الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٥٠ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 49 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥٠ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
فقال : ( قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ) أي : ليلا أو نهارا ، ( ماذا يستعجل منه المجرمون)
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: أرأيتم إن أتاكم عذاب الله بياتًا، يقول: ليلا أو نهارا، (11) وجاءت الساعة وقامت القيامة ، أتقدرون على دفع ذلك عن أنفسكم؟
يقول الله تعالى ذكره: ماذا يستعجلُ من نـزول العذاب، (12) المجرمون الذين كفروا بالله، وهم الصالون بحرِّه دون غيرهم، ثم لا يقدرون على دفعه عن أنفسهم؟
----------------------- الهوامش : (11) انظر تفسير " البيات " فيما سلف 12 : 299 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(12) انظر تفسير " الاستعجال " فيما سلف ص : 33 .
قوله تعالى قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون قوله تعالى قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ظرفان ، وهو جواب لقولهم : متى هذا الوعد وتسفيه لآرائهم في استعجالهم العذاب ; أي إن أتاكم العذاب فما نفعكم فيه ، ولا ينفعكم الإيمان حينئذ .ماذا يستعجل منه المجرمون استفهام معناه التهويل والتعظيم ; أي ما أعظم ما يستعجلون به ; كما يقال لمن يطلب أمرا يستوخم عاقبته : ماذا تجني على نفسك!
والضمير في منه قيل : يعود على العذاب ، وقيل : يعود على الله سبحانه وتعالى .
قال النحاس : إن جعلت الهاء في منه تعود على العذاب كان لك في ماذا تقديران : أحدهما أن يكون " ما " في موضع رفع بالابتداء ، و " ذا " : بمعنى الذي ، وهو خبر " ما " والعائد محذوف .
والتقدير الآخر أن يكون ماذا اسما واحدا في موضع رفع بالابتداء ، والخبر في الجملة ، قاله الزجاج .
وإن جعلت الهاء في منه تعود على اسم الله تعالى [ ص: 261 ] جعلت " ما " ، و " ذا " شيئا واحدا ، وكانت في موضع نصب ب يستعجل ; والمعنى : أي شيء يستعجل منه المجرمون عن الله عز وجل .
يقول تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا} وقت نومكم بالليل {أَوْ نَهَارًا} في وقت غفلتكم {مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} أي: أي بشارة استعجلوا بها؟ وأي عقاب ابتدروه؟.
قوله تعالى : ( قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا ) ليلا ( أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون ) أي : ماذا يستعجل من الله المشركون .
وقيل : ماذا يستعجل من العذاب المجرمون ، وقد وقعوا فيه؟
وحقيقة المعنى : أنهم كانوا يستعجلون العذاب ، فيقولون : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " ( الأنفال - 32 ) .
فيقول الله تعالى : ( ماذا يستعجل ) يعني : أيش يعلم المجرمون ماذا يستعجلون ويطلبون ، كالرجل يقول لغيره وقد فعل قبيحا ماذا جنيت على نفسك .
«قل أرأيتم» أخبروني «إن أتاكم عذابه» أي الله «بياتا» ليلا «أو نهارا ماذا» أيُّ شيء «يستعجل منه» أي العذاب «المجرمون» المشركون، فيه وضع الظاهر موضع المضمر، وجملة الاستفهام جواب الشرط: كقولك إذا أتيتك ماذا تعطيني، والمراد به التهويل أي ما أعظم ما استعجلوه.
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أخبروني إن أتاكم عذاب الله ليلا أو نهارًا، فأي شيء تستعجلون أيها المجرمون بنزول العذاب؟
ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من الأجوبة التي لقنها الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لكي يرد بها على المشركين الذين تعجلوا العذاب كما صورت أحوالهم عندما يرون العذاب ، فقال - تعالى - :( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً .
.
.
)قوله " أرأيتم " بمعنى أخبروني .
وكلمة أرأيت تستعمل فى القرآن للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل ، فهو استفهام للتنبيه مؤداه : أرأيت كذا أو عرفته؟
إن لم تكن أبصرته أو عرفته فانظره وتأمله وأخبرني عنه .ولما كانت الرؤية للشيء سببا لمعرفته وللإِخبار عنه ، أطلق السبب وأريد المسبب فهو مجاز مرسل علاقته السببية والمسببية .وقوله : بياتا أى : ليلا ، ومنه البيت لأنه يبات فيه .
يقال : بات يبيت بيتا وبياتا .وقوع العذاب سواء أكان بالليل أم بالنهار لا يمكن دفعه ، ولا يمكن أن يتعجله عاقل ، لأنه - كما يقول صاحب الكشاف - : كل مكروه ، مر المذاق ، موجب للنفار منه ، فكيف ساغ لكم أن تستعجلوا نزول شيء فيه هلاككم ومضرتكم؟!!وقال - سبحانه - ( بياتا ) ولم يقل ليلا ، للإِشعار بمجئ العذاب فى وقت غفلتهم ونومهم بحيث لا يشعرون به ، فهم قد يقضون جانبا من الليل فى اللهو واللعب ، ثم ينامون فيأتيهم العذاب فى هذا الوقت الذى هجعوا فيه .فالآية الكريمة توبيخ لهم على استعجالهم وقوع شيء من شأن العقلاء أنهم يرجون عدم وقوعه .ولذا قال القرطبي : " قوله : ( مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون ) استفهام معناه التهويل والتعظيم .
أى : ما أعظم ما يستعجلون به .
كما يقال لمن يطلب أمرا تستوخم عاقبته : ماذا تجني على نفسك " .وجواب الشرط لقوله : ( إِنْ أَتَاكُمْ .
.
.
) محذوف والتقدير : إن أتاكم عذابه فى أحد هذين الوقتين أفزعكم وأهلككم فلماذا تستعجلون وقوع شيء هذه نتائجه؟وقد ذكر صاحب الكشاف وجها خر بعد أن ذكر هذا الوجه فقال : فإن قلت : فهلا قيل ماذا يستعجلون منه؟
قلت : أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإِجرام ، لأن من شأن المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه ، ويهلك فزعا من مجيئه ون أبطأ - فضلا عن أن يستعجله - ويجوز أن يكون ( مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون ) جوابا للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني .
اعلم أن هذه الشبهة الخامسة من شبهات منكري النبوة فإنه عليه السلام كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب، قالوا متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، واحتجوا بعدم ظهوره على القدح في نوبته عليه السلام، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أن قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد ﴾ كالدليل على أن المراد مما تقدم من قوله: ﴿ قُضِىَ بَيْنَهُمْ بالقسط ﴾ القضاء بذلك في الدنيا، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في الدار الآخرة، لأن الحال في الآخرة حال يقين ومعرفة لحصول كل وعد ووعيد وإلا ظهر أنهم إنما قالوا ذلك على وجه التكذيب للرسول عليه السلام فيما أخبرهم من نزول العذاب للأعداء والنصرة للأولياء أو على وجه الاستبعاد لكونه محقاً في ذلك الإخبار، ويدل هذا القول على أن كل أمة قالت لرسولها مثل ذلك القول بدليل قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ وذلك لفظ جمع وهو موافق لقوله: ﴿ وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ﴾ ثم إنه تعالى أمره بأن يجيب عن هذه الشبهة بجواب يحسم المادة وهو قوله: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء الله ﴾ والمراد أن إنزال العذاب على الأعداء وإظهار النصرة للأولياء لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه، وأنه تعالى ما عين لذلك الوعد والوعيد وقتاً معيناً حتى يقال: لما لم يحصل ذلك الموعود في ذلك الوقت، دل على حصول الخلف فكان تعيين الوقت مفوضاً إلى الله سبحانه، إما بحسب مشيئته وإلهيته عند من لا يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح، وإما بحسب المصلحة المقدرة عند من يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح، ثم إذا حضر الوقت الذي وقته الله تعالى لحدوث ذلك الحادث فإنه لابد وأن يحدث فيه، ويمتنع عليه التقدم والتأخر.
المسألة الثانية: المعتزلة احتجوا بقوله: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء الله ﴾ فقالوا: هذا الاستثناء يدل على أن العبد لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً إلا الطاعة والمعصية، فهذا الاستثناء يدل على كون العبد مستقلا بهما.
والجواب: قال أصحابنا: هذا الاستثناء منقطع، والتقدير: ولكن ما شاء الله من ذلك كائن.
المسألة الثالثة: قرأ ابن سيرين ﴿ فإذا جاء أجلهم ﴾ المسألة الرابعة: قوله: ﴿ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ يدل على أن أحداً لا يموت إلا بانقضاء أجله، وكذلك المقتول لا يقتل إلا على هذا الوجه، وهذه مسألة طويلة وقد ذكرناها في هذا الكتاب في مواضع كثيرة.
المسألة الخامسة: أنه تعالى قال هاهنا: ﴿ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ فقوله: ﴿ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ ﴾ شرط وقوله: ﴿ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ جزاء والفاء حرف الجزاء، فوجب إدخاله على الجزاء كما في هذه الآية، وهذه الآية تدل على أن الجزاء يحصل مع حصول الشرط لا متأخراً عنه وأن حرف الفاء لا يدل على التراخي وإنما يدل على كونه جزاء.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا قال الرجل لامرأة أجنبية إن نكحتك فأنت طالق قال الشافعي رضي الله عنه: لا يصح هذا التعليق، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يصح، والدليل على أنه لا يصح أن هذه الآية دلت على أن الجزاء إنما يحصل حال حصول الشرط، فلو صح هذا التعليق لوجب أن يحصل الطلاق مقارناً للنكاح، لما ثبت أن الجزاء يجب حصوله مع حصول الشرط، وذلك يوجب الجمع بين الضدين، ولما كان هذا اللازم باطلاً وجب أن لا يصح هذا التعليق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ متى هذا الوعد ﴾ استعجال لما وعدوا من العذاب استبعاداً له ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا ﴾ من مرض أو فقر ﴿ وَلاَ نَفْعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إِلاَّ مَا شَاء الله ﴾ استثناء منقطع: أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف أملك لكم الضرر وجلب العذاب؟
﴿ لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ يعني أن عذابكم له أجل مضروب عند الله وحدّ محدود من الزمان ﴿ إِذَا جَاء ﴾ ذلك الوقت أنجز وعدكم لا محالة، فلا تستعجلوا.
وقرأ ابن سيرين: ﴿ فإذا جاء آجالهم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ اسْتِبْعادًا لَهُ واسْتِهْزاءً بِهِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ خِطابٌ مِنهم لِلنَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ فَكَيْفَ أمْلِكُ لَكم فَأسْتَعْجِلَ في جَلْبِ العَذابِ إلَيْكم.
﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ أنْ أمْلِكَهُ أوْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ.
﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ مَضْرُوبٌ لِهَلاكِهِمْ.
﴿ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ لا يَتَأخَّرُونَ ولا يَتَقَدَّمُونَ فَلا تَسْتَعْجِلُونَ فَسَيَحِينُ وقْتُكم ويُنْجَزُ وعْدُكم.
<div class="verse-tafsir"
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)
{قل أرأيتم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ} الذي تستعجلونه {بَيَاتًا} نصب على الظرف أي وقت بيات وهو الليل وأنتم ساهون نائمون لا تشعرون {أَوْ نَهَارًا} وانتم مشتغلون بطلب
يونس (٥٠ _ ٥٥)
المعاش والكسب {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون} أي من العذاب والمعنى أن العذاب كله مكروه موجب للنفور فأي شيء تستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال والاستفهام في ماذا يتعلق بأرأيتم لأن المعنى أخبرونى ماذا يتعلق بأرأيتم لأن المعنى أخبرونى ماذا يستعجل منه المجرموون وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه ولم يقل ماذا يستعجلون منه لأنه أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام أو ماذا يستعجل منه المجرمون جواب الشرط نحو إن أتيتك ماذا تطعمنى ثم تتعلق الجملة بأرأيتم أو
﴿ قُلْ ﴾ لَهم بَعْدَما بَيَّنْتُ لَهم كَيْفِيَّةَ حالِكَ وجَرَيانَ سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى فِيما بَيْنَ الأُمَمِ عَلى الإطْلاقِ ونَبَّهْتُهم عَلى أنَّ عَذابَهم أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَحْتُومٌ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى مَجِيءِ أجَلِهِ المَعْلُومِ إيذانًا بِكَمالِ دُنُوِّهِ وتَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ إتْيانِهِ حَقِيقَةً ﴿ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ ﴾ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ولَعَلَّ اسْتِعْمالَ ﴿ إنْ ﴾ مِن بابِ المُجاراةِ ﴿ بَياتًا ﴾ أيْ وقْتَ بَياتٍ أوْ ﴿ نَهارًا ﴾ أيْ عِنْدَ اشْتِغالِكم بِمَشاغِلِكم وإنَّما لَمْ يَقُلْ لَيْلًا ونَهارًا لِيَظْهَرَ التَّقابُلُ لِأنَّ المُرادَ الإشْعارُ بِالنَّوْمِ والغَفْلَةِ والبَياتُ مُتَكَفِّلٌ بِذَلِكَ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يَبِيتُ فِيهِ العَدُوُّ ويُوقَعُ فِيهِ ويَغْتَنِمُ فُرْصَةَ غَفْلَتِهِ ولَيْسَ في مَفْهُومِ اللَّيْلِ هَذا المَعْنى ولَمْ يَشْتَهِرْ شُهْرَةَ النَّهارِ بِالِاشْتِغالِ بِالمَصالِحِ والمَعاشِ حَتّى يَحْسُنَ الِاكْتِفاءُ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ كَما في النَّهارِ وقَدْ يُقالُ: النَّهارُ كُلُّهُ مَحَلُّ الغَفْلَةِ لِأنَّهُ إمّا زَمانُ اشْتِغالٍ بِمَعاشٍ أوْ زَمانُ قَيْلُولَةٍ بِخِلافِ اللَّيْلِ فَإنَّ مَحَلَّ الغَفْلَةِ فِيهِ ما قارَبَ وسَطَهُ وهو وقْتُ البَياتِ فَلِذا خُصَّ بِالذِّكْرِ والبَياتُ جاءَ بِمَعْنى البَيْتُوتَةِ وبِمَعْنى التَّبْيِيتِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ والمَعْنى المُرادُ هُنا مَبْنِيٌّ عَلى هَذا ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ 50﴾ أيْ أيَّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ يُوجِبُ الِاسْتِعْجالَ لَمّا أنَّ كُلَّهُ مَكْرُوهٌ مُرُّ المَذاقِ مُوجِبٌ لِلنِّفارِ فَمِن لِلتَّبْعِيضِ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ والتَّنْكِيرُ في شَيْءٍ لِلْفَرْدِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى التَّعَجُّبِ وهو مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ كَأنَّهُ قِيلَ: أيْ هَوْلٌ شَدِيدٌ يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ فَمِن بَيانِيَّةٌ وتَجْرِيدِيَّةٌ بِناءً عَلى عَدِّ الزَّمَخْشَرِيِّ لَها مِنها وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى وعَلَيْهِ فالمَعْنى عَلى الثّانِي ولَكِنْ تَزُولُ فائِدَةُ الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ وما فِيهِ مِنَ التَّفْخِيمِ وما قِيلَ: إنَّهُ أبْلَغُ عَلى مَعْنى هَلْ تَعْرِفُونَ ما العَذابُ المُعَذِّبُ بِهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ (1) فَهو مُشْتَرَكٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَذابُهُ ﴾ و ﴿ ماذا ﴾ بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ مَنصُوبُ المَحَلِّ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا وهو أوْلى مِن جَعْلِهِ مُبْتَدَأً ومَن فَعَلَ قَدَّرَ العائِدَ ومَن قالَ: إنَّ ضَمِيرَ ﴿ مِنهُ ﴾ هو الرّابِطُ مَعَ تَفْسِيرِهِ بِالعَذابِ جَنَحَ إلى أنَّ المُسْتَعْجَلَ مِنَ العَذابِ فَهو شامِلٌ لِلْمُبْتَدَأِ فَيَقُومُ مَقامَ رابِطِهِ لِأنَّ عُمُومَ الخَبَرِ في الِاسْمِ الظّاهِرِ يَكُونُ رابِطًا عَلى المَشْهُورِ فَفي الضَّمِيرِ أوْلى وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُبْتَدَأِ وهو الرّابِطُ وجَعَلَ ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِكَ: زَيْدٌ أخَذْتُ مِنهُ دِرْهَمًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى والمُرادُ مِنَ المُجْرِمُونَ المُخاطَبُونَ وعُدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لِجُرْمِهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَفْزَعُوا مِن إتْيانِ العَذابِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَعْجِلُوهُ وقِيلَ: النُّكْتَةُ في ذَلِكَ إظْهارُهُ تَحْقِيرَهم وذَمَّهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ الفَظِيعَةِ والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرَأيْتُمْ عَلى أنَّها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وعُلِّقَ عَنْها الفِعْلُ لِلِاسْتِفْهامِ وهو في الأصْلِ اسْتِفْهامٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أوِ العِلْمِيَّةِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى أخْبِرُونِي لِما بَيْنَ الرُّؤْيَةِ والإخْبارِ مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبِّبِيَّةِ في الجُمْلَةِ فَهو مَجازٌ فِيما ذُكِرَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الكَثِيرُ وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ إلّا في الأمْرِ العَجِيبِ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ إنْ أتاكم عَذابُهُ في أحَدِ ذِينِكَ الوَقْتَيْنِ تَنْدَمُوا أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ أوْ فَأخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ وزَعَمَ أبُو حَيّانَ تَعَيُّنَ الأخِيرِ لِأنَّ الجَوابَ إنَّما يُقَدَّرُ مِمّا تَقَدَّمَهُ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا ولَمْ يَدْرِ أنَّ تَقْدِيرَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِ المَذْكُورِ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ ولَئِنْ سَلَّمَ صِحَّةَ الحَصْرِ الَّذِي ادَّعاهُ فَما ذَكَرَ غَيْرُ خارِجٍ عَنْهُ بِناءً عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ ﴿ ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ ﴾ إلَخْ تَنْدِيمُهم أوْ تَجْهِيلُهم كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وفِي الكَشْفِ تَقْرِيرًا لِأحَدِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ في الكَشّافِ أنَّ ﴿ ماذا ﴾ إلَخْ مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ والشَّرْطُ مَعَ جَوابِهِ المَحْذُوفِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الِاسْتِخْبارِ ولِهَذا وسُطَ بَيْنَهُما ولَمّا كانَ في الِاسْتِفْهامِ تَجْهِيلٌ وتَنْدِيمٌ قُدِّرَ الجَوابُ تَنْدَمُوا أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ ولا مانِعَ مِن تَقْدِيرِهِما مَعًا أوْ ما يُفِيدُ المَعْنَيَيْنِ ولِهَذا حُذِفَ الجَوابُ ووُسِّطَ تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ انْتَهى وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿ ماذا يَسْتَعْجِلُ ﴾ جَوابًا لِلشَّرْطِ كَقَوْلِكَ: إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي والمَجْمُوعُ بِتَمامِهِ مُتَعَلِّقٌ بِأرَأيْتُمْ ورُدَّ بِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ تَقُولُ: إنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ رَجُلٍ هو ولا تُحْذَفُ إلّا ضَرُورَةً وقَدْ صُرِّحَ في المُفَصَّلِ بِأنَّ الجُمْلَةَ إذا كانَتْ إنْشائِيَّةً لا بُدَّ مِنَ الفاءِ مَعَها والِاسْتِفْهامُ وإنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ حَقِيقَتُهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الإنْشائِيَّةِ والمِثالُ مَصْنُوعٌ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وأُجِيبُ بِأنَّ الرَّضِيَّ صَرَّحَ بِأنَّ وُقُوعَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ جَوابًا بِدُونِ الفاءِ ثابِتٌ في كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ ولَوْ سَلِمَ ما ذُكِرَ فَيُقَدَّرُ القَوْلُ وحَذْفُهُ كَثِيرٌ مُطَّرِدٌ بِلا خِلافٍ وأوْرَدَ أيْضًا عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ اسْتِعْجالَ العَذابِ قَبْلَ إتْيانِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ وجَزاءً لَهُ وأُجِيبُ بِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ حالٍ ماضِيَةٍ أيْ ماذا كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّصْرِيحِ - بِكُنْتُمْ - فِيما بَعْدُ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مُجَرَّدَ ذَلِكَ لا يُجَوِّزُ كَوْنَهُ جَوابًا لِأنَّ الِاسْتِعْجالَ الماضِيَ لا يَتَرَتَّبُ عَلى إتْيانِ العَذابِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ نَحْوَ تَعْلَمُوا أيْ تَعْلَمُوا ماذا إلَخْ وقِيلَ: إنْ أتاكم بِمَعْنى إنْ قارَبَ إتْيانُهُ إيّاكم أوِ المُرادُ إنْ أتاكم أماراتُ عَذابِهِ وقِيلَ: حَيْثُ إنَّ المُرادَ إنْكارُ الِاسْتِعْجالِ بِمَعْنى نَفْيِهِ رَأْسًا صَحَّ كَوْنُهُ جَوابًا واعْتُرِضَ عَلى جَعْلِ مَجْمُوعِ الشُّرْطِيَّةِ مُتَعَلِّقًا (بِأرَأيْتُمْ)بِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لَهُ بِناءً عَلى أنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي وهو مُتَعَدٍّ بِعْنَ ولا تَدْخُلُ الجُمْلَةُ إلّا أنَّها إذا اقْتَرَنَتْ بِالِاسْتِفْهامِ وقُلْنا بِجَوازِ تَعْلِيقِها وفِيهِ كَلامٌ في العَرَبِيَّةِ ودَفْعٌ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ بِالتَّعَلُّقِ التَّعَلُّقُ اللُّغَوِيُّ لِأنَّ المَعْنى أخْبِرُونِي عَنْ صَنِيعِكم إنْ أتاكم إلَخْ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ، يعني: لأهل كل دين رسول أتاهم، فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ، يعني: فأبلغهم فكذبوه قُضِيَ بَيْنَهُمْ وبين رسولهم بِالْقِسْطِ يعني: بالعدل وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يعني: لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً.
وقال مجاهد: فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ يعني: يوم القيامة، قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالعدل وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.
قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ، وهو قوله تعالى: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن العذاب ينزل بنا قُلْ يا محمد: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً، يعني: ليس في يدي دفع مضرة ولا جر منفعة، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.
إن يقويني عليه.
قال مقاتل: معناه قل: لا أملك لنفسي أن أدفع عنها سوءاً حين ينزل، ولا أن أسوق إليها خيراً إلا ما شاء الله فيصيبني، فكيف أملك على نزول العذاب بكم؟
وقال القتبي: الضُّر بضم الضاد، الشدة والبلاء، كقوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ [الأنعام: 17] وكقوله: ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ [النحل: 54] والضُّر بفتح الضاد ضد النفع، ومنه قوله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً [يونس: 49] يعني: قل لا أملك جر نفع ولا دفع ضَرَ.
ثم قال: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ يعني: وقتنا.
- ويقال: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ أي مهلة ويقال: أجل الموت (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .
<div class="verse-tafsir"
نفوسهم، وفي قوله: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ تهديدٌ ووعيد.
وقوله سبحانه: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ الآية فيها منابذةٌ ومتارَكَةٌ، قال كثير من المفسِّرين، منهم ابن زيد: هذه الآية منسوخةٌ بالقتال، وباقي الآية بيِّن.
وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ...
الآية: وعيدٌ بالحشر وخِزْيِهِم فيه، وتعارُفُهُمْ على جهة التلاؤمِ والخزْيِ من بَعْضِهِم لبعضٍ، حيث لا ينفع ذلك.
وقوله سبحانه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ...
إلى آخرها: حُكْمٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ على المكذِّبين بالخُسْران، وفي اللفظ إِغلاظٌ، وقيل: إِن هذا الكلام من كلام المحشُورِينَ، عَلى جهة التوبيخ لأنفسهم.
ت: والأول أبين.
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧)
وقوله: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ...
الآية: «إما» شرطٌ، وجوابه: فَإِلَيْنا، والرؤية في نُرِيَنَّكَ بصريةٌ، ومعنى هذه الآية: الوعيدُ بالرجوعِ إلى اللَّه تعالى، أي: إِنْ أَرَيْنَاكَ عقوبتهم، أو لم نُرِكَهَا، فهم عَلى كلِّ حال راجعُونَ إِلينا إلى الحسَابِ والعذابِ، ثم مع ذلك، فاللَّهُ شَهيدٌ من أوَّل تكليفهم عَلى جميعِ أَعمالهم، وَ «ثُمَّ» لترتيب الأَخبار/ لا لترتيب القصص في أنفسها، و «إِما» هي «إِنْ» ، زيدَتْ عليها «ما» ، ولأجلها جازَ دخُولُ النون الثقيلة، ولو كانت «إِنْ» وحدها، لم يجز.
ص: واعترض بأنَّ مذهب سيبَوَيْهِ «١» جوازُ دخولها، وإِن لم تَكُنْ «ما» انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ في القائِلِينَ هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الأُمَمُ المُتَقَدِّمَةُ، أخْبَرَ عَنْهم بِاسْتِعْجالِ العَذابِ لِأنْبِيائِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ أنْذَرَهم نَبِيُّنا ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.
وَفِي المُرادِ بِالوَعْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: العَذابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: قِيامُ السّاعَةِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أنْتَ وأتْباعُكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾ إخْبارٌ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ ﴿ قالُوا بَلى ﴾ ، وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ صُيِّرَ قَوْمٌ لِلْجَنَّةِ وقَوْمٌ لِلنّارِ، فَذَلِكَ القَضاءُ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُنْيا وبُعِثَ صارُوا مِن حَتْمِ اللهِ بِالعَذابِ لِقَوْمٍ والمَغْفِرَةِ لِآخَرِينَ لِغاياتِهِمْ، فَذَلِكَ قَضاءٌ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقَرَنَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ ، وذَلِكَ يَتَّفِقُ إمّا بِأنْ نَجْعَلَ "مُعَذِّبِينَ" في الآخِرَةِ، وإمّا بِأنْ نَجْعَلَ القَضاءَ بَيْنَهم في الدُنْيا بِحَيْثُ يَصِحُّ اشْتِباهُ الآيَتَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .
الضَمِيرُ في "يَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ الكَفّارُ، وسُؤالُهم عَنِ الوَعْدِ تَحْرِيرٌ بِزَعْمِهِمْ في الحُجَّةِ، أيْ: هَذا العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَنا حَدَّدَ لَنا فِيهِ وقْتَهُ لِنَعْلَمَ الصِدْقَ في ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهم هَذا عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَظْهَرُ مِنَ اللَفْظَةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ ﴾ ، المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ رَدًّا لِلْحُجَّةِ: إنِّي لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا مِن دُونِ اللهِ، ولا أنا إلّا في قَبْضَةِ سُلْطانِهِ وبِضِمْنِ الحاجَةِ إلى لُطْفِهِ، فَإذا كُنْتُ هَكَذا، فَأحْرى ألّا أعْرِفَ غَيْبَهُ ولا أتُعاصى شَيْئًا مِن أمْرِهِ، ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِلْمِ حَدِّهِ ووَقْتِهِ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ في مَوْتٍ أو هَلاكِ أُمَّةٍ لَمْ يَتَأخَّرُوا ساعَةً ولا أمْكَنَهُمُ التَقَدُّمُ عن حَدِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "آجالُهُمْ" بِالجَمْعِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ [يونس: 46]، والمناسبة أنه لما بيَّنت الآية السالفة أن تعجيل الوعيد في الدنيا لهم وتأخيره سواء عند الله تعالى، إذ الوعيد الأتم هو وعيد الآخرة، أتبعت بهذه الآية حكاية لتهكمهم على تأخير الوعيد.
وحُكي قولهم بصيغة المضارع لقصد استحضار الحالة، كقوله تعالى: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ [هود: 38] للدلالة على تكرر صدوره منهم، وأطلق الوعد على الموعود به، فالسؤال عنه باسم الزمان مُؤول بتقدير يدل عليه المقام، أي متى ظهوره.
والسؤال مستعمل في الاستبطاء، وهو كناية عن عدم اكتراثهم به وأنهم لا يأبهون به لينتقل من ذلك إلى أنهم مكذبون بحصوله بطريق الإيماء بقرينة قولهم: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أي إن كنتم صادقين في أنه واقع فعينوا لنا وقته، وهم يريدون أننا لا نصدقك حتى نرى ما وعدتنا كناية عن اعتقادهم عدم حلوله وأنهم لا يصدقون به.
والوعد المذكور هنا ما هددوا به من عذاب الدنيا.
والخطاب بقولهم: ﴿ إن كنتم ﴾ للرسول، فضمير التعظيم للتهكم كما في قوله: ﴿ وقالوا يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر إنَّك لمجنون ﴾ [الحجر: 6] وقولِه: ﴿ وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ﴾ [الفرقان: 7] وقوللِ أبي بكر بن الأسود الكناني ﴿ : يخَبّرنا الرسولُ بأنْ سنحْيَاوكيفَ حياة أصداء وهامِ ﴾ وهذا المحمل هو المناسب لجوابهم بقوله: ﴿ قل لا أملك ﴾ .
ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء وللمسلمين، جمعوهم في الخطاب لأن النبي أخبر به والمسلمين آمنوا به فخاطبوهم بذلك جميعاً لتكذيب النبي وإدخال الشك في نفوس المؤمنين به.
وإنما خص الرسول عليه الصلاة والسلام بالأمر بجوابهم لأنه الذي أخبرهم بالوعيد وأما المؤمنون فتابعون له في ذلك.
ومعنى: ﴿ لا أملك لنفسي ضَراً ولا نفعاً ﴾ : لا أستطيع، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضَراً ولا نفعاً ﴾ في سورة [العقود: 76].
وقدم الضر على النفع لأنه أنسب بالغرض لأنهم أظهروا استبطاء ما فيه مضرتهم وهو الوعيد ولأن استطاعة الضر أهون من استطاعة النفع فيكون ذكر النفع بعده ارتقاء.
والمقصود من جمع الأمرين الإحاطةُ بجنسي الأحوال.
وتقدم في سورة الأعراف وجه تقديم النفع على الضر في نظير هذه الآية.
وقوله: إلا ما شاء الله} استثناء منقطع بمعنى لكن، أي لكن نفعي وضري هو ما يشاءه الله لي.
وهذا الجواب يقتضي إبطال كلامهم بالأسلوب المصطلح على تلقيبه في فن البديع بالمذهب الكلامي، أي بطريق برهاني، لأنه إذا كان لا يستطيع لنفسه ضراً ولا نفعاً فعدم استطاعته ما فيه ضَر غيره بهذا الوعد أولى من حيث إن أقرب الأشياء إلى مقدرة المرء هو ما له اختصاص بذاته، لأن الله أودع في الإنسان قدرة استعمال قواه وأعضائه، فلو كان الله مقدراً إياه على إيجاد شيء من المنافع والمضار في أحوال الكون لكان أقرب الأشياء إلى إقداره ما له تعلق بأحوال ذاته، لأن بعض أسبابها في مقدرته، فلا جرم كان الإنسان مسيّراً في شؤونه بقدرة الله لأن معظم أسباب المنافع والمضار من الحوادث منوط بعضه ببعض، فموافقاته ومخالفاته خارجة عن مقدور الإنسان، فلذلك قد يقع ما يضره وهو عاجز عن دفعه.
فكان معنى الجواب: أن الوعد من الله لا مِني وأنا لا أقدر على إنزاله بكم لأن له أجلاً عند الله.
وجملة: ﴿ لكل أمة أجل ﴾ من المقول المأمور به، وموقعها من جملة: ﴿ لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً ﴾ موقع العلة لأن جملة ﴿ لا أملك لنفسي ﴾ اقتضت انتفاء القدرة على حلول الوعد.
وجملة: ﴿ لكل أمة أجل ﴾ تتضمن أن سبب عدم المقدرة على ذلك هو أن الله قدر آجال أحوال الأمم.
ومن ذلك أجل حلول العقاب بهم بحكمة اقتضت تلك الآجال فلا يحل العقاب بهم إلا عند مجيء في ذلك الأجل، فلا يقدر أحد على تغيير ما حدده الله.
وصورة الاستدلال بالطريق البرهاني أن قضية ﴿ لكل أمة أجل ﴾ قضية كلية تشمل كل أمة.
ولما كان المخاطبون من جملة الأمم كانوا مشمولين لحكم هذه القضية فكأنه قيل لهم: أنتم أمة من الأمم ولكل أمة أجل فأنتم لكم أجل فترقبوا حلوله.
وجملة: ﴿ إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾ صفة ل (أجل)، أي أجل محدود لا يقبل التغير.
وقد تقدم الكلام على نظيرها في سورة الأعراف.
و ﴿ إذا ﴾ في هذه الآية مشربة معنى الشرط، فلذلك اقترنت جُملة عاملها بالفاء الرابطة للجواب معاملة للفعل العامل في (إذا) معاملة جواب الشرط.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾ يَعْنِي نَبِيًّا يَدْعُوهم إلى الهُدى ويَأْمُرُهم بِالإيمانِ.
﴿ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ قُضِيَ بَيْنَهم لِيَكُونَ رَسُولُهم شاهِدًا عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ كَذَّبُوهُ في الدُّنْيا قَضى اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ في الآخِرَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُّنْيا واعِيًا بَعْدَ الإذْنِ لَهُ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ قَضى اللَّهُ بَيْنَهم بِتَعْجِيلِ الِانْتِقامِ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ يتعارفون بينهم ﴾ قال: يعرف الرجل صاحبه إلى جنبه فلا يستطيع أن يكلمه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا ﴾ الآية، هذا جواب لقولهم: متى هذا الوعد، وهذا استعجال منهم للعذاب (١) : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ ﴾ أي أعلمتم (٢) ﴿ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ ﴾ أي عذاب الله ﴿ بَيَاتًا ﴾ ، قال الزجاج: البيات: كل ما كان بليل، وهو منصوب على الوقت (٣) (٤) ﴿ أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ \[يجوز أن يكون (ماذا) اسمان، فيكون (ما) استفهامًا، و (ذا) بمعنى (الذي)، ويكون المعنى ما الذي يستعجل منه المجرمون؟\] (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وأما معنى هذا الاستفهام فقال ابن الأنباري وصاحب النظم: معناه: التهويل والتحذير والتفظيع، أي: ما أعظم ملتمسهم، وأشد وقوع الذي يبغون، ونزوله بهم، وهذا كقولك لمن هو في أمر تستوخم (١٣) (١٤) (١٥) هوت أمه ما يبعث الصبح غاديًا ...
وماذا يؤدي الليل حين يؤوب فهذا الاستفهام معناه التعظيم لشأن من ذكر، والتهويل منه.
وقال بعض أصحاب المعاني (١٦) ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ ﴾ أي أعلمتم؛ لأن هذا من رؤية القلب فيكون معناه العلم، ماذا يستعجل المجرمون من العذاب إن أتاكم بياتًا أو نهارًا؟
أي: أعلمتم أي شيء استعجلوه (١٧) (١٨) (١) في (م): (للعقاب).
(٢) في (ى): (علمتم).
(٣) يعني نصب على الظرفية.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 24.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).
(٦) في (ح): (جعل).
(٧) انظر: "الإغفال" ص 865، وما بعدها.
(٨) ساقط من (ح) و (ز).
(٩) في (ح) و (ز): (موضعه).
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 24، وعبارته: (ما) في موضع رفع من جهتين، إحداهما: أن يكون (ذا) بمعنى (ما الذي)، ويجوز أن يكون (ماذا) اسمًا واحدًا، ويكون المعنى: أي شيء يستعجل منه المجرمون.
(١١) يعني "الإغفال"، انظر ص 865.
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 24.
(١٣) تستوخم: أي تستردئ وتستثقل.
انظر: "اللسان" (وخم) 12/ 631.
(١٤) ذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 350 دون نسبة.
(١٥) هو: كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه.
انظر: "الصحاح" (هوى) 6/ 2539، "تهذيب اللغة" (هوى) 6/ 492، "الأمالي" للقالي 2/ 150، "التكملة" للصغاني (هـ وى) 6/ 540، "لسان العرب" (هوا) 15/ 373.
ومعنى هوت أمة: أي هلكت، كما في المصدر الأخير، نفس الموضع.
(١٦) يعني الحوفي، انظر: "البحر المحيط" 6/ 68، "الدر المصون" 6/ 215، والنسخة التي بين يدي من كتابه "البرهان" ينقصها سورة يونس، وبعض سورة التوبة.
(١٧) هكذا، والسياق يقتضي أن يقول: استعجلتموه.
(١٨) في (ج): (العلم).
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً ﴾ تقليل لمدة بقائهم في الدنيا أو في القبور ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ يعني يوم الحشر فهوعلى هذا حال من الضمير في يلبثوا ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ﴾ شرط جوابه وإلينا مرجعهم.
والمعنى إن أريناك بعض عذابهم في الدنيا فذلك وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا مرجعهم ﴿ ثُمَّ الله شَهِيدٌ ﴾ ذكرت ثم لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر، قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها وهو العقاب، فالترتيب على هذا صحيح ﴿ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ ﴾ قيل: مجيئه في الآخرة للفصل، وقيل: مجيئه في الدنيا وهو بعثه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كلمات ربك ﴾ وكذلك في آخر السورة على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لا يهدي ﴾ مثل ﴿ يرمي ﴾ : حمزة وعلي وخلف ﴿ يهدي ﴾ بسكون الهاء وتشديد الدال: أبو جعفر ونافع غير ورش وعباس وأبو عمرو غير عباس بإشمام الفتحة قليلاً ﴿ يهدي ﴾ بكسر الهاء وتشديد الدال: عاصم غير يحيى وجبلة ورويس ﴿ يهدي ﴾ بكسرتين والتشديد: يحيى ﴿ يهدي ﴾ بفتحتين والتشديد: ابن كثير وابن عامر وورش وسهل ويعقوب غير رويس.
الوقوف: ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ تتقون ﴾ ه ج ط ﴿ ربكم الحق ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء ﴿ إلا الضلال ﴾ ج ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ ثم يعيده ﴾ الأول ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ إلى الحق ﴾ ط ﴿ للحق ﴾ ط ﴿ أن يهدي ﴾ ج ط لما مر ﴿ فما لكم ﴾ ص لحق الاستفهام الثاني ﴿ تحكمون ﴾ ه ط ﴿ إلا ظناً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ افتراء ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تأويله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمن به ﴾ ط ﴿ بالمفسدين ﴾ ه ﴿ عملكم ﴾ ج لأن ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ والعامل واحد ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما بين فضائح عبدة الأوثان أكدها بالحجج اللامعة والبراهين القاطعة من أحوال الرزق والموت والحياة والإبداء والإعادة والإرشاد والهداية، وقد بنى الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس.
فالحجة الأولى قوله: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ﴾ بإنزال الأمطار النافعة الموجبة لتولد الأغذية النباتية والحيوانية في الأرض بعد رعاية شرائط تربيتها وإنمائها وحفظها من العاهات.
﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ خص الحاستين بالذكر لما في خلقهما وتسويتهما من الفطرة العجيبة، وكان يقول: "سبحان من بَصَّرَ بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم" ولما في تحصينهما في الآفات في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء مزيد قدرة ورأفة.
﴿ ومن يخرج الحي من الميت ﴾ الحيوان الماشي والطائر من النطفة والبيضة وقد مر سائر الأقوال في سورة الأنعام.
﴿ ومن يدبر الأمر ﴾ عمم بعدما خصص لأن أقسام تدبيره في العالم العلوي والعالم السفلي وعالمي الغيب والشهادة أمور لا نهاية لها.
وذكر كلها كالمتعذر.
﴿ فسيقولون الله ﴾ وفيه دليل على أنهم كانوا يعبدون الأصنام بناء على أنها شفعاؤهم وأنها تقربهم إلى الله زلفى، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا الاعتقاد فلهذا ختم الآية بقوله ﴿ فقل أفلا تتقون ﴾ الله الذي اعترفتم بأنه سبب فيضان جميع الخيرات فكيف أشركتم بعبادته الجمادات التي لا تقدر على نفع أو ضر.
﴿ فذلكم ﴾ الموصوف بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة ﴿ الله ربكم الحق ﴾ الثابت ربوبيته بالوجدان والبرهان.
﴿ فماذا بعد الحق ﴾ "ذا" مزيدة و "ما" نافية أو استفهامية أو مجموع "ماذا" كلمة واحدة معناها أي شيء بعد الحق ﴿ إلا الضلال ﴾ والمراد أنه لما ثبت وجود الواجب الحق كان ما سواه ممكناً لذاته باطلاً دعوى الإلهية فيه، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وفي صفاته وفي جميع اعتباراته وإلا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه فلا يكون واجباً هف محال ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر وتقعون في الضلال، إذ لا واسطة بين الأمرين، فمن يخطىء أحدهما وقع في الآخر.
﴿ كذلك ﴾ أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ .
وتفسير الكلمة ﴿ أنهم لا يؤمنون ﴾ على أنه بدل أي حق عليهم انتفاء الإيمان وقد علم الله منهم ذلك في الأزل، وأراد بالكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل على حذف اللام.
احتجت المعتزلة بمثل قوله تعالى: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أن الصارف لو كان هو الله لم يصح منه هذا التعجيب والإنكار.
وقالت الأشاعرة: قد تعلق علمه بأنهم لا يؤمنون كما قال: ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ وتعلق خبره بأنهم لا يؤمنون وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وقدرته عجزاً وإرادته عبثاً وإشهاده باطلاً.
الحجة الثانية ﴿ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وإنما قال: ﴿ ثم يعيده ﴾ مع أن الخصم لا يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلال الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك.
وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في الجواب بقوله ﴿ قل الله ﴾ الآية.
تنبيهاً على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه الى إقرار الخصم المكابر، فكأنه قيل: تكلم عنهم إذ لا يدعهم لحاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق.
وقوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ كقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ وقد مر في "المائدة".
الحجة الثالثة ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي ﴾ الآية.
الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أوّلاً ثم بالهداية عادة مطردة في القرآن، فحكى عن الخليل ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ وعن موسى ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ وأمر محمداً ﴿ سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ﴾ والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق من الطرق المنحرفة كثيرة والظنون والأغاليط غير محصورة، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه وهدايته، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلاً عن الأصنام التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة الثالثة.
وقال الزجاج: يقال: هديت للحق وإلى الحق بمعنى، فجمع بين العبارتين.
ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله: ﴿ أمن لا يهدي ﴾ وسائر القراآت أصلها "يهتدي" فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها.
قيل: هذه الشركاء جمادات فكيف قال في حقها ﴿ إلا أن يهدى ﴾ وأجيب بوجوه منها: أن المراد في الآية رؤساؤهم وأشرافهم كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً ﴾ والمراد أن الله هو الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من الدلائل العقلية، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله.
ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم الله بصفة من يعقل كقوله: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ ومنها أن ذلك بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي غيرها إلا أن تهدى.
ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة والعقل فيصح من الله أن يجعلها حية عاقلة، ثم إنها تشتغل بهداية الغير، ومنها أن المراد من الهدي النقل والحركة يقال: هديت المرأة زوجها أي نقلت إليه، فالمعنى لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه.
ثم عجب من مذهبهم الفاسد باستفهامين متواليين فقال: ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ .
ثم بين ما بنوا عليه أمر دينهم فقال: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ﴾ أي في إقرارهم بالله لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم أو في قولهم للأصنام أنها آلهة أو شفعاء، وعلى هذا فالمراد بالأكثر الجميع.
﴿ إن الظن ﴾ في معرفة الله وفيما يجب تحقيقه ﴿ لا يغني من الحق ﴾ وهو العلم والتحقيق ﴿ شيئاً ﴾ من الغناء.
والمعنى أن الظن لا يقوم مقام العلم في شيء من الأحوال.
ثم أوعدهم على اتباعهم الظن وتقليد الآباء بقوله: ﴿ إن الله عليم بما يفعلون ﴾ .
وتمسك نفاة القياس بالآية ظاهر من قبل أن القياس لا يفيد إلا الظن.
وأجيب بأن التمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن وهذه الآية من العمومات فلم يجب اتباعها بزعمكم، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً.
ولما فرغ من دلائل التوحيد شرع في إثبات النبوة فقال: ﴿ ما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ أي افتراء من دون الله أو كلمة "أن" بمعنى اللام أي ما ينبغي له وما استقام أن يكون مفترى.
والحاصل أن وصفه ليس وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأنه معجز لا يقدر البشر على إتيان مثله وإنما القادر عليه هو الله .
﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب المنزلة لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها، ونفس هذا التصديق أيضاً معجز لأن أقاصيصه موافقه لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ، ولأن بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة فيقع مطابقاً فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية والمستقبلة.
أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: ﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال في الكشاف قوله: ﴿ لا ريب فيه من رب العالمين ﴾ داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين، وجوز أن يكون ﴿ من رب العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل و ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم.
والمعنى ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب فيه.
ثم أعاد بيان إعجازه مرة أخرى فقال مستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ أم يقولون افتراه قل ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فأتوا ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بسورة مثله ﴾ في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ﴿ وادعوا من استطعتم من دون الله ﴾ أي لا تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أنه افتراه.
قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فلعل المراد بالسورة المتحدّي بها هذه السورة.
والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة.
قالت المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحدّ العرب به لكنهم تحدّوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديماً والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي.
وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة، والتحدي إنما وقع بهذه لا بتلك ﴿ بل كذبوا ﴾ سارعوا إلى التكذيب ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ وهو القرآن ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ ومعنى التوقع فيه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء، وكذبوا به بعد التدبر وتكرير التحدي عليهم واستيقان عجزهم عن هذا بغياً وحسداً وعناداً.
وذلك إنما حملهم على التكذيب أوّلا وآخراً وجوه منها: أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأوّلين، وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة الله على التصرف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس، ليعرف المكلف أن الدنيا ليست مما يبقى، فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون أن لا يكون كقوله: عز من قائل ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ﴾ .
ومنها أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ وأخر متشابهات ﴾ الآية.
ومنها أنهمرأوا القرآن يظهر شيئاً فشيئاً فاتهموا النبي وقالوا: ﴿ لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة ﴾ ومنها أنهم وجدوا القرآن مملوءاً من حديث الحشر والنشر، وكانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا ذلك.
وأنهم وجدوا فيه تكاليف كثيرة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وكانوا يقولون.
إن إله العالم غني عنا وعن طاعاتنا ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ يعني قبل النظر في معجزات أنبيائهم.
قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن من كان غير عارف بوجوه التأويل قد يقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد تتعارض فيفتقر هنالك إلى تطبيق التنزيل على التأويل.
وقيل: معنى الآية أن القرآن كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الأخبار بالغيوب ومن جملتها أحوال الآخرة.
فقوله: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ إشارة إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقوله: ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ إشارة إلى تكذيبهم قبل أن يمتحنوا غيوبه هل تطابق الواقع أم لا.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وأعرضوا عن الآخرة فلم تبق عليهم الدنيا وفاتتهم الآخرة فبقوا في خسران الدارين.
وقيل: المقصود عذاب الاستئصال الذي نزل بالمكذبين قبلهم.
ثم قسم طوائف الأمم المكذبين فقال: ﴿ ومنهم من يؤمن به ﴾ أي بالقرآن أو بالرسول أي يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ﴿ ومنهم ﴾ من يشك فيه لا يصدق به لا ظاهراً ولا باطناً، ويمكن أن يقال: المراد به قسمتهم في الاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من يبقى على الكفر فتكون الآية كالعذر في تبقيتهم وعدم استئصالهم ﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ فيجازيهم على حسب مراتبهم في التكذيب ويعلم طوياتهم هل يتوبون أو يصرفون.
ثم بين اختصاص كل مكلف بأفعاله وبنتائج أعماله من الثواب والعقاب فقال: ﴿ وإن كذبوك فقل لي عملي ﴾ أي جزاء عملي على الطاعة والإيمان وتبليغ الرسالة ﴿ ولكم عملكم ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي منسوخة بآية القتال.
والتحقيق أن آية القتال لا تدفع شيئاً من مدلولات هذه فلا نسخ والله أعلم.
التأويل: ﴿ قل من يرزقكم ﴾ أي من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس ويخرج من أرض النفس نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فيض الروح ويخرج من أرض النفس نبات الصفات البشرية والحيوانية.
أو ينزل من سماء الروح مطر فيض الروح ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة مطر تجلي الصفات والفيض الرباني ويخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات ويخرج من أرض الوجود نبات الفناء في الله وثمرات البقاء بالله ﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ فيكون سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر.
﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ النفس من القالب والقلب من الروح والروح من القلب وبالعكوس ﴿ ومن يدبر ﴾ أمر الإنسان بالتربية من التراب إلى أن يصل إلى رب الأرباب.
فسيقولون هذه الأحوال كلها من الله فقل لمن بلغ نظره إلى هذه المراتب العلية وإنها عتبة باب التوحيد والمعرفة ﴿ أفلا تتقون ﴾ بالله من غيره لتدخلوا بيت الوحدة ﴿ كذلك حقت كلمة ربك ﴾ هكذا جرى القلم في الأزل على الذين خرجوا عن قبول فيض النور حين رش على الخلق من نوره.
﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ وتفصيل الجملة التي هي مكتوبة عنده في أم الكتاب وهو علمه القائم بذاته.
﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ الذين أفسدوا استعدادهم الفطري والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ : "إما" حرف شك، وكذلك حرف أو، لكن يكون تأويله - والله أعلم - على حذف إما وإضمار حرف "إن" كأنه يقول: إن أريناك إنما نرينك بعض ما نعدهم لا كل ما نعدهم، أو نتوفينك ولا نرينك شيئاً.
أو أن يكون قوله: إن نرينك بعض ما نعدهم أي: لقد نريك بعض ما نعدهم؛ وهو كقوله: ﴿ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً ﴾ ، فعلى هذا التأويل يريه بعض ما يعدهم، ولا يريه كل ما وعدهم.
وعلى التأويل الأول إن أراه إنما يريه بعض ذلك ولا يريه شيئاً.
فإن قيل: حرف "إما" حرف شك وكذلك حرف أو كيف يستقيم إضافته إلى الله، وهو عالم بما كان ويكون وإنما يستقيم إضافته إلى من يجهل العواقب؟!
قيل: جميع حروف الشك الذي أضيف إلى الله هو على اليقين والوجوب نحو حرف "عسى" و "لعل" ونحو ذلك، فعلى ذلك حرف "إما" [و]، "أو" فهو لم يزل عالما بما كان ويكون في أوقاته.
وأما حرف الاستفهام والشك يخرج على مخرج الإيجاب والإلزام على ما ذكرنا في حرف التشبيه، أو أن يكون رسول الله وعد لهم أن يريهم شيئاً، فقال عند ذلك: ﴿ فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ لا نرينك شيئاً يقول: ليس إليك ما وعدتهم، إنما ذلك إلينا؛ كقوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ ﴾ : هذا يحتمل ثم الله شهيد لك يوم القيامة على ما فعلوا من التكذيب بالآيات وردها؛ وهو كقوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ...
﴾ الآية [الأنعام: 19].
ويحتمل أنه عالم بما يفعلون لا يغيب عنه شيء وهو وعيد؛ كقوله : ﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ﴾ أي: لكل أمة فيما خلا رسول الله بعث إليهم لست أنا أول رسول بعثت إليكم؛ كقوله : ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ .
﴿ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يحتمل هذا وجهين: يحتمل فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط؛ أي: يقضي بين الرسل وبين الأمم بالعدل بما كان من الرسل من تبليغ الرسالة إليهم والدعاء إلى دين الله، ومن الأمم من التكذيب للرسل والرد للآيات، قضي بينهم بالعدل وهم لا يظلمون لا يزاد على ما كان ولا ينقص.
ويحتمل قوله: ﴿ قُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: يهلك المكذبون منهم وينجي الرسل ومن صدقهم، كقوله : ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية [يونس: 103] ويجوز أن يقضي بين المعرضين وبين المجيبين والمطيعين يوم القيامة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ : وذلك أنه لما أوعدهم العذاب حين قال: ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ قالوا: متى هذا العذاب الذي توعدنا هذا يا محمد إن كنت صادقاً بأن العذاب نازل بنا في الدنيا، وهو على التأويل الثاني الذي ذكرنا لقد نرينك بعض ما وعدناهم.
فقال: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ ولا أملك أيضاً جرّ منفعة إليها يقول: لا أقدر على أن أدفع عن نفسي سوءا حين ينزل بي، ولا أملك على أن أسوق إليها خيراً ألبتة، فإذا لم أملك هذا كيف أملك إنزال العذاب عليكم إنما ذلك إلى الله هو المالك عليه والقادر على ذلك، لا يملك أحد ذلك سواه؛ وذلك كقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ أي: إذا جاء أجلهم لا يقدرون على تأخيره ولا يستقدمون، أي: لا يقدرون على تقديمه، ليس على أنهم لا يطلبون تأخيره ولا تقديمه فيسألون ذلك، ولكن لا يؤخر إذا جاء ولا يقدم قبل أجله.
وفيه دلالة ألا يهلك أحد قبل انقضاء أجله، فهو رد على المعتزلة حيث قالوا: من قتل آخر فإنما قتله قبل أجله، والله يقول: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ، وهم يقولون: يستقدمون، والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المستعجلين للعذاب: أخبروني إن جاءكم عذاب الله في أي وقت من ليل أو نهار، ما الَّذي تستعجلونه من هذا العذاب؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.g5V3D"