الآية ٥٠ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٥٠ من سورة يونس

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَـٰتًا أَوْ نَهَارًۭا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٠ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٠ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فقال : ( قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ) أي : ليلا أو نهارا ، ( ماذا يستعجل منه المجرمون)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: أرأيتم إن أتاكم عذاب الله بياتًا، يقول: ليلا أو نهارا، (11) وجاءت الساعة وقامت القيامة ، أتقدرون على دفع ذلك عن أنفسكم؟

يقول الله تعالى ذكره: ماذا يستعجلُ من نـزول العذاب، (12) المجرمون الذين كفروا بالله، وهم الصالون بحرِّه دون غيرهم، ثم لا يقدرون على دفعه عن أنفسهم؟

----------------------- الهوامش : (11) انظر تفسير " البيات " فيما سلف 12 : 299 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(12) انظر تفسير " الاستعجال " فيما سلف ص : 33 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون قوله تعالى قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ظرفان ، وهو جواب لقولهم : متى هذا الوعد وتسفيه لآرائهم في استعجالهم العذاب ; أي إن أتاكم العذاب فما نفعكم فيه ، ولا ينفعكم الإيمان حينئذ .ماذا يستعجل منه المجرمون استفهام معناه التهويل والتعظيم ; أي ما أعظم ما يستعجلون به ; كما يقال لمن يطلب أمرا يستوخم عاقبته : ماذا تجني على نفسك!

والضمير في منه قيل : يعود على العذاب ، وقيل : يعود على الله سبحانه وتعالى .

قال النحاس : إن جعلت الهاء في منه تعود على العذاب كان لك في ماذا تقديران : أحدهما أن يكون " ما " في موضع رفع بالابتداء ، و " ذا " : بمعنى الذي ، وهو خبر " ما " والعائد محذوف .

والتقدير الآخر أن يكون ماذا اسما واحدا في موضع رفع بالابتداء ، والخبر في الجملة ، قاله الزجاج .

وإن جعلت الهاء في منه تعود على اسم الله تعالى [ ص: 261 ] جعلت " ما " ، و " ذا " شيئا واحدا ، وكانت في موضع نصب ب يستعجل ; والمعنى : أي شيء يستعجل منه المجرمون عن الله عز وجل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا‏}‏ وقت نومكم بالليل ‏{‏أَوْ نَهَارًا‏}‏ في وقت غفلتكم ‏{‏مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ أي بشارة استعجلوا بها‏؟‏ وأي عقاب ابتدروه‏؟‏‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا ) ليلا ( أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون ) أي : ماذا يستعجل من الله المشركون .

وقيل : ماذا يستعجل من العذاب المجرمون ، وقد وقعوا فيه؟

وحقيقة المعنى : أنهم كانوا يستعجلون العذاب ، فيقولون : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " ( الأنفال - 32 ) .

فيقول الله تعالى : ( ماذا يستعجل ) يعني : أيش يعلم المجرمون ماذا يستعجلون ويطلبون ، كالرجل يقول لغيره وقد فعل قبيحا ماذا جنيت على نفسك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل أرأيتم» أخبروني «إن أتاكم عذابه» أي الله «بياتا» ليلا «أو نهارا ماذا» أيُّ شيء «يستعجل منه» أي العذاب «المجرمون» المشركون، فيه وضع الظاهر موضع المضمر، وجملة الاستفهام جواب الشرط: كقولك إذا أتيتك ماذا تعطيني، والمراد به التهويل أي ما أعظم ما استعجلوه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أخبروني إن أتاكم عذاب الله ليلا أو نهارًا، فأي شيء تستعجلون أيها المجرمون بنزول العذاب؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من الأجوبة التي لقنها الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لكي يرد بها على المشركين الذين تعجلوا العذاب كما صورت أحوالهم عندما يرون العذاب ، فقال - تعالى - :( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً .

.

.

)قوله " أرأيتم " بمعنى أخبروني .

وكلمة أرأيت تستعمل فى القرآن للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل ، فهو استفهام للتنبيه مؤداه : أرأيت كذا أو عرفته؟

إن لم تكن أبصرته أو عرفته فانظره وتأمله وأخبرني عنه .ولما كانت الرؤية للشيء سببا لمعرفته وللإِخبار عنه ، أطلق السبب وأريد المسبب فهو مجاز مرسل علاقته السببية والمسببية .وقوله : بياتا أى : ليلا ، ومنه البيت لأنه يبات فيه .

يقال : بات يبيت بيتا وبياتا .وقوع العذاب سواء أكان بالليل أم بالنهار لا يمكن دفعه ، ولا يمكن أن يتعجله عاقل ، لأنه - كما يقول صاحب الكشاف - : كل مكروه ، مر المذاق ، موجب للنفار منه ، فكيف ساغ لكم أن تستعجلوا نزول شيء فيه هلاككم ومضرتكم؟!!وقال - سبحانه - ( بياتا ) ولم يقل ليلا ، للإِشعار بمجئ العذاب فى وقت غفلتهم ونومهم بحيث لا يشعرون به ، فهم قد يقضون جانبا من الليل فى اللهو واللعب ، ثم ينامون فيأتيهم العذاب فى هذا الوقت الذى هجعوا فيه .فالآية الكريمة توبيخ لهم على استعجالهم وقوع شيء من شأن العقلاء أنهم يرجون عدم وقوعه .ولذا قال القرطبي : " قوله : ( مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون ) استفهام معناه التهويل والتعظيم .

أى : ما أعظم ما يستعجلون به .

كما يقال لمن يطلب أمرا تستوخم عاقبته : ماذا تجني على نفسك " .وجواب الشرط لقوله : ( إِنْ أَتَاكُمْ .

.

.

) محذوف والتقدير : إن أتاكم عذابه فى أحد هذين الوقتين أفزعكم وأهلككم فلماذا تستعجلون وقوع شيء هذه نتائجه؟وقد ذكر صاحب الكشاف وجها خر بعد أن ذكر هذا الوجه فقال : فإن قلت : فهلا قيل ماذا يستعجلون منه؟

قلت : أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإِجرام ، لأن من شأن المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه ، ويهلك فزعا من مجيئه ون أبطأ - فضلا عن أن يستعجله - ويجوز أن يكون ( مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون ) جوابا للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن قولهم: ﴿ متى هذا الوعد إن كنتم صادقين  ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: حاصل الجواب أن يقال لأولئك الكفار الذين يطلبون نزول العذاب بتقدير أن يحصل هذا المطلوب وينزل هذا العذاب ما الفائدة لكم فيه؟

فإن قلتم نؤمن عنده، فذلك باطل، لأن الإيمان في ذلك الوقت إيمان حاصل في وقت الإلجاء والقسر، وذلك لا يفيد نفعاً ألبتة، فثبت أن هذا الذي تطلبونه لو حصل لم يحصل منه إلا العذاب في الدنيا، ثم يحصل عقيبه يوم القيامة عذاب آخر أشد منه، وهو أنه يقال: للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد، ثم يقرن بذلك العذاب كلام يدل على الإهانة والتحقير وهو أنه تعالى يقول: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ فحاصل هذا الجواب: أن هذا الذي تطلبونه هو محض الضرر العاري عن جهات النفع والعاقل لا يفعل ذلك.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ بَيَاتًا ﴾ أي ليلاً يقال بت ليلتي أفعل كذا، والسبب فيه أن الإنسان في الليل يكون ظاهراً في البيت، فجعل هذا اللفظ كناية عن الليل والبيات مصدر مثل التبييت كالوداع والسراح، ويقال في النهار ظللت أفعل كذا، لأن الإنسان في النهار يكون ظاهراً في الظل.

وانتصب ﴿ بياتاً ﴾ على الظرف أي وقت بيات وكلمة ﴿ مَاذَا ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أن يكون ماذا اسماً واحداً ويكون منصوب المحل كما لو قال ماذا أراد الله، ويجوز أن يكون ﴿ ذا ﴾ بمعنى الذي، فيكون ﴿ ماذا ﴾ كلمتين ومحل ﴿ ما ﴾ الرفع على الابتداء وخبره ﴿ ذا ﴾ وهو بمعنى الذي، فيكون معناه ما الذي يستعجل منه المجرمون ومعناه، أي شيء الذي يستعجل من العذاب المجرمون.

واعلم أن قوله: ﴿ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا ﴾ شرط.

وجوابه: قوله: ﴿ ماذا يستعجل منه المجرمون ﴾ ، وهو كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، يعني: إن حصل هذا المطلوب، فأي مقصود تستعجلونه منه.

وأما قوله: ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ ﴾ فاعلم أن دخول حرف الاستفهام على ثم كدخوله على الواو والفاء في قوله: ﴿ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى  ﴾ ﴿ أَفَأَمِنَ  ﴾ وهو يفيد التقريع والتوبيخ، ثم أخبر تعالى أن ذلك الإيمان غير واقع لهم بل يعيرون ويوبخون، يقال: آلآن تؤمنون وترجون الانتفاع بالإيمان مع أنكم كنتم قبل ذلك به تستعجلون على سبيل السخرية والاستهزاء، وقرئ ﴿ آلان ﴾ بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام.

وأما قوله: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الخلد ﴾ فهو عطف عى الفعل المضمر قبل ﴿ آلان ﴾ والتقدير: قيل: آلان وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد.

وأما قوله تعالى: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ ففيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى أينما ذكر العقاب والعذاب ذكر هذه العلة كأن سائلاً يسأل يقول: يا رب العزة أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا التشديد والوعيد، فهو تعالى يقول: أنا ما عاملته بهذه المعاملة ابتداء بل هذا وصل إليه جزاء على عمله الباطل وذلك يدل على أن جانب الرحمة راجح غالب، وجانب العذاب مرجوح مغلوب.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن الجزاء يوجب العمل، أما عند الفلاسفة فهو أثر العمل، لأن العمل الصالح يوجب تنوير القلب، وإشراقه إيجاب العلة معلولها وأما عند المعتزلة فلأن العمل الصالح يوجب استحقاق الثواب على الله تعالى وأما عند أهل السنة، فلأن ذلك الجزاء واجب بحكم الوعد المحض.

المسألة الثالثة: الآية تدل على كون العبد مكتسباً خلافاً للجبرية، وعندنا أن كونه مكتسباً معناه أن مجموع القدرة مع الداعية الخالصة يوجب الفعل والمسألة طويلة معروفة بدلائلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بَيَاتًا ﴾ نصب على الظرف، بمعنى.

وقت بيات، فإن قلت: هلا قيل ليلاً أو نهاراً؟

قلت: لأنه أريد: إن أتاكم عذابه وقت بيات فبيتكم وأنتم ساهون لا تشعرون، كما يبيت العدو المباغت.

والبيات بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى التسليم، وكذلك قوله: ﴿ نَهَارًا ﴾ معناه في وقت أنتم فيه مشتغلون بطلت بالمعاش والكسب.

ونحوه ﴿ بياتا وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾ [الأعراف: 98] ، ﴿ ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ [الأعراف: 98] الضمير في ﴿ مِنْهُ ﴾ للعذاب.

والمعنى: أن العذاب كله مكروه مرّ المذاق موجب للنفار، فأي شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال.

ويجوز أن يكون معناه التعجب، كأنه قيل أي شيء هول شديد يستعجلون منه، ويجب أن تكون (من) للبيان في هذا الوجه.

وقيل: الضمير في ﴿ مِنْهُ ﴾ لله تعالى.

فإن قلت: بم تعلق الاستفهام؟

وأين جواب الشرط قلت تعلق بأرأيتم لأنَّ المعنى: أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون وجواب الشرط محذوف وهو: تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ فيه.

فإن قلت: فهلا قيل: ماذا تستعجلون منه.

قلت: أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام؛ لأنّ من حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعاً من مجيئه وإن أبطأ، فضلاً أن يستعجله.

ويجوز أن يكون ﴿ مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون ﴾ جواباً للشرط، كقولك: إن أتيتك ماذا تطعمني؟

بما تتعلق الجملة بأرأيتم، وأن يكون ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ ﴾ جواب الشرط، و ﴿ مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون ﴾ اعتراضاً.

والمعنى: إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على ثم، كدخوله على الواو والفاء في قوله: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى ﴾ [الأعراف: 97] ، ﴿ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى ﴾ [الأعراف: 98] .

﴿ ءآلئان ﴾ على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب: آلآن آمنتم به ﴿ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ يعني: وقد كنتم به تكذبون؛ لأنّ استعجالهم كان على جهة التكذيب والإنكار.

وقرئ: (الآن)، بحذف الهمزة بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام ﴿ ثُمَّ قِيلَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ عطف على (قيل) المضمر قبل آلآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ ﴾ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ.

﴿ بَياتًا ﴾ وقْتَ بَياتٍ واشْتِغالٍ بِالنَّوْمِ.

﴿ أوْ نَهارًا ﴾ حِينَ كُنْتُمْ مُشْتَغِلِينَ بِطَلَبِ مَعاشِكم.

﴿ ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ ﴾ أيُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ يَسْتَعْجِلُونَهُ، وكُلُّهُ مَكْرُوهٌ لا يُلائِمُ الِاسْتِعْجالَ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي، والمُجْرِمُونَ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لِجُرْمِهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَفْزَعُوا مِن مَجِيءِ العَذابِ لا أنْ يَسْتَعْجِلُوهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وهو تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا خَطَأهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ ماذا كَقَوْلِكَ إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُعْطِينِي وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةً بِـ ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿ أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ ﴾ بِمَعْنى إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، وماذا يَسْتَعْجِلُ اعْتِراضٌ ودُخُولُ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَلى « ثُمَّ» لِإنْكارِ التَّأْخِيرِ.

﴿ آلآنَ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قِيلَ لَهم إذا آمَنُوا بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ.

وعَنْ نافِعٍ (آلانَ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ والفاءُ حَرَكَتُها عَلى اللّامِ.

﴿ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)

{قل أرأيتم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ} الذي تستعجلونه {بَيَاتًا} نصب على الظرف أي وقت بيات وهو الليل وأنتم ساهون نائمون لا تشعرون {أَوْ نَهَارًا} وانتم مشتغلون بطلب

يونس (٥٠ _ ٥٥)

المعاش والكسب {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون} أي من العذاب والمعنى أن العذاب كله مكروه موجب للنفور فأي شيء تستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال والاستفهام في ماذا يتعلق بأرأيتم لأن المعنى أخبرونى ماذا يتعلق بأرأيتم لأن المعنى أخبرونى ماذا يستعجل منه المجرموون وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه ولم يقل ماذا يستعجلون منه لأنه أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام أو ماذا يستعجل منه المجرمون جواب الشرط نحو إن أتيتك ماذا تطعمنى ثم تتعلق الجملة بأرأيتم أو

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ ﴾ لَهم بَعْدَما بَيَّنْتُ لَهم كَيْفِيَّةَ حالِكَ وجَرَيانَ سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى فِيما بَيْنَ الأُمَمِ عَلى الإطْلاقِ ونَبَّهْتُهم عَلى أنَّ عَذابَهم أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَحْتُومٌ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى مَجِيءِ أجَلِهِ المَعْلُومِ إيذانًا بِكَمالِ دُنُوِّهِ وتَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ إتْيانِهِ حَقِيقَةً ﴿ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ ﴾ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ولَعَلَّ اسْتِعْمالَ ﴿ إنْ ﴾ مِن بابِ المُجاراةِ ﴿ بَياتًا ﴾ أيْ وقْتَ بَياتٍ أوْ ﴿ نَهارًا ﴾ أيْ عِنْدَ اشْتِغالِكم بِمَشاغِلِكم وإنَّما لَمْ يَقُلْ لَيْلًا ونَهارًا لِيَظْهَرَ التَّقابُلُ لِأنَّ المُرادَ الإشْعارُ بِالنَّوْمِ والغَفْلَةِ والبَياتُ مُتَكَفِّلٌ بِذَلِكَ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يَبِيتُ فِيهِ العَدُوُّ ويُوقَعُ فِيهِ ويَغْتَنِمُ فُرْصَةَ غَفْلَتِهِ ولَيْسَ في مَفْهُومِ اللَّيْلِ هَذا المَعْنى ولَمْ يَشْتَهِرْ شُهْرَةَ النَّهارِ بِالِاشْتِغالِ بِالمَصالِحِ والمَعاشِ حَتّى يَحْسُنَ الِاكْتِفاءُ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ كَما في النَّهارِ وقَدْ يُقالُ: النَّهارُ كُلُّهُ مَحَلُّ الغَفْلَةِ لِأنَّهُ إمّا زَمانُ اشْتِغالٍ بِمَعاشٍ أوْ زَمانُ قَيْلُولَةٍ بِخِلافِ اللَّيْلِ فَإنَّ مَحَلَّ الغَفْلَةِ فِيهِ ما قارَبَ وسَطَهُ وهو وقْتُ البَياتِ فَلِذا خُصَّ بِالذِّكْرِ والبَياتُ جاءَ بِمَعْنى البَيْتُوتَةِ وبِمَعْنى التَّبْيِيتِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ والمَعْنى المُرادُ هُنا مَبْنِيٌّ عَلى هَذا ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ 50﴾ أيْ أيَّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ يُوجِبُ الِاسْتِعْجالَ لَمّا أنَّ كُلَّهُ مَكْرُوهٌ مُرُّ المَذاقِ مُوجِبٌ لِلنِّفارِ فَمِن لِلتَّبْعِيضِ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ والتَّنْكِيرُ في شَيْءٍ لِلْفَرْدِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى التَّعَجُّبِ وهو مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ كَأنَّهُ قِيلَ: أيْ هَوْلٌ شَدِيدٌ يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ فَمِن بَيانِيَّةٌ وتَجْرِيدِيَّةٌ بِناءً عَلى عَدِّ الزَّمَخْشَرِيِّ لَها مِنها وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى وعَلَيْهِ فالمَعْنى عَلى الثّانِي ولَكِنْ تَزُولُ فائِدَةُ الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ وما فِيهِ مِنَ التَّفْخِيمِ وما قِيلَ: إنَّهُ أبْلَغُ عَلى مَعْنى هَلْ تَعْرِفُونَ ما العَذابُ المُعَذِّبُ بِهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ (1) فَهو مُشْتَرَكٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَذابُهُ ﴾ و ﴿ ماذا ﴾ بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ مَنصُوبُ المَحَلِّ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا وهو أوْلى مِن جَعْلِهِ مُبْتَدَأً ومَن فَعَلَ قَدَّرَ العائِدَ ومَن قالَ: إنَّ ضَمِيرَ ﴿ مِنهُ ﴾ هو الرّابِطُ مَعَ تَفْسِيرِهِ بِالعَذابِ جَنَحَ إلى أنَّ المُسْتَعْجَلَ مِنَ العَذابِ فَهو شامِلٌ لِلْمُبْتَدَأِ فَيَقُومُ مَقامَ رابِطِهِ لِأنَّ عُمُومَ الخَبَرِ في الِاسْمِ الظّاهِرِ يَكُونُ رابِطًا عَلى المَشْهُورِ فَفي الضَّمِيرِ أوْلى وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُبْتَدَأِ وهو الرّابِطُ وجَعَلَ ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِكَ: زَيْدٌ أخَذْتُ مِنهُ دِرْهَمًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى والمُرادُ مِنَ المُجْرِمُونَ المُخاطَبُونَ وعُدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لِجُرْمِهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَفْزَعُوا مِن إتْيانِ العَذابِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَعْجِلُوهُ وقِيلَ: النُّكْتَةُ في ذَلِكَ إظْهارُهُ تَحْقِيرَهم وذَمَّهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ الفَظِيعَةِ والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرَأيْتُمْ عَلى أنَّها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وعُلِّقَ عَنْها الفِعْلُ لِلِاسْتِفْهامِ وهو في الأصْلِ اسْتِفْهامٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أوِ العِلْمِيَّةِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى أخْبِرُونِي لِما بَيْنَ الرُّؤْيَةِ والإخْبارِ مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبِّبِيَّةِ في الجُمْلَةِ فَهو مَجازٌ فِيما ذُكِرَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الكَثِيرُ وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ إلّا في الأمْرِ العَجِيبِ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ إنْ أتاكم عَذابُهُ في أحَدِ ذِينِكَ الوَقْتَيْنِ تَنْدَمُوا أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ أوْ فَأخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ وزَعَمَ أبُو حَيّانَ تَعَيُّنَ الأخِيرِ لِأنَّ الجَوابَ إنَّما يُقَدَّرُ مِمّا تَقَدَّمَهُ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا ولَمْ يَدْرِ أنَّ تَقْدِيرَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِ المَذْكُورِ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ ولَئِنْ سَلَّمَ صِحَّةَ الحَصْرِ الَّذِي ادَّعاهُ فَما ذَكَرَ غَيْرُ خارِجٍ عَنْهُ بِناءً عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ ﴿ ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ ﴾ إلَخْ تَنْدِيمُهم أوْ تَجْهِيلُهم كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وفِي الكَشْفِ تَقْرِيرًا لِأحَدِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ في الكَشّافِ أنَّ ﴿ ماذا ﴾ إلَخْ مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ والشَّرْطُ مَعَ جَوابِهِ المَحْذُوفِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الِاسْتِخْبارِ ولِهَذا وسُطَ بَيْنَهُما ولَمّا كانَ في الِاسْتِفْهامِ تَجْهِيلٌ وتَنْدِيمٌ قُدِّرَ الجَوابُ تَنْدَمُوا أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ ولا مانِعَ مِن تَقْدِيرِهِما مَعًا أوْ ما يُفِيدُ المَعْنَيَيْنِ ولِهَذا حُذِفَ الجَوابُ ووُسِّطَ تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ انْتَهى وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿ ماذا يَسْتَعْجِلُ ﴾ جَوابًا لِلشَّرْطِ كَقَوْلِكَ: إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي والمَجْمُوعُ بِتَمامِهِ مُتَعَلِّقٌ بِأرَأيْتُمْ ورُدَّ بِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ تَقُولُ: إنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ رَجُلٍ هو ولا تُحْذَفُ إلّا ضَرُورَةً وقَدْ صُرِّحَ في المُفَصَّلِ بِأنَّ الجُمْلَةَ إذا كانَتْ إنْشائِيَّةً لا بُدَّ مِنَ الفاءِ مَعَها والِاسْتِفْهامُ وإنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ حَقِيقَتُهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الإنْشائِيَّةِ والمِثالُ مَصْنُوعٌ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وأُجِيبُ بِأنَّ الرَّضِيَّ صَرَّحَ بِأنَّ وُقُوعَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ جَوابًا بِدُونِ الفاءِ ثابِتٌ في كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ ولَوْ سَلِمَ ما ذُكِرَ فَيُقَدَّرُ القَوْلُ وحَذْفُهُ كَثِيرٌ مُطَّرِدٌ بِلا خِلافٍ وأوْرَدَ أيْضًا عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ اسْتِعْجالَ العَذابِ قَبْلَ إتْيانِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ وجَزاءً لَهُ وأُجِيبُ بِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ حالٍ ماضِيَةٍ أيْ ماذا كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّصْرِيحِ - بِكُنْتُمْ - فِيما بَعْدُ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مُجَرَّدَ ذَلِكَ لا يُجَوِّزُ كَوْنَهُ جَوابًا لِأنَّ الِاسْتِعْجالَ الماضِيَ لا يَتَرَتَّبُ عَلى إتْيانِ العَذابِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ نَحْوَ تَعْلَمُوا أيْ تَعْلَمُوا ماذا إلَخْ وقِيلَ: إنْ أتاكم بِمَعْنى إنْ قارَبَ إتْيانُهُ إيّاكم أوِ المُرادُ إنْ أتاكم أماراتُ عَذابِهِ وقِيلَ: حَيْثُ إنَّ المُرادَ إنْكارُ الِاسْتِعْجالِ بِمَعْنى نَفْيِهِ رَأْسًا صَحَّ كَوْنُهُ جَوابًا واعْتُرِضَ عَلى جَعْلِ مَجْمُوعِ الشُّرْطِيَّةِ مُتَعَلِّقًا (بِأرَأيْتُمْ)بِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لَهُ بِناءً عَلى أنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي وهو مُتَعَدٍّ بِعْنَ ولا تَدْخُلُ الجُمْلَةُ إلّا أنَّها إذا اقْتَرَنَتْ بِالِاسْتِفْهامِ وقُلْنا بِجَوازِ تَعْلِيقِها وفِيهِ كَلامٌ في العَرَبِيَّةِ ودَفْعٌ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ بِالتَّعَلُّقِ التَّعَلُّقُ اللُّغَوِيُّ لِأنَّ المَعْنى أخْبِرُونِي عَنْ صَنِيعِكم إنْ أتاكم إلَخْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ.

يا أهل مكة إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ، يعني: عذاب الله تعالى.

بَياتاً ليلاً كما جاء إلى قوم لوط، أَوْ نَهاراً يعني: مجاهرة كما جاء إلى قوم شعيب  .

مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ، يقول: بأي شيء يستعجل منه المجرمون، يعني: المشركين، ويقال: ماذا ينفعهم استعجالهم منه، أي من عذاب الله؟.

قوله تعالى: أَثُمَّ إِذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ، يعني: إذا وقع العذاب صدقتم به، يعني: بالعذاب، ويقال: صدّقتم بالله تعالى.

آلْآنَ، يعني: يقال لهم: آمنتم بالعذاب حين لا ينفعكم، وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ وهذا اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التهديد.

قوله تعالى: ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا، يعني: قالت لهم خزنة جهنم: ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ، الذي لا ينقطع.

هَلْ تُجْزَوْنَ، يقول: هل تثابون، إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ من الكفر والتكذيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ: قال مجاهد وغيره: المعنَى: فإِذا جاء رسولهم يوم القيامة للشَّهادة عليهم، صُيِّرَ قومٌ للجنَّة، وقومٌ للنار، فذلك القضاء بينهم بالقسط «١» .

وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)

وقوله سبحانه: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ...

الآية:

الضميرُ في يَقُولُونَ لكفَّار قريش، وسؤالهم عن الوعدِ تحريرٌ منهم- بزعمهم- للحجَّة أي: هذا العذابُ الذي تُوُعِّدْنا به، حَدِّدْ لنا وقته لِنَعْلَمَ الصِّدْق في ذلك من الكَذِب، ثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ أَنْ يقول على جهة الردِّ عليهم: قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ، ولكن لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ انفرد اللَّه بعلْمِ حدِّه ووقتِهِ، وباقي الآية بَيِّن.

وقوله: مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ: أي: فمَا تستعجلون منه، وأنتم لا قِبَلَ لكم بِهِ، والضمير في «مِنْهُ» يحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يعود على العَذَابِ.

وقوله: أَثُمَّ إِذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ المعنى: إِذا وقع العذابُ وعاينتموه، آمنتم حينئذٍ، وذلك غَيْر نافعكم، بل جوابُكُمْ: الآن وقَدْ كُنْتُمْ تستعجلونَهُ مكذِّبين به، وَيَسْتَنْبِئُونَكَ:

معناه: يستخبرُونَك، وهي عَلَى هذا تتعدَّى إِلى مفعولَيْنِ أَحدُهما: الكافُ، والآخرُ:

الجملة، وقيل: هي بمعنى يَسْتَعلِمُونَكَ فعلى هذا تحتاجُ إِلَى ثَلاَثةِ مَفَاعِيلَ.

ص: ورُدَّ بأن الاستنباء لا يُحْفَظُ تعديه إِلى ثلاثةٍ، ولاَ اسْتَعْلَمَ الذي هو بِمَعْنَاه.

انتهى.

وأَ حَقٌّ هُوَ قيل: الإِشارة إِلى الشرعِ والقُرآن، وقيل: إِلى الوعيدِ وهو أَظْهر.

وقوله: إِي وَرَبِّي: أي: بمعنى «نَعَمْ» ، وهي لفظة تتقدَّم القَسَم، ويجيء بعدها

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا.

.

.

﴾ الآيَةُ، قَدْ ذَكَرْتُ تَفْسِيرَها في آيَتَيْنِ مَنَ (الأعْرافِ:٣٤ و١٨٨) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: البَياتُ: كُلُّ ما كانَ بِلَيْلٍ.

وقَوْلُهُ: " ماذا " في مَوْضِعِ رَفْعٍ مِن جِهَتَيْنِ.

إحْداهُما: أنْ يَكُونَ " ذا " بِمَعْنى الَّذِي، المَعْنى: ما الَّذِي يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ ؟

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " ماذا " اسْمًا واحِدًا، فَيَكُونُ المَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ ؟

والهاءُ في " مِنهُ " تَعُودُ عَلى العَذابِ.

وجائِزٌ أنْ تَعُودَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ المَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ المُجْرِمُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ؟

وعَوْدُها عَلى العَذابِ أجْوَدُ، لِقَوْلِهِ: ﴿ أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ ﴾ .

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِالمُجْرِمِينَ: المُشْرِكُونَ، وكانُوا يَقُولُونَ: نُكَذِّبُ بِالعَذابِ ونَسْتَعْجِلُهُ، ثُمَّ إذا وقَعَ العَذابُ آمَنّا بِهِ؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُوَبِّخًا لَهم: ﴿ أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ ﴾ أيْ: هُنالِكَ تُؤْمِنُونَ فَلا يُقْبَلُ مِنكُمُ الإيمانُ، ويُقالُ لَكم: الآنَ تُؤْمِنُونَ ؟

فَأضْمَرَ: تُؤْمِنُونَ بِهِ مَعَ " آلآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ " مُسْتَهْزِئِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: كَفَرُوا، عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ ﴿ ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ ﴾ لِأنَّهُ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ، أفْضَوْا مِنهُ إلى عَذابِ الآخِرَةِ الدّائِمِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أو نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ قِيلَ: لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ المَعْنى: قُلْ: يا أيُّها الكَفَرَةُ المُسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ ﴾ لَيْلًا وقْتَ المَبِيتِ؟

يُقالُ: بَيَّتَ القَوْمُ القَوْمَ إذا طَرْقُوهم لَيْلًا بِحَرْبٍ أو نَحْوِها، "أو نَهارًا" لَكم مِنهُ مَنَعَةٌ أو بِهِ طاقَةٌ؟

فَماذا تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، وأنْتُمْ لا قِبَلَ لَكم بِهِ؟

و"ما" ابْتِداءٌ، و"ذا" خَبَرُهُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ، وضَعَّفَ هَذا أبُو عَلِيٍّ وقالَ: إنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارٍ في "يَسْتَعْجِلُ" وحَذْفُهُ كَما قالَ: .............................

∗∗∗ كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ وَ"زِيدٌ ضَرَبْتُ"، قالَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" في حالِ نَصْبٍ لِـ"يَسْتَعْجِلُ"، والضَمِيرُ في "مِنهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أثُمَّ إذا ما وقَعَ ﴾ الآيَةُ، عَطَفَ بِقَوْلِهِ: "ثُمَّ" جُمْلَةَ القَوْلِ عَلى ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ أدْخَلَ عَلى الجَمِيعِ ألِفَ التَقْرِيرِ.

ومَعْنى الآيَةِ: إذا وقَعَ العَذابُ وعايَنْتُمُوهُ آمَنتُمْ بِهِ حِينَئِذٍ، وذَلِكَ غَيْرُ نافِعِكُمْ، بَلْ جَوابُكُمُ الآنَ، وقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ مُكَذِّبِينَ بِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أثَمَّ" بِفَتْحِ الثاءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، مَعْناهُ: هُنالِكَ، وقالَ: لَيْسَتْ "ثُمَّ" هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى صَحِيحٌ عَلى أنَّها "ثُمَّ" المَعْرُوفَةُ، ولَكِنَّ إطْباقَهُ عَلى لَفْظِ التَنْزِيلِ هو كَما قُلْنا، وما ادَّعاهُ الطَبَرِيُّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.

و"آلْآنَ" أصْلُهُ عِنْدَ بَعْضِ النُحاةِ "آنَ" فِعْلٌ ماضٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: .............................

∗∗∗ ∗∗∗.......الحِمارُ اليُجَدَّعُ وَلَمْ يَتَعَرَّفْ بِذَلِكَ كُلَّ التَعْرِيفِ، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى حَرْفِ التَعْرِيفِ ولِذَلِكَ بُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الحَرْفِ، ولِوُقُوعِها مَوْقِعَ المُبْهَمِ، لِأنَّ مَعْناها: "هَذا الوَقْتُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والجُمْهُورُ: "آلْآنَ" بِالمَدِّ والِاسْتِفْهامِ عَلى حَدِّ التَوْبِيخِ، وكَذَلِكَ "آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ"، وقَرَأها بِاسْتِفْهامٍ بِغَيْرِ مَدٍّطَلْحَةُ والأعْرَجُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ الآيَةُ، هو الوَعِيدُ الأعْظَمُ بِالخُلُودِ لِأهْلِ الظُلْمِ الأخَصِّ الَّذِي هو ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ ﴾ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ.

ونَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ في الآخِرَةِ هو عَلى تَكَسُّبِ العَبْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ مَعْناهُ: يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي -عَلى هَذا- تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحُدُها الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ، فَهي -عَلى هَذا- تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ: أحُدُها الكافُ، والِابْتِداءُ والخَبَرُ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ.

و ﴿ أحَقٌّ هُوَ ﴾ قِيلَ: الإشارَةُ إلى الشَرْعِ والقُرْآنِ، وقِيلَ: إلى الوَعِيدِ، وهو الأظْهَرُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "آلْحَقُّ هُوَ" بِمَدَّةٍ وبِلامِ التَعْرِيفِ، وقَوْلُهُ: "إي" هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى "نَعَمْ"، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي ورَبِّي، وإي رَبِّي، و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلَتِينَ، وهَذا الفِعْلُ أصْلُهُ تَعْدِيَةُ "عَجَزَ" لَكِنْ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: "أعْجَزً فُلانٌ" إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا جواب ثان عن قولهم: ﴿ متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ [يونس: 48] باعتبار ما يتضمنه قولهم من الوعد بأنهم يؤمنون إذا حق الوعد الذي توعدهم به، كما حكي عنهم في الآية الأخرى ﴿ أو تسقط السماء كما زعمتَ علينا كِسفاً ﴾ [الإسراء: 90 92]، وهذا الجواب إبداء لخلل كلامهم واضطراب استهزائهم، وقع هذا الأمر بأن يجيبهم هذا الجواب بعد أن أمر بأن يجيبهم بقوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله ﴾ [يونس: 49]، وهذا الجواب واقع موقع التسليم الجدلي بعد أن يجاب المخطئ بالإبطال.

وحاصل هذا الجواب إن قدر حصول ما سألتم تعيين وقته ونزول كسف من السماء بكم أو نحوه ماذا يحصل من فائدة لكم في طلب تعجيل حصوله إذ لا تخلون عن أن تكونوا تزعمون أنكم تؤمنون حينئذٍ فذلك باطل لأن العذاب يعاجلكم بالهلاك فلا يحصل إيمانكم.

وهذا كما قال بعض الواعظين: نحن نريد أن لا نموت؛ حتى نتوب؛ ونحن لا نتوب حتى نموت.

ووقع في خلال هذا الجواب تفنن في تخييل التهويل لهذالعذاب الموعود بقوله: ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ﴾ تخييلاً يناسب تحقق وقوعه فإن هاذين الوقتين لا يخلو حلول الحوادث عن أحدهما، على أنه ترديد لمعنى العذاب العاجل تعجيلاً قريباً أو أقلَّ قرباً، أي أتاكم في ليل هذا اليوم الذي سألتموه أو في صبيحته، على أن في ذكر هذين الوقتين تخييلاً مَا لصورة وقوع العذاب استحضاراً له لديهم على وجه يحصل به تذكيرهم انتهازاً لِفرصة الموعظة، كالتذكير به في قوله: ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ﴾ [الأنعام: 47].

والبيات: اسم مصدر التبييت، ليلاً كالسلام للتَّسليم، وذلك مباغتة.

وانتصب ﴿ بياتاً ﴾ على الظرفية بتقدير مضاف، أي وقت بيات.

وجواب شرط ﴿ إن أتاكم عذابه ﴾ محذوف دل عليه قوله: ﴿ ماذا يستعجل منه المجرمون ﴾ الذي هو ساد مسد مفعولي (أرأيتم) إذ علقه عن العمل الاستفهام ب (ماذا).

و ﴿ ماذا ﴾ كلمتان هما (ما) الاستفهامية و(ذا).

أصله إشارة مشار به إلى مأخوذ من الكلام الواقع بعده.

واستعمل (ذا) مع (ما) الاستفهامية في معنى الذي لأنهم يراعون لفظ الذي محذوفاً.

وقد يظهر كقوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ [البقرة: 255].

وهذا الاستفهام مستعمل في الإنكار عليهم، وفي التعجيب من تعجلهم العذاب بنية أنهم يؤمنون به عند نزوله.

و (مِن) للتبعيض.

والمعنى ما الذي يستعجله المجرمون من العذاب، أي لا شيء من العذاب بصالححٍ لاستعجالهم إياه لأن كل شيء منه مهلك حائل بينهم وبين التمكن من الإيمان وقت حلوله.

وفائدة الإشارة إليه، تهويله أو تعظيمه أو التعجيب منه كقوله تعالى: ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ [البقرة: 26]، فالمعنى ما هذا العذاب العظيم في حال كونه يستعجله المجرمون، فجملة ﴿ يستعجل منه ﴾ في موضع الحال من اسم الإشارة، أي أن مثله لا يُستعجل بل شأنه أن يُستأخَر.

و (من) بيانية، والمعنى معها على معنى ما يسمى في فن البديع بالتجرد.

واعلم أن النحاة يذكرون استعمال (ماذا) بمعنى (ما الذي) وإنما يعنون بذلك بعض مواضع استعماله وليس استعمالاً مطرداً.

وقد حقق ابن مالك في «الخلاصة» إذ زاد قيداً في هذا الاستعمال فقال ومثل ما، ذا بعد ما استفهام *** أو مَن إذا لم تلغ في الكلام يريد إذا لم يكن مزيداً.

وإنما عبر بالإلغاء فراراً من إيراد أن الأسماء لا تزاد.

والحق أن المراد بالزيادة أن اسم الإشارة غير مفيد معناه الموضوع له ولا هو بمفيد تأسيس معنى في الكلام ولكنه للتقوية والتأكيد الحاصل من الإشارة إلى ما يتضمنه الكلام، وقد أشار إلى استعمالاته صاحب «مغنى اللبيب» في فصل عقده ل (ماذ) وأكثر من المعاني ولم يحرر انتساب بعضها من بعض.

وانظر ما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ [يونس: 32] المتقدم آنفاً، وقوله تعالى: ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ في سورة [البقرة: 26].

والمجرمون: أصحاب الجرم وهو جرم الشرك.

والمراد بهم الذين يقولون ﴿ متى هذا الوعد ﴾ [يونس: 48]، وهم مشركو مكة فوقع الإظهار في مقام الإضمار عوض أن يقال ماذا يستعجلون منه لقصد التسجيل عليهم بالإجرام، وللتنبيه على خَطَئِهم في استعجال الوعيد لأنه يأتي عليهم بالإهلاك فيصيرون إلى الآخرة حيث يُفضون إلى العذاب الخالد فشأنهم أن يستأخروا الوعد لا أن يستعجلوه، فدل ذلك على أن المعنى لا يستعجلون منه إلاّ شراً.

وعطفت جملة: ﴿ أثم إذا ما وقع ﴾ بحرف المهلة للدلالة على التراخي الرتبي كما هو شأن (ثم) في عطفها الجمل، لأن إيمانهم بالعذاب الذي كانوا ينكرون وقوعه حين وقوعه بهم أغرب وأهم من استعجالهم به.

وهمزة الاستفهام مقدمة من تأخير كما هو استعمالها مع حروف العطف المفيدة للتشريك.

والتقدير: ثم أإذا ما وقع، وليس المراد الاستفهام عن المهلة.

والمستفهم عنه هو حصول الإيمان في وقت وقوع العذاب، وهذا الاستفهام مستعمل في الإنكار بمعنى التغليط وإفساد رأيهم، فإنهم وعدوا بالإيمان عند نزول العذاب استهزاء منهم فوقع الجواب بمجاراة ظاهر حالهم وبيان أخطائهم، أي أتؤمنون بالوعد عند وقوعه على طريقة الأسلوب الحكيم، كقوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ [البقرة: 189.] وكلمة ﴿ آلآن ﴾ استفهام إنكاري عن حصول إيمانهم عند حلول ما توعدهم، فعبر عن وقت وقوعه باسم الزمان الحاضر وهو (الآن) حكاية للساننِ حاللِ منكر عليهم في ذلك الوقت استحضر حال حلول الوعد كأنه حاضر في زمن التكلم، وهذا الاستحضار من تخييل الحالة المستقبلة واقعة.

ولذلك يحسن أن نجعل (آلآن) استعارة مكنية بتشبيه الزمن المستقبل بزمن الحال، ووجه الشبه الاستحضار.

ورمز إلى المشبه به بذكر لفظ من روادفه، وهو اسم الزمن الحاضر.

وجملة: ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ ترشيح، وإما تقدير قول في الكلام، أي يقال لهم إذا آمنوا بعد نزول العذاب آلآن آمنتم، كما ذهب إليه أكثر المفسرين.

فذلك تقدير معنى لا تقدير نظم وإعراب لأن نظم هذا الكلام أدق من ذلك.

ومعنى: ﴿ تستعجلون ﴾ تكذبون، فعبر عن التكذيب بالاستعجال حكايةً لحاصل قولهم ﴿ متى هذا الوعد ﴾ [يونس: 48] الذي هو في صورة الاستعجال، والمرادُ منه التكذيب.

وتقديم المجرور للاهتمام بالوعد الذي كذبوا به، وللرعاية على الفاصلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهو طَلَبُ النَّبَأِ.

﴿ أحَقٌّ هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: البَعْثُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: العَذابُ في الآخِرَةِ.

﴿ قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ فَأقْسَمَ مَعَ إخْبارِهِ أنَّهُ حَقٌّ تَأْكِيدًا.

﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمُمْتَنِعِينَ.

الثّانِي: بِسابِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أخْفَوُا النَّدامَةَ وكَتَمُوها عَنْ رُؤَسائِهِمْ، وقِيلَ بَلْ كَتَمَها الرُّؤَساءُ عَنْ أتْباعِهِمْ.

الثّانِي: أظْهَرُوها وكَشَفُوها لَهم.

وَذَكَرَ المُبَرَّدُ فِيهِ وجْهًا ثالِثًا: أنَّهُ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ وهي تَكاسِيرُ الجَبْهَةِ.

﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رُؤَسائِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: قَضى عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن عَذابِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ قال: سوء العذاب في حياتك ﴿ أو نتوفينك ﴾ قبل ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ وفي قوله: ﴿ ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم ﴾ قال: يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا ﴾ الآية، هذا جواب لقولهم: متى هذا الوعد، وهذا استعجال منهم للعذاب (١)  : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ ﴾ أي أعلمتم (٢) ﴿ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ ﴾ أي عذاب الله ﴿ بَيَاتًا ﴾ ، قال الزجاج: البيات: كل ما كان بليل، وهو منصوب على الوقت (٣) (٤) ﴿ أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ \[يجوز أن يكون (ماذا) اسمان، فيكون (ما) استفهامًا، و (ذا) بمعنى (الذي)، ويكون المعنى ما الذي يستعجل منه المجرمون؟\] (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وأما معنى هذا الاستفهام فقال ابن الأنباري وصاحب النظم: معناه: التهويل والتحذير والتفظيع، أي: ما أعظم ملتمسهم، وأشد وقوع الذي يبغون، ونزوله بهم، وهذا كقولك لمن هو في أمر تستوخم (١٣) (١٤) (١٥) هوت أمه ما يبعث الصبح غاديًا ...

وماذا يؤدي الليل حين يؤوب فهذا الاستفهام معناه التعظيم لشأن من ذكر، والتهويل منه.

وقال بعض أصحاب المعاني (١٦) ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ ﴾ أي أعلمتم؛ لأن هذا من رؤية القلب فيكون معناه العلم، ماذا يستعجل المجرمون من العذاب إن أتاكم بياتًا أو نهارًا؟

أي: أعلمتم أي شيء استعجلوه (١٧) (١٨) (١) في (م): (للعقاب).

(٢) في (ى): (علمتم).

(٣) يعني نصب على الظرفية.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 24.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).

(٦) في (ح): (جعل).

(٧) انظر: "الإغفال" ص 865، وما بعدها.

(٨) ساقط من (ح) و (ز).

(٩) في (ح) و (ز): (موضعه).

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 24، وعبارته: (ما) في موضع رفع من جهتين، إحداهما: أن يكون (ذا) بمعنى (ما الذي)، ويجوز أن يكون (ماذا) اسمًا واحدًا، ويكون المعنى: أي شيء يستعجل منه المجرمون.

(١١) يعني "الإغفال"، انظر ص 865.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 24.

(١٣) تستوخم: أي تستردئ وتستثقل.

انظر: "اللسان" (وخم) 12/ 631.

(١٤) ذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 350 دون نسبة.

(١٥) هو: كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه.

انظر: "الصحاح" (هوى) 6/ 2539، "تهذيب اللغة" (هوى) 6/ 492، "الأمالي" للقالي 2/ 150، "التكملة" للصغاني (هـ وى) 6/ 540، "لسان العرب" (هوا) 15/ 373.

ومعنى هوت أمة: أي هلكت، كما في المصدر الأخير، نفس الموضع.

(١٦) يعني الحوفي، انظر: "البحر المحيط" 6/ 68، "الدر المصون" 6/ 215، والنسخة التي بين يدي من كتابه "البرهان" ينقصها سورة يونس، وبعض سورة التوبة.

(١٧) هكذا، والسياق يقتضي أن يقول: استعجلتموه.

(١٨) في (ج): (العلم).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد ﴾ كلام فيه استبعاد واستخفاف ﴿ بياتا ﴾ أي بالليل ﴿ مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون ﴾ المعنى أي شيء يستعجلون من العذاب وهو ما لا طاقة لكم به، وقوله: ماذا جواب إن أتاكم، والجملة متعلقة بأرأيتم ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ دخلت همزة التقرير على ثم العاطفة، والمعنى إذا وقع العذاب وعاينتموه آمنتم به الآن، وذلك لا ينفعكم لأنكم كنتم تستعجلونه ومكذبين به.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أفأنت ﴾ بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ ولكن الناس ﴾ بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يحشرهم ﴾ بالياء: حفص الباقون بالنون ﴿ نرينك أو نتوفينك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس ﴿ آلان ﴾ بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ فليفرحوا ﴾ بياء الغيبة ﴿ تجمعون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد.

وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب.

والباقون على الغيبة فيهما.

الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج ط ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ أجل ﴾ ط ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ آمنتم به ﴾ ط، ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ أحق هو ﴾ ط ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ لافتدت به ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ج ط للعطف على ﴿ أسروا ﴾ دون ﴿ رأوا ﴾ ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ فليفرحوا ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ وحلالاً ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه.

التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله  في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد ﴿ يستمعون إليك ﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون.

قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي  بخلاف النظر.

فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم.

ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده.

وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ﴿ أفأنت ﴾ .

والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول  فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق.

ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم ﴾ الآية.

فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها.

وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه.

وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.

والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة.

ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ أي واذكر يوم يحشرهم ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ﴿ إلا ساعة ﴾ وقوله ﴿ يتعارفون ﴾ إما حال أخرى أو بيان لقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يتعارفون ﴾ والمراد باللبث.

قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها.

وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته.

والجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً  ﴾ أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة.

وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا  ﴾ ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم.

قوله: ﴿ قد خسر ﴾ استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم!

وفيه شهادة من الله على خسرانهم.

وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.

ثم أكد خسرانهم بقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله.

ثم سلى رسوله  فقال: ﴿ وإما نرينك ﴾ وجوابه محذوف.

وقوله: ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب ﴿ أو نتوفينك ﴾ والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا.

ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله.

ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي  المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ﴿ قضى بينهم بالقسط ﴾ أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً  ﴾ ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه  يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ وشهد لهم أو عليهم ﴿ قضي بينهم ﴾ والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه  كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ.

وأيضاً قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ لفظ الجمع موافق لقوله: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ﴾ من مرض أو فقر ﴿ ولا نفعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب.

ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال.

فقال و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ الآية.

وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله: ﴿ ولكل أمة أجل  ﴾ فلم يحسن الجمع بين الفاءين.

ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً ﴾ أي في حين الغفلة والراحة.

﴿ أو نهاراً ﴾ حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ﴿ ماذا يستعجل ﴾ أي شيء يستعجل ﴿ منه ﴾ أي من العذاب ﴿ المجرمون ﴾ وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله.

و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟

أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟

وقيل: الضمير في "منه" لله  وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.

و "ماذا" الجملة مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط ﴿ ثم إذا وقع آمنتم به ﴾ والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب ﴿ آلآن ﴾ آمنتم به ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ على جهة التكذيب والإنكار وقوله ﴿ ثم قيل ﴾ عطف على قيل المضمر قبل ﴿ آلآن ﴾ والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك.

وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة.

﴿ ذوقوا عذاب الخلد ﴾ فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟

أجبتم ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة.

وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم  ﴾ .

ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: ﴿ ويستنبئونك أحق هو ﴾ وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟

وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد  فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه.

وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟

وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟

فأمره الله  أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل إي وربي ﴾ ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة.

وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم.

ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد.

فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد.

ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فائتين العذاب.

والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى.

ثم زاد في التأكيد بقوله: ﴿ ولو أن لكل نفس ﴾ الآية.

وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة".

وقوله: ﴿ ظلمت ﴾ صفة لنفس.

أما قوله: ﴿ وأسروا الندامة ﴾ فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد.

والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.

وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته ﴿ وقضى بينهم بالقسط ﴾ قيل: أي بين المؤمنين والكافرين.

وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.

وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب.

ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة.

وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه.

وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد.

وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع.

ولا بد يوماً أن ترد الودائع *** واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله  في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ إلى تمام الآيتين.

والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار  إلى هذا الطريق بقوله: قل ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.

فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره.

الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة.

الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت.

الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم.

وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها.

والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة.

ولما أرشد  إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه.

والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا.

وعلى هذا يكون ﴿ قل ﴾ اعتراضاً.

ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي  وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل.

ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذبالعقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية.

وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن.

وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى.

ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: إن حزناً في ساعة الموت ضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.

وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله  تلا ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ فقال: بكتاب الله والإسلام.

ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.

ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله.

وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم: ﴿ هذه أنعام وحرث حجر  ﴾ وغير ذلك.

﴿ وما أنزل ﴾ الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿ آلله أذن لكم ﴾ و ﴿ قل ﴾ مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ ﴿ أرأيتم ﴾ والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله ﴿ أم على الله تفترون ﴾ وعن الزجاج أن "ما" في ﴿ ما أنزل ﴾ بمعنى الاستفهام منصوباً بـ ﴿ أنزل ﴾ وأنه مع معموله مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ معناه أخبرونيه.

وعلى هذا يكون ﴿ قل آلله ﴾ كلاماً مستأنفاً.

ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في ﴿ آلله ﴾ للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء.

ثم قال: ﴿ وما ظن الذين ﴾ يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟

وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت ﴿ لذو فضل على الناس ﴾ إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته.

التأويل: ﴿ أفأنت تسمع الصم ﴾ صم آذان القلوب ﴿ أفأنت تهدي العمى ﴾ عمي أبصار البصائر.

﴿ ويوم نحشرهم ﴾ حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن  ﴾ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد.

﴿ يتعارفون بينهم ﴾ يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن ﴿ أو نتوفينك ﴾ فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ من خسارة الدارين ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق.

﴿ لكل أمة أجل ﴾ في استكمال السعادة والشقاوة ﴿ بياتاً ﴾ أي في الأزل ﴿ أو نهاراً ﴾ أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل.

﴿ قل أي وربي إنه لحق ﴾ أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات.

﴿ ألا إن لله ما في السموات ﴾ الأرواح وأرض القلوب والنفوس ﴿ ألا إن وعد الله ﴾ لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل ﴿ حق هو يحيي ﴾ قلوب بعضهم بالمعرفة ﴿ ويميت ﴾ قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال ﴿ يا أيها الناس ﴾ يأ أهل النسيان ﴿ قد جاءتكم موعظة ﴾ هي خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة ﴿ بلى ﴾ ﴿ لما في الصدور ﴾ وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة.

ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال ﴿ قل بفضل الله ﴾ وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب ﴿ فليفرحوا هو خير مما ﴾ يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد ﴿ فجعلتم منه حراماً ﴾ على أنفسكم ﴿ وحلالاً ﴾ على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء ﴿ قل آلله أذن لكم ﴾ أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها ﴿ أم على الله تفترون ﴾ بأن الدعوة اختصت بهم دوننا ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ بتسوية الاستعداد الفطري.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ يقول - والله أعلم -: أي منفعة لكم إن أتاكم عذابه؟!

لا منفعة لكم في ذلك بل فيه ضرر لكم، فاستعجال ما لا منفعة فيه سفه وجهل، يسفههم في سؤالهم العذاب، ويخبر في قوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ أن عذاب الله إذا نزل وجاء وقته لا يملك أحد تقديمه ولا تأخيره، ولا يملك أحد استقدامه ولا استئخاره بالقدر والمنزلة، كما يحتمل ذلك في الدنيا التقديم والتأخير بالشفاعة والفداء ويذكر عجزه في إنزال العذاب عليهم في قوله: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ ﴾ : قيل: أي العذاب إذا نزل بكم أمنتم به الآن؟!

يخبر عنه أنهم إذا نزل بهم العذاب يؤمنون.

ثم يحتمل قوله: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ أي: بالله وبرسوله؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ  ﴾ ، ثم أخبر أن إيمانهم لا ينفعهم عند معاينتهم العذاب؛ وهو كقوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ ﴾ أي: بالعذاب؛ لأنهم يكذبون رسول الله  فيما يوعدهم العذاب، وهم يستعجلون به استهزاء وتكذيبا، فإذا نزل بهم آمنوا أي صدقوا بذلك العذاب، يقول: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ استهزاء وتكذيبا أنه غير نازل [بكم ذلك]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ قيل: أشركوا في ألوهيته وربوبيته وعبادته غيره.

﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ ﴾ لأنهم يخلدون فيه، يقال ذلك بعدما أدخلوا النار.

﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ أي: لا تجزون إلا بما كنتم كسبتم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أي: يستخبرونك.

﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ يحتمل هذا وجوهاً.

يحتمل قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ العذاب الذي كان يوعدهم أنه ينزل بهم، على ما قاله عامة أهل التأويل.

ثم قال: ﴿ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ أي: قل: نعم وربي إنه لحق إنه نازل بكم.

﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: بفائتين عنه ولا سابقين له.

ويحتمل قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ ما يدعوهم إليه من التوحيد؛ كقولهم لإبراهيم: ﴿ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ...

﴾ الآية [الأنبياء: 55-56]؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ ثم، أخبر أنه لحق بقوله: ﴿ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: غائبين فائتين عنه.

ويحتمل الآيات أو محمد أو القرآن أحق هو؟

قل: إي وربي، قل: نعم إنه لحق؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ  ﴾ أخبر أن ما يأمرهم به ويدعوهم إليه ليس هو هزوا ولا لعباً، ولكنه حق أمر من الله  ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ : هذا الحرف يحتمل أن يكون من الشاكين [منهم] في ذلك طلبوا منه أنه حق ذلك أو لا، ومن المعاندين استعجال العذاب الذي كان يوعدهم رسول الله  استهزاء به وتكذيباً له، ومن المتبعين له والمطيعين التصديق له والإيمان به؛ كقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا  ﴾ كانوا فرقاً ثلاثة: فرقة قد آمنوا به، وفرقة قد شكوا فيه، وفرقة قد كذبوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ ﴾ : يخبر عنهم أنهم يفدون ويبذلون جميع ما في الأرض لو قدروا عليه عند نزول العذاب بهم لشدة العذاب، وإن كان الذي منعهم عن الإيمان هو حبهم الدنيا وبخلهم عليها وما فيها بقوله: ﴿ وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ﴾ : الندامة لا تكون إلا سرا بالقلب، فكأنه قال: حققوا الندامة في قلوبهم على ما كان منهم من التكذيب بالآيات والعناد في ردها.

وقال بعضهم: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ أي: أظهروا الندامة وهو مما يستعمل في الإظهار والإخفاء؛ كقوله: شعب: جمع، وشعب: فرق ونحوه، وبعد فإنه إذا أسر في نفسه لابد من أن يضع ذلك في آخر ويخبره بذلك، فذلك منه إظهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما توجبه الحكمة؛ لأن الحكمة توجب تعذيب كل كافر نعمة، وكل قائل في الله ما لا يليق به، أو أن يكون تفسير قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما ذكر، وهم لا يظلمون.

ويحتمل قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما ذكر: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ...

﴾ الآية [الإسراء: 14]، والقسط: هو العدل، وهم يومئذ عرفوا أنه كان يقضي بالعدل في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المستعجلين للعذاب: أخبروني إن جاءكم عذاب الله في أي وقت من ليل أو نهار، ما الَّذي تستعجلونه من هذا العذاب؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.g5V3D"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله