الآية ٤٩ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٤٩ من سورة يونس

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ٤٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 60 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٩ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٩ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فقال : ( قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ) أي : لا أقول إلا ما علمني ، ولا أقدر على شيء مما استأثر به إلا أن يطلعني عليه ، فأنا عبده ورسوله إليكم ، وقد أخبرتكم بمجيء الساعة وأنها كائنة ، ولم يطلعني على وقتها ، [ ولكن ] ( لكل أمة أجل ) أي : لكل قرن مدة من العمر مقدرة فإذا انقضى أجلهم ( فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) كما قال تعالى : ( ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ) [ المنافقون : 11 ] ، ثم أخبرهم أن عذاب الله سيأتيهم بغتة

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (49) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " قل "، يا محمد، لمستعجليك وعيدَ الله، القائلين لك: متى يأتينا الوعد الذي تعدنا إن كنتم صادقين؟

، (لا أملك لنفسي) ، أيها القوم، أي : لا أقدرُ لها على ضرٍّ ولا نفع في دنيا ولا دين (8) ، (إلا ما شاء الله )، أن أملكه، فأجلبه إليها بإذنه.

يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: فإذْ كنت لا أقدر على ذلك إلا بإذنه ، فأنا عن القدرة على الوصول إلى علم الغيب ومعرفة قيام الساعة أعجز وأعجز، إلا بمشيئته وإذنه لي في ذلك ، (لكل أمة أجل) ، يقول: لكل قوم ميقاتٌ لانقضاء مدتهم وأجلهم، فإذا جاء وقت انقضاء أجلهم وفناء أعمارهم (9) ، (لا يستأخرون) ، عنه (ساعة)، فيمهلون ويؤخرون، (ولا يستقدمون)، قبل ذلك، لأن الله قضى أن لا يتقدم ذلك قبل الحين الذي قدَّره وقضاه.

(10) * * * ----------------------------- الهوامش : (8) انظر تفسير " الملك " فيما سلف 13 : 302 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(9) انظر تفسير " الأمة " فيما سلف من فهارس اللغة ( أمم ) .

، وتفسير " الأجل " فيما سلف ص : 33 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(10) انظر تفسير " استأجر " و " استقدم " فيما سلف 12 : 404 ، 405 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمونقوله تعالى قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا لما استعجلوا النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب قال الله له : قل لهم يا محمد لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ; أي ليس ذلك لي ولا لغيري .إلا ما شاء الله أن أملكه وأقدر عليه ، فكيف أقدر أن أملك ما استعجلتم فلا تستعجلوا .لكل أمة أجل أي لهلاكهم وعذابهم وقت معلوم في علمه سبحانه .إذا جاء أجلهم أي وقت انقضاء أجلهم .فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون أي لا يمكنهم أن يستأخروا ساعة باقين في الدنيا ولا يتقدمون فيؤخرون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأما حسابهم وإنزال العذاب عليهم، فمن الله تعالى، ينزله عليهم إذا جاء الأجل الذي أجله فيه، والوقت الذي قدره فيه، الموافق لحكمته الإلهية‏.‏ فإذا جاء ذلك الوقت لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، فليحذر المكذبون من الاستعجال بالعذاب، فإنهم مستعجلون بعذاب الله الذي إذا نزل لا يرد بأسه عن القوم المجرمين

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل لا أملك لنفسي ) لا أقدر لها على شيء ، ( ضرا ولا نفعا ) أي : دفع ضر ولا جلب نفع ، ( إلا ما شاء الله ) أن أملكه ، ( لكل أمة أجل ) مدة مضروبة ، ( إذا جاء أجلهم ) وقت فناء أعمارهم ، ( فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) أي : لا يتأخرون ولا يتقدمون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل لا أملك لنفسي ضرا» أدفعه «ولا نفعا» أجلبه «إلا ما شاء الله» أن يقدرني عليه، فكيف أملك لكم حلول العذاب «لكل أمة أجل» مدة معلومة لهلاكهم «إذ جاء أجلهم فلا يستأخرون» يتأخرون عنه «ساعة ولا يستقدمون» يتقدمون عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل لهم -أيها الرسول-: لا أستطيع أن أدفع عن نفسي ضرًا، ولا أجلب لها نفعًا، إلا ما شاء الله أن يدفع عني مِن ضرٍّ أو يجلب لي من نفع.

لكل قوم وقت لانقضاء مدتهم وأجلهم، إذا جاء وقت انقضاء أجلهم وفناء أعمارهم، فلا يستأخرون عنه ساعة فيُمْهلون، ولا يتقدم أجلهم عن الوقت المعلوم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولذا أمر الله تعالى : رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم فقال : ( قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله .

.

.

) .أى : قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين المتعاجلين للعذاب : إنني لا أملك لنفسي - فضلا عن غيرها - شيئامن الضر فأدفعه عنها ، ولا شيئا من النفع فأجلبه لها ، لكن الذى يملك ذلك هو الله وحده ، فهو - سبحانه - الذى يملك أن ينزل العذاب بكم فى أى وقت يشاء ، فلماذا تطلبون منى ما ليس فى قدرتي .

وعلى هذا التفسير يكون الاستثناء منقطعا .ويجوز أن يكون متصلا فيكون المعنى : قل لهم يا محمد إنني لا أملك لنفسي شيئا من الضر أو النفع ، إلا ما شاء الله - تعالى - أن يجعلني قادرا عليه منهما ، فإنني أملكه بمشيئته وإرادته .وقدم - سبحانه - الر على النفع هنا ، لأن الآية مسوقة للرد على المشركين ، الذين تعجلوا نزول العذاب الذى هو نوع من الضر .أما الآية التي فى سورة الأعراف ، وهى قوله - تعالى - ( قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله .

.

) فقد قدم النفع على الضر ، لأنها مسوقة لبيان الحقيقة فى ذاتها ، وهى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يملك لنفسه شيئا من التصرف فى هذا الكون ، وللإِشعار بأن النفع هو المقصود بالذات من تصرفات الإِنسان .وقوله : ( لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) تأكيد لما قبله ، وتقرير لقدرة الله - تعالى - النافذة .أى : لكل أمة من الأمم أجل قدره الله - تعالى - لانتهاء حياتها ، فإذا حان وقت هذا الأجل هلكت فى الحال دون أن تتقدم على الوقت المحدد لموتها ساعة أو تتأخر أخرى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الشبهة الخامسة من شبهات منكري النبوة فإنه عليه السلام كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب، قالوا متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، واحتجوا بعدم ظهوره على القدح في نوبته عليه السلام، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أن قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد ﴾ كالدليل على أن المراد مما تقدم من قوله: ﴿ قُضِىَ بَيْنَهُمْ بالقسط  ﴾ القضاء بذلك في الدنيا، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في الدار الآخرة، لأن الحال في الآخرة حال يقين ومعرفة لحصول كل وعد ووعيد وإلا ظهر أنهم إنما قالوا ذلك على وجه التكذيب للرسول عليه السلام فيما أخبرهم من نزول العذاب للأعداء والنصرة للأولياء أو على وجه الاستبعاد لكونه محقاً في ذلك الإخبار، ويدل هذا القول على أن كل أمة قالت لرسولها مثل ذلك القول بدليل قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ وذلك لفظ جمع وهو موافق لقوله: ﴿ وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ  ﴾ ثم إنه تعالى أمره بأن يجيب عن هذه الشبهة بجواب يحسم المادة وهو قوله: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء الله ﴾ والمراد أن إنزال العذاب على الأعداء وإظهار النصرة للأولياء لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه، وأنه تعالى ما عين لذلك الوعد والوعيد وقتاً معيناً حتى يقال: لما لم يحصل ذلك الموعود في ذلك الوقت، دل على حصول الخلف فكان تعيين الوقت مفوضاً إلى الله سبحانه، إما بحسب مشيئته وإلهيته عند من لا يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح، وإما بحسب المصلحة المقدرة عند من يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح، ثم إذا حضر الوقت الذي وقته الله تعالى لحدوث ذلك الحادث فإنه لابد وأن يحدث فيه، ويمتنع عليه التقدم والتأخر.

المسألة الثانية: المعتزلة احتجوا بقوله: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء الله ﴾ فقالوا: هذا الاستثناء يدل على أن العبد لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً إلا الطاعة والمعصية، فهذا الاستثناء يدل على كون العبد مستقلا بهما.

والجواب: قال أصحابنا: هذا الاستثناء منقطع، والتقدير: ولكن ما شاء الله من ذلك كائن.

المسألة الثالثة: قرأ ابن سيرين ﴿ فإذا جاء أجلهم ﴾ المسألة الرابعة: قوله: ﴿ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ يدل على أن أحداً لا يموت إلا بانقضاء أجله، وكذلك المقتول لا يقتل إلا على هذا الوجه، وهذه مسألة طويلة وقد ذكرناها في هذا الكتاب في مواضع كثيرة.

المسألة الخامسة: أنه تعالى قال هاهنا: ﴿ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ فقوله: ﴿ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ ﴾ شرط وقوله: ﴿ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ جزاء والفاء حرف الجزاء، فوجب إدخاله على الجزاء كما في هذه الآية، وهذه الآية تدل على أن الجزاء يحصل مع حصول الشرط لا متأخراً عنه وأن حرف الفاء لا يدل على التراخي وإنما يدل على كونه جزاء.

إذا ثبت هذا فنقول: إذا قال الرجل لامرأة أجنبية إن نكحتك فأنت طالق قال الشافعي رضي الله عنه: لا يصح هذا التعليق، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يصح، والدليل على أنه لا يصح أن هذه الآية دلت على أن الجزاء إنما يحصل حال حصول الشرط، فلو صح هذا التعليق لوجب أن يحصل الطلاق مقارناً للنكاح، لما ثبت أن الجزاء يجب حصوله مع حصول الشرط، وذلك يوجب الجمع بين الضدين، ولما كان هذا اللازم باطلاً وجب أن لا يصح هذا التعليق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ متى هذا الوعد ﴾ استعجال لما وعدوا من العذاب استبعاداً له ﴿ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا ﴾ من مرض أو فقر ﴿ وَلاَ نَفْعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إِلاَّ مَا شَاء الله ﴾ استثناء منقطع: أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف أملك لكم الضرر وجلب العذاب؟

﴿ لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ يعني أن عذابكم له أجل مضروب عند الله وحدّ محدود من الزمان ﴿ إِذَا جَاء ﴾ ذلك الوقت أنجز وعدكم لا محالة، فلا تستعجلوا.

وقرأ ابن سيرين: ﴿ فإذا جاء آجالهم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ اسْتِبْعادًا لَهُ واسْتِهْزاءً بِهِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ خِطابٌ مِنهم لِلنَّبِيِّ  والمُؤْمِنِينَ.

﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ فَكَيْفَ أمْلِكُ لَكم فَأسْتَعْجِلَ في جَلْبِ العَذابِ إلَيْكم.

﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ أنْ أمْلِكَهُ أوْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ.

﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ مَضْرُوبٌ لِهَلاكِهِمْ.

﴿ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ لا يَتَأخَّرُونَ ولا يَتَقَدَّمُونَ فَلا تَسْتَعْجِلُونَ فَسَيَحِينُ وقْتُكم ويُنْجَزُ وعْدُكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ} يا محمد {لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّا} من مرض أو فقر {وَلاَ نَفْعاً} من صحة أو غنى {إِلاَّ مَا شَاء الله} استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب {لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} لكل أمة وقت معلوم للعذاب مكتوب في اللوح فإذا جاء وقت عذابهم لا يتقدمون ساعة ولا يتأخرون فلا تستعجلوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ولِكَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو الواسِطَةَ في إتْيانِ ذَلِكَ ومِنهُ نَشَأ الوَعْدُ دُونَ المُؤْمِنِينَ أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ أيْ لا أقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وتَقْدِيمُ الضَّرِّ لِما أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْهُ وأمّا ذِكْرُ النَّفْعِ فَلِلتَّعْمِيمِ إظْهارًا لِكَمالِ العَجْزِ وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِطْرادِيٌّ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِالضَّرِّ والأوَّلُ أوْلى وما وقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ مِن تَقْدِيمِ النَّفْعِ فَلِلْإشْعارِ بِأهَمِّيَّتِهِ والمَقامُ مَقامُهُ والمَعْنى لا أمْلِكُ شَيْئًا مِن شُؤُونِي رَدًّا وإيرادًا مَعَ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ حُصُولًا فَكَيْفَ أمْلِكُ شُؤُونِكم حَتّى أتَسَبَّبَ في إتْيانِ عَذابِكُمُ المَوْعُودِ حَسْبَما تُرِيدُونَ ﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ جَمْعٍ أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كائِنٌ وقِيلَ: مُتَّصِلٌ عَلى مَعْنى إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ أمْلِكَهُ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ مَقامُ التَّبْرِئِ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَخْلٌ في إتْيانِ الوَعْدِ فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي بَيانَ كَوْنِ المُتَنازَعِ فِيهِ مِمّا لا يَشاءُ أنْ يَمْلِكَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: والمُعْتَزِلَةُ قالُوا بِاتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بِأفْعالِهِ مِنَ الطّاعاتِ والمَعاصِي وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ بِمَراحِلَ عَنْ إثْباتِ مُدَّعاهم نَعَمِ اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُ مَن يَرى رَأْيَ السَّلَفِ مِن أنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا أنَّهُ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ أصْلًا كَما يَقُولُهُ الجَبْرِيَّةُ ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةً لَكِنَّها غَيْرُ مُؤْثِرَةٍ كَما هو المَشْهُورُ عَنِ الأشاعِرَةِ ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةٌ مُؤَثِّرَةً إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وإنْ لَمْ يَشَأْ كَما هو رَأْيُ المُعْتَزِلَةِ وقالَ: المَعْنى لا أقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الضَّرِّ والنَّفْعِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ أقْدِرَ عَلَيْهِ مِنهُما فَإنِّي أقْدِرُ عَلَيْهِ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ وقالَ بَعْضُهُمْ: إذا كانَ المِلْكُ بِمَعْنى الِاسْتِطاعَةِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا وإذا أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ تَعَيَّنَ الِانْقِطاعُ ولا يَخْفى أنَّ الأصْلَ الِاتِّصالُ ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ حَيْثُ أمْكَنَ مِن دُونِ تَعَسُّفٍ وأيًّا ما كانَ فَظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ المَفْعُولِ إلّا أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ لَيْسَ المَعْنى عَلى إخْراجِ المُسْتَثْنى مِن حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِذا جُعِلَ الحُكْمُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أنَّهُ كائِنٌ دُونَ أمْلِكُهُ مَثَلًا فَلا تَدافُعَ في كَلامِ مَن حَكَمَ بِالِانْقِطاعِ وقالَ فِي بَيانِ المَعْنى أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ كائِنٌ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى النَّفْعِ والضَّرِّ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في كَوْنِ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ المُقْتَضِي لِلِاتِّصالِ لِأنَّ المَدارَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ في الأمْرَيْنِ عَلى الإخْراجِ مِنَ الحُكْمِ وعَدَمِهِ ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ زَعْمُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن فاعِلِ ﴿ لا أمْلِكُ ﴾ وجَعْلُ المَعْنى لا أمْلِكُ أنا ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المالِكُ لِكُلِّ ما يَشاءُ يَفْعَلُهُ بِمَشِيئَتِهِ ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِ رُسُلِهِمْ ﴿ أجَلٌ ﴾ لِعَذابِهِمْ يَحِلُّ بِهِمْ عِنْدَ حُلُولِهِ لا يَتَعَدّى إلى أُمَّةٍ أُخْرى ﴿ إذا جاءَ أجَلُهُمْ ﴾ أيْ أجَلُ كُلِّ أُمَّةٍ عَلى ما هو الظّاهِرُ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإضافَةُ لِإفادَةِ كَمالِ التَّعْيِينِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْأُمَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِكُلِّ أُمَّةٍ ووَجْهُ إظْهارِ الأجَلِ مُضافًا لِذَلِكَ بِأنَّهُ لِإفادَةِ المَعْنى المَقْصُودِ الَّذِي هو بُلُوغُ كُلِّ أُمَّةٍ أجَلَها الخاصَّ بِها ومَجِيئُهُ إيّاها بِعَيْنِها مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِواسِطَةِ اكْتِسابِ الأجَلِ بِإضافَتِهِ عُمُوما يُفِيدُهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا جاءَتْهم آجالُهم بِالجَمْعِ كَما قَرَأ بِهِ ابْنُ سِيرِينَ بِأنْ يَجِيءَ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ أجَلُها الخاصُّ بِها ويُفَسَّرُ الأجَلُ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ مِنَ الزَّمانِ والمَجِيءُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ وبِما امْتَدَّ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ فَمَجِيئُهُ حِينَئِذٍ عِبارَةٌ عَنِ انْقِضائِهِ إذْ هُناكَ يَتَحَقَّقُ مَجِيئُهُ بِتَمامِهِ أيْ إذا تَمَّ وانْقَضى أجَلُهُمُ الخاصُّ بِهِمْ ﴿ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ عَنْهُ ﴿ ساعَةً ﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ 49﴾ عَلَيْهِ والِاسْتِفْعالُ عِنْدَ جَمْعٍ عَلى أصْلِهِ ونَفْيُ طَلَبِ التَّأخُّرِ والتَّقَدُّمِ أبْلَغُ وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ بِمَعْنى التَّفَعُّلِ أيْ لا يَتَأخَّرُونَ ولا يَتَقَدَّمُونَ والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ إما مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ ومَنَعُوا عَطْفَها عَلى (لا يَسْتَأْخِرُونَ) لِئَلّا يَرِدُ أنَّهُ لا يَتَصَوَّرُ التَّقَدُّمَ بَعْدَ مَجِيءِ الأجَلِ فَلا فائِدَةَ في نَفْيِهِ وأجازَهُ غَيْرُ واحِدٍ والفائِدَةُ عِنْدَهُ في ذَلِكَ المُبالَغَةُ في انْتِفاءِ التَّأخُّرِ لِأنَّهُ لَما نُظِمَ في سِلْكِهِ أشْعَرَ بِأنَّهُ بَلَغَ في الِاسْتِحالَةِ إلى مَرْتَبَتِهِ فَهو مُسْتَحِيلٌ مِثْلُهُ لِلتَّقْدِيرِ الإلَهِيِّ وإنْ أمْكَنَ في نَفْسِهِ قِيلَ: وهَذا هو السِّرُّ في إيرادِ صِيغَةِ الِاسْتِفْعالِ أيْ أنَّهُ بَلَغَ في الِاسْتِحالَةِ إلى أنَّهُ لا يَطْلُبُ إذِ المُحالُ لا يُطْلَبُ ودَفَعَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّ ﴿ جاءَ ﴾ بِمَعْنى قارَبَ المَجِيءَ نَحْوَ قَوْلِكَ: إذا جاءَ الشِّتاءُ فَتَأهَّبْ لَهُ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ في تَقْيِيدِ عَدَمِ الِاسْتِئْخارِ بِالقُرْبِ والدُّنُوِّ مَزِيدُ فائِدَةٍ وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى جَوابٍ آخَرَ وهو أنْ لا يَتَأخَّرَ ولا يَتَقَدَّمَ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ لَهُ حَدٌّ مُعَيَّنٌ وأجَلٌ مَضْرُوبٌ لا يَتَعَدّاهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ كَقَوْلِ الحَماسِيِّ: وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتَ فَلَيْسَ لِي مُتَقَدِّمٌ عَنْهُ ولا مُتَأخِّرُ فَإنَّهُ أرادَ كَما قالَ المَرْزُوقِيُّ حَبَسَنِي الهَوى في مَوْضِعٍ تَسْتَقِرِّينَ فِيهِ فَألْزَمُهُ ولا أُفارِقُهُ وأنا مَعَكِ مُقِيمَةً وظاعِنَةً لا أعْدِلُ عَنْكَ ولا أمِيلُ إلى سِواكِ ووَجْهُ تَقْدِيمِ بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ عَلى بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِقْدامِ قَدْ تَقَدَّمَ في آيَةِ الأعْرافِ مَعَ بَسْطِ كَلامِ فِيها ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الجَوابِ ولَمْ تُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَها إيذانًا بِاسْتِقْلالِها فِيهِ.

قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ: إنَّ الجَوابَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ ﴾ إلَخْ وارِدٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّهم ما أرادُوا بِالسُّؤالِ إلّا اسْتِبْعادَ أنَّ المَوْعُودَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ هو الَّذِي يَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَطَلَبُوا مِنهُ تَعْيِينَ الوَقْتِ تَهَكُّمًا وسُخْرِيَةً فَقِيلَ في الجَوابِ هَذا التَّهَكُّمُ إنَّما يَتِمُّ إذا ادَّعَيْتُ بِأنِّي أنا الجالِبُ لِذَلِكَ المَوْعُودِ: إذا كُنْتُ مُقِرًّا بِأنِّي مِثْلُكم في أنِّي لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا كَيْفَ أدَّعِي ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ؟

ثُمَّ شَرَعَ في الجَوابِ الصَّحِيحِ ولَمْ يَلْتَفِتْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى تَهَكُّمِهِمْ واسْتِبْعادِهِمْ فَقالَ: ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ إلَخْ وحاصِلُهُ عَلى ما في الكَشّافِ إنَّ عَذابَكم لَهُ أجَلٌ مَضْرُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وحَدٌّ مَحْدُودٌ مِنَ الزَّمانِ إذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ أنْجَزَ وعْدَكم لا مَحالَةَ فَلا تَسْتَعْجِلُوا ومِن هُنا يُعْلَمُ سِرُّ إسْقاطِ الفاءِ مِن ﴿ إذا جاءَ أجَلُهُمْ ﴾ وزِيادَتِها في ﴿ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ عَلى عَكْسِ آيَةِ الأعْرافِ حَيْثُ أُتِيَ بِها أوَّلًا ولَمْ يُؤْتَ بِها ثانِيًا وذَلِكَ أنَّهُ لَما سِيقَتِ الآيَةُ جَوابًا عَنِ اسْتِعْجالِهِمُ العَذابَ المَوْعُودَ حَسْبَما عَلِمْتَ آنِفًا اعْتُنِيَ بِأمْرِ الشَّرْطِيَّةِ ولُزُومِها كَمالَ الِاعْتِناءِ فَأْتِيَ بِها غَيْرَ مُتَفَرِّعَةٍ عَلى شَيْءٍ كَأنَّها مِنَ الأُمُورِ الثّابِتَةِ في نَفْسِها الغَيْرِ المُتَفَرِّعَةِ عَلى غَيْرِها وقَوّى لُزُومَ التّالِي فِيها لِلْمُقَدَّمِ بِزِيادَةِ الفاءِ الَّتِي بِها يُؤْتى لِلرَّبْطِ في أمْثالِ ذَلِكَ ولا كَذَلِكَ آيَةُ الأعْرافِ كَما لا يَخْفى إلّا عَلى الأنْعامِ فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ مِنَ الأنْفالِ ولا يَأْباهُ ما مَرَّ في تَقْرِيرِ الِاسْتِفْهامِ في صَدْرِ الكَلامِ كَما هو ظاهِرٌ لَدى ذَوِي الأفْهامِ وكَذا لا يَأْباهُ ما قِيلَ في رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن أنَّها بَيانٌ لِما أُبْهِمَ في الِاسْتِثْناءِ وتَقْيِيدُ لَمّا في القَضاءِ السّابِقِ مِنَ الإطْلاقِ المُشْعِرِ بِكَوْنِ المَقْضِيِّ بِهِ أمْرًا مُنْجَزًا غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلى شَيْءٍ غَيْرِ مَجِيءِ الرَّسُولِ وتَكْذِيبِ الأُمَّةِ لِأنَّهُ عَلى ما فِيهِ ما فِيهِ نْكارُ المَدْخَلِيَّةِ في الجَوابِ ولَعَلَّ الغَرَضَ يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لِحُصُولِ التَّغايُرِ بَيْنَ مَساقَيِ الآيَتَيْنِ بِهِ أيْضًا وقَدْ يُقالُ: إنَّ إسْقاطَ الفاءِ أوَّلًا لِتَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ - لِأجَلٍ - تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجْلٌ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ إذا جاءَ لا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ولا يَسْتَقْدِمُونَ عْلَيْهِ البَتَّةَ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ مِثْلَ ما مَرَّ آنِفًا ولَيْسَ بِذاكَ ومِمّا تَضْحَكُ مِنهُ المَوْتى ما قالَهُ بَعْضُ العِظامِيِّينَ بَعْدَ أنْ كادَ يُقْضى عَلَيْهِ فِكْرًا مِن أنَّ السِّرَّ في اخْتِلافِ الآيَتَيْنِ الإشارَةُ مِنهُ تَعالى إلى جَوازِ الأمْرَيْنِ عَرَبِيَّةً ولَمْ يَعْلَمْ عافاهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لَمْ يَنْزِلْ مُعَلِّما لِلْعَرَبِيَّةِ مُبَيِّنًا لِقَواعِدِها وشارِحًا لِما يَجُوزُ فِيها وما لا يَجُوزُ بَلْ نَزَلَ مُعْجِزًا بِفَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأسْرارِ أقْوامًا كُلٌّ مِنهم في ذَلِكَ الشَّأْنِ -الجُذَيْلُ المُحَكَّكُ والعُذَيْقُ المُرَجَّبُ وذَكَرَ بَعْضُ مَن أحْيا مَيِّتَ الفَضْلِ عِلْمُهُ وصَفا عَنْ تَخْلِيطِ أبْناءِ العَصْرِ فَهْمُهُ صَفاءُ الدِّينِ عِيسى البَنْدَنِيجِيُّ أنَّ مَساقَ هَذِهِ الآيَةِ لِتَثْبِيتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَرْحِ صَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَما عَسى يَضِيقُ بِهِ بِحَسَبِ البَشَرِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ولِتَلْقِينِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَدَّ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ فَناسَبَ قَطْعَ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى لِيَسْتَقِلَّ كُلٌّ مِنهُما في إفادَةِ التَّثْبِيتِ والرَّدِّ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ فِيها ولِذا لَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ في صَدْرِ الشَّرْطِيَّةِ وجِيءَ بِها في الجَوابِ زِيادَةً في ذَلِكَ لِإفادَتِها تَحَقُّقِ ما بَعْدَها عَقِيبَ ما يَقْتَضِيهِ بِلا مُهْلَةٍ وآيَةُ الأعْرافِ سِيقَتْ وعِيدًا لِأهْلِ مَكَّةَ ومِنَ البَيْنِ أنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ في إشْعارِ أنَّهُ وعِيدٌ وأنَّ ما هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ لِأنَّها النَّصُّ في نُزُولِ العَذابِ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ وأنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ دُونَ ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ فَقَطْ فَكانَ المَقامُ مَقامَ رَبْطٍ ووَصْلٍ فَجِيءَ بِالفاءِ لِتَدُلَّ عَلى ذَلِكَ وتُؤْذِنَ بِاتِّحادِ الجُمْلَتَيْنِ في كَوْنِهِما وعِيدًا ولِمُسامَحَتِهِ سُبْحانَهُ في الوَعِيدِ لَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ في الجَوابِ انْتَهى.

ولَعَلَّ ما قَدَّمْناهُ لَيْسَ بِالبَعِيدِ عَنْهُ مِن وجْهٍ وإنْ خالَفَهُ مِن وجْهٍ آخَرَ ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ، يعني: لأهل كل دين رسول أتاهم، فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ، يعني: فأبلغهم فكذبوه قُضِيَ بَيْنَهُمْ وبين رسولهم بِالْقِسْطِ يعني: بالعدل وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يعني: لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً.

وقال مجاهد: فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ يعني: يوم القيامة، قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالعدل وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.

قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ، وهو قوله تعالى: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن العذاب ينزل بنا قُلْ يا محمد: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً، يعني: ليس في يدي دفع مضرة ولا جر منفعة، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.

إن يقويني عليه.

قال مقاتل: معناه قل: لا أملك لنفسي أن أدفع عنها سوءاً حين ينزل، ولا أن أسوق إليها خيراً إلا ما شاء الله فيصيبني، فكيف أملك على نزول العذاب بكم؟

وقال القتبي: الضُّر بضم الضاد، الشدة والبلاء، كقوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ [الأنعام: 17] وكقوله: ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ [النحل: 54] والضُّر بفتح الضاد ضد النفع، ومنه قوله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً [يونس: 49] يعني: قل لا أملك جر نفع ولا دفع ضَرَ.

ثم قال: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ يعني: وقتنا.

- ويقال: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ أي مهلة ويقال: أجل الموت (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ: قال مجاهد وغيره: المعنَى: فإِذا جاء رسولهم يوم القيامة للشَّهادة عليهم، صُيِّرَ قومٌ للجنَّة، وقومٌ للنار، فذلك القضاء بينهم بالقسط «١» .

وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)

وقوله سبحانه: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ...

الآية:

الضميرُ في يَقُولُونَ لكفَّار قريش، وسؤالهم عن الوعدِ تحريرٌ منهم- بزعمهم- للحجَّة أي: هذا العذابُ الذي تُوُعِّدْنا به، حَدِّدْ لنا وقته لِنَعْلَمَ الصِّدْق في ذلك من الكَذِب، ثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ أَنْ يقول على جهة الردِّ عليهم: قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ، ولكن لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ انفرد اللَّه بعلْمِ حدِّه ووقتِهِ، وباقي الآية بَيِّن.

وقوله: مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ: أي: فمَا تستعجلون منه، وأنتم لا قِبَلَ لكم بِهِ، والضمير في «مِنْهُ» يحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يعود على العَذَابِ.

وقوله: أَثُمَّ إِذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ المعنى: إِذا وقع العذابُ وعاينتموه، آمنتم حينئذٍ، وذلك غَيْر نافعكم، بل جوابُكُمْ: الآن وقَدْ كُنْتُمْ تستعجلونَهُ مكذِّبين به، وَيَسْتَنْبِئُونَكَ:

معناه: يستخبرُونَك، وهي عَلَى هذا تتعدَّى إِلى مفعولَيْنِ أَحدُهما: الكافُ، والآخرُ:

الجملة، وقيل: هي بمعنى يَسْتَعلِمُونَكَ فعلى هذا تحتاجُ إِلَى ثَلاَثةِ مَفَاعِيلَ.

ص: ورُدَّ بأن الاستنباء لا يُحْفَظُ تعديه إِلى ثلاثةٍ، ولاَ اسْتَعْلَمَ الذي هو بِمَعْنَاه.

انتهى.

وأَ حَقٌّ هُوَ قيل: الإِشارة إِلى الشرعِ والقُرآن، وقيل: إِلى الوعيدِ وهو أَظْهر.

وقوله: إِي وَرَبِّي: أي: بمعنى «نَعَمْ» ، وهي لفظة تتقدَّم القَسَم، ويجيء بعدها

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا.

.

.

﴾ الآيَةُ، قَدْ ذَكَرْتُ تَفْسِيرَها في آيَتَيْنِ مَنَ (الأعْرافِ:٣٤ و١٨٨) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: البَياتُ: كُلُّ ما كانَ بِلَيْلٍ.

وقَوْلُهُ: " ماذا " في مَوْضِعِ رَفْعٍ مِن جِهَتَيْنِ.

إحْداهُما: أنْ يَكُونَ " ذا " بِمَعْنى الَّذِي، المَعْنى: ما الَّذِي يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ ؟

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " ماذا " اسْمًا واحِدًا، فَيَكُونُ المَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ ؟

والهاءُ في " مِنهُ " تَعُودُ عَلى العَذابِ.

وجائِزٌ أنْ تَعُودَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ المَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ المُجْرِمُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ؟

وعَوْدُها عَلى العَذابِ أجْوَدُ، لِقَوْلِهِ: ﴿ أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ ﴾ .

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِالمُجْرِمِينَ: المُشْرِكُونَ، وكانُوا يَقُولُونَ: نُكَذِّبُ بِالعَذابِ ونَسْتَعْجِلُهُ، ثُمَّ إذا وقَعَ العَذابُ آمَنّا بِهِ؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُوَبِّخًا لَهم: ﴿ أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ ﴾ أيْ: هُنالِكَ تُؤْمِنُونَ فَلا يُقْبَلُ مِنكُمُ الإيمانُ، ويُقالُ لَكم: الآنَ تُؤْمِنُونَ ؟

فَأضْمَرَ: تُؤْمِنُونَ بِهِ مَعَ " آلآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ " مُسْتَهْزِئِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: كَفَرُوا، عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ ﴿ ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ ﴾ لِأنَّهُ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ، أفْضَوْا مِنهُ إلى عَذابِ الآخِرَةِ الدّائِمِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾ إخْبارٌ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ  ﴾ ﴿ قالُوا بَلى  ﴾ ، وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ صُيِّرَ قَوْمٌ لِلْجَنَّةِ وقَوْمٌ لِلنّارِ، فَذَلِكَ القَضاءُ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُنْيا وبُعِثَ صارُوا مِن حَتْمِ اللهِ بِالعَذابِ لِقَوْمٍ والمَغْفِرَةِ لِآخَرِينَ لِغاياتِهِمْ، فَذَلِكَ قَضاءٌ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقَرَنَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا  ﴾ ، وذَلِكَ يَتَّفِقُ إمّا بِأنْ نَجْعَلَ "مُعَذِّبِينَ" في الآخِرَةِ، وإمّا بِأنْ نَجْعَلَ القَضاءَ بَيْنَهم في الدُنْيا بِحَيْثُ يَصِحُّ اشْتِباهُ الآيَتَيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .

الضَمِيرُ في "يَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ الكَفّارُ، وسُؤالُهم عَنِ الوَعْدِ تَحْرِيرٌ بِزَعْمِهِمْ في الحُجَّةِ، أيْ: هَذا العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَنا حَدَّدَ لَنا فِيهِ وقْتَهُ لِنَعْلَمَ الصِدْقَ في ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهم هَذا عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَظْهَرُ مِنَ اللَفْظَةِ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ ﴾ ، المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ رَدًّا لِلْحُجَّةِ: إنِّي لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا مِن دُونِ اللهِ، ولا أنا إلّا في قَبْضَةِ سُلْطانِهِ وبِضِمْنِ الحاجَةِ إلى لُطْفِهِ، فَإذا كُنْتُ هَكَذا، فَأحْرى ألّا أعْرِفَ غَيْبَهُ ولا أتُعاصى شَيْئًا مِن أمْرِهِ، ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِلْمِ حَدِّهِ ووَقْتِهِ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ في مَوْتٍ أو هَلاكِ أُمَّةٍ لَمْ يَتَأخَّرُوا ساعَةً ولا أمْكَنَهُمُ التَقَدُّمُ عن حَدِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "آجالُهُمْ" بِالجَمْعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ [يونس: 46]، والمناسبة أنه لما بيَّنت الآية السالفة أن تعجيل الوعيد في الدنيا لهم وتأخيره سواء عند الله تعالى، إذ الوعيد الأتم هو وعيد الآخرة، أتبعت بهذه الآية حكاية لتهكمهم على تأخير الوعيد.

وحُكي قولهم بصيغة المضارع لقصد استحضار الحالة، كقوله تعالى: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ [هود: 38] للدلالة على تكرر صدوره منهم، وأطلق الوعد على الموعود به، فالسؤال عنه باسم الزمان مُؤول بتقدير يدل عليه المقام، أي متى ظهوره.

والسؤال مستعمل في الاستبطاء، وهو كناية عن عدم اكتراثهم به وأنهم لا يأبهون به لينتقل من ذلك إلى أنهم مكذبون بحصوله بطريق الإيماء بقرينة قولهم: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أي إن كنتم صادقين في أنه واقع فعينوا لنا وقته، وهم يريدون أننا لا نصدقك حتى نرى ما وعدتنا كناية عن اعتقادهم عدم حلوله وأنهم لا يصدقون به.

والوعد المذكور هنا ما هددوا به من عذاب الدنيا.

والخطاب بقولهم: ﴿ إن كنتم ﴾ للرسول، فضمير التعظيم للتهكم كما في قوله: ﴿ وقالوا يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر إنَّك لمجنون ﴾ [الحجر: 6] وقولِه: ﴿ وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ﴾ [الفرقان: 7] وقوللِ أبي بكر بن الأسود الكناني ﴿ : يخَبّرنا الرسولُ بأنْ سنحْيَاوكيفَ حياة أصداء وهامِ ﴾ وهذا المحمل هو المناسب لجوابهم بقوله: ﴿ قل لا أملك ﴾ .

ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء وللمسلمين، جمعوهم في الخطاب لأن النبي أخبر به والمسلمين آمنوا به فخاطبوهم بذلك جميعاً لتكذيب النبي وإدخال الشك في نفوس المؤمنين به.

وإنما خص الرسول عليه الصلاة والسلام بالأمر بجوابهم لأنه الذي أخبرهم بالوعيد وأما المؤمنون فتابعون له في ذلك.

ومعنى: ﴿ لا أملك لنفسي ضَراً ولا نفعاً ﴾ : لا أستطيع، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضَراً ولا نفعاً ﴾ في سورة [العقود: 76].

وقدم الضر على النفع لأنه أنسب بالغرض لأنهم أظهروا استبطاء ما فيه مضرتهم وهو الوعيد ولأن استطاعة الضر أهون من استطاعة النفع فيكون ذكر النفع بعده ارتقاء.

والمقصود من جمع الأمرين الإحاطةُ بجنسي الأحوال.

وتقدم في سورة الأعراف وجه تقديم النفع على الضر في نظير هذه الآية.

وقوله: إلا ما شاء الله} استثناء منقطع بمعنى لكن، أي لكن نفعي وضري هو ما يشاءه الله لي.

وهذا الجواب يقتضي إبطال كلامهم بالأسلوب المصطلح على تلقيبه في فن البديع بالمذهب الكلامي، أي بطريق برهاني، لأنه إذا كان لا يستطيع لنفسه ضراً ولا نفعاً فعدم استطاعته ما فيه ضَر غيره بهذا الوعد أولى من حيث إن أقرب الأشياء إلى مقدرة المرء هو ما له اختصاص بذاته، لأن الله أودع في الإنسان قدرة استعمال قواه وأعضائه، فلو كان الله مقدراً إياه على إيجاد شيء من المنافع والمضار في أحوال الكون لكان أقرب الأشياء إلى إقداره ما له تعلق بأحوال ذاته، لأن بعض أسبابها في مقدرته، فلا جرم كان الإنسان مسيّراً في شؤونه بقدرة الله لأن معظم أسباب المنافع والمضار من الحوادث منوط بعضه ببعض، فموافقاته ومخالفاته خارجة عن مقدور الإنسان، فلذلك قد يقع ما يضره وهو عاجز عن دفعه.

فكان معنى الجواب: أن الوعد من الله لا مِني وأنا لا أقدر على إنزاله بكم لأن له أجلاً عند الله.

وجملة: ﴿ لكل أمة أجل ﴾ من المقول المأمور به، وموقعها من جملة: ﴿ لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً ﴾ موقع العلة لأن جملة ﴿ لا أملك لنفسي ﴾ اقتضت انتفاء القدرة على حلول الوعد.

وجملة: ﴿ لكل أمة أجل ﴾ تتضمن أن سبب عدم المقدرة على ذلك هو أن الله قدر آجال أحوال الأمم.

ومن ذلك أجل حلول العقاب بهم بحكمة اقتضت تلك الآجال فلا يحل العقاب بهم إلا عند مجيء في ذلك الأجل، فلا يقدر أحد على تغيير ما حدده الله.

وصورة الاستدلال بالطريق البرهاني أن قضية ﴿ لكل أمة أجل ﴾ قضية كلية تشمل كل أمة.

ولما كان المخاطبون من جملة الأمم كانوا مشمولين لحكم هذه القضية فكأنه قيل لهم: أنتم أمة من الأمم ولكل أمة أجل فأنتم لكم أجل فترقبوا حلوله.

وجملة: ﴿ إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾ صفة ل (أجل)، أي أجل محدود لا يقبل التغير.

وقد تقدم الكلام على نظيرها في سورة الأعراف.

و ﴿ إذا ﴾ في هذه الآية مشربة معنى الشرط، فلذلك اقترنت جُملة عاملها بالفاء الرابطة للجواب معاملة للفعل العامل في (إذا) معاملة جواب الشرط.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾ يَعْنِي نَبِيًّا يَدْعُوهم إلى الهُدى ويَأْمُرُهم بِالإيمانِ.

﴿ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ قُضِيَ بَيْنَهم لِيَكُونَ رَسُولُهم شاهِدًا عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ كَذَّبُوهُ في الدُّنْيا قَضى اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ في الآخِرَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُّنْيا واعِيًا بَعْدَ الإذْنِ لَهُ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ قَضى اللَّهُ بَيْنَهم بِتَعْجِيلِ الِانْتِقامِ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ قال: سوء العذاب في حياتك ﴿ أو نتوفينك ﴾ قبل ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ وفي قوله: ﴿ ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم ﴾ قال: يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ﴾ الآية إلى آخرها مفسرة في آيتين من سورة الأعراف [34، 188].

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد ﴾ كلام فيه استبعاد واستخفاف ﴿ بياتا ﴾ أي بالليل ﴿ مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون ﴾ المعنى أي شيء يستعجلون من العذاب وهو ما لا طاقة لكم به، وقوله: ماذا جواب إن أتاكم، والجملة متعلقة بأرأيتم ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ دخلت همزة التقرير على ثم العاطفة، والمعنى إذا وقع العذاب وعاينتموه آمنتم به الآن، وذلك لا ينفعكم لأنكم كنتم تستعجلونه ومكذبين به.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أفأنت ﴾ بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ ولكن الناس ﴾ بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يحشرهم ﴾ بالياء: حفص الباقون بالنون ﴿ نرينك أو نتوفينك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس ﴿ آلان ﴾ بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ فليفرحوا ﴾ بياء الغيبة ﴿ تجمعون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد.

وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب.

والباقون على الغيبة فيهما.

الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج ط ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ أجل ﴾ ط ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ آمنتم به ﴾ ط، ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ أحق هو ﴾ ط ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ لافتدت به ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ج ط للعطف على ﴿ أسروا ﴾ دون ﴿ رأوا ﴾ ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ فليفرحوا ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ وحلالاً ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه.

التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله  في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد ﴿ يستمعون إليك ﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون.

قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي  بخلاف النظر.

فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم.

ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده.

وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ﴿ أفأنت ﴾ .

والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول  فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق.

ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم ﴾ الآية.

فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها.

وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه.

وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.

والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة.

ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ أي واذكر يوم يحشرهم ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ﴿ إلا ساعة ﴾ وقوله ﴿ يتعارفون ﴾ إما حال أخرى أو بيان لقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يتعارفون ﴾ والمراد باللبث.

قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها.

وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته.

والجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً  ﴾ أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة.

وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا  ﴾ ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم.

قوله: ﴿ قد خسر ﴾ استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم!

وفيه شهادة من الله على خسرانهم.

وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.

ثم أكد خسرانهم بقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله.

ثم سلى رسوله  فقال: ﴿ وإما نرينك ﴾ وجوابه محذوف.

وقوله: ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب ﴿ أو نتوفينك ﴾ والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا.

ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله.

ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي  المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ﴿ قضى بينهم بالقسط ﴾ أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً  ﴾ ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه  يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ وشهد لهم أو عليهم ﴿ قضي بينهم ﴾ والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه  كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ.

وأيضاً قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ لفظ الجمع موافق لقوله: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ﴾ من مرض أو فقر ﴿ ولا نفعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب.

ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال.

فقال و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ الآية.

وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله: ﴿ ولكل أمة أجل  ﴾ فلم يحسن الجمع بين الفاءين.

ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً ﴾ أي في حين الغفلة والراحة.

﴿ أو نهاراً ﴾ حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ﴿ ماذا يستعجل ﴾ أي شيء يستعجل ﴿ منه ﴾ أي من العذاب ﴿ المجرمون ﴾ وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله.

و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟

أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟

وقيل: الضمير في "منه" لله  وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.

و "ماذا" الجملة مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط ﴿ ثم إذا وقع آمنتم به ﴾ والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب ﴿ آلآن ﴾ آمنتم به ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ على جهة التكذيب والإنكار وقوله ﴿ ثم قيل ﴾ عطف على قيل المضمر قبل ﴿ آلآن ﴾ والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك.

وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة.

﴿ ذوقوا عذاب الخلد ﴾ فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟

أجبتم ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة.

وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم  ﴾ .

ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: ﴿ ويستنبئونك أحق هو ﴾ وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟

وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد  فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه.

وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟

وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟

فأمره الله  أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل إي وربي ﴾ ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة.

وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم.

ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد.

فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد.

ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فائتين العذاب.

والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى.

ثم زاد في التأكيد بقوله: ﴿ ولو أن لكل نفس ﴾ الآية.

وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة".

وقوله: ﴿ ظلمت ﴾ صفة لنفس.

أما قوله: ﴿ وأسروا الندامة ﴾ فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد.

والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.

وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته ﴿ وقضى بينهم بالقسط ﴾ قيل: أي بين المؤمنين والكافرين.

وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.

وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب.

ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة.

وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه.

وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد.

وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع.

ولا بد يوماً أن ترد الودائع *** واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله  في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ إلى تمام الآيتين.

والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار  إلى هذا الطريق بقوله: قل ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.

فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره.

الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة.

الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت.

الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم.

وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها.

والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة.

ولما أرشد  إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه.

والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا.

وعلى هذا يكون ﴿ قل ﴾ اعتراضاً.

ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي  وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل.

ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذبالعقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية.

وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن.

وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى.

ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: إن حزناً في ساعة الموت ضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.

وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله  تلا ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ فقال: بكتاب الله والإسلام.

ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.

ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله.

وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم: ﴿ هذه أنعام وحرث حجر  ﴾ وغير ذلك.

﴿ وما أنزل ﴾ الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿ آلله أذن لكم ﴾ و ﴿ قل ﴾ مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ ﴿ أرأيتم ﴾ والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله ﴿ أم على الله تفترون ﴾ وعن الزجاج أن "ما" في ﴿ ما أنزل ﴾ بمعنى الاستفهام منصوباً بـ ﴿ أنزل ﴾ وأنه مع معموله مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ معناه أخبرونيه.

وعلى هذا يكون ﴿ قل آلله ﴾ كلاماً مستأنفاً.

ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في ﴿ آلله ﴾ للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء.

ثم قال: ﴿ وما ظن الذين ﴾ يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟

وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت ﴿ لذو فضل على الناس ﴾ إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته.

التأويل: ﴿ أفأنت تسمع الصم ﴾ صم آذان القلوب ﴿ أفأنت تهدي العمى ﴾ عمي أبصار البصائر.

﴿ ويوم نحشرهم ﴾ حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن  ﴾ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد.

﴿ يتعارفون بينهم ﴾ يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن ﴿ أو نتوفينك ﴾ فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ من خسارة الدارين ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق.

﴿ لكل أمة أجل ﴾ في استكمال السعادة والشقاوة ﴿ بياتاً ﴾ أي في الأزل ﴿ أو نهاراً ﴾ أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل.

﴿ قل أي وربي إنه لحق ﴾ أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات.

﴿ ألا إن لله ما في السموات ﴾ الأرواح وأرض القلوب والنفوس ﴿ ألا إن وعد الله ﴾ لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل ﴿ حق هو يحيي ﴾ قلوب بعضهم بالمعرفة ﴿ ويميت ﴾ قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال ﴿ يا أيها الناس ﴾ يأ أهل النسيان ﴿ قد جاءتكم موعظة ﴾ هي خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة ﴿ بلى ﴾ ﴿ لما في الصدور ﴾ وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة.

ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال ﴿ قل بفضل الله ﴾ وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب ﴿ فليفرحوا هو خير مما ﴾ يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد ﴿ فجعلتم منه حراماً ﴾ على أنفسكم ﴿ وحلالاً ﴾ على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء ﴿ قل آلله أذن لكم ﴾ أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها ﴿ أم على الله تفترون ﴾ بأن الدعوة اختصت بهم دوننا ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ بتسوية الاستعداد الفطري.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ : "إما" حرف شك، وكذلك حرف أو، لكن يكون تأويله - والله أعلم - على حذف إما وإضمار حرف "إن" كأنه يقول: إن أريناك إنما نرينك بعض ما نعدهم لا كل ما نعدهم، أو نتوفينك ولا نرينك شيئاً.

أو أن يكون قوله: إن نرينك بعض ما نعدهم أي: لقد نريك بعض ما نعدهم؛ وهو كقوله: ﴿ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً  ﴾ ، فعلى هذا التأويل يريه بعض ما يعدهم، ولا يريه كل ما وعدهم.

وعلى التأويل الأول إن أراه إنما يريه بعض ذلك ولا يريه شيئاً.

فإن قيل: حرف "إما" حرف شك وكذلك حرف أو كيف يستقيم إضافته إلى الله، وهو عالم بما كان ويكون وإنما يستقيم إضافته إلى من يجهل العواقب؟!

قيل: جميع حروف الشك الذي أضيف إلى الله هو على اليقين والوجوب نحو حرف "عسى" و "لعل" ونحو ذلك، فعلى ذلك حرف "إما" [و]، "أو" فهو لم يزل عالما بما كان ويكون في أوقاته.

وأما حرف الاستفهام والشك يخرج على مخرج الإيجاب والإلزام على ما ذكرنا في حرف التشبيه، أو أن يكون رسول الله وعد لهم أن يريهم شيئاً، فقال عند ذلك: ﴿ فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ  ﴾ لا نرينك شيئاً يقول: ليس إليك ما وعدتهم، إنما ذلك إلينا؛ كقوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ ﴾ : هذا يحتمل ثم الله شهيد لك يوم القيامة على ما فعلوا من التكذيب بالآيات وردها؛ وهو كقوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ...

﴾ الآية [الأنعام: 19].

ويحتمل أنه عالم بما يفعلون لا يغيب عنه شيء وهو وعيد؛ كقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  ﴾ ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ﴾ أي: لكل أمة فيما خلا رسول الله بعث إليهم لست أنا أول رسول بعثت إليكم؛ كقوله  : ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ  ﴾ .

﴿ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يحتمل هذا وجهين: يحتمل فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط؛ أي: يقضي بين الرسل وبين الأمم بالعدل بما كان من الرسل من تبليغ الرسالة إليهم والدعاء إلى دين الله، ومن الأمم من التكذيب للرسل والرد للآيات، قضي بينهم بالعدل وهم لا يظلمون لا يزاد على ما كان ولا ينقص.

ويحتمل قوله: ﴿ قُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: يهلك المكذبون منهم وينجي الرسل ومن صدقهم، كقوله  : ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية [يونس: 103] ويجوز أن يقضي بين المعرضين وبين المجيبين والمطيعين يوم القيامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ : وذلك أنه لما أوعدهم العذاب حين قال: ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ قالوا: متى هذا العذاب الذي توعدنا هذا يا محمد إن كنت صادقاً بأن العذاب نازل بنا في الدنيا، وهو على التأويل الثاني الذي ذكرنا لقد نرينك بعض ما وعدناهم.

فقال: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ ولا أملك أيضاً جرّ منفعة إليها يقول: لا أقدر على أن أدفع عن نفسي سوءا حين ينزل بي، ولا أملك على أن أسوق إليها خيراً ألبتة، فإذا لم أملك هذا كيف أملك إنزال العذاب عليكم إنما ذلك إلى الله هو المالك عليه والقادر على ذلك، لا يملك أحد ذلك سواه؛ وذلك كقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ أي: إذا جاء أجلهم لا يقدرون على تأخيره ولا يستقدمون، أي: لا يقدرون على تقديمه، ليس على أنهم لا يطلبون تأخيره ولا تقديمه فيسألون ذلك، ولكن لا يؤخر إذا جاء ولا يقدم قبل أجله.

وفيه دلالة ألا يهلك أحد قبل انقضاء أجله، فهو رد على المعتزلة حيث قالوا: من قتل آخر فإنما قتله قبل أجله، والله يقول: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ ، وهم يقولون: يستقدمون، والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل لهم -أيها الرسول-: لا أملك لنفسي ضرًّا أضرها به أو أدفعه عنها ولا نفعًا أنفعها به، فكيف بنفع غيري أو ضره؟

إلا ما شاء الله من ذلك، فكيف لي أن أعلم غيبه؟

لكل أمة من الأمم توعدها الله بهلاكٍ زمنٌ محدد لهلاكها، لا يعلمه إلا الله، فإذا جاء زمن هلاكها لم تتأخر عنه وقتًا ما ولم تتقدم.

<div class="verse-tafsir" id="91.DjDe5"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله