الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٥٨ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 97 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٨ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) أي : بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا ، فإنه أولى ما يفرحون به ، ( هو خير مما يجمعون ) أي : من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة ، كما قال ابن أبي حاتم ، في تفسير هذه الآية : " وذكر عن بقية - يعني ابن الوليد - عن صفوان بن عمرو ، سمعت أيفع بن عبد الكلاعي يقول : لما قدم خراج العراق إلى عمر ، رضي الله عنه ، خرج عمر ومولى له فجعل عمر يعد الإبل ، فإذا هي أكثر من ذلك ، فجعل عمر يقول : الحمد لله تعالى ، ويقول مولاه : هذا والله من فضل الله ورحمته .
فقال عمر : كذبت .
ليس هذا ، هو الذي يقول الله تعالى : ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) وهذا مما يجمعون .
وقد أسنده الحافظ أبو القاسم الطبراني ، فرواه عن أبي زرعة الدمشقي ، عن حيوة بن شريح ، عن بقية ، فذكره .
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل) يا محمد لهؤلاء المكذِّبين بك وبما أنـزل إليك من عند ربك ، (5) (بفضل الله)، أيها الناس ، الذي تفضل به عليكم، وهو الإسلام، فبيَّنه لكم ، ودعاكم إليه ، (وبرحمته)، التي رحمكم بها، فأنـزلها إليكم، فعلَّمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه، وبصَّركم بها معالم دينكم، وذلك القرآن ، (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)، يقول: فإن الإسلام الذي دعاهم إليه ، والقرآن الذي أنـزله عليهم، خيرٌ مما يجمعون من حُطَام الدنيا وأموالها وكنوزها.
* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 17668- حدثني علي بن الحسن الأزدي قال ، حدثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري في قوله: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) ، قال: بفضل الله القرآن (وبرحمته) أن جعَلَكم من أهله.
(6) 17669- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال ، حدثنا فضيل، عن منصور، عن هلال بن يساف: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) ، قال: بالإسلام الذي هداكم، وبالقرآن الذي علّمكم.
17670- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال ، حدثنا ابن يمان قال ، حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف: (قل بفضل الله وبرحمته)، قال: بالإسلام والقرآن ، (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)، من الذهب والفضَّة.
17671- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، في قوله: (قل بفضل الله وبرحمته) ، قال: " فضل الله " ، الإسلام، و " رحمته "، القرآن.
17672- حدثني علي بن سهل قال ، حدثنا زيد قال ، حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، في قوله: (قل بفضل الله وبرحمته)، قال: الإسلام والقرآن.
17673- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم وقبيصة قالا حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف مثله.
17674- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال، مثله.
17675- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا)، أما فضله فالإسلام، وأما رحمته فالقرآن.
17676- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: (قل بفضل الله وبرحمته)، قال: فضله: الإسلام، ورحمته القرآن.
17677- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (قل بفضل الله وبرحمته)، قال: القرآن.
17678- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (وبرحمته) ، قال: القرآن.
17679- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: (هو خير مما يجمعون) ، قال: الأموال وغيرها.
17680- حدثنا علي بن داود قال ، حدثني أبو صالح قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (قل بفضل الله وبرحمته) يقول: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن.
17681- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) ، قال: بكتاب الله ، وبالإسلام ، (هو خير مما يجمعون).
* * * وقال آخرون: بل " الفضل ": القرآن ، و " الرحمة "، الإسلام.
*ذكر من قال ذلك: 17682- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)، قال: (بفضل الله)، القرآن، (وبرحمته)، حين جعلهم من أهل القرآن.
17683- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا جعفر بن عون قال ، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال: " فضل الله "، القرآن، و " رحمته "، الإسلام.
17684- حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون، قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قوله: (قل بفضل الله وبرحمته) قال: (بفضل الله) القرآن، (وبرحمته)، الإسلام.
17685- حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا)، قال: كان أبي يقول: فضله القرآن، ورحمته الإسلام.
* * * واختلفت القراء في قراءة قوله: (فبذلك فليفرحوا).
فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: (فَلْيَفْرَحُوا) بالياء ( هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) بالياء أيضًا على التأويل الذي تأولناه ، من أنه خبر عن أهل الشرك بالله.
يقول: فبالإسلام والقرآن الذي دعاهم إليه ، فليفرح هؤلاء المشركون، لا بالمال الذي يجمعون، فإن الإسلام والقرآن خيرٌ من المال الذي يجمعون، وكذلك:- 17686- حدثت عن عبد الوهاب بن عطاء، عن هارون، عن أبي التيّاح: (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)، يعني الكفار.
* * * ورُوي عن أبيّ بن كعب في ذلك ما:- 17687- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أسلم المنقري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب : أنه كان يقرأ: (فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)، بالتاء.
17688- حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن الأجلح، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب ، مثل ذلك.
* * * وكذلك كان الحسن البصري يقول: غير أنه فيما ذُكر عنه كان يقرأ قوله: ( هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )، بالياء; الأول على وجه الخطاب، والثاني على وجه الخبر عن الغائب.
* * * وكان أبو جعفر القارئ، فيما ذكر عنه، يقرأ ذلك نحو قراءة أبيّ ، بالتاء جميعًا.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار من قراءة الحرفين جميعًا بالياء: ( فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) لمعنيين: أحدهما: إجماع الحجة من القراء عليه.
والثاني: صحته في العربية، وذلك أن العرب لا تكاد تأمر المخاطب باللام والتاء، وإنما تأمره فتقول: " افعل ولا تفعل ".
وبعدُ، فإني لا أعلم أحدًا من أهل العربية إلا وهو يستردئ أمر المخاطب باللام، ويرى أنها لغة مرغوب عنها ، غير الفراء، فإنه كان يزعم أن الّلام في الأمر [هي البناء الذي خلق له] ، (7) واجهتَ به أم لم تُوَاجِهْ، إلا أن العرب حذفت اللام من فعل المأمور المواجَه ، لكثرة الأمر خاصةً في كلامهم، كما حذَفوا التاء من الفعل.
قال: وأنت تعلم أن الجازم والناصب لا يقعان إلا على الفعل الذي أوله الياء والتاء والنون والألف، فلما حُذِفت التاء ذهبت اللام ، وأُحدِثَت الألف في قولك: " اضرب " و " افرح "، لأن الفاء ساكنة، فلم يستقم أن يستأنف بحرف ساكنٍ، فأدخلوا ألفًا خفيفة يقع بها الابتداء، كما قال: ادَّارَكُوا ، [سورة الأعراف: 38] (8) و اثَّاقَلْتُمْ ، [سورة التوبة: 38].
(9) وهذا الذي اعتلّ به الفراء عليه لا له، وذلك أن العَرب إن كانت قد حذفت اللام في المواجَه وتركتها، فليس لغيرها إذا نطق بكلامها أن يُدْخِل فيها ما ليس منه ما دام متكلِّمًا بلغتها.
فإن فعل ذلك ، كان خارجًا عن لغتها، وكتابُ الله الذي أنـزله على محمد بلسانها، (10) فليس لأحدٍ أن يتلوه إلا بالأفصح من كلامها، وإن كان معروفًا بعضُ ذلك من لغة بعضها، فكيف بما ليس بمعروف من لغة حيّ ولا قبيلة منها؟
وإنما هو دعوى لا تثبتُ بها [حجّة] ولا صحة .
(11) --------------------- الهوامش : (5) في المطبوعة والمخطوطة : " لهؤلاء المشركين بك " ، وهو فاسد جدًا ، ورجحت أن الصواب ما أثبت .
(6) الأثر: 17668- " علي بن الحسن الأزدي " شيخ الطبري ، مضى برقم : 10258، وأننا لم نجد له ترجمة .
وكان في المطبوعة هنا "بن الحسين" وهو خطأ ، وقع مثله عندنا في هامش التعليق علىالأثر المذكور 9: 98، تعليق: 1 (7) في المطبوعة : " أن اللام في ذي التاء الذي خلق له " ، وهو كلام ساقط بمرة واحدة .
وكان في المخطوطة : " أن اللام هي البناء .
.
.
" ، والزيادة التي بين القوسين من عندي ، لأن الناسخ أسقط : كما هو ظاهر .
واستظهرت ذلك من كتاب الفراء ، وهذا كله نصه ، كما سيأتي .
(8) في المطبوعة : " ادراكتم " ، وفي المخطوطة " قالوا : ادراكوا واثاقلتم " ، وأثبت نص الفراء .
(9) هذا كله نص الفراء في معاني القرآن 1 : 469 .
(10) في المطبوعة : " وكلام الله " ، والجيد ما في المخطوطة .
(11) في المطبوعة : " لا ثبت بها ولا حجة " ، وفي المخطوطة : " لا تثبت بها ولا صحة " فزدت " حجة " بين القوسين ، لاقتضاء السياق إياها .
قوله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعونقوله تعالى قل بفضل الله وبرحمته قال أبو سعيد الخدري وابن عباس رضي الله عنهما : فضل الله القرآن ، ورحمته الإسلام .
وعنهما أيضا : فضل الله القرآن ، ورحمته أن جعلكم من أهله .
وعن الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة : فضل الله الإيمان ، ورحمته القرآن ; على العكس من القول الأول .
وقيل غير هذا .فبذلك فليفرحوا إشارة إلى الفضل والرحمة .
والعرب تأتي " بذلك " للواحد والاثنين والجمع .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ " فبذلك فلتفرحوا " بالتاء ; وهي قراءة يزيد بن القعقاع ويعقوب وغيرهما ; وفي الحديث لتأخذوا مصافكم .
والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب .
وقد ذم الفرح في مواضع ; كقوله : لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وقوله : إنه لفرح فخور ولكنه مطلق .
[ ص: 264 ] فإذا قيد الفرح لم يكن ذما ; لقوله : فرحين بما آتاهم الله من فضله وهاهنا قال تبارك وتعالى : فبذلك فليفرحوا أي بالقرآن والإسلام فليفرحوا ; فقيد .
قال هارون : وفي حرف أبي " فبذلك فافرحوا " .
قال النحاس : سبيل الأمر أن يكون باللام ليكون معه حرف جازم كما أن مع النهي حرفا ; إلا أنهم يحذفون من الأمر للمخاطب استغناء بمخاطبته ، وربما جاءوا به على الأصل ; منه " فبذلك فلتفرحوا " .هو خير مما يجمعون يعني في الدنيا .
وقراءة العامة بالياء في الفعلين ; وروي عن ابن عامر أنه قرأ فليفرحوا بالياء " تجمعون " بالتاء خطابا للكافرين .
وروي عن الحسن أنه قرأ بالتاء في الأول ; و يجمعون بالياء على العكس .
وروى أبان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من هداه الله للإسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه ثم تلا قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون .
ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك فقال: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ} الذي هو القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده {وَبِرَحْمَتِهِ} الدين والإيمان، وعبادة الله ومحبته ومعرفته. {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} من متاع الدنيا ولذاتها. فنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين، لا نسبة بينها، وبين جميع ما في الدنيا، مما هو مضمحل زائل عن قريب. وإنما أمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته، لأن ذلك مما يوجب انبساط النفس ونشاطها، وشكرها لله تعالى، وقوتها، وشدة الرغبة في العلم والإيمان الداعي للازدياد منهما، وهذا فرح محمود، بخلاف الفرح بشهوات الدنيا ولذاتها، أو الفرح بالباطل، فإن هذا مذموم كما قال [تعالى عن] قوم قارون له: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} . وكما قال تعالى في الذين فرحوا بما عندهم من الباطل المناقض لما جاءت به الرسل: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ}
قوله تعالى : ( قل بفضل الله وبرحمته ) قال مجاهد وقتادة : فضل الله : الإيمان ، ورحمته : القرآن .
وقال أبو سعيد الخدري : فضل الله القرآن ورحمته أن جعلنا من أهله .
وقال ابن عمر : فضل الله : الإسلام ، ورحمته : تزيينه في القلب .
وقال خالد بن معدان : فضل الله : الإسلام ، ورحمته : السنن .
وقيل : فضل الله : الإيمان ، ورحمته : الجنة .
( فبذلك فليفرحوا ) أي : ليفرح المؤمنون أن جعلهم الله من أهله ، ( هو خير مما يجمعون ) أي : مما يجمعه الكفار من الأموال .
وقيل : كلاهما خبر عن الكفار .
وقرأ أبو جعفر وابن عامر : " فليفرحوا " بالياء ، و " تجمعون " بالتاء ، وقرأ يعقوب كليهما بالتاء ، مختلف عنه خطابا للمؤمنين .
«قل بفضل الله» الإسلام «وبرحمته» القرآن «فبذلك» الفضل والرحمة «فليفرحوا هو خير مما يجمعون» من الدنيا بالياء والتاء.
قل -أيها الرسول- لجميع الناس: بفضل الله وبرحمته، وهو ما جاءهم من الله من الهدى ودين الحق وهو الإسلام، فبذلك فليفرحوا؛ فإن الإسلام الذي دعاهم الله إليه، والقرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، خير مما يجمعون من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة.
وقوله : ( قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) حض للناس على اغتنام ما في تعاليم الإِسلام من خيرات ، وإيثارها على ما فى الدنيا من شهوات .أى : قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة : اجعلوا فرحكم الأكبر ، وسروركم الأعظم ، بفضل الله الذى شرع لكم هذا الدين على لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وبرحمته التي وسعت كل شيء وهي بالمؤمنين أوسع ، لا بما تجمعون فى هذه الدنيا من أموال زائلة ومتع فانية .وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن ، ومنهم من فسر فضل الله بالقرآن ، ورحمته بالإِسلام .
ومنهم من فسرهما بالجنة والنجاة من النار .ولعل تفسير هما بما يشمل كل ذلك أولى : لأنه لم يرد نص صحيح عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - يحدد المراد منهما ، وما دام الأمر كذلك فحملهما على ما يشمل الإِسلام والقرآن والجنة أولى .قال ابن كثير : قوله - تعالى - ( قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ) أى : بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة .فعن أيفع بن عبد الكلاعي قال : لما قدم خراج العراق إلى عمر - رضي الله عنه - خرج عمر ومولى له ، فجعل يعد الإِبل ، فإذا هى أكثر من ذلك ، فجعل عمر يقول : الحمد لله - تعالى - ويقول مولاه : هذا والله من فضل الله ورحمته .
فقال عمر : كذبت ليس هذا هو الذي يقول الله - تعالى - ( قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) .أى : ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية ، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيما جاءهم من الله - تعالى - من دين قويم ، ورسول كريم ، وقرآن مبين .ودخلت الباء على كل من الفضل والرحمة ، للإِشعار باستقلال كل منهما بالفرح به .والجار والمجرور فى كل منهما متعلق بمحذوف ، وأصل الكلام : قل لهم يا محمد ليفرحوا بفضل الله وبرحمته ، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإِفادة الاختصاص ، وأدخلت الفاء لإِفادة السببية ، فكأنه قيل : إن فرحوا بشيء فليكن بسبب ما أعطاهم الله - تعالى - من فضل ورحمته ، لا بسبب ما يجمعون من زينة الحياة الدنيا .قال القرطبى : " والفرح لذة فى القلب بإدراك المحبوب .
وقد ذم الله الفرح فى مواضع ، كقوله - سبحانه - ( إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين ) وكقوله ( إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ) ولكنه مطلق .
فإذا قيد الفرح لم يكن ذما ، لقوله - تعالى ( فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ) وكقوله - سبحانه - هنا ( فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ) أى بالقرآن والإِسلام فليفرحوا .
.
.
" .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء عليهم السلام أمران: الأول: أن نقول إن هذا الشخص قد ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده وكل من كان كذلك، فهو رسول من عند الله حقاً وصدقاً، وهذا الطريق مما قد ذكره الله تعالى في هذه السورة وقرره على أحسن الوجوه في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ وقد ذكرنا في تفسير هذه الآية ما يقوي الدين ويورث اليقين ويزيل الشكوك والشبهات ويبطل الجهالات والضلالات.
وأما الطريق الثاني فهو أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو؟
فكل من جاء ودعا الخلق إليهم وحملهم عليه وكانت لنفسه قوة قوية في نقل الناس من الكفر إلى الإيمان، ومن الاعتقاد الباطل إلى الاعتقاد الحق، ومن الأعمال الداعية إلى الدنيا إلى الأعمال الداعية إلى الآخرة فهو النبي الحق الصادق المصدق، وتقريره: أن نفوس الخلق قد استولى عليها أنواع النقص والجهل وحب الدنيا، ونحن نعلم بعقولنا أن سعادة الإنسان لا تحصل إلا بالاعتقاد الحق والعمل الصالح، وحاصله يرجع إلى حرف واحد وهو أن كل ما قوى نفرتك عن الدنيا ورغبتك في الآخرة فهو العمل الصالح وكل ما كان بالضد من ذلك فهو العمل الباطل والمعصية، وإذا كان الأمر كذلك كانوا محتاجين إلى إنسان كامل، قوي النفس، مشرق الروح، علوي الطبيعة، ويكون بحيث يقوى على نقل هؤلاء الناقصين من مقام النقصان إلى مقام الكمال، وذلك هو النبي.
فالحاصل أن الناس أقسام ثلاثة: الناقصون والكاملون الذين لا يقدرون على تكميل الناقصين، والقسم الثالث هو الكامل الذي يقدر على تكميل الناقصين، فالقسم الأول هو عامة الخلق، والقسم الثاني هم الأولياء، والقسم الثالث هم الأنبياء، ولما كانت القدرة على نقل الناقصين من درجة النقصان إلى درجة الكمال مراتبها مختلفة ودرجاتها متفاوتة، لا جرم كانت درجات الأنبياء في قوة النبوة مختلفة.
ولهذا السر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل».
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى لما بين صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بطريق المعجزة، ففي هذه الآية بين صحة نبوته بالطريق الثاني، وهذا الطريق طريق كاشف عن حقيقة النبوة معرف لماهيتها، فالاستدلال بالمعجز هو الذي يسميه المنطقيون برهان الآن، وهذا الطريق هو الطريق الذي يسمونه برهان اللم، وهو أشرف وأعلى وأكمل وأفضل.
المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف القرآن في هذه الآية بصفات أربعة: أولها: كونه موعظة من عند الله.
وثانيها: كونه شفاء لما في الصدور.
وثالثها: كونه هدى.
ورابعها: كونه رحمة للمؤمنين.
ولا بد لكل واحد من هذه الصفات من فائدة مخصوصة فنقول: إن الأرواح لما تعلقت بالأجساد كان ذلك التعلق بسبب عشق طبيعي وجب للروح على الجسد، ثم إن جوهر الروح التذ بمشتهيات هذا العالم الجسداني وطيباته بواسطة الحواس الخمس وتمرن على ذلك وألف هذه الطريقة واعتادها.
ومن المعلوم أن نور العقل إنما يحصل في آخر الدرجة، حيث قويت العلائق الحسية والحوادث الجسدانية، فصار ذلك الاستغراق سبباً لحصول العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة في جوهر الروح، وهذه الأحوال تجري مجرى الأمراض الشديدة لجوهر الروح، فلابد لها من طبيب حاذق، فإن من وقع في المرض الشديد، فإن لم يتفق له طبيب حاذق يعالجه بالعلاجات الصائبة مات لا محالة، وإن اتفق أن صادفه مثل هذا الطبيب، وكان هذا البدن قابلاً للعلاجات الصائبة فربما حصلت الصحة وزال السقم.
إذا عرفت هذا فنقول: إن محمداً صلى الله عليه وسلم كان كالطبيب الحاذق، وهذا القرآن عبارة عن مجموع أدويته التي بتركيبها تعالج القلوب المريضة.
ثم إن الطبيب إذا وصل إلى المريض فله معه مراتب أربعة: المرتبة الأولى: أن ينهاه عن تناول ما لا ينبغي ويأمره بالاحتراز عن تلك الأشياء التي بسببها وقع في ذلك المرض، وهذا هو الموعظة فإنه لا معنى للوعظ إلا الزجر عن كل ما يبعد عن رضوان الله تعالى، والمنع عن كل ما يشغل القلب بغير الله.
المرتبة الثانية: الشفاء وهو أن يسقيه أدوية تزيل عن باطنه تلك الأخلاط الفاسدة الموجبة للمرض، فكذلك الأنبياء عليهم السلام إذا منعوا الخلق عن فعل المحظورات صارت ظواهرهم مطهرة عن فعل ما لا ينبغي فحينئذ يأمرونهم بطهارة الباطن وذلك بالمجاهدة في إزالة الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الحميدة، وأوائلها ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآء ذِى القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغى ﴾ وذلك لأنا ذكرنا أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة جارية مجرى الأمراض، فإذا زالت فقد حصل الشفاء للقلب وصار جوهر الروح مطهراً عن جميع النقوش المانعة عن مطالعة عالم الملكوت.
والمرتبة الثالثة: حصول الهدى، وهذه المرتبة لا يمكن حصولها إلا بعد المرتبة الثانية، لأن جوهر الروح الناطقة قابل للجلايا القدسية والأضواء الإلهية وفيض الرحمة عام غير منقطع على ما قال عليه الصلاة والسلام: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها».
وأيضاً فالمنع إنما يكون إما للعجز أو للجهل أو للبخل، والكل في حق الحق ممتنع، فالمنع في حقه ممتنع، فعلى هذا عدم حصول هذه الأضواء الروحانية، إنما كان لأجل أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة طبعها طبع الظلمة، وعند قيام الظلمة يمتنع حصول النور، فإذا زالت تلك الأحوال، فقد زال العائق فلابد وأن يقع ضوء عالم القدس في جوهر النفس القدسية، ولا معنى لذلك الضوء إلا الهدى، فعند هذه الحالة تصير هذه النفس بحيث قد انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت، وأول هذه المرتبة هو قوله: ﴿ يأَيَّتُهَا النفس المطمئنة ارجعى إلى رَبّكِ ﴾ وأوسطها قوله تعالى: ﴿ فَفِرُّواْ إِلَى الله ﴾ وآخرها قوله: ﴿ قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ ومجموعها قوله: ﴿ وَللَّهِ غَيْبُ السموات والارض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الامر كُلُّهُ فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وسيجيء تفسير هذه الآيات في مواضعها بإذن الله تعالى، وهذه المرتبة هي المراد بقوله سبحانه: ﴿ وهدى ﴾ .
وأما المرتبة الرابعة: فهي أن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم، وذلك هو المراد بقوله: ﴿ وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وإنما خص المؤمنين بهذا المعنى، لأن أرواح المعاندين لا تستضيء بأنوار أرواح الأنبياء عليهم السلام، لأن الجسم القابل للنور عن قرص الشمس هو الذي يكون وجهه مقابلاً لوجه الشمس، فإن لم تحصل هذه المقابلة لم يقع ضوء الشمس عليه، فكذلك كل روح لما لم تتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين، لم تنتفع بأنوارهم، ولم يصل إليها آثار تلك الأرواح المطهرة المقدسة، وكما أن الأجسام التي لا تكون مقابلة لقرص الشمس مختلفة الدرجات والمراتب في البعد عن هذه المقابلة ولا تزال تتزايد درجات هذا البعد حتى ينتهي ذلك الجسم إلى غاية بعده عن مقابلة قرص الشمس، فلا جرم يبقى خالص الظلمة، فكذلك تتفاوت مراتب النفوس في قبول هذه الأنوار عن أرواح الأنبياء ولا تزال تتزايد حتى تنتهي إلى النفس التي كملت ظلمتها، وعظمت شقاوتها وانتهت في العقائد الفاسدة، والأخلاق الذميمة إلى أقصى الغايات، وأبعد النهايات، فالحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة والهدى وهو إشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة، والرحمة وهي إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للناقصين وهي النبوة، فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الألفاظ القرآنية لا يمكن تأخير ما تقدم ذكره ولا تقديم ما تأخر ذكره، ولما نبه الله تعالى في هذه الآية على هذه الأسرار العالية الآلهية قال: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ والمقصود منه الإشارة إلى ما قرره حكماء الإسلام من أن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية وقد سبق في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبالغة في تقرير هذا المعنى فلا فائدة في الإعادة انتهى.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ وتقديره: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، ثم يقول مرة أخرى: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ والتكرير للتأكيد.
وأيضاً قوله: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ يفيد الحصر، يعني يجب أن لا يفرح الإنسان إلا بذلك.
واعلم أن هذا الكلام يدل على أمرين: أحدهما: أنه يجب أن لا يفرح الإنسان بشيء من الأحوال الجسمانية، ويدل عليه وجوه: الأول: أن جماعة من المحققين قالوا: لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق أن يفرح به.
والثاني: أن بتقدير أن تكون هذه اللذات صفات ثبوتية، لكنها معنوية من وجوه: الأول: أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها ألا ترى أن أقوى اللذات الجسمانية لذة الوقاع، ولا شك أن الالتذاذ بها أقل مرتبة من الاستضرار بألم القولنج وسائر الآلام القوية.
والثاني: أن مداخل اللذات الجسمانية قليلة، فإنه لا سبيل إلى تحصيل اللذات الجسمانية إلا بهذين الطريقين أعني لذة البطن والفرج.
وأما الآلام: فإن كل جزء من أجزاء بدن الإنسان معه نوع آخر من الآلام، ولكل نوع منها خاصية ليست للنوع الآخر.
والثالث: أن اللذات الجسمانية لا تكون خالصة ألبتة بل تكون ممزوجة بأنواع من المكاره، فلو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب النفس في مقدماتها وفي لواحقها لكفى.
الرابع: أن اللذات الجسمانية لا تكون باقية، فكلما كان الالتذاذ بها أكثر كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها أكثر وأشد، ولذلك قال المعري: إن حزنا في ساعة الموت أضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فمن المعلوم أن الفرح الحاصل عند حدوث الولد لا يعادل الحزن الحاصل عند موته.
الخامس: أن اللذات الجسمانية حال حصولها تكون ممتنعة البقاء، لأن لذة الأكل لا تبقى بحالها، بل كما زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل ولا يمكن استبقاء تلك اللذة.
السادس: أن اللذات الجسمانية التذاذ بأشياء خسيسة، فإنها التذاذ بكيفيات حاصلة في أجسام رخوة سريعة الفساد مستعدة للتغير، فأما اللذات الروحانية فإنها بالضد في جميع هذه الجهات، فثبت أن الفرح باللذات الجسمانية فرح باطل، وأما الفرح الكامل فهو الفرح بالروحانيات والجواهر المقدسة وعالم الجلال ونور الكبرياء.
والبحث الثاني: من مباحث هذه الآية أنه إذا حصلت اللذات الروحانية فإنه يجب على العاقل أن لا يفرح بها من حيث هي هي، بل يجب أن يفرح بها من حيث إنها من الله تعالى وبفضل الله وبرحمته، فلهذا السبب قال الصديقون: من فرح بنعمة الله من حيث إنها تلك النعمة فهو مشرك، أما من فرح بنعمة الله من حيث إنها من الله كان فرحه بالله، وذلك هو غاية الكمال ونهاية السعادة فقوله سبحانه: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ يعني فليفرحوا بتلك النعم لا من حيث هي هي، بل من حيث إنها بفضل الله وبرحمة الله، فهذه أسرار عالية اشتملت عليها هذه الألفاظ التي ظهرت من عالم الوحي والتنزيل، هذا ما تلخص عندنا في هذا الباب، أما المفسرون فقالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن.
وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله.
المسألة الرابعة: قرئ ﴿ فلتفرحوا ﴾ بالتاء، قال الفراء: وقد ذكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء وقال: معناه فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، قال وقريب من هذه القراءة قراءة أبي ﴿ فَبِذَلِكَ فافرحوا ﴾ والأصل في الأمر للمخاطب والغائب اللام نحو لتقم يا زيد وليقم زيد، وذلك لأن حكم الأمر في الصورتين واحد، إلا أن العرب حذفوا اللام من فعل المأمور المخاطب لكثرة استعماله، وحذفوا التاء أيضاً وأدخلوا ألف الوصل نحو اضرب واقتل ليقع الابتداء به وكان الكسائي يعيب قولهم فليفرحوا لأنه وجده قليلاً فجعله عيباً إلا أن ذلك هو الأصل، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض المشاهد: لتأخذوا مصافكم يريد به خذوا، هذا كله كلام الفراء.
وقرئ ﴿ تجمعون ﴾ بالتاء ووجهه أنه تعالى عنى المخاطبين والغائبين إلا أنه غلب المخاطب على الغائب كما يغلب التذكير على التأنيث، فكأنه أراد المؤمنين هكذا قاله أهل اللغة وفيه دقيقة عقلية وهو أن الإنسان حصل فيه معنى يدعوه إلى خدمة الله تعالى وإلى الاتصال بعالم الغيب ومعارج الروحانيات، وفيه معنى آخر يدعوه إلى عالم الحس والجسم واللذات الجسدانية، وما دام الروح متعلقاً بهذا الجسد، فإنه لا ينفك عن حب الجسد، وعن طلب اللذات الجسمانية، فكأنه تعالى خاطب الصديقين العارفين، وقال: حصلت الخصومة بين الحوادث العقلية الإلهية وبين النوازع النفسانية الجسدانية، والترجيح لجانب العقل لأنه يدعو إلى فضل الله ورحمته والنفس تدعو إلى جمع الدنيا وشهواتها وفضل الله ورحمته خير لكم مما تجمعون من الدنيا لأن الآخرة خير وأبقى، وما كان كذلك فهو أولى بالطلب والتحصيل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ ﴾ أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد ﴿ و ﴾ هو ﴿ شِفَآء ﴾ أي دواء ﴿ لِّمَا فِي ﴾ صدوركم من العقائد الفاسدة ودعاء إلى الحق ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ لمن آمن به منكم.
وأصل الكلام: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، فبذلك فليفرحوا، والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة لمعنى الشرط؛ كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، فإنه لا مفروح به أحق منهما.
ويجوز أن يراد: بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا.
ويجوز أن يراد: قد جاءتكم موعطة بفضل الله وبرحمته، فبذلك: فبمجيئها فليفرحوا.
وقرئ: ﴿ فلتفرحوا ﴾ بالتاء وهو الأصل والقياس، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي.
وعنه: «لتأخذوا مصافكم» قالها في بعض الغزوات.
وفي قراءة أبيّ: ﴿ فافرحوا ﴾ ﴿ هُوَ ﴾ راجع إلى ذلك.
وقرئ: ﴿ مما تجمعون ﴾ بالياء والتاء.
وعن أبيّ بن كعب: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ فقال: «بكتاب الله والإسلام» وقيل: (فضله) الإسلام (ورحمته) ما وعد عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِلْحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ الكاشِفَةِ عَنْ مَحاسِنِ الأعْمالِ ومَقابِحِها المُرَغِّبَةِ في المَحاسِنِ والزّاجِرَةِ عَنِ المَقابِحِ، والحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ الَّتِي هي شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ مِنَ الشُّكُوكِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ وهُدًى إلى الحَقِّ واليَقِينِ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ فَنَجَوْا بِها مِن ظُلُماتِ الضَّلالِ إلى نُورِ الإيمانِ، وتَبَدَّلَتْ مَقاعِدُهم مِن طَبَقاتِ النِّيرانِ بِمَصاعِدَ مِن دَرَجاتِ الجِنانِ، والتَّنْكِيرُ فِيها لِلتَّعْظِيمِ.
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ بِإنْزالِ القُرْآنِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ بِمَنزِلَةِ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا أوْ فَلْيَفْرَحُوا فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والبَيانُ بَعْدَ الإجْمالِ وإيجابُ اخْتِصاصِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ بِالفَرَحِ أوْ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ قَدْ جاءَتْكُمْ ﴾ ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِهِ أيْ فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا والفاءُ بِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فِيهِما فَلْيَفْرَحُوا أوْ لِلرَّبْطِ بِما قَبْلَها، والدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَجِيءَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ مُوجِبٌ لِلْفَرَحِ وتَكْرِيرُها لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: وَإذا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فاجْزَعِي وعَنْ يَعْقُوبَ « فَلْتَفْرَحُوا» بِالتّاءِ عَلى الأصْلِ المَرْفُوضِ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ « فافْرَحُوا» .
﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا فَإنَّها إلى الزَّوالِ قَرِيبٌ وهو ضَمِيرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ تَجْمَعُونَ بِالتّاءِ عَلى مَعْنى فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحِ المُؤْمِنُونَ فَهو خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَهُ أيُّها المُخاطَبُونَ.
<div class="verse-tafsir"
{قُلْ} يا محمد {بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قبل إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح أو بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا وهما كتاب الله والإسلام في الحديث من هداه الله للإسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينينه إلى يوم يلقاه وقرأ الآية {هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ} وبالتاء شامي فلتفرحوا يعقوب
﴿ قُلْ ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَأْمُرَ النّاسَ بِأنْ يَغْتَنِمُوا ما في القُرْآنِ العَظِيمِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ أيْ قُلْ لَهم ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وأصْلُ الكَلامِ لِيَفْرَحُوا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وبِرَحْمَتِهِ ثُمَّ قَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى الفِعْلَ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِ بِالمَجْرُورِ ثُمَّ أدْخَلَ عَلَيْهِ الفاءَ لِإفادَةِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ فَصارَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا ثُمَّ جِيءَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ ثُمَّ حَذَفَ الفِعْلَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، والفاءُ الأوْلى قِيلَ جَزائِيَّةٌ والثّانِيَةُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والأصْلُ أنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا لا بِشَيْءٍ آخَرَ ثُمَّ زِيدَتِ الفاءُ لِما ذُكِرَ ثُمَّ حُذِفَ الشَّرْطُ وقِيلَ: إنَّ الأُولى هي الزّائِدَةُ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ في الحَقِيقَةِ فَلْيَفْرَحُوا وبِذَلِكَ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ وزِيدَتْ فِيهِ الفاءُ لِلتَّحْسِينِ ولِذَلِكَ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى القَوْلِ بِحَذْفِ مُتَعَلِّقِهِ ونَظِيرُ ذَلِكَ في الِاخْتِلافِ في تَعْيِينِ الزّائِدِ فِيهِ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: لا تَجْزَعِي إنْ مُنْفَسًا أهْلَكَتْهُ فَإذا هَلَكَتْ فَعِنْدَ ذَلِكَ فاجْزَعِي ومِن غَرِيبِ العَرَبِيَّةِ ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ وقَدْ أُقِيمَ اسْمُ الإشارَةِ مَقامَ ضَمِيرِ المَعْمُولِ وتَوْحِيدُهُ بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ ونَحْوِهِ كَما هو شائِعٌ فِيهِ ووَجْهُ غَرابَتِهِ أنَّ المَعْرُوفَ في شَرْطِ البابِ اشْتِغالُ العامِلِ بِضَمِيرِ المَعْمُولِ ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ اشْتِغالَهُ بِاسْمِ الإشارَةِ إلَيْهِ وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ (فَلْيَعْتَنُوا)أيْ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا والقَرِينَةُ عَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ أنَّ ما يَفْرَحُ بِهِ يَكُونُ مِمّا يُعْتَنى ويُهْتَمُّ بِشَأْنِهِ أوْ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى ما قِيلَ وقالَ الحَلَبِيُّ: الدَّلالَةُ عَلَيْهِ مِنَ السِّياقِ واضِحَةٌ ولَيْسَ شَرْطُ الدَّلالَةِ أنْ تَكُونَ لَفْظِيَّةً فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ ذَلِكَ إضْمارٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ وأنْ يُقَدَّرَ جاءَتْكم بَعْدَ ﴿ قُلْ ﴾ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِما قَبْلُ أيْ قُلْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ وشِفاءٌ وهُدًى ورَحْمَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِجاءَتْكُمُ المَذْكُورُ لِأنَّ ﴿ قُلْ ﴾ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ وذَلِكَ عَلى هَذا إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ وهو المَجِيءُ أيْ فَبِمَجِيءِ المَذْكُوراتِ فَلْيَفْرَحُوا وتَكْرِيرُ الباءِ في بِرَحْمَتِهِ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِها في اسْتِيجابِ الفَرَحِ والمُرادُ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ إمّا الجِنْسُ ويَدْخُلُ فِيهِ ما في مَجِيءِ القُرْآنِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وإمّا ما في مَجِيئِهِ مِن ذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ القُرْآنُ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فَضْلُ اللَّهِ القُرْآنُ ورَحْمَتُهُ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» .
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ البَراءِ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَوْقُوفًا وجاءَ عَنْ جَمْعٍ جَمٍّ أنَّ الفَضْلَ القُرْآنُ والرَّحْمَةَ الإسْلامُ وهو في مَعْنى الحَدِيثِ المَذْكُورِ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الفَضْلَ العِلْمُ والرَّحْمَةَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأخْرَجَ الخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ تَفْسِيرَ الفَضْلِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والرَّحْمَةِ بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والمَشْهُورُ وصْفُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالرَّحْمَةِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ دُونَ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وإنْ كانَ رَحْمَةً جَلِيلَةً رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأرْضاهُ وقِيلَ: المُرادُ بِهِما الجَنَّةُ والنَّجاةُ مِنَ النّارِ.
وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ مِن أوْجُهِ الإعْرابِ ما أُرِيدَ بِها أوَّلًا بَلْ هي في غَيْرِ الأُولى كَما لا يَخْفى ورَوى رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ (فَلْتَفْرَحُوا) بِتاءِ الخِطابِ ولامِ الأمْرِ عَلى أصْلِ المُخاطَبِ المَتْرُوكِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ أصْلَ صِيغَةِ الأمْرِ الأمْرُ بِاللّامِ فَحُذِفَتْ مَعَ تاءِ المُضارَعَةِ واجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِلتَّوَصُّلِ إلى الِابْتِداءِ بِالسّاكِنِ لا عَلى القَوْلِ بِأنَّها صِيغَةٌ أصْلِيَّةٌ وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ القِراءَةُ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِنهم أبُو داوُدَ وأحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا وقَرَأ بِها أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما وفي تَعْلِيقاتِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى كَشّافِهِ كَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما آثَرَ القِراءَةَ بِالأصْلِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الأمْرِ بِالفَرَحِ وأشَدُّ تَصْرِيحًا بِهِ إيذانًا بِأنَّ الفَرَحَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وبِرَحْمَتِهِ بَلِيغُ التَّوْصِيَةِ بِهِ لِيُطابِقَ التَّقْرِيرَ والتَّكْرِيرَ وتَضْمِينَ مَعْنى الشَّرْطِ، لِذَلِكَ ونَظِيرِهِ مِمّا انْقَلَبَ فِيهِ ما لَيْسَ بِفَصِيحٍ فَصِيحًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ ﴾ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ اللَّغْوِ لِيَكُونَ الغَرَضُ اخْتِصاصَ التَّوْحِيدِ انْتَهى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ ابْنِ جِنِّيٍّ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ ونُقِلَ عَنْ شَرْحِ اللُّبِّ في تَوْجِيهِهِ أنَّهُ لَما كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَبْعُوثًا إلى الحاضِرِ والغائِبِ جُمِعَ بَيْنَ اللّامِ والتّاءِ قِيلَ: وكَأنَّهُ عَنى أنَّ الأمْرَ لَمّا كانَ لِجُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ حاضِرِهِمْ وغائِبِهِمْ غُلِّبَ الحاضِرُونَ في الخِطابِ عَلى الغائِبِينَ وأُتِيَ بِاللّامِ رِعايَةً لِأمْرِ الغائِبِينَ وهي نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ إلّا أنَّهُ أمْرٌ مُحْتَمَلٌ وما نُقِلَ عَنْ صاحِبِ الكَشّافِ أوْلى بِالقَبُولِ وقُرِئَ (فافْرَحُوا) وهي تُؤَيِّدُ القِراءَةَ السّابِقَةَ لِأنَّها أمْرُ المُخاطَبِ عَلى الأصْلِ وقُرِئَ (فَلْيَفْرَحُوا) بِكَسْرِ اللّامِ هو ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ 58﴾ مِنَ الأمْوالِ والحَرْثِ والأنْعامِ وسائِرِ حُطامِ الدُّنْيا فَإنَّها صائِرَةٌ إلى الزَّوالِ مُشْرِفَةٌ عَلَيْهِ وهو راجِعٌ إلى لَفْظِ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَدْلُولِهِ وهو مُفْرَدٌ فُرُوعِيَ لَفْظُهُ وإنْ كانَ عِبارَةً عَنِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ ويَجُوزُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِما ابْتِداءً بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ كَما فُعِلَ في ذَلِكَ أوْ جَعْلَهُما في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ راجِعًا إلى المَصْدَرِ أعْنِي المَجِيءَ الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ و(ما) تَحْتِمَلُ المَوْصُولِيَّةَ والمَصْدَرِيَّةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (تَجْمَعُونَ) بِالخِطابِ لِمَن خُوطِبَ ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ سَواءٌ كانَ عامًّا أوْ خاصًّا بِكُفّارِ قُرَيْشٍ وضَمِيرُ ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحِ المُؤْمِنُونَ فَهو خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ وعَلى قِراءَةِ (فَلْتَفْرَحُوا) (وافْرَحُوا) يَكُونُ الخِطابُ عَلى ما قِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لَهم عَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ أيْضًا التِفاتًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ الجَمْعَ أنَسَبُ بِغَيْرِهِمْ وإنْ صَحَّ وصْفُهم بِهِ في الجُمْلَةِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمَ القَوْلُ بِما يَسْتَلْزِمُهُ ما دامَ مَندُوحَةٌ عَنْهُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكَّة، ويقال: جميع النَّاس، قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: نهياً من ربِّكم عن الشِّرك على لسان نبيّكم ، وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ يعني: القرآن شفاء للقلوب من الشِّرك.
ويقال: شفاء من العمى، لأن فيه بيان الحلال والحرام وَهُدىً من الضلالة، ويقال: صواباً، وبياناً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: القرآن نعمة من الله تعالى على المؤمنين، يمنع العذاب عمّن آمن، وعمل بما فيه.
قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ، يعني: قل يا مُحمَّد للمؤمنين: بفضل الله والإسلام وَبِرَحْمَتِهِ القرآن.
وروي عن ابن عباس: «أنه بِفَضْلِ اللَّهِ يعني القرآن، وَبِرَحْمَتِهِ الإسلام» ، يعني: بنعمته عليكم إذ أكرمكم بالإسلام والقرآن، وهكذا قال أبو سعيد الخِدْرِيّ.
وقال الضَّحَّاك، ومجاهد: بفضل القرآن، وبرحمته الإسلام.
وقال مقاتل: بفضل الله الإسلام، وبرحمته القرآن.
وعن الحسن مثله وقال القُتَبِيّ مثله.
فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا يعني: بالقرآن والإيمان هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من الأموال.
قرأ ابن عامر: فبذلك فلتفرحوا هو خير ممّا تجمعون بالتاء كلاهما على معنى المخاطبة وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ولا وجْه عندي لشيْءٍ من هذا التخْصيصِ إِلاَّ أن يستند شيءٌ منْه إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وإِنما الذي يقتضيه اللفظُ، ويلزم منْه أنَّ الفضْلَ: هو هدايةُ اللَّه تعالى إِلَى دِينِهِ، والتوفيقُ إِلى اتباع شرعه، والرحمةُ هي عفوه وسُكْنَى جنَّته التي جَعَلَها جزاءً على التشرُّع بالإِسلام والإِيمان به، ومعنى/ الآية: قل، يا محمَّد، لجميع النَّاس: بفضلِ اللَّه ورحمته فَلْيَقَعِ الفَرِحُ منكم، لا بأمور الدنيا وما يُجْمَعُ من حُطَامها، فإِن قيل: كيف أمر اللَّه بالفَرَحِ في هذه الآية، وقد وَرَدَ ذمُّه في قوله: لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود: ١٠] وفي قوله: لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦] .
قيل: إِن الفرح إِذا ورد مقيَّداً في خيرٍ، فليس بمذمومٍ، وكذلك هو في هذه الآية، وإِذا ورد مقيَّداً في شرٍّ، أو مطلقاً لَحِقَهُ ذمٌّ، إِذ ليس من أفعال الآخرة، بل ينبغي أنْ يغلب على الإِنسان حُزْنُهُ على دينه، وخوفُه لربِّه.
وقوله: مِمَّا يَجْمَعُونَ: يريد: مالَ الدنيا وحُطَامَها الفانِيَ المردي في الآخرة.
وقوله سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا ...
الآية.
قال ص: أَرَأَيْتُمْ: مضمَّن معنى: أَخْبِروني، و «ما» موصولة.
قال ع «٢» : هذه المخاطبة لكفَّار العرب الذين جعلوا البحائِرَ والسَّوائب وغَيْرَ ذلك، وقوله: أَنْزَلَ: لفظةً فيها تجوّز.
وقوله: وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ آية وعيدٍ- لمَّا تحقَّقَ عليهم بتقسيمِ الآية التي قبلها أنهم مفترون على اللَّه- عَظَّمَ في هذه الآية جُرْمَ الافتراء، أي: ظَنُّهم في غايَةِ الرداءة بحسب سُوء أفعالهم، ثم ثَنَّى بذكْرِ الفَضْل على النَّاس في الإِمهال لهم مع الافتراء والعصيان إِذ الإِمهال لهم داعيَةٌ إِلى التوبةِ والإِنابةِ، ثم الآية تعمّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: الإسْلامُ، ورَحْمَتَهُ: القُرْآنُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وهِلالُ بْنُ يَسافٍ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ في بَعْضِ الرِّوايَةِ عَنْهُما، وهو اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتَهُ: أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِ القُرْآنِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ.
والثّالِثُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: العِلْمُ، ورَحْمَتَهُ: مُحَمَّدٌ ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: الإسْلامُ، ورَحْمَتَهُ تَزْيِينُهُ في القُلُوبِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والخامِسُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتَهُ: الإسْلامُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ: القُرْآنُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.
والسّابِعُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتَهُ: السُّنَّةُ، قالَهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ.
والثّامِنُ: فَضْلُ الله: التَّوْفِيقُ، ورَحْمَتُهُ: العِصْمَةُ، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " فَلْتَفْرَحُوا " بِالتّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ مِثْلَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا اللّامَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ: " فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا " .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِذَلِكَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ.
﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ أيْ: مِمّا يَجْمَعُ الكُفّارُ مِنَ الأمْوالِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ورُوَيْسٌ: " تَجْمَعُونَ " بِالتّاءِ، وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾ خَبَرٌ لِاسْمٍ مُضْمَرٍ، تَأْوِيلُهُ: هَذا الشِّفاءُ وهَذِهِ المَوْعِظَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ التَّطَوُّلِ مِنَ اللَّهِ فَلْيَفْرَحُوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ خُوطِبَ بِها جَمِيعُ العالَمِ، والمَوْعِظَةُ: القُرْآنُ لِأنَّ الوَعْظَ إنَّما هو بِقَوْلٍ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَزْجُرُ ويُرَقِّقُ ويُوعِدُ ويَعِدُ، وهَذِهِ صِفَةُ الكِتابِ العَزِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ يُرِيدُ: لَمْ يَخْتَلِقْها مُحَمَّدٌ ولا غَيْرُهُ، بَلْ هي مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، و ﴿ لِما في الصُدُورِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجَهْلَ والعُتُوَّ عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ونَحْوِ هَذا مِمّا يُدافِعُ الإيمانَ، وجَعَلَهُ مَوْعِظَةً بِحَسَبِ الناسِ جَمِيعًا، وجَعْلُهُ هُدًى ورَحْمَةً بِحَسَبِ المُؤْمِنِينَ فَقَطْ، وهَذا تَفْسِيرٌ صَحِيحُ المَعْنى إذا تُؤُمِّلَ بانَ وجْهُهُ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ اسْتُغْنِيَ عن ذِكْرِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَهُدًى ورَحْمَةٌ ﴾ .
قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ وهو هِلالُ بْنُ يَسافَ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَضْلُ: الإسْلامُ، والرَحْمَةُ: القُرْآنُ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: الفَضْلُ: القُرْآنُ، والرَحْمَةُ: أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والضَحّاكُ: الفَضْلُ: القُرْآنُ، والرَحْمَةُ: الإسْلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الفَضْلُ: مُحَمَّدٌ ، والرَحْمَةُ: القُرْآنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ عِنْدِي لِشَيْءٍ مِن هَذا التَخْصِيصِ إلّا أنْ يَسْتَنِدَ مِنهُ شَيْءٌ إلى النَبِيِّ ، وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللهِ تَعالى إلى دِينِهِ، والتَوْفِيقُ إلى اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، والرَحْمَةُ هي عَفْوُهُ وسُكْنى جَنَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً عَلى التَشَرُّعِ بِالإسْلامِ والإيمانِ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِجَمِيعِ الناسِ: بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَقَعِ الفَرَحُ مِنكُمْ، لا بِأُمُورِ الدُنْيا وما يَجْمَعُ مِن حُطامِها، فالمُؤْمِنُونَ يُقالُ لَهُمْ: فَلْتَفْرَحُوا، وهم مُتَلَبِّسُونَ بِعِلَّةِ الفَرَحِ وسَبَبِهِ، ومُحَصِّلُونَ لِفَضْلِ اللهِ مُنْتَظِرُونَ الرَحْمَةَ.
والكافِرُونَ يُقالُ لَهُمْ: بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْتَفْرَحُوا، عَلى مَعْنى أنْ لَوِ اتَّفَقَ لَكُمْ، أو لَوْ سَعِدْتُمْ بِالهِدايَةِ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ القَعْقاعِ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ -عَلى ما زَعَمَ هارُونُ- ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ : "فَلْتَفْرَحُوا"، و"تَجْمَعُونَ" بِالتاءِ فِيهِما عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ جَماعَةٍ مِنَ السَلَفِ كَبِيرَةٍ، وعن أكْثَرِهِمْ خِلافٌ، وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى ابْنِ عامِرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِالياءِ فِيهِما عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو التَيّاحِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ -بِخِلافٍ عنهُمْ- وابْنُ عامِرٍ بِالياءِ في الأُولى وبِالتاءِ في الآخِرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وجَماعَةٌ مِنَ السَلَفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ بِالياءِ في الأُولى وفي الآخِرَةِ، ورُوِيَتْ عن أبِي التَيّاحِ.
وإذا تَأمَّلْتَ وُجُوهَ ذَلِكَ بانَتْ عَلى مَهِيعِ الفَصِيحِ مِن كَلامِ العَرَبِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ الخِلافُ مِن كُلِّ قارِئٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، "فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا"، وأمّا مَن قَرَأ: "فَلْتَفْرَحُوا"، فَأدْخَلَ اللامَ في أمْرِ المُخاطَبِ فَذَلِكَ عَلى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ: الأصْلُ في كُلِّ أمْرٍ إدْخالُ اللامِ إذا كانَ النَهْيُ بِحَرْفٍ، فَكَذَلِكَ الأمْرُ إذا كانَ أمْرًا لِغائِبٍ بِلامٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: إلّا أنَّ العَرَبَ رَفَضَتْ إدْخالَ اللامِ في أمْرِ المُخاطَبِ لِكَثْرَةِ تَرْدادِهِ.
وقَرَأ أبُو التَيّاحِ، والحَسَنُ بِكَسْرِ اللامِ مِن "فَلْتَفْرَحُوا"، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَ اللهُ بِالفَرَحِ في هَذِهِ الآيَةِ؟
وقَدْ ورَدَ ذَمُّهُ في قَوْلِهِ: ﴿ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾ ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ لا تَفْرَحْ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ ﴾ ، قِيلَ: إنَّ الفَرَحَ إذا ورَدَ مُقَيَّدًا في خَيْرٍ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وكَذَلِكَ هو في هَذِهِ الآيَةِ، وإذا ورَدَ مُقَيَّدًا في شَرٍّ أو مُطْلَقًا لَحِقَهُ ذَمٌّ إذْ لَيْسَ مِن أفْعالِ الآخِرَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَغْلِبَ عَلى الإنْسانِ حُزْنُهُ عَلى ذَنْبِهِ وخَوْفُهُ لِرَبِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ يُرِيدُ: مِن مالِ الدُنْيا وحُطامِها الفانِي المُؤْذِي في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
يتفرع على كون القرآن هدى ورحمة للمؤمنين تنبيههم إلى أن ذلك فضل من الله عليهم ورحمة بهم يحق لهم أن يفرحوا بهما، وأن يقدروا قدر نعمتهما، وأن يعلموا أنها نعمة تفوق نعمة المال التي حُرم منها أكثر المؤمنين ومُنحها أكثر المشركين، فكانت الجملة حقيقة بأن تفتتح بفاء التفريع.
وجيء بالأمر بالقول معترضاً بين الجملة المفرعة والجملة المفرع عليها تنويهاً بالجملة المفرعة، بحيث يؤمر الرسول أمراً خاصاً بأن يقولها وإن كان جميع ما ينزل عليه من القرآن مأموراً بأن يقوله.
وتقدير نظم الكلام: قل لهم فليفرحوا بفضل الله وبرحمته بِذلك ليفرحوا.
فالفاء في قوله: ﴿ فليفرحوا ﴾ فاء التفريع، و ﴿ بفضل الله وبرحمته ﴾ مجرور متعلق بفعل ﴿ فليفرحوا ﴾ قُدم على متعلَّقه للاهتمام به للمسلمين ولإفادة القصر، أي بفضل الله وبرحمته دون ما سواه مما دل عليه قوله: ﴿ هو خير مما يجمعون ﴾ ، فهو قصر قلب تعريضي بالرد على المشركين الذين ابتهجوا بعَرض المال فقالوا: نحن أكثر أموالاً وأولاداً.
والإشارة في قوله: ﴿ فبذلك ﴾ للمذكور، وهو مجموع الفضل والرحمة، واختير للتعبير عنه اسم الإشارة لما فيه من الدلالة على التنويه والتعظيم مع زيادة التمييز والاختصار.
ولما قصد توكيد الجملة كلها بما فيها من صيغة القصر قرن اسم الإشارة بالفاء تأكيداً لفاء التفريع التي في ﴿ فليفرحوا ﴾ لأنه لما قدم على متعلَّقه قرن بالفاء لإظهار التفريع في ابتداء الجملة، وقد حذف فعل (ليفرحوا) فصار مفيداً مفاد جملتين متماثلتين مع إيجاز بديع.
وتقدير معنى الكلام: قل فليفرحوا بفضل الله وبرحمته لا سواهما فليفرحوا بذلك لا سواه.
والفرح: شدة السرور.
ولك أن تجعل الكلام استئنافاً ناشئاً مما تقدم من النعمة على المؤمنين بالقرآن.
ولما قدم المجرور وهو ﴿ بفضل الله وبرحمته ﴾ حصل بتقديمه معنى الشرط فقرنت الجملة بعده بالفاء التي تربط الجواب لقصد إفادة معنى الشرط.
وهذا كثير في الاستعمال كقوله تعالى: ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ [المطففين: 26]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «ففيهما فجاهد»، وقوله: «كما تكونوا يوَلَّ عليكم» بجزم (تكونوا) وجزم (يول).
فالفاء في قوله: ﴿ فبذلك ﴾ رابطة للجواب، والفاء في قوله: ﴿ فليفرحوا ﴾ مؤكدة للربط.
ولم يختلف المفسرون في أن القرآن مراد من فضل الله ورحمته.
وقد روي حديث عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: فضل الله القرآن.
ورحمته أن جعلكم من أهله (يعني أن هداكم إلى اتباعه).
ومثله عن أبي سعيد الخدْري والبراءِ موقوفاً، وهو الذي يقتضيه اللفظ فإن الفضل هو هداية الله التي في القرآن، والرحمة هي التوفيق إلى اتباع الشريعة التي هي الرحمة في الدنيا والآخرة.
وجملة: ﴿ هو خير مما يجمعون ﴾ مبيّنة للمقصود من القصر المستفاد من تقديم المجرورين.
وأفرد الضمير بتأويل المذكور كما أفرد اسم الإشارة.
والضمير عائد إلى اسم الإشارة، أي ذلك خير مما يجمعون.
و ﴿ ما يجمعون ﴾ مراد به الأموال والمكاسب لأن فعل الجمع غلب في جمع المال.
قال تعالى: ﴿ الذي جمع مالاً وعدده ﴾ [الهمزة: 2].
ومن المعتاد أن جامع المال يفرح بجمعه.
وضمير ﴿ يجمعون ﴾ عائد إلى ﴿ الناس ﴾ في قوله: ﴿ يأيها الناس قد جاءتكم موعظة ﴾ [يونس: 57] بقرينة السياق وليس عائداً إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ يفرحوا ﴾ فإن القرائن تصرف الضمائر المتشابهة إلى مصارفها، كقول عباس بن مرداس: عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم *** بالمسلمين وأحرزوا مَا جمَّعوا ضمير (أحرزوا) عائد إلى المشركين الذين عاد إليهم الضمير في قوله: (جمعهم).
وضمير (جمَّعوا) عائد إلى المسلمين، أي لولا نحن لغنم المشركون ما جمَعه المسلمون من الغنائم، ومنه قوله تعالى: ﴿ وعمروها أكثر مما عمروه ﴾ في سورة [الروم: 9].
وعلى هذا الوجه يظهر معنى القصر أتمّ الظهور، وهو أيضاً المناسب لحالة المسلمين وحالة المشركين يومئذٍ، فإن المسلمين كانوا في ضعف لأن أكثرهم من ضعاف القوم أو لأن أقاربهم من المشركين تسلطوا على أموالهم ومنعوهم حقوقهم إلجاء لهم إلى العود إلى الكفر.
وقد وصف الله المشركين بالثروة في آيات كثيرة كقوله: ﴿ وذرني والمكذبين أولي النَّعْمة ﴾ [المزمل: 11] وقال: ﴿ أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ﴾ [القلم: 14، 15] وقال: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ﴾ [آل عمران: 196، 197]، فلعل المشركين كانوا يحتقرون المسلمين كما حكي عن قوم نوح قولهم: ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ﴾ [هود: 27].
وقد قال الله للنبيء صلى الله عليه وسلم ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ [الأنعام: 52، 53] حين قال له المشركون: لو طردت هؤلاء العبيد من مجلسك لجلسنا إليك، فكمدهم الله بأن المسلمين خيرٌ منهم لأنهم كملت عقولهم بالعقائد الصحيحة والآداب الجليلة.
وهذا الوجه هو المناسب للإتيان بالمضارع في قوله: ﴿ يجمعون ﴾ المقتضي تجدد الجمع وتكرره، وذلك يقتضي عنايتهم بجمع الأموال ولم يكن المسلمون بتلك الحالة.
والمعنى أن ذلك خير مما يجمعه المشركون مع اتصافهم بالشرك لأنهم وإن حصلوا ما به بعض الراحة في الدنيا فهم شرار النفوس خساس المدارك.
وقرأ الجمهور ﴿ يجمعون ﴾ بياء الغيبة فالضمير عائد على معلوم من الكلام، أي مما يجمع المشركون من الأموال.
وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ورويس عن يعقوب ﴿ مما تجمعون ﴾ بتاء الخطاب فيكون خطاباً للمشركين الذين شملهم الخطاب في أول الآية بقوله: ﴿ يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ﴾ [يونس: 57]، فإنه بعد أن عمم الخطاب خص المؤمنين بالذكر وبالجدارة بالفرح، فبقي الخطاب لمن عدا المسلمين وهم المشركون إذ ليس ثم غير هذين الفريقين من الناس هنالك.
ولا يناسب جعل الخطاب للمسلمين إذ ليس ذلك من شأنهم كما تقدم آنفاً، ولأنه لا يظهر منه معنى التفضيل إلا بالاعتبار لأن المسلمين قد نالوا الفضل والرحمة فإذا نالوا معهما المال لم ينقص ذلك من كمالهم بالفضل والرحمة.
وقد أجملت الآية وجه تفضيل هذا الفضل والرحمة على ما يجمعونه لقصد إعمال النظر في وجوه تفضيله، فإنها كثيرة، منها واضح وخفي.
وينبئ بوجه تفضيله في الجملة إضافتُه الفضل والرحمة إلى الله وإسناد فعل ﴿ يجمعون ﴾ إلى ضمير ﴿ الناس ﴾ [يونس: 57].
وهذا الفضل أخروي ودنيوي.
أما الأخروي فظاهر، وأما الدنيوي فلأن كمال النفس وصحة الاعتقاد وتطلع النفس إلى الكمالات وإقبالها على الأعمال الصالحة تكسب الراحة في الدنيا وعيشة هنيئة.
قال تعالى: ﴿ يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مَرضية ﴾ [الفجر: 27، 28] فجعل رضاها حالاً لها وقت رجوعها إلى ربها.
قال فخر الدين: «والمقصود من الآية الإشارة إلى أن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية، فيجب أن لا يفرح الإنسان بشيء من الأحوال الجسمانية لأن اللذات الجسمانية ليست غير دفع الآلام عند جمع من الحكماء والمعنى العدمي لا يستحق أن يفرح به.
وعلى تقدير أن تكون هذه اللذات صفات ثبوتية فإنها لا تكون خالصة البتة بل تكون ممزوجة بأنواع من المكاره وهي لا تكون باقية، فكلما كان الالتذاذ بها أكثر كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها أكثر وأشد».
ثم إن عدم دوامها يقتضي قصر مدة التمتع بها بخلاف اللذات الروحانية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ بِفَضْل اللَّه وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ، ورَحْمَتَهُ تَوْفِيقُهُ.
الثّانِي: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ القُرْآنُ، ورَحْمَتَهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتَهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ يَعْنِي بِالمَغْفِرَةِ والتَّوْفِيقِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وبِالإسْلامِ والقُرْآنِ عَلى الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ.
وَفِيهِ ثالِثٌ: فَلْتَفْرَحْ قُرَيْشٌ بِأنَّ مُحَمَّدًا مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا.
رَوى أبانُ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: « (مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وعَلَّمَهُ القُرْآنَ ثُمَّ شَكا الفاقَةَ كَتَبَ اللَّهُ الفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ ثُمَّ تَلا: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"
أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقلت: أسماني لك؟
قال: نعم.
قيل لأبي رضي الله عنه: أفرحت بذلك؟
قال: وما يمنعني والله تعالى يقول: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما تجمعون» هكذا قرأها بالتاء.
وأخرج الطيالسي وأبو داود والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي رضي الله عنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فبذلك فلتفرحوا ﴾ بالتاء.
وأخرج ابن جرير عن أبي رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ فبذلك فلتفرحوا هو خير مما تجمعون ﴾ بالتاء.
وأخرج ابن أبي عمر العدني والطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان يقرأ «فبذلك فلتفرحوا» .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال: «فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلهم من أهله» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال: بكتاب الله وبالإِسلام.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال: فضله الإِسلام ورحمته القرآن.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ قل بفضل الله ﴾ القرآن ﴿ وبرحمته ﴾ حين جعلهم من أهل القرآن.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: فضل الله العلم، ورحمته محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ [ الأنبياء: 107] .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم رضي الله عنه ﴿ قل بفضل الله ﴾ قال: الإِسلام ﴿ وبرحمته ﴾ قال: القرآن.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جريرعن مجاهد رضي الله عنه ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال: القرآن.
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: فضل الله القرآن، ورحمته الإِسلام.
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن هلال بن يسار رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال: بالإِسلام الذي هداكم وبالقرآن الذي علمكم.
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن هلال بن يسار رضي الله عنه ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال: فضل الله الإِسلام، ورحمته القرآن.
وأخرج ابن جرير عن الحسن وقتادة.
مثله.
وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ قل بفضل الله ﴾ قال: النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ وبرحمته ﴾ قال: علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وأخرج أبو القاسم بن بشران في أماليه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هداه الله للإِسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ﴾ من عرض الدنيا من الأموال» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب رضي الله عنه في الآية قال: إذا عملت خيراً حمدت الله عليه فأفرح فهو خير مما يجمعون من الدنيا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما خير ﴿ مما يجمعون ﴾ قال: من الأموال والحرث والأنعام.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أيفع الكلاعي رضي الله عنه قال: لما قدم خراج العراق إلى عمر رضي الله عنه، خرج عمر رضي الله عنه ومولى له، فجعل يعد الإِبل فإذا هو أكثر من ذلك، فجعل عمر رضي الله عنه يقول: الحمد لله.
وجعل مولاه يقول: هذا- والله- من فضل الله ورحمته.
فقال عمر رضي الله عنه: كذبت ليس هذا الذي يقول ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ الآية، قال أبو علي: الجار في قوله: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾ متعلق بمضمر استغني عن ذكره لدلالة ما تقدم من قوله: ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ ﴾ عليه، كما أن قوله: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾ يتعلق الظرف فيه بمضمر يدل عليه ما تقدم ذكره من الفعل، وكذلك قوله: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ (١) ﴿ أَثُمَّ إِذاَ مَا وَقَعَءَامَنُم ﴾ ، ونحو هذا قال ابن الأنباري، فقال (٢) (٣) ومعنى الإضافة في قوله: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾ ، قال بعض أهل المعاني: الفضل هاهنا موضع الإفضال، كما أن النبات في موضع الإنبات في قوله: ﴿ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ﴾ ، والمعنى بإفضال الله (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ أعاد الجار على الأصل كقوله (٥) يا دار عفراء ودار البَخْدَنِ وكقولهم: مررت بأخيك وبأبيك، وهذا مما سبق بيانه قديمًا، ومعنى الآية على ما ذكرنا: جاءتكم هذه الموعظة وهذا الشفاء -ويعني به القرآن- بإفضال الله عليكم، وإرادته الخير بكم، ثم قال: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ أشار بذلك إلى القرآن؛ لأن المراد بالموعظة والشفاء القرآن، فترك اللفظ وأشار إلى المعنى.
وقال ابن الأنباري: (ذلك) إشارة إلى معنى الفضل والرحمة، تلخيصه: بذلك التطول (٦) (٧) قال أبو علي: الجار في قوله ﴿ فَبِذَلِكَ ﴾ متعلق بـ (ليفرحوا)؛ لأن هذا الفعل يصل به، يقال: فرحت بكذا، والفاء في قوله: ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ زيادة (٨) (٩) وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي والفاء في (فاجزعي) زيادة، كما كانت التي في قوله: ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ كذلك (١٠) (١١) ومذهب المفسرين غير هذا، فإن ابن عباس (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله: القرآن، ورحمته أن جعلهم من أهله (١٧) ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾ تتعلق بمحذوف يفسره ما بعده، كأنه قيل: قل (١٨) [وقوله تعالى: ﴿ فبَذَلِك ﴾ ، قال الزجاج: هو بدل من قوله: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ ] (١٩) وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ يقتضي جوابًا فلم يجىء حين قال مبتدئًا: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ ، وأكثر ما يجيء أن يكون المبتدأ مجملاً، ثم تجيء الترجمة والبيان بعد، وهاهنا جاءت الترجمة قبل، وجاء الإجمال بعد البيان؛ لأن قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ معروف ما هما، فلو قال نسقًا عليه ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ لكان تامًّا مفهومًا، فلما قال: (فبذلك) أجمل به ما تقدم من الترجمة؛ لأن قوله (ذلك) يحمل ما قبله قلّ أم كثر، ذكرًا كان أم أنثى، واحداً كان أم اثنين، كما قال تعالى: ﴿ لَا فَارِضٌ ﴾ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] أي بين البكر والفارض (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ هو أمر للمؤمنين بالفرح.
ومعنى الفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى، يقول: ليفرح المؤمنون بفضل الله ورحمته، فإن ما آتاهم الله من الموعظة وشفاء ما في الصدور، وثلج اليقين بالإيمان، وسكون النفس إليه، خير مما يجمع غيرهم من أعراض الدنيا مع فقد هذه الخلال.
فإن قيل: كيف جاء الأمر للمؤمنين (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾ ؟
قيل: إن عامة ما جاء مقترنًا بالذم من هذه اللفظة إذا جاءت مطلقة، فإذا قيد (٢٤) ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ ، وقد قيد في هذه الآية بقوله تعالى: (بذلك).
وقوله: ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ بالياء، قال الفراء: وقد ذُكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء (٢٥) ، هو خير مما يجمع الكفار، قال: وقوى هذه القراءة قراءةُ أُبيّ (فبذلك فافرحوا) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ ادَّارَكُوا ﴾ ، و ﴿ اثَّاقَلْتُمْ ﴾ ، وكان الكسائي يعيب قولهم: فلتفرحوا؛ لأنه وجده قليلاً فوجده (٣٠) أنه قال في بعض المشاهد: "لتأخذوا مصافكم" (٣١) (٣٢) قال أبو علي: اللام إنما تدخل عل فعل الغائب؛ لأن المواجهة (٣٣) ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ ﴾ ، وقرئ (تجمعون) بالتاء (٣٤) (٣٥) (١) اهـ.
كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 280.
(٢) هكذا في جميع النسخ.
(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 41.
(٤) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وقد ذكره مختصرًا في "تفسيره" 2/ 298.
(٥) البيت لرؤبة في "ديوانه" ص 161، وبعده: بك المها من مطفل ومشدن وكتاب سيبويه 2/ 188، و"المحكم" 5/ 343، و"اللسان" (بخدن) و"الجمهرة" (1116).
(٦) في (ج): (التطويل)، وهو خطأ، والتطول: التفضل.
انظر: "القاموس المحيط" (طول) ص 1026.
(٧) "زاد المسير" 4/ 41.
(٨) زيادة المبني تدل على زيادة المعنى، وليس في القرآن زيادة لا فائدة لها، ولعل أبا علي وسائر النحويين يقصدون بالزيادة عدم تأثير حذف ما قيل بزيادته من الناحية الإعرابية، وقال الزركشي: ومعنى كونه زائدًا أن أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد، فبوجوده حصل فائدة التأكيد، والواضع الحكيم لا يضع الشيء إلا لفائدة.
"البرهان في علوم القرآن" 1/ 74.
(٩) هو النمر بن تولب، وصدر البيت: لا تجزعي إن منفسًا أهلكته انظر: "ديوانه" ص 72، "خزانة الأدب" 1/ 314، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 160، "كتاب سيبويه" 1/ 134، والمنفس: الشيء النفيس.
والشاعر يخاطب امرأته لما لامته على إنفاق ماله على ضيوفه.
انظر: "الخزانة"، شرح الأبيات نفس الموضعين السابقين.
(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 281 بتصرف.
(١١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 65، "البحر المحيط" 5/ 171 - 172، "الدر المصون" 6/ 224.
(١٢) رواه عنه ابن جرير 11/ 125، وابن أبي حاتم 6/ 1959، وهو صحيح من رواية ابن أبي طلحة.
(١٣) رواه عبد الرازق في "تفسيره" 2/ 2/ 296، وابن جرير 11/ 125، وذكره ابن أبي حاتم 6/ 1959 بغير سند.
(١٤) رواه ابن جرير 11/ 125، والثعلبي 7/ 17 أ، والبغوي 4/ 138.
(١٥) المصادر السابقة، نفس المواضع.
(١٦) منهم هلال بن يساف وزيد بن أسلم وابنه وأبو العالية وسالم بن أبي الجعد والضحاك والربيع بن أنس، كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1959.
(١٧) رواه ابن جرير 11/ 124، وابن أبي حاتم 6/ 1958، وذكره بغير سند السمرقندي 2/ 102، والثعلبي 7/ 17 أ، والبغوي 4/ 138، وابن الجوزي 4/ 40.
(١٨) ساقط من (ى).
(١٩) ما بين المعقوفين (ى)، وانظر قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 25.
(٢٠) الفارض: المسنة الهرمة.
انظر: "تفسير ابن جرير" 1/ 341، 342، 243، "القاموس المحيط" فصل: الفاء، باب: الضاد 650.
(٢١) في (م): (المؤمن).
(٢٢) ساقط من (م).
(٢٣) ساقط من (ح) و (ز).
(٢٤) في (ى): (قيل)، وهو خطأ.
(٢٥) وهي قراءة رويس عن يعقوب -من العشرة- والحسن البصري وغيرهما.
انظر: "الغاية في القراءات العشرة" ص 171، "النشر" 2/ 285، "إتحاف فضلاء البشر" ص 252، "المحتسب"1/ 313، وذِكْرها في السواد وهْمٌ من ابن جني.
(٢٦) ذكرها عنه أبو جعفر النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 65، وأبو علي الفارسي في "الحجة" 4/ 282، وابن جني في "المحتسب" 1/ 313، وهي قراءة شاذة مخالفة لرسم المصحف.
(٢٧) في (ى): (حدثت)، وهو خطأ.
(٢٨) يعني الحاضر الذي يوجّه له الخطاب.
(٢٩) هكذا في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن": (قال)؛ لأن القول المذكور من القرآن، ولعل الواحدي لم يرد ذلك.
(٣٠) هكذا في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن" فجعله، وهو أصوب.
(٣١) لم أجده مسندًا، وقال الزيلعي في "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" 2/ 127: غريب، ولم يذكر له مخرجًا، وقد ذكره بغير سند الفراء في "المعاني" 1/ 470، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 242، والقرطبي 8/ 354، وأبو حيان في "البحر" 5/ 172، وروى معناه في الصلاة الترمذي (3235) في التفسير سورة ص، وأحمد 5/ 243، ولفظهما: على مصافكم كما أنتم، ولا شاهد فيه بهذا اللفظ، ويشهد لهذا الحديث من الناحية اللغوية قول الرسول : "لتأخذوا مناسككم" رواه مسلم (1297) في الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، قال المحقق: هذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا مناسككم.
(٣٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 470، وقد أشار المؤلف إلى انه أدخل فيه كلام ابن الأنباري.
(٣٣) هكذا في جميع النسخ، وهو كذلك في إحدى نسخ "الحجة"، كما بين ذلك المحقق، لكنه اعتمد لفظ: المواجه، وهو أجدر بالسياق.
(٣٤) هي قراءة ابن عامر وأبي جعفر ورويس عن يعقوب.
انظر: "الغاية" ص 171، "النشر" 2/ 285، "إتحاف فضلاء البشر" ص 252.
(٣٥) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 282 بتصرف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ يعني القرآن ﴿ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور ﴾ أي يشفي ما فيها من الجهل والشك ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فبذلك فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ يتعلق بفضل بقوله: فليفرحوا، وكرر الباء في قوله فبذلك تأكيداً، والمعنى: الأمر أن يفرحوا بفضل الله وبرحمته لا بغيرهما، والفضل والرحمة عموم، وقد قيل: الفضل الإسلام، والرحمة القرآن ﴿ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ أي فضل الله ورحمته خير مما يجمعون من حطام الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أفأنت ﴾ بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
﴿ ولكن الناس ﴾ بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يحشرهم ﴾ بالياء: حفص الباقون بالنون ﴿ نرينك أو نتوفينك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس ﴿ آلان ﴾ بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.
﴿ فليفرحوا ﴾ بياء الغيبة ﴿ تجمعون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد.
وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب.
والباقون على الغيبة فيهما.
الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج ط ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ أجل ﴾ ط ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ آمنتم به ﴾ ط، ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ أحق هو ﴾ ط ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ لافتدت به ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ج ط للعطف على ﴿ أسروا ﴾ دون ﴿ رأوا ﴾ ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ فليفرحوا ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ وحلالاً ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه.
التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد ﴿ يستمعون إليك ﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون.
قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي بخلاف النظر.
فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم.
ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده.
وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ﴿ أفأنت ﴾ .
والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق.
ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم ﴾ الآية.
فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها.
وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه.
وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.
والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة.
ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ أي واذكر يوم يحشرهم ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ﴿ إلا ساعة ﴾ وقوله ﴿ يتعارفون ﴾ إما حال أخرى أو بيان لقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يتعارفون ﴾ والمراد باللبث.
قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها.
وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته.
والجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً ﴾ أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة.
وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا ﴾ ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم.
قوله: ﴿ قد خسر ﴾ استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم!
وفيه شهادة من الله على خسرانهم.
وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.
ثم أكد خسرانهم بقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله.
ثم سلى رسوله فقال: ﴿ وإما نرينك ﴾ وجوابه محذوف.
وقوله: ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب ﴿ أو نتوفينك ﴾ والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا.
ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله.
ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه.
﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ﴿ قضى بينهم بالقسط ﴾ أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان.
﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ وشهد لهم أو عليهم ﴿ قضي بينهم ﴾ والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ.
وأيضاً قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ لفظ الجمع موافق لقوله: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ﴾ من مرض أو فقر ﴿ ولا نفعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب.
ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال.
فقال و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ الآية.
وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ فلم يحسن الجمع بين الفاءين.
ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً ﴾ أي في حين الغفلة والراحة.
﴿ أو نهاراً ﴾ حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ﴿ ماذا يستعجل ﴾ أي شيء يستعجل ﴿ منه ﴾ أي من العذاب ﴿ المجرمون ﴾ وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله.
و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟
أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟
وقيل: الضمير في "منه" لله وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.
و "ماذا" الجملة مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط ﴿ ثم إذا وقع آمنتم به ﴾ والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب ﴿ آلآن ﴾ آمنتم به ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ على جهة التكذيب والإنكار وقوله ﴿ ثم قيل ﴾ عطف على قيل المضمر قبل ﴿ آلآن ﴾ والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك.
وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة.
﴿ ذوقوا عذاب الخلد ﴾ فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟
أجبتم ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة.
وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ .
ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: ﴿ ويستنبئونك أحق هو ﴾ وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟
وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه.
وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟
وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟
فأمره الله أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل إي وربي ﴾ ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة.
وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم.
ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد.
فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد.
ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فائتين العذاب.
والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى.
ثم زاد في التأكيد بقوله: ﴿ ولو أن لكل نفس ﴾ الآية.
وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة".
وقوله: ﴿ ظلمت ﴾ صفة لنفس.
أما قوله: ﴿ وأسروا الندامة ﴾ فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد.
والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.
وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته ﴿ وقضى بينهم بالقسط ﴾ قيل: أي بين المؤمنين والكافرين.
وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.
وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب.
ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة.
وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه.
وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد.
وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع.
ولا بد يوماً أن ترد الودائع *** واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ إلى تمام الآيتين.
والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار إلى هذا الطريق بقوله: قل ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.
فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره.
الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة.
الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت.
الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم.
وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها.
والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة.
ولما أرشد إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه.
والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا.
وعلى هذا يكون ﴿ قل ﴾ اعتراضاً.
ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل.
ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذبالعقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية.
وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن.
وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى.
ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: إن حزناً في ساعة الموت ضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.
وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله تلا ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ فقال: بكتاب الله والإسلام.
ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.
ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.
وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله.
وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم: ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وغير ذلك.
﴿ وما أنزل ﴾ الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿ آلله أذن لكم ﴾ و ﴿ قل ﴾ مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ ﴿ أرأيتم ﴾ والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله ﴿ أم على الله تفترون ﴾ وعن الزجاج أن "ما" في ﴿ ما أنزل ﴾ بمعنى الاستفهام منصوباً بـ ﴿ أنزل ﴾ وأنه مع معموله مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ معناه أخبرونيه.
وعلى هذا يكون ﴿ قل آلله ﴾ كلاماً مستأنفاً.
ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء.
قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في ﴿ آلله ﴾ للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء.
ثم قال: ﴿ وما ظن الذين ﴾ يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟
وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت ﴿ لذو فضل على الناس ﴾ إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته.
التأويل: ﴿ أفأنت تسمع الصم ﴾ صم آذان القلوب ﴿ أفأنت تهدي العمى ﴾ عمي أبصار البصائر.
﴿ ويوم نحشرهم ﴾ حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ﴾ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد.
﴿ يتعارفون بينهم ﴾ يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن ﴿ أو نتوفينك ﴾ فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ من خسارة الدارين ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق.
﴿ لكل أمة أجل ﴾ في استكمال السعادة والشقاوة ﴿ بياتاً ﴾ أي في الأزل ﴿ أو نهاراً ﴾ أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل.
﴿ قل أي وربي إنه لحق ﴾ أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات.
﴿ ألا إن لله ما في السموات ﴾ الأرواح وأرض القلوب والنفوس ﴿ ألا إن وعد الله ﴾ لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل ﴿ حق هو يحيي ﴾ قلوب بعضهم بالمعرفة ﴿ ويميت ﴾ قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال ﴿ يا أيها الناس ﴾ يأ أهل النسيان ﴿ قد جاءتكم موعظة ﴾ هي خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة ﴿ بلى ﴾ ﴿ لما في الصدور ﴾ وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة.
ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال ﴿ قل بفضل الله ﴾ وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب ﴿ فليفرحوا هو خير مما ﴾ يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد ﴿ فجعلتم منه حراماً ﴾ على أنفسكم ﴿ وحلالاً ﴾ على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء ﴿ قل آلله أذن لكم ﴾ أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها ﴿ أم على الله تفترون ﴾ بأن الدعوة اختصت بهم دوننا ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ بتسوية الاستعداد الفطري.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: إن ما في السماوات والأرض كلهم عبيده [وإماؤه وملكه]، لا لمن [تعبدون دونه] من الأصنام والأوثان، فمن عند من يملك الدنيا والآخرة اطلبوا ذلك منه؛ لا من عند من لا يملك يبين سفههم في طلبهم الدنيا من عند من يعلمون أنه لا يملك ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ : في كل وعد ووعيد أنه كائن لا محالة عذابا أو رحمة.
﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لا ينتفعون بعلمهم، فنفى عنهم العلم وإن علموا؛ لما لم ينتفعوا به.
ويحتمل قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لم يكتسبوا سبب العلم، [وهو التأويل والنظر في آياته وحججه.
ويحتمل نفي العلم عنهم لما أعطوا أسباب العلم] فلم يعلموا، فإن كان على هذا فيكونون معذورين، وإن كان على الوجهين الأولين فلا عذر لهم في ذلك.
وفي قوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ دلالة إثبات البعث من وجهين: أحدهما: فيما يذكر من قدرته من خلق السماوات والأرض وما بينهما [بغلظهما وكثافتهما وشدتهما وعظم خلقتهما]، وأن تلك القدرة خارجة عن وسع البشر وتوهمهم، فمن قدر على ذلك فهو قادر على إحياء الخلق بعد فنائهم.
والثاني: يخبر عن حكمته من تعليق منافع الأرض بالسماء على بعد ما بينهما، والإفضال على الخلق بأنواع النعم التي تكبر الإحصاء، وأن كل شيء منها قد وضع مواضعها، فلا يحتمل من هذا وصفه في الحكمة يخلق شيئاً عبثاً باطلا ولو كانوا للفناء لا حياة بعده كان يكون خارجاً عن الحكمة، فظهر أنه خلقهم لأمر أراد بهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: تعلمون أنه هو أحيا الأحياء، وهو الأموات أيضاً وهو كقوله: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ، فإذا عرفتم أنه هو يحيي الأحياء وهو يميت الأموات لا غير، فاعلموا أنه هو يبعثكم وإليه ترجعون؛ ألزمهم الحجة أولاً بالكائن، ثم أخبرهم عما يكون بالحجة التي ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ : وهو هذا القرآن قال بعضهم: الموعظة: النهي كقوله: ﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً ﴾ قيل: ينهاكم أن تعودوا لمثله أبدا.
وقال آخرون: الموعظة هي التي تدعوا إلى كل مرغوب وتزجر عن كل مرهوب وقال بعضهم [العظة] هي [التي] تلين كل قلب قاس وتجلي كل قلب مظلم وفي القرآن جميع ما ذكرنا فيه النهي، وفيه الدعاء إلى كل مرغوب، والزجر عن كل مرهوب، وهو يلين القلوب القاسية ويجلي القلوب المظلمة إذا تأملوا فيه، ونظروا، وتفكروا تفكر المستشهد وطالب الحق.
وقيل: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية وتدمع العيون اليابسة، وتجلي الصدور المظلمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ : إن للدين آفات وداء تضر به وتتلفه كما لهذه الأبدان آفات وأمراض تعمل في إتلافها وإهلاكها، ثم جعلت لآفات الأبدان وأمراضها أدوية يشفى بها الأبدان [المؤرقة] المريضة؛ فعلى ذلك جعل هذا القرآن شفاء لهذا الدين ودواء يداوى به، فيذهب بآفات الدين وأمراضه؛ كما تعمل الأدوية في دفع آفات الأبدان وأمراضها؛ لذلك سماه موعظة وشفاء لما في الصدور، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ قيل: هدى من الضلالة، ورحمة من عذابه.
أو يقول: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ هدى أي: يدعوا إلى كل خير ويهدي [إليه]، ورحمة: لمن اتبعه، هو هدى ورحمة لمن اتبعه وتمسك به، وعمى وضلال لمن خالفه وترك اتباعه وهو ما ذكر ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، وقال: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ أي: زاد للمؤمنين إيماناً إلى إيمانهم، و ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً ﴾ أي: زاد للكافرين رجساً إلى رجسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ : قال بعضهم: فضل الله ورحمته القرآن.
وقال قائلون: فضل الله القرآن، ورحمته الإيمان، وفيه أنه بإنزال القرآن متفضل إذ له ألا ينزل، وفيه أن أهل الفترة يؤاخذون في حال فترتهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ أي: فرحكم بما ذكر [هو] خير مما تجمعون من الدنيا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ : إنما خاطب المؤمنين بقول: قل للمؤمنين بفضل الله: الإسلام، وبرحمته: يعني القرآن فبذلك يعني فبهذا الفضل والرحمة فليفرحوا يعني المؤمنين، هو خير مما يجمعون يعني مما يجمع الكفار من الأموال من الذهب والفضة وغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ .
[يحتمل ﴿ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ ] أضاف إنزاله إلى السماء، وإن كانت الأرزاق إنما تخرج من الأرض لما كانت أسبابها متعلقة بالسماء، يكون نضج الأنزال وينع الأعناب وإصلاح الأشياء كلها أعني أسباب الأرزاق من نحو المطر الذي به تنبت الأرض النبات وبه يخرج جميع أنواع الخارج مما يكون فيه غذاء البشر والدواب، ومن نحو الشمس التي [ينضج بها] الأنزال وبها تينع الأعناب وجميع الفواكه ونحوه أضاف ذلك إلى السماء لما ذكرنا.
وكذلك قوله: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ أي: أسباب ذلك في السماء؛ لا أن عين ذلك في السماء.
ويحتمل قوله: ﴿ قُمَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ أي: ما خلق الله لكم؛ وكذلك جميع ما يضاف إلى الله إنما يضاف إليه بحق الخلق أي خلقه منزلا؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ ونحو ذلك، أي: خلق لكم مما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً ﴾ : قال بعضهم: ما حرموا من البحيرة والسائبة والوصيلة وما ذكر في سورة الأنعام والمائدة.
وقال بعضهم: ما حرموا الآلهة التي كانوا عبدوها، أي: جعلوها للأصنام وهو ما ذكر في الأنعام، وهو قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً...
﴾ الآية [الأنعام: 136] نحو ما ذكرنا في الآية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ أي: آلله أذن لكم في تحريم ما حرمتم وتحليل ما أحللتم أم على الله تفترون: [بل على الله تفترون] وذلك أن هذه السورة نزلت في محاجة أهل مكة وهم لم يكونوا مؤمنين بالرسل والكتب، وإنما يوصل إلى معرفة [المحرم والمحلل] بالرسل والكتب والخبر عن الله، وهم لم يكونوا مؤمنين بواحد مما ذكرنا، فكيف جعلتم منه حراماً وحلالا وأنتم لا تؤمنون بما به يعرف الحلال من الحرام، فكيف حرمتم ما أحل لكم أو أحللتم ما حرم عليكم؟!
يخبر عن سفههم وعنادهم وافترائهم على الله، فإذا اجترءوا أن يفتروا على الله فعلى غيره أجرأ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : فإن قيل كيف أوعدوا بيوم القيامة وهم كانوا لا يؤمنون بالبعث؟!
قيل: قد ألزمهم الحجة بكون البعث بما أظهر من كذبهم وافترائهم على الله في التحريم والتحليل، فذلك يظهر كذبهم بتكذيبهم البعث.
وبعد فإنه قد يوعد المرء بما لا يتيقن به ويتخوف عليه ويحذر وإن لم يحط علمه به، فكذلك هذا.
وبعد فإنه قد جعل في عقولهم ما يلزمهم الإيمان بالبعث والجزاء للأعمال؛ إذ ليس من الحكمة خلق الخلق للفناء خاصة.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقول: وما ظن الذين يفترون على الله الكذب لو خرج الأمر حقّاً، وكان صدقاً على ما أخبر رسول الله وقاله من البعث والجزاء لما اكتسبوا؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ : هو ذو فضل على جميع الناس من [جهة ما ساق] إلى الكل من الرزق كافرهم ومؤمنهم وأنواع النعم، وما أخر عنهم العذاب إلى وقت، أو لما بعث إليهم الرسل والكتب من غير أن كان منهم إلى الله سابقة صنع يستوجبون به ذلك ومنه خصوص فضل على المؤمنين ليس ذلك على الكافرين، ولكن أكثرهم لا يشكرون لفضله وما أنعم عليهم.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- للناس: ما جاءكم به محمد من القرآن هو فضل من الله عليكم، ورحمة منه بكم، فبفضل الله عليكم ورحمته بكم بإنزال هذا القرآن فافرحوا لا بسواهما، فما جاءهم به محمد من ربه خير مما يجمعونه من حطام الدنيا الزائل.
<div class="verse-tafsir" id="91.Gd8gP"