الآية ٣٢ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٣٢ من سورة يونس

فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ) أي : فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة ، ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) أي : فكل معبود سواه باطل ، لا إله إلا هو ، واحد لا شريك له .

( فأنى تصرفون ) أي : فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه ، وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء ، والمتصرف في كل شيء ؟

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لخلقه: أيها الناس، فهذا الذي يفعل هذه الأفعال، فيرزقكم من السماء والأرض ، ويملك السمع والأبصار، ويخرج الحي من الميت والميت من الحي، ويدبر الأمر; ، (الله ربُّكم الحق) ، لا شك فيه ، ( فماذا بعد الحق إلا الضلال) ، يقول: فأي شيء سوى الحق إلا الضلال ، وهو الجور عن قصد السبيل؟

(51) يقول: فإذا كان الحقُّ هو ذا، فادعاؤكم غيره إلهًا وربًّا، هو الضلال والذهاب عن الحق لا شك فيه ، (فأنى تصرفون) ، يقول: فأيّ وجه عن الهدى والحق تُصرفون ، وسواهما تسلكون ، وأنتم مقرُّون بأن الذي تُصْرَفون عنه هو الحق؟

(52) ------------------- الهوامش : (51) انظر تفسير " الضلال " فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) .

(52) انظر تفسير " الصرف " فيما سلف 14 : 582 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون قوله تعالى فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فيه ثماني مسائل : الأولى : قوله تعالى فذلكم الله ربكم الحق أي هذا الذي يفعل هذه الأشياء هو ربكم الحق ، لا ما أشركتم معه .

فماذا بعد الحق " ذا " صلة أي ما بعد عبادة الإله الحق إذا تركت عبادته إلا الضلال .

وقال بعض المتقدمين : ظاهر هذه الآية يدل على أن ما بعد الله هو الضلال ; لأن أولها فذلكم الله ربكم الحق وآخرها فماذا بعد الحق إلا الضلال فهذا في الإيمان والكفر ، ليس في الأعمال .

وقال بعضهم : إن الكفر تغطية الحق ، وكل ما كان غير الحق جرى هذا المجرى ; فالحرام ضلال والمباح هدى ; فإن الله هو المبيح والمحرم .

والصحيح الأول ; لأن قبل قل من يرزقكم من السماء والأرض ثم قال [ ص: 248 ] فذلكم الله ربكم الحق أي هذا الذي رزقكم ، وهذا كله فعله هو .

ربكم الحق أي الذي تحق له الألوهية ويستوجب العبادة ، وإذا كان ذلك فتشريك غيره ضلال وغير حق .الثانية : قال علماؤنا : حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى ، وكذلك هو الأمر في نظائرها ، وهي مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد ; لأن الكلام فيها إنما هو في تعديد وجود ذات كيف هي ، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ، وقوله عليه السلام : الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات .

والكلام في الفروع إنما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يختلف فيها وإنما يختلف في الأحكام المتعلقة بها .الثالثة : ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال : اللهم لك الحمد .

الحديث .

وفيه أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق الحديث .

فقوله : أنت الحق أي الواجب الوجود ; وأصله من حق الشيء أي ثبت ووجب .

وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة إذ وجوده لنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم ; وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم ، ويجوز عليه لحاق العدم ، ووجوده من موجده لا من نفسه .

وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر ، كلمة لبيد :ألا كل شيء ما خلا الله باطلوإليه الإشارة بقوله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون .الرابعة : مقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعا ، كما في هذه الآية .

وكذلك أيضا مقابلة الحق بالباطل عرف لغة وشرعا ; قال الله تعالى : ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل .

والضلال حقيقته الذهاب عن الحق ; أخذ من ضلال الطريق ، وهو [ ص: 249 ] العدول عن سمته .

قال ابن عرفة : الضلالة عند العرب سلوك غير سبيل القصد ; يقال : ضل عن الطريق وأضل الشيء إذا أضاعه .

وخص في الشرع بالعبارة في العدول عن السداد في الاعتقاد دون الأعمال ; ومن غريب أمره أنه يعبر به عن عدم المعرفة بالحق سبحانه إذا قابله غفلة ولم يقترن بعدمه جهل أو شك ، وعليه حمل العلماء قوله تعالى : ووجدك ضالا فهدى أي غافلا ، في أحد التأويلات ، يحققه قوله تعالى : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان .الخامسة : روى عبد الله بن عبد الحكم وأشهب عن مالك في قوله تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال قال : اللعب بالشطرنج والنرد من الضلال .

وروى يونس عن ابن وهب أنه سئل عن الرجل يلعب في بيته مع امرأته بأربع عشرة ; فقال مالك : ما يعجبني!

وليس من شأن المؤمنين ، يقول الله تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال .

وروى يونس عن أشهب قال : سئل - يعني مالكا - عن اللعب بالشطرنج فقال : لا خير فيه ، وليس بشيء وهو من الباطل ، واللعب كله من الباطل ، وإنه لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل .

وقال الزهري لما سئل عن الشطرنج : هي من الباطل ولا أحبها .السادسة : اختلف العلماء في جواز اللعب بالشطرنج وغيره إذا لم يكن على وجه القمار ; فتحصيل مذهب مالك وجمهور الفقهاء في الشطرنج أن من لم يقامر بها ولعب مع أهله في بيته مستترا به مرة في الشهر أو العام ، لا يطلع عليه ولا يعلم به أنه معفو عنه غير محرم عليه ولا مكروه له ، وأنه إن تخلع به واشتهر فيه سقطت مروءته وعدالته وردت شهادته .

وأما الشافعي فلا تسقط في مذهب أصحابه شهادة اللاعب بالنرد والشطرنج ، إذا كان عدلا في جميع أصحابه ، ولم يظهر منه سفه ولا ريبة ولا كبيرة إلا أن يلعب به قمارا ، فإن لعب بها قمارا وكان بذلك معروفا سقطت عدالته وسفه نفسه لأكله المال بالباطل .

وقال أبو حنيفة : يكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر وكل اللهو ; فإن لم تظهر من اللاعب بها كبيرة وكانت محاسنه أكثر من مساويه قبلت شهادته عندهم .

قال ابن العربي : قالت الشافعية إن الشطرنج يخالف النرد لأن فيه إكداد الفهم واستعمال القريحة .

والنرد قمار غرر لا يعلم ما يخرج له فيه كالاستقسام بالأزلام .السابعة : قال علماؤنا : النرد قطع مملوءة من خشب البقس ومن عظم الفيل ، وكذا هو [ ص: 250 ] الشطرنج إذ هو أخوه غذي بلبانه .

والنرد هو الذي يعرف بالباطل ، ويعرف بالكعاب ويعرف في الجاهلية أيضا بالأرن ويعرف أيضا بالنردشير .

وفي صحيح مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه .

قال علماؤنا : ومعنى هذا أي هو كمن غمس يده في لحم الخنزير يهيئه لأن يأكله ، وهذا الفعل في الخنزير حرام لا يجوز ; يبينه قوله صلى الله عليه وسلم : من لعب بالنرد فقد .

عصى الله ورسوله رواه مالك وغيره من حديث أبي موسى الأشعري وهو حديث صحيح ، وهو يحرم اللعب بالنرد جملة واحدة ، وكذلك الشطرنج ، لم يستثن وقتا من وقت ولا حالا من حال ، وأخبر أن فاعل ذلك عاص لله ورسوله ; إلا أنه يحتمل أن يكون المراد باللعب بالنرد المنهي عنه أن يكون على وجه القمار ; لما روي من إجازة اللعب بالشطرنج عن التابعين على غير قمار .

وحمل ذلك على العموم قمارا وغير قمار أولى وأحوط إن شاء الله .

قال أبو عبد الله الحليمي في كتاب منهاج الدين : ومما جاء في الشطرنج حديث يروى فيه كما يروى في النرد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من لعب بالشطرنج فقد عصى الله ورسوله .

وعن علي رضي الله عنه أنه مر على مجلس من مجالس بني تميم وهم يلعبون بالشطرنج فوقف عليهم فقال : أما والله لغير هذا خلقتم!

أما والله لولا أن تكون سنة لضربت به وجوهكم .

وعنه رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ; لأن يمس أحدكم جمرا حتى يطفأ خير من أن يمسها .

وسئل ابن عمر عن الشطرنج فقال هي شر من النرد .

وقال أبو موسى الأشعري : لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ .

وسئل أبو جعفر عن الشطرنج فقال : دعونا من هذه المجوسية .

وفي حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وسلم : وأن من لعب بالنرد والشطرنج والجوز والكعاب مقته الله ومن جلس إلى من يلعب بالنرد والشطرنج لينظر إليهم محيت عنه حسناته كلها وصار ممن مقته [ ص: 251 ] الله .وهذه الآثار كلها تدل على تحريم اللعب بها بلا قمار ، والله أعلم .

وقد ذكرنا في " المائدة " بيان تحريمها وأنها كالخمر في التحريم لاقترانها به ، والله أعلم .

قال ابن العربي في قبسه : وقد جوزه الشافعي ، وانتهى حال بعضهم إلى أن يقول : هو مندوب إليه ، حتى اتخذوه في المدرسة ; فإذا أعيا الطالب من القراءة لعب به في المسجد .

وأسندوا إلى قوم من الصحابة والتابعين أنهم لعبوا بها ; وما كان ذلك قط!

وتالله ما مستها يد تقي .

ويقولون : إنها تشحذ الذهن ، والعيان يكذبهم ، ما تبحر فيها قط رجل له ذهن .

سمعت الإمامأبا الفضل عطاء المقدسي يقول بالمسجد الأقصى في المناظرة : إنها تعلم الحرب .

فقال له الطرطوشي : بل تفسد تدبير الحرب ; لأن الحرب المقصود منها الملك واغتياله ، وفي الشطرنج تقول : شاه إياك : الملك نحه عن طريقي ; فاستضحك الحاضرين .

وتارة شدد فيها مالك وحرمها وقال فيها : فماذا بعد الحق إلا الضلال وتارة استهان بالقليل منها والأهون ، والقول الأول أصح والله أعلم .فإن قال قائل : روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن الشطرنج فقال : وما الشطرنج ؟

فقيل له : إن امرأة كان لها ابن وكان ملكا فأصيب في حرب دون أصحابه ; فقالت : كيف يكون هذا أرونيه عيانا ; فعمل لها الشطرنج ، فلما رأته تسلت بذلك .

ووصفوا الشطرنج لعمر رضي الله عنه فقال : لا بأس بما كان من آلة الحرب ; قيل له : هذا لا حجة فيه لأنه لم يقل لا بأس بالشطرنج وإنما قال لا بأس بما كان من آلة الحرب .

وإنما قال هذا لأنه شبه عليه أن اللعب بالشطرنج مما يستعان به على معرفة أسباب الحرب ، فلما قيل له ذلك ولم يحط به علمه قال : لا بأس بما كان من آلة الحرب ، إن كان كما تقولون فلا بأس به ، وكذلك من روي عنه من الصحابة أنه لم ينه عنه ، فإن ذلك محمول منه على أنه ظن أن ذلك ليس يتلهى به ، وإنما يراد به التسبب إلى علم القتال والمضاربة فيه ، أو على أن الخبر المسند لم يبلغهم .

قال الحليمي : وإذا صح الخبر فلا حجة لأحد معه ، وإنما الحجة فيه على الكافة .الثامنة : ذكر ابن وهب بإسناده أن عبد الله بن عمر مر بغلمان يلعبون بالكجة ، وهي حفر فيها حصى يلعبون بها ، قال : فسدها ابن عمر ونهاهم عنها .

وذكر الهروي في باب " الكاف مع الجيم " في حديث ابن عباس : في كل شيء قمار حتى في لعب الصبيان بالكجة ; قال ابن الأعرابي : هو أن يأخذ الصبي خرقة فيدورها كأنها كرة ، ثم يتقامرون بها .

وكج : إذا لعب بالكجة .[ ص: 252 ] قوله تعالى فأنى تصرفون أي كيف تصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ولا يحيي ولا يميت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏فَذَلِكُمُ‏}‏ الذي وصف نفسه بما وصفها به ‏{‏اللَّهُ رَبُّكُمْ‏}‏ أي‏:‏ المألوه المعبود المحمود، المربي جميع الخلق بالنعم وهو‏:‏ ‏{‏الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ‏}‏ فإنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير لجميع الأشياء، الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، ذو الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العظيمة والجلال والإكرام‏.‏ ‏{‏فَأَنَّى تُصْرَفُونَ‏}‏ عن عبادة من هذا وصفه، إلى عبادة الذي ليس له من وجوده إلا العدم، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا‏.‏ فليس له من الملك مثقال ذرة، ولا شركة له بوجه من الوجوه، ولا يشفع عند الله إلا بإذنه، فتبا لمن أشرك به، وويحًا لمن كفر به، لقد عدموا عقولهم، بعد أن عدموا أديانهم، بل فقدوا دنياهم وأخراهم‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فذلكم الله ربكم ) الذي يفعل هذه الأشياء هو ربكم ، ( الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ) أي : فأين تصرفون عن عبادته وأنتم مقرون به؟

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فذلكم» الفاعل لهذه الأشياء «الله ربكم الحق» الثابت «فماذا بعد الحق إلا الضلال» استفهام تقرير، أي ليس بعده غيره فمن أخطأ الحق وهو عبادة الله وقع في الضلال «فأنَّى» كيف «تُصرفون» عن الإيمان مع قيام البرهان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فذلكم الله ربكم هو الحق الذي لا ريب فيه، المستَحِق للعبادة وحده لا شريك له، فأي شيء سوى الحق إلا الضلال؟، فكيف تُصْرَفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أرشدهم - سبحانه - إلى الطريق القويم لو كانوا يعقلون فقال : ( فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ الحق ..

.

)أى : فذلكم الذى فعل ما فعل من رزقكم ومن تدبير أمركم ، هو الله المربي لكم بنعمه ، وهو الذى لا تحق العبودية والألوهية إلا له وحده .إذا كان الأمر كذلك ( فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال ) أي لا يوجد غير الحق شيء يتبع سوى الضلال ، فمن ترك الحق وهو عبادة الله وحده ، فقد وقع فى الباطل والضلال وهو عبادة غيره من الآلهة الأخرى .قال القرطبي : " ثبت عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل قال : " اللهم لك الحمد " الحديث ، وفى ه : أنت الحق ، ووعدك الحق ، وقولك الحق ، ولقاؤك الحق ، والجنة حق والنار حق ، والنبيون حق ، ومحمد حق .

.

.

" .فقوله : أنت الحق ، أي الواجب الوجود ، وأصله من حق الشيء إذا ثبت ووجب - وهذا الوصف لله - تعالى - بالحقيقة ، إذ وجوده بنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم ، وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم ، ويجوز عليه لحاق العدم ، ووجوده من موجده لا من نفسه .ومقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعاً كما فى هذه الآية .

.

والضلال حقيقته الذهاب عن الحق مأخذو من ضلال الطريق ، وهو العدول عن سمته ، يقال : " ضل الطريق وأضل الشيء إذا أضاعه .

.

"وقوله : ( فأنى تُصْرَفُونَ ) أى : فكيف تصرفون وتتحولون عن الحق إلى الضلال ، بعد اعترافكم وإقراركم بأن خالقكم ورازقكم ومدبر أمركم هو الله - تعالى - وحده .فأني هنا بمعنى كيف ، والاستفهام لإِنكار واقعهم المخزي واستبعاده والتعجب منه .ومن الأحكام التي تؤخذ من هذه الآية الكريمة : أن الحق والباطل ، والهدى والضلال ، نقيضان لا يجتمعان ، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا باطلين فى وقت واحد متى ثبت أن أحدهما هو الحق ، وجب أن يكون الآخر هو الباطل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين فضائح عبدة الأوثان أتبعها بذكر الدلائل الدالة على فساد هذا المذهب.

فالحجة الأولى: ما ذكره في هذه الآية وهو أحوال الرزق وأحوال الحواس وأحوال الموت والحياة.

أما الرزق فإنه إنما يحصل من السماء والأرض، أما من السماء فبنزول الأمطار الموافقة وأما من الأرض، فلأن الغذاء إما أن يكون نباتاً أو حيواناً، أما النبات فلا ينبت إلا من الأرض وأما الحيوان فهو محتاج أيضاً إلى الغذاء.

ولا يمكن أن يكون غذاء كل حيوان حيواناً آخر وإلا لزم الذهاب إلى ما لا نهاية له وذلك محال، فثبت أن أغذية الحيوانات يجب انتهاؤها إلى النبات وثبت أن تولد النبات من الأرض، فلزم القطع بأن الأرزاق لا تحصل إلا من السماء والأرض، ومعلوم أن مدبر السموات والأرضين ليس إلا الله سبحانه وتعالى، فثبت أن الرزق ليس إلا من الله تعالى، وأما أحوال الحواس فكذلك، لأن أشرفها السمع والبصر وكان علي رضي الله عنه يقول: سبحان من بصر بشحم، وأسمع بعظم، وأنطق بلحم، وأما أحوال الموت والحياة فهو قوله: ﴿ وَمَن يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى ﴾ وفيه وجهان: الأول: أنه يخرج الإنسان والطائر من النطفة والبيضة ﴿ وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى ﴾ أي يخرج النطفة والبيضة من الإنسان والطائر.

والثاني: أن المراد منه أنه يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والأكثرون على القول الأول، وهو إلى الحقيقة أقرب، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا التفصيل ذكر بعده كلاماً كلياً، وهو قوله: ﴿ وَمَن يُدَبّرُ الامر ﴾ وذلك لأن أقسام تدبير الله تعالى في العالم العلوي وفي العالم السفلي وفي عالمي الأرواح والأجساد أمور لا نهاية لها، وذكر كلها كالمتعذر، فلما ذكر بعض تلك التفاصيل لا جرم عقبها بالكلام الكلي ليدل على الباقي ثم بين تعالى أن الرسول عليه السلام، إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال فسيقولون إنه الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أن المخاطبين بهذا الكلام كانوا يعرفون الله ويقرون به، وهم الذين قالوا في عبادتهم للأصنام إنها تقربنا إلى الله زلفى وإنهم شفعاؤنا عند الله وكانوا يعلمون أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، فعند ذلك قال لرسوله عليه السلام: ﴿ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ يعني أفلا تتقون أن تجعلوا هذه الأوثان شركاء لله في المعبودية، مع اعترافكم بأن كل الخيرات في الدنيا والآخرة إنما تحصل من رحمة الله وإحسانه، واعترافكم بأن هذه الأوثان لا تنفع ولا تضر ألبتة.

ثم قال تعالى: ﴿ فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ ﴾ ومعناه أن من هذه قدرته ورحمته هو ﴿ رَبُّكُمُ الحق ﴾ الثابت ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه، وإذا ثبت أن هذا هو الحق، وجب أن يكون ما سواه ضلالاً، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا باطلين، فإذا كان أحدهما حقاً وجب أن يكون ما سواه باطلاً.

ثم قال: ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ والمعنى أنكم لما عرفتم هذا الأمر الواضح الظاهر ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ وكيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر، واعلم أن الجبائي قد استدل بهذه الآية وقال: هذا يدل على بطلان قول المجبرة أنه تعالى يصرف الكفار عن الإيمان، لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يقول: ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ كما لا يقول إذا أعمى بصر أحدهم إني عميت، واعلم أن الجواب عنه سيأتي عن قريب.

أما قوله: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ عَلَى الذين فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله تعالى وإرادته، وتقريره أنه تعالى أخبر عنهم خبراً جزماً قطعاً أنهم لا يؤمنون، فلو آمنوا لكان إما أن يبقى ذلك الخبر صدقاً أو لا يبقى، والأول باطل، لأن الخبر بأنه لا يؤمن يمتنع أن يبقى صدقاً حال ما يوجد الإيمان منه والثاني أيضاً باطل، لأن انقلاب خبر الله تعالى كذباً محال فثبت أن صدور الإيمان منهم محال.

والمحال لا يكون مراداً، فثبت أنه تعالى ما أراد الإيمان من هذا الكافر وأنه أراد الكفر منه، ثم نقول: إن كان قوله: ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ يدل على صحة مذهب القدرية، فهذه الآية الموضوعة بجنبه تدل على فساده، وقد كان من الواجب على الجبائي مع قوة خاطره حين استدل بتلك الآية على صحة قوله أن يذكر هذه الحجة ويجيب عنها حتى يحصل مقصوده.

المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر ﴿ كلمات رَبَّكَ ﴾ على الجمع وبعده ﴿ إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كلمات رَبَّكَ  ﴾ وفي حم المؤمن ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كلمات  ﴾ كله بالألف على الجمع والباقون ﴿ كَلِمَتُ رَبّكَ ﴾ في جميع ذلك على لفظ الوحدان.

المسألة الثالثة: الكاف في قوله: ﴿ كذلك ﴾ للتشبيه، وفيه قولان: الأول: أنه كما ثبت وحق أنه ليس بعد الحق إلا الضلال كذلك حقت كلمة ربك بأنهم لا يؤمنون.

الثاني: كما حق صدور العصيان منهم، كذلك حقت كلمة العذاب عليهم.

المسألة الرابعة: ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بدل من ﴿ كلمت ﴾ أي حق عليهم انتفاء الإيمان.

المسألة الخامسة: المراد من كلمة الله إما إخباره عن ذلك وخبره صدق لا يقبل التغير والزوال، أو علمه بذلك، وعلمه لا يقبل التغير والجهل.

وقال بعض المحققين: علم الله تعلق بأنه لا يؤمن وخبره تعالى تعلق بأنه لا يؤمن، وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه، بل بخلق الكفر فيه وإرادته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه، بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ، وأشهد عليه ملائكته، وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء، فينقلب علمه جهلاً، وخبره الصدق كذباً، وقدرته عجزاً، وإرادته كرهاً، وإشهاده باطلاً، وإخبار الملائكة والأنبياء كذباً، وكل ذلك محال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والأرض ﴾ أي يرزقكم منهما جميعاً، لم يقتصر برزقكم على جهة واحدة ليفيض عليكم نعمته ويوسع رحمته ﴿ مِنْ يَمْلِكُ السمع والأبصار ﴾ من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحدّ الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة.

أو من يحميهما ويحصنهما من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال، وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء بكلاءته وحفظه ﴿ وَمَن يُدَبّرُ الأمر ﴾ ومن يلي تدبير أمر العالم كله، جاء بالعموم بعد الخصوص ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ أفلا تقون أنفسكم ولا تحذرون عليها عقابه فيما أنتم بصدده من الضلال ﴿ فَذَلِكُمُ ﴾ إشارة إلى من هذه قدرته وأفعاله ﴿ رَبُّكُمُ الحق ﴾ الثابت ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه لمن حقق النظر ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال ﴾ يعني أن الحق والضلال لا واسطة بينهما، فمن تخطى الحق وقع في الضلال ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ عن الحق إلى الضلال، وعن التوحيد إلى الشرك، وعن السعادة إلى الشقاء ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مثل ذلك الحق ﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ ﴾ أي كما حق وثبت أنّ الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق، فكذلك حقّت كلمة ربك ﴿ عَلَى الذين فَسَقُواْ ﴾ أي تمرّدوا في كفرهم وخرجوا إلى الحدّ الأقصى فيه، و ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بدل من الكلمة أي حقّ عليهم انتفاء الإيمان، وعلم الله منهم ذلك.

أو حق عليهم كلمة الله أنهم من أهل الخذلان، وأن إيمانهم غير كائن.

أو أراد بالكلمة: العدة بالعذاب، وأنهم لا يؤمنون تعليل، بمعنى: لأنهم لا يؤمنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ أيْ مِنهُما جَمِيعًا فَإنَّ الأرْزاقَ تَحْصُلُ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ ومَوادَّ أرْضِيَّةٍ أوْ ﴿ مَن ﴾ كَلِّ واحِدٍ مِنهُما تَوْسِعَةً عَلَيْكم.

وقِيلَ مَن لِبَيانِ مِن عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ.

﴿ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ﴾ أمْ مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما، أوْ مَن يَحْفَظُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها وسُرْعَةِ انْفِعالِها مِن أدْنى شَيْءٍ.

﴿ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ﴾ ومَن يُحْيِي ويُمِيتُ، أوْ مَن يُنْشِئُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ والنُّطْفَةَ مِنهُ.

﴿ وَمَن يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ ومَن يَلِي تَدْبِيرَ أمْرِ العالَمِ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.

﴿ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ﴾ إذْ لا يَقْدِرُونَ عَلى المُكابَرَةِ والعِنادِ في ذَلِكَ لِفَرْطِ وُضُوحِهِ.

﴿ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ أنْفُسَكم عِقابَهُ بِإشْراكِكم إيّاهُ ما لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ ﴾ أيِ المُتَوَلِّي لِهَذِهِ الأُمُورِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ هو رَبُّكُمُ الثّابِتُ رُبُوبِيَّتُهُ لِأنَّهُ الَّذِي أنْشَأكم وأحْياكم ورَزَقَكم ودَبَّرَ أُمُورَكم.

﴿ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ أيْ لَيْسَ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَمَن تَخَطّى الحَقَّ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى وقَعَ في الضَّلالِ.

﴿ فَأنّى تُصْرَفُونَ ﴾ عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَذَلِكُمُ الله} أي من هذه قدرته هو الله {رَبُّكُمُ الحق} الثابت ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه لمن حقق النظر {فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال} أي لا واسطة بين الحق والضلال فمن تخطى الحق وقع في الضلال {فأنى تُصْرَفُونَ} عن الحق إلى الضلال وعن التوحيد إلى الشرك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَرَّرَ والإشارَةُ إلى المُتَّصِفِ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ حَسْبَما اعْتَرَفُوا بِهِ وهي مُبْتَدَأٌ والِاسْمُ الجَلِيلُ صِفَةٌ لَهُ و ﴿ رَبُّكُمُ ﴾ خَبَرٌ و(الحَقُّ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ صِفَةٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ هو الخَبَرَ و(رَبُّكُمْ) بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ و(الحَقُّ) صِفَةُ الرَّبِّ أيْ مالِكُكم ومُتَوَلِّي أُمُورِكُمُ الثّابِتِ رُبُوبِيَّتُهُ والمُتَحَقَّقُ أُلُوهِيَّتُهُ تَحَقُّقًا لا رَيْبَ فِيهِ ﴿ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ ﴾ أيْ لا يُوجَدُ غَيْرُ الحَقِّ شَيْءٌ يُتَّبَعُ إلّا الضَّلالُ، فَمَن تَخَطّى الحَقَّ وهو عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ لا بُدَّ وأنْ يَقَعَ في الضَّلالِ وهو عِبادَةُ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ عَلى الِانْفِرادِ أوِ الِاشْتِراكِ لِأنَّ عِبادَتَهُ جَلَّ شَأْنُهُ مَعَ الِاشْتِراكِ لا يُعْتَدُّ بِها - فَما اسْمُ اسْتِفْهامٍ و- ذا - مَوْصُولٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ اسْمًا واحِدًا قَدْ غَلَبَ فِيهِ الِاسْتِفْهامُ عَلى اسْمِ الإشارَةِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (بَعْدَ الحَقِّ) عَلى ما في النَّهْرِ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيُهُ و(بَعْدَ) بِمَعْنى غَيْرُ مُجازٍ والحَقُّ ما عَلِمْتَ وهو غَيْرُ الأوَّلِ ولِذا أُظْهِرَ وإطْلاقُ الحَقِّ عَلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وكَذا إطْلاقُ الضَّلالِ عَلى عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى لِما أنَّ المَدارَ في العِبادَةِ الِاعْتِقادُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الحَقُّ عِبارَةً عَنِ الأوَّلِ والإظْهارُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ومُراعاةِ كَمالِ المُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الضَّلالِ والمُرادُ بِهِ هو الأصْنامُ والمَعْنى فَماذا بَعْدَ الرَّبِّ الحَقِّ الثّابِتِ رُبُوبِيَّتُهُ إلّا الضَّلالُ أيِ الباطِلُ الضّائِعُ المُضْمَحِلُّ وإنَّما سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفْسُ الضَّلالِ والضَّياعِ وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ والضَّلالِ ما يَعُمُّ التَّوْحِيدَ وعِبادَةَ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وغَيْرُ ذَلِكَ ويَدْخُلُ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ هُنا دُخُولًا أوَّلِيًّا ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أشْهَبَ قالَ: سُئِلَ مالِكٌ عَنْ شَهادَةِ اللُّعّابِ بِالشِّطْرَنْجِ والنَّرْدِ فَقالَ: أمّا مَن أدْمَنَ فَما أرى شَهادَتَهم طائِلَةٌ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ ﴾ فَهَذا كُلُّهُ مِنَ الضَّلالِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ 32﴾ أيْ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ والتَّعَجُّبِ مِنهُ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ فَإنَّهُ لا بُدَّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مِن أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَإذا انْتَفى جَمِيعُ أحْوالِ وُجُودِهِ فَقَدِ انْتَفى وجُودُهُ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ عَلى ما قَبْلَهُ ولَعَلَّ ذَلِكَ الإنْكارَ والتَّعَجُّبَ مُتَوَجِّهانِ في الحَقِيقَةِ إلى مَنشَأِ الصَّرْفِ وإلّا فَنَفْسُ الصَّرْفِ مِنهُ تَعالى عَلى ما هو الحَقُّ فَلا مَعْنى لِإنْكارِهِ والتَّعَجُّبِ مِنهُ مَعَ كَوْنِهِ فِعْلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ وإنَّما لَمْ يُسْنَدِ الفِعْلُ إلى الفاعِلِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ غَرَضٍ بِهِ وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ فاعِلَ الصَّرْفِ نَفْسِهِ المُشْرِكُونَ فَهُمُ الَّذِينَ صَرَفُوا أنْفُسَهم وعَدَلُوا بِها عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ بِناءً عَلى أنَّ العِبادَ هُمُ الخالِقُونَ لِأفْعالِهِمْ وأمْرُ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ وإنَّما لَمْ يُسْنَدِ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِهِمْ عَلى جِهَةِ الفاعِلِيَّةِ إشارَةً إلى أنَّهُ بَلَغَ مِنَ الشَّناعَةِ إلى حَيْثُ إنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُصَرَّحَ بِوُقُوعِهِ مِنهم فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ، يعني: قل يا محمد للمشركين: من يرزقكم من السماء المطر ومن وَالْأَرْضِ النبات.

أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ، يعني: يخلق لكم السمع والأبصار، وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ يعني: ومن يقدر أن يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت، يعني: الفرخ من البيضة.

وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، يعني: البيضة من الطير، والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.

وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، يعني: من يقدر أن يدبر الأمر بين الخلق، وينظر في تدبير الخلائق، ويقال: من يرسل الملائكة بالأمر.

فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ يفعل ذلك كله لا الأصنام، لأن الأصنام لم يكن لهم قدرة في هذه الأشياء.

فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ الشرك فتوحدونه، إذ تعلمون أنه لا يقدر أحدٌ أن يفعل هذه الأشياء إلا الله تبارك وتعالى، ويقال: أَفَلا تَتَّقُونَ أي: تطيعون الله الذي يملك ذلك؟.

ثم قال تَعَالَيْ: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ، وغيره من الآلهة باطل ليس بشيء.

فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ، يعني: فما عبادتكم بعد ترك عبادة الله تعالى إلا عبادة الشيطان ويقال: فماذا بعد التوحيد إلا الشرك؟

فَأَنَّى تُصْرَفُونَ، يعني: فمن أين تمتنعون عن الإيمان بالله؟

ويقال: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ عن هذا الأمر بعد المعرفة؟

وقال مقاتل: فمن أين تعدلون به غيره؟

ويقال: كيف ترجعون عن هذا الإقرار؟.

ثم قال: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، يعني: هكذا وجبت كلمة العذاب من ربك، كقوله: وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ [الزمر: 71] ويقال: وجبت كلمة ربك، وهو قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [الأعراف: 18] وقوله تعالى: عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا، يعني: كفروا بربهم.

أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، يعني: لا يصدقون بعلم الله تعالى السابق فيهم، ويقال: أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ يعني: لأنهم لا يؤمنون فوجب عليهم العذاب بترك إيمانهم.

قرأ نافع وابن عامر كلمات رَبَّكَ بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون: كَلِمَةُ رَبِّكَ وكذلك الاختلاف في قوله: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [يونس: 96] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بالإِقامة في موقف الخِزْيِ مع أصنامهم، ثم يُنْطِقُ اللَّه شركاءهم بالتبريِّ منهم.

وقوله: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ: معناه: فرَّقنا في الحُجَّةِ، والمذهب/ روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أَنَّ الكُفَّار، إِذَا رَأَوا العَذَابَ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ، قِيلَ لَهُمُ: اتَّبِعُوا مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ هَؤُلاَءِ، فَتَقُولُ الأَصْنَامُ: وَاللَّهِ، مَا كُنَّا نَسْمَعُ، وَلاَ نَعْقِلُ، وَمَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللَّهِ، لإِيَّاكُمْ كُنَّا نَعْبُد، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ...

«١» الآية، وظاهر الآية أنَّ محاورتهم إِنما هي مَعَ الأصنام دون المَلاَئِكَةِ وَعِيسَى بدليل القوْلِ لهم: مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ، ودون فِرْعَونَ ومَنْ عُبِدَ من الجنِّ بدليل قولهم: إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ، و «إنْ» هذه عند سيبَوَيْه «٢» المخَفَّفَةُ من الثقيلة موجبَةٌ، ولزمتها اللام، فرقاً بينها وبين «إِنِ» النافيةِ، وعندَ الفَرَّاء: «إِنْ» نافيةٌ بمعنَى «مَا» ، واللامُ بمعنى «إِلاَّ» ، وقرأ نافعٌ «٣» وغيره: «تَبْلُوا» - بالباء الموحَّدة- بمعنى:

تختبر، وقرأ حمزة والكسائي: «تَتْلُوا» - بتاءين- بمعنى تَتْبَعُ وتطلب ما أَسْلَفَتْ من أعمالها ت: قال ص: كقوله: [الرجز]

إِنَّ المُرِيبَ يَتْبَعُ المُرِيبَا ...

كَمَا رَأَيْتَ الذِّيَبِ يَتْلُو الذِّيَبَا «٤»

أي: يتبعه.

انتهى.

ويصحُّ أَن يكون بمعنى تَقْرَأُ كُتُبَهَا التي تُدْفَع إِليها.

وقوله: وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ...

الآية: تدبيرُ الأمْرِ عامٌّ في جميع الأشياءِ، وذلك استقامة الأمور كلِّها على إِرادته عزَّ وجلَّ، وليس تدبيره سبحانه بفكْرٍ ورويَّةٍ وتغييراتٍ- تعالَى عن ذلك- بل علمه سبحانه محيطٌ كاملٌ دائمٌ.

فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ: أي: لا مَنْدُوحَةَ لهم عن ذلك، ولا تُمْكِنهم المباهَتَةُ بسواه، فإِذا أقرُّوا بذلك، فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ في افترائكم، وجعلكم الأصنام آلهة.

فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: الحَقُّ هو المُتَحَقَّقُ وُجُودُهُ، وكُلُّ شَيْءٍ صَحَّ وُجُودُهُ وكَوْنُهُ، فَهو حَقٌّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنّى تُصْرَفُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَيْفَ تُصْرَفُ عُقُولُكم إلى عِبادَةِ مَن لا يَرْزُقُ ولا يُحْيِي ولا يُمِيتُ ؟

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مَن المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتِ مَن الحَيَّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقُّ إلا الضَلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ واحْتِجاجٌ لا مَحِيدَ عَنِ التِزامِهِ، و ﴿ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ: المَطَرَ، ﴿ والأرْضِ ﴾ يُرِيدُ: بِالإنْباتِ ونَحْوِ ذَلِكَ، و ﴿ يَمْلِكُ السَمْعَ والأبْصارَ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جُمْلَةَ الإنْسانِ ومُعْظَمَهُ حَتّى أنَّ ما عَداهُما تَبَعٌ، و ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ الجَنِينُ مِنَ النُطْفَةِ، والطائِرُ مِنَ البَيْضَةِ، والنَباتُ مِنَ الأرْضِ، إذْ لَهُ نُمُوَّ شَبِيهٌ بِالحَياةِ.

﴿ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ﴾ مِثْلُ البَيْضَةِ مِنَ الطائِرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ فِيما سَلَفَ إيعابُ القَوْلِ في هَذِهِ المَعانِي، وتَدْبِيرُ الأمْرِ عامٌّ لِهَذا وغَيْرِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وذَلِكَ اسْتِقامَةُ الأُمُورِ كُلِّها عن إرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ تَدْبِيرُهُ بِفِكْرٍ ولا رَوِيَّةٍ وتَغَيُّراتٍ، تَعالى عن ذَلِكَ، بَلْ عِلْمُهُ مُحِيطٌ كامِلٌ دائِمٌ.

﴿ فَسَيَقُولُونَ اللهُ ﴾ لا مَندُوحَةَ لَهم عن ذَلِكَ، ولا تُمْكِنُهُمُ المُباهَتَةُ بِسِواهُ، فَإذا أقَرُّوا بِذَلِكَ ﴿ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ في افْتِرائِكم وجَعْلِكُمُ الأصْنامَ آلِهَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ ﴾ الآيَةُ، يَقُولُ: فَهَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ، أيِ المُسْتَوْجِبِ لِلْعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةُ، وإذا كانَ ذَلِكَ فَتَشْرِيكُ غَيْرِهِ ضَلالٌ وغَيْرُ حَقٍّ، وَعِبارَةُ القُرْآنِ في سَوْقِ هَذِهِ المَعانِي تَفُوتُ كُلَّ تَفْسِيرٍ بَراعَةً وإيجازًا وإيضاحًا، وحَكَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَقِّ والضَلالِ مَنزِلَةٌ ثالِثَةٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي تَوْحِيدُ اللهِ، وكَذَلِكَ هو الأمْرُ في نَظائِرِها وهي مَسائِلُ الأُصُولِ الَّتِي الحَقُّ فِيها في طَرَفٍ واحِدٍ، لِأنَّ الكَلامَ فِيها إنَّما هو في تَقْرِيرِ وُجُودِ ذاتٍ كَيْفَ وهِيَ، وذَلِكَ بِخِلافِ مَسائِلِ الفُرُوعِ الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا  ﴾ ، وقالَ النَبِيُّ  : « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"»، والحَقُّ في هَذِهِ في الطَرَفَيْنِ لِأنَّ المُتَعَبِّدِينَ إنَّما تَعَبَّدُوا بِالِاجْتِهادِ لا بِالتَعْيِينِ في كُلِّ نازِلَةٍ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ الحَقَّ في الطَرَفَيْنِ اخْتِلافُ الشَرائِعِ بِتَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ في شَيْءٍ واحِدٍ، والكَلامُ في مَسائِلِ الفُرُوعِ إنَّما هو في أحْكامٍ طارِئَةٍ عَلى وُجُودِ ذاتٍ مُتَقَرِّرَةٍ لا يُخْتَلَفُ فِيها، وإنَّما يُخْتَلَفُ في الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُتَشَرِّعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَأنّى تُصْرَفُونَ ﴾ تَقْرِيرٌ، كَما قالَ: ﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ  ﴾ ؟

ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ ﴾ أيْ: كَما كانَتْ صِفاتُ اللهِ كَما وصَفَ، وعِبادَتُهُ واجِبَةً كَما تَقَرَّرَ، وانْصِرافُ هَؤُلاءِ كَما قَدَّرَ عَلَيْهِمْ وتَكَسَّبُوا كَذَلِكَ حَقَّتْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي آخِرِ السُورَةِ: "كَلِمَةُ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَما يُقالُ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةٌ.

فَعَبَّرَ عن وعِيدِ اللهِ تَعالى بِكَلِمَتِهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ في المَوْضِعَيْنِ المَذْكُورَيْنِ: "كَلِماتُ"، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نَصاحٍ.

وَهَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ أنَّ في الكُفّارِ مَن حَتَّمَ بِكُفْرِهِ وقَضى بِتَخْلِيدِهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إنَّهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء للتفريع على الإنكار الذي في قوله: ﴿ أفلا تتقون ﴾ [يونس: 31]، فالمفرع من جملة المقول.

واسم الإشارة عائد إلى اسم الجلالة للتنبيه على أن المشار إليه جدير بالحكم الذي سيذكر بعد اسم الإشارة مِن أجْل الأوصاف المتقدمة على اسم الإشارة وهي كونه الرازق، الواهب الإدراك، الخالق، المدبر، لأن اسم الإشارة قد جمعها.

وأومأ إلى أن الحكم الذي يأتي بعده معلل بمجموعها.

واسم الجلالة بيان لاسم الإشارة لزيادة الإيضاح تعريضاً بقوة خطئهم وضلالهم في الإلهية.

و ﴿ ربكم ﴾ خبر.

و ﴿ الحق ﴾ صفة له.

وتقدم الوصف بالحق آنفاً في الآية مثل هذه.

والفاء في قوله: ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ تفريع للاستفهام الإنكاري على الاستنتاج الواقع بعد الدليل، فهو تفريع على تفريع وتقريع بعد تقريع.

و ﴿ ماذا ﴾ مركَّبٌ من (ما) الاستفهامية و(ذا) الذي هو اسم إشارة.

وهو يقع بعد (ما) الاستفهامية كثيراً.

وأحسن الوجوه أنه بعد الاستفهام مزيد لِمجرد التأكيد.

ويعبر عن زيادته بأنه ملغى تجنباً من إلزام أن يكون الاسم مزيداً كما هنا.

وقد يفيد معنى الموصولية كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ في سورة [البقرة: 26].

وانظر ما يأتي عند قوله: ﴿ ماذا يستعجل منه المجرمون ﴾ في هذه [السورة: 50].

والاستفهام هنا إنكاري في معنى النفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء في قوله: إلا الضلال}.

و ﴿ بعْدَ ﴾ هنا مستعملة في معنى (غير) باعتبار أن المغاير يحصل إثر مغايره وعند انتفائه.

فالمعنى: ما الذي يكون إثر انتفاء الحق.

ولما كان الاستفهام ليس على حقيقته لأنه لا تردد في المستفهَم عنه تعيّن أنه إنكار وإبطال فلذا وقع الاستثناء منه بقوله: ﴿ إلا الضلال ﴾ .

فالمعنى لا يكون إثر انتفاء الحق إلا الضلال إذ لا واسطة بينهما.

فلما كان الله هو الرب الحق تعين أن غيره مما نسبت إليه الإلهية باطل.

وعبر عن الباطل بالضلال لأن الضلال أشنع أنواع الباطل.

والفاء في ﴿ فأنَّى تصرفون ﴾ للتفريع أيضاً، أي لتفريع التصريح بالتوبيخ على الإنكار والإبطال.

و ﴿ أنَّى ﴾ استفهام عن المكان، أي إلى مكان تَصرفكم عقولكم.

وهو مكان اعتباري، أي أنكم في ضلال وعماية كمن ضل عن الطّريق ولا يجد إلا من ينعت له طريقاً غير موصلة فهو يُصرف من ضلال إلى ضلال.

قال ابن عطية: وعبارة القرآن في سوق هذه المعاني تفوق كل تفْسير براعة وإيجازاً ووضوحاً.

وقد اشتملت هذه الآيات على تسع فاءات من قوله: ﴿ فسيقولون الله ﴾ : الأولى جوابية، والثانية فصيحة، والبواقي تفريعية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِتاءَيْنِ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وفي تَأْوِيلِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ ما قَدَّمَتْ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إنَّ المُرِيبَ يَتْبَعُ المُرِيبا كَما رَأيْتَ الذِّيبَ يَتْلُو الذِّيبا الثّانِي: تَتْلُو كِتابَ حَسَناتِها وكِتابَ سَيِّئاتِها، ومِنَ التِّلاوَةِ.

والثّالِثُ: تُعايِنُ كُلُّ نَفْسٍ جَزاءَ ما عَمِلَتْ.

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: وهي قِراءَةُ الباقِينَ تَتْلُو بِالباءِ وفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: تُسَلِّمُ كُلُّ نَفْسٍ.

الثّانِي: تَخْتَبِرُ كُلُّ نَفْسٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ أيْ مالِكِهِمْ، ووَصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِالحَقِّ، لِأنَّ الحَقَّ مِنهُ، كَما وصَفَ نَفْسَهُ بِالعَدْلِ، لِأنَّ العَدْلَ مِنهُ.

فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ وَأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ  ﴾ فَكَيْفَ صارَ ها هُنا مَوْلًى لَهُمْ؟

قِيلَ لَيْسَ بِمَوْلًى في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وهو مَوْلًى لَهم في المِلْكِيَّةِ.

﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أيْ بَطَلَ عَنْهم ما كانُوا يَكْذِبُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ قال: الحشر الموت.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فزيلنا بينهم ﴾ قال: فرقنا بينهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: يأتي على الناس يوم القيامة ساعة فيها لين، يرى أهل الشرك أهل التوحيد يغفر لهم فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [ الأنعام: 23] قال الله: ﴿ أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ [ الأنعام: 24] ثم يكون من بعد ذلك ساعة فيها شدة، تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدون من دون الله فيقول: هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله؟

فيقولون: نعم، هؤلاء الذين كنا نعبد.

فتقول لهم الآلهة: والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا.

فيقولون: بلى، والله لإِياكم كنا نعبد.

فتقول لهم الآلهة ﴿ فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمثل لهم يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونهم حتى يوردوهم النار، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه.

أنه كان يقرأ ﴿ هنالك تتلو ﴾ بالتاء قال: هنالك تتبع.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ هنالك تتلو ﴾ يقال: تتبع.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ هنالك تبلوا ﴾ يقول: تختبر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ﴾ قال: عملت.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ هناك تبلوا ﴾ قال: تعاين ﴿ كل نفس ما أسلفت ﴾ قال: عملت ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ قال: ما كانوا يدعون معه من الأنداد.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وردوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ قال: نسختها قوله: ﴿ مولى الذين آمنوا وإن الكافرين لا مولى لهم ﴾ [ محمد: 11] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن حرملة بن عبد العزيز قال: قلت لمالك بن أنس رضي الله عنه: ما تقول في رجل أمره يقيني؟

قال: ليس ذلك من الحق.

قال الله: ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أشهب رضي الله عنه قال: سئل مالك عن شهادة اللعاب بالشطرنج والنرد فقال: أما من أدمنها فما أرى شهادتهم طائلة.

يقول الله: ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ﴾ ، قال الزجاج: لما خوطبوا بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى: وأقروا به قيل لهم: ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ﴾ (١) (٢) وقوله: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ ، قال: يريد الذي أنتم فيه وما اتخذتم من الآلهة غير الله (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: كيف تصرف عقولكم إلى عبادة مالا يرزق ولا يحيى ولا يميت (٧) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 18 بمعناه.

(٢) "الوسيط" 2/ 547، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 212 مختصرًا.

(٣) "تنوير المقباس" ص 212 بمعناه.

(٤) في (ح) و (ز) زيادة: (إلا الضلال).

(٥) ساقط من (ى).

(٦) "تفسير مقاتل" 140 أبنحوه.

(٧) "زاد المسير" 4/ 29، "الوسيط" 2/ 547.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم ﴾ الآية: احتجاج على الكفار بحجج كثيرة واضحة لا محيص لهم عن الإقرار بها ﴿ يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت ﴾ مذكور في [آل عمران: 27] ﴿ رَبُّكُمُ الحق ﴾ أي الثابت الربوبية بخلاف ما تعبدون من دونه ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال ﴾ أي عبادة غير الله ضلال بعد وضوح الحق، وتدل الآية على أنه ليس بين الحق والباطل منزلة في علم الاعتقادات، إذ الحق فيها في طرف واحد، بخلاف مسائل الفروع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كلمات ربك ﴾ وكذلك في آخر السورة على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لا يهدي ﴾ مثل ﴿ يرمي ﴾ : حمزة وعلي وخلف ﴿ يهدي ﴾ بسكون الهاء وتشديد الدال: أبو جعفر ونافع غير ورش وعباس وأبو عمرو غير عباس بإشمام الفتحة قليلاً ﴿ يهدي ﴾ بكسر الهاء وتشديد الدال: عاصم غير يحيى وجبلة ورويس ﴿ يهدي ﴾ بكسرتين والتشديد: يحيى ﴿ يهدي ﴾ بفتحتين والتشديد: ابن كثير وابن عامر وورش وسهل ويعقوب غير رويس.

الوقوف: ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ تتقون ﴾ ه ج ط ﴿ ربكم الحق ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء ﴿ إلا الضلال ﴾ ج ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ ثم يعيده ﴾ الأول ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ إلى الحق ﴾ ط ﴿ للحق ﴾ ط ﴿ أن يهدي ﴾ ج ط لما مر ﴿ فما لكم ﴾ ص لحق الاستفهام الثاني ﴿ تحكمون ﴾ ه ط ﴿ إلا ظناً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ افتراء ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تأويله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمن به ﴾ ط ﴿ بالمفسدين ﴾ ه ﴿ عملكم ﴾ ج لأن ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ والعامل واحد ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فضائح عبدة الأوثان أكدها بالحجج اللامعة والبراهين القاطعة من أحوال الرزق والموت والحياة والإبداء والإعادة والإرشاد والهداية، وقد بنى الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس.

فالحجة الأولى قوله: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ﴾ بإنزال الأمطار النافعة الموجبة لتولد الأغذية النباتية والحيوانية في الأرض بعد رعاية شرائط تربيتها وإنمائها وحفظها من العاهات.

﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ خص الحاستين بالذكر لما في خلقهما وتسويتهما من الفطرة العجيبة، وكان  يقول: "سبحان من بَصَّرَ بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم" ولما في تحصينهما في الآفات في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء مزيد قدرة ورأفة.

﴿ ومن يخرج الحي من الميت ﴾ الحيوان الماشي والطائر من النطفة والبيضة وقد مر سائر الأقوال في سورة الأنعام.

﴿ ومن يدبر الأمر ﴾ عمم بعدما خصص لأن أقسام تدبيره  في العالم العلوي والعالم السفلي وعالمي الغيب والشهادة أمور لا نهاية لها.

وذكر كلها كالمتعذر.

﴿ فسيقولون الله ﴾ وفيه دليل على أنهم كانوا يعبدون الأصنام بناء على أنها شفعاؤهم وأنها تقربهم إلى الله زلفى، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا الاعتقاد فلهذا ختم الآية بقوله ﴿ فقل أفلا تتقون ﴾ الله الذي اعترفتم بأنه سبب فيضان جميع الخيرات فكيف أشركتم بعبادته الجمادات التي لا تقدر على نفع أو ضر.

﴿ فذلكم ﴾ الموصوف بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة ﴿ الله ربكم الحق ﴾ الثابت ربوبيته بالوجدان والبرهان.

﴿ فماذا بعد الحق ﴾ "ذا" مزيدة و "ما" نافية أو استفهامية أو مجموع "ماذا" كلمة واحدة معناها أي شيء بعد الحق ﴿ إلا الضلال ﴾ والمراد أنه لما ثبت وجود الواجب الحق كان ما سواه ممكناً لذاته باطلاً دعوى الإلهية فيه، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وفي صفاته وفي جميع اعتباراته وإلا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه فلا يكون واجباً هف محال ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر وتقعون في الضلال، إذ لا واسطة بين الأمرين، فمن يخطىء أحدهما وقع في الآخر.

﴿ كذلك ﴾ أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ .

وتفسير الكلمة ﴿ أنهم لا يؤمنون ﴾ على أنه بدل أي حق عليهم انتفاء الإيمان وقد علم الله منهم ذلك في الأزل، وأراد بالكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل على حذف اللام.

احتجت المعتزلة بمثل قوله تعالى: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أن الصارف لو كان هو الله  لم يصح منه هذا التعجيب والإنكار.

وقالت الأشاعرة: قد تعلق علمه  بأنهم لا يؤمنون كما قال: ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ وتعلق خبره بأنهم لا يؤمنون وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وقدرته عجزاً وإرادته عبثاً وإشهاده باطلاً.

الحجة الثانية ﴿ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وإنما قال: ﴿ ثم يعيده ﴾ مع أن الخصم لا يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلال الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك.

وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في الجواب بقوله ﴿ قل الله ﴾ الآية.

تنبيهاً على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه الى إقرار الخصم المكابر، فكأنه قيل: تكلم عنهم إذ لا يدعهم لحاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق.

وقوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ كقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ وقد مر في "المائدة".

الحجة الثالثة ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي ﴾ الآية.

الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أوّلاً ثم بالهداية عادة مطردة في القرآن، فحكى عن الخليل  ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وعن موسى ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ وأمر محمداً  ﴿ سبح اسم ربك الأعلى  الذي خلق فسوى  والذي قدر فهدى  ﴾ والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق  من الطرق المنحرفة كثيرة والظنون والأغاليط غير محصورة، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه وهدايته، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلاً عن الأصنام التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة الثالثة.

وقال الزجاج: يقال: هديت للحق وإلى الحق بمعنى، فجمع بين العبارتين.

ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله: ﴿ أمن لا يهدي ﴾ وسائر القراآت أصلها "يهتدي" فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها.

قيل: هذه الشركاء جمادات فكيف قال في حقها ﴿ إلا أن يهدى ﴾ وأجيب بوجوه منها: أن المراد في الآية رؤساؤهم وأشرافهم كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً  ﴾ والمراد أن الله  هو الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من الدلائل العقلية، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله.

ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم الله  بصفة من يعقل كقوله: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم  ﴾ ومنها أن ذلك بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي غيرها إلا أن تهدى.

ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة والعقل فيصح من الله  أن يجعلها حية عاقلة، ثم إنها تشتغل بهداية الغير، ومنها أن المراد من الهدي النقل والحركة يقال: هديت المرأة زوجها أي نقلت إليه، فالمعنى لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه.

ثم عجب من مذهبهم الفاسد باستفهامين متواليين فقال: ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ .

ثم بين ما بنوا عليه أمر دينهم فقال: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ﴾ أي في إقرارهم بالله لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم أو في قولهم للأصنام أنها آلهة أو شفعاء، وعلى هذا فالمراد بالأكثر الجميع.

﴿ إن الظن ﴾ في معرفة الله وفيما يجب تحقيقه ﴿ لا يغني من الحق ﴾ وهو العلم والتحقيق ﴿ شيئاً ﴾ من الغناء.

والمعنى أن الظن لا يقوم مقام العلم في شيء من الأحوال.

ثم أوعدهم على اتباعهم الظن وتقليد الآباء بقوله: ﴿ إن الله عليم بما يفعلون ﴾ .

وتمسك نفاة القياس بالآية ظاهر من قبل أن القياس لا يفيد إلا الظن.

وأجيب بأن التمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن وهذه الآية من العمومات فلم يجب اتباعها بزعمكم، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً.

ولما فرغ من دلائل التوحيد شرع في إثبات النبوة فقال: ﴿ ما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ أي افتراء من دون الله أو كلمة "أن" بمعنى اللام أي ما ينبغي له وما استقام أن يكون مفترى.

والحاصل أن وصفه ليس وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأنه معجز لا يقدر البشر على إتيان مثله وإنما القادر عليه هو الله  .

﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب المنزلة لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها، ونفس هذا التصديق أيضاً معجز لأن أقاصيصه موافقه لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ، ولأن بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة فيقع مطابقاً فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية والمستقبلة.

أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: ﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله: ﴿ كتاب الله عليكم  ﴾ قال في الكشاف قوله: ﴿ لا ريب فيه من رب العالمين ﴾ داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين، وجوز أن يكون ﴿ من رب العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل و ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم.

والمعنى ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب فيه.

ثم أعاد بيان إعجازه مرة أخرى فقال مستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ أم يقولون افتراه قل ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فأتوا ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بسورة مثله ﴾ في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ﴿ وادعوا من استطعتم من دون الله ﴾ أي لا تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أنه افتراه.

قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فلعل المراد بالسورة المتحدّي بها هذه السورة.

والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة.

قالت المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحدّ العرب به لكنهم تحدّوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديماً والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي.

وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة، والتحدي إنما وقع بهذه لا بتلك ﴿ بل كذبوا ﴾ سارعوا إلى التكذيب ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ وهو القرآن ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ ومعنى التوقع فيه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء، وكذبوا به بعد التدبر وتكرير التحدي عليهم واستيقان عجزهم عن هذا بغياً وحسداً وعناداً.

وذلك إنما حملهم على التكذيب أوّلا وآخراً وجوه منها: أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأوّلين، وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة الله  على التصرف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس، ليعرف المكلف أن الدنيا ليست مما يبقى، فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون أن لا يكون كقوله: عز من قائل ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب  ﴾ .

ومنها أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأخر متشابهات  ﴾ الآية.

ومنها أنهمرأوا القرآن يظهر شيئاً فشيئاً فاتهموا النبي وقالوا: ﴿ لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة  ﴾ ومنها أنهم وجدوا القرآن مملوءاً من حديث الحشر والنشر، وكانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا ذلك.

وأنهم وجدوا فيه تكاليف كثيرة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وكانوا يقولون.

إن إله العالم غني عنا وعن طاعاتنا ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ يعني قبل النظر في معجزات أنبيائهم.

قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن من كان غير عارف بوجوه التأويل قد يقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد تتعارض فيفتقر هنالك إلى تطبيق التنزيل على التأويل.

وقيل: معنى الآية أن القرآن كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الأخبار بالغيوب ومن جملتها أحوال الآخرة.

فقوله: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ إشارة إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقوله: ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ إشارة إلى تكذيبهم قبل أن يمتحنوا غيوبه هل تطابق الواقع أم لا.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وأعرضوا عن الآخرة فلم تبق عليهم الدنيا وفاتتهم الآخرة فبقوا في خسران الدارين.

وقيل: المقصود عذاب الاستئصال الذي نزل بالمكذبين قبلهم.

ثم قسم طوائف الأمم المكذبين فقال: ﴿ ومنهم من يؤمن به ﴾ أي بالقرآن أو بالرسول أي يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ﴿ ومنهم ﴾ من يشك فيه لا يصدق به لا ظاهراً ولا باطناً، ويمكن أن يقال: المراد به قسمتهم في الاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من يبقى على الكفر فتكون الآية كالعذر في تبقيتهم وعدم استئصالهم ﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ فيجازيهم على حسب مراتبهم في التكذيب ويعلم طوياتهم هل يتوبون أو يصرفون.

ثم بين اختصاص كل مكلف بأفعاله وبنتائج أعماله من الثواب والعقاب فقال: ﴿ وإن كذبوك فقل لي عملي ﴾ أي جزاء عملي على الطاعة والإيمان وتبليغ الرسالة ﴿ ولكم عملكم ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي منسوخة بآية القتال.

والتحقيق أن آية القتال لا تدفع شيئاً من مدلولات هذه فلا نسخ والله أعلم.

التأويل: ﴿ قل من يرزقكم ﴾ أي من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس ويخرج من أرض النفس نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فيض الروح ويخرج من أرض النفس نبات الصفات البشرية والحيوانية.

أو ينزل من سماء الروح مطر فيض الروح ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة مطر تجلي الصفات والفيض الرباني ويخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات ويخرج من أرض الوجود نبات الفناء في الله وثمرات البقاء بالله ﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ فيكون سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر.

﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ النفس من القالب والقلب من الروح والروح من القلب وبالعكوس ﴿ ومن يدبر ﴾ أمر الإنسان بالتربية من التراب إلى أن يصل إلى رب الأرباب.

فسيقولون هذه الأحوال كلها من الله فقل لمن بلغ نظره إلى هذه المراتب العلية وإنها عتبة باب التوحيد والمعرفة ﴿ أفلا تتقون ﴾ بالله من غيره لتدخلوا بيت الوحدة ﴿ كذلك حقت كلمة ربك ﴾ هكذا جرى القلم في الأزل على الذين خرجوا عن قبول فيض النور حين رش على الخلق من نوره.

﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ وتفصيل الجملة التي هي مكتوبة عنده في أم الكتاب وهو علمه القائم بذاته.

﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ الذين أفسدوا استعدادهم الفطري والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ...

﴾ الآية: يحاجهم يعني: أهل مكة في التوحيد [والربوبية وكأن هذه السورة نزلت في محاجة أهل مكة في التوحيد] لأنها مكية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يحتمل وجهين؛ أي: من ينزل لكم الرزق من السماء، ومن يستخرج لكم الرزق من الأرض.

والثاني: من يرزقكم من السماء والأرض أي ومن يدبر الرزق في السماء، ومن يدبر الرزق في الأرض، لا أحد يملك استنزال الرزق من السماء، واستخراج الرزق من الأرض؛ وكذلك لا أحد يملك تدبيره في السماء والأرض سواه، ولا أحد يملك إنشاء السمع والبصر، ولا أحد أيضاً يملك إخراج الحي من الميت ولا إخراج الميت من الحي ولا تدبير الأمر، لا يعرفون حقيقة ماهية السمع والبصر ولا كيفيتهما، فكيف يملكون إنشاء السمع والبصر ونصبهما، ولا [يملك أحد] سواه إصلاح ما ذكر إذا فسد ذلك، فأقروا له أنه لا يملك أحد سوى الله ذلك، وهو قولهم: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ \[يقول: والله أعلم -: إذا عرفتم وأقررتم أنه لا يملك ما ذكر سواه وعرفتم أن له السلطان والقدرة على ذلك أفلا تتقون\] بوائقه ونقمته، [أو يقول: أفلا تتقون عبادة غيره دونه، وإشراك غيره في ألوهيته وربوبيته]، أو يقول: أفلا تتقون صرف شكره إلى غيره وقد أقررتم أنه هو المنعم عليكم بهذه النعم لا من تعبدون دونه.

أو يقول - والله أعلم -: إذا عرفتم ذلك أفلا تتقون مخالفته وعصيانه، فإذا أقروا أن الذي يملك تدبير ما بين السماء والأرض هو الذي له السماوات والأرض عرفوا الذي يستحق العبادة والقيام بشكره، فإذا ضيعوا ذلك جمعهم على اسم الضلال؛ فذلك قوله: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ ﴾ .

وقوله  : ﴿ فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: ذلكم الذي ذكر ربكم بالحجج والبراهين، فماذا بعد الحق الذي هو حق بالحجج والبراهين إلا الضلال؟!

لأن ما لا حجج له ولا براهين فهو ضلال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴾ : عن عبادته إلى عبادة غيره، أو فأنى تصرفون عن شكر المنعم، إلى شكر غير المنعم.

أو يقول: فأنى تعدلون من لا يملك ما ذكر بمن يملك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ حقت: وجبت، وقيل: كذلك حقت كلمة ربك على الذين ختموا بالفسق أنهم لا يؤمنون، أي: لا ينتفعون بإيمانهم بعد ذلك.

وقوله: ﴿ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ تحتمل وجهين: تحتمل كلمة ربك [مواعيد ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون فإن كان على هذا فهو في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون.

ويحتمل كلمة ربك] حجج ربك وبراهينه على الذين فسقوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ثم يعيده: البعث بعد الموت، أي: لا أحد من شركائكم الذين تعبدون يملك بدء الخلق ولا بعثه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ لا يحتمل البعث؛ لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث، فلا يحتمل الاحتجاج عليهم بذلك، ولكن قوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ ما سوى البشر؛ لأنهم إنما ينكرون إعادة البشر، فأما إعادة غيره من الأشياء لا ينكرونه؛ نحو إعادة الليل والنهار، وإعادة الإنزال والنبات، ونحو الأشياء التي يشاهدونها، أي: ثم يعيد مثله: الليل ليلا مثله، والنهار نهارا مثله؛ وكذلك الخلائق تفنى ثم يعيد مثله، فإذا ثبت في غير البشر ثبت في البشر.

ويحتمل الأمرين جميعاً عندنا البعث وأشياء مثله؛ لأنه تعليم منه لهم، ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ قيل: تكذبون بتوحيد الله، وقد عرفتم أنه هو بدأ الخلق ثم هو يعيده، لا أحد يملك ذلك، ألا ترى أنه احتج عليهم ما يلزمهم ذلك بقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [البقرة: 28].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ يدعو إلى الحق فإذا كان هؤلاء الأصنام التي تعبدونها لا يملكون الدعاء إلى شيء، فلا يملكون الضر والنفع، ومن الخلائق من لا يملك النفع والضر، ويملك الدعاء إلى خير أو [إلى] نفع، فهؤلاء دون الخلائق جميعاً؛ إذ لا يملكون الدعاء، فكيف يملكون [الضرّ والنفع]؟!

يبين عز وجل سفههم بعبادتهم هؤلاء الأصنام؛ لعلمهم أنهم لا يملكون نفعاً ولا ضرّاً.

ويحتمل قوله: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ أي: يبين ويقيم الدلائل والبراهين على [عدم] استحقاق العبادة لهم، فإذا لم يملكوا الدعاء إلى العبادة لهم، فكيف يملكون نصب الدلائل والحجج على استحقاق العبادة؟!

﴿ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴾ : أخبر أن الله هو الذي يهدي للحق.

ثم يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا: هو يملك الدعاء إلى الحق ويقيموا الدلائل والحجج على ما دعا إليه، وهو يستحق العبادة له والربوبية.

﴿ أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ : الذي يبين البراهين والحجج، ﴿ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ ﴾ أي: لا يبين، ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ ، فإن قيل: ما معنى الاستثناء وهو وإن هدي لا يهتدي؟

قيل: يشبه أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ  ﴾ ينطقهم الله - عز وجل - يوم القيامة، فيشهدون عليهم أنهم لم يأمروهم بالعبادة لهم ولا دعوهم لإشراكهم في العبادة، فيكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ لما أن يجعلهم الله بحيث يهتدون إذا هدوا ويجيبون إذا دعوا.

﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ : بالجور وصرف العبادة والشكر إلى من لا يملك ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ قال بعضهم: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ لا يحتمل الصنم والوثن الاهتداء وإن هدي، ولكن المراد منه الإنسان.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ إلا أن يحمل الصنم ويوضع، فأما أن يهتدي هو بنفسه فلا، لكن يحتمل ما ذكرنا أنه إذا صيره بحيث يتكلم ومن جنس ما ينطق وأذن له في النطق احتمل الإجابة والاهتداء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ قال بعضهم: هذا في الأئمة والرؤساء منهم حيث عبدوا الأصنام والأوثان وقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ونحو ذلك من القول؛ يقول: ما يتبع أكثرهم في عبادتهم الأصنام بأنهم يكونون لهم شفعاء عند الله إلا ظنا ظنوه.

وقال بعضهم: هذا في الأتباع والعوام ليس في الأئمة؛ ذلك أن الأئمة قد عرفوا البراهين والحجج التي قامت عليهم والآيات التي جاء بها رسول الله  ، لكن ما قالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ ، ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ ونحو ذلك من الكلام، أرادوا أن يلبسوا على العوام ويشبهوا عليهم، فاتبع العوام الأئمة فيما قالوا وأنه كذا وصدقوهم؛ يقول: وما يتبع أكثرهم الأئمة في ذلك إلا ظنّاً ظنوا.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ ﴾ يعني: أهل مكة [أي ما يتبع أكثر أهل مكة] الأوائل والأسلاف في عبادة الأصنام والأوثان.

﴿ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ لأنهم عبدوا الأصنام ويقولون: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 23] وآباؤنا كذلك يفعلون، ثم أخبر أن الظن لا يغني من الحق شيئاً، أي: الظن لا يدرك به الحق إنما يدرك الحق باليقين، ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ وهو حرف وعيد ليكونوا أبدا على حذر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فذلكم -أيها الناس- الَّذي يفعل ذلك كله هو الله الحق خالقكم، ومدبر أمركم، فماذا بعد معرفة الحق غير البعد عنه والضياع؟!

فاين تذهب عقولكم عن هذا الحق الجلي؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.pmPYW"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر