الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٥٤ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 52 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥٤ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ، ( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط ) أي : بالحق ، ( وهم لا يظلمون ) .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (54) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو أن لكل نفس كفرت بالله ، و " ظلمها " ، في هذا الموضع، عبادتُها غيرَ من يستحق عبادته، (1) وتركها طاعة من يجب عليها طاعته ، (ما في الأرض) ، من قليل أو كثير ، (لافتدت به) ، يقول: لافتدت بذلك كلِّه من عذاب الله إذا عاينته (2) ، وقوله: (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) ، يقول: وأخفتْ رؤساء هؤلاء المشركين من وضعائهم وسفلتهم الندامةَ حين أبصرُوا عذاب الله قد أحاط بهم، وأيقنوا أنه واقع بهم ، ( وقضي بينهم بالقسط)، يقول: وقضى الله يومئذ بين الأتباع والرؤساء منهم بالعدل (3) ، (وهم لا يظلمون)، وذلك أنه لا يعاقب أحدًا منهم إلا بجريرته ، ولا يأخذه بذنب أحدٍ، ولا يعذِّب إلا من قد أعذر إليه في الدنيا وأنذر وتابع عليه الحجج.
------------------------ الهوامش : (1) في المطبوعة : " من يستحق عبادة " ، غير ما في المخطوطة .
(2) انظر تفسير " الافتداء " فيما سلف من فهارس اللغة ( فدى ) .
(3) انظر تفسير " القسط " فيما سلف ص : 99 ، تعليق : 1، والمراجع هناك .
قوله تعالى ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمونقوله تعالى ولو أن لكل نفس ظلمت أي أشركت وكفرت ما في الأرض أي ملكا لافتدت به أي من عذاب الله ، يعني ولا يقبل منها ; كما قال : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به وقد تقدمقوله تعالى وأسروا الندامة أي أخفوها ; يعني رؤساءهم ، أي أخفوا ندامتهم عن أتباعهم .
وقيل : أسروا أظهروا ، والكلمة من الأضداد ، ويدل عليه أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبر .
وقيل : وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم ; لأن الندامة لا يمكن إظهارها .
قال كثير :فأسررت الندامة يوم نادى برد جمال غاضرة المناديوذكر المبرد فيه وجها ثالثا : أنه بدت بالندامة أسرة وجوههم ، وهي تكاسير الجبهة ، واحدها سرار .
والندامة : الحسرة لوقوع شيء أو فوت شيء ، وأصلها اللزوم ; ومنه النديم لأنه يلازم المجالس .
وفلان نادم سادم .
والسدم اللهج بالشيء .
وندم وتندم بالشيء أي اهتم به .
قال الجوهري : السدم " بالتحريك " الندم والحزن ; وقد سدم بالكسر أي اهتم وحزن ورجل نادم سادم ، وندمان سدمان ; وقيل : هو إتباع .
وما له هم ولا سدم إلا ذلك .
وقيل : الندم مقلوب الدمن ، والدمن اللزوم ; ومنه فلان مدمن الخمر .
والدمن : ما اجتمع في الدار وتلبد من الأبوال والأبعار ; سمي به للزومه .
والدمنة : الحقد الملازم للصدر ، والجمع دمن .
وقد دمنت قلوبهم بالكسر ; يقال : دمنت على فلان أي ضغنت .وقضي بينهم بالقسط أي بين الرؤساء والسفل بالعدل وهم لا يظلمون .
{و} إذا كانت القيامة فـ {لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} بالكفر والمعاصي جميع {مَا فِي الْأَرْضِ} من ذهب وفضة وغيرهما، لتفتدي به من عذاب الله {لَافْتَدَتْ بِهِ} ولما نفعها ذلك، وإنما النفع والضر والثواب والعقاب، على الأعمال الصالحة والسيئة. {وَأَسَرُّوا} [أي] الذين ظلموا {النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} ندموا على ما قدموا، ولات حين مناص، {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} أي: العدل التام الذي لا ظلم ولا جور فيه بوجه من الوجوه.
( ولو أن لكل نفس ظلمت ) أي : أشركت ، ( ما في الأرض لافتدت به ) يوم القيامة ، والافتداء هاهنا : بذل ما ينجو به من العذاب .
( وأسروا الندامة ) قال أبو عبيدة : معناه : أظهروا الندامة ، لأنه ليس ذلك اليوم يوم تصبر وتصنع .
وقيل : معناه أخفوا أي : أخفى الرؤساء الندامة من الضعفاء ، خوفا من ملامتهم وتعييرهم ، ( لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط ) فرغ من عذابهم ، ( وهم لا يظلمون )
«ولو أن لكل نفس ظلمت» كفرت «ما في الأرض» جميعا من الأموال «لافتدت به» من العذاب يوم القيامة «وأسرُّوا الندامة» على ترك الإيمان «لما رأوا العذاب» أخفاها رؤساؤهم عن الضعفاء الذين أضلوهم مخافة التعيير «وقضي بينهم» بين الخلائق «بالقسط» بالعدل «وهم لا يظلمون» شيئا.
ولو أن لكل نفس أشركت وكفرت بالله جميع ما في الأرض، وأمكنها أن تجعله فداء لها من ذلك العذاب لافتدت به، وأخفى الذين ظلموا حسرتهم حين أبصروا عذاب الله واقعا بهم جميعًا، وقضى الله عز وجل بينهم بالعدل، وهم لا يُظلَمون؛ لأن الله تعالى لا يعاقب أحدا إلا بذنبه.
ثم بين - سبحانه - أنهم لن يستطيعوا افتداء أنفسهم من العذاب عند وقوعه فقال - تعالى - : ( وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فى الأرض لاَفْتَدَتْ بِهِ ) .أى : ولو أن لكل نفس تلبست بالظلم بسبب شركها وفسوقها ، جميع ما فى الأرض من مال ومتاع ، وأمكنها أن تقدمه كفداء لها من العذاب يوم القيامة ، لقدمته سريعا دون أن تبقى منه شيئا حتى تفتدي ذاتها من العذاب المهين .ومفعول ( افتدت ) محذوف .
أي لافتدت نفسها به .ولو هنا امتناعية ، أى : امتنع افتداء كل نفس ظالمة ، لامتناع ملكها لما تفدى به ذاها وهو جميع ما فى الأرض من أموال ، ولامتناع قبول ذلك منها فيما لو ملكته على سبيل الفرض .وقوله ( وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) والندامة والندم : ما يجده الإِنسان فى نفسه من آلام وحسرات على أقوال أو أفعال سيئة ، فات أوان تداركها .أى : وأخفى هؤلاء الظالمين الندامة حين رأوا بأبصارهم مقدمات العذاب ، وحين أيقنوا أنهم لا نجاة لهم منه ، ولا مصرف لهم عنه .قال صاحب الكشاف : " قوله - سبحانه - ( وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ) لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوه ، ولم يخطر ببالهم ، وعاينوا من شدة الأمر وتفاقمه ، ما سلبهم قواهم ، وبهرهم ، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا ولا ما يفعله الجازع ، سوى إسرار الندم والحسرة فى القلوب ، كما ترى القدم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخبط ويغلب ، حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامدا مبهوتا .وقيل : أسر رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم ، حياء منهم وخوفا من توبيخهم .
.وقيل أسروا الندامة : أظهروها من قولهم أسر الشيء إذا أظهره وليس هناك تجلد " .وقوله : ( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) بيان لعدالة الله فى أحكامه بين عباده .أى : وقضى الله - تعالى - بين هؤلاء الضالمين وبين غيرهم بالعدل دون أن يظلم أحدا .
اعلم أنه سبحانه أخبر عن الكفار بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ .
وأجاب عنه بما تقدم فحكى عنهم أنهم رجعوا إلى الرسول مرة أخرى في عين هذه الواقعة وسألوه عن ذلك السؤال مرة أخرى وقالوا: أحق هو واعلم أن هذا السؤال جهل محض من وجوه: أولها: أنه قد تقدم هذا السؤال مع الجواب فلا يكون في الإعادة فائدة.
وثانيها: أنه تقدم ذكر الدلالة العقلية على كون محمد رسولاً من عند الله، وهو بيان كون القرآن معجزاً، وإذا صحت نبوته لزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه، فهذه المعاني توجب الإعراض عنهم، وترك الالتفات إلى سؤالهم، واختلفوا في الضمير في قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ قيل: أحق ما جئتنا به من القرآن والنبوة والشرائع.
وقيل: ما تعدنا من البعث والقيامة.
وقيل: ما تعدنا من نزول العذاب علينا في الدنيا.
ثم إنه تعالى أمره أن يجيبهم بقوله: ﴿ قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ والفائدة فيه أمور: أحدها: أن يستمليهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء، وأكده بالقسم فقد أخرجه عن الهزل وأدخله في باب الجد.
وثانيها: أن الناس طبقات فمنهم من لا يقر بالشيء إلا بالبرهان الحقيقي، ومنهم من لا ينتفع بالبرهان الحقيقي، بل ينتفع بالأشياء الإقناعية، نحو القسم فإن الأعرابي الذي جاء الرسول عليه السلام، وسأل عن نبوته ورسالته اكتفى في تحقيق تلك الدعوى بالقسم، فكذا هاهنا.
ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: ﴿ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ ولا بد فيه من تقدير محذوف، فيكون المراد وما أنتم بمعجزين لمن وعدكم بالعذاب أن ينزله عليكم والغرض منه التنبيه على أن أحداً لا يجوز أن يمانع ربه ويدافعه عما أراد وقضى، ثم إنه تعالى بين أن هذا الجنس من الكلمات، إنما يجوز عليهم ما داموا في الدنيا فأما إذا حضروا محفل القيامة وعاينوا قهر الله تعالى، وآثار عظمته تركوا ذلك واشتغلوا بأشياء أخرى، ثم إنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء: أولها: قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الارض لاَفْتَدَتْ بِهِ ﴾ إلا أن ذلك متعذر لأنه في محفل القيامة لا يملك شيئاً كما قال تعالى: ﴿ وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً ﴾ وبتقدير: أن يملك خزائن الأرض لا ينفعه الفداء لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ وقال في صفة هذا اليوم ﴿ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة ﴾ .
وثانيها: قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ﴾ واعلم أن قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ الندامة ﴾ جاء على لفظ الماضي، والقيامة من الأمور المستقبلة إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع، جعل الله مستقبلها كالماضي، واعلم أن الإسرار هو الإخفاء والإظهار وهو من الأضداد، أما ورود هذه اللفظة بمعنى الإخفاء فظاهر وأما ورودها بمعنى الإظهار فهو من قولهم سر الشيء وأسره إذا أظهره.
إذا عرفت هذا فنقول: من الناس من قال: المراد منه إخفاء تلك الندامة، والسبب في هذا الإخفاء وجوه: الأول: أنهم لما رأوا العذاب الشديد صاروا مبهوتين متحيرين، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخاً سوى إسرار الندم كالحال فيمن يذهب به ليصلب فإنه يبقى مبهوتاً متحيراً لا ينطق بكلمة.
الثاني: أنهم أسروا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.
فإن قيل: إن مهابة ذلك الموقف تمنع الإنسان عن هذا التدبير فكيف قدموا عليه.
قلنا: إن هذا الكتمان إنما يحصل قبل الاحتراق بالنار، فإذا احترقوا تركوا هذا الإخفاء وأظهروه بدليل قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ الثالث: أنهم أسروا تلك الندامة لأنهم اخلصوا لله في تلك الندامة، ومن أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم يعني أنهم لما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته ولم ينفعهم، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف، وأما من فسر الإسرار بالإظهار فقوله: ظاهر لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة، وفي القيامة بطل هذا الغرض فوجب الإظهار.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ فقيل بين المؤمنين والكافرين، وقيل بين الرؤساء والأتباع، وقيل بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.
واعلم أن الكفار وإن اشتركوا في العذاب فإنه لابد وأن يقضي الله تعالى بينهم لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضاً في الدنيا وخانه، فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم، وتثقيل لعذاب الباقين، لأن العدل يقتضي أن ينتصف للمظلومين من الظالمين، ولا سبيل إليه إلا بأن يخفف من عذاب المظلومين ويثقل في عذاب الظالمين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ ويستخبرونك فيقولون: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ وهو استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء.
وقرأ الأعمش: ﴿ آلحق هو ﴾ ، وهو أدخل في الاستهزاء، لتضمنه معنى التعريض بأنه باطل.
وذلك أنّ اللام للجنس، فكأنه قيل: أهو الحق لا الباطل؟
أو أهو الذي سميتموه الحق، والضمير للعذاب الموعود.
و ﴿ إِى ﴾ بمعنى (نعم) في القسم خاصة، كما كان (هل) بمعنى (قد) في الاستفهام خاصة.
وسمعتهم يقولون في التصديق: إيوَ، فيصلونه بواو القسم ولا ينطقون به وحده ﴿ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ بفائتين العذاب، وهو لاحق بهم لا محالة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ﴾ بِالشِّرْكِ أوِ التَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ ما في الأرْضِ مِن خَزائِنِها وأمْوالِها.
﴿ لافْتَدَتْ بِهِ ﴾ لَجَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ، مِن قَوْلِهِمُ افْتَداهُ بِمَعْنى فَداهُ.
﴿ وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ ﴾ لِأنَّهم بُهِتُوا بِما عايَنُوا مِمّا لَمْ يَحْتَسِبُوهُ مِن فَظاعَةِ الأمْرِ وهَوْلِهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَنْطِقُوا.
وقِيلَ أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها، أوْ لِأنَّهُ يُقالُ سَرَّ الشَّيْءَ لِخالِصَتِهِ مِن حَيْثُ إنَّها تَخْفى ويَضِنُّ بِها.
وقِيلَ أظْهَرُوها مِن قَوْلِهِمْ أسَرَّ الشَّيْءَ وأشَرَّهُ إذا أظْهَرَهُ.
﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ لَيْسَ تَكْرِيرًا لِأنَّ الأوَّلَ قَضاءٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ ومُكَذِّبِيهِمْ والثّانِيَ مُجازاةُ المُشْرِكِينَ عَلى الشِّرْكِ أوِ الحُكُومَةِ بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ، والضَّمِيرُ إنَّما يَتَناوَلَهم لِدَلالَةِ الظُّلْمِ عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} كفرت وأشركت وهو صفة لنفس أي ولو أن لكل نفس ظالمة {مَّا فِى الأرض} في الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها {لاَفْتَدَتْ بِهِ} لجعلته فدية لها يقال فداه فافتدى ويقال افتداه أيضاً بمعنى فداه {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} وأظهروها من قولهم أسر الشيء إذا أظهره أو أخفوها عجزاً عن النطق لشدة الأمر فأسر من الأضداد {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالقسط} بين الظالمين والمظلومين دل على ذلك ذكر الظلم {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}
﴿ ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ﴾ أيْ بِالكُفْرِ أوْ بِالتَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أصْنافِ الظُّلْمِ كَذا قِيلَ ورُبَّما يُقْتَصَرُ عَلى الأوَّلِ لِأنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مَعَ أنَّ الكَلامَ في حَقِّ الكُفّارِ و(لَوْ) قِيلَ بِمَعْنى إنَّ وقِيلَ عَلى ظاهِرِها واسْتُبْعِدَ ولا أراهُ بَعِيدًا ﴿ ما في الأرْضِ ﴾ أيْ ما في الدُّنْيا مِن خَزائِنِها وأمْوالِها ومَنافِعِها قاطِبَةً ﴿ لافْتَدَتْ بِهِ ﴾ أيْ لَجَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ مِنِ افْتَداهُ بِمَعْنى فَداهُ فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ لافْتَدَتْ نَفْسَها بِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ افْتَدى لازِمًا عَلى أنَّهُ مُطاوِعُ فَدى المُتَعَدِّي يُقالُ: فَداهُ فافْتَدى وتُعُقِّبَ بَأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ إذِ المُتَبادَرُ مِنهُ أنَّ غَيْرَهُ فَداهُ لِأنَّ مَعْناهُ قَبِلْتُ الفِدْيَةَ والقابِلُ غَيْرُ الفاعِلِ ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّهُ قَدْ يَتَّحِدُ القابِلُ والفاعِلُ إذْ فَدى نَفْسَهُ نَعَمِ المُتَبادِرُ الأوَّلُ ﴿ وأسَرُّوا ﴾ أيِ النُّفُوسَ المَدْلُولَ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الجَمْعِ لِإفادَةِ تَهْوِيلِ الخَطْبِ بِكَوْنِ الإسْرارِ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ والِاجْتِماعِ وإنَّما لَمْ يُراعَ ذَلِكَ فِيما سَبَقَ لِتَحْقِيقِ ما يُتَوَخّى مِن فَرْضِ كَوْنِ جَمْعِ ما في الأرْضِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ النُّفُوسِ وإيثارِ صِيَغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ لِحَمْلِ لَفْظِ النَّفْسِ عَلى الشَّخْصِ أوْ لِتَغْلِيبِ ذُكُورِ مَدْلُولِهِ عَلى إناثِهِ والإسْرارُ الإخْفاءُ أيْ أخْفَوُا ﴿ النَّدامَةَ ﴾ أيِ الغَمَّ والأسَفَ عَلى ما فَعَلُوا مِنَ الظُّلْمِ والمُرادُ إخْفاءُ آثارِها كالبُكاءِ وعَضِّ اليَدِ وإلّا فَهي مِنَ الأُمُورِ الباطِنَةِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا سِرًّا وذَلِكَ لِشِدَّةِ حَيْرَتِهِمْ وبَهَتَهم ﴿ لَمّا رَأوُا العَذابَ ﴾ أيْ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ مِن فَظاعَةِ الحالِ وشِدَّةِ الأهْوالِ ما لَمْ يَمُرَّ لَهم بِبالٍ فَأشْبَهَ حالُهم حالَ المُقَدَّمِ لِلصَّلْبِ يُثْخِنُهُ ما دَهَمَهُ مِنَ الخَطْبِ ويَغْلِبُ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ التَّفَوُّهَ بِبِنْتِ شَفَةٍ ويَبْقى جامِدًا مَبْهُوتًا وقِيلَ: المُرادُ بِالإسْرارِ الإخْلاصُ أيْ أخْلَصُوا النَّدامَةَ وذَلِكَ إمّا لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها وإمّا مِن قَوْلِهِمْ: سِرُّ الشَّيْءِ لِخالِصِهِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُخْفى ويُصانَ ويُضَنَّ بِهِ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والجِبائِيُّ: إنَّ الإسْرارَ هُنا بِمَعْنى الإظْهارِ وفي الصِّحاحِ أسْرَرْتُ الشَّيْءَ كَتَمْتُهُ وأعْلَنْتُهُ أيْضًا وهو مِنَ الأضْدادِ والوَجْهانِ جَمِيعًا يُفَسَّرانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأسَرُّوا النَّدامَةَ ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي انْتَهى وفي القامُوسِ أيْضًا أسَرَّهُ كَتَمَهُ وأظْهَرَهُ ضِدٌّ وفِيهِ اخْتِلافُ اللُّغَوِيِّينَ فَإنَّ الأزْهَرِيَّ مِنهُمُ ادَّعى أنَّ اسْتِعْمالَ أسَرَّ بِمَعْنى أظْهَرَ غَلَطٌ وأنَّ المُسْتَعْمَلَ بِذَلِكَ المَعْنى هو أشَرُّ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ لا غَيْرُ ولَعَلَّهُ قَدْ غَلِطَ في التَّغْلِيطِ وعَلَيْهِ فالإظْهارُ أيْضًا بِاعْتِبارِ الآثارِ عَلى ما لا يَخْفى وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإسْرارِ الإخْفاءَ إلّا أنَّ المُرادَ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ الرُّؤَساءُ أيْ أخْفى رُؤَساؤُهُمُ النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ وفِيهِ أنَّ ضَمِيرَ ﴿ أسَرُّوا ﴾ عامٌّ لا قَرِينَةَ عَلى تَخْصِيصِهِ عَلى أنَّ هَوْلَ المَوْقِفِ أشَدُّ مِن أنْ يُتَفَكَّرَ مَعَهُ في أمْثالِ ذَلِكَ وجُمْلَةُ ﴿ أسَرُّوا ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى الظّاهِرِ وقِيلَ: حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ و ﴿ لَمّا ﴾ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ بِمَعْنى حِينَ مَنصُوبٌ بِأسَرُّوا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلشَّرْطِ والجَوابِ مَحْذُوفٌ عَلى الصَّحِيحِ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ أيْ لَمّا رَأوُا العَذابَ أسَرُّوا النَّدامَةَ و ﴿ قُضِيَ ﴾ أيْ حُكِمَ وفُصِلَ بَيْنَهم أيْ بَيْنِ النُّفُوسِ الظّالِمَةِ ﴿ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ 54﴾ أصْلًا لِأنَّهُ لا يُفْعَلُ بِهِمْ إلّا ما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهم وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ لِلظّالِمِينَ السّابِقِينَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ﴾ والمَظْلُومِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوهم وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ لَكِنَّ الظُّلْمَ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَيْهِمْ وتَخْصِيصُ الظُّلْمِ بِالتَّعَدِّي والمَعْنى وقَعَتِ الحُكُومَةُ بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ وعُومِلَ كُلٌّ مِنهُما بِما يَلِيقُ بِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَقامَ لا يُساعِدُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَقْتَضِ حَمْلُ الظُّلْمِ عَلى أعْظَمِ أفْرادِهِ وهو الشِّرْكُ فَلا أقَلَّ مِن أنَّهُ يَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلى ما يَدْخُلُ ذَلِكَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةُ ﴿ قُضِيَ ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ رَأوُا ﴾ فَتَكُونَ داخِلَةً في حَيِّزِ لِما <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ.
يا أهل مكة إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ، يعني: عذاب الله تعالى.
بَياتاً ليلاً كما جاء إلى قوم لوط، أَوْ نَهاراً يعني: مجاهرة كما جاء إلى قوم شعيب .
مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ، يقول: بأي شيء يستعجل منه المجرمون، يعني: المشركين، ويقال: ماذا ينفعهم استعجالهم منه، أي من عذاب الله؟.
قوله تعالى: أَثُمَّ إِذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ، يعني: إذا وقع العذاب صدقتم به، يعني: بالعذاب، ويقال: صدّقتم بالله تعالى.
آلْآنَ، يعني: يقال لهم: آمنتم بالعذاب حين لا ينفعكم، وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ وهذا اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التهديد.
قوله تعالى: ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا، يعني: قالت لهم خزنة جهنم: ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ، الذي لا ينقطع.
هَلْ تُجْزَوْنَ، يقول: هل تثابون، إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ من الكفر والتكذيب.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ: قال مجاهد وغيره: المعنَى: فإِذا جاء رسولهم يوم القيامة للشَّهادة عليهم، صُيِّرَ قومٌ للجنَّة، وقومٌ للنار، فذلك القضاء بينهم بالقسط «١» .
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)
وقوله سبحانه: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ...
الآية:
الضميرُ في يَقُولُونَ لكفَّار قريش، وسؤالهم عن الوعدِ تحريرٌ منهم- بزعمهم- للحجَّة أي: هذا العذابُ الذي تُوُعِّدْنا به، حَدِّدْ لنا وقته لِنَعْلَمَ الصِّدْق في ذلك من الكَذِب، ثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ أَنْ يقول على جهة الردِّ عليهم: قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ، ولكن لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ انفرد اللَّه بعلْمِ حدِّه ووقتِهِ، وباقي الآية بَيِّن.
وقوله: مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ: أي: فمَا تستعجلون منه، وأنتم لا قِبَلَ لكم بِهِ، والضمير في «مِنْهُ» يحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يعود على العَذَابِ.
وقوله: أَثُمَّ إِذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ المعنى: إِذا وقع العذابُ وعاينتموه، آمنتم حينئذٍ، وذلك غَيْر نافعكم، بل جوابُكُمْ: الآن وقَدْ كُنْتُمْ تستعجلونَهُ مكذِّبين به، وَيَسْتَنْبِئُونَكَ:
معناه: يستخبرُونَك، وهي عَلَى هذا تتعدَّى إِلى مفعولَيْنِ أَحدُهما: الكافُ، والآخرُ:
الجملة، وقيل: هي بمعنى يَسْتَعلِمُونَكَ فعلى هذا تحتاجُ إِلَى ثَلاَثةِ مَفَاعِيلَ.
ص: ورُدَّ بأن الاستنباء لا يُحْفَظُ تعديه إِلى ثلاثةٍ، ولاَ اسْتَعْلَمَ الذي هو بِمَعْنَاه.
انتهى.
وأَ حَقٌّ هُوَ قيل: الإِشارة إِلى الشرعِ والقُرآن، وقيل: إِلى الوعيدِ وهو أَظْهر.
وقوله: إِي وَرَبِّي: أي: بمعنى «نَعَمْ» ، وهي لفظة تتقدَّم القَسَم، ويجيء بعدها
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أيْ: ويَسْتَخْبِرُونَكَ " أحَقٌّ هو " يَعْنُونَ البَعْثَ والعَذابَ.
" قُلْ إي " المَعْنى: نَعَمْ " ورَبِّي " وفَتَحَ هَذِهِ الياءَ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو.
وإنَّما أقْسَمَ مَعَ إخْبارِهِ تَأْكِيدًا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " إي " بِمَعْنى " بَلْ " ولا تَأْتِي إلّا قَبْلَ اليَمِينِ صِلَةً لَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِسابِقِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لَسْتُمْ مِمَّنْ يُعْجِزُ أنْ يُجازى عَلى كُفْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أو نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ قِيلَ: لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ المَعْنى: قُلْ: يا أيُّها الكَفَرَةُ المُسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ ﴾ لَيْلًا وقْتَ المَبِيتِ؟
يُقالُ: بَيَّتَ القَوْمُ القَوْمَ إذا طَرْقُوهم لَيْلًا بِحَرْبٍ أو نَحْوِها، "أو نَهارًا" لَكم مِنهُ مَنَعَةٌ أو بِهِ طاقَةٌ؟
فَماذا تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، وأنْتُمْ لا قِبَلَ لَكم بِهِ؟
و"ما" ابْتِداءٌ، و"ذا" خَبَرُهُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ، وضَعَّفَ هَذا أبُو عَلِيٍّ وقالَ: إنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارٍ في "يَسْتَعْجِلُ" وحَذْفُهُ كَما قالَ: .............................
∗∗∗ كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ وَ"زِيدٌ ضَرَبْتُ"، قالَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" في حالِ نَصْبٍ لِـ"يَسْتَعْجِلُ"، والضَمِيرُ في "مِنهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أثُمَّ إذا ما وقَعَ ﴾ الآيَةُ، عَطَفَ بِقَوْلِهِ: "ثُمَّ" جُمْلَةَ القَوْلِ عَلى ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ أدْخَلَ عَلى الجَمِيعِ ألِفَ التَقْرِيرِ.
ومَعْنى الآيَةِ: إذا وقَعَ العَذابُ وعايَنْتُمُوهُ آمَنتُمْ بِهِ حِينَئِذٍ، وذَلِكَ غَيْرُ نافِعِكُمْ، بَلْ جَوابُكُمُ الآنَ، وقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ مُكَذِّبِينَ بِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أثَمَّ" بِفَتْحِ الثاءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، مَعْناهُ: هُنالِكَ، وقالَ: لَيْسَتْ "ثُمَّ" هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى صَحِيحٌ عَلى أنَّها "ثُمَّ" المَعْرُوفَةُ، ولَكِنَّ إطْباقَهُ عَلى لَفْظِ التَنْزِيلِ هو كَما قُلْنا، وما ادَّعاهُ الطَبَرِيُّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
و"آلْآنَ" أصْلُهُ عِنْدَ بَعْضِ النُحاةِ "آنَ" فِعْلٌ ماضٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: .............................
∗∗∗ ∗∗∗.......الحِمارُ اليُجَدَّعُ وَلَمْ يَتَعَرَّفْ بِذَلِكَ كُلَّ التَعْرِيفِ، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى حَرْفِ التَعْرِيفِ ولِذَلِكَ بُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الحَرْفِ، ولِوُقُوعِها مَوْقِعَ المُبْهَمِ، لِأنَّ مَعْناها: "هَذا الوَقْتُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والجُمْهُورُ: "آلْآنَ" بِالمَدِّ والِاسْتِفْهامِ عَلى حَدِّ التَوْبِيخِ، وكَذَلِكَ "آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ"، وقَرَأها بِاسْتِفْهامٍ بِغَيْرِ مَدٍّطَلْحَةُ والأعْرَجُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ الآيَةُ، هو الوَعِيدُ الأعْظَمُ بِالخُلُودِ لِأهْلِ الظُلْمِ الأخَصِّ الَّذِي هو ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ ﴾ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ.
ونَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ في الآخِرَةِ هو عَلى تَكَسُّبِ العَبْدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ مَعْناهُ: يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي -عَلى هَذا- تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحُدُها الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ، فَهي -عَلى هَذا- تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ: أحُدُها الكافُ، والِابْتِداءُ والخَبَرُ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ.
و ﴿ أحَقٌّ هُوَ ﴾ قِيلَ: الإشارَةُ إلى الشَرْعِ والقُرْآنِ، وقِيلَ: إلى الوَعِيدِ، وهو الأظْهَرُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "آلْحَقُّ هُوَ" بِمَدَّةٍ وبِلامِ التَعْرِيفِ، وقَوْلُهُ: "إي" هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى "نَعَمْ"، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي ورَبِّي، وإي رَبِّي، و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلَتِينَ، وهَذا الفِعْلُ أصْلُهُ تَعْدِيَةُ "عَجَزَ" لَكِنْ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: "أعْجَزً فُلانٌ" إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
الأظهر أن هذه الجملة من بقية القول، فهي عطف على جملة ﴿ إي وربي إنه لحق ﴾ [يونس: 53] إعلاماً لهم بهول ذلك العذاب عساهم أن يحذروه، ولذلك حذف المتعلِّق الثاني لفعل (افتدت) لأنه يقتضي مفدياً به ومفدياً منه، أي لافتدت به من العذاب.
والمعنى أن هذا العذاب لا تتحمله أية نفس على تفاوت الأنفس في احتمال الآلام، ولذلك ذكر ﴿ كل نفس ﴾ دون أن يقال ولو أن لكم ما في الأرض لافتديتم به.
وجملة ﴿ أن لكل نفس ظلمتْ ما في الأرض ﴾ واقعة موقع شرط (لو).
و ﴿ ما في الأرض ﴾ اسم (أن).
و ﴿ ولكل نفس ﴾ خبر (أن) وقدم على الاسم للاهتمام بما فيه من العموم بحيث ينص على أنه لا تسلم نفس من ذلك.
وجملة ﴿ ظلمت ﴾ صفة لِ ﴿ لنفس ﴾ .
وجملة: ﴿ لافتدت به ﴾ جواب (لو).
فعموم ﴿ كل نفس ﴾ يشمل نفوس المخاطبين مع غيرهم.
ومعنى ﴿ ظلمت ﴾ أشركت، وهو ظلم النفس ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13].
و ﴿ ما في الأرض ﴾ يعم كل شيء في ظاهر الأرض وباطنها لأن الظرفية ظرفية جمع واحتواء.
و (افتدى) مرادف فدى.
وفيه زيادة تاء الافتعال لتدل على زيادة المعنى، أي لتكلفت فداءها به.
جملة مستأنفة معطوفة عطف كلام على كلام.
وضمير ﴿ أسروا ﴾ عائد إلى ﴿ كل نفس ﴾ باعتبار المعنى مع تغليب المذكر على المؤنث، وعبر عن الإسرار المستقبَلي بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقيق وقوعه حتى كأنَّه قد مضى، والمعنى: وسيسرُّون الندامة قطعاً.
وكذلك قوله: ﴿ وقُضيَ بينهم ﴾ .
والندامة: الندم، وهو أسف يحصل في النفس على تفويت شيء ممكن عمله في الماضي، والندم من هواجس النفس، فهو أمر غير ظاهر ولكنه كثير، أي يصدر عن صاحبه قولٌ أو فعل يدل عليه، فإذا تجلد صاحب الندم فلم يظهر قولاً ولا فعلاً فقد أسر الندامة، أي قصرها على سِره فلم يظهرها بإظهار بعض آثارها، وإنما يكون ذلك من شدة الهول؛ فإنما أسروا الندامة لأنهم دهشوا لرؤية ما لم يكونوا يحتسبون فلم يطيقوا صراخاً ولا عويلاً.
وجملة: ﴿ وقُضي بينهم ﴾ عطف على جملة: ﴿ وأسروا ﴾ مستأنفة.
ومعنى: ﴿ قضي بينهم ﴾ قضي فيهم، أي قضي على كل واحد منهم بما يستحقه بالعدل، فالقضاء بالعدل وقع فيهم، وليس المعنى أنه قضي بين كل واحد وآخر لأن القضاء هنا ليس قضاء نزاع ولكنه قضاء زجر وتأنيب، إذ ليس الكلام هنا إلا على المشركين وهم صنف واحد، بخلاف قوله تعالى: ﴿ فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط ﴾ [يونس: 47] فإن ذلك قضاء بين المرسل إليهم وبين الرسل كما قال تعالى: ﴿ فلنَسألنَّ الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ﴾ [الأعراف: 6، 7].
وجملة: ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ حالية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾ يَعْنِي نَبِيًّا يَدْعُوهم إلى الهُدى ويَأْمُرُهم بِالإيمانِ.
﴿ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ قُضِيَ بَيْنَهم لِيَكُونَ رَسُولُهم شاهِدًا عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ كَذَّبُوهُ في الدُّنْيا قَضى اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ في الآخِرَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُّنْيا واعِيًا بَعْدَ الإذْنِ لَهُ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ قَضى اللَّهُ بَيْنَهم بِتَعْجِيلِ الِانْتِقامِ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ يتعارفون بينهم ﴾ قال: يعرف الرجل صاحبه إلى جنبه فلا يستطيع أن يكلمه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ﴾ ، قال ابن عباس وغيره: أشركت (١) ﴿ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ﴾ أي: لبذلته لدفع العذاب عنها، قال ابن عباس: يريد إن قبل الله ذلك منها، ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ﴾ أي: أخفى الرؤساء الندامة من السفلة الذين أضلوهم، أي كتموهم ذلك ولم يطلعوهم عليه، هذا قول عامة المفسرين (٢) (٣) (٤) ونحو هذا قال الزجاج (٥) وقال ابن الأنباري: إنما يقع هذا الكتمان منهم (٦) ﴿ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ الآيات، فهم في هذه الحال (٧) (٨) ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ﴾ أي أظهروها، وأنشد للفرزدق (٩) فلما رأى الحجاجَ جرد سيفه ...
أسر الحروري الذي كان أضمرا (١٠) أراد أظهر الحروري، قال شِمْر: لم أجد هذا البيت للفرزدق، وما قال غير (١١) ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ ﴾ أي أظهروها، ولم أسمع ذلك لغيره (١٢) وذكر المفضل، عن الأصمعي وغيره: أسر بمعنى أظهر (١٣) (١٤) ومعنى الندامة: الحسرة على ما كان يتمنى أنه لم يكن، والتأسف علي ما وقع منه، ويود أنه لم يكن أوقعها، هذا معنى الندامة والندم، فأما أصله فإن (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) ويقوي هذا المذهب أيضًا أن أصحاب القلب (١٩) (٢٠) وقال ابن الأعرابي (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾ أي: بين الرؤساء والسفلة، ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ ؛ لأنهم يجازون بشركهم.
(١) "تنوير المقباس" ص 214، "زاد المسير" 4/ 39، "الوسيط" 2/ 550.
(٢) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 123، والسمرقندي 2/ 102، والثعلبي 7/ 17 أ، وابن الجوزي 4/ 39.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 469، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 25، "معاني القرآن الكريم" للنحاس 3/ 299.
(٤) "معاني القرآن" 1/ 469.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 25.
(٦) من (م) فقط.
(٧) في (ى): (الحالات).
(٨) لم أجده، وقد ذكر القول من غير نسبة القرطبي في "تفسيره" 8/ 352.
(٩) البيت ليس في "ديوانه"، وقد نسب إليه في كتاب "الأضداد" للأصمعي ص 21، وكتاب "الأضداد" لابن الأنباري ص 46 وأخرى غيرها، وشكك في صحة نسبته للفرزدق أبو حاتم السجستاني كما سيأتي.
(١٠) اهـ.
كلام أبي عبيدة، انظر كتاب "الأضداد" للسجستاني ص 115، "تهذيب اللغة" (سر) 2/ 1670، "لسان العرب" (سرر) 4/ 1989، ولم يفسر أبو عبيدة هذه الآية في كتابه "مجاز القرآن".
(١١) ساقط من (ى).
(١٢) "تهذيب اللغة" (سر) 2/ 1670، وإلى ذلك ذهب أبو حاتم السجستافي حيث قال: == وكان يقول -يعني أبا عبيدة- في هذه الآية: ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ﴾ أظهرها، ولا أثق بقوله في هذا، والله أعلم، وقد زعموا أن الفرزدق قال ..
، وذكر البيت ثم قال: ولا أثق أيضًا بقول الفرزدق في القرآن، ولا أدري لعله قال: الذي كان أظهرا، أي كتم ما كان عليه، والفرزدق كثير التخليط في شعره ..
، فلا أثق به في القرآن.
كتاب "الأضداد" له ص 115، وقال الأزهري: وأهل اللغة أنكروا قول أبي عبيدة أشد الإنكار، "لسان العرب" (سرر) 4/ 1989.
(١٣) انظر قول الأصمعي في كتابه: "الأضداد" ص 21.
(١٤) انظر: "زاد المسير" 4/ 39، "الوسيط" 2/ 550.
(١٥) في (م): (بأن).
(١٦) في (ح) و (ز): (ممنوعة).
(١٧) في (ى): (المسجد).
(١٨) في "مختار الصحاح": (سدم) السَّدَم -بفتحتين- الندم والحزن، وبابه: طَرِب، ورجل سادم نادم، وسلمان ندمان، وقيل: هو إتباع.
(١٩) يعني علماء اللغة الذين لهم عناية بالكلمات المقلوبة، قال ابن منظور: يقال: == المنادمة مقلوبة من المدامنة؛ لأنه يدمن شرب الشراب من نديمه؛ لأن القلب في كلامهم كثير كالقسي من القووس، وجذب وجبذ، وما أطيبه وأيطبه ...
إلخ.
"لسان العرب" (ندم) 7/ 4386.
(٢٠) قال الأزهري: دمّن فلان فناء فلان: إذا غشيه ولزمه، ومدمن الخمر: الذي لا يقلع عن شربها، واشتقاقه من دمن البعر.
"تهذيب اللغة" (دمن) 3/ 1428.
(٢١) في (م): (ابن الأنباري).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ أي يسألونك هل الوعيد حق أو هل الشرع والدين حق؟
والأول أرجح، لقوله: وما أنتم بمعجزين: أي لا تفوتون من الوعيد ﴿ قُلْ إِي ﴾ أي نعم ﴿ ظَلَمَتْ ﴾ صفة لنفس، أي لو ملك الظالم الدنيا لافتدى بها من عذاب الآخرة ﴿ وَأَسَرُّواْ الندامة ﴾ أي أخفوها في نفوسهم، وقيل: أظهروها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كلمات ربك ﴾ وكذلك في آخر السورة على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لا يهدي ﴾ مثل ﴿ يرمي ﴾ : حمزة وعلي وخلف ﴿ يهدي ﴾ بسكون الهاء وتشديد الدال: أبو جعفر ونافع غير ورش وعباس وأبو عمرو غير عباس بإشمام الفتحة قليلاً ﴿ يهدي ﴾ بكسر الهاء وتشديد الدال: عاصم غير يحيى وجبلة ورويس ﴿ يهدي ﴾ بكسرتين والتشديد: يحيى ﴿ يهدي ﴾ بفتحتين والتشديد: ابن كثير وابن عامر وورش وسهل ويعقوب غير رويس.
الوقوف: ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ تتقون ﴾ ه ج ط ﴿ ربكم الحق ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء ﴿ إلا الضلال ﴾ ج ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ ثم يعيده ﴾ الأول ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ إلى الحق ﴾ ط ﴿ للحق ﴾ ط ﴿ أن يهدي ﴾ ج ط لما مر ﴿ فما لكم ﴾ ص لحق الاستفهام الثاني ﴿ تحكمون ﴾ ه ط ﴿ إلا ظناً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ افتراء ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تأويله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمن به ﴾ ط ﴿ بالمفسدين ﴾ ه ﴿ عملكم ﴾ ج لأن ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ والعامل واحد ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما بين فضائح عبدة الأوثان أكدها بالحجج اللامعة والبراهين القاطعة من أحوال الرزق والموت والحياة والإبداء والإعادة والإرشاد والهداية، وقد بنى الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس.
فالحجة الأولى قوله: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ﴾ بإنزال الأمطار النافعة الموجبة لتولد الأغذية النباتية والحيوانية في الأرض بعد رعاية شرائط تربيتها وإنمائها وحفظها من العاهات.
﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ خص الحاستين بالذكر لما في خلقهما وتسويتهما من الفطرة العجيبة، وكان يقول: "سبحان من بَصَّرَ بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم" ولما في تحصينهما في الآفات في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء مزيد قدرة ورأفة.
﴿ ومن يخرج الحي من الميت ﴾ الحيوان الماشي والطائر من النطفة والبيضة وقد مر سائر الأقوال في سورة الأنعام.
﴿ ومن يدبر الأمر ﴾ عمم بعدما خصص لأن أقسام تدبيره في العالم العلوي والعالم السفلي وعالمي الغيب والشهادة أمور لا نهاية لها.
وذكر كلها كالمتعذر.
﴿ فسيقولون الله ﴾ وفيه دليل على أنهم كانوا يعبدون الأصنام بناء على أنها شفعاؤهم وأنها تقربهم إلى الله زلفى، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا الاعتقاد فلهذا ختم الآية بقوله ﴿ فقل أفلا تتقون ﴾ الله الذي اعترفتم بأنه سبب فيضان جميع الخيرات فكيف أشركتم بعبادته الجمادات التي لا تقدر على نفع أو ضر.
﴿ فذلكم ﴾ الموصوف بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة ﴿ الله ربكم الحق ﴾ الثابت ربوبيته بالوجدان والبرهان.
﴿ فماذا بعد الحق ﴾ "ذا" مزيدة و "ما" نافية أو استفهامية أو مجموع "ماذا" كلمة واحدة معناها أي شيء بعد الحق ﴿ إلا الضلال ﴾ والمراد أنه لما ثبت وجود الواجب الحق كان ما سواه ممكناً لذاته باطلاً دعوى الإلهية فيه، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وفي صفاته وفي جميع اعتباراته وإلا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه فلا يكون واجباً هف محال ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر وتقعون في الضلال، إذ لا واسطة بين الأمرين، فمن يخطىء أحدهما وقع في الآخر.
﴿ كذلك ﴾ أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ .
وتفسير الكلمة ﴿ أنهم لا يؤمنون ﴾ على أنه بدل أي حق عليهم انتفاء الإيمان وقد علم الله منهم ذلك في الأزل، وأراد بالكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل على حذف اللام.
احتجت المعتزلة بمثل قوله تعالى: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أن الصارف لو كان هو الله لم يصح منه هذا التعجيب والإنكار.
وقالت الأشاعرة: قد تعلق علمه بأنهم لا يؤمنون كما قال: ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ وتعلق خبره بأنهم لا يؤمنون وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وقدرته عجزاً وإرادته عبثاً وإشهاده باطلاً.
الحجة الثانية ﴿ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وإنما قال: ﴿ ثم يعيده ﴾ مع أن الخصم لا يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلال الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك.
وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في الجواب بقوله ﴿ قل الله ﴾ الآية.
تنبيهاً على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه الى إقرار الخصم المكابر، فكأنه قيل: تكلم عنهم إذ لا يدعهم لحاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق.
وقوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ كقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ وقد مر في "المائدة".
الحجة الثالثة ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي ﴾ الآية.
الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أوّلاً ثم بالهداية عادة مطردة في القرآن، فحكى عن الخليل ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ وعن موسى ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ وأمر محمداً ﴿ سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ﴾ والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق من الطرق المنحرفة كثيرة والظنون والأغاليط غير محصورة، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه وهدايته، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلاً عن الأصنام التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة الثالثة.
وقال الزجاج: يقال: هديت للحق وإلى الحق بمعنى، فجمع بين العبارتين.
ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله: ﴿ أمن لا يهدي ﴾ وسائر القراآت أصلها "يهتدي" فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها.
قيل: هذه الشركاء جمادات فكيف قال في حقها ﴿ إلا أن يهدى ﴾ وأجيب بوجوه منها: أن المراد في الآية رؤساؤهم وأشرافهم كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً ﴾ والمراد أن الله هو الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من الدلائل العقلية، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله.
ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم الله بصفة من يعقل كقوله: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ ومنها أن ذلك بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي غيرها إلا أن تهدى.
ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة والعقل فيصح من الله أن يجعلها حية عاقلة، ثم إنها تشتغل بهداية الغير، ومنها أن المراد من الهدي النقل والحركة يقال: هديت المرأة زوجها أي نقلت إليه، فالمعنى لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه.
ثم عجب من مذهبهم الفاسد باستفهامين متواليين فقال: ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ .
ثم بين ما بنوا عليه أمر دينهم فقال: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ﴾ أي في إقرارهم بالله لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم أو في قولهم للأصنام أنها آلهة أو شفعاء، وعلى هذا فالمراد بالأكثر الجميع.
﴿ إن الظن ﴾ في معرفة الله وفيما يجب تحقيقه ﴿ لا يغني من الحق ﴾ وهو العلم والتحقيق ﴿ شيئاً ﴾ من الغناء.
والمعنى أن الظن لا يقوم مقام العلم في شيء من الأحوال.
ثم أوعدهم على اتباعهم الظن وتقليد الآباء بقوله: ﴿ إن الله عليم بما يفعلون ﴾ .
وتمسك نفاة القياس بالآية ظاهر من قبل أن القياس لا يفيد إلا الظن.
وأجيب بأن التمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن وهذه الآية من العمومات فلم يجب اتباعها بزعمكم، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً.
ولما فرغ من دلائل التوحيد شرع في إثبات النبوة فقال: ﴿ ما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ أي افتراء من دون الله أو كلمة "أن" بمعنى اللام أي ما ينبغي له وما استقام أن يكون مفترى.
والحاصل أن وصفه ليس وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأنه معجز لا يقدر البشر على إتيان مثله وإنما القادر عليه هو الله .
﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب المنزلة لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها، ونفس هذا التصديق أيضاً معجز لأن أقاصيصه موافقه لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ، ولأن بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة فيقع مطابقاً فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية والمستقبلة.
أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: ﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال في الكشاف قوله: ﴿ لا ريب فيه من رب العالمين ﴾ داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين، وجوز أن يكون ﴿ من رب العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل و ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم.
والمعنى ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب فيه.
ثم أعاد بيان إعجازه مرة أخرى فقال مستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ أم يقولون افتراه قل ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فأتوا ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بسورة مثله ﴾ في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ﴿ وادعوا من استطعتم من دون الله ﴾ أي لا تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أنه افتراه.
قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فلعل المراد بالسورة المتحدّي بها هذه السورة.
والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة.
قالت المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحدّ العرب به لكنهم تحدّوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديماً والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي.
وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة، والتحدي إنما وقع بهذه لا بتلك ﴿ بل كذبوا ﴾ سارعوا إلى التكذيب ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ وهو القرآن ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ ومعنى التوقع فيه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء، وكذبوا به بعد التدبر وتكرير التحدي عليهم واستيقان عجزهم عن هذا بغياً وحسداً وعناداً.
وذلك إنما حملهم على التكذيب أوّلا وآخراً وجوه منها: أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأوّلين، وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة الله على التصرف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس، ليعرف المكلف أن الدنيا ليست مما يبقى، فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون أن لا يكون كقوله: عز من قائل ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ﴾ .
ومنها أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ وأخر متشابهات ﴾ الآية.
ومنها أنهمرأوا القرآن يظهر شيئاً فشيئاً فاتهموا النبي وقالوا: ﴿ لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة ﴾ ومنها أنهم وجدوا القرآن مملوءاً من حديث الحشر والنشر، وكانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا ذلك.
وأنهم وجدوا فيه تكاليف كثيرة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وكانوا يقولون.
إن إله العالم غني عنا وعن طاعاتنا ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ يعني قبل النظر في معجزات أنبيائهم.
قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن من كان غير عارف بوجوه التأويل قد يقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد تتعارض فيفتقر هنالك إلى تطبيق التنزيل على التأويل.
وقيل: معنى الآية أن القرآن كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الأخبار بالغيوب ومن جملتها أحوال الآخرة.
فقوله: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ إشارة إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقوله: ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ إشارة إلى تكذيبهم قبل أن يمتحنوا غيوبه هل تطابق الواقع أم لا.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وأعرضوا عن الآخرة فلم تبق عليهم الدنيا وفاتتهم الآخرة فبقوا في خسران الدارين.
وقيل: المقصود عذاب الاستئصال الذي نزل بالمكذبين قبلهم.
ثم قسم طوائف الأمم المكذبين فقال: ﴿ ومنهم من يؤمن به ﴾ أي بالقرآن أو بالرسول أي يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ﴿ ومنهم ﴾ من يشك فيه لا يصدق به لا ظاهراً ولا باطناً، ويمكن أن يقال: المراد به قسمتهم في الاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من يبقى على الكفر فتكون الآية كالعذر في تبقيتهم وعدم استئصالهم ﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ فيجازيهم على حسب مراتبهم في التكذيب ويعلم طوياتهم هل يتوبون أو يصرفون.
ثم بين اختصاص كل مكلف بأفعاله وبنتائج أعماله من الثواب والعقاب فقال: ﴿ وإن كذبوك فقل لي عملي ﴾ أي جزاء عملي على الطاعة والإيمان وتبليغ الرسالة ﴿ ولكم عملكم ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي منسوخة بآية القتال.
والتحقيق أن آية القتال لا تدفع شيئاً من مدلولات هذه فلا نسخ والله أعلم.
التأويل: ﴿ قل من يرزقكم ﴾ أي من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس ويخرج من أرض النفس نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فيض الروح ويخرج من أرض النفس نبات الصفات البشرية والحيوانية.
أو ينزل من سماء الروح مطر فيض الروح ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة مطر تجلي الصفات والفيض الرباني ويخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات ويخرج من أرض الوجود نبات الفناء في الله وثمرات البقاء بالله ﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ فيكون سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر.
﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ النفس من القالب والقلب من الروح والروح من القلب وبالعكوس ﴿ ومن يدبر ﴾ أمر الإنسان بالتربية من التراب إلى أن يصل إلى رب الأرباب.
فسيقولون هذه الأحوال كلها من الله فقل لمن بلغ نظره إلى هذه المراتب العلية وإنها عتبة باب التوحيد والمعرفة ﴿ أفلا تتقون ﴾ بالله من غيره لتدخلوا بيت الوحدة ﴿ كذلك حقت كلمة ربك ﴾ هكذا جرى القلم في الأزل على الذين خرجوا عن قبول فيض النور حين رش على الخلق من نوره.
﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ وتفصيل الجملة التي هي مكتوبة عنده في أم الكتاب وهو علمه القائم بذاته.
﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ الذين أفسدوا استعدادهم الفطري والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ يقول - والله أعلم -: أي منفعة لكم إن أتاكم عذابه؟!
لا منفعة لكم في ذلك بل فيه ضرر لكم، فاستعجال ما لا منفعة فيه سفه وجهل، يسفههم في سؤالهم العذاب، ويخبر في قوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ أن عذاب الله إذا نزل وجاء وقته لا يملك أحد تقديمه ولا تأخيره، ولا يملك أحد استقدامه ولا استئخاره بالقدر والمنزلة، كما يحتمل ذلك في الدنيا التقديم والتأخير بالشفاعة والفداء ويذكر عجزه في إنزال العذاب عليهم في قوله: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ ﴾ : قيل: أي العذاب إذا نزل بكم أمنتم به الآن؟!
يخبر عنه أنهم إذا نزل بهم العذاب يؤمنون.
ثم يحتمل قوله: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ أي: بالله وبرسوله؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴾ ، ثم أخبر أن إيمانهم لا ينفعهم عند معاينتهم العذاب؛ وهو كقوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ ﴾ أي: بالعذاب؛ لأنهم يكذبون رسول الله فيما يوعدهم العذاب، وهم يستعجلون به استهزاء وتكذيبا، فإذا نزل بهم آمنوا أي صدقوا بذلك العذاب، يقول: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ استهزاء وتكذيبا أنه غير نازل [بكم ذلك]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ قيل: أشركوا في ألوهيته وربوبيته وعبادته غيره.
﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ ﴾ لأنهم يخلدون فيه، يقال ذلك بعدما أدخلوا النار.
﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ أي: لا تجزون إلا بما كنتم كسبتم في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أي: يستخبرونك.
﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ يحتمل هذا وجوهاً.
يحتمل قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ العذاب الذي كان يوعدهم أنه ينزل بهم، على ما قاله عامة أهل التأويل.
ثم قال: ﴿ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ أي: قل: نعم وربي إنه لحق إنه نازل بكم.
﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: بفائتين عنه ولا سابقين له.
ويحتمل قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ ما يدعوهم إليه من التوحيد؛ كقولهم لإبراهيم: ﴿ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ...
﴾ الآية [الأنبياء: 55-56]؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ ثم، أخبر أنه لحق بقوله: ﴿ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: غائبين فائتين عنه.
ويحتمل الآيات أو محمد أو القرآن أحق هو؟
قل: إي وربي، قل: نعم إنه لحق؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ أخبر أن ما يأمرهم به ويدعوهم إليه ليس هو هزوا ولا لعباً، ولكنه حق أمر من الله ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ : هذا الحرف يحتمل أن يكون من الشاكين [منهم] في ذلك طلبوا منه أنه حق ذلك أو لا، ومن المعاندين استعجال العذاب الذي كان يوعدهم رسول الله استهزاء به وتكذيباً له، ومن المتبعين له والمطيعين التصديق له والإيمان به؛ كقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا ﴾ كانوا فرقاً ثلاثة: فرقة قد آمنوا به، وفرقة قد شكوا فيه، وفرقة قد كذبوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ ﴾ : يخبر عنهم أنهم يفدون ويبذلون جميع ما في الأرض لو قدروا عليه عند نزول العذاب بهم لشدة العذاب، وإن كان الذي منعهم عن الإيمان هو حبهم الدنيا وبخلهم عليها وما فيها بقوله: ﴿ وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ﴾ : الندامة لا تكون إلا سرا بالقلب، فكأنه قال: حققوا الندامة في قلوبهم على ما كان منهم من التكذيب بالآيات والعناد في ردها.
وقال بعضهم: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ أي: أظهروا الندامة وهو مما يستعمل في الإظهار والإخفاء؛ كقوله: شعب: جمع، وشعب: فرق ونحوه، وبعد فإنه إذا أسر في نفسه لابد من أن يضع ذلك في آخر ويخبره بذلك، فذلك منه إظهار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما توجبه الحكمة؛ لأن الحكمة توجب تعذيب كل كافر نعمة، وكل قائل في الله ما لا يليق به، أو أن يكون تفسير قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما ذكر، وهم لا يظلمون.
ويحتمل قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما ذكر: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ...
﴾ الآية [الإسراء: 14]، والقسط: هو العدل، وهم يومئذ عرفوا أنه كان يقضي بالعدل في الدنيا والآخرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولو أن لكل مشرك بالله جميع ما في الأرض من أموال نفيسة لجعله مقابل فكاكه من عذاب الله لو أتيح له أن يفتدي به، وأخفى المشركون الندم على كفرهم لمَّا شاهدوا العذاب يوم القيامة، وقضى الله بينهم بالعدل وهم لا يظلمون، وإنما يجزون على أعمالهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.nw8yj"