تفسير الآية ٥٨ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٥٨ من سورة يونس

قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ٥٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٥٨ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٥٨ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) أي : بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا ، فإنه أولى ما يفرحون به ، ( هو خير مما يجمعون ) أي : من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة ، كما قال ابن أبي حاتم ، في تفسير هذه الآية : " وذكر عن بقية - يعني ابن الوليد - عن صفوان بن عمرو ، سمعت أيفع بن عبد الكلاعي يقول : لما قدم خراج العراق إلى عمر ، رضي الله عنه ، خرج عمر ومولى له فجعل عمر يعد الإبل ، فإذا هي أكثر من ذلك ، فجعل عمر يقول : الحمد لله تعالى ، ويقول مولاه : هذا والله من فضل الله ورحمته .

فقال عمر : كذبت .

ليس هذا ، هو الذي يقول الله تعالى : ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) وهذا مما يجمعون .

وقد أسنده الحافظ أبو القاسم الطبراني ، فرواه عن أبي زرعة الدمشقي ، عن حيوة بن شريح ، عن بقية ، فذكره .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل) يا محمد لهؤلاء المكذِّبين بك وبما أنـزل إليك من عند ربك ، (5) (بفضل الله)، أيها الناس ، الذي تفضل به عليكم، وهو الإسلام، فبيَّنه لكم ، ودعاكم إليه ، (وبرحمته)، التي رحمكم بها، فأنـزلها إليكم، فعلَّمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه، وبصَّركم بها معالم دينكم، وذلك القرآن ، (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)، يقول: فإن الإسلام الذي دعاهم إليه ، والقرآن الذي أنـزله عليهم، خيرٌ مما يجمعون من حُطَام الدنيا وأموالها وكنوزها.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 17668- حدثني علي بن الحسن الأزدي قال ، حدثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري في قوله: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) ، قال: بفضل الله القرآن (وبرحمته) أن جعَلَكم من أهله.

(6) 17669- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال ، حدثنا فضيل، عن منصور، عن هلال بن يساف: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) ، قال: بالإسلام الذي هداكم، وبالقرآن الذي علّمكم.

17670- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال ، حدثنا ابن يمان قال ، حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف: (قل بفضل الله وبرحمته)، قال: بالإسلام والقرآن ، (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)، من الذهب والفضَّة.

17671- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، في قوله: (قل بفضل الله وبرحمته) ، قال: " فضل الله " ، الإسلام، و " رحمته "، القرآن.

17672- حدثني علي بن سهل قال ، حدثنا زيد قال ، حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، في قوله: (قل بفضل الله وبرحمته)، قال: الإسلام والقرآن.

17673- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم وقبيصة قالا حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف مثله.

17674- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال، مثله.

17675- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا)، أما فضله فالإسلام، وأما رحمته فالقرآن.

17676- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: (قل بفضل الله وبرحمته)، قال: فضله: الإسلام، ورحمته القرآن.

17677- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (قل بفضل الله وبرحمته)، قال: القرآن.

17678- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (وبرحمته) ، قال: القرآن.

17679- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: (هو خير مما يجمعون) ، قال: الأموال وغيرها.

17680- حدثنا علي بن داود قال ، حدثني أبو صالح قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (قل بفضل الله وبرحمته) يقول: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن.

17681- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) ، قال: بكتاب الله ، وبالإسلام ، (هو خير مما يجمعون).

* * * وقال آخرون: بل " الفضل ": القرآن ، و " الرحمة "، الإسلام.

*ذكر من قال ذلك: 17682- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)، قال: (بفضل الله)، القرآن، (وبرحمته)، حين جعلهم من أهل القرآن.

17683- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا جعفر بن عون قال ، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال: " فضل الله "، القرآن، و " رحمته "، الإسلام.

17684- حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون، قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قوله: (قل بفضل الله وبرحمته) قال: (بفضل الله) القرآن، (وبرحمته)، الإسلام.

17685- حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا)، قال: كان أبي يقول: فضله القرآن، ورحمته الإسلام.

* * * واختلفت القراء في قراءة قوله: (فبذلك فليفرحوا).

فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: (فَلْيَفْرَحُوا) بالياء ( هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) بالياء أيضًا على التأويل الذي تأولناه ، من أنه خبر عن أهل الشرك بالله.

يقول: فبالإسلام والقرآن الذي دعاهم إليه ، فليفرح هؤلاء المشركون، لا بالمال الذي يجمعون، فإن الإسلام والقرآن خيرٌ من المال الذي يجمعون، وكذلك:- 17686- حدثت عن عبد الوهاب بن عطاء، عن هارون، عن أبي التيّاح: (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)، يعني الكفار.

* * * ورُوي عن أبيّ بن كعب في ذلك ما:- 17687- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أسلم المنقري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب : أنه كان يقرأ: (فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)، بالتاء.

17688- حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن الأجلح، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب ، مثل ذلك.

* * * وكذلك كان الحسن البصري يقول: غير أنه فيما ذُكر عنه كان يقرأ قوله: ( هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )، بالياء; الأول على وجه الخطاب، والثاني على وجه الخبر عن الغائب.

* * * وكان أبو جعفر القارئ، فيما ذكر عنه، يقرأ ذلك نحو قراءة أبيّ ، بالتاء جميعًا.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار من قراءة الحرفين جميعًا بالياء: ( فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) لمعنيين: أحدهما: إجماع الحجة من القراء عليه.

والثاني: صحته في العربية، وذلك أن العرب لا تكاد تأمر المخاطب باللام والتاء، وإنما تأمره فتقول: " افعل ولا تفعل ".

وبعدُ، فإني لا أعلم أحدًا من أهل العربية إلا وهو يستردئ أمر المخاطب باللام، ويرى أنها لغة مرغوب عنها ، غير الفراء، فإنه كان يزعم أن الّلام في الأمر [هي البناء الذي خلق له] ، (7) واجهتَ به أم لم تُوَاجِهْ، إلا أن العرب حذفت اللام من فعل المأمور المواجَه ، لكثرة الأمر خاصةً في كلامهم، كما حذَفوا التاء من الفعل.

قال: وأنت تعلم أن الجازم والناصب لا يقعان إلا على الفعل الذي أوله الياء والتاء والنون والألف، فلما حُذِفت التاء ذهبت اللام ، وأُحدِثَت الألف في قولك: " اضرب " و " افرح "، لأن الفاء ساكنة، فلم يستقم أن يستأنف بحرف ساكنٍ، فأدخلوا ألفًا خفيفة يقع بها الابتداء، كما قال: ادَّارَكُوا ، [سورة الأعراف: 38] (8) و اثَّاقَلْتُمْ ، [سورة التوبة: 38].

(9) وهذا الذي اعتلّ به الفراء عليه لا له، وذلك أن العَرب إن كانت قد حذفت اللام في المواجَه وتركتها، فليس لغيرها إذا نطق بكلامها أن يُدْخِل فيها ما ليس منه ما دام متكلِّمًا بلغتها.

فإن فعل ذلك ، كان خارجًا عن لغتها، وكتابُ الله الذي أنـزله على محمد بلسانها، (10) فليس لأحدٍ أن يتلوه إلا بالأفصح من كلامها، وإن كان معروفًا بعضُ ذلك من لغة بعضها، فكيف بما ليس بمعروف من لغة حيّ ولا قبيلة منها؟

وإنما هو دعوى لا تثبتُ بها [حجّة] ولا صحة .

(11) --------------------- الهوامش : (5) في المطبوعة والمخطوطة : " لهؤلاء المشركين بك " ، وهو فاسد جدًا ، ورجحت أن الصواب ما أثبت .

(6) الأثر: 17668- " علي بن الحسن الأزدي " شيخ الطبري ، مضى برقم : 10258، وأننا لم نجد له ترجمة .

وكان في المطبوعة هنا "بن الحسين" وهو خطأ ، وقع مثله عندنا في هامش التعليق علىالأثر المذكور 9: 98، تعليق: 1 (7) في المطبوعة : " أن اللام في ذي التاء الذي خلق له " ، وهو كلام ساقط بمرة واحدة .

وكان في المخطوطة : " أن اللام هي البناء .

.

.

" ، والزيادة التي بين القوسين من عندي ، لأن الناسخ أسقط : كما هو ظاهر .

واستظهرت ذلك من كتاب الفراء ، وهذا كله نصه ، كما سيأتي .

(8) في المطبوعة : " ادراكتم " ، وفي المخطوطة " قالوا : ادراكوا واثاقلتم " ، وأثبت نص الفراء .

(9) هذا كله نص الفراء في معاني القرآن 1 : 469 .

(10) في المطبوعة : " وكلام الله " ، والجيد ما في المخطوطة .

(11) في المطبوعة : " لا ثبت بها ولا حجة " ، وفي المخطوطة : " لا تثبت بها ولا صحة " فزدت " حجة " بين القوسين ، لاقتضاء السياق إياها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعونقوله تعالى قل بفضل الله وبرحمته قال أبو سعيد الخدري وابن عباس رضي الله عنهما : فضل الله القرآن ، ورحمته الإسلام .

وعنهما أيضا : فضل الله القرآن ، ورحمته أن جعلكم من أهله .

وعن الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة : فضل الله الإيمان ، ورحمته القرآن ; على العكس من القول الأول .

وقيل غير هذا .فبذلك فليفرحوا إشارة إلى الفضل والرحمة .

والعرب تأتي " بذلك " للواحد والاثنين والجمع .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ " فبذلك فلتفرحوا " بالتاء ; وهي قراءة يزيد بن القعقاع ويعقوب وغيرهما ; وفي الحديث لتأخذوا مصافكم .

والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب .

وقد ذم الفرح في مواضع ; كقوله : لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وقوله : إنه لفرح فخور ولكنه مطلق .

[ ص: 264 ] فإذا قيد الفرح لم يكن ذما ; لقوله : فرحين بما آتاهم الله من فضله وهاهنا قال تبارك وتعالى : فبذلك فليفرحوا أي بالقرآن والإسلام فليفرحوا ; فقيد .

قال هارون : وفي حرف أبي " فبذلك فافرحوا " .

قال النحاس : سبيل الأمر أن يكون باللام ليكون معه حرف جازم كما أن مع النهي حرفا ; إلا أنهم يحذفون من الأمر للمخاطب استغناء بمخاطبته ، وربما جاءوا به على الأصل ; منه " فبذلك فلتفرحوا " .هو خير مما يجمعون يعني في الدنيا .

وقراءة العامة بالياء في الفعلين ; وروي عن ابن عامر أنه قرأ فليفرحوا بالياء " تجمعون " بالتاء خطابا للكافرين .

وروي عن الحسن أنه قرأ بالتاء في الأول ; و يجمعون بالياء على العكس .

وروى أبان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من هداه الله للإسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه ثم تلا قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ‏}‏ الذي هو القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده ‏{‏وَبِرَحْمَتِهِ‏}‏ الدين والإيمان، وعبادة الله ومحبته ومعرفته‏.‏ ‏{‏فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏}‏ من متاع الدنيا ولذاتها‏.‏ فنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين، لا نسبة بينها، وبين جميع ما في الدنيا، مما هو مضمحل زائل عن قريب‏.‏ وإنما أمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته، لأن ذلك مما يوجب انبساط النفس ونشاطها، وشكرها لله تعالى، وقوتها، وشدة الرغبة في العلم والإيمان الداعي للازدياد منهما، وهذا فرح محمود، بخلاف الفرح بشهوات الدنيا ولذاتها، أو الفرح بالباطل، فإن هذا مذموم كما قال ‏[‏تعالى عن‏]‏ قوم قارون له‏:‏ ‏{‏لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ‏}‏ ‏.‏ وكما قال تعالى في الذين فرحوا بما عندهم من الباطل المناقض لما جاءت به الرسل‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( قل بفضل الله وبرحمته ) قال مجاهد وقتادة : فضل الله : الإيمان ، ورحمته : القرآن .

