الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٢٩ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٩ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقال في هذه الآية إخبارا عن قول الشركاء فيما راجعوا فيه عابديهم عند ادعائهم عبادتهم : ( فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ) أي : ما كنا نشعر بها ولا نعلم ، وإنما أنتم كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم ، والله شهيد بيننا وبينكم أنا ما دعوناكم إلى عبادتنا ، ولا أمرناكم بها ، ولا رضينا منكم بذلك .
وفي هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره ، ممن لا يسمع ولا يبصر ، ولا يغني عنهم شيئا ، ولم يأمرهم بذلك ولا رضي به ولا أراده ، بل تبرأ منهم في وقت أحوج ما يكونون إليه ، وقد تركوا عبادة الحي القيوم ، السميع البصير ، القادر على كل شيء ، العليم بكل شيء وقد أرسل رسله وأنزل كتبه ، آمرا بعبادته وحده لا شريك له ، ناهيا عن عبادة ما سواه ، كما قال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ) [ النحل : 36 ] ، وقال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] ، وقال : ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) [ الزخرف : 45 ] .
والمشركون أنواع وأقسام كثيرون ، قد ذكرهم الله في كتابه ، وبين أحوالهم وأقوالهم ، ورد عليهم فيما هم فيه أتم رد .
القول في تأويل قوله تعالى : فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) قال أبو جعفر: ويقول تعالى ذكره ، مخبرًا عن قيل شركاء المشركين من الآلهة والأوثان لهم يوم القيامة، إذ قال المشركون بالله لها: إياكم كنا نعبد ، (كفى بالله شهيدًا بيننا وبينكم)، أي إنها تقول: حسبُنا الله شاهدًا بيننا وبينكم ، أيها المشركون، فإنه قد علم أنّا ما علمنا ما تقولون ، ( إنا كنا عن عبادتكم لغافلين) ، يقول: ما كنا عن عبادتكم إيانا دون الله إلا غافلين، لا نشعر به ولا نعلم، (41) كما:- 17651- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (إن كنا عن عبادتكم لغافلين) ، قال: كُلُّ شيء يعبد من دون الله.
(42) 17652- حدثني المثنى قال ، حدثني إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17653- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال مجاهد: (إن كنا عن عبادتكم لغافلين) ، قال: يقول ذلك كُلُّ شيء كان يُعْبد من دون الله.
------------------- الهوامش : (41) انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ص : 25 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(42) في المطبوعة : " قال ذلك كل شيء " ، زاد " ذلك " وأثبت ما في المخطوطة ، وهو لا بأس به .
قوله تعالى فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلينقوله تعالى فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم شهيدا مفعول ، أي كفى الله شهيدا ، أو تمييز ، أي اكتف به شهيدا بيننا وبينكم إن كنا أمرناكم بهذا أو رضيناه منكم .إن كنا أي ما كنا عن عبادتكم لغافلين إلا غافلين لا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ; لأنا كنا جمادا لا روح فينا .
{فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} ما أمرناكم بها، ولا دعوناكم لذلك، وإنما عبدتم من دعاكم إلى ذلك، وهو الشيطان كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} . وقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} فالملائكة الكرام والأنبياء والأولياء ونحوهم يتبرؤون ممن عبدهم يوم القيامة ويتنصلون من دعائهم إياهم إلى عبادتهم وهم الصادقون البارون في ذلك، فحينئذ يتحسر المشركون حسرة لا يمكن وصفها، ويعلمون مقدار ما قدموا من الأعمال، وما أسلفوا من رديء الخصال، ويتبين لهم يومئذ أنهم كانوا كاذبين، وأنهم مفترون على الله، قد ضلت عبادتهم، واضمحلت معبوداتهم، وتقطعت بهم الأسباب والوسائل.
( فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ) أي : ما كنا عن عبادتكم إيانا إلا غافلين ، ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل .
«فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن» مخففة أي إنا «كنا عن عبادتكم لغافلين».
فكفى بالله شهيدًا بيننا وبينكم، إننا لم نكن نعلم ما كنتم تقولون وتفعلون، ولقد كنَّا عن عبادتكم إيانا غافلين، لا نشعر بها.
وقوله : ( فكفى بالله شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ) تأكيد لهذا التبري والإِنكار ، ورجوع إلى الشهادة الحق فى ذلك .و ( إن ) فى قوله ( إِن كُنَّا ) مخففة من الثقيلة .
.
أى : فكفى أن يكون الله - تعالى - شهيدا وحكما بيننا وبينكم ، فهو - سبحانه - يعلم حالنا وحالكم ، ويعلم أننا كنا فى غفلة عن عبادتكم لنا ، بحيث إننا ما فكرنا فيها ولا رضينا بها .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا نوع آخر من شرح فضائح أولئك الكفار، فالضمير في قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ﴾ عائد إلى المذكور السابق، وذلك هو قوله: ﴿ والذين كَسَبُواْ السيئات ﴾ فلما وصف الله هؤلاء الذين يحشرهم بالشرك والكفر، دل على أن المراد من قوله: ﴿ والذين كَسَبُواْ السيئات ﴾ الكفار، وحاصل الكلام: أنه تعالى يحشر العابد والمعبود، ثم إن المعبود يتبرأ من العابد، ويتبين له أنه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته، والمقصود منه أن القوم كانوا يقولون: ﴿ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله ﴾ فبين الله تعالى أنهم لا يشفعون لهؤلاء الكفار، بل يتبرؤن منهم، وذلك يدل على نهاية الخزي والنكال في حق هؤلاء الكفار، ونظيره آيات منها قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ﴾ .
واعلم أن هذا الكلام يشير على سبيل الرمز إلى دقيقة عقلية، وهي أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته، والممكن لذاته محتاج بحسب ماهيته، والشيء الواحد يمتنع أن يكون قابلاً وفاعلاً معاً، فما سوى الواحد الأحد الحق لا تأثير له في الإيجاد والتكوين، فالممكن المحدث لا يليق به أن يكون معبوداً لغيره، بل المعبود الحق ليس إلا الموجد الحق، وذلك ليس إلا الموجود الحق الذي هو واجب الوجود لذاته، فبراءة المعبود من العابدين، يحتمل أن يكون المراد منه ما ذكرناه.
والله أعلم بمراده.
المسألة الثانية: (الحشر) الجمع من كل جانب إلى موقف واحد و ﴿ جَمِيعاً ﴾ نصب على الحال أي نحشر الكل حال اجتماعهم.
و ﴿ مَكَانَكُمْ ﴾ منصوب بإضمار الزموا.
والتقدير: الزموا مكانكم و ﴿ أَنتُمْ ﴾ تأكيد للضمير ﴿ وَشُرَكَاؤُكُمْ ﴾ عطف عليه.
واعلم أن قوله: ﴿ مَكَانَكُمْ ﴾ كلمة مختصة بالتهديد والوعيد والمراد أنه تعالى يقول للعابدين والمعبودين مكانكم أي الزموا مكانكم حتى تسألوا، ونظيره قوله تعالى: ﴿ ٱحْشُرُوا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ﴾ .
أما قوله: ﴿ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: أن هذه الكلمة جاءت على لفظ المضي بعد قوله: ﴿ ثُمَّ نَقُولُ ﴾ وهو منتظر، والسبب فيه أن الذي حكم الله فيه، بأن سيكون صار كالكائن الراهن الآن، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَنَادَى أصحاب الجنة ﴾ .
البحث الثاني: (زيلنا) فرقنا وميزنا.
قال الفراء: قوله: ﴿ فَزَيَّلْنَا ﴾ ليس من أزلت، إنما هو من زلت إذا فرقت.
تقول العرب: زلت الضأن من المعز فلم تزل.
أي ميزتها فلم تتميز، ثم قال الواحدي: فالزيل والتزييل والمزايلة، والتمييز والتفريق.
قال الواحدي: وقرئ ﴿ فزايلنا بَيْنَهُمْ ﴾ وهو مثل ﴿ فَزَيَّلْنَا ﴾ وحكى الواحدي عن ابن قتيبة أنه قال في هذه الآية: هو من زال يزول وأزلته أنا، ثم حكى عن الأزهري أنه قال: هذا غلط، لأنه لم يميز بين زال يزول، وبين زال يزيل، وبينهما بون بعيد، والقول ما قاله الفراء، ثم قال المفسرون: ﴿ فَزَيَّلْنَا ﴾ أي فرقنا بين المشركين وبين شركائهم من الآلهة والأصنام، وانقطع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا.
وأما قوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: إنما أضاف الشركاء إليهم لوجوه: الأول: أنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام، فصيروها شركاء لأنفسهم في تلك الأموال، فلهذا قال تعالى: ﴿ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ الثاني: أنه يكفي في الإضافة أدنى تعلق، فلما كان الكفار هم الذين أثبتوا هذه الشركة، لا جرم حسنت إضافة الشركاء إليهم.
الثالث: أنه تعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله: ﴿ مَكَانَكُمْ ﴾ صاروا شركاء في هذا الخطاب.
البحث الثاني: اختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء.
فقال بعضهم: هم الملائكة، واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿ يَوْمٍ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ ومنهم من قال: بل هي الأصنام، والدليل عليه: أن هذا الخطاب مشتمل على التهديد والوعيد، وذلك لا يليق بالملائكة المقربين، ثم اختلفوا في أن هذه الأصنام كيف ذكرت هذا الكلام.
فقال بعضهم: إن الله تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق فيها، فلا جرم قدرت على ذكر هذا الكلام.
وقال آخرون إنه تعالى يخلق فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى يسمع منها ذلك الكلام، وهو ضعيف، لأن ظاهر قوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ يقتضي أن يكون فاعل ذلك القول هم الشركاء.
فإن قيل: إذا أحياهم الله تعالى فهل يبقيهم أو يفنيهم؟
قلنا: الكل محتمل ولا اعتراض على الله في شيء من أفعاله، وأحوال القيامة غير معلومة، إلا القليل الذي أخبر الله تعالى عنه في القرآن.
والقول الثالث: إن المراد بهؤلاء الشركاء، كل من عبد من دون الله تعالى، من صنم وشمس وقمر وأنسي وجني وملك.
البحث الثالث: هذا الخطاب لا شك أنه تهديد في حق العابدين، فهل يكون تهديداً في حق المعبودين؟
أما المعتزلة: فإنهم قطعوا بأن ذلك لا يجوز.
قالوا: لأنه لا ذنب للمعبود، ومن لا ذنب له، فإنه يقبح من الله تعالى أن يوجه التخويف والتهديد والوعيد إليه.
وأما أصحابنا، فإنهم قالوا إنه تعالى لا يسئل عما يفعل.
البحث الرابع: أن الشركاء قالوا: ﴿ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ وهم كانوا قد عبدوهم، فكان هذا كذباً، وقد ذكرنا في سورة الأنعام اختلاف الناس في أن أهل القيامة هل يكذبون أم لا، وقد تقدمت هذه المسألة على الاستقصاء، والذي نذكره هاهنا، أن منهم من قال: إن المراد من قولهم: ﴿ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ هو أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا؟
قالوا: والدليل على أن المراد ما ذكرناه وجهان: الأول: أنهم استشهدوا بالله في ذلك حيث قالوا: ﴿ فكفى بالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ والثاني: أنهم قالوا: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لغافلين ﴾ فأثبتوا لهم عبادة، إلا أنهم زعموا أنهم كانوا غافلين عن تلك العبادة، وقد صدقوا في ذلك، لأن من أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها بشيء ولا شعور ألبتة.
ومن الناس من أجرى الآية على ظاهرها.
وقالوا: إن الشركاء أخبروا أن الكفار ما عبدوها، ثم ذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن ذلك الموقف موقف الدهشة والحيرة، فذلك الكذب يكون جارياً مجرى كذب الصبيان، ومجرى كذب المجانين والمدهوشين.
والثاني: أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزنا وجعلوها لبطلانها كالعدم، ولهذا المعنى قالوا: إنهم ما عبدونا.
والثالث: أنهم تخيلوا في الأصنام التي عبدوها صفات كثيرة، فهم في الحقيقة إنما عبدوا ذوات موصوفة بتلك الصفات، ولما كانت ذواتها خالية عن تلك الصفات، فهم ما عبدوها وإنما عبدوا أموراً تخيلوها ولا وجود لها في الأعيان، وتلك الصفات التي تخيلوها في أصنامهم أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله بغير إذنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إَن كُنَّا ﴾ هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وهم الملائكة والمسيح ومن عبدوه من دون الله من أولي العقل، وقيل: الأصنام ينطقها الله عزّ وجلّ فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي زعموها وعلقوا بها أطماعهم ﴿ هُنَالِكَ ﴾ في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أوفى ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان ﴿ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ تختبر وتذوق ﴿ مَّا أَسْلَفَتْ ﴾ من العمل فتعرف كيف هو، أقبيح أم حسن، أنافع أم ضارّ، أمقبول أم مردود؟
كما يختبر الرجل الشيء ويتعرّفه ليكتنه حاله.
ومنه قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تبلى السرائر ﴾ [الطارق: 9] وعن عاصم: نبلو كلَّ نفس، بالنون ونصب كل: أي نختبرها باختبار ما أسلفت من العمل، فنفرق حالها بمعرفة حال عملها: إن كان حسناً فهي سعيدة، وإن كان سيئاً فهي شقية.
والمعنى: نفعل بها فعل الخابر، كقوله تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [هود: 7] ويجوز أن يراد نصيب بالبلاء وهو العذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشرّ.
وقرئ: ﴿ تتلو ﴾ ، أي تتبع ما أسلفت؛ لأنّ عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار.
أو تقرأ في صحيفتها ما قدّمت من خير أو شرّ ﴿ مولاهم الحق ﴾ ربهم الصادق ربوبيته؛ لأنهم كانوا يتولون ما ليس لربوبيته حقيقة.
أو الذي يتولى حسابهم وثوابهم، العدل الذي لا يظلم أحداً.
وقرئ: ﴿ الحق ﴾ بالفتح على تأكيد قوله: ﴿ رُدُّواْ إلى الله ﴾ [الأنعام: 62] كقولك: هذا عبد الله الحق لا الباطل.
أو على المدح كقولك: الحمد لله.
أهل الحمد ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ وضاع عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله.
أو بطل عنهم ما كانوا يختلقون من الكذب وشفاعة الآلهة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ ﴾ فَإنَّهُ العالِمُ بِكُنْهِ الحالِ.
﴿ إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ.
﴿ هُنالِكَ ﴾ في ذَلِكَ المَقامِ.
﴿ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ﴾ تَخْتَبِرُ ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ فَتُعايِنُ نَفْعَهُ وضَرَّهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « تَتْلُو» مِنَ التِّلاوَةِ أيْ تَقْرَأُ ذِكْرَ ما قَدَّمَتْ، أوْ مِنَ التِّلْوِ أيْ تَتَّبِعُ عَمَلَها فَيَقُودُها إلى الجَنَّةِ أوْ إلى النّارِ.
وقُرِئَ « نَبْلُو» بِالنُّونِ ونُصِبَ ﴿ كُلُّ ﴾ وإبْدالُ ﴿ ما ﴾ مِنهُ والمَعْنى نَخْتَبِرُها أيْ نَفْعَلُ بِها فِعْلَ المُخْتَبِرُ لِحالِها المُتَعَرِّفِ لِسَعادَتِها وشَقاوَتِها بِتَعَرُّفِ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ نُصِيبُ بِالبَلاءِ أيْ بِالعَذابِ كُلَّ نَفْسٍ عاصِيَةٍ بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ الشَّرِّ فَتَكُونُ ﴿ ما ﴾ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ.
﴿ وَرُدُّوا إلى اللَّهِ ﴾ إلى جَزائِهِ إيّاهم بِما أسْلَفُوا.
﴿ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ رَبِّهِمْ ومُتَوَلِّي أمْرِهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ لا ما اتَّخَذُوهُ مَوْلًى، وقُرِئَ « الحَقَّ» بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ أوِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ.
﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ وضاعَ عَنْهم.
﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِن أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم، أوْ ما كانُوا يَدَّعُونَ أنَّها آلِهَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
{فكفى بالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أي كفى الله شهيداً وهو تمييز {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لغافلين} إن مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية
﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ 29﴾ عَلى عَدَمِ الِارْتِضاءِ لا عَلى عَدَمِ الشُّعُورِ لِأنَّ عَدَمَ شُعُورِ المَلائِكَةِ بِعِبادَتِهِمْ غَيْرُ ظاهِرٍ بَلْ لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ هَذا الحَمْلِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا لَمْ يَبْعُدْ لِأنَّ عَدَمَ شُعُورِهِ بِعِبادَتِهِمْ مَعَ أنَّهُ سَيَنْزِلُ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ كَذَلِكَ ولا يَكادُ يَصِحُّ الحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ إلّا إذا كانَ المُرادُ الأصْنامَ فَإنَّ عَدَمَ شُعُورِهِمْ بِذَلِكَ ظاهِرٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى شُعُورِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعِبادَتِهِمْ لِيَصْرِفَ لَهُ اللَّفْظَ عَنْ حَقِيقَتِهِ ولَيْسَ هَؤُلاءِ المَعْبُودُونَ هُمُ الحَفَظَةَ أوِ الكَتَبَةَ بَلْ مَلائِكَةٌ آخَرُونَ ولَعَلَّهم مُشْغَلُونَ بِأداءِ ما أُمِرُوا بِهِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما في هَذا العالَمِ ونَحْنُ لا نَدَّعِي في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما يَدَّعِيهِ الفَلاسِفَةُ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ قالُوا يَوْمَ اسْتُنْبِئُوا عَنِ الأسْماءِ: ﴿ سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا ﴾ وهَذا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أجَلِّهِمْ قَدْرًا كانَ كَثِيرًا ما يَسْألُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أشْياءَ فَيَقُولُ: لا أعْلَمُ، وسَوْفَ أسْألُ رَبِّي.
وكَذا لا دَلِيلَ عَلى شُعُورِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعِبادَةِ هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ عِنْدَ إيقاعِها وكَوْنُهُ سَيَنْزِلُ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ لا يَسْتَدْعِي الشُّعُورَ بِها كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى وقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِعَدَمِ شُعُورِهِ بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الجَوابِ عَنْ سُؤالِهِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ واعْتُرِضَ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ مَعَ هَذا القَوْلِ مُطْلَقًا لِأنَّ الشَّياطِينَ هُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا لَهم هَذِهِ الشَّنِيعَةَ الشَّنْعاءَ وأغْرَوْهم عَلَيْها فَكَيْفَ يَتَأتّى القَوْلُ بِأنَّهم غافِلُونَ حَقِيقَةً عَنْها أوْ أنَّهم غَيْرُ مُرْتَضِينَ لَها ولَعَلَّ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ يَلْتَزِمُ الكَذِبَ ويَقُولُ بِجَوازِ وُقُوعِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ لا يَصِحُّ مَعَ هَذا القَوْلِ أيْضًا مُطْلَقًا لِأنَّ الأوْثانَ لا تَتَّصِفُ بِالغَفْلَةِ حَقِيقَةً لِأنَّها كَما يُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ اسْمٌ لِتَرْكِ الشَّيْءِ وذَهابِ القَلْبِ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ وهَذا شَأْنُ ذَوِي القُلُوبِ والأوْثانُ لَيْسَتْ مِن ذَلِكَ وكَذا لا تَتَّصِفُ بِها مَجازًا عَنْ عَدَمِ الِارْتِضاءِ إذِ الظّاهِرُ أنَّ مُرادَهم مِن عَدَمِ الِارْتِضاءِ السَّخَطُ والكَراهَةُ وظاهِرٌ أنَّ الأوْثانَ لا تَتَّصِفُ بِسَخَطٍ ولا ارْتِضاءٍ إذْ هُما تابِعانِ لِلْإدْراكِ ولا إدْراكَ لَها ومَن أثْبَتَهُ لِلْجَماداتِ حَسَبَ عالَمِها فالأمْرُ عِنْدَهُ سَهْلٌ ومَن لا يُثْبِتُهُ يَقُولُ: إنَّها مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الشُّعُورِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ بِغَفْلَتِهِمْ عَنْ عِبادَةِ المُشْرِكِينَ عَدَمُ طَلَبِهِمُ الِاسْتِعْدادِيُّ لَها ويَرْجِعُ ذَلِكَ بِالآخِرَةِ إلى نَفْيِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ عَنْ أنْفُسِهِمْ وإثْباتِ الظُّلْمِ لِعابِدِيهِمْ وحِينَئِذٍ فالأظْهَرُ أنْ يُرادَ بِالشُّرَكاءِ جَمِيعُ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مِن ذَوِي العُقُولِ وغَيْرِهِمْ والكُلُّ صادِقٌ في قَوْلِهِ ذَلِكَ وقَدْ يُرادُ مِن عَدَمِ الطَّلَبِ ما يَشْمَلُ عَدَمَ الطَّلَبِ الحالِيِّ والقالِيِّ إذا اعْتُبِرَ كَوْنُ القائِلِ مِمَّنْ يَصِحُّ نِسْبَةُ ذَلِكَ لَهُ كالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهَذا الوَجْهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى شُعُورِ الشُّرَكاءِ بِعِبادَتِهِمْ ولا عَلى عَدَمِهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم شُعُورٌ بِذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ لَهم شُعُورٌ والظّاهِرُ أنَّ تَفْسِيرَ الغَفْلَةِ بِعَدَمِ الِارْتِضاءُ المُرادُ مِنهم عَلى ما قِيلَ السَّخَطُ والكَراهَةُ يَسْتَدْعِي الشُّعُورَ إذْ كَراهَةُ الشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ الشُّعُورِ بِهِ مِمّا لا يَكادُ يُعْقَلُ وإثْباتُهُ لِجَمِيعِ الشُّرَكاءِ ولَوْ إجْمالًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالغَفْلَةِ أكْثَرُ تَهْجِينًا لِلْمُخاطَبِينَ ولِعِبادَتِهِمْ مِنَ التَّعْبِيرِ بِعَدَمِ الطَّلَبِ مَثَلًا فَتَأمَّلْ والباءُ في ﴿ بِاللَّهِ ﴾ صِلَةٌ و ﴿ شَهِيدًا ﴾ تَمْيِيزٌ و ﴿ إنْ ﴾ مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِغافِلِينَ والتَّقْدِيمُ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ أيْ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا فَإنَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ المُطَّلِعُ عَلى كُنْهِ الحالِ إنّا كُنّا غافِلِينَ عَنْ عِبادَتِكم والظّاهِرُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ ﴿ فَكَفى ﴾ إلَخْ اسْتِشْهادٌ عَلى النَّفْيِ السّابِقِ لا عَلى الإثْباتِ اللّاحِقِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً، هذا كله في يوم نجمعهم جميعاً، يعني: الكفار وآلهتهم.
ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ، يعني: قفوا أنتم وآلهتكم ويقال: الرؤساء والأتباع فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ، يعني: ميزنا وفرقنا بين المشركين وبين آلهتهم، وأصله في اللغة: من زال يزول، وأزلته وزيلته بمعنى واحد، ويقال: فرقنا ما بينهم من التواصل والألفة، يعني: بين الرؤساء والأتباع، ويقال: يأمر الله تعالى أن تلحق كل أمة بما كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله، فيفرّق بين أهل الملل، فذلك قوله فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ يعني: بين أهل الشرك وأهل الإسلام.
ثم قال للمشركين: ماذا كنتم تعبدون؟
فينكرون ويحلفون، ثم يقرون بعد ما يختم على أفواههم وتشد أعضاؤهم أنهم كان يعبدون الأصنام.
وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ، يعني: آلهتهم لمن عبدها: مَّا كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ في الدنيا بأمرنا ولا نعلم بعبادتكم إيانا، ولم تكن فينا روح فنعقل عبادتكم إيانا، فيقول من عبدها: قد عبدناكم وأمرتمونا فأطعناكم، فقالت الآلهة: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً يعني: عالماً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ، يعني: ولم نعلم أنكم تعبدوننا، والفائدة في إحضار الأصنام: أن يظهر عند المشركين ضعف معبودهم، فيزيدهم حسرة على ذلك.
ثم قال تعالى: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ، قرأ حمزة والكسائي تتلوا كل نفس بالتاءين، يعني: عند ذلك تقرّ كل نفس برة أو فاجرة مَّا أَسْلَفَتْ، يعني: ما عملت من خير أو شر.
وهذا قوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء: 71] ويقال: تتلو يعني: تتبع، كقوله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها [الشمس: 2] يعني: يتبعها، وقرأ الباقون تَبْلُوا بالتاء والباء، يعني: عند ذلك تجد، ويقال: تظهر، كقوله يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [الطارق: 9] وقال القتبي: أي يختبر.
ثم قال: وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ، يعني: رجعوا في الآخرة إلى الله مولاهم الحق.
وَضَلَّ عَنْهُمْ، يعني: اشتغل عنهم آلهتهم بأنفسهم مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يختلقون من الكذب الأوثان، فلا يكون لهم شفاعة، ويقال بطل افتراؤهم واضمحل.
<div class="verse-tafsir"
والبَنِينَ، إِذ مصيرُ ذلك إِلى الفَناءِ كمطرٍ نَزَلَ من السماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، أي: اختلط النباتُ بعْضُهُ ببعض بسَبَبِ الماء، ولفظ البخاريِّ: قال ابن عباس: فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ: فنبت بالماء مِنْ كلِّ لونٍ «١» انتهى.
وأَخَذَتِ الْأَرْضُ لَفْظَةٌ كثُرت في مثل هذا، كقوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ [الأعراف: ٣١] والزُّخْرُف: التزيينُ بالألوان، وقرأ ابن مسعود «٢» وغيره: «وتَزَيَّنَتْ» ، وهذه أصل قراءة الجمهور.
وقوله: وَظَنَّ أَهْلُها: على بابها، وهذا الكلامُ فيه تشبيهُ جملة أمْرِ الحياة الدنيا بهذه الجملة الموصوفة أحوالها، وحَتَّى غايةٌ، وهي حرفُ ابتداء لدخولها على «إِذا» ، ومعناهما متَّصِلٌ إِلى قوله: قادِرُونَ عَلَيْها، ومن بعد ذلك بدأ الجوابُ، والأمْرُ الآتي:
واحدُ الأمور كالرِّيحِ، والصِّرِّ، والسَّمُومِ، ونحوِ ذلك، وتقسيمُهُ لَيْلًا أَوْ نَهاراً، تنبيهٌ على الخَوْف وارتفاع الأمن في كلّ وقت، وحَصِيداً، بمعنى محصود، أي: تالفاً مستهلكاً، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ: أي: لم تنضر، ولم تنعم، ولم تعمر بغَضَارتها، ومعنى الآية:
التحذير من الاغترار بالدنيا إِذ هي معرَّضة للتلف كنبات هذه الأرض وخَصَّ المتفكِّرين بالذكْر تشريفاً للمنزلة وليقَعَ التسابُقُ إِلى هذه الرتبة.
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ...
الآية: نصٌّ أن الدعاء إِلى الشرْع عامٌّ في كل بَشَرٍ، والهداية التي هي الإِرشادُ مختصّة بمن قدّر إيمانه، والسَّلامِ هنا: قيل: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، والمعنَى: يدعو إِلى داره التي هي الجنّة، وقيل: السَّلامِ بمعنى السّلامة.
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ مَّا كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)
وقوله سبحانه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ: قال الجمهور: الْحُسْنى:
الجنةُ، وال زِيادَةٌ: النَّظَر إِلَى وجهِ اللَّه عزَّ وجلَّ وفي «صحيح مسلمٍ» من حديثِ صُهَيْبٍ: «فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ» ، وفي رواية: ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةِ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وأخرج هذه الزيادةَ النَّسَائِيُّ عن صُهَيْبٍ، وأَخْرَجَهَا عن صُهَيْبٍ أَيضاً أَبو دَاوُدَ الطَّيَالِسي «١» انتهى من «التذكرة» «٢» .
وقوله سبحانه: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ ...
الآية.
ويَرْهَقُ معناه:
يَغْشَى مع غلبةٍ وتضييقٍ، وال قَتَرٌ: الغُبَار المُسْوَدُّ.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها قالت فِرْقَةٌ: التقديرُ لهم جزاءُ سيئةٍ بمثلها، وقالت فرقة: التقديرِ جزاءُ سيِّئة مثلها، والباء زائدةٌ، وتعم السيئاتُ هاهنا الكفر والمعاصي، وال عاصِمٍ: المنجّي والمجير، وأُغْشِيَتْ: كسبت، و «القَطْع» :
جمع قِطْعة، وقرأ ابن كثيرٍ والكِسَائِيُّ: «قَطْعاً مِنَ اللَّيْلِ» - بسكون الطاء- «٣» ، وهو الجُزْء من الليل، والمراد: الجُزْء من سواده، وباقي الآية بيّن.
ومَكانَكُمْ: اسم فعلِ الأَمْرِ، ومعناه: قِفُوا واسكنوا، ت: قال ص:
وقدِّر ب «اثبتوا» وأما من قدَّره ب «الزموا مكانَكُمْ» ، فمردودٌ، لأن «الزموا» متعدّ، ومَكانَكُمْ: لا يتعدَّى، فلا يقدَّر به، وإلا لكان متعدياً، واسم الفعل عَلَى حَسَب الفعلِ إِنْ متعدياً فمتعدٍّ، وإِنْ لازماً فلازِمٌ، ثم اعتذر بأنه يمكن أن يكون تقديره ب «الزموا» تقديرَ معنًى، لا تقديرَ إِعرابٍ، فلا اعتراض، انتهى.
قال ع «٤» : فأخبر سبحانَهُ عن حالةٍ تكون لعبدة الأوثان يوم القيامة يؤمرون
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُجْمَعُ الكُفّارُ وآلِهَتُهم.
﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ ﴾ أيْ: آلِهَتُكم.
قالَ الزَّجّاجُ: " مَكانَكم " مَنصُوبٌ عَلى الأمْرِ، كَأنَّهم قِيلَ لَهُمُ: انْتَظَرُوا مَكانَكم حَتّى نَفْصِلَ بَيْنَكم، والعَرَبُ تَتَوَعَّدُ فَتَقُولُ: مَكانَكَ، أيِ: انْتَظِرْ مَكانَكَ، فَهي كَلِمَةٌ جَرَتْ عَلى الوَعِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " فَزايَلْنا " بِألِفٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَرَّقْنا بَيْنَهم وبَيْنَ آلِهَتِهِمْ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مَن زالَ يَزُولُ وأزَلْتُهُ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما قالَ " فَزَيَّلْنا " ولَمْ يَقُلْ: " فَزِلْنا " لِإرادَةِ تَكْرِيرِ الفِعْلِ وتَكْثِيرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: " كَيْفَ تَقَعُ الفُرْقَةُ بَيْنَهم وهم مَعَهم في النّارِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ فالجَوابُ: أنَّ الفُرْقَةَ وقَعَتْ بِتَبَرِّي كُلِّ مَعْبُودٍ مِمَّنْ عَبَدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آلِهَتُهم، يُنْطِقُ اللَّهُ الأوْثانَ، فَتَقُولُ: ﴿ ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ ﴾ أيْ: لا نَعْلَمُ بِعِبادَتِكم لَنا، لِأنَّهُ ما كانَ فِينا رُوحٌ، فَيَقُولُ العابِدُونَ: بَلى قَدْ عَبَدْناكم، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: ﴿ فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ ﴾ لا نَعْلَمُ بِها.
قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ إنْ كُنّا ﴾ مَعْناهُ: ما كُنّا إلّا غافِلِينَ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ دُخُولِ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّها دَخَلَتْ لِلْمُبالَغَةِ في المَدْحِ كَما قالُوا: أظْرِفْ بِعَبْدِ اللَّهِ، وأنْبِلْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وناهِيكَ بِأخِينا، وحَسْبُكَ بِصَدِيقِنا، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وأصْحابِهِ.
والثّانِي أنَّها دَخَلَتْ تَوْكِيدًا لِلْكَلامِ، إذْ سُقُوطُها مُمْكِنٌ، كَما يُقالُ: خُذْ بِالخِطامِ، وخُذِ الخِطامَ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عن عِبادَتِكم لَغافِلِينَ ﴾ ﴿ هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهُمْ: "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ، والضَمِيرُ في "نَحْشُرُهُمْ" عائِدٌ عَلى جَمِيعِ الناسِ مُحْسِنِينَ ومُسِيئِينَ، و"مَكانَكُمْ" نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: لازِمُوا مَكانَكُمْ، وذَلِكَ مُقْتَرِنٌ بِحالِ شِدَّةٍ وخِزْيٍ، و"مَكانَكُمْ" في هَذا المَوْضِعِ مِن أسْماءِ الأفْعالِ إذْ مَعْناهُ: قِفُوا واسْكُنُوا، وهَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن حالَةٍ تَكُونُ لِعَبَدَةِ الأوثانِ يَوْمَ القِيامَةِ، يُؤْمَرُونَ بِالإقامَةِ في مَوْقِفِ الخِزْيِ مَعَ أصْنامِهِمْ، ثُمَّ يُنْطِقُ اللهُ الأصْنامَ بِالتَبَرِّي مِنهم.
وقَوْلُهُ: "وَشُرَكاؤُكُمْ" أيِ:الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ، فَأضافَهم إلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهم شُرَكاءَ إنَّما هو بِزَعْمِ هَؤُلاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: فَرَّقْنا في الحُجَّةِ والمَذْهَبِ وهو مَن زِلْتُ الشَيْءَ عَنِ الشَيْءِ أُزِيلُهُ، وهو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ، وكَوْنُ مَصْدَرِ زَيَّلَ تَزْيِيلًا، يَدُلُّ عَلى أنَّ زَيَّلَ إنَّما هو فَعَّلَ لا فَيْعَلَ، لِأنَّ مَصْدَرَهُ كانَ يَجِيءُ عَلى فَيْعَلَةٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَزايَلْنا"، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ «أنَّ الكَفّارَ إذا رَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ قِيلَ لَهُمُ:اتَّبَعُوا ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ هَؤُلاءِ، فَتَقُولُ الأصْنامُ: واللهِ ما كُنّا نَسْمَعُ ولا نَعْقِلُ، وما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: ﴿ فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُحاوَرَتَهم إنَّما هي مَعَ الأصْنامِ دُونَ المَلائِكَةِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ بِدَلِيلِ القَوْلِ لَهُمْ: ﴿ مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ ﴾ ، ودُونَ فِرْعَوْنَ ومَن عُبِدَ مِنَ الجِنِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿ إنْ كُنّا عن عِبادَتِكم لَغافِلِينَ ﴾ ، وهَؤُلاءِ لَمْ يَغْفُلُوا قَطُّ عن عِبادَةِ مَن عَبَدَهُمْ، و"أنْتُمْ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: مُوَبَّخُونَ أو مُهانُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أنْتُمْ" تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي هو "قِفُوا" أو نَحْوُهُ.
وَ"شَهِيدًا" نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ، و"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هي مُخَفَّفَةٌ مُوجَبَةٌ حَرْفُ ابْتِداءٍ، ولَزِمَتْها اللامُ فَرْقًا بَيْنَها وبَيْنَ"إنِ" النافِيَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، و"هُنالِكَ" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَبْلُو" بِالباءِ بِواحِدَةٍ بِمَعْنى: تَخْتَبِرُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَتْلُو" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ مِن فَوْقٍ بِمَعْنى: تَتْبَعُ، أيْ: تَطْلُبُ وتَتْبَعُ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: تَقْرَأُ كُتُبَها الَّتِي تُرْفَعُ إلَيْها، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَرِدُّوا" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرُدُّوا إلى اللهِ"، أيْ: رُدُّوا إلى عِقابِ مالِكِهِمْ وشَدِيدِ بَأْسِهِ، فَهو مَوْلاهم في المُلْكِ والإحاطَةِ لا في الرَحْمَةِ والنَصْرِ ونَحْوِهِ.
<div class="verse-tafsir"
هذه الجملة معطوفة على جملة ﴿ والذين كسبوا السيئات ﴾ [يونس: 27] باعتبار كونها معطوفة على جملة ﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ [يونس: 26] فإنه لما ذكر في الجملتين السابقتين ما يختص به كل فريق من الفريقين من الجزاء وسماته جاءت هذه الجملة بإجماللِ حالةٍ جامعةٍ للفريقين ثم بتفصيل حَالة يمتاز بها المشركون ليحصل بذلك ذكر فظيع من أحوال الذين بلغوا الغاية في كسب السيئات، وهي سيئة الإشراك الذي هو أكبر الكبائر، وبذلك حصلت المناسبة مع الجملة التي قبلها المقتضية عطفها عليها.
والمقصود من الخبر هو ذكر حشرهم جميعاً، ثم ما يقع في ذلك الحشر من افتضاح الذين أشركوا، فكان مقتضى الظاهر أن يقال، ونحشرهم جميعاً.
وإنما زيد لفظ ﴿ يوم ﴾ في صدر الجملة لأن ذلك اليوم لما كان هو زمن الحشر وأعماللٍ عظيمة أريد التذكير به تهويلاً وموعظة.
وانتصاب ﴿ يوم نحشرهم ﴾ إما على المفعولية بتقدير: اذْكر، وإما على الظرفية لفعل مقدر يدل عليه قوله: ﴿ ثم نقول للذين أشركوا مكانكم ﴾ والتقدير: ونقول للذين أشركوا مكانكم يوم نحشر الناس جميعاً.
وضمير ﴿ نحشرهم ﴾ للذين تقدم الكلام عليهم وهم الذين أحسنوا والذين كسبوا السيئات.
وقوله: ﴿ جميعاً ﴾ حال من الضمير البارز في ﴿ نحشرهم ﴾ للتنصيص على إرادة عموم الضمير.
وذلك أن الحشر يعم الناس كلهم.
ومن نكت ذِكر حشر الجميع هُنا التنبيهُ على أن فظيعَ حال المشركين وافتضاحهم يكون بمرأى ومسمع من المؤمنين، فتكون السلامة من تلك الحالة زيادة في النعمة على المسلمين وتقوية في النكاية للمشركين.
والحشر: الجمع من أمكنة إلى مكان واحد.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وحشرنا عليهم كل شيء ﴾ في سورة [الأنعام: 111].
وقوله: مكانَكم} منصوب على المفعولية بفعل محذوف تقديره: الزموا مكانكم، واستعماله هذا شائع في كلام العرب في الأمر بالملازمة مع التزام حذف العامل فيه حتى صار بمنزلة أسماء الأفعال الموضوعة للأمر، نحو: صَهْ، ويقترن بضمير مناسب للمخاطب من إفراد وغيره، قال عمرو بن الأطنابة: مكانَككِ تحمدي أو تستريحي *** وأمرُهم بملازمة المكان تثقيف وحَبس.
وإذ قد جمع فيه المخاطَبون وشركاؤهم عُلِم أن ذلك الحبس لأجل جريمة مشتركة بين الفريقين، وهي كون أحد الفريقين عابداً والآخرِ معبوداً.
وقوله: ﴿ أنتم ﴾ تأكيد للضمير المتصل المقدر في الفعل المقدر، وهو المسوغ للعطف عليه وبهذا العطف صار الشركاء مأمورين باللبث في المكان.
والشركاء: الأصنام.
وصفوا بالشركاء لاعتقاد المخاطبين ذلك، ولذلك أضيف إلى ضميرهم، أي أنتم والذين زَعمتم أنهم شركاء.
فإضافة شركاء إلى ضمير المخاطبين تهكم.
وعطف ﴿ فزيلْنا ﴾ بفاء التعقيب لإفادة حصول ذلك في عقب وقت الأمر باللبث.
ولما كانت الفاء تقتضي الترتيب الزمني في حصول معطوفها إثر المعطوف عليه وكان المقصود هنا أن التزييل حصل مقارناً لإلزامهم المكان عبر عن فعل التزييل بصيغة الماضي لإفادة تحقيق وقوع التزييل كقوله: ﴿ أتى أمر الله ﴾ [النحل: 1].
وزيَّل: مضاعف زال المتعدي.
يقال: زَاله عن موضعه يَزِيله بمعنى أزاله فجعلوه يائي العين للتفرقة بينه وبين زال القاصر الذي هو واوي العين، فزيَّل فعل للمبالغة في الزيْل مثل فَرَّق مبالغة في فرق.
والمعنى وقع بينهم تفريق قوي بحيث انقطعت جميع الوِصَل التي كانت بينهم.
والتزييل هنا مجازي فيشمل اختلاف القول.
وتعليق التزييل بالأصنام باعتبار خلق معناه فيها حين أنطقها الله بما يخالف زعم عبّادها.
وجملة ﴿ وقال شركاؤهم ﴾ عطف على جملة: ﴿ فزيلنا ﴾ فهو في حيز التعقيب، ويجوز جعلها حالاً.
ويقول الشركاء هذا الكلام بخَلق نطق فيها خارق للعادة يفهمه الناس لإشعار أولئك العابدين بأن أصنامهم تبرأوا منهم، وذلك مما يزيدهم ندامة.
وكلام الأصنام يفيد نفي أن يكونوا عبدوهم بل عبدوا غيرهم.
وفي استقامة ذلك إشكال لأن الواقع أنهم عبدوهم وعبدوا غيرهم فكيف ينفي كلامهم عبادتهم إياهم وهو كلام خلقه الله فيهم فكيف يكون كذباً.
وقد تأول المفسرون هذا بوجوه لا ينثلج لها الصدر.
والذي ظهر لي أن يكون آخر كلام الأصنام مُبيناً لما أجمله أوله بأنهم نفوا أن يكونوا عبدوهم عبادةً كاملة وهي العبادة التي يقصِد منها العابد امتثال أمر المعبود وإرضاءه فتقتضي أن يكون المعبود عالماً وآمراً بتلك العبادة.
ولما كانت الأصنام غير عالمين ولا آمرين استقام نَفْيهم أن يكون عبدتهم قد عبدوهم تلك العبادة وإنما عبدوا غيرهم ممن أمروهم بالعبادة وهم الشياطين ولذلك قالوا: ﴿ إنْ كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ كما تفسره الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿ أهؤلاء إياكم كانوا يعبُدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ [سبأ: 40، 41].
فالمراد بالشركاء الأصنام لا غيرها، ويجوز أن يكون نُطقها بجحد عبادة المشركين هو أن خلق لها عقولاً فكانت عقولها مستحدثة يومئذٍ لم يتقرر فيها علم بأن المشركين عَبدوها.
ويفسر هذا قولهم بعد ذلك ﴿ إن كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ .
وجملة: ﴿ فكفى بالله شهيدا ﴾ مؤكدة بالقسم ليُثبتوا البراءة مما ألصق بهم.
وجواب القسم ﴿ إن كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ .
وليس قولهم: ﴿ كفى بالله شهيدا ﴾ قسما على كلامهم المتقدم لأن شأن القسم أن يكون في صدر الجملة.
وعطفت جملة القسم بالفاء للدلالة على أن القسم متفرع على الكلام المتقدم لأن إخبارهم بنفي أن يكونوا يعبدونهم خبرٌ غريب مخالف لما هو مشاهد فناسب أن يفرع عليه ما يحققه ويبينه مع تأكيد ذلك بالقسم.
والإتيان بفاء التفريع عند تعقيب الكلام بجملة قسمية من فصيح الاستعمال، كقوله تعالى: ﴿ كمَا أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ [الحجر: 90 93].
ومن خصائصه أنه إذا عطف بفاء التفريع كان مُؤكداً لما قبله بطريق تفريع القسم عليه ومؤكِّداً لما بعده بطريق جواب القسم به.
وهذه الآية لم تفسَّر حق تفسيرها.
والشهيد: الشاهد، وهو المؤيد والمصدّق لدعوى مدع، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ﴾ [النساء: 6].
و (كفى] بمعنى أجزأ وأغنى عن غيره.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وكفى بالله وليا ﴾ في سورة [النساء: 45].
وهو صيغة خبر مستعمل في إنشاء القسم.
والباء مزيدة للتأكيد.
وأصله كفى الله شهيداً.
وانتصب: شهيدا} على التمييز لنسبة الكفاية إلى الله لما فيها من الإجمال.
وجملة: ﴿ إن كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ جواب للقسم.
(وإنْ) مخففة من (إنّ).
واسمها ضمير شأن ملتزم الحذف.
وجملة: ﴿ كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ مفسّرة لضمير الشأن.
واللام فارقة بين (إنْ) المؤكدة المخففة و(إنْ) النافية.
وتقديم قوله: ﴿ عن عبادتكم ﴾ على عامله للاهتمام وللرعاية على الفاصلة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِتاءَيْنِ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وفي تَأْوِيلِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ ما قَدَّمَتْ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إنَّ المُرِيبَ يَتْبَعُ المُرِيبا كَما رَأيْتَ الذِّيبَ يَتْلُو الذِّيبا الثّانِي: تَتْلُو كِتابَ حَسَناتِها وكِتابَ سَيِّئاتِها، ومِنَ التِّلاوَةِ.
والثّالِثُ: تُعايِنُ كُلُّ نَفْسٍ جَزاءَ ما عَمِلَتْ.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: وهي قِراءَةُ الباقِينَ تَتْلُو بِالباءِ وفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: تُسَلِّمُ كُلُّ نَفْسٍ.
الثّانِي: تَخْتَبِرُ كُلُّ نَفْسٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ أيْ مالِكِهِمْ، ووَصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِالحَقِّ، لِأنَّ الحَقَّ مِنهُ، كَما وصَفَ نَفْسَهُ بِالعَدْلِ، لِأنَّ العَدْلَ مِنهُ.
فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ وَأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ﴾ فَكَيْفَ صارَ ها هُنا مَوْلًى لَهُمْ؟
قِيلَ لَيْسَ بِمَوْلًى في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وهو مَوْلًى لَهم في المِلْكِيَّةِ.
﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أيْ بَطَلَ عَنْهم ما كانُوا يَكْذِبُونَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ قال: الحشر الموت.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فزيلنا بينهم ﴾ قال: فرقنا بينهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: يأتي على الناس يوم القيامة ساعة فيها لين، يرى أهل الشرك أهل التوحيد يغفر لهم فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [ الأنعام: 23] قال الله: ﴿ أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ [ الأنعام: 24] ثم يكون من بعد ذلك ساعة فيها شدة، تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدون من دون الله فيقول: هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله؟
فيقولون: نعم، هؤلاء الذين كنا نعبد.
فتقول لهم الآلهة: والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا.
فيقولون: بلى، والله لإِياكم كنا نعبد.
فتقول لهم الآلهة ﴿ فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمثل لهم يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونهم حتى يوردوهم النار، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ﴾ » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه.
أنه كان يقرأ ﴿ هنالك تتلو ﴾ بالتاء قال: هنالك تتبع.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ هنالك تتلو ﴾ يقال: تتبع.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ هنالك تبلوا ﴾ يقول: تختبر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ﴾ قال: عملت.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ هناك تبلوا ﴾ قال: تعاين ﴿ كل نفس ما أسلفت ﴾ قال: عملت ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ قال: ما كانوا يدعون معه من الأنداد.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وردوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ قال: نسختها قوله: ﴿ مولى الذين آمنوا وإن الكافرين لا مولى لهم ﴾ [ محمد: 11] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن حرملة بن عبد العزيز قال: قلت لمالك بن أنس رضي الله عنه: ما تقول في رجل أمره يقيني؟
قال: ليس ذلك من الحق.
قال الله: ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أشهب رضي الله عنه قال: سئل مالك عن شهادة اللعاب بالشطرنج والنرد فقال: أما من أدمنها فما أرى شهادتهم طائلة.
يقول الله: ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ الآية، هذا من كلام معبوديهم (١) ﴿ إِنْ كُنَّا ﴾ (إن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة، ودليله إلحاق اللام في الخبر للفرق بين (إن) الجحد و (إن) المؤكدة، والتقدير: إنا (٢) إن هالك كل من يحفى وينتعل (٣) وقد ذكرنا نظائر هذا فيما تقدم.
(١) في (ح) و (ز) و (ص): (معبودهم)، وهو خطأ.
(٢) في (ح) و (ز) و (ص): (إن)، وهو خطأ.
(٣) سبق تخريجه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين كَسَبُواْ السيئات ﴾ مبتدأ على حذف مضاف تقديره: جزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها أو على تقدير: لهم جزاء سيئة بمثلها، أو معطوفاً على الذين أحسنوا، ويكون: جزاء سيئة مبتدأ وخبره بمثلها ﴿ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ ﴾ أي لا يعصمهم أحد من عذاب الله ﴿ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً ﴾ من قرأ بفتح الطاء فهو جمع قطعة وإعراب مظلماً على هذه القراءة: حال من الليل، ومن قرأ قِطْعاً بإسكان الطاء، فمظلماً صفة له أو حال من الليل ﴿ مَكَانَكُمْ ﴾ تقدير الزموا مكانكم أي لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل الله بكم ﴿ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ أي فرقنا ﴿ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ ﴾ أي تختبر بما قدمت من الأعمال، وقرئ تتلو بتاءين بمعنى تتبع أو تقرأه في المصاحف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يمكرون ﴾ بياء الغيبة: سهل وروح.
الباقون: بالتاء الفوقانية.
﴿ ينشركم ﴾ النون: ابن عامر ويزيد.
الباقون ﴿ يسيركم ﴾ من التسيير ﴿ متاع ﴾ بالنصب: حفص والمفضل.
الباقون بالرفع ﴿ قطعاً ﴾ بسكون الطاء: ابن كثير وعلي وسهل ويعقوب.
والآخرون بفتحها ﴿ تتلو ﴾ بتاءين من التلاوة: حمزة وعلي وخلف وروح، وروي عن عاصم ﴿ نبلو ﴾ بالنون ثم الباء الموحدة.
﴿ كل نفس ﴾ بالنصب الباقون: بتاء التأنيث ﴿ كل ﴾ بالرفع.
الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ مكراً ﴾ ط، ﴿ تمكرون ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ في الفلك ﴾ ج ط للعدول مع أن جواب "إذا" منتظر، ﴿ أحيط بهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ دعوا ﴾ بدل من ﴿ ظنوا ﴾ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو متلبس به، وإن جعل ﴿ دعوا ﴾ جواباً عن سؤال سائل فما صنعوا كان للوقف وجه.
﴿ الدين ﴾ ج لاحتمال إضمار القول وجعل الدعاء في معنى القول ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ط.
﴿ على أنفسكم ﴾ ط، إلا لمن جعله متعلقاً بــ ﴿ بغيكم ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".
﴿ بالأمس ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ السلام ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وزيادة ﴾ ط ﴿ ولا ذلة ﴾ ط، ﴿ الجنة ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بمثلها ﴾ لا لأن قوله ﴿ وترهقهم ﴾ معطوف على محذوف أي يلزمهم جزاء سيئة وترهقهم ذلة.
﴿ عاصم ﴾ ج ط لأن الكاف لا يتعلق بــ ﴿ عاصم ﴾ مع تعلقها بذلة قبله معنىً، لأن رهق الذلة سواد الوجه المعبر عنه بقوله كأنما ﴿ مظلماً ﴾ ط ﴿ أصحاب النار ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ وشركاؤكم ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغافلين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.
التفسير: لما بين في الآية المتقدمة أنهم يطلبون الآيات الزائدة عناداً ومكراً ولجاجاً أكد ذلك بقوله: ﴿ وإذا أذقنا ﴾ روي أنه سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم وأنزل الأمطار النافعة، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع إلى الأصنام - وقيل نسبوها إلى الأنواء - فقابلوا نعم الله بالكفران فذلك مكرهم وهو احتيالهم في دفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في المناظرة.
وفي تخصيص الإذاقة بجانب الرحمة دليل على أن الكثير من الرحمة قليل بالنسبة إلى رحمته الواسعة.
وفيه أن الإنسان لغاية ضعفه الفطري لا يطيق أدنى الرحمة كما أنه لا يطيق أدنى الألم الذي يمسه.
قال في الكشاف: معنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم.
وهذا أيضاً من جملة الضعف لأنه نسي ما عهده من الضر الشديد.
و "إذا" الثانية للمفاجأة وقع مقام الفاء في جواب الشرط كما في قوله: ﴿ إذا هم يسخطون ﴾ وفائدته أن يعلم أنهم فاجأوا وقوع المكر منهم في وقت الإذاقة وسارعوا إليه ولم يلبثوا قدر ما ينفضون عن رؤوسهم غبار الضر ولهذا قال ﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ يقدر على إيصال جزاء مكرهم إليهم قبل أن يرتد إليهم طرفهم ولكنه يمهلهم لأجل معلوم ليتضاعف خبثهم مع كونه محفوظاً بيانه قوله ﴿ إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾ وقد مر تحقيق هذا في تفسير قوله: ﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ .
واعلم أن مضمون هذه الآية قريب من مضمون قوله: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ إلا أن هذه زائدة عليها بدقيقة هي أنهم بعد الإعراض عن الدعاء يطلبون الغوائل ويقابلون الرحمة بالمكر والخديعة ولا يرضون رأساً برأس.
ثم ضرب لأجل ما وصفهم به مثالاً حتى ينكشف المقصود تمام الانكشاف فقال: ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ ينشركم ﴾ فكقوله: ﴿ فانتشروا في الأرض ﴾ قال بعض العلماء: المسير في البحر هو الله وتعالى ، وأما في البر فالمراد من التسيير التمكين والإقدار.
والحق أن جميع الأفعال والحركات مستندة إلى إحداث الله ، غاية ذلك أن آثار إقداره وإحداثه في البحر أظهر كما مر في تفسير قوله: ﴿ والفلك التي تجري في البحر ﴾ قال القفال: هو الله الهادي لكم إلى السير في البحر طلباً للمعاش، وهو المسير لكم لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير.
وحتى لانتهاء الغاية والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة: أولها الكون في الفلك، وثانيها جري الفلك بهم بالريح الطيبة، والضمير في ﴿ جرين ﴾ للفلك على أنها جمع كما مر.
وثالثها فرحهم بها.
والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة أيضاً: أوّلها ﴿ جاءتها ﴾ أي الفلك أو الريح الطيبة تلتها ريح عاصف ذات عصوف كلابن لذات اللبن، أو لأن لفظ الريح مذكر والعصوف شدة هبوب الريح.
وثانيها ﴿ وجاءهم الموج من كل مكان ﴾ أي من جميع جوانب أحياز الفلك، والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر.
وثالثها ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ أي غلب على ظنونهم الهلاك.
وأصله أن العدوّ إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا من البوار، فجعل إحاطة العدوّ بالشخص مثلاً في الهلاك.
وقرىء ﴿ في الفلكي ﴾ والياء زائدة كما في "الأحمري" أو أريد به الماء الغمر الذي لا تجري الفلك إلا فيه.
قال في الكشاف: وإنما التفت في قوله: ﴿ وجرين بهم ﴾ إلى آخره من الخطاب الى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذه الآية دليل المقت والتبعيد كما أن عكس ذلك في قوله: ﴿ إياك نعبد ﴾ دليل الرضا والتقريب.
قلت: هذا وجه حسن.
أما قوله: ﴿ دعوا الله مخلصين ﴾ فقد قال ابن عباس: تركوا الشرك ولم يشركوا به من آلهتهم شيئاً، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية.
وقال الحسن: ليس هذا إخلاص الإيمان لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ذلك جارياً مجرى الإيمان الاضطراري.
وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضر والألم لم يدعوا إلا الله.
وعن أبي عبيدة: أن المراد من ذلك الدعاء قولهم: "أهيا شراهياً" تفسيره "يا حي يا قيوم" يحكى أن رجلاً قال لجعفر الصادق : ما الدليل على إثبات الصانع؟
فقال: أخبرني عن حرفتك.
فقال: التجارة في البحر قال: صف لي كيف حالك؟
فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح من ألواحها وجاءت الرياح العاصفة.
قال جعفر الصادق : هل وجدت في قلبك تضرعاً؟
فقال: نعم.
قال جعفر: فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت.
﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الشدة كما مر في الأنعام ﴿ يبغون في الأرض بغير الحق ﴾ البغي قصد الاستعلاء بالظلم من قولك بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد، وأصله الطلب فلهذا أكد المعنى بقوله: ﴿ بغير الحق ﴾ قال في الكشاف: إنما زاد هذا القيد احترازاً من استيلاء المسلمين على أرض الكفرة بهدم دورهم وإحراق زروعهم كما فعل رسول الله ببني قريظة.
قلت: ويحتمل أن يراد بغير شبهة حق عندهم كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق ﴾ من قرأ متاع بالنصب فما قبله جملة تامة أي إنما بغيكم وبال على أنفسكم وهو مصدر مؤكد كأنه قيل: يتمتعون متاع الحياة الدنيا.
ومن قرأ بالرفع فإما على أن التقدير هو متاع الدنيا بعد تمام الكلام، أو على أنه خبر وقوله: ﴿ على أنفسكم ﴾ صلة أي إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم يعني بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها والبغي من منكرات المعاصي قال : "أسرع الخير ثواباً صلة الرحم وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة" وروي "اثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين" .
وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر.
قال : ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ أي لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياماً قلائل وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها ﴿ ثم ﴾ إلى ما وعدنا من المجازاة ﴿ مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ﴾ وهو في هذا الموضع وعيد بالعقاب كقول الرجل في معرض التهديد سأخبرك بما فعلت.
ثم ذكر مثلاً لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا ويشتد تمسكه بها فقال: ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن ﴿ كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ﴾ أي اشتبك بسبب هذا الماء ﴿ نبات الأرض ﴾ فيحتمل أن يراد أن نباته ثم وصوله إلى حد الكمال كليهما بسبب المطر، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدإ حدوثه غير مهتز ولا مترعرع، فإذا نزل المطر عليه اهتز وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض وتكاثف.
﴿ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ﴾ قال الجوهري: الزخرف الذهب ثم يشبه به كل مموه مزوّر.
﴿ وازينت ﴾ أصله تزينت فأدغم واجتلبت لذلك همزة الوصل.
وهذا كلام في نهاية الفصاحة وفيه تشبيه الأرض بالعروس التي تأخذ الثياب الفاخرة من كل لون فتلبسها، ثم تزين بجميع الأقسام المعهودة لها من حمرة وبياض ونحوها ﴿ وظن أهلها ﴾ أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا ﴿ أنهم قادرون عليها ﴾ متمكنون من تحصيل ريعها.
﴿ أتاها أمرنا ﴾ بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات.
﴿ ليلاً أو نهاراً ﴾ أي حين غفلتهم بالنوم أو حين اشتغالهم وتقلبهم في طلب معايشهم ﴿ فجعلناها ﴾ أي زرعها ﴿ حصيداً ﴾ شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله.
﴿ كأن لم تغن ﴾ أي كأن الشأن لم يلبث زرعها ﴿ بالأمس ﴾ أي في زمان قريب.
يقال: غنى بالمكان بالكسر يغنى بالفتح إذا أقام به.
والأمس مثل في الوقت القريب.
هذا والصحيح عند علماء البيان أن هذا التشبيه من التشبيه المركب.
قال في الكشاف: شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه.
وقيل: المراد أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء به وقع اليأس منه، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا اطمأن بها وعظمت رغبته فيها وانتظم أمره بعض الانتظام أتاه الموت.
وتلخيصه أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد.
ويحتمل أن يكون هذا مثلاً لمن لا يؤمن بالمعاد، فإن الأرض المزينة إذا زال حسنها فإنه يعود رونقها مرة أخرى فكذا النشور ﴿ كذلك نفصل الآيات ﴾ نذكر واحدة منها بعد الأخرى لتكون كثرتها وتواليها سبباً لقوة اليقين وموجباً لزوال الشك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ في أحوال الآفاق والأنفس.
ثم لما نفر المكلفين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبهم في الآخرة بقوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ ومثله ما روي عن النبي أنه قال: "سيد بنى داراً وصنع مائدة وأرسل داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل ورضي عنه السيد، ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد، فالله السيد والدار دار السلام والمائدة الجنة والداعي محمد " وعنه : "ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثلقين أيها الناس هلموا إلى ربكم والله يدعو إلى دار السلام" واتفقوا على أن دار السلام هي الجنة واختلفوا في سبب التسمية.
فقيل: لأن السلام هو الله والجنة داره فالإضافة للتشريف، وإنما أطلق اسم السلام عليه لأنه سلم من الفناء والتغير ومن جميع سمات النقص والحدوث ومن الظلم والعجز والجهل وهو القادر على تخليص المضطرين عن المكاره والآفات، وكفى بدار أضافها الله لنفسه فضلاً وشرفاً وبهجة وسروراً.
وقيل: سميت دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات والمخافات.
وقيل: لفشوّ السلام بينهم ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ﴾ ﴿ سلام قولاً من رب رحيم ﴾ واعلم أن الدعوة عامة ولكن الهداية خاصة فلذلك قال ﴿ ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ ومن هنا ذهب أهل السنة إلى أن الهداية والضلالة والخير والشر كلها بمشيئة الله وإرادته.
وقالت المعتزلة: المراد ويهدي من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة ويعنون أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن الله يهديه إليها.
والمراد من الهداية الألطاف، ثم قسم أهل الدعوة إلى قسمين وبين حال كل طائفة فقال: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ولا بد من تفسير هذه الألفاظ الثلاثة: فعن ابن عباس أحسنوا أي ذكروا كلمة لا إله إلا الله، وذهب غيره إلى أن المراد إتيان الطاعات واجتناب المنهيات لأن الدرجات العالية لا تليق إلا بهم.
وأما الحسنى فقال في الكشاف: المراد المثوبة الحسنى.
وقال ابن الأنباري: العرب توقع هذه اللفظة على الخلة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها، ولذلك ترك موصوفها.
وأما الزيادة فحملها أهل السنة على رؤية الله لأن اللام في الحسنى للمعهود بين المسلمين من المنافع التي أعدها الله لعباده، فالزيادة عليها تكون مغايرة لها فما هي إلا الرؤية.
وقالت المعتزلة: الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله بعد تسليم جوازها ليست من جنس نعيم الجنة، فالمراد بها ما يزيد على المثوبة من التفضل كقوله: ﴿ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ﴾ وزيف بأن الزيادة إذا كان المزيد عليه مقدراً بمقدار معين وجب أن يكون من جنسه كما لو قال الرجل لغيره: أعطيتك عشرة أمنان من الحنطة وزيادة.
أما إذا كان غير مقدر كما لو قال: أعطيتك الحنطة زيادة.
لم يجب أن تكون الزيادة من جنس المزيد عليه.
والمذكور في الآية لفظة الحسنى وهي الجنة وإنها مطلقة، فالزيادة عليها شيء مغاير لكل ما في الجنة.
وعن علي : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة.
وعن ابن عباس: الحسنى الجنة والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
وعن مجاهد: مغفرة من الله ورضوان.
وعن يزيد بن سمرة: هي أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم.
هذا شأن المنافع الحاصلة لهم، وأما أنها منافع خالصة عن الكدورات فأفاد ذلك بقوله: ﴿ ولا يرهق ﴾ أي لا يغشى ﴿ وجوههم قتر ﴾ غبرة فيها سواد ﴿ ولا ذلة ﴾ ولا أثر هوان وكسوف بال.
ثم أشار إلى كون تلك المنافع الخالصة آمنة من الانقطاع بقوله: ﴿ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ وهذا معنى قول علماء الأصول "الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم" ثم بين حال الفريق الآخر بقوله: ﴿ والذين ﴾ أي وجزاء الذين ﴿ كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ﴾ أي جزاؤهم أن تجازى سيئة واحد بسيئة مثلها لا يزاد عليها.
ومن جوز العطف على عاملين مختلفين جوز أن يكون التقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها.
قالت المعتزلة: وفيه دليل على أن المراد بالزيادة في الآية المتقدمة الفضل، لأنه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله فناسب أن يكون قد دل هناك بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله.
﴿ وترهقهم ذلة ﴾ فإنهم حين ماتوا ناقصين خالين عن الملكات الحميدة كان شعورهم بذلك سبباً لذلهم وهوانهم على أنفسهم، وهذا على قاعدة حكماء الإسلام أن الجهل سواد وظلمة كما أن العلم والمعرفة بياض ونور ومنه قول الشبلي : كل بيت أنت ساكنه *** غير محتاج إلى السرج ومريض أنت عائده *** قد أتاه الله بالفرج ﴿ ما لهم من الله من عاصم ﴾ أي لا يعصمهم أحد من عذابه وسخطه، أو ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما للمؤمنين.
والتحقيق أنه لا عاصم من الله لأحد في الدنيا ولا في الآخرة إلا بإذن الله إلا أن هذا المعنى في الآخرة أظهر كقوله: ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ ثم بالغ في الكشف عن سواد وجوههم فقال: ﴿ كأنما أغشيت ﴾ أي ألبست ﴿ وجوههم قطعاً من الليل ﴾ من قرأ بسكون الطاء فمعناه البعض والطائفة و ﴿ مظلماً ﴾ صفته.
ومن قرأ بفتحها على أنه جمع قطعه فمظلماً حال من الليل والعامل فيه إما معنى الفعل في ﴿ من الليل ﴾ أو ﴿ أغشيت ﴾ لأن قوله: ﴿ من الليل ﴾ صفة لقوله: ﴿ قطعاً ﴾ فكان إفضاء العامل إلى الموصوف كإفضائه الى الصفة قاله في الكشاف.
واعلم أن جمعاً من العلماء ذهبوا إلى أن المراد بقوله: ﴿ والذين كسبوا السيئات ﴾ هم الكفار لأن سواد الوجه من علامات الكفر بدليل قوله: ﴿ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ وقوله: ﴿ ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة ﴾ ولقوله بعدها ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والضمير عائد إلى ﴿ هؤلاء ﴾ .
ثم إنه وصفهم بالشرك.
وقال الآخرون: اللفظ عام يتناول الكافر والفاسق إلا أن الآيات المذكورة مخصصة.
ثم شرع بعض أحوال المشركين في القيامة فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ منصوب بإضمار "اذكر" أو ظرف متعلق بتبلو أي في يوم كذا تبلو كل نفس.
وحاصل الكلام أنه يحشر العابد والمعبود ليسألوا فيتبرأ المعبود من العابد خلاف ما كانوا يزعمون من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
وفيه إشارة إلى أن الممكن لا نسبة له إلى الواجب الحق، فإذا اتخذ الممكن معبوداً برىء من ذلك في مقام لا ينفع إلا الصدق.
قال في الكشاف: ﴿ مكانكم ﴾ أي الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما نفعل بكم.
وعند أبي علي هو اسم من أسماء الأفعال وحركته حركة بناء وهو كلمة وعيد عند العرب.
و ﴿ أنتم ﴾ لتأكيد الضمير في ﴿ مكانكم ﴾ لسده مسد قوله: "الزموا".
﴿ وشركاؤكم ﴾ عطف عليه.
﴿ فزيلنا بينهم ﴾ ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم في الدنيا.
قيل: عين الكلمة "واو" لأنه من زال يزول.
وإنما قلبت ياء لأن وزن الكلمة "فيعل" أي زيولنا مثل بيطره أعل إعلال سيد.
وقيل: هي من زلت الشيء أزيله، فعينه على هذا ياء والوزن "فعل" ونظير زيلنا قوله: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف ﴾ لأن حكم الله بأنه سيكون كالكائن ﴿ وقال شركاؤهم ﴾ في صحة هذه الإضافة وجوه منها: أنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام فهم شركاؤهم.
ومنها أنهم متشاركون في الخطاب في قوله: ﴿ مكانكم ﴾ ومنها أنهم أثبتوا هذه الشركة والشركاء.
وقيل: هم الملائكة لقوله: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾ وقيل: كل من عبد من دون الله.
وقيل: الأصنام لأن هذا الخطاب مشتمل على التهديد وأنه لا يليق بالملائكة المقربين.
وكيف تنطق هذه الأصنام؟
وقيل: لأن الله يخلق فيهم الحياة والعقل والنطق.
ثم هل يبقيهم أو يفنيهم؟
الكل محتمل ولا اعتراض لأحد عليه.
وقيل: يخلق فيهم الكلام فقط.
وهذا الخطاب تهديد في حق العابدين فهل يكون تهديداً في حق المعبودين؟
قالت المعتزلة لا، لأنه لا ذنب للمعبودين ومن لا ذنب له يقبح من الله تهديده وتخويفه.
وقالت الأشاعرة: لا يسأل عما يفعل.
أما قول الشركاء ﴿ ما كنتم إيانا تعبدون ﴾ وهم كانوا قد عبدوهم فالمراد أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا لقولهم: ﴿ فكفى بالله شهيداً ﴾ الآية.
ومن أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها ولا شعور.
وقيل: لما في ذلك الموقف من الدهشة والحيرة فذلك الكذب يجري مجرى كذب الصبيان والمجانين والمدهوشين.
وقيل: إنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزناً فجعلوها كالعدم.
وقيل: المراد أنهم عبدوا الشياطين حيث أمروهم باتخاذ الأنداد، ومن جوز الكذب في القيامة فلا إشكال.
و ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان.
﴿ تبلوا كل نفس ﴾ تختبر وتذوق ﴿ ما أسلفت ﴾ من العمل.
ومن قرأ بالنون فالمعنى نفعل بها فعل الخابر، أو نصيب بالبلاء وهو العذاب كل نفس عاصية لأجل ما أسلفت من الشر.
ومن قرأ ﴿ تتلو ﴾ بتائين فمعناه تتبع ما أسفلت لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار.
أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر.
﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ الصادق ربوبيته ﴿ وضل عنهم ﴾ وضاع عنهم ﴿ ما كانوا ﴾ يدعون أنهم شركاء الله أو ما كانوا يختلفون من شفاعة الآلهة.
والحاصل أنهم يرجعون عن الباطل ويعترفون بالحق حين لا ينفعهم ذلك.
التأويل: ﴿ وإذا أذقنا الناس ﴾ ذوق توبة وإنابة أو ذوق كشف وشهود ﴿ من بعد ضراء ﴾ وهي الفسوق والأخلاق الذميمة وحجب الأوصاف ﴿ إذا لهم مكر في آياتنا ﴾ بإظهارها إلى غير أهلها بشرف النفس وطلب الجاه والقبول.
﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ فيستدرجهم عن تلك المقامات إلى دركات البعد ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ في بر البشرية وبحر الروحانية، أو في بر العبودية وبحر الربوبية ﴿ حتى إذا كنتم ﴾ في فلك جذبات العناية ﴿ وجرين بهم ﴾ بهبوب نسيم شهود الجمال ﴿ وفرحوا ﴾ بالوصول والوصال ﴿ جاءتها ﴾ نكباء تجلى صفات الجلال ﴿ وجاءهم ﴾ موج البلايا والمحن من أماكن النعم والبلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ فلما أنجاهم ﴾ فيه إشارة إلى أن أرباب الطلب لما وصلوا بجذبات الحق إلى شهود الجمال واستغراق لجج بحر الجلال، استقبلتهم عواصف العزة والكبرياء فيستدرجهم إلى البغي وهو الطلب في أرض ما سوى الحق غير الحق ﴿ كماء أنزلناه ﴾ من سماء القلب إلى أرض البشرية ﴿ فاختلط به ﴾ الصفات المولدة من أرض البشرية ﴿ مما يأكل الناس والأنعام ﴾ من الصفات الحميدة الإنسانية والذميمة البهيمية ﴿ أتاها ﴾ حكمنا الأزلي ﴿ ليلاً ﴾ عند استيلاء ظلمات صفات النفس ﴿ أو نهاراً ﴾ عند بقاء ضوء الفيض الروحاني، لكنه بامتزاج القوة الخيالية والوهمية وقع في ورطة العقائد الباطلة كما لبعض الفلاسفة والمبتدعة.
﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ وهي مقام الفناء لأن صاحبه يسلم عن آفات الحجب أو مقام العلم والمعرفة لأن صاحبه يسلم عن آفة الأثنينية والجهالة ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ بجذبات العناية ﴿ إلى صراط مستقيم ﴾ يؤدي إلى السير بالله في الله.
﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، والحسنى هي شواهد الحق والنظر إليه، والزيادة الجنة وما فيها من النعيم أو هي ما زاد على النظر من إفناء الناسوتية في اللاهوتية والله ولي التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا ﴾ : جزاء سيئة مما يوجبه الحكمة أن يجزي بمثلها، وأما جزاء الإحسان والخير طريق وجوبه [الإفضال والإحسان ليس طريق وجوبه] الحكمة، إذ سبق من الله، إلى كل أحد من النعم ما ليس في وسعه القيام بمكافأة واحدة منها عمره وإن طال واجتهد كل جهده، فضلا أن يستوجب قبله جزاء ما كان منه من الخيرات.
وقوله: ﴿ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ : هو ما ذكرنا من آثار السيئات التي عملوها في الدنيا ذلا وهواناً لهم ﴿ مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾ ، وذلك أنهم - والله أعلم - كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن يكونوا [لهم شفعاء] عند الله، فأخبر أن ليس لهم من عذاب الله مانع يمنع ذلك عنهم؛ كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ قيل: ألبست وأغطيت قطعاً مثقلا ومخففا قطعا، قيل: القطع بالتثقيل هو جمع القطعة، والقطع بالتخفيف جزء من الليل، يقال: سرنا بقطع من الليل، أي: بجزء من الليل، وقوله: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ ﴾ أي: بجزء منه، والله أعلم.
ثم شبه وجوههم بظلمة الليل، ولم يشبه بسواد الوجوه على ما يكون من سواد الوجوه في الدنيا؛ فذلك - والله أعلم - أن سواد الوجوه على ما يكون في الدنيا لا يبلغ من القبح غايته؛ إذ قد يرغب من كان جنسه ونوعه في ذلك ويحسن ذلك عنده، فإذا كانت الرغبة قد تقع لبعضهم في بعض لم يبلغ في القبح نهايته، وأما ظلمة الليل: فإن الطباع تنفر عنها، ولا تقع الرغبة فيها بحال؛ لذلك شبه وجوه أهل النار بها، والله أعلم.
﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ : قال أهل التأويل: يعني العابد والمعبود الذين عبدوا دونه، ولكن نحشر الخلائق جميعاً.
﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ﴾ هذا الحرف هو حرف وعيد؛ يقال: مكانك أنت، كذا وإن كان هذا الحرف يجوز أن يستعمل في الكرامات وبر بعضهم بعضا، ولكن إنما يعرف ذا من ذا بالمقدمات، فما تقدم هاهنا يدل أنه لم يرد به الكرامة، ولكن أراد به الوعيد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ قيل: فرقنا بينهم [وميزنا بينهم]، أي: بين العابد والمعبود.
ثم يحتمل التفريق بينهم وجوهاً: أحدها: فرقنا بينهم في الحساب مما عمل ومما صحب.
والثاني: يحتمل فرقنا بينهم لما طمعوا بعبادتهم إياها والشفاعة أن يكونوا لهم شفعاء عند الله، ففرق بينهم في الشفاعة.
ويحتمل فرقنا بينهم فيما ضل عنهم ما كانوا يفترون، فصار ما عبدوا ترابا وهم في النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ ﴾ : يحتمل قوله: شركاؤهم: سماهم شركاء وإن لم يكونوا [شركاء في الحقيقة] لما عندهم أنهم شركاء؛ كما سمى الأصنام آلهة لما عندهم أنها آلهة.
والثاني: ﴿ شُرَكَآؤُهُمْ ﴾ لما أشركوها في العبادة فهم شركاؤهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ : ينطق الله [يوم القيامة هذه الأصنام] وإن لم يكن في خلقتها النطق في الدنيا؛ كقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...
﴾ الآية [النور: 24]، أنطقهم ليشهدوا عليهم.
وقوله: ﴿ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ : يحتمل الملائكة أن يكونوا هم الذين أنكروا؛ لأن منهم من يعبد الملائكة، أنكروا أن يكونوا يعبدونهم؛ لأن العبادة لآخر إنما تكون عبادة إذا كان من المعبود أمر بها، وكانت عبادتهم الأصنام عبادة للشيطان لأنه هو الآمر لهم بالعبادة للأصنام؛ كقوله: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنه لما كان الآمر لهم بالعبادة للأصنام صار كأنهم عبدوه، وإن لم يقصدوه بها ويحتمل ما ذكر من الإنكار من الأصنام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ أي: كفى الله القاضي والحاكم بيننا وبينكم أنا لم نأمركم بعبادتنا، وهو العالم بأنا كنا بعبادتكم إيانا غافلين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ قيل: عند ذلك، وقيل: يومئذ أي يوم القيامة.
وقوله: ﴿ تَبْلُواْ ﴾ أو ﴿ تَتْلُواْ ﴾ بالباء والتاء، قيل: تقرأ في الصحف: "ما كتب من أعمالهم" وتبلو بالباء من الابتلاء، يقال: بلوته وابتليته واحد، وخبرته واختبرته أيضاً، وقيل: ﴿ تَبْلُواْ ﴾ تجد وتعلم كل نفس ما قدمت من الأعمال [وقيل: تجزى كل نفس بما عملت.
وقيل: ﴿ تَتْلُواْ ﴾ بالتاء أيضاً: تتبع، كل نفس ما قدمت من الأعمال] والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ﴾ قيل: ملكهم الحق لأن غيره من الآلهة التي عبدوها قد بطل عنهم وضل في الآخرة.
ويحتمل: ﴿ وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ﴾ أي: حق ما تجد كل نفس ما قدمت من أعمالها، أو حق أن تقرأ كل نفس ما عملت وضل عنهم ما كانوا يفترون من العبادة للأصنام وقول الكفر، وقوله: ﴿ وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل وجهين؛ أي: ردوا إلى ما أعدّ لهم مولاهم الحق، والثاني أي: ردوا إلى أمر مولاهم الحق، لا إلى أمر الأصنام التي كانوا يعبدونها.
<div class="verse-tafsir"
هنا تتبرأ منهم آلهتهم التي عبدوها من دون الله قائلة: فالله شاهد -وكفى به- أنّا لم نرض بعبادتكم لنا، ولم نأمركم بها، وأنا لم نشعر بعبادتكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.Nmqnj"