَ والخِلافُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ شَهِيرٌ وما ذَكَرْناهُ هو ما عَلَيْهِ البَعْضُ ومَفْعُولُ ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ مَحْذُوفٌ وهو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ أيْ أفَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ الَّذِي لَكم بِما تَتَعاطَوْنَهُ مِن إشْراكِكم بِهِ سُبْحانَهُ ما لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ مِن خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ، وكَلامُ القاضِي يُوهِمُ أنَّهُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ ولَيْسَ بِذاكَ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ، يعني: قل يا محمد للمشركين: من يرزقكم من السماء المطر ومن وَالْأَرْضِ النبات.
أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ، يعني: يخلق لكم السمع والأبصار، وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ يعني: ومن يقدر أن يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت، يعني: الفرخ من البيضة.
وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، يعني: البيضة من الطير، والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.
وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، يعني: من يقدر أن يدبر الأمر بين الخلق، وينظر في تدبير الخلائق، ويقال: من يرسل الملائكة بالأمر.
فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ يفعل ذلك كله لا الأصنام، لأن الأصنام لم يكن لهم قدرة في هذه الأشياء.
فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ الشرك فتوحدونه، إذ تعلمون أنه لا يقدر أحدٌ أن يفعل هذه الأشياء إلا الله تبارك وتعالى، ويقال: أَفَلا تَتَّقُونَ أي: تطيعون الله الذي يملك ذلك؟.
ثم قال تَعَالَيْ: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ، وغيره من الآلهة باطل ليس بشيء.
فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ، يعني: فما عبادتكم بعد ترك عبادة الله تعالى إلا عبادة الشيطان ويقال: فماذا بعد التوحيد إلا الشرك؟
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ، يعني: فمن أين تمتنعون عن الإيمان بالله؟
ويقال: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ عن هذا الأمر بعد المعرفة؟
وقال مقاتل: فمن أين تعدلون به غيره؟
ويقال: كيف ترجعون عن هذا الإقرار؟.
ثم قال: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، يعني: هكذا وجبت كلمة العذاب من ربك، كقوله: وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ [الزمر: 71] ويقال: وجبت كلمة ربك، وهو قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [الأعراف: 18] وقوله تعالى: عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا، يعني: كفروا بربهم.
أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، يعني: لا يصدقون بعلم الله تعالى السابق فيهم، ويقال: أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ يعني: لأنهم لا يؤمنون فوجب عليهم العذاب بترك إيمانهم.
قرأ نافع وابن عامر كلمات رَبَّكَ بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون: كَلِمَةُ رَبِّكَ وكذلك الاختلاف في قوله: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [يونس: 96] .
<div class="verse-tafsir"
والبَنِينَ، إِذ مصيرُ ذلك إِلى الفَناءِ كمطرٍ نَزَلَ من السماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، أي: اختلط النباتُ بعْضُهُ ببعض بسَبَبِ الماء، ولفظ البخاريِّ: قال ابن عباس: فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ: فنبت بالماء مِنْ كلِّ لونٍ «١» انتهى.
وأَخَذَتِ الْأَرْضُ لَفْظَةٌ كثُرت في مثل هذا، كقوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ [الأعراف: ٣١] والزُّخْرُف: التزيينُ بالألوان، وقرأ ابن مسعود «٢» وغيره: «وتَزَيَّنَتْ» ، وهذه أصل قراءة الجمهور.
وقوله: وَظَنَّ أَهْلُها: على بابها، وهذا الكلامُ فيه تشبيهُ جملة أمْرِ الحياة الدنيا بهذه الجملة الموصوفة أحوالها، وحَتَّى غايةٌ، وهي حرفُ ابتداء لدخولها على «إِذا» ، ومعناهما متَّصِلٌ إِلى قوله: قادِرُونَ عَلَيْها، ومن بعد ذلك بدأ الجوابُ، والأمْرُ الآتي:
واحدُ الأمور كالرِّيحِ، والصِّرِّ، والسَّمُومِ، ونحوِ ذلك، وتقسيمُهُ لَيْلًا أَوْ نَهاراً، تنبيهٌ على الخَوْف وارتفاع الأمن في كلّ وقت، وحَصِيداً، بمعنى محصود، أي: تالفاً مستهلكاً، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ: أي: لم تنضر، ولم تنعم، ولم تعمر بغَضَارتها، ومعنى الآية:
التحذير من الاغترار بالدنيا إِذ هي معرَّضة للتلف كنبات هذه الأرض وخَصَّ المتفكِّرين بالذكْر تشريفاً للمنزلة وليقَعَ التسابُقُ إِلى هذه الرتبة.
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ...
الآية: نصٌّ أن الدعاء إِلى الشرْع عامٌّ في كل بَشَرٍ، والهداية التي هي الإِرشادُ مختصّة بمن قدّر إيمانه، والسَّلامِ هنا: قيل: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، والمعنَى: يدعو إِلى داره التي هي الجنّة، وقيل: السَّلامِ بمعنى السّلامة.
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ مَّا كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)
وقوله سبحانه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ: قال الجمهور: الْحُسْنى:
الجنةُ، وال زِيادَةٌ: النَّظَر إِلَى وجهِ اللَّه عزَّ وجلَّ وفي «صحيح مسلمٍ» من حديثِ صُهَيْبٍ: «فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ» ، وفي رواية: ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةِ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وأخرج هذه الزيادةَ النَّسَائِيُّ عن صُهَيْبٍ، وأَخْرَجَهَا عن صُهَيْبٍ أَيضاً أَبو دَاوُدَ الطَّيَالِسي «١» انتهى من «التذكرة» «٢» .
وقوله سبحانه: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ ...
الآية.
ويَرْهَقُ معناه:
يَغْشَى مع غلبةٍ وتضييقٍ، وال قَتَرٌ: الغُبَار المُسْوَدُّ.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها قالت فِرْقَةٌ: التقديرُ لهم جزاءُ سيئةٍ بمثلها، وقالت فرقة: التقديرِ جزاءُ سيِّئة مثلها، والباء زائدةٌ، وتعم السيئاتُ هاهنا الكفر والمعاصي، وال عاصِمٍ: المنجّي والمجير، وأُغْشِيَتْ: كسبت، و «القَطْع» :
جمع قِطْعة، وقرأ ابن كثيرٍ والكِسَائِيُّ: «قَطْعاً مِنَ اللَّيْلِ» - بسكون الطاء- «٣» ، وهو الجُزْء من الليل، والمراد: الجُزْء من سواده، وباقي الآية بيّن.
ومَكانَكُمْ: اسم فعلِ الأَمْرِ، ومعناه: قِفُوا واسكنوا، ت: قال ص:
وقدِّر ب «اثبتوا» وأما من قدَّره ب «الزموا مكانَكُمْ» ، فمردودٌ، لأن «الزموا» متعدّ، ومَكانَكُمْ: لا يتعدَّى، فلا يقدَّر به، وإلا لكان متعدياً، واسم الفعل عَلَى حَسَب الفعلِ إِنْ متعدياً فمتعدٍّ، وإِنْ لازماً فلازِمٌ، ثم اعتذر بأنه يمكن أن يكون تقديره ب «الزموا» تقديرَ معنًى، لا تقديرَ إِعرابٍ، فلا اعتراض، انتهى.
قال ع «٤» : فأخبر سبحانَهُ عن حالةٍ تكون لعبدة الأوثان يوم القيامة يؤمرون
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ ﴾ المَطَرَ، ومِنَ الأرْضِ النَّباتَ، ﴿ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ ﴾ أيْ: خَلْقَ السَّمْعِ والأبْصارِ.
وقَدْ سَبَقَ مَعْنى إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ، والمَيِّتِ مِنَ الحَيِّ.
[آلِ عِمْرانَ:٢٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ أيْ: أمْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ﴾ لِأنَّهم خُوطِبُوا بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ، فَكانَ في ذَلِكَ دَلِيلُ تَوْحِيدِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ قَوْلانِ؛ أحَدُهُما: أفَلا تَتَّعِظُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تَتَّقُونَ الشِّرْكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مَن المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتِ مَن الحَيَّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقُّ إلا الضَلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ واحْتِجاجٌ لا مَحِيدَ عَنِ التِزامِهِ، و ﴿ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ: المَطَرَ، ﴿ والأرْضِ ﴾ يُرِيدُ: بِالإنْباتِ ونَحْوِ ذَلِكَ، و ﴿ يَمْلِكُ السَمْعَ والأبْصارَ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جُمْلَةَ الإنْسانِ ومُعْظَمَهُ حَتّى أنَّ ما عَداهُما تَبَعٌ، و ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ الجَنِينُ مِنَ النُطْفَةِ، والطائِرُ مِنَ البَيْضَةِ، والنَباتُ مِنَ الأرْضِ، إذْ لَهُ نُمُوَّ شَبِيهٌ بِالحَياةِ.
﴿ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ﴾ مِثْلُ البَيْضَةِ مِنَ الطائِرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ فِيما سَلَفَ إيعابُ القَوْلِ في هَذِهِ المَعانِي، وتَدْبِيرُ الأمْرِ عامٌّ لِهَذا وغَيْرِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وذَلِكَ اسْتِقامَةُ الأُمُورِ كُلِّها عن إرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ تَدْبِيرُهُ بِفِكْرٍ ولا رَوِيَّةٍ وتَغَيُّراتٍ، تَعالى عن ذَلِكَ، بَلْ عِلْمُهُ مُحِيطٌ كامِلٌ دائِمٌ.
﴿ فَسَيَقُولُونَ اللهُ ﴾ لا مَندُوحَةَ لَهم عن ذَلِكَ، ولا تُمْكِنُهُمُ المُباهَتَةُ بِسِواهُ، فَإذا أقَرُّوا بِذَلِكَ ﴿ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ في افْتِرائِكم وجَعْلِكُمُ الأصْنامَ آلِهَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ ﴾ الآيَةُ، يَقُولُ: فَهَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ، أيِ المُسْتَوْجِبِ لِلْعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةُ، وإذا كانَ ذَلِكَ فَتَشْرِيكُ غَيْرِهِ ضَلالٌ وغَيْرُ حَقٍّ، وَعِبارَةُ القُرْآنِ في سَوْقِ هَذِهِ المَعانِي تَفُوتُ كُلَّ تَفْسِيرٍ بَراعَةً وإيجازًا وإيضاحًا، وحَكَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَقِّ والضَلالِ مَنزِلَةٌ ثالِثَةٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي تَوْحِيدُ اللهِ، وكَذَلِكَ هو الأمْرُ في نَظائِرِها وهي مَسائِلُ الأُصُولِ الَّتِي الحَقُّ فِيها في طَرَفٍ واحِدٍ، لِأنَّ الكَلامَ فِيها إنَّما هو في تَقْرِيرِ وُجُودِ ذاتٍ كَيْفَ وهِيَ، وذَلِكَ بِخِلافِ مَسائِلِ الفُرُوعِ الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ ، وقالَ النَبِيُّ : « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"»، والحَقُّ في هَذِهِ في الطَرَفَيْنِ لِأنَّ المُتَعَبِّدِينَ إنَّما تَعَبَّدُوا بِالِاجْتِهادِ لا بِالتَعْيِينِ في كُلِّ نازِلَةٍ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ الحَقَّ في الطَرَفَيْنِ اخْتِلافُ الشَرائِعِ بِتَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ في شَيْءٍ واحِدٍ، والكَلامُ في مَسائِلِ الفُرُوعِ إنَّما هو في أحْكامٍ طارِئَةٍ عَلى وُجُودِ ذاتٍ مُتَقَرِّرَةٍ لا يُخْتَلَفُ فِيها، وإنَّما يُخْتَلَفُ في الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُتَشَرِّعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَأنّى تُصْرَفُونَ ﴾ تَقْرِيرٌ، كَما قالَ: ﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ ؟
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ ﴾ أيْ: كَما كانَتْ صِفاتُ اللهِ كَما وصَفَ، وعِبادَتُهُ واجِبَةً كَما تَقَرَّرَ، وانْصِرافُ هَؤُلاءِ كَما قَدَّرَ عَلَيْهِمْ وتَكَسَّبُوا كَذَلِكَ حَقَّتْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي آخِرِ السُورَةِ: "كَلِمَةُ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَما يُقالُ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةٌ.
فَعَبَّرَ عن وعِيدِ اللهِ تَعالى بِكَلِمَتِهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ في المَوْضِعَيْنِ المَذْكُورَيْنِ: "كَلِماتُ"، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نَصاحٍ.
وَهَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ أنَّ في الكُفّارِ مَن حَتَّمَ بِكُفْرِهِ وقَضى بِتَخْلِيدِهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إنَّهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال من غرض إلى غرض في أفانين إبطال الشرك وإثبات توحد الله تعالى بالإلهية.
وهذه الجملة تتنزل منزلة الاستدلال لقوله: ﴿ مولاهم الحق ﴾ [يونس: 30] لأنها برهان على أنه المستحق للولاية.
فاحتج على ذلك بمواهب الرزق الذي به قوام الحياة، وبموهبة الحواس، وبنظام التناسل والتوالد الذي به بقاء الأنواع، وبتدبير نظام العالم وتقدير المقدرات، فهذه كلها مواهب من الله وهم كانوا يعلمون أن جميع ما ذكر لا يفعله إلا الله إذ لم يكونوا ينسبون إلى أصنامهم هذه الأمور، فلا جرم أن كان المختص بها هو مستحق الولاية والإلهية.
والاستفهام تقريري.
وجاء الاستدلال بطريقة الاستفهام والجواببِ لأن ذلك في صورة الحوار، فيكون الدليل الحاصل به أوقع في نفوس السامعين، ولذلك كان من طرق التعليم مما يراد رسوخه من القواعد العلمية أن يؤتى به في صورة السؤال والجواب.
وقوله: ﴿ من السماء والأرض ﴾ تذكير بأحوال الرزق؛ ليكون أقوى حضوراً في الذهن، فالرزق من السماء المطر، والرزق من الأرض النبات كله من حب وثمر وكلأ.
و (أم) في قوله: ﴿ أم من يملك السمع ﴾ للإضراب الانتقالي من استفهام إلى آخر.
ومعنى: ﴿ يملك السمع والأبصار ﴾ يملك التصرف فيهما، وهو مِلك إيجاد تينك الحاستين وذلك استدلال وتذكير بأنفع صنع وأدقه.
وأفرد ﴿ السمع ﴾ لأنه مصدر فهو دال على الجنس الموجود في جميع حواس الناس.
وأما ﴿ الأبصار ﴾ فجيء به جمعاً لأنه اسم، فهو ليس نصاً في إفادة العموم لاحتمال توهم بصر مخصوص فكان الجمع أدل على قصد العموم وأنفى لاحتمال العهد ونحوه بخلاف قوله: ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ﴾ [الإسراء: 36] لأن المراد الواحد لكل مخاطب بقوله: ﴿ ولا تقفُ ما ليس لك به علم ﴾ [الإسراء: 36].
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ﴾ في سورة [الأنعام: 46].
وإخراجُ الحي من الميت: هو تولد أطفال الحيوان من النطف ومن البَيْض؛ فالنطفة أو البيضة تكون لا حياة فيها ثم تتطور إلى الشكل القابل للحياة ثم تكون فيها الحياة.
و(مِن) في قوله: مِن الميت} للابتداء.
وإخراج الميت من الحي إخراج النطفةِ والبيضضِ من الحيوان.
والتعريف في ﴿ الحي ﴾ و ﴿ الميت ﴾ في المرتين تعريف الجنس.
وقد نظم هذا الاستدلال على ذلك الصنع العجيب بأسلوب الأحاجي والألغاز وجعل بمحسن التضاد، كل ذلك لزيادة التعجيب منه.
وقد تقدم الكلام على نظيره في قوله: ﴿ وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ في سورة [آل عمران: 27].
غير أن ما هنا ليس فيه رمز إلى شيء.
وقوله: ومن يدبر الأمر} تقدم القول في نظيره في أوائل هذه السورة.
وهو هنا تعميم بعد تخصيص ذكر ما فيه مزيد عبرة في أنفسهم كالعِبرة في قوله: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾ [الذاريات: 21، 22].
والفاء في قوله: ﴿ فسيقولون الله ﴾ فاء السببية التي من شأنها أن تقترن بجواب الشرط إذا كان غير صالح لمباشرة أداة الشرط، وذلك أنه قصد تسبب قولهم: ﴿ اللّهُ ﴾ على السؤال المأمور به النبيءُ عليه الصلاة والسلام، فنزل فعل ﴿ قل ﴾ منزلة الشرط فكأنه قيل: إن تَقل من يرزقكم من السماء والأرض فسيقولون الله، ومنه قوله تعالى: ﴿ قل كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا ﴾ [الإسراء: 51، 52].
وهذا الاستعمال نظير تنزيل الأمر من القول منزلة الشرط في جزم الفعل المقول بتنزيله منزلة جواب الشرط كقوله تعالى: ﴿ قل لعباديَ الذين آمنوا يقيمُوا الصلاة ﴾ [إبراهيم: 31] وقوله: ﴿ وقل لعبادِي يقولوا التي هي أحسن ﴾ [الإسراء: 53].
التقدير: إن تقل لهم أقيموا الصلاة يقيموا وإن تقل لهم قولوا التي هي أحسن يقولوا.
وهو كثير في القرآن على رأي المحققين من النحاة وعادة المعربين أن يُخَرّجوه على حذف شرط مقدر دل عليه الكلام.
والرأيان متقاربان إلا أن ما سلكه المحققون تقدير معنى والتقدير عندهم اعتبار لا استعمال، وما سلكه المعربون تقدير إعراب والمقدر عندهم كالمذكور.
ولو لم ينزل الأمر بمنزلة الشرط لما جَاءت الفاء كما في قوله تعالى: ﴿ قل لِمَن الأرضُ ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله ﴾ [المؤمنون: 84، 85] الآيات.
والفاء في قوله: ﴿ فقل ﴾ فاء الفصيحة، أي إن قالوا ذلك فقل أفلا تتقون.
والفاء في قوله: ﴿ أفلا تتقون ﴾ فاء التفريع، أي يتفرع على اعترافكم بأنه الفاعل الواحد إنكار عدم التقوى عليكم.
ومفعول ﴿ تتقون ﴾ محذوف، تقديره تتقونه، أي بتنزيهه عن الشريك.
وإنما أخبر الله عنهم بأنهم سيعترفون بأن الرازق والخالق والمدبر هو الله لأنهم لم يكونوا يعتقدون غير ذلك كما تكرر الإخبار بذلك عنهم في آيات كثيرة من القرآن.
وفيه تحدّ لهم فإنهم لو استطاعوا لأنكروا أن يكون ما نسب إليهم صحيحاً، ولكن خوفهم عار الكذب صرفهم عن ذلك فلذلك قامتْ عليهم الحجة بقوله: ﴿ فقل أفلا تتقون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِتاءَيْنِ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وفي تَأْوِيلِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ ما قَدَّمَتْ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إنَّ المُرِيبَ يَتْبَعُ المُرِيبا كَما رَأيْتَ الذِّيبَ يَتْلُو الذِّيبا الثّانِي: تَتْلُو كِتابَ حَسَناتِها وكِتابَ سَيِّئاتِها، ومِنَ التِّلاوَةِ.
والثّالِثُ: تُعايِنُ كُلُّ نَفْسٍ جَزاءَ ما عَمِلَتْ.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: وهي قِراءَةُ الباقِينَ تَتْلُو بِالباءِ وفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: تُسَلِّمُ كُلُّ نَفْسٍ.
الثّانِي: تَخْتَبِرُ كُلُّ نَفْسٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ أيْ مالِكِهِمْ، ووَصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِالحَقِّ، لِأنَّ الحَقَّ مِنهُ، كَما وصَفَ نَفْسَهُ بِالعَدْلِ، لِأنَّ العَدْلَ مِنهُ.
فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ وَأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ﴾ فَكَيْفَ صارَ ها هُنا مَوْلًى لَهُمْ؟
قِيلَ لَيْسَ بِمَوْلًى في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وهو مَوْلًى لَهم في المِلْكِيَّةِ.
﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أيْ بَطَلَ عَنْهم ما كانُوا يَكْذِبُونَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ قال: الحشر الموت.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فزيلنا بينهم ﴾ قال: فرقنا بينهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: يأتي على الناس يوم القيامة ساعة فيها لين، يرى أهل الشرك أهل التوحيد يغفر لهم فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [ الأنعام: 23] قال الله: ﴿ أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ [ الأنعام: 24] ثم يكون من بعد ذلك ساعة فيها شدة، تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدون من دون الله فيقول: هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله؟
فيقولون: نعم، هؤلاء الذين كنا نعبد.
فتقول لهم الآلهة: والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا.
فيقولون: بلى، والله لإِياكم كنا نعبد.
فتقول لهم الآلهة ﴿ فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمثل لهم يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونهم حتى يوردوهم النار، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ﴾ » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه.
أنه كان يقرأ ﴿ هنالك تتلو ﴾ بالتاء قال: هنالك تتبع.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ هنالك تتلو ﴾ يقال: تتبع.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ هنالك تبلوا ﴾ يقول: تختبر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ﴾ قال: عملت.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ هناك تبلوا ﴾ قال: تعاين ﴿ كل نفس ما أسلفت ﴾ قال: عملت ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ قال: ما كانوا يدعون معه من الأنداد.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وردوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ قال: نسختها قوله: ﴿ مولى الذين آمنوا وإن الكافرين لا مولى لهم ﴾ [ محمد: 11] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن حرملة بن عبد العزيز قال: قلت لمالك بن أنس رضي الله عنه: ما تقول في رجل أمره يقيني؟
قال: ليس ذلك من الحق.
قال الله: ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أشهب رضي الله عنه قال: سئل مالك عن شهادة اللعاب بالشطرنج والنرد فقال: أما من أدمنها فما أرى شهادتهم طائلة.
يقول الله: ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ يريد من ينزل (١) (٢) (٣) ﴿ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾ [قال (٤) (٥) (٦) ﴿ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾ أي المؤمن من الكافر، والنبات من الأرض، والإنسان من النطفة، والطير من البيضة، والسنبلة من الحب، والنخلة من النواة، كل هذا قد (٧) (٨) ﴿ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾ .
﴿ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾ أمر الدنيا والآخرة، ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ﴾ أي: الله هو الذي يفعل (٩) ﴿ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ قال ابن عباس: أفلا تخافون فلا تشركوا به شيئًا (١٠) (١) في (ى): (يخرج).
(٢) رواه بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 212.
(٣) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 113، و"تفسير البغوي" 4/ 132، وابن الجوزي "زاد المسير" 4/ 28.
(٤) يعني ابن عباس، وانظر القول بنحوه في: "تنوير المقباس" ص 212 (٥) ساقط من (ى).
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).
(٧) ساقط من (م).
(٨) انظر: "تفسير ابن جرير" 3/ 226، والبغوي 2/ 24، "الدر المنثور" 2/ 27.
(٩) في (م): (جعل).
(١٠) "الوسيط" 2/ 547، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 28 بلفظ: أفلا تتعظون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم ﴾ الآية: احتجاج على الكفار بحجج كثيرة واضحة لا محيص لهم عن الإقرار بها ﴿ يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت ﴾ مذكور في [آل عمران: 27] ﴿ رَبُّكُمُ الحق ﴾ أي الثابت الربوبية بخلاف ما تعبدون من دونه ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال ﴾ أي عبادة غير الله ضلال بعد وضوح الحق، وتدل الآية على أنه ليس بين الحق والباطل منزلة في علم الاعتقادات، إذ الحق فيها في طرف واحد، بخلاف مسائل الفروع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كلمات ربك ﴾ وكذلك في آخر السورة على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لا يهدي ﴾ مثل ﴿ يرمي ﴾ : حمزة وعلي وخلف ﴿ يهدي ﴾ بسكون الهاء وتشديد الدال: أبو جعفر ونافع غير ورش وعباس وأبو عمرو غير عباس بإشمام الفتحة قليلاً ﴿ يهدي ﴾ بكسر الهاء وتشديد الدال: عاصم غير يحيى وجبلة ورويس ﴿ يهدي ﴾ بكسرتين والتشديد: يحيى ﴿ يهدي ﴾ بفتحتين والتشديد: ابن كثير وابن عامر وورش وسهل ويعقوب غير رويس.
الوقوف: ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ تتقون ﴾ ه ج ط ﴿ ربكم الحق ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء ﴿ إلا الضلال ﴾ ج ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ ثم يعيده ﴾ الأول ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ إلى الحق ﴾ ط ﴿ للحق ﴾ ط ﴿ أن يهدي ﴾ ج ط لما مر ﴿ فما لكم ﴾ ص لحق الاستفهام الثاني ﴿ تحكمون ﴾ ه ط ﴿ إلا ظناً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ افتراء ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تأويله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمن به ﴾ ط ﴿ بالمفسدين ﴾ ه ﴿ عملكم ﴾ ج لأن ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ والعامل واحد ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما بين فضائح عبدة الأوثان أكدها بالحجج اللامعة والبراهين القاطعة من أحوال الرزق والموت والحياة والإبداء والإعادة والإرشاد والهداية، وقد بنى الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس.
فالحجة الأولى قوله: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ﴾ بإنزال الأمطار النافعة الموجبة لتولد الأغذية النباتية والحيوانية في الأرض بعد رعاية شرائط تربيتها وإنمائها وحفظها من العاهات.
﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ خص الحاستين بالذكر لما في خلقهما وتسويتهما من الفطرة العجيبة، وكان يقول: "سبحان من بَصَّرَ بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم" ولما في تحصينهما في الآفات في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء مزيد قدرة ورأفة.
﴿ ومن يخرج الحي من الميت ﴾ الحيوان الماشي والطائر من النطفة والبيضة وقد مر سائر الأقوال في سورة الأنعام.
﴿ ومن يدبر الأمر ﴾ عمم بعدما خصص لأن أقسام تدبيره في العالم العلوي والعالم السفلي وعالمي الغيب والشهادة أمور لا نهاية لها.
وذكر كلها كالمتعذر.
﴿ فسيقولون الله ﴾ وفيه دليل على أنهم كانوا يعبدون الأصنام بناء على أنها شفعاؤهم وأنها تقربهم إلى الله زلفى، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا الاعتقاد فلهذا ختم الآية بقوله ﴿ فقل أفلا تتقون ﴾ الله الذي اعترفتم بأنه سبب فيضان جميع الخيرات فكيف أشركتم بعبادته الجمادات التي لا تقدر على نفع أو ضر.
﴿ فذلكم ﴾ الموصوف بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة ﴿ الله ربكم الحق ﴾ الثابت ربوبيته بالوجدان والبرهان.
﴿ فماذا بعد الحق ﴾ "ذا" مزيدة و "ما" نافية أو استفهامية أو مجموع "ماذا" كلمة واحدة معناها أي شيء بعد الحق ﴿ إلا الضلال ﴾ والمراد أنه لما ثبت وجود الواجب الحق كان ما سواه ممكناً لذاته باطلاً دعوى الإلهية فيه، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وفي صفاته وفي جميع اعتباراته وإلا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه فلا يكون واجباً هف محال ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر وتقعون في الضلال، إذ لا واسطة بين الأمرين، فمن يخطىء أحدهما وقع في الآخر.
﴿ كذلك ﴾ أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ .
وتفسير الكلمة ﴿ أنهم لا يؤمنون ﴾ على أنه بدل أي حق عليهم انتفاء الإيمان وقد علم الله منهم ذلك في الأزل، وأراد بالكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل على حذف اللام.
احتجت المعتزلة بمثل قوله تعالى: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أن الصارف لو كان هو الله لم يصح منه هذا التعجيب والإنكار.
وقالت الأشاعرة: قد تعلق علمه بأنهم لا يؤمنون كما قال: ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ وتعلق خبره بأنهم لا يؤمنون وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وقدرته عجزاً وإرادته عبثاً وإشهاده باطلاً.
الحجة الثانية ﴿ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وإنما قال: ﴿ ثم يعيده ﴾ مع أن الخصم لا يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلال الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك.
وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في الجواب بقوله ﴿ قل الله ﴾ الآية.
تنبيهاً على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه الى إقرار الخصم المكابر، فكأنه قيل: تكلم عنهم إذ لا يدعهم لحاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق.
وقوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ كقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ وقد مر في "المائدة".
الحجة الثالثة ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي ﴾ الآية.
الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أوّلاً ثم بالهداية عادة مطردة في القرآن، فحكى عن الخليل ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ وعن موسى ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ وأمر محمداً ﴿ سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ﴾ والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق من الطرق المنحرفة كثيرة والظنون والأغاليط غير محصورة، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه وهدايته، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلاً عن الأصنام التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة الثالثة.
وقال الزجاج: يقال: هديت للحق وإلى الحق بمعنى، فجمع بين العبارتين.
ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله: ﴿ أمن لا يهدي ﴾ وسائر القراآت أصلها "يهتدي" فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها.
قيل: هذه الشركاء جمادات فكيف قال في حقها ﴿ إلا أن يهدى ﴾ وأجيب بوجوه منها: أن المراد في الآية رؤساؤهم وأشرافهم كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً ﴾ والمراد أن الله هو الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من الدلائل العقلية، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله.
ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم الله بصفة من يعقل كقوله: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ ومنها أن ذلك بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي غيرها إلا أن تهدى.
ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة والعقل فيصح من الله أن يجعلها حية عاقلة، ثم إنها تشتغل بهداية الغير، ومنها أن المراد من الهدي النقل والحركة يقال: هديت المرأة زوجها أي نقلت إليه، فالمعنى لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه.
ثم عجب من مذهبهم الفاسد باستفهامين متواليين فقال: ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ .
ثم بين ما بنوا عليه أمر دينهم فقال: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ﴾ أي في إقرارهم بالله لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم أو في قولهم للأصنام أنها آلهة أو شفعاء، وعلى هذا فالمراد بالأكثر الجميع.
﴿ إن الظن ﴾ في معرفة الله وفيما يجب تحقيقه ﴿ لا يغني من الحق ﴾ وهو العلم والتحقيق ﴿ شيئاً ﴾ من الغناء.
والمعنى أن الظن لا يقوم مقام العلم في شيء من الأحوال.
ثم أوعدهم على اتباعهم الظن وتقليد الآباء بقوله: ﴿ إن الله عليم بما يفعلون ﴾ .
وتمسك نفاة القياس بالآية ظاهر من قبل أن القياس لا يفيد إلا الظن.
وأجيب بأن التمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن وهذه الآية من العمومات فلم يجب اتباعها بزعمكم، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً.
ولما فرغ من دلائل التوحيد شرع في إثبات النبوة فقال: ﴿ ما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ أي افتراء من دون الله أو كلمة "أن" بمعنى اللام أي ما ينبغي له وما استقام أن يكون مفترى.
والحاصل أن وصفه ليس وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأنه معجز لا يقدر البشر على إتيان مثله وإنما القادر عليه هو الله .
﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب المنزلة لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها، ونفس هذا التصديق أيضاً معجز لأن أقاصيصه موافقه لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ، ولأن بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة فيقع مطابقاً فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية والمستقبلة.
أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: ﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال في الكشاف قوله: ﴿ لا ريب فيه من رب العالمين ﴾ داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين، وجوز أن يكون ﴿ من رب العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل و ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم.
والمعنى ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب فيه.
ثم أعاد بيان إعجازه مرة أخرى فقال مستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ أم يقولون افتراه قل ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فأتوا ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بسورة مثله ﴾ في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ﴿ وادعوا من استطعتم من دون الله ﴾ أي لا تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أنه افتراه.
قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فلعل المراد بالسورة المتحدّي بها هذه السورة.
والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة.
قالت المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحدّ العرب به لكنهم تحدّوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديماً والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي.
وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة، والتحدي إنما وقع بهذه لا بتلك ﴿ بل كذبوا ﴾ سارعوا إلى التكذيب ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ وهو القرآن ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ ومعنى التوقع فيه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء، وكذبوا به بعد التدبر وتكرير التحدي عليهم واستيقان عجزهم عن هذا بغياً وحسداً وعناداً.
وذلك إنما حملهم على التكذيب أوّلا وآخراً وجوه منها: أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأوّلين، وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة الله على التصرف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس، ليعرف المكلف أن الدنيا ليست مما يبقى، فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون أن لا يكون كقوله: عز من قائل ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ﴾ .
ومنها أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ وأخر متشابهات ﴾ الآية.
ومنها أنهمرأوا القرآن يظهر شيئاً فشيئاً فاتهموا النبي وقالوا: ﴿ لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة ﴾ ومنها أنهم وجدوا القرآن مملوءاً من حديث الحشر والنشر، وكانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا ذلك.
وأنهم وجدوا فيه تكاليف كثيرة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وكانوا يقولون.
إن إله العالم غني عنا وعن طاعاتنا ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ يعني قبل النظر في معجزات أنبيائهم.
قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن من كان غير عارف بوجوه التأويل قد يقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد تتعارض فيفتقر هنالك إلى تطبيق التنزيل على التأويل.
وقيل: معنى الآية أن القرآن كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الأخبار بالغيوب ومن جملتها أحوال الآخرة.
فقوله: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ إشارة إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقوله: ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ إشارة إلى تكذيبهم قبل أن يمتحنوا غيوبه هل تطابق الواقع أم لا.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وأعرضوا عن الآخرة فلم تبق عليهم الدنيا وفاتتهم الآخرة فبقوا في خسران الدارين.
وقيل: المقصود عذاب الاستئصال الذي نزل بالمكذبين قبلهم.
ثم قسم طوائف الأمم المكذبين فقال: ﴿ ومنهم من يؤمن به ﴾ أي بالقرآن أو بالرسول أي يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ﴿ ومنهم ﴾ من يشك فيه لا يصدق به لا ظاهراً ولا باطناً، ويمكن أن يقال: المراد به قسمتهم في الاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من يبقى على الكفر فتكون الآية كالعذر في تبقيتهم وعدم استئصالهم ﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ فيجازيهم على حسب مراتبهم في التكذيب ويعلم طوياتهم هل يتوبون أو يصرفون.
ثم بين اختصاص كل مكلف بأفعاله وبنتائج أعماله من الثواب والعقاب فقال: ﴿ وإن كذبوك فقل لي عملي ﴾ أي جزاء عملي على الطاعة والإيمان وتبليغ الرسالة ﴿ ولكم عملكم ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي منسوخة بآية القتال.
والتحقيق أن آية القتال لا تدفع شيئاً من مدلولات هذه فلا نسخ والله أعلم.
التأويل: ﴿ قل من يرزقكم ﴾ أي من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس ويخرج من أرض النفس نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فيض الروح ويخرج من أرض النفس نبات الصفات البشرية والحيوانية.
أو ينزل من سماء الروح مطر فيض الروح ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة مطر تجلي الصفات والفيض الرباني ويخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات ويخرج من أرض الوجود نبات الفناء في الله وثمرات البقاء بالله ﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ فيكون سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر.
﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ النفس من القالب والقلب من الروح والروح من القلب وبالعكوس ﴿ ومن يدبر ﴾ أمر الإنسان بالتربية من التراب إلى أن يصل إلى رب الأرباب.
فسيقولون هذه الأحوال كلها من الله فقل لمن بلغ نظره إلى هذه المراتب العلية وإنها عتبة باب التوحيد والمعرفة ﴿ أفلا تتقون ﴾ بالله من غيره لتدخلوا بيت الوحدة ﴿ كذلك حقت كلمة ربك ﴾ هكذا جرى القلم في الأزل على الذين خرجوا عن قبول فيض النور حين رش على الخلق من نوره.
﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ وتفصيل الجملة التي هي مكتوبة عنده في أم الكتاب وهو علمه القائم بذاته.
﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ الذين أفسدوا استعدادهم الفطري والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ...
﴾ الآية: يحاجهم يعني: أهل مكة في التوحيد [والربوبية وكأن هذه السورة نزلت في محاجة أهل مكة في التوحيد] لأنها مكية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يحتمل وجهين؛ أي: من ينزل لكم الرزق من السماء، ومن يستخرج لكم الرزق من الأرض.
والثاني: من يرزقكم من السماء والأرض أي ومن يدبر الرزق في السماء، ومن يدبر الرزق في الأرض، لا أحد يملك استنزال الرزق من السماء، واستخراج الرزق من الأرض؛ وكذلك لا أحد يملك تدبيره في السماء والأرض سواه، ولا أحد يملك إنشاء السمع والبصر، ولا أحد أيضاً يملك إخراج الحي من الميت ولا إخراج الميت من الحي ولا تدبير الأمر، لا يعرفون حقيقة ماهية السمع والبصر ولا كيفيتهما، فكيف يملكون إنشاء السمع والبصر ونصبهما، ولا [يملك أحد] سواه إصلاح ما ذكر إذا فسد ذلك، فأقروا له أنه لا يملك أحد سوى الله ذلك، وهو قولهم: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ \[يقول: والله أعلم -: إذا عرفتم وأقررتم أنه لا يملك ما ذكر سواه وعرفتم أن له السلطان والقدرة على ذلك أفلا تتقون\] بوائقه ونقمته، [أو يقول: أفلا تتقون عبادة غيره دونه، وإشراك غيره في ألوهيته وربوبيته]، أو يقول: أفلا تتقون صرف شكره إلى غيره وقد أقررتم أنه هو المنعم عليكم بهذه النعم لا من تعبدون دونه.
أو يقول - والله أعلم -: إذا عرفتم ذلك أفلا تتقون مخالفته وعصيانه، فإذا أقروا أن الذي يملك تدبير ما بين السماء والأرض هو الذي له السماوات والأرض عرفوا الذي يستحق العبادة والقيام بشكره، فإذا ضيعوا ذلك جمعهم على اسم الضلال؛ فذلك قوله: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ ﴾ .
وقوله : ﴿ فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: ذلكم الذي ذكر ربكم بالحجج والبراهين، فماذا بعد الحق الذي هو حق بالحجج والبراهين إلا الضلال؟!
لأن ما لا حجج له ولا براهين فهو ضلال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴾ : عن عبادته إلى عبادة غيره، أو فأنى تصرفون عن شكر المنعم، إلى شكر غير المنعم.
أو يقول: فأنى تعدلون من لا يملك ما ذكر بمن يملك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ حقت: وجبت، وقيل: كذلك حقت كلمة ربك على الذين ختموا بالفسق أنهم لا يؤمنون، أي: لا ينتفعون بإيمانهم بعد ذلك.
وقوله: ﴿ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ تحتمل وجهين: تحتمل كلمة ربك [مواعيد ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون فإن كان على هذا فهو في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون.
ويحتمل كلمة ربك] حجج ربك وبراهينه على الذين فسقوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ثم يعيده: البعث بعد الموت، أي: لا أحد من شركائكم الذين تعبدون يملك بدء الخلق ولا بعثه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ لا يحتمل البعث؛ لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث، فلا يحتمل الاحتجاج عليهم بذلك، ولكن قوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ ما سوى البشر؛ لأنهم إنما ينكرون إعادة البشر، فأما إعادة غيره من الأشياء لا ينكرونه؛ نحو إعادة الليل والنهار، وإعادة الإنزال والنبات، ونحو الأشياء التي يشاهدونها، أي: ثم يعيد مثله: الليل ليلا مثله، والنهار نهارا مثله؛ وكذلك الخلائق تفنى ثم يعيد مثله، فإذا ثبت في غير البشر ثبت في البشر.
ويحتمل الأمرين جميعاً عندنا البعث وأشياء مثله؛ لأنه تعليم منه لهم، ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ قيل: تكذبون بتوحيد الله، وقد عرفتم أنه هو بدأ الخلق ثم هو يعيده، لا أحد يملك ذلك، ألا ترى أنه احتج عليهم ما يلزمهم ذلك بقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [البقرة: 28].
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ يدعو إلى الحق فإذا كان هؤلاء الأصنام التي تعبدونها لا يملكون الدعاء إلى شيء، فلا يملكون الضر والنفع، ومن الخلائق من لا يملك النفع والضر، ويملك الدعاء إلى خير أو [إلى] نفع، فهؤلاء دون الخلائق جميعاً؛ إذ لا يملكون الدعاء، فكيف يملكون [الضرّ والنفع]؟!
يبين عز وجل سفههم بعبادتهم هؤلاء الأصنام؛ لعلمهم أنهم لا يملكون نفعاً ولا ضرّاً.
ويحتمل قوله: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ أي: يبين ويقيم الدلائل والبراهين على [عدم] استحقاق العبادة لهم، فإذا لم يملكوا الدعاء إلى العبادة لهم، فكيف يملكون نصب الدلائل والحجج على استحقاق العبادة؟!
﴿ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴾ : أخبر أن الله هو الذي يهدي للحق.
ثم يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا: هو يملك الدعاء إلى الحق ويقيموا الدلائل والحجج على ما دعا إليه، وهو يستحق العبادة له والربوبية.
﴿ أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ : الذي يبين البراهين والحجج، ﴿ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ ﴾ أي: لا يبين، ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ ، فإن قيل: ما معنى الاستثناء وهو وإن هدي لا يهتدي؟
قيل: يشبه أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ ينطقهم الله - عز وجل - يوم القيامة، فيشهدون عليهم أنهم لم يأمروهم بالعبادة لهم ولا دعوهم لإشراكهم في العبادة، فيكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ لما أن يجعلهم الله بحيث يهتدون إذا هدوا ويجيبون إذا دعوا.
﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ : بالجور وصرف العبادة والشكر إلى من لا يملك ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ قال بعضهم: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ لا يحتمل الصنم والوثن الاهتداء وإن هدي، ولكن المراد منه الإنسان.
وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ إلا أن يحمل الصنم ويوضع، فأما أن يهتدي هو بنفسه فلا، لكن يحتمل ما ذكرنا أنه إذا صيره بحيث يتكلم ومن جنس ما ينطق وأذن له في النطق احتمل الإجابة والاهتداء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ قال بعضهم: هذا في الأئمة والرؤساء منهم حيث عبدوا الأصنام والأوثان وقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ونحو ذلك من القول؛ يقول: ما يتبع أكثرهم في عبادتهم الأصنام بأنهم يكونون لهم شفعاء عند الله إلا ظنا ظنوه.
وقال بعضهم: هذا في الأتباع والعوام ليس في الأئمة؛ ذلك أن الأئمة قد عرفوا البراهين والحجج التي قامت عليهم والآيات التي جاء بها رسول الله ، لكن ما قالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ ، ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ ، ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ ونحو ذلك من الكلام، أرادوا أن يلبسوا على العوام ويشبهوا عليهم، فاتبع العوام الأئمة فيما قالوا وأنه كذا وصدقوهم؛ يقول: وما يتبع أكثرهم الأئمة في ذلك إلا ظنّاً ظنوا.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ ﴾ يعني: أهل مكة [أي ما يتبع أكثر أهل مكة] الأوائل والأسلاف في عبادة الأصنام والأوثان.
﴿ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ لأنهم عبدوا الأصنام ويقولون: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ...
﴾ الآية [الزخرف: 23] وآباؤنا كذلك يفعلون، ثم أخبر أن الظن لا يغني من الحق شيئاً، أي: الظن لا يدرك به الحق إنما يدرك الحق باليقين، ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ وهو حرف وعيد ليكونوا أبدا على حذر.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين بالله: من يرزقكم من جهة السماء بإنزال المطر عليكم؟
ومن يرزقكم من الأرض بما ينبت فيها من نبات، وبما تحويه من معادن؟.
ومن يُخْرِج الحي من الميت كالإنسان من النطفة، والطير من البيضة، ومن يُخْرِج الميت من الحي كالنطفة من الحيوان، والبيضة من الطير؟
ومن يدبر أمر السماوات والأرض وما فيهن من مخلوقات؟
فسيجيبون بأن فاعل ذلك كله هو الله، فقل لهم: أفلا تعلمون ذلك، وتتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.ygKy2"