وقال أبو سعيد الخدري : فضل الله القرآن ورحمته أن جعلنا من أهله .

وقال ابن عمر : فضل الله : الإسلام ، ورحمته : تزيينه في القلب .

وقال خالد بن معدان : فضل الله : الإسلام ، ورحمته : السنن .

وقيل : فضل الله : الإيمان ، ورحمته : الجنة .

( فبذلك فليفرحوا ) أي : ليفرح المؤمنون أن جعلهم الله من أهله ، ( هو خير مما يجمعون ) أي : مما يجمعه الكفار من الأموال .

وقيل : كلاهما خبر عن الكفار .

وقرأ أبو جعفر وابن عامر : " فليفرحوا " بالياء ، و " تجمعون " بالتاء ، وقرأ يعقوب كليهما بالتاء ، مختلف عنه خطابا للمؤمنين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل بفضل الله» الإسلام «وبرحمته» القرآن «فبذلك» الفضل والرحمة «فليفرحوا هو خير مما يجمعون» من الدنيا بالياء والتاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لجميع الناس: بفضل الله وبرحمته، وهو ما جاءهم من الله من الهدى ودين الحق وهو الإسلام، فبذلك فليفرحوا؛ فإن الإسلام الذي دعاهم الله إليه، والقرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، خير مما يجمعون من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) حض للناس على اغتنام ما في تعاليم الإِسلام من خيرات ، وإيثارها على ما فى الدنيا من شهوات .أى : قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة : اجعلوا فرحكم الأكبر ، وسروركم الأعظم ، بفضل الله الذى شرع لكم هذا الدين على لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وبرحمته التي وسعت كل شيء وهي بالمؤمنين أوسع ، لا بما تجمعون فى هذه الدنيا من أموال زائلة ومتع فانية .وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن ، ومنهم من فسر فضل الله بالقرآن ، ورحمته بالإِسلام .

ومنهم من فسرهما بالجنة والنجاة من النار .ولعل تفسير هما بما يشمل كل ذلك أولى : لأنه لم يرد نص صحيح عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - يحدد المراد منهما ، وما دام الأمر كذلك فحملهما على ما يشمل الإِسلام والقرآن والجنة أولى .قال ابن كثير : قوله - تعالى - ( قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ) أى : بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة .فعن أيفع بن عبد الكلاعي قال : لما قدم خراج العراق إلى عمر - رضي الله عنه - خرج عمر ومولى له ، فجعل يعد الإِبل ، فإذا هى أكثر من ذلك ، فجعل عمر يقول : الحمد لله - تعالى - ويقول مولاه : هذا والله من فضل الله ورحمته .

فقال عمر : كذبت ليس هذا هو الذي يقول الله - تعالى - ( قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) .أى : ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية ، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيما جاءهم من الله - تعالى - من دين قويم ، ورسول كريم ، وقرآن مبين .ودخلت الباء على كل من الفضل والرحمة ، للإِشعار باستقلال كل منهما بالفرح به .والجار والمجرور فى كل منهما متعلق بمحذوف ، وأصل الكلام : قل لهم يا محمد ليفرحوا بفضل الله وبرحمته ، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإِفادة الاختصاص ، وأدخلت الفاء لإِفادة السببية ، فكأنه قيل : إن فرحوا بشيء فليكن بسبب ما أعطاهم الله - تعالى - من فضل ورحمته ، لا بسبب ما يجمعون من زينة الحياة الدنيا .قال القرطبى : " والفرح لذة فى القلب بإدراك المحبوب .

وقد ذم الله الفرح فى مواضع ، كقوله - سبحانه - ( إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين ) وكقوله ( إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ) ولكنه مطلق .

فإذا قيد الفرح لم يكن ذما ، لقوله - تعالى ( فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ) وكقوله - سبحانه - هنا ( فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ) أى بالقرآن والإِسلام فليفرحوا .

.

.

" .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء عليهم السلام أمران: الأول: أن نقول إن هذا الشخص قد ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده وكل من كان كذلك، فهو رسول من عند الله حقاً وصدقاً، وهذا الطريق مما قد ذكره الله تعالى في هذه السورة وقرره على أحسن الوجوه في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ  أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ  ﴾ وقد ذكرنا في تفسير هذه الآية ما يقوي الدين ويورث اليقين ويزيل الشكوك والشبهات ويبطل الجهالات والضلالات.

وأما الطريق الثاني فهو أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو؟

فكل من جاء ودعا الخلق إليهم وحملهم عليه وكانت لنفسه قوة قوية في نقل الناس من الكفر إلى الإيمان، ومن الاعتقاد الباطل إلى الاعتقاد الحق، ومن الأعمال الداعية إلى الدنيا إلى الأعمال الداعية إلى الآخرة فهو النبي الحق الصادق المصدق، وتقريره: أن نفوس الخلق قد استولى عليها أنواع النقص والجهل وحب الدنيا، ونحن نعلم بعقولنا أن سعادة الإنسان لا تحصل إلا بالاعتقاد الحق والعمل الصالح، وحاصله يرجع إلى حرف واحد وهو أن كل ما قوى نفرتك عن الدنيا ورغبتك في الآخرة فهو العمل الصالح وكل ما كان بالضد من ذلك فهو العمل الباطل والمعصية، وإذا كان الأمر كذلك كانوا محتاجين إلى إنسان كامل، قوي النفس، مشرق الروح، علوي الطبيعة، ويكون بحيث يقوى على نقل هؤلاء الناقصين من مقام النقصان إلى مقام الكمال، وذلك هو النبي.

فالحاصل أن الناس أقسام ثلاثة: الناقصون والكاملون الذين لا يقدرون على تكميل الناقصين، والقسم الثالث هو الكامل الذي يقدر على تكميل الناقصين، فالقسم الأول هو عامة الخلق، والقسم الثاني هم الأولياء، والقسم الثالث هم الأنبياء، ولما كانت القدرة على نقل الناقصين من درجة النقصان إلى درجة الكمال مراتبها مختلفة ودرجاتها متفاوتة، لا جرم كانت درجات الأنبياء في قوة النبوة مختلفة.

ولهذا السر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل».

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى لما بين صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بطريق المعجزة، ففي هذه الآية بين صحة نبوته بالطريق الثاني، وهذا الطريق طريق كاشف عن حقيقة النبوة معرف لماهيتها، فالاستدلال بالمعجز هو الذي يسميه المنطقيون برهان الآن، وهذا الطريق هو الطريق الذي يسمونه برهان اللم، وهو أشرف وأعلى وأكمل وأفضل.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف القرآن في هذه الآية بصفات أربعة: أولها: كونه موعظة من عند الله.

وثانيها: كونه شفاء لما في الصدور.

وثالثها: كونه هدى.

ورابعها: كونه رحمة للمؤمنين.

ولا بد لكل واحد من هذه الصفات من فائدة مخصوصة فنقول: إن الأرواح لما تعلقت بالأجساد كان ذلك التعلق بسبب عشق طبيعي وجب للروح على الجسد، ثم إن جوهر الروح التذ بمشتهيات هذا العالم الجسداني وطيباته بواسطة الحواس الخمس وتمرن على ذلك وألف هذه الطريقة واعتادها.

ومن المعلوم أن نور العقل إنما يحصل في آخر الدرجة، حيث قويت العلائق الحسية والحوادث الجسدانية، فصار ذلك الاستغراق سبباً لحصول العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة في جوهر الروح، وهذه الأحوال تجري مجرى الأمراض الشديدة لجوهر الروح، فلابد لها من طبيب حاذق، فإن من وقع في المرض الشديد، فإن لم يتفق له طبيب حاذق يعالجه بالعلاجات الصائبة مات لا محالة، وإن اتفق أن صادفه مثل هذا الطبيب، وكان هذا البدن قابلاً للعلاجات الصائبة فربما حصلت الصحة وزال السقم.

إذا عرفت هذا فنقول: إن محمداً صلى الله عليه وسلم كان كالطبيب الحاذق، وهذا القرآن عبارة عن مجموع أدويته التي بتركيبها تعالج القلوب المريضة.

ثم إن الطبيب إذا وصل إلى المريض فله معه مراتب أربعة: المرتبة الأولى: أن ينهاه عن تناول ما لا ينبغي ويأمره بالاحتراز عن تلك الأشياء التي بسببها وقع في ذلك المرض، وهذا هو الموعظة فإنه لا معنى للوعظ إلا الزجر عن كل ما يبعد عن رضوان الله تعالى، والمنع عن كل ما يشغل القلب بغير الله.

المرتبة الثانية: الشفاء وهو أن يسقيه أدوية تزيل عن باطنه تلك الأخلاط الفاسدة الموجبة للمرض، فكذلك الأنبياء عليهم السلام إذا منعوا الخلق عن فعل المحظورات صارت ظواهرهم مطهرة عن فعل ما لا ينبغي فحينئذ يأمرونهم بطهارة الباطن وذلك بالمجاهدة في إزالة الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الحميدة، وأوائلها ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآء ذِى القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغى  ﴾ وذلك لأنا ذكرنا أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة جارية مجرى الأمراض، فإذا زالت فقد حصل الشفاء للقلب وصار جوهر الروح مطهراً عن جميع النقوش المانعة عن مطالعة عالم الملكوت.

والمرتبة الثالثة: حصول الهدى، وهذه المرتبة لا يمكن حصولها إلا بعد المرتبة الثانية، لأن جوهر الروح الناطقة قابل للجلايا القدسية والأضواء الإلهية وفيض الرحمة عام غير منقطع على ما قال عليه الصلاة والسلام: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها».

وأيضاً فالمنع إنما يكون إما للعجز أو للجهل أو للبخل، والكل في حق الحق ممتنع، فالمنع في حقه ممتنع، فعلى هذا عدم حصول هذه الأضواء الروحانية، إنما كان لأجل أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة طبعها طبع الظلمة، وعند قيام الظلمة يمتنع حصول النور، فإذا زالت تلك الأحوال، فقد زال العائق فلابد وأن يقع ضوء عالم القدس في جوهر النفس القدسية، ولا معنى لذلك الضوء إلا الهدى، فعند هذه الحالة تصير هذه النفس بحيث قد انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت، وأول هذه المرتبة هو قوله: ﴿ يأَيَّتُهَا النفس المطمئنة ارجعى إلى رَبّكِ  ﴾ وأوسطها قوله تعالى: ﴿ فَفِرُّواْ إِلَى الله  ﴾ وآخرها قوله: ﴿ قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ  ﴾ ومجموعها قوله: ﴿ وَللَّهِ غَيْبُ السموات والارض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الامر كُلُّهُ فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ  ﴾ وسيجيء تفسير هذه الآيات في مواضعها بإذن الله تعالى، وهذه المرتبة هي المراد بقوله سبحانه: ﴿ وهدى ﴾ .

وأما المرتبة الرابعة: فهي أن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم، وذلك هو المراد بقوله: ﴿ وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وإنما خص المؤمنين بهذا المعنى، لأن أرواح المعاندين لا تستضيء بأنوار أرواح الأنبياء عليهم السلام، لأن الجسم القابل للنور عن قرص الشمس هو الذي يكون وجهه مقابلاً لوجه الشمس، فإن لم تحصل هذه المقابلة لم يقع ضوء الشمس عليه، فكذلك كل روح لما لم تتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين، لم تنتفع بأنوارهم، ولم يصل إليها آثار تلك الأرواح المطهرة المقدسة، وكما أن الأجسام التي لا تكون مقابلة لقرص الشمس مختلفة الدرجات والمراتب في البعد عن هذه المقابلة ولا تزال تتزايد درجات هذا البعد حتى ينتهي ذلك الجسم إلى غاية بعده عن مقابلة قرص الشمس، فلا جرم يبقى خالص الظلمة، فكذلك تتفاوت مراتب النفوس في قبول هذه الأنوار عن أرواح الأنبياء ولا تزال تتزايد حتى تنتهي إلى النفس التي كملت ظلمتها، وعظمت شقاوتها وانتهت في العقائد الفاسدة، والأخلاق الذميمة إلى أقصى الغايات، وأبعد النهايات، فالحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة والهدى وهو إشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة، والرحمة وهي إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للناقصين وهي النبوة، فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الألفاظ القرآنية لا يمكن تأخير ما تقدم ذكره ولا تقديم ما تأخر ذكره، ولما نبه الله تعالى في هذه الآية على هذه الأسرار العالية الآلهية قال: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ والمقصود منه الإشارة إلى ما قرره حكماء الإسلام من أن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية وقد سبق في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبالغة في تقرير هذا المعنى فلا فائدة في الإعادة انتهى.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ وتقديره: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، ثم يقول مرة أخرى: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ والتكرير للتأكيد.

وأيضاً قوله: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ يفيد الحصر، يعني يجب أن لا يفرح الإنسان إلا بذلك.

واعلم أن هذا الكلام يدل على أمرين: أحدهما: أنه يجب أن لا يفرح الإنسان بشيء من الأحوال الجسمانية، ويدل عليه وجوه: الأول: أن جماعة من المحققين قالوا: لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق أن يفرح به.

والثاني: أن بتقدير أن تكون هذه اللذات صفات ثبوتية، لكنها معنوية من وجوه: الأول: أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها ألا ترى أن أقوى اللذات الجسمانية لذة الوقاع، ولا شك أن الالتذاذ بها أقل مرتبة من الاستضرار بألم القولنج وسائر الآلام القوية.

والثاني: أن مداخل اللذات الجسمانية قليلة، فإنه لا سبيل إلى تحصيل اللذات الجسمانية إلا بهذين الطريقين أعني لذة البطن والفرج.

وأما الآلام: فإن كل جزء من أجزاء بدن الإنسان معه نوع آخر من الآلام، ولكل نوع منها خاصية ليست للنوع الآخر.

والثالث: أن اللذات الجسمانية لا تكون خالصة ألبتة بل تكون ممزوجة بأنواع من المكاره، فلو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب النفس في مقدماتها وفي لواحقها لكفى.

الرابع: أن اللذات الجسمانية لا تكون باقية، فكلما كان الالتذاذ بها أكثر كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها أكثر وأشد، ولذلك قال المعري: إن حزنا في ساعة الموت أضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فمن المعلوم أن الفرح الحاصل عند حدوث الولد لا يعادل الحزن الحاصل عند موته.

الخامس: أن اللذات الجسمانية حال حصولها تكون ممتنعة البقاء، لأن لذة الأكل لا تبقى بحالها، بل كما زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل ولا يمكن استبقاء تلك اللذة.

السادس: أن اللذات الجسمانية التذاذ بأشياء خسيسة، فإنها التذاذ بكيفيات حاصلة في أجسام رخوة سريعة الفساد مستعدة للتغير، فأما اللذات الروحانية فإنها بالضد في جميع هذه الجهات، فثبت أن الفرح باللذات الجسمانية فرح باطل، وأما الفرح الكامل فهو الفرح بالروحانيات والجواهر المقدسة وعالم الجلال ونور الكبرياء.

والبحث الثاني: من مباحث هذه الآية أنه إذا حصلت اللذات الروحانية فإنه يجب على العاقل أن لا يفرح بها من حيث هي هي، بل يجب أن يفرح بها من حيث إنها من الله تعالى وبفضل الله وبرحمته، فلهذا السبب قال الصديقون: من فرح بنعمة الله من حيث إنها تلك النعمة فهو مشرك، أما من فرح بنعمة الله من حيث إنها من الله كان فرحه بالله، وذلك هو غاية الكمال ونهاية السعادة فقوله سبحانه: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ يعني فليفرحوا بتلك النعم لا من حيث هي هي، بل من حيث إنها بفضل الله وبرحمة الله، فهذه أسرار عالية اشتملت عليها هذه الألفاظ التي ظهرت من عالم الوحي والتنزيل، هذا ما تلخص عندنا في هذا الباب، أما المفسرون فقالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن.

وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله.

المسألة الرابعة: قرئ ﴿ فلتفرحوا ﴾ بالتاء، قال الفراء: وقد ذكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء وقال: معناه فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، قال وقريب من هذه القراءة قراءة أبي ﴿ فَبِذَلِكَ فافرحوا ﴾ والأصل في الأمر للمخاطب والغائب اللام نحو لتقم يا زيد وليقم زيد، وذلك لأن حكم الأمر في الصورتين واحد، إلا أن العرب حذفوا اللام من فعل المأمور المخاطب لكثرة استعماله، وحذفوا التاء أيضاً وأدخلوا ألف الوصل نحو اضرب واقتل ليقع الابتداء به وكان الكسائي يعيب قولهم فليفرحوا لأنه وجده قليلاً فجعله عيباً إلا أن ذلك هو الأصل، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض المشاهد: لتأخذوا مصافكم يريد به خذوا، هذا كله كلام الفراء.

وقرئ ﴿ تجمعون ﴾ بالتاء ووجهه أنه تعالى عنى المخاطبين والغائبين إلا أنه غلب المخاطب على الغائب كما يغلب التذكير على التأنيث، فكأنه أراد المؤمنين هكذا قاله أهل اللغة وفيه دقيقة عقلية وهو أن الإنسان حصل فيه معنى يدعوه إلى خدمة الله تعالى وإلى الاتصال بعالم الغيب ومعارج الروحانيات، وفيه معنى آخر يدعوه إلى عالم الحس والجسم واللذات الجسدانية، وما دام الروح متعلقاً بهذا الجسد، فإنه لا ينفك عن حب الجسد، وعن طلب اللذات الجسمانية، فكأنه تعالى خاطب الصديقين العارفين، وقال: حصلت الخصومة بين الحوادث العقلية الإلهية وبين النوازع النفسانية الجسدانية، والترجيح لجانب العقل لأنه يدعو إلى فضل الله ورحمته والنفس تدعو إلى جمع الدنيا وشهواتها وفضل الله ورحمته خير لكم مما تجمعون من الدنيا لأن الآخرة خير وأبقى، وما كان كذلك فهو أولى بالطلب والتحصيل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ ﴾ أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد ﴿ و ﴾ هو ﴿ شِفَآء ﴾ أي دواء ﴿ لِّمَا فِي ﴾ صدوركم من العقائد الفاسدة ودعاء إلى الحق ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ لمن آمن به منكم.

وأصل الكلام: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، فبذلك فليفرحوا، والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة لمعنى الشرط؛ كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، فإنه لا مفروح به أحق منهما.

ويجوز أن يراد: بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا.

ويجوز أن يراد: قد جاءتكم موعطة بفضل الله وبرحمته، فبذلك: فبمجيئها فليفرحوا.

وقرئ: ﴿ فلتفرحوا ﴾ بالتاء وهو الأصل والقياس، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي.

وعنه: «لتأخذوا مصافكم» قالها في بعض الغزوات.

وفي قراءة أبيّ: ﴿ فافرحوا ﴾ ﴿ هُوَ ﴾ راجع إلى ذلك.

وقرئ: ﴿ مما تجمعون ﴾ بالياء والتاء.

وعن أبيّ بن كعب: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ فقال: «بكتاب الله والإسلام» وقيل: (فضله) الإسلام (ورحمته) ما وعد عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِلْحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ الكاشِفَةِ عَنْ مَحاسِنِ الأعْمالِ ومَقابِحِها المُرَغِّبَةِ في المَحاسِنِ والزّاجِرَةِ عَنِ المَقابِحِ، والحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ الَّتِي هي شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ مِنَ الشُّكُوكِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ وهُدًى إلى الحَقِّ واليَقِينِ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ فَنَجَوْا بِها مِن ظُلُماتِ الضَّلالِ إلى نُورِ الإيمانِ، وتَبَدَّلَتْ مَقاعِدُهم مِن طَبَقاتِ النِّيرانِ بِمَصاعِدَ مِن دَرَجاتِ الجِنانِ، والتَّنْكِيرُ فِيها لِلتَّعْظِيمِ.

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ بِإنْزالِ القُرْآنِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ بِمَنزِلَةِ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا أوْ فَلْيَفْرَحُوا فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والبَيانُ بَعْدَ الإجْمالِ وإيجابُ اخْتِصاصِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ بِالفَرَحِ أوْ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ قَدْ جاءَتْكُمْ ﴾ ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِهِ أيْ فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا والفاءُ بِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فِيهِما فَلْيَفْرَحُوا أوْ لِلرَّبْطِ بِما قَبْلَها، والدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَجِيءَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ مُوجِبٌ لِلْفَرَحِ وتَكْرِيرُها لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: وَإذا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فاجْزَعِي وعَنْ يَعْقُوبَ « فَلْتَفْرَحُوا» بِالتّاءِ عَلى الأصْلِ المَرْفُوضِ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ « فافْرَحُوا» .

﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا فَإنَّها إلى الزَّوالِ قَرِيبٌ وهو ضَمِيرُ ذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ تَجْمَعُونَ بِالتّاءِ عَلى مَعْنى فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحِ المُؤْمِنُونَ فَهو خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَهُ أيُّها المُخاطَبُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ} يا محمد {بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قبل إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح أو بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا وهما كتاب الله والإسلام في الحديث من هداه الله للإسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينينه إلى يوم يلقاه وقرأ الآية {هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ} وبالتاء شامي فلتفرحوا يعقوب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَأْمُرَ النّاسَ بِأنْ يَغْتَنِمُوا ما في القُرْآنِ العَظِيمِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ أيْ قُلْ لَهم ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وأصْلُ الكَلامِ لِيَفْرَحُوا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وبِرَحْمَتِهِ ثُمَّ قَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى الفِعْلَ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِ بِالمَجْرُورِ ثُمَّ أدْخَلَ عَلَيْهِ الفاءَ لِإفادَةِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ فَصارَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا ثُمَّ جِيءَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ ثُمَّ حَذَفَ الفِعْلَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، والفاءُ الأوْلى قِيلَ جَزائِيَّةٌ والثّانِيَةُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والأصْلُ أنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا لا بِشَيْءٍ آخَرَ ثُمَّ زِيدَتِ الفاءُ لِما ذُكِرَ ثُمَّ حُذِفَ الشَّرْطُ وقِيلَ: إنَّ الأُولى هي الزّائِدَةُ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ في الحَقِيقَةِ فَلْيَفْرَحُوا وبِذَلِكَ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ وزِيدَتْ فِيهِ الفاءُ لِلتَّحْسِينِ ولِذَلِكَ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى القَوْلِ بِحَذْفِ مُتَعَلِّقِهِ ونَظِيرُ ذَلِكَ في الِاخْتِلافِ في تَعْيِينِ الزّائِدِ فِيهِ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: لا تَجْزَعِي إنْ مُنْفَسًا أهْلَكَتْهُ فَإذا هَلَكَتْ فَعِنْدَ ذَلِكَ فاجْزَعِي ومِن غَرِيبِ العَرَبِيَّةِ ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ وقَدْ أُقِيمَ اسْمُ الإشارَةِ مَقامَ ضَمِيرِ المَعْمُولِ وتَوْحِيدُهُ بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ ونَحْوِهِ كَما هو شائِعٌ فِيهِ ووَجْهُ غَرابَتِهِ أنَّ المَعْرُوفَ في شَرْطِ البابِ اشْتِغالُ العامِلِ بِضَمِيرِ المَعْمُولِ ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ اشْتِغالَهُ بِاسْمِ الإشارَةِ إلَيْهِ وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ (فَلْيَعْتَنُوا)أيْ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا والقَرِينَةُ عَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ أنَّ ما يَفْرَحُ بِهِ يَكُونُ مِمّا يُعْتَنى ويُهْتَمُّ بِشَأْنِهِ أوْ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى ما قِيلَ وقالَ الحَلَبِيُّ: الدَّلالَةُ عَلَيْهِ مِنَ السِّياقِ واضِحَةٌ ولَيْسَ شَرْطُ الدَّلالَةِ أنْ تَكُونَ لَفْظِيَّةً فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ ذَلِكَ إضْمارٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ وأنْ يُقَدَّرَ جاءَتْكم بَعْدَ ﴿ قُلْ ﴾ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِما قَبْلُ أيْ قُلْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ وشِفاءٌ وهُدًى ورَحْمَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِجاءَتْكُمُ المَذْكُورُ لِأنَّ ﴿ قُلْ ﴾ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ وذَلِكَ عَلى هَذا إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ وهو المَجِيءُ أيْ فَبِمَجِيءِ المَذْكُوراتِ فَلْيَفْرَحُوا وتَكْرِيرُ الباءِ في بِرَحْمَتِهِ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِها في اسْتِيجابِ الفَرَحِ والمُرادُ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ إمّا الجِنْسُ ويَدْخُلُ فِيهِ ما في مَجِيءِ القُرْآنِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وإمّا ما في مَجِيئِهِ مِن ذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ القُرْآنُ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فَضْلُ اللَّهِ القُرْآنُ ورَحْمَتُهُ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» .

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ البَراءِ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَوْقُوفًا وجاءَ عَنْ جَمْعٍ جَمٍّ أنَّ الفَضْلَ القُرْآنُ والرَّحْمَةَ الإسْلامُ وهو في مَعْنى الحَدِيثِ المَذْكُورِ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الفَضْلَ العِلْمُ والرَّحْمَةَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأخْرَجَ الخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ تَفْسِيرَ الفَضْلِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والرَّحْمَةِ بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والمَشْهُورُ وصْفُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالرَّحْمَةِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ دُونَ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وإنْ كانَ رَحْمَةً جَلِيلَةً رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأرْضاهُ وقِيلَ: المُرادُ بِهِما الجَنَّةُ والنَّجاةُ مِنَ النّارِ.

وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ مِن أوْجُهِ الإعْرابِ ما أُرِيدَ بِها أوَّلًا بَلْ هي في غَيْرِ الأُولى كَما لا يَخْفى ورَوى رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ (فَلْتَفْرَحُوا) بِتاءِ الخِطابِ ولامِ الأمْرِ عَلى أصْلِ المُخاطَبِ المَتْرُوكِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ أصْلَ صِيغَةِ الأمْرِ الأمْرُ بِاللّامِ فَحُذِفَتْ مَعَ تاءِ المُضارَعَةِ واجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِلتَّوَصُّلِ إلى الِابْتِداءِ بِالسّاكِنِ لا عَلى القَوْلِ بِأنَّها صِيغَةٌ أصْلِيَّةٌ وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ القِراءَةُ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِنهم أبُو داوُدَ وأحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا وقَرَأ بِها أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما وفي تَعْلِيقاتِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى كَشّافِهِ كَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما آثَرَ القِراءَةَ بِالأصْلِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الأمْرِ بِالفَرَحِ وأشَدُّ تَصْرِيحًا بِهِ إيذانًا بِأنَّ الفَرَحَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وبِرَحْمَتِهِ بَلِيغُ التَّوْصِيَةِ بِهِ لِيُطابِقَ التَّقْرِيرَ والتَّكْرِيرَ وتَضْمِينَ مَعْنى الشَّرْطِ، لِذَلِكَ ونَظِيرِهِ مِمّا انْقَلَبَ فِيهِ ما لَيْسَ بِفَصِيحٍ فَصِيحًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ ﴾ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ اللَّغْوِ لِيَكُونَ الغَرَضُ اخْتِصاصَ التَّوْحِيدِ انْتَهى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ ابْنِ جِنِّيٍّ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ ونُقِلَ عَنْ شَرْحِ اللُّبِّ في تَوْجِيهِهِ أنَّهُ لَما كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَبْعُوثًا إلى الحاضِرِ والغائِبِ جُمِعَ بَيْنَ اللّامِ والتّاءِ قِيلَ: وكَأنَّهُ عَنى أنَّ الأمْرَ لَمّا كانَ لِجُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ حاضِرِهِمْ وغائِبِهِمْ غُلِّبَ الحاضِرُونَ في الخِطابِ عَلى الغائِبِينَ وأُتِيَ بِاللّامِ رِعايَةً لِأمْرِ الغائِبِينَ وهي نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ إلّا أنَّهُ أمْرٌ مُحْتَمَلٌ وما نُقِلَ عَنْ صاحِبِ الكَشّافِ أوْلى بِالقَبُولِ وقُرِئَ (فافْرَحُوا) وهي تُؤَيِّدُ القِراءَةَ السّابِقَةَ لِأنَّها أمْرُ المُخاطَبِ عَلى الأصْلِ وقُرِئَ (فَلْيَفْرَحُوا) بِكَسْرِ اللّامِ هو ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ 58﴾ مِنَ الأمْوالِ والحَرْثِ والأنْعامِ وسائِرِ حُطامِ الدُّنْيا فَإنَّها صائِرَةٌ إلى الزَّوالِ مُشْرِفَةٌ عَلَيْهِ وهو راجِعٌ إلى لَفْظِ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَدْلُولِهِ وهو مُفْرَدٌ فُرُوعِيَ لَفْظُهُ وإنْ كانَ عِبارَةً عَنِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ ويَجُوزُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِما ابْتِداءً بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ كَما فُعِلَ في ذَلِكَ أوْ جَعْلَهُما في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ راجِعًا إلى المَصْدَرِ أعْنِي المَجِيءَ الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ و(ما) تَحْتِمَلُ المَوْصُولِيَّةَ والمَصْدَرِيَّةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (تَجْمَعُونَ) بِالخِطابِ لِمَن خُوطِبَ ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ سَواءٌ كانَ عامًّا أوْ خاصًّا بِكُفّارِ قُرَيْشٍ وضَمِيرُ ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحِ المُؤْمِنُونَ فَهو خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ وعَلى قِراءَةِ (فَلْتَفْرَحُوا) (وافْرَحُوا) يَكُونُ الخِطابُ عَلى ما قِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لَهم عَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ أيْضًا التِفاتًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ الجَمْعَ أنَسَبُ بِغَيْرِهِمْ وإنْ صَحَّ وصْفُهم بِهِ في الجُمْلَةِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمَ القَوْلُ بِما يَسْتَلْزِمُهُ ما دامَ مَندُوحَةٌ عَنْهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكَّة، ويقال: جميع النَّاس، قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: نهياً من ربِّكم عن الشِّرك على لسان نبيّكم  ، وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ يعني: القرآن شفاء للقلوب من الشِّرك.

ويقال: شفاء من العمى، لأن فيه بيان الحلال والحرام وَهُدىً من الضلالة، ويقال: صواباً، وبياناً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: القرآن نعمة من الله تعالى على المؤمنين، يمنع العذاب عمّن آمن، وعمل بما فيه.

قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ، يعني: قل يا مُحمَّد للمؤمنين: بفضل الله والإسلام وَبِرَحْمَتِهِ القرآن.

وروي عن ابن عباس: «أنه بِفَضْلِ اللَّهِ يعني القرآن، وَبِرَحْمَتِهِ الإسلام» ، يعني: بنعمته عليكم إذ أكرمكم بالإسلام والقرآن، وهكذا قال أبو سعيد الخِدْرِيّ.

وقال الضَّحَّاك، ومجاهد: بفضل القرآن، وبرحمته الإسلام.

وقال مقاتل: بفضل الله الإسلام، وبرحمته القرآن.

وعن الحسن مثله وقال القُتَبِيّ مثله.

فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا يعني: بالقرآن والإيمان هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من الأموال.

قرأ ابن عامر: فبذلك فلتفرحوا هو خير ممّا تجمعون بالتاء كلاهما على معنى المخاطبة وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

حَرْفُ القسم، وقد لا يجيء تقُولُ: إِي وربّي، وإي ربّي، وبِمُعْجِزِينَ: معناه مفلتين.

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)

وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ ...

الآية، وأَسَرُّوا: لفظة تجيءُ بمعنى «أَخْفَوا» ، وهي حينئذٍ من السِّرِّ، وتجيء بمعنى «أظْهَرُوا» ، وهي حينئذٍ من أسارِيرِ الوَجْهِ.

ص: قال أبو البقاء: وهو مستأنَفٌ، وهو حكاية ما يكون في الآخرة.

وقوله تعالى: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية، «أَلاَ» استفتاح وتنبيهٌ، وباقي الآية بيّن.

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...

الآية: هذه آية خُوطِبَ بها جميعُ العَالَم، وال مَوْعِظَةٌ: القرآن لأن الوعظ إِنما هو بقولٍ يأْمُرُ بالمعروف ويزجُرُ، ويرقِّق القلوب، ويَعِدُ ويُوعِدُ، وهذه صفة «الكتاب العزيز» ، وقوله:

مِنْ رَبِّكُمْ يريد: لم يختلقها محمّد ولا غيره، ولِما فِي الصُّدُورِ: يريد به الجَهْلَ ونحوَهُ، وجَعْلُهُ موعظةً بحَسَب النَّاسِ أَجْمَعَ، وجعْلُه هدىً ورحمةً بحسب المؤمنين فَقَطْ، وهذا تفسيرٌ صحيحُ المعنَى، إِذا تُؤُمِّلَ، بان وجْهُه.

وقوله سبحانه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، قال ابن عباس «١» وغيره: الفضل: الإِسلام، والرحمة: القرآن، وقال أبو سعيد الخُدْرِيُّ: الفَضْل: القرآن، والرحمة: أن جعلهم مِنْ أهله.

وقال زيْدُ بن أسلم والضّحّاك: الفضل: القرآن، والرحمة: الإسلام.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: الإسْلامُ، ورَحْمَتَهُ: القُرْآنُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وهِلالُ بْنُ يَسافٍ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ في بَعْضِ الرِّوايَةِ عَنْهُما، وهو اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتَهُ: أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِ القُرْآنِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ.

والثّالِثُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: العِلْمُ، ورَحْمَتَهُ: مُحَمَّدٌ  ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: الإسْلامُ، ورَحْمَتَهُ تَزْيِينُهُ في القُلُوبِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

والخامِسُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتَهُ: الإسْلامُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ ومُقاتِلٌ.

والسّادِسُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ: القُرْآنُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

والسّابِعُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتَهُ: السُّنَّةُ، قالَهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ.

والثّامِنُ: فَضْلُ الله: التَّوْفِيقُ، ورَحْمَتُهُ: العِصْمَةُ، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " فَلْتَفْرَحُوا " بِالتّاءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ مِثْلَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا اللّامَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ: " فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا " .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِذَلِكَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ.

﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ أيْ: مِمّا يَجْمَعُ الكُفّارُ مِنَ الأمْوالِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ورُوَيْسٌ: " تَجْمَعُونَ " بِالتّاءِ، وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾ خَبَرٌ لِاسْمٍ مُضْمَرٍ، تَأْوِيلُهُ: هَذا الشِّفاءُ وهَذِهِ المَوْعِظَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ التَّطَوُّلِ مِنَ اللَّهِ فَلْيَفْرَحُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ خُوطِبَ بِها جَمِيعُ العالَمِ، والمَوْعِظَةُ: القُرْآنُ لِأنَّ الوَعْظَ إنَّما هو بِقَوْلٍ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَزْجُرُ ويُرَقِّقُ ويُوعِدُ ويَعِدُ، وهَذِهِ صِفَةُ الكِتابِ العَزِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ يُرِيدُ: لَمْ يَخْتَلِقْها مُحَمَّدٌ  ولا غَيْرُهُ، بَلْ هي مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، و ﴿ لِما في الصُدُورِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجَهْلَ والعُتُوَّ عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ونَحْوِ هَذا مِمّا يُدافِعُ الإيمانَ، وجَعَلَهُ مَوْعِظَةً بِحَسَبِ الناسِ جَمِيعًا، وجَعْلُهُ هُدًى ورَحْمَةً بِحَسَبِ المُؤْمِنِينَ فَقَطْ، وهَذا تَفْسِيرٌ صَحِيحُ المَعْنى إذا تُؤُمِّلَ بانَ وجْهُهُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ اسْتُغْنِيَ عن ذِكْرِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَهُدًى ورَحْمَةٌ ﴾ .

قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ وهو هِلالُ بْنُ يَسافَ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَضْلُ: الإسْلامُ، والرَحْمَةُ: القُرْآنُ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: الفَضْلُ: القُرْآنُ، والرَحْمَةُ: أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والضَحّاكُ: الفَضْلُ: القُرْآنُ، والرَحْمَةُ: الإسْلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الفَضْلُ: مُحَمَّدٌ  ، والرَحْمَةُ: القُرْآنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ عِنْدِي لِشَيْءٍ مِن هَذا التَخْصِيصِ إلّا أنْ يَسْتَنِدَ مِنهُ شَيْءٌ إلى النَبِيِّ  ، وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللهِ تَعالى إلى دِينِهِ، والتَوْفِيقُ إلى اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، والرَحْمَةُ هي عَفْوُهُ وسُكْنى جَنَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً عَلى التَشَرُّعِ بِالإسْلامِ والإيمانِ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِجَمِيعِ الناسِ: بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَقَعِ الفَرَحُ مِنكُمْ، لا بِأُمُورِ الدُنْيا وما يَجْمَعُ مِن حُطامِها، فالمُؤْمِنُونَ يُقالُ لَهُمْ: فَلْتَفْرَحُوا، وهم مُتَلَبِّسُونَ بِعِلَّةِ الفَرَحِ وسَبَبِهِ، ومُحَصِّلُونَ لِفَضْلِ اللهِ مُنْتَظِرُونَ الرَحْمَةَ.

والكافِرُونَ يُقالُ لَهُمْ: بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْتَفْرَحُوا، عَلى مَعْنى أنْ لَوِ اتَّفَقَ لَكُمْ، أو لَوْ سَعِدْتُمْ بِالهِدايَةِ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ القَعْقاعِ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ -عَلى ما زَعَمَ هارُونُ- ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  : "فَلْتَفْرَحُوا"، و"تَجْمَعُونَ" بِالتاءِ فِيهِما عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ جَماعَةٍ مِنَ السَلَفِ كَبِيرَةٍ، وعن أكْثَرِهِمْ خِلافٌ، وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى ابْنِ عامِرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِالياءِ فِيهِما عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فِيهِما.

وقَرَأ أبُو التَيّاحِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ -بِخِلافٍ عنهُمْ- وابْنُ عامِرٍ بِالياءِ في الأُولى وبِالتاءِ في الآخِرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وجَماعَةٌ مِنَ السَلَفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  بِالياءِ في الأُولى وفي الآخِرَةِ، ورُوِيَتْ عن أبِي التَيّاحِ.

وإذا تَأمَّلْتَ وُجُوهَ ذَلِكَ بانَتْ عَلى مَهِيعِ الفَصِيحِ مِن كَلامِ العَرَبِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ الخِلافُ مِن كُلِّ قارِئٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، "فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا"، وأمّا مَن قَرَأ: "فَلْتَفْرَحُوا"، فَأدْخَلَ اللامَ في أمْرِ المُخاطَبِ فَذَلِكَ عَلى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ: الأصْلُ في كُلِّ أمْرٍ إدْخالُ اللامِ إذا كانَ النَهْيُ بِحَرْفٍ، فَكَذَلِكَ الأمْرُ إذا كانَ أمْرًا لِغائِبٍ بِلامٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: إلّا أنَّ العَرَبَ رَفَضَتْ إدْخالَ اللامِ في أمْرِ المُخاطَبِ لِكَثْرَةِ تَرْدادِهِ.

وقَرَأ أبُو التَيّاحِ، والحَسَنُ بِكَسْرِ اللامِ مِن "فَلْتَفْرَحُوا"، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَ اللهُ بِالفَرَحِ في هَذِهِ الآيَةِ؟

وقَدْ ورَدَ ذَمُّهُ في قَوْلِهِ: ﴿ لَفَرِحٌ فَخُورٌ  ﴾ ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ لا تَفْرَحْ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ  ﴾ ، قِيلَ: إنَّ الفَرَحَ إذا ورَدَ مُقَيَّدًا في خَيْرٍ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وكَذَلِكَ هو في هَذِهِ الآيَةِ، وإذا ورَدَ مُقَيَّدًا في شَرٍّ أو مُطْلَقًا لَحِقَهُ ذَمٌّ إذْ لَيْسَ مِن أفْعالِ الآخِرَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَغْلِبَ عَلى الإنْسانِ حُزْنُهُ عَلى ذَنْبِهِ وخَوْفُهُ لِرَبِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ يُرِيدُ: مِن مالِ الدُنْيا وحُطامِها الفانِي المُؤْذِي في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يتفرع على كون القرآن هدى ورحمة للمؤمنين تنبيههم إلى أن ذلك فضل من الله عليهم ورحمة بهم يحق لهم أن يفرحوا بهما، وأن يقدروا قدر نعمتهما، وأن يعلموا أنها نعمة تفوق نعمة المال التي حُرم منها أكثر المؤمنين ومُنحها أكثر المشركين، فكانت الجملة حقيقة بأن تفتتح بفاء التفريع.

وجيء بالأمر بالقول معترضاً بين الجملة المفرعة والجملة المفرع عليها تنويهاً بالجملة المفرعة، بحيث يؤمر الرسول أمراً خاصاً بأن يقولها وإن كان جميع ما ينزل عليه من القرآن مأموراً بأن يقوله.

وتقدير نظم الكلام: قل لهم فليفرحوا بفضل الله وبرحمته بِذلك ليفرحوا.

فالفاء في قوله: ﴿ فليفرحوا ﴾ فاء التفريع، و ﴿ بفضل الله وبرحمته ﴾ مجرور متعلق بفعل ﴿ فليفرحوا ﴾ قُدم على متعلَّقه للاهتمام به للمسلمين ولإفادة القصر، أي بفضل الله وبرحمته دون ما سواه مما دل عليه قوله: ﴿ هو خير مما يجمعون ﴾ ، فهو قصر قلب تعريضي بالرد على المشركين الذين ابتهجوا بعَرض المال فقالوا: نحن أكثر أموالاً وأولاداً.

والإشارة في قوله: ﴿ فبذلك ﴾ للمذكور، وهو مجموع الفضل والرحمة، واختير للتعبير عنه اسم الإشارة لما فيه من الدلالة على التنويه والتعظيم مع زيادة التمييز والاختصار.

ولما قصد توكيد الجملة كلها بما فيها من صيغة القصر قرن اسم الإشارة بالفاء تأكيداً لفاء التفريع التي في ﴿ فليفرحوا ﴾ لأنه لما قدم على متعلَّقه قرن بالفاء لإظهار التفريع في ابتداء الجملة، وقد حذف فعل (ليفرحوا) فصار مفيداً مفاد جملتين متماثلتين مع إيجاز بديع.

وتقدير معنى الكلام: قل فليفرحوا بفضل الله وبرحمته لا سواهما فليفرحوا بذلك لا سواه.

والفرح: شدة السرور.

ولك أن تجعل الكلام استئنافاً ناشئاً مما تقدم من النعمة على المؤمنين بالقرآن.

ولما قدم المجرور وهو ﴿ بفضل الله وبرحمته ﴾ حصل بتقديمه معنى الشرط فقرنت الجملة بعده بالفاء التي تربط الجواب لقصد إفادة معنى الشرط.

وهذا كثير في الاستعمال كقوله تعالى: ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ [المطففين: 26]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «ففيهما فجاهد»، وقوله: «كما تكونوا يوَلَّ عليكم» بجزم (تكونوا) وجزم (يول).

فالفاء في قوله: ﴿ فبذلك ﴾ رابطة للجواب، والفاء في قوله: ﴿ فليفرحوا ﴾ مؤكدة للربط.

ولم يختلف المفسرون في أن القرآن مراد من فضل الله ورحمته.

وقد روي حديث عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: فضل الله القرآن.

ورحمته أن جعلكم من أهله (يعني أن هداكم إلى اتباعه).

ومثله عن أبي سعيد الخدْري والبراءِ موقوفاً، وهو الذي يقتضيه اللفظ فإن الفضل هو هداية الله التي في القرآن، والرحمة هي التوفيق إلى اتباع الشريعة التي هي الرحمة في الدنيا والآخرة.

وجملة: ﴿ هو خير مما يجمعون ﴾ مبيّنة للمقصود من القصر المستفاد من تقديم المجرورين.

وأفرد الضمير بتأويل المذكور كما أفرد اسم الإشارة.

والضمير عائد إلى اسم الإشارة، أي ذلك خير مما يجمعون.

و ﴿ ما يجمعون ﴾ مراد به الأموال والمكاسب لأن فعل الجمع غلب في جمع المال.

قال تعالى: ﴿ الذي جمع مالاً وعدده ﴾ [الهمزة: 2].

ومن المعتاد أن جامع المال يفرح بجمعه.

وضمير ﴿ يجمعون ﴾ عائد إلى ﴿ الناس ﴾ في قوله: ﴿ يأيها الناس قد جاءتكم موعظة ﴾ [يونس: 57] بقرينة السياق وليس عائداً إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ يفرحوا ﴾ فإن القرائن تصرف الضمائر المتشابهة إلى مصارفها، كقول عباس بن مرداس: عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم *** بالمسلمين وأحرزوا مَا جمَّعوا ضمير (أحرزوا) عائد إلى المشركين الذين عاد إليهم الضمير في قوله: (جمعهم).

وضمير (جمَّعوا) عائد إلى المسلمين، أي لولا نحن لغنم المشركون ما جمَعه المسلمون من الغنائم، ومنه قوله تعالى: ﴿ وعمروها أكثر مما عمروه ﴾ في سورة [الروم: 9].

وعلى هذا الوجه يظهر معنى القصر أتمّ الظهور، وهو أيضاً المناسب لحالة المسلمين وحالة المشركين يومئذٍ، فإن المسلمين كانوا في ضعف لأن أكثرهم من ضعاف القوم أو لأن أقاربهم من المشركين تسلطوا على أموالهم ومنعوهم حقوقهم إلجاء لهم إلى العود إلى الكفر.

وقد وصف الله المشركين بالثروة في آيات كثيرة كقوله: ﴿ وذرني والمكذبين أولي النَّعْمة ﴾ [المزمل: 11] وقال: ﴿ أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ﴾ [القلم: 14، 15] وقال: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ﴾ [آل عمران: 196، 197]، فلعل المشركين كانوا يحتقرون المسلمين كما حكي عن قوم نوح قولهم: ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ﴾ [هود: 27].

وقد قال الله للنبيء صلى الله عليه وسلم ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ [الأنعام: 52، 53] حين قال له المشركون: لو طردت هؤلاء العبيد من مجلسك لجلسنا إليك، فكمدهم الله بأن المسلمين خيرٌ منهم لأنهم كملت عقولهم بالعقائد الصحيحة والآداب الجليلة.

وهذا الوجه هو المناسب للإتيان بالمضارع في قوله: ﴿ يجمعون ﴾ المقتضي تجدد الجمع وتكرره، وذلك يقتضي عنايتهم بجمع الأموال ولم يكن المسلمون بتلك الحالة.

والمعنى أن ذلك خير مما يجمعه المشركون مع اتصافهم بالشرك لأنهم وإن حصلوا ما به بعض الراحة في الدنيا فهم شرار النفوس خساس المدارك.

وقرأ الجمهور ﴿ يجمعون ﴾ بياء الغيبة فالضمير عائد على معلوم من الكلام، أي مما يجمع المشركون من الأموال.

وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ورويس عن يعقوب ﴿ مما تجمعون ﴾ بتاء الخطاب فيكون خطاباً للمشركين الذين شملهم الخطاب في أول الآية بقوله: ﴿ يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ﴾ [يونس: 57]، فإنه بعد أن عمم الخطاب خص المؤمنين بالذكر وبالجدارة بالفرح، فبقي الخطاب لمن عدا المسلمين وهم المشركون إذ ليس ثم غير هذين الفريقين من الناس هنالك.

ولا يناسب جعل الخطاب للمسلمين إذ ليس ذلك من شأنهم كما تقدم آنفاً، ولأنه لا يظهر منه معنى التفضيل إلا بالاعتبار لأن المسلمين قد نالوا الفضل والرحمة فإذا نالوا معهما المال لم ينقص ذلك من كمالهم بالفضل والرحمة.

وقد أجملت الآية وجه تفضيل هذا الفضل والرحمة على ما يجمعونه لقصد إعمال النظر في وجوه تفضيله، فإنها كثيرة، منها واضح وخفي.

وينبئ بوجه تفضيله في الجملة إضافتُه الفضل والرحمة إلى الله وإسناد فعل ﴿ يجمعون ﴾ إلى ضمير ﴿ الناس ﴾ [يونس: 57].

وهذا الفضل أخروي ودنيوي.

أما الأخروي فظاهر، وأما الدنيوي فلأن كمال النفس وصحة الاعتقاد وتطلع النفس إلى الكمالات وإقبالها على الأعمال الصالحة تكسب الراحة في الدنيا وعيشة هنيئة.

قال تعالى: ﴿ يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مَرضية ﴾ [الفجر: 27، 28] فجعل رضاها حالاً لها وقت رجوعها إلى ربها.

قال فخر الدين: «والمقصود من الآية الإشارة إلى أن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية، فيجب أن لا يفرح الإنسان بشيء من الأحوال الجسمانية لأن اللذات الجسمانية ليست غير دفع الآلام عند جمع من الحكماء والمعنى العدمي لا يستحق أن يفرح به.

وعلى تقدير أن تكون هذه اللذات صفات ثبوتية فإنها لا تكون خالصة البتة بل تكون ممزوجة بأنواع من المكاره وهي لا تكون باقية، فكلما كان الالتذاذ بها أكثر كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها أكثر وأشد».

ثم إن عدم دوامها يقتضي قصر مدة التمتع بها بخلاف اللذات الروحانية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهو طَلَبُ النَّبَأِ.

﴿ أحَقٌّ هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: البَعْثُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: العَذابُ في الآخِرَةِ.

﴿ قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ فَأقْسَمَ مَعَ إخْبارِهِ أنَّهُ حَقٌّ تَأْكِيدًا.

﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمُمْتَنِعِينَ.

الثّانِي: بِسابِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أخْفَوُا النَّدامَةَ وكَتَمُوها عَنْ رُؤَسائِهِمْ، وقِيلَ بَلْ كَتَمَها الرُّؤَساءُ عَنْ أتْباعِهِمْ.

الثّانِي: أظْهَرُوها وكَشَفُوها لَهم.

وَذَكَرَ المُبَرَّدُ فِيهِ وجْهًا ثالِثًا: أنَّهُ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ وهي تَكاسِيرُ الجَبْهَةِ.

﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رُؤَسائِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: قَضى عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن عَذابِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقلت: أسماني لك؟

قال: نعم.

قيل لأبي رضي الله عنه: أفرحت بذلك؟

قال: وما يمنعني والله تعالى يقول: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما تجمعون» هكذا قرأها بالتاء.

وأخرج الطيالسي وأبو داود والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي رضي الله عنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فبذلك فلتفرحوا ﴾ بالتاء.

وأخرج ابن جرير عن أبي رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ فبذلك فلتفرحوا هو خير مما تجمعون ﴾ بالتاء.

وأخرج ابن أبي عمر العدني والطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان يقرأ «فبذلك فلتفرحوا» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال: «فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلهم من أهله» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال: بكتاب الله وبالإِسلام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال: فضله الإِسلام ورحمته القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ قل بفضل الله ﴾ القرآن ﴿ وبرحمته ﴾ حين جعلهم من أهل القرآن.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: فضل الله العلم، ورحمته محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ [ الأنبياء: 107] .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم رضي الله عنه ﴿ قل بفضل الله ﴾ قال: الإِسلام ﴿ وبرحمته ﴾ قال: القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جريرعن مجاهد رضي الله عنه ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال: القرآن.

وأخرج ابن جرير والبيهقي عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: فضل الله القرآن، ورحمته الإِسلام.

وأخرج ابن جرير والبيهقي عن هلال بن يسار رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال: بالإِسلام الذي هداكم وبالقرآن الذي علمكم.

وأخرج ابن جرير والبيهقي عن هلال بن يسار رضي الله عنه ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال: فضل الله الإِسلام، ورحمته القرآن.

وأخرج ابن جرير عن الحسن وقتادة.

مثله.

وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ قل بفضل الله ﴾ قال: النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ وبرحمته ﴾ قال: علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وأخرج أبو القاسم بن بشران في أماليه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هداه الله للإِسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ﴾ من عرض الدنيا من الأموال» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب رضي الله عنه في الآية قال: إذا عملت خيراً حمدت الله عليه فأفرح فهو خير مما يجمعون من الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما خير ﴿ مما يجمعون ﴾ قال: من الأموال والحرث والأنعام.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أيفع الكلاعي رضي الله عنه قال: لما قدم خراج العراق إلى عمر رضي الله عنه، خرج عمر رضي الله عنه ومولى له، فجعل يعد الإِبل فإذا هو أكثر من ذلك، فجعل عمر رضي الله عنه يقول: الحمد لله.

وجعل مولاه يقول: هذا- والله- من فضل الله ورحمته.

فقال عمر رضي الله عنه: كذبت ليس هذا الذي يقول ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ الآية، قال أبو علي: الجار في قوله: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾ متعلق بمضمر استغني عن ذكره لدلالة ما تقدم من قوله: ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ ﴾ عليه، كما أن قوله: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ  ﴾ يتعلق الظرف فيه بمضمر يدل عليه ما تقدم ذكره من الفعل، وكذلك قوله: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ (١) ﴿ أَثُمَّ إِذاَ مَا وَقَعَءَامَنُم  ﴾ ، ونحو هذا قال ابن الأنباري، فقال (٢) (٣) ومعنى الإضافة في قوله: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾ ، قال بعض أهل المعاني: الفضل هاهنا موضع الإفضال، كما أن النبات في موضع الإنبات في قوله: ﴿ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا  ﴾ ، والمعنى بإفضال الله (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ أعاد الجار على الأصل كقوله (٥) يا دار عفراء ودار البَخْدَنِ وكقولهم: مررت بأخيك وبأبيك، وهذا مما سبق بيانه قديمًا، ومعنى الآية على ما ذكرنا: جاءتكم هذه الموعظة وهذا الشفاء -ويعني به القرآن- بإفضال الله عليكم، وإرادته الخير بكم، ثم قال: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ أشار بذلك إلى القرآن؛ لأن المراد بالموعظة والشفاء القرآن، فترك اللفظ وأشار إلى المعنى.

وقال ابن الأنباري: (ذلك) إشارة إلى معنى الفضل والرحمة، تلخيصه: بذلك التطول (٦) (٧) قال أبو علي: الجار في قوله ﴿ فَبِذَلِكَ ﴾ متعلق بـ (ليفرحوا)؛ لأن هذا الفعل يصل به، يقال: فرحت بكذا، والفاء في قوله: ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ زيادة (٨) (٩) وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي والفاء في (فاجزعي) زيادة، كما كانت التي في قوله: ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ كذلك (١٠) (١١) ومذهب المفسرين غير هذا، فإن ابن عباس (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله: القرآن، ورحمته أن جعلهم من أهله (١٧) ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾ تتعلق بمحذوف يفسره ما بعده، كأنه قيل: قل (١٨) [وقوله تعالى: ﴿ فبَذَلِك ﴾ ، قال الزجاج: هو بدل من قوله: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ ] (١٩) وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ يقتضي جوابًا فلم يجىء حين قال مبتدئًا: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ ، وأكثر ما يجيء أن يكون المبتدأ مجملاً، ثم تجيء الترجمة والبيان بعد، وهاهنا جاءت الترجمة قبل، وجاء الإجمال بعد البيان؛ لأن قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ معروف ما هما، فلو قال نسقًا عليه ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ لكان تامًّا مفهومًا، فلما قال: (فبذلك) أجمل به ما تقدم من الترجمة؛ لأن قوله (ذلك) يحمل ما قبله قلّ أم كثر، ذكرًا كان أم أنثى، واحداً كان أم اثنين، كما قال تعالى: ﴿ لَا فَارِضٌ ﴾ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] أي بين البكر والفارض (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ هو أمر للمؤمنين بالفرح.

ومعنى الفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى، يقول: ليفرح المؤمنون بفضل الله ورحمته، فإن ما آتاهم الله من الموعظة وشفاء ما في الصدور، وثلج اليقين بالإيمان، وسكون النفس إليه، خير مما يجمع غيرهم من أعراض الدنيا مع فقد هذه الخلال.

فإن قيل: كيف جاء الأمر للمؤمنين (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ  ﴾ ؟

قيل: إن عامة ما جاء مقترنًا بالذم من هذه اللفظة إذا جاءت مطلقة، فإذا قيد (٢٤) ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ  ﴾ ، وقد قيد في هذه الآية بقوله تعالى: (بذلك).

وقوله: ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ بالياء، قال الفراء: وقد ذُكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء (٢٥)  ، هو خير مما يجمع الكفار، قال: وقوى هذه القراءة قراءةُ أُبيّ (فبذلك فافرحوا) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ ادَّارَكُوا  ﴾ ، و ﴿ اثَّاقَلْتُمْ  ﴾ ، وكان الكسائي يعيب قولهم: فلتفرحوا؛ لأنه وجده قليلاً فوجده (٣٠)  أنه قال في بعض المشاهد: "لتأخذوا مصافكم" (٣١) (٣٢) قال أبو علي: اللام إنما تدخل عل فعل الغائب؛ لأن المواجهة (٣٣) ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ  ﴾ ، وقرئ (تجمعون) بالتاء (٣٤) (٣٥) (١) اهـ.

كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 280.

(٢) هكذا في جميع النسخ.

(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 41.

(٤) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وقد ذكره مختصرًا في "تفسيره" 2/ 298.

(٥) البيت لرؤبة في "ديوانه" ص 161، وبعده: بك المها من مطفل ومشدن وكتاب سيبويه 2/ 188، و"المحكم" 5/ 343، و"اللسان" (بخدن) و"الجمهرة" (1116).

(٦) في (ج): (التطويل)، وهو خطأ، والتطول: التفضل.

انظر: "القاموس المحيط" (طول) ص 1026.

(٧) "زاد المسير" 4/ 41.

(٨) زيادة المبني تدل على زيادة المعنى، وليس في القرآن زيادة لا فائدة لها، ولعل أبا علي وسائر النحويين يقصدون بالزيادة عدم تأثير حذف ما قيل بزيادته من الناحية الإعرابية، وقال الزركشي: ومعنى كونه زائدًا أن أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد، فبوجوده حصل فائدة التأكيد، والواضع الحكيم لا يضع الشيء إلا لفائدة.

"البرهان في علوم القرآن" 1/ 74.

(٩) هو النمر بن تولب، وصدر البيت: لا تجزعي إن منفسًا أهلكته انظر: "ديوانه" ص 72، "خزانة الأدب" 1/ 314، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 160، "كتاب سيبويه" 1/ 134، والمنفس: الشيء النفيس.

والشاعر يخاطب امرأته لما لامته على إنفاق ماله على ضيوفه.

انظر: "الخزانة"، شرح الأبيات نفس الموضعين السابقين.

(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 281 بتصرف.

(١١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 65، "البحر المحيط" 5/ 171 - 172، "الدر المصون" 6/ 224.

(١٢) رواه عنه ابن جرير 11/ 125، وابن أبي حاتم 6/ 1959، وهو صحيح من رواية ابن أبي طلحة.

(١٣) رواه عبد الرازق في "تفسيره" 2/ 2/ 296، وابن جرير 11/ 125، وذكره ابن أبي حاتم 6/ 1959 بغير سند.

(١٤) رواه ابن جرير 11/ 125، والثعلبي 7/ 17 أ، والبغوي 4/ 138.

(١٥) المصادر السابقة، نفس المواضع.

(١٦) منهم هلال بن يساف وزيد بن أسلم وابنه وأبو العالية وسالم بن أبي الجعد والضحاك والربيع بن أنس، كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1959.

(١٧) رواه ابن جرير 11/ 124، وابن أبي حاتم 6/ 1958، وذكره بغير سند السمرقندي 2/ 102، والثعلبي 7/ 17 أ، والبغوي 4/ 138، وابن الجوزي 4/ 40.

(١٨) ساقط من (ى).

(١٩) ما بين المعقوفين (ى)، وانظر قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 25.

(٢٠) الفارض: المسنة الهرمة.

انظر: "تفسير ابن جرير" 1/ 341، 342، 243، "القاموس المحيط" فصل: الفاء، باب: الضاد 650.

(٢١) في (م): (المؤمن).

(٢٢) ساقط من (م).

(٢٣) ساقط من (ح) و (ز).

(٢٤) في (ى): (قيل)، وهو خطأ.

(٢٥) وهي قراءة رويس عن يعقوب -من العشرة- والحسن البصري وغيرهما.

انظر: "الغاية في القراءات العشرة" ص 171، "النشر" 2/ 285، "إتحاف فضلاء البشر" ص 252، "المحتسب"1/ 313، وذِكْرها في السواد وهْمٌ من ابن جني.

(٢٦) ذكرها عنه أبو جعفر النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 65، وأبو علي الفارسي في "الحجة" 4/ 282، وابن جني في "المحتسب" 1/ 313، وهي قراءة شاذة مخالفة لرسم المصحف.

(٢٧) في (ى): (حدثت)، وهو خطأ.

(٢٨) يعني الحاضر الذي يوجّه له الخطاب.

(٢٩) هكذا في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن": (قال)؛ لأن القول المذكور من القرآن، ولعل الواحدي لم يرد ذلك.

(٣٠) هكذا في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن" فجعله، وهو أصوب.

(٣١) لم أجده مسندًا، وقال الزيلعي في "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" 2/ 127: غريب، ولم يذكر له مخرجًا، وقد ذكره بغير سند الفراء في "المعاني" 1/ 470، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 242، والقرطبي 8/ 354، وأبو حيان في "البحر" 5/ 172، وروى معناه في الصلاة الترمذي (3235) في التفسير سورة ص، وأحمد 5/ 243، ولفظهما: على مصافكم كما أنتم، ولا شاهد فيه بهذا اللفظ، ويشهد لهذا الحديث من الناحية اللغوية قول الرسول  : "لتأخذوا مناسككم" رواه مسلم (1297) في الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، قال المحقق: هذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا مناسككم.

(٣٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 470، وقد أشار المؤلف إلى انه أدخل فيه كلام ابن الأنباري.

(٣٣) هكذا في جميع النسخ، وهو كذلك في إحدى نسخ "الحجة"، كما بين ذلك المحقق، لكنه اعتمد لفظ: المواجه، وهو أجدر بالسياق.

(٣٤) هي قراءة ابن عامر وأبي جعفر ورويس عن يعقوب.

انظر: "الغاية" ص 171، "النشر" 2/ 285، "إتحاف فضلاء البشر" ص 252.

(٣٥) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 282 بتصرف.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ يعني القرآن ﴿ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور ﴾ أي يشفي ما فيها من الجهل والشك ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فبذلك فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ يتعلق بفضل بقوله: فليفرحوا، وكرر الباء في قوله فبذلك تأكيداً، والمعنى: الأمر أن يفرحوا بفضل الله وبرحمته لا بغيرهما، والفضل والرحمة عموم، وقد قيل: الفضل الإسلام، والرحمة القرآن ﴿ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ أي فضل الله ورحمته خير مما يجمعون من حطام الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كلمات ربك ﴾ وكذلك في آخر السورة على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لا يهدي ﴾ مثل ﴿ يرمي ﴾ : حمزة وعلي وخلف ﴿ يهدي ﴾ بسكون الهاء وتشديد الدال: أبو جعفر ونافع غير ورش وعباس وأبو عمرو غير عباس بإشمام الفتحة قليلاً ﴿ يهدي ﴾ بكسر الهاء وتشديد الدال: عاصم غير يحيى وجبلة ورويس ﴿ يهدي ﴾ بكسرتين والتشديد: يحيى ﴿ يهدي ﴾ بفتحتين والتشديد: ابن كثير وابن عامر وورش وسهل ويعقوب غير رويس.

الوقوف: ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ تتقون ﴾ ه ج ط ﴿ ربكم الحق ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء ﴿ إلا الضلال ﴾ ج ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ ثم يعيده ﴾ الأول ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ إلى الحق ﴾ ط ﴿ للحق ﴾ ط ﴿ أن يهدي ﴾ ج ط لما مر ﴿ فما لكم ﴾ ص لحق الاستفهام الثاني ﴿ تحكمون ﴾ ه ط ﴿ إلا ظناً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ افتراء ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تأويله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمن به ﴾ ط ﴿ بالمفسدين ﴾ ه ﴿ عملكم ﴾ ج لأن ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ والعامل واحد ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فضائح عبدة الأوثان أكدها بالحجج اللامعة والبراهين القاطعة من أحوال الرزق والموت والحياة والإبداء والإعادة والإرشاد والهداية، وقد بنى الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس.

فالحجة الأولى قوله: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ﴾ بإنزال الأمطار النافعة الموجبة لتولد الأغذية النباتية والحيوانية في الأرض بعد رعاية شرائط تربيتها وإنمائها وحفظها من العاهات.

﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ خص الحاستين بالذكر لما في خلقهما وتسويتهما من الفطرة العجيبة، وكان  يقول: "سبحان من بَصَّرَ بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم" ولما في تحصينهما في الآفات في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء مزيد قدرة ورأفة.

﴿ ومن يخرج الحي من الميت ﴾ الحيوان الماشي والطائر من النطفة والبيضة وقد مر سائر الأقوال في سورة الأنعام.

﴿ ومن يدبر الأمر ﴾ عمم بعدما خصص لأن أقسام تدبيره  في العالم العلوي والعالم السفلي وعالمي الغيب والشهادة أمور لا نهاية لها.

وذكر كلها كالمتعذر.

﴿ فسيقولون الله ﴾ وفيه دليل على أنهم كانوا يعبدون الأصنام بناء على أنها شفعاؤهم وأنها تقربهم إلى الله زلفى، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا الاعتقاد فلهذا ختم الآية بقوله ﴿ فقل أفلا تتقون ﴾ الله الذي اعترفتم بأنه سبب فيضان جميع الخيرات فكيف أشركتم بعبادته الجمادات التي لا تقدر على نفع أو ضر.

﴿ فذلكم ﴾ الموصوف بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة ﴿ الله ربكم الحق ﴾ الثابت ربوبيته بالوجدان والبرهان.

﴿ فماذا بعد الحق ﴾ "ذا" مزيدة و "ما" نافية أو استفهامية أو مجموع "ماذا" كلمة واحدة معناها أي شيء بعد الحق ﴿ إلا الضلال ﴾ والمراد أنه لما ثبت وجود الواجب الحق كان ما سواه ممكناً لذاته باطلاً دعوى الإلهية فيه، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وفي صفاته وفي جميع اعتباراته وإلا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه فلا يكون واجباً هف محال ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر وتقعون في الضلال، إذ لا واسطة بين الأمرين، فمن يخطىء أحدهما وقع في الآخر.

﴿ كذلك ﴾ أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ .

وتفسير الكلمة ﴿ أنهم لا يؤمنون ﴾ على أنه بدل أي حق عليهم انتفاء الإيمان وقد علم الله منهم ذلك في الأزل، وأراد بالكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل على حذف اللام.

احتجت المعتزلة بمثل قوله تعالى: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أن الصارف لو كان هو الله  لم يصح منه هذا التعجيب والإنكار.

وقالت الأشاعرة: قد تعلق علمه  بأنهم لا يؤمنون كما قال: ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ وتعلق خبره بأنهم لا يؤمنون وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وقدرته عجزاً وإرادته عبثاً وإشهاده باطلاً.

الحجة الثانية ﴿ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وإنما قال: ﴿ ثم يعيده ﴾ مع أن الخصم لا يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلال الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك.

وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في الجواب بقوله ﴿ قل الله ﴾ الآية.

تنبيهاً على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه الى إقرار الخصم المكابر، فكأنه قيل: تكلم عنهم إذ لا يدعهم لحاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق.

وقوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ كقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ وقد مر في "المائدة".

الحجة الثالثة ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي ﴾ الآية.

الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أوّلاً ثم بالهداية عادة مطردة في القرآن، فحكى عن الخليل  ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وعن موسى ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ وأمر محمداً  ﴿ سبح اسم ربك الأعلى  الذي خلق فسوى  والذي قدر فهدى  ﴾ والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق  من الطرق المنحرفة كثيرة والظنون والأغاليط غير محصورة، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه وهدايته، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلاً عن الأصنام التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة الثالثة.

وقال الزجاج: يقال: هديت للحق وإلى الحق بمعنى، فجمع بين العبارتين.

ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله: ﴿ أمن لا يهدي ﴾ وسائر القراآت أصلها "يهتدي" فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها.

قيل: هذه الشركاء جمادات فكيف قال في حقها ﴿ إلا أن يهدى ﴾ وأجيب بوجوه منها: أن المراد في الآية رؤساؤهم وأشرافهم كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً  ﴾ والمراد أن الله  هو الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من الدلائل العقلية، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله.

ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم الله  بصفة من يعقل كقوله: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم  ﴾ ومنها أن ذلك بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي غيرها إلا أن تهدى.

ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة والعقل فيصح من الله  أن يجعلها حية عاقلة، ثم إنها تشتغل بهداية الغير، ومنها أن المراد من الهدي النقل والحركة يقال: هديت المرأة زوجها أي نقلت إليه، فالمعنى لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه.

ثم عجب من مذهبهم الفاسد باستفهامين متواليين فقال: ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ .

ثم بين ما بنوا عليه أمر دينهم فقال: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ﴾ أي في إقرارهم بالله لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم أو في قولهم للأصنام أنها آلهة أو شفعاء، وعلى هذا فالمراد بالأكثر الجميع.

﴿ إن الظن ﴾ في معرفة الله وفيما يجب تحقيقه ﴿ لا يغني من الحق ﴾ وهو العلم والتحقيق ﴿ شيئاً ﴾ من الغناء.

والمعنى أن الظن لا يقوم مقام العلم في شيء من الأحوال.

ثم أوعدهم على اتباعهم الظن وتقليد الآباء بقوله: ﴿ إن الله عليم بما يفعلون ﴾ .

وتمسك نفاة القياس بالآية ظاهر من قبل أن القياس لا يفيد إلا الظن.

وأجيب بأن التمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن وهذه الآية من العمومات فلم يجب اتباعها بزعمكم، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً.

ولما فرغ من دلائل التوحيد شرع في إثبات النبوة فقال: ﴿ ما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ أي افتراء من دون الله أو كلمة "أن" بمعنى اللام أي ما ينبغي له وما استقام أن يكون مفترى.

والحاصل أن وصفه ليس وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأنه معجز لا يقدر البشر على إتيان مثله وإنما القادر عليه هو الله  .

﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب المنزلة لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها، ونفس هذا التصديق أيضاً معجز لأن أقاصيصه موافقه لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ، ولأن بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة فيقع مطابقاً فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية والمستقبلة.

أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: ﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله: ﴿ كتاب الله عليكم  ﴾ قال في الكشاف قوله: ﴿ لا ريب فيه من رب العالمين ﴾ داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين، وجوز أن يكون ﴿ من رب العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل و ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم.

والمعنى ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب فيه.

ثم أعاد بيان إعجازه مرة أخرى فقال مستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ أم يقولون افتراه قل ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فأتوا ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بسورة مثله ﴾ في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ﴿ وادعوا من استطعتم من دون الله ﴾ أي لا تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أنه افتراه.

قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فلعل المراد بالسورة المتحدّي بها هذه السورة.

والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة.

قالت المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحدّ العرب به لكنهم تحدّوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديماً والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي.

وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة، والتحدي إنما وقع بهذه لا بتلك ﴿ بل كذبوا ﴾ سارعوا إلى التكذيب ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ وهو القرآن ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ ومعنى التوقع فيه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء، وكذبوا به بعد التدبر وتكرير التحدي عليهم واستيقان عجزهم عن هذا بغياً وحسداً وعناداً.

وذلك إنما حملهم على التكذيب أوّلا وآخراً وجوه منها: أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأوّلين، وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة الله  على التصرف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس، ليعرف المكلف أن الدنيا ليست مما يبقى، فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون أن لا يكون كقوله: عز من قائل ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب  ﴾ .

ومنها أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأخر متشابهات  ﴾ الآية.

ومنها أنهمرأوا القرآن يظهر شيئاً فشيئاً فاتهموا النبي وقالوا: ﴿ لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة  ﴾ ومنها أنهم وجدوا القرآن مملوءاً من حديث الحشر والنشر، وكانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا ذلك.

وأنهم وجدوا فيه تكاليف كثيرة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وكانوا يقولون.

إن إله العالم غني عنا وعن طاعاتنا ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ يعني قبل النظر في معجزات أنبيائهم.

قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن من كان غير عارف بوجوه التأويل قد يقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد تتعارض فيفتقر هنالك إلى تطبيق التنزيل على التأويل.

وقيل: معنى الآية أن القرآن كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الأخبار بالغيوب ومن جملتها أحوال الآخرة.

فقوله: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ إشارة إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقوله: ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ إشارة إلى تكذيبهم قبل أن يمتحنوا غيوبه هل تطابق الواقع أم لا.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وأعرضوا عن الآخرة فلم تبق عليهم الدنيا وفاتتهم الآخرة فبقوا في خسران الدارين.

وقيل: المقصود عذاب الاستئصال الذي نزل بالمكذبين قبلهم.

ثم قسم طوائف الأمم المكذبين فقال: ﴿ ومنهم من يؤمن به ﴾ أي بالقرآن أو بالرسول أي يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ﴿ ومنهم ﴾ من يشك فيه لا يصدق به لا ظاهراً ولا باطناً، ويمكن أن يقال: المراد به قسمتهم في الاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من يبقى على الكفر فتكون الآية كالعذر في تبقيتهم وعدم استئصالهم ﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ فيجازيهم على حسب مراتبهم في التكذيب ويعلم طوياتهم هل يتوبون أو يصرفون.

ثم بين اختصاص كل مكلف بأفعاله وبنتائج أعماله من الثواب والعقاب فقال: ﴿ وإن كذبوك فقل لي عملي ﴾ أي جزاء عملي على الطاعة والإيمان وتبليغ الرسالة ﴿ ولكم عملكم ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي منسوخة بآية القتال.

والتحقيق أن آية القتال لا تدفع شيئاً من مدلولات هذه فلا نسخ والله أعلم.

التأويل: ﴿ قل من يرزقكم ﴾ أي من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس ويخرج من أرض النفس نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فيض الروح ويخرج من أرض النفس نبات الصفات البشرية والحيوانية.

أو ينزل من سماء الروح مطر فيض الروح ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة مطر تجلي الصفات والفيض الرباني ويخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات ويخرج من أرض الوجود نبات الفناء في الله وثمرات البقاء بالله ﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ فيكون سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر.

﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ النفس من القالب والقلب من الروح والروح من القلب وبالعكوس ﴿ ومن يدبر ﴾ أمر الإنسان بالتربية من التراب إلى أن يصل إلى رب الأرباب.

فسيقولون هذه الأحوال كلها من الله فقل لمن بلغ نظره إلى هذه المراتب العلية وإنها عتبة باب التوحيد والمعرفة ﴿ أفلا تتقون ﴾ بالله من غيره لتدخلوا بيت الوحدة ﴿ كذلك حقت كلمة ربك ﴾ هكذا جرى القلم في الأزل على الذين خرجوا عن قبول فيض النور حين رش على الخلق من نوره.

﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ وتفصيل الجملة التي هي مكتوبة عنده في أم الكتاب وهو علمه القائم بذاته.

﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ الذين أفسدوا استعدادهم الفطري والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ يقول - والله أعلم -: أي منفعة لكم إن أتاكم عذابه؟!

لا منفعة لكم في ذلك بل فيه ضرر لكم، فاستعجال ما لا منفعة فيه سفه وجهل، يسفههم في سؤالهم العذاب، ويخبر في قوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ أن عذاب الله إذا نزل وجاء وقته لا يملك أحد تقديمه ولا تأخيره، ولا يملك أحد استقدامه ولا استئخاره بالقدر والمنزلة، كما يحتمل ذلك في الدنيا التقديم والتأخير بالشفاعة والفداء ويذكر عجزه في إنزال العذاب عليهم في قوله: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ ﴾ : قيل: أي العذاب إذا نزل بكم أمنتم به الآن؟!

يخبر عنه أنهم إذا نزل بهم العذاب يؤمنون.

ثم يحتمل قوله: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ أي: بالله وبرسوله؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ  ﴾ ، ثم أخبر أن إيمانهم لا ينفعهم عند معاينتهم العذاب؛ وهو كقوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ ﴾ أي: بالعذاب؛ لأنهم يكذبون رسول الله  فيما يوعدهم العذاب، وهم يستعجلون به استهزاء وتكذيبا، فإذا نزل بهم آمنوا أي صدقوا بذلك العذاب، يقول: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ استهزاء وتكذيبا أنه غير نازل [بكم ذلك]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ قيل: أشركوا في ألوهيته وربوبيته وعبادته غيره.

﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ ﴾ لأنهم يخلدون فيه، يقال ذلك بعدما أدخلوا النار.

﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ أي: لا تجزون إلا بما كنتم كسبتم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أي: يستخبرونك.

﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ يحتمل هذا وجوهاً.

يحتمل قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ العذاب الذي كان يوعدهم أنه ينزل بهم، على ما قاله عامة أهل التأويل.

ثم قال: ﴿ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ أي: قل: نعم وربي إنه لحق إنه نازل بكم.

﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: بفائتين عنه ولا سابقين له.

ويحتمل قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ ما يدعوهم إليه من التوحيد؛ كقولهم لإبراهيم: ﴿ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ...

﴾ الآية [الأنبياء: 55-56]؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ ثم، أخبر أنه لحق بقوله: ﴿ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: غائبين فائتين عنه.

ويحتمل الآيات أو محمد أو القرآن أحق هو؟

قل: إي وربي، قل: نعم إنه لحق؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ  ﴾ أخبر أن ما يأمرهم به ويدعوهم إليه ليس هو هزوا ولا لعباً، ولكنه حق أمر من الله  ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ : هذا الحرف يحتمل أن يكون من الشاكين [منهم] في ذلك طلبوا منه أنه حق ذلك أو لا، ومن المعاندين استعجال العذاب الذي كان يوعدهم رسول الله  استهزاء به وتكذيباً له، ومن المتبعين له والمطيعين التصديق له والإيمان به؛ كقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا  ﴾ كانوا فرقاً ثلاثة: فرقة قد آمنوا به، وفرقة قد شكوا فيه، وفرقة قد كذبوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ ﴾ : يخبر عنهم أنهم يفدون ويبذلون جميع ما في الأرض لو قدروا عليه عند نزول العذاب بهم لشدة العذاب، وإن كان الذي منعهم عن الإيمان هو حبهم الدنيا وبخلهم عليها وما فيها بقوله: ﴿ وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ﴾ : الندامة لا تكون إلا سرا بالقلب، فكأنه قال: حققوا الندامة في قلوبهم على ما كان منهم من التكذيب بالآيات والعناد في ردها.

وقال بعضهم: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ أي: أظهروا الندامة وهو مما يستعمل في الإظهار والإخفاء؛ كقوله: شعب: جمع، وشعب: فرق ونحوه، وبعد فإنه إذا أسر في نفسه لابد من أن يضع ذلك في آخر ويخبره بذلك، فذلك منه إظهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما توجبه الحكمة؛ لأن الحكمة توجب تعذيب كل كافر نعمة، وكل قائل في الله ما لا يليق به، أو أن يكون تفسير قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما ذكر، وهم لا يظلمون.

ويحتمل قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما ذكر: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ...

﴾ الآية [الإسراء: 14]، والقسط: هو العدل، وهم يومئذ عرفوا أنه كان يقضي بالعدل في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للناس: ما جاءكم به محمد  من القرآن هو فضل من الله عليكم، ورحمة منه بكم، فبفضل الله عليكم ورحمته بكم بإنزال هذا القرآن فافرحوا لا بسواهما، فما جاءهم به محمد  من ربه خير مما يجمعونه من حطام الدنيا الزائل.

<div class="verse-tafsir" id="91.Gd8gP"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل