تفسير الآية ٦٦ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٦٦ من سورة يونس

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ٦٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٦٦ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٦٦ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض ، وأن المشركين يعبدون الأصنام ، وهي لا تملك شيئا ، لا ضرا ولا نفعا ، ولا دليل لهم على عبادتها ، بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم وتخرصهم وكذبهم وإفكهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ (66) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ألا إن لله يا محمد كلَّ من في السموات ومن في الأرض ، ملكًا وعبيدًا ، لا مالك لشيء من ذلك سواه.

يقول: فكيف يكون إلهًا معبودًا من يعبُده هؤلاء المشركون من الأوثان والأصنام، وهي لله ملك، وإنما العبادة للمالك دون المملوك، وللرب دون المربوب؟

، (وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء)، يقول جل ثناؤه: وأيُّ شيء يتبع من يدعو من دون الله ، يعني: غير الله وسواه ، شركاء.

ومعنى الكلام: أيُّ شيءٍ يتبع من يقول لله شركاء في سلطانه وملكه كاذبًا، والله المنفرد بملك كل شيء في سماء كان أو أرض؟

، (إن يتبعون إلا الظن) ، يقول: ما يتبعون في قيلهم ذلك ودعواهم إلا الظن، يقول: إلا الشك لا اليقين (54) ، (وإن هم إلا يخرصون) ، يقول: وإن هم إلا يتقوّلون الباطل تظنِّيًا وتَخَرُّصا للإفك ، (55) عن غير علمٍ منهم بما يقولون.

-------------------------- الهوامش : (54) انظر تفسير " الظن " فيما سلف من فهارس اللغة ( ظنن ) .

(55) في المطبوعة : " تظننا " وأثبت ما في المخطوطة معجما ، على قلة إعجام الحروف فيها .

" والتظني " ، هو " التظنن " ، وإنما قلبت نونه الآخرة ياء لتوالي النونات وثقل تواليها ، وهو كثير فاش في كلام العرب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصونقوله تعالى ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض أي يحكم فيهم بما يريد ويفعل فيهم ما يشاء سبحانه !

.وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ما للنفي ، أي لا يتبعون شركاء على الحقيقة ، بل يظنون أنها تشفع أو تنفع .

وقيل : ( ما ) استفهام ، أي : أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ؟

تقبيحا لفعلهم .ثم أجاب فقال : إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون أي يحدسون ويكذبون ، وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى‏:‏ أن له ما في السماوات والأرض، خلقًا وملكًا وعبيدًا، يتصرف فيهم بما شاء من أحكامه، فالجميع مماليك لله، مسخرون، مدبرون، لا يستحقون شيئًا من العبادة، وليسوا شركاء لله بوجه الوجوه، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ‏}‏ الذي لا يغني من الحق شيئًا ‏{‏وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ‏}‏ في ذلك، خرص كذب وإفك وبهتان‏.‏ فإن كانوا صادقين في أنها شركاء لله، فليظهروا من أوصافها ما تستحق به مثقال ذرة من العبادة، فلن يستطيعوا، فهل منهم أحد يخلق شيئًا أو يرزق، أو يملك شيئًا من المخلوقات، أو يدبر الليل والنهار، الذي جعله الله قياما للناس‏؟‏‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ) هو استفهام معناه : وأي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء؟

وقيل : وما يتبعون حقيقة ، لأنهم يعبدونها على ظن أنهم شركاء فيشفعون لنا ، وليس على ما يظنون .

( إن يتبعون إلا الظن ) يظنون أنها تقربهم إلى الله تعالى ، ( وإن هم إلا يخرصون ) يكذبون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض» عبيدا وملكا وخلقا «وما يتبع الذين يدعون» يعبدون «من دون الله» أي غيره أصناما «شركاء» له على الحقيقة تعالى عن ذلك «إن» ما «يتبعون» في ذلك «إلا الظن» أي ظنهم أنها آلهة تشفع لهم «وإن» ما «هم إلا يخرصون» يكذبون في ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألا إن لله كل مَن في السموات ومن في الأرض من الملائكة، والإنس، والجن وغير ذلك.

وأي شيء يتَّبع مَن يدعو غير الله من الشركاء؟

ما يتَّبعون إلا الشك، وإن هم إلا يكذبون فيما ينسبونه إلى الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال - تعالى - ( ألا إِنَّ للَّهِ مَن فى السماوات وَمَنْ فى الأرض ) أى : ألا إن لله وحده ملك جميع من فى السموات ومن فى الأرض من إنس وجن وملائكة .وجاء التعبير القرآني هنا بلفظ ( من ) الشائع فى العقلاء ، للإِيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بغيرهم ، لأنهم إذا كانوا مع شرفهم وعلو منزلتهم مملوكين لله - تعالى - كان غيرهم ممن لا يعقل أولى بذلك .قال صاحب الكشاف قوله : ( ألا إِنَّ للَّهِ مَن فى السماوات وَمَنْ فى الأرض ) يعني العقلاء المميزين وهم الملائكة والثقلان ، وإنما خصهم بالذكر ليؤذن أن هؤلاء إذا كانوا له وفى ملكه ، فهم عبيد كلهم ، وهو - سبحانه - ربهم ، ولا يصلح أحد منهم للربوبية ، ولا أن يكون شريكاً له فيها ، فما وراءهم مما لا يعقل أحق أن لا يكون له ندا وشريكاً ، وليدل على أن من اتخذ غيره ربا من ملك أو إنس ، فضلاً عن صنم أو غير ذلك ، فهو مبطل تابع لما أدى إليه التقليد وترك النظر .وقوله : ( وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَآءَ ) .أى : وما يتبع هؤلاء المشركون فى عبادتهم لغير الله شركاء فى الحقيقة ، وإنما يتبعون أشياء أخرى سموها من عند أنفسهم شركاء جهلا منهم ، لأن الله - تعالى - تنزه وتقدس عن أن يكون له شريك أو شركاء فى ملكه أو فى عبادته .وعلى هذا التفسير تكون ( ما ) فى قوله ( وَمَا يَتَّبِعُ ) نافية ، وقوله ( شُرَكَآءَ ) مفعول يتبع ، ومفعول يدعون محذوف لدلالة ما قبله عليه ، أى : وما يتبع الين يدعون من دون الله آلهة شركاء .ويجوز أن تكون ( ما ) استفهامية منصوبة بقوله ( يتبع ) ، ويكون قوله ( شُرَكَآءَ ) منصوب بقوله ( يَدْعُونَ ) وعليه يكون المعنى .أي شيء يتبع هؤلاء المشركون فى عبادتهم؟

إنهم يعبدون شركاء سموهم بهذا الاسم من عند أنفسهم ، أما هم فى الحقيقة فلا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا .وقوله : ( إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ) أى : ما يتبعون فى عبادتهم لغير الله إلا الظن الذى لا يغني عن الحق شيئاً ، وإلا الخرص المبني على الوهم الكاذب ، والتقدير الباطل .وأصل الخرص : الحزر والتقدير للشيء على سبيل الظن لا على سبيل الحقيقة .قال الراغب : وحقيقة ذلك أن كل قول مقول عن ظن وتخمين يقال له خرص ، سواء أكان مطابقاً للشيء أو مخالفاً له ، من حيث إن صاحبه لم يقله عن علم ولا غلبة ظن ولا سماع ، بل اعتمد فيه على الظن والتخمين كفعل الخارص فى خرصه - أى : كفعل من يخرص الثمرعلى الشجر - وكل من قال قولاً على هذا النحو قد يسمى كاذباً وإن كان قوله مطابقاً للمقول المخبر عنه .وقيل : الخرص : الكذب كما فى قوله - تعالى - ( وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ) أي يكذبون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها الله تعالى عنهم فيما تقدم من هذه السورة وأجاب الله عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها، عدلوا إلى طريق آخر، وهو أنهم هددوه وخوفوه وزعموا أنا أصحاب التبع والمال، فنسعى في قهرك وفي إبطال أمرك، والله سبحانه أجاب عن هذا الطريق بقوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده، لو جوز كونه مؤثراً في حاله، فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر، خرج من أن يكون سبباً لحزنه.

ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول حزن الآخرة بسبب قوله: ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ فكذلك أزال حزن الدنيا بقوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ فإذا كان الله تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم إلى هذا الدين كان لا محالة ناصراً له ومعيناً، ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له، فقد حصل الأمن وزال الخوف.

فإن قيل: فكيف آمنه من ذلك ولم يزل خائفاً حتى احتاج إلى الهجرة والهرب، ثم من بعد ذلك يخاف حالاً بعد حال؟

قلنا: إن الله تعالى وعده الظفر والنصرة مطلقاً والوقت ما كان معيناً، فهو في كل وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقت المعين ذلك الوقت، فحينئذ يحصل الانكسار والانهزام في هذا الوقت.

وأما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: قال القاضي: إن العزة بالألف المكسورة وفي فتحها فساد يقارب الكفر لأنه يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون: ﴿ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحزنه ذلك.

أما إذا كسرت الألف كان ذلك استئنافاً، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب.

قال صاحب الكشاف: وقرأ أبو حيوة ﴿ أنَّ العزة ﴾ بالفتح على حذف لام العلة يعني: لأن العزة على صريح التعليل.

البحث الثاني: فائدة ﴿ إِنَّ العزة للَّهِ ﴾ في هذا المقام أمور: الأول: المراد منه أن جميع العزة والقدرة هي لله تعالى يعطي ما يشاء لعباده، والغرض منه أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو بذلك أعز منهم، فآمنه الله تعالى بهذا القول من إضرار الكفار به بالقتل والإيذاء، ومثله قوله تعالى: ﴿ كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى  ﴾ ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ الثاني: قال الأصم: المراد أن المشركين يتعززون بكثرة خدمهم وأموالهم ويخوفونك بها وتلك الأشياء كلها لله تعالى فهو القادر على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء وأن ينصرك وينقل أموالهم وديارهم إليك.

فإن قيل: قوله: ﴿ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ كالمضادة لقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

قلنا: لا مضادة، لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله فهي لله.

أما قوله: ﴿ هُوَ السميع العليم ﴾ أي يسمع ما يقولون ويعلم ما يعزمون عليه وهو يكافئهم بذلك.

وأما قوله: ﴿ أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة ﴿ أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات والأرض  ﴾ وهذا يدل على أن كل ما لا يعقل فهو ملك لله تعالى وملك له، وأما هاهنا فكلمة ﴿ مِنْ ﴾ مختصة بمن يعقل، فتدل على أن كل العقلاء داخلون تحت ملك الله وملكه فيكون مجموع الآيتين دالاً على أن الكل ملكه وملكه.

والثاني: أن المراد ﴿ مَن فِي السموات ﴾ العقلاء المميزون وهم الملائكة والثقلان.

وإنما خصهم بالذكر ليدل على أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه فالجمادات أولى بهذه العبودية فيكون ذلك قدحاً في جعل الأصنام شركاء لله تعالى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن ﴾ وفي كلمة ﴿ مَا ﴾ قولان: الأول: أنه نفي وجحد، والمعنى أنهم ما اتبعوا شريك الله تعالى إنما اتبعوا شيئاً ظنوه شريكاً لله تعالى.

ومثاله أن أحدنا لو ظن أن زيداً في الدار وما كان فيها، فخاطب إنساناً في الدار ظنه زيداً فإنه لا يقال: إنه خاطب زيداً بل يقال خاطب من ظنه زيداً.

الثاني: أن ﴿ مَا ﴾ استفهام، كأنه قيل: أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، والمقصود تقبيح فعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن ﴾ والمعنى أنهم إنما اتبعوا ظنونهم الباطلة وأوهامهم الفاسدة، ثم بين أن هذا الظن لا حكم له ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ وذكرنا معنى الخرص في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض ﴾ يعني العقلاء المميزين وهم الملائكة والثقلان، وإنما خصّهم، ليؤذن أنّ هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكته فهم عبيد كلهم، وهو سبحانه وتعالى: ربهم ولا يصلح أحد منهم للربوبية، ولا أن يكون شريكاً له فيها، ما وراءهم مما لا يعقل أحقّ أن لا يكون له ندّاً وشريكاً، وليدلّ على أن من اتّخذ غيره رباً من ملك أو إنسي فضلاً عن صنم أو غير ذلك، فهو مبطل تابع لما أدّى إليه التقليد وترك النظر.

ومعنى: وما يتبعون شركاء، أي: وما يتبعون حقيقة الشركاء وإن كانوا يسمونها شركاء، لأنّ شركة الله في الربوبية محال ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ﴾ ظنهم أنها شركاء ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ يحزرون ويقدرون أن تكون شركاء تقديراً باطلاً.

ويجوز أن يكون ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ ﴾ في معنى الاستفهام، يعني: وأي شيء يتبعون.

و ﴿ شُرَكَاء ﴾ على هذا نصب بيدعون، وعلى الأوّل بيتبع.

وكان حقه.

وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء، فاقتصر على أحدهما للدلالة.

ويجوز أن تكون (ما) موصولة معطوفة على (من) كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء، أي: وله شركاؤهم.

وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: تدعون، بالتاء، ووجهه أن يحمل ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ ﴾ على الاستفهام، أي: وأي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين، يعني: أنهم يتبعون الله ويطيعونه، فما لكم لا تفعلون مثل فعلهم؟

كقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة ﴾ [الإسراء: 57] ثم صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة فقال: إن يتبع هؤلاء المشركون إلاّ الظن، ولا يتبعون ما يتبع الملائكة والنبييون من الحق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾ إشْراكُهم وتَكْذِيبُهم وتَهْدِيدُهم.

وقَرَأ نافِعٌ ﴿ يَحْزُنْكَ ﴾ مَن أحْزَنَهُ وكِلاهُما بِمَعْنى.

﴿ إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ اسْتِئْنافٌ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِالفَتْحِ كَأنَّهُ قِيلَ لا تَحْزَنْ بِقَوْلِهِمْ ولا تُبالِ بِهِمْ لِأنَّ الغَلَبَةَ لِلَّهِ جَمِيعًا لا يَمْلِكُ غَيْرُهُ شَيْئًا مِنها فَهو يَقْهَرُهم ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ.

﴿ هُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِأقْوالِهِمْ.

﴿ العَلِيمُ ﴾ بِعَزَماتِهِمْ فَيُكافِئُهم عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِى السماوات وَمَنْ فِى الأرض} يعني العقلاء وهم الملائكة والثقلان وخصهم ليؤذن أن هؤلاء إذا كانوا له وفى مملكته ولا يصلح أحد منهم للربوبية ولا أن يكون شريكاً له فيها فما وراءهم مما لا يعقل أحق أن لا يكون له نداً وشريكاً {وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَاء} ما نافية أي وما يتبعون حقيقة الشركاء وإن كانوا يسمونها شركاء لأن شركة الله في الربوبية محال {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن} إلا ظنهم أنهم شركاء الله {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يحزرون ويقدّرون أن تكون شركاء تقديراً باطلاً أو استفهامية أى وأى شيء يتبعون وشركاء على هذا نصب بيدعون وعلى الأول بيتبع وكان حقه وما يتبع الذين يدعون من دون الله

شركاء فاقتصر على أحدهما للدلالة والمحذوف مفعول يدعون أو موصولة معطوفة على من كأنه قيل ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ -بِمَنِ- الشّائِعُ في العُقَلاءِ، والتَّغْلِيبُ غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإيذانُ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِغَيْرِهِمْ فَإنَّهم مَعَ شَرَفِهِمْ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ إذا كانُوا عَبِيدًا للَّهِ مَمْلُوكِينَ لَهُ سُبْحانَهُ فَما عَداهم مِنَ المَوْجُوداتِ أوْلى بِذَلِكَ، والجُمْلَةُ مَعَ ما فِيها مِنَ التَّأْكِيدِ لِما سَبَقَ مِنِ اخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ المُوجِبُ لِسَلْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِمَقالاتِ المُشْرِكِينَ تَمْهِيدٌ لِما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ ﴾ ودَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ ظُنُونِهِمْ وأعْمالِهِمُ المَبْنِيَّةِ عَلَيْها والِاقْتِصارِ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ قُصُورٌ فَلا تَكُنْ مِنَ القاصِرِينَ، و(ما) نافِيَةٌ و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ (يَتَّبِعُ) ومَفْعُولُ (يَدْعُونَ) مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، أيْ ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ شُرَكاءَ في الحَقِيقَةِ وإنْ سَمَّوْها شُرَكاءَ لِجَهْلِهِمْ فالمُرادُ سَلْبُ الصِّفَةِ في الحَقِيقَةِ ونَفْسُ الأمْرِ فَما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ مِن عَدَمِ جَوازِ هَذا الوَجْهِ مِنَ الإعْرابِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ اتِّباعِهِمُ الشُّرَكاءَ مَعَ أنَّهُمُ اتَّبَعُوهم ناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا ذَكَرْنا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (شُرَكاءَ) المَذْكُورَ مَفْعُولُ (يَدْعُونَ) ويَكُونُ مَفْعُولُ (يَتَّبِعُ) مَحْذُوفًا لِانْفِهامِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا وإنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنَّهُمُ الباطِلَ أوْ ظَنَّهم أنَّها شُرَكاءُ بِتَقْدِيرِ مَعْمُولِ الظَّنِّ أوْ تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم مَفْعُولَ (يَتَّبِعُونَ) شُرَكاءَ مَيْلًا إلى إعْمالِ الثّانِي في التَّنازُعِ، وتُعُقِّبُ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ البابِ لِأنَّ مَفْعُولَ الفِعْلِ الأوَّلِ مُقَيَّدٌ دُونَ الثّانِي فَلا يَتَحَدُّ المَعْمُولُ والِاتِّحادُ شَرْطٌ في ذَلِكَ، وكَوْنُ التَّقْيِيدِ عارِضًا بَعْدَ الإعْمالِ بِقَرِينَةِ عامِلِهِ فَلا يُنافِي ما شُرِطَ في البابِ بِالبابِ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِيَتَّبِعُ و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ (يَدْعُونَ) أيْ أيَّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ المُشْرِكُونَ أيْ ما يَتَّبِعُونَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى (مَن) أيْ ولَهُ تَعالى ما يَتَّبِعُهُ المُشْرِكُونَ خَلْقًا ومَلَكًا فَكَيْفَ يَكُونُ شَرِيكًا لَهُ سُبْحانَهُ، وتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِ فِيما سَبَقَ عِبارَةٌ أوْ دِلالَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ بُطْلانٍ الاتْباعِ وفَسادِ ما بَنَوْهُ عَلَيْهِ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي هو الفَسادُ بِمَكانٍ، وجُوِّزَ عَلى احْتِمالِ المَوْصُولِيَّةِ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ باطِلٌ ونَحْوَهُ أوِ الخَبَرُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (أنْ يَتَّبِعُونَ) والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ في عِبادَتِهِ أوِ اتْباعِهِ.

وقَرَأ السِّلْمِيُّ (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ الخَطابِيَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وهي قِراءَةٌ مُتَّجِهَةٌ خِلافًا لِزاعِمِ خِلافِهِ فَإنَّ (ما) فِيها اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلتَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ والعائِدُ عَلى (الَّذِينَ) مَحْذُوفٌ و(شُرَكاءَ) حالٌ مِنهُ، والمُرادُ مِنَ (الَّذِينَ) المَلائِكَةُ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيَّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم حالَ كَوْنِهِمْ شُرَكاءَ في زَعْمِكم مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لِلَّهِ تَعالى مُطِيعِينَ لَهُ وتَوْبِيخًا لَهم عَلى عَدَمِ اقْتِدائِهِمْ بِهِمْ في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ ﴾ وحاصِلُهُ أنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى ولا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ فَما لكم لا تَقْتَدُونَ بِهِمْ ولا تَتْبَعُونَهم في ذَلِكَ ثُمَّ صَرَفَ الكَلامَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقِيلَ: إنْ يَتَّبِعْ هَؤُلاءِ إلّا الظَّنَّ ولا يَتَّبِعُونَ ما يَتْبَعُهُ المَلائِكَةُ والنَّبِيُّونَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الحَقِّ ﴿وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ 66﴾ أيْ يَحْزَرُونَ ويُقَدَّرُونَ أنَّهم شُرَكاءُ تَقْدِيرًا باطِلًا أوْ يَكْذِبُونَ فِيما يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنَّ الخَرْصَ إمّا بِمَعْنى الحِرْزِ والتَّخْمِينِ كَما هو الأصْلُ الشّائِعُ فِيهِ، وإمّا بِمَعْنى الكَذِبِ فَإنَّهُ جاءَ اسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ لِغَلَبَتِهِ في مِثْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ يقول: يا مُحَمَّدُ لا يحزنك تكذيبهم: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً، يعني: بأنّ النِّعمة والقدرة لله تعالى، وجميع مَنْ يتعزَّزُ إنَّما هو بإذن الله تعالى.

هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: يعني: السَّمِيعُ لمقالتهم، الْعَلِيمُ بهم وبعقوبتهم على ترك توحيدهم.

ثم قال: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يعني: من الخلق، كلهم عبيده وإماؤه.

وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ يعني: وما يعبد الذين يعبدون من دون الله الأوثان والأصنام.

ولم يأت بجوابه، وجوابه مضمر، ومعناه: وما هم لي شركاء، ولا نفع لهم في عبادتهم، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يقول: ما يعبدون الأصنام إلاّ بالظن، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يقول: وما هم إلاّ يكذبون.

يقول: ما أمرهم الله تعالى بعبادتها، ولا تكون لهم شفاعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ أَنْتَ، وَلاَ ابن الزُّبَيْرِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، وقد رُوِيَ هذا النظرُ عن ابن عباس في غيرِ مُقَاوَلَةِ الحَجَّاجِ، ذكره البخاريّ «١» .

وقوله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ: أي: قولُ قريش، فهذه الآية تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولفظة القول تعمّ جحودهم واستهزاءهم وخِدَاعهم وغَيْرَ ذلك، ثم ابتدأ تعالى، فقال إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أي: لا يقدرون لَكَ عَلَى شيء، ولا يؤذُونَكَ، إِلاَّ بما شاء اللَّه، ففي الآية وعيدٌ لهم، ثم استفتح بقوله: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي:

بالمُلْك والإِحاطة.

وقوله تعالى: وَما يَتَّبِعُ: يصح أنْ تكونَ «ما» استفهاما، ويصحُّ أَنْ تكون نافيةً.

ت: ورجح هذا الثاني.

وقوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ «إن» : نافية، ويَخْرُصُونَ:

معناه: يحدسون ويخمّنون.

هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩)

وقوله عز وجل: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ...

الآية: في هذه الألفاظ إِيجازٌ وإِحالةٌ على ذِهْنِ السَّامع لأن العبرة في أنَّ الليل مُظْلِمٌ يُسكن فيه، والنَّهار مُبْصِر يُتصرَّف فيه، فذكر طرفاً من هذا وطرفاً من الجهة الثانية، ودلَّ المذكوران على المتروكين.

وقوله: يَسْمَعُونَ/ يريد: يوعون، والضمير في قالُوا لكفّار العرب، ثم الآية

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " ألا " افْتِتاحُ كَلامٍ وتَنْبِيهٌ، أيْ: فالَّذِي هم لَهُ، يَفْعَلُ فِيهِمْ وبِهِمْ ما يَشاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ ﴾ أيْ: ما يَتَّبِعُونَ شُرَكاءَ عَلى الحَقِيقَةِ لِأنَّهم يُعِدُّونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ شُفَعاءَ لَهم، ولَيْسَتْ عَلى ما يَظُنُّونَ.

" إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ " في ذَلِكَ " وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَكْذِبُونَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَحْدُسُونَ ويَحْزِرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إنَّ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ ﴾ أمّا بُشْرى الآخِرَةِ فَهي بِالجَنَّةِ قَوْلًا واحِدًا، وتِلْكَ هي الفَضْلُ الكَبِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا  ﴾ ، وأمّا بُشْرى الدُنْيا فَتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ عن رَسُولِ اللهِ  أنَّها الرُؤْيا الصالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أو تُرى لَهُ، رَوى ذَلِكَ عن رَسُولِ اللهِ  أبُو الدَرْداءِ، وعِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهم جَمِيعًا-، وغَيْرُهم عَلى أنَّهُ سُئِلَ عن ذَلِكَ فَفَسَّرَهُ بِالرُؤْيا، وعَنِ النَبِيِّ  في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ: «لَمْ يَبْقَ مِنَ المُبَشِّراتِ إلّا الرُؤْيا الصالِحَةُ،» ورَوَتْ عنهُ أمُّ كِنْدٍ الكَعْبِيَّةُ أنَّهُ قالَ: « "ذَهَبَتِ النُبُوءَةُ وبَقِيَتِ المُبَشِّراتُ"»، وقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: البُشْرى في الدُنْيا هي ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ مَوْتِهِ وهو حَيٌّ عِنْدَ المُعايَنَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بُشْرى الدُنْيا ما في القُرْآنِ مِنَ الآياتِ المُبَشِّراتِ، ويُقَوّى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ﴾ وإنْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ يُعارِضُهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : "هِيَ الرُؤْيا" إلّا إنْ قُلْنا: إنَّ النَبِيَّ  أعْطى مِثالًا مِنَ البُشْرى، وهي تَعُمُّ جَمِيعَ الناسِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ﴾ يُرِيدُ: لا خُلْفَ لِمَواعِيدِهِ ولا رَدَّ في أمْرِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ أخَذَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَلى نَحْوٍ غَيْرِ هَذا، وجَعَلَ التَبْدِيلَ المَنفِيَّ في الألْفاظِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الحَجّاجَ بْنَ يُوسُفَ خَطَبَ فَأطالَ خُطْبَتَهُ حَتّى قالَ: إنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُبَيْرِ قَدْ بَدَّلَ كِتابَ اللهِ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: إنَّكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ أنْتَ ولا ابْنُ الزُبَيْرِ ﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ﴾ ، فَقالَ لَهُ الحَجّاجُ: لَقَدْ أُعْطِيتَ عِلْمًا، فَلَمّا انْصَرَفَ إلَيْهِ في خاصَّتِهِ سَكَتَ عنهُ، وقَدْ رُوِيَ هَذا النَظَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في غَيْرِ مُقاوَلَةِ الحَجّاجِ، ذَكَرَهُ البُخارِيُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ إشارَةٌ إلى النَعِيمِ الَّذِي بِهِ وقَعَتِ البُشْرى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِمُحَمَّدٍ  ، والمَعْنى: ولا يَحْزُنْكَ يا مُحَمَّدُ ويُهِمُّكَ قَوْلُهُمْ، أيْ قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ، ولَفْظَةُ "القَوْلِ" تَعُمُّ جُحُودَهم واسْتِهْزاءَهم وخِداعَهم وغَيْرَ ذَلِكَ.

ثُمَّ ابْتَدَأ بِوُجُوبِ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، أيْ: فَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ ولا يُؤْذُونَكَ إلّا بِما شاءَ اللهُ، وهو القادِرُ عَلى عِقابِهِمْ، لا يُعازُّهُ شَيْءٌ، فَفي الآيَةِ وعِيدٌ لَهم.

وكَسْرُ "إنَّ" في الِابْتِداءِ ولا ارْتِباطَ لَها بِالقَوْلِ المُتَقَدِّمِ لَها.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَجُوزُ فَتْحُ "إنَّ" في هَذا المَوْضِعِ وهو كُفْرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ: "وَهُوَ كُفْرٌ" غُلُوٌّ، وكَأنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ عَلى تَقْدِيرِ: لِأجْلِ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ هُوَ السَمِيعُ ﴾ أيْ لِجَمِيعِ ما يَقُولُونَهُ، ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِما في نُفُوسِهِمْ مِن ذَلِكَ، وفي ضِمْنِ هَذِهِ الصِفاتِ تَهْدِيدٌ.

ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ أيْ بِالمِلْكِ والإحاطَةِ، وغَلَّبَ مَن يَعْقِلُ في قَوْلِهِ: "مَن" إذْ لَهُ مُلْكُ الجَمِيعِ ما فِيها ومَن فِيها، وإذْ جاءَتِ العِبارَةُ بِما فَذَلِكَ تَغْلِيبٌ لِلْكَثْرَةِ، إذِ الأكْثَرُ عَدَدًا مِنَ المَخْلُوقاتِ لا يَعْقِلُ، فَـ"مَن" تَقَعُ لِلصِّنْفَيْنِ بِمَجْمُوعِهِما، و"ما" كَذَلِكَ"، ولا تَقَعُ لِما يَعْقِلُ إذا تَجَرَّدَ مِنَ الصِفاتِ والأحْوالِ، ألا تَرى لَوْ ذَكَرْتُ لَكَ قَوْلَةً في مَسْألَةٍ فَأرَدْتَ أنْ تَسْألَ عن قائِلِها، أيَجُوزُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تَقُولَ: "ما قائِلُ هَذا القَوْلِ؟" هَذا ما يَتَقَلَّدُهُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما يَتَّبِعُ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ وتَوْقِيفِ نَظَرِ المُخاطَبِ، ويَعْمَلُ "يَدْعُونَ" في قَوْلِهِ: "شُرَكاءَ".

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ نافِيَةً وَيَعْمَلُ "يَتَّبِعُ" في "شُرَكاءَ" عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ شُرَكاءَ حَقًّا، ويَكُونُ مَفْعُولُ "يَدْعُونَ" مَحْذُوفًا، وفي هَذا الوَجْهِ عِنْدِي تَكَلُّفٌ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ، وقَوْلُهُ: "إنْ" نافِيَةٌ، و"يَخْرُصُونَ" مَعْناهُ: يَحْدِسُونَ ويُخَمِّنُونَ، لا يَقُولُونَ بِقِياسٍ ولا نَظَرٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا يُحْزِنْكَ" مِن أحْزَنَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا يَحْزُنْكَ" مِن حَزَنَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

د بتوجيه هذا الكلام هم المشركون لتأييسهم من كل احتمال لانتصارهم على النَّبيء عليه الصلاة والسلام والمسلمين، فإن كثيراً منهم حين يفهم ما في الآيات الخمس السَّابقة من قوله: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ [يونس: 61] إلى هنا من التصريح بهوان، شأنهم عند الله وعند رسوله ومن التعريض باقتراب حلول الغلبة عليهم يخامرهم بعض الشك في صدق الرسول وأنّ ما توعَّدهم به حق، ثمّ يغالطون أنفسهم ويسلون قلوبهم بأنَّه إن تحقَّق ذلك سيجدون من آلهتهم وساطة في دفع الضر عنهم ويقولون في أنفسهم: لمثل هذا عبدناهم، وللشَّفاعة عند الله أعددناهم، فسيق هذا الكلام لقطع رجائهم منهم بالاستدلال على أنَّهم دون ما يظن بهم.

فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً ومناسبة وقوعها عقب جملة ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ [يونس: 65] أن أقوالهم دحضت بمضمون هذه الجملة.

وأما وقوعها عقب جملة ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ [يونس: 65] فلأنها حجَّة على أنّ العزّة لله لأنّ الذي له من في السماوات ومن في الأرض تكون له العزّة الحق.

وافتتاح الجملة بحرف التنبيه مقصود منه إظهار أهميَّة العلم بمضمونها وتحقيقه ولذلك عقب بحرف التأكيد، وزيد ذلك تأكيداً بتقديم الخبر في قوله: ﴿ لله من في السماوات ومن في الأرض ﴾ وباجتلاب لام الملك.

و ﴿ مَنْ ﴾ الموصولة شأنها أن تطلق على العقلاء وجيء بها هنا مع أن المقصد الأوّل إثبات أنّ آلهتهم ملك لله تعالى، وهي جمادات غير عاقلة، تغليباً ولاعتقادهم تلك الآلهة عقلاء وهذا من مجاراة الخصم في المناظرة لإلزامه بنهوض الحجَّة عليه حتَّى على لازم اعتقاده.

والحكم بكون الموجودات العاقلة في السماوات والأرض ملكاً لله تعالى يفيد بالأحرى أن تلك الحجارة ملك الله لأن من يملك الأقوى أقدر على أن يملك الأضعف فإن من العرب من عَبَد الملائكة، ومنهم من عبدوا المسيح، وهم نصارى العرب.

وذكر السماوات والأرض لاستيعاب أمكنة الموجودات فكأنه قيل: ألا إنّ لله جميع الموجودات.

وجملة: ﴿ وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ الخ معطوفة على جملة: ﴿ لله من في السماوات ومن في الأرض ﴾ .

وهي كالنتيجة للجملة الأولى إذ المعنى أن جميع الموجودات ملك لله، واتّباع المشركين أصنامهم اتباع خاطئ باطل.

و (ما) نافية لا محالة، بقرينة تأكيدها ب (إنْ) النَّافية، وإيراد الاستثناء بعدهما.

و ﴿ شركاء ﴾ مفعول ﴿ يدْعون ﴾ الذي هو صلة ﴿ الذين ﴾ .

وجملة: ﴿ إن يتبعون ﴾ تَوكيدٌ لَفظي لجملة ﴿ ما يتبع الذين يدعون ﴾ وأعيد مضمونها قضاء لحق الفصاحة حيث حصل من البعد بين المستثنى والمستثنى منه بسبب الصلة الطويلة ما يشبه التعقيد اللفظي وذلك لا يليق بأفصح كلام مع إفادة تلك الإعادة مفاد التأكيد لأن المقام يقتضي الإمعان في إثبات الغرض.

و ﴿ الظن ﴾ مفعول لِكلا فعلي ﴿ يتَّبعُ، ويتْبعون ﴾ فإنهما كفعل واحد.

وليس هذا من التنازع لأن فعل التوكيد اللفظي لا يطلب عملاً لأن المقصود منه تكرير اللفظ دون العمل فالتقدير: وما يتبع المشركون إلا الظنّ وإن هم إلا يخرصون.

والظنُّ: هنا اسم منزل منزلة اللازم لم يقصد تعليقه بمظنون معين، أي شأنهم اتباع الظنون.

والمراد بالظن هنا العلم المخطئ.

وقد بينت الجملة التي بعدها أنّ ظنهم لا دليل عليه بقوله: ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ .

والخرْص: القول بالحزر والتخمين.

وتقدّم نظير هذه الآية في سورة الأنعام (116) وهو قوله: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلاّ الظنّ وإن هم إلا يخرصون.

﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ بِفَضْل اللَّه وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ، ورَحْمَتَهُ تَوْفِيقُهُ.

الثّانِي: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ القُرْآنُ، ورَحْمَتَهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتَهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ يَعْنِي بِالمَغْفِرَةِ والتَّوْفِيقِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وبِالإسْلامِ والقُرْآنِ عَلى الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ.

وَفِيهِ ثالِثٌ: فَلْتَفْرَحْ قُرَيْشٌ بِأنَّ مُحَمَّدًا مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا.

رَوى أبانُ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وعَلَّمَهُ القُرْآنَ ثُمَّ شَكا الفاقَةَ كَتَبَ اللَّهُ الفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ ثُمَّ تَلا: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما لم ينتفعوا بما جاءهم من الله وأقاموا على كفرهم، كبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء من الله فيما يعاتبه ﴿ ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعاً هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلمه، فلو شاء بعزته لانتصر منهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: لا ملك إلا لله في السموات ولا في الأرض (١) وقال الزجاج: أي: يفعل بهم وفيهم ما يشاء (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ ﴾ ذكر أهل التفسير والمعاني في (ما) هاهنا قولين: أحدهما: أنه نفي وجحد كأنه قيل: وما يتبعون شركاء على الحقيقة؛ لأنهم يعدونها شركاء شفعاء لهم، وليست على ما يظنون، فإذن ما يتبعون شركاء.

الثاني: أن (ما) استفهام كأنه قيل: أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء؟

تقبيحًا (٣) (٤) وذكر صاحب النظم في هذا قولين آخرين: أحدهما: أن التأويل: وما يتبع الذين يَدْعُون من دون الله فيما يدعون من الشركاء من يجب اتباعه في ذلك من نبي دعاهم إلى ذلك فهم يتبعونه فيه، كما يقال في الكلام: فلان متبع وفلان مبتدع، والمتبع (٥) (٦) (٧) (٨) القول الثاني: أن قوله: ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ ﴾ تكرير لقوله: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ ﴾ والتأويل (٩) ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ ﴾ مكررًا على قوله: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ ﴾ و (ما) و (إن) الخفيفة جحدان معناهما واحد، ومثاله من الكلام: ما يأكل الذي يغصب ويظلم الناس ويأخذ أموالهم، إن يأكل إلا النار، فيكون قوله: إن يأكل، توكيدًا لقوله: ما يأكل، ومثل هذا من التكرير قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ النحل: 110]، فكرر قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ ﴾ \[على قوله\] (١٠) ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ ﴾ ولو لم يكرر الآخر لكان في الأول كفاية، وقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ يريد: ظنهم أنها تشفع لهم يوم القيامة.

﴿ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ قال ابن عباس: يقولون ما لا يكون (١١) ﴿ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾ (١٢) (١) "تنوير المقباس" ص 216 بمعناه من رواية الكلبي.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 27، وليس فيه لفظ: بهم.

(٣) في (ى): (تفخيمًا)، وهو خطأ.

(٤) انظر القولين في: "مشكل إعراب القرآن" ص 348، "معالم التنزيل" 4/ 142، "الكشاف" 2/ 244، "مفاتيح الغيب" 17/ 137، "التبيان في إعراب القرآن" 5/ 176 - 177، "البحر المحيط" 5/ 176 - 177، "الدر المصون" 6/ 235، واقتصر على القول الأول المؤلف في "الوسيط" 2/ 554، وابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 45، وعلى الثاني "الطبري" 11/ 139، و"السمرقندي" 2/ 105، و"الثعلبي" 7/ 20 ب.

(٥) في (م): (فالمتبع).

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٧) من (م) وفي غيرها: (تخريص).

(٨) في (ى): (التقدير الأول).

(٩) ساقط من (ى).

(١٠) ساقط من (ى).

(١١) "تنوير المقباس" ص 216 بلفظ: يكذبون للسفلة، وفي كتاب "غريب القرآن" لابن عباس: (يخرصون) يكذبون بلغة هذيل.

وانظر: "زاد المسير" 4/ 46، وفي "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 204: (يخرصون) يحدسون ويحزرون اهـ.

وبكلا المعنيين جاءت اللغة كما في "لسان العرب" (خرص) 2/ 1133.

(١٢) من الآية 148.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ يعني ما يقوله الكفار من التكذيب ﴿ إِنَّ العزة للَّهِ ﴾ إخبارٌ في ضمنه وعدٌ للنبي صلى الله عليه وسلم بالنصر، وتسلية له ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن ﴾ فيها وجهان: أحدهما أن تكون ما نافية وأوجبت بقوله: إلا الظن: وكرر إن يتبعون توكيداً، والمعنى ما يتبع الكفار إلا الظن، والوجه الثاني: أن تكون ما استفهامية، ويتم الكلام عند قوله شركاء، والمعنى أي شيء يتبعون على وجه التحقير لما يتبعونه، ثم ابتدأ الإخبار بقوله إن يتبعون إلا الظن، والعامل في شركاء على الوجهين يدعون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أفأنت ﴾ بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ ولكن الناس ﴾ بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يحشرهم ﴾ بالياء: حفص الباقون بالنون ﴿ نرينك أو نتوفينك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس ﴿ آلان ﴾ بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ فليفرحوا ﴾ بياء الغيبة ﴿ تجمعون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد.

وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب.

والباقون على الغيبة فيهما.

الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج ط ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ أجل ﴾ ط ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ آمنتم به ﴾ ط، ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ أحق هو ﴾ ط ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ لافتدت به ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ج ط للعطف على ﴿ أسروا ﴾ دون ﴿ رأوا ﴾ ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ فليفرحوا ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ وحلالاً ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه.

التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله  في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد ﴿ يستمعون إليك ﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون.

قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي  بخلاف النظر.

فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم.

ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده.

وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ﴿ أفأنت ﴾ .

والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول  فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق.

ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم ﴾ الآية.

فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها.

وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه.

وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.

والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة.

ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ أي واذكر يوم يحشرهم ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ﴿ إلا ساعة ﴾ وقوله ﴿ يتعارفون ﴾ إما حال أخرى أو بيان لقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يتعارفون ﴾ والمراد باللبث.

قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها.

وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته.

والجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً  ﴾ أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة.

وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا  ﴾ ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم.

قوله: ﴿ قد خسر ﴾ استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم!

وفيه شهادة من الله على خسرانهم.

وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.

ثم أكد خسرانهم بقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله.

ثم سلى رسوله  فقال: ﴿ وإما نرينك ﴾ وجوابه محذوف.

وقوله: ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب ﴿ أو نتوفينك ﴾ والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا.

ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله.

ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي  المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ﴿ قضى بينهم بالقسط ﴾ أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً  ﴾ ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه  يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ وشهد لهم أو عليهم ﴿ قضي بينهم ﴾ والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه  كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ.

وأيضاً قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ لفظ الجمع موافق لقوله: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ﴾ من مرض أو فقر ﴿ ولا نفعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب.

ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال.

فقال و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ الآية.

وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله: ﴿ ولكل أمة أجل  ﴾ فلم يحسن الجمع بين الفاءين.

ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً ﴾ أي في حين الغفلة والراحة.

﴿ أو نهاراً ﴾ حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ﴿ ماذا يستعجل ﴾ أي شيء يستعجل ﴿ منه ﴾ أي من العذاب ﴿ المجرمون ﴾ وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله.

و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟

أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟

وقيل: الضمير في "منه" لله  وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.

و "ماذا" الجملة مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط ﴿ ثم إذا وقع آمنتم به ﴾ والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب ﴿ آلآن ﴾ آمنتم به ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ على جهة التكذيب والإنكار وقوله ﴿ ثم قيل ﴾ عطف على قيل المضمر قبل ﴿ آلآن ﴾ والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك.

وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة.

﴿ ذوقوا عذاب الخلد ﴾ فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟

أجبتم ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة.

وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم  ﴾ .

ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: ﴿ ويستنبئونك أحق هو ﴾ وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟

وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد  فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه.

وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟

وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟

فأمره الله  أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل إي وربي ﴾ ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة.

وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم.

ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد.

فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد.

ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فائتين العذاب.

والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى.

ثم زاد في التأكيد بقوله: ﴿ ولو أن لكل نفس ﴾ الآية.

وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة".

وقوله: ﴿ ظلمت ﴾ صفة لنفس.

أما قوله: ﴿ وأسروا الندامة ﴾ فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد.

والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.

وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته ﴿ وقضى بينهم بالقسط ﴾ قيل: أي بين المؤمنين والكافرين.

وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.

وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب.

ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة.

وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه.

وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد.

وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع.

ولا بد يوماً أن ترد الودائع *** واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله  في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ إلى تمام الآيتين.

والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار  إلى هذا الطريق بقوله: قل ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.

فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره.

الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة.

الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت.

الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم.

وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها.

والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة.

ولما أرشد  إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه.

والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا.

وعلى هذا يكون ﴿ قل ﴾ اعتراضاً.

ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي  وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل.

ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذبالعقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية.

وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن.

وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى.

ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: إن حزناً في ساعة الموت ضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.

وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله  تلا ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ فقال: بكتاب الله والإسلام.

ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.

ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله.

وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم: ﴿ هذه أنعام وحرث حجر  ﴾ وغير ذلك.

﴿ وما أنزل ﴾ الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿ آلله أذن لكم ﴾ و ﴿ قل ﴾ مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ ﴿ أرأيتم ﴾ والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله ﴿ أم على الله تفترون ﴾ وعن الزجاج أن "ما" في ﴿ ما أنزل ﴾ بمعنى الاستفهام منصوباً بـ ﴿ أنزل ﴾ وأنه مع معموله مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ معناه أخبرونيه.

وعلى هذا يكون ﴿ قل آلله ﴾ كلاماً مستأنفاً.

ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في ﴿ آلله ﴾ للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء.

ثم قال: ﴿ وما ظن الذين ﴾ يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟

وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت ﴿ لذو فضل على الناس ﴾ إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته.

التأويل: ﴿ أفأنت تسمع الصم ﴾ صم آذان القلوب ﴿ أفأنت تهدي العمى ﴾ عمي أبصار البصائر.

﴿ ويوم نحشرهم ﴾ حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن  ﴾ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد.

﴿ يتعارفون بينهم ﴾ يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن ﴿ أو نتوفينك ﴾ فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ من خسارة الدارين ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق.

﴿ لكل أمة أجل ﴾ في استكمال السعادة والشقاوة ﴿ بياتاً ﴾ أي في الأزل ﴿ أو نهاراً ﴾ أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل.

﴿ قل أي وربي إنه لحق ﴾ أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات.

﴿ ألا إن لله ما في السموات ﴾ الأرواح وأرض القلوب والنفوس ﴿ ألا إن وعد الله ﴾ لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل ﴿ حق هو يحيي ﴾ قلوب بعضهم بالمعرفة ﴿ ويميت ﴾ قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال ﴿ يا أيها الناس ﴾ يأ أهل النسيان ﴿ قد جاءتكم موعظة ﴾ هي خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة ﴿ بلى ﴾ ﴿ لما في الصدور ﴾ وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة.

ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال ﴿ قل بفضل الله ﴾ وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب ﴿ فليفرحوا هو خير مما ﴾ يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد ﴿ فجعلتم منه حراماً ﴾ على أنفسكم ﴿ وحلالاً ﴾ على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء ﴿ قل آلله أذن لكم ﴾ أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها ﴿ أم على الله تفترون ﴾ بأن الدعوة اختصت بهم دوننا ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ بتسوية الاستعداد الفطري.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ قال بعضهم من أهل التأويل: في شأن: في أمرك وحالاتك وما تتلو منه من قرآن تبلغهم به الرسالة وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ أي: في عبادة.

﴿ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ﴾ : تبلغهم به الرسالة.

﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ﴾ : يخاطب نبيه تنبيهاً منه وإيقاظاً والمراد منه هو وغيره، ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ ﴾ من عمل عمهم جميعاً في ذلك، يخبر أنكم في كل أمر يكون بينكم وبين ربكم، وفي كل أمر بينكم وبين الناس - فلله لكم وعليكم شهود، أو كل عمل تعملون لكم وعليكم شهود ينبههم ويوقظهم ليكونوا على حذر أبداً منتبهين [متيقظين ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ تأخذون فيه وتخوضون فيه.

وقيل: تقولون فيه.] وقيل: يكثرون فيه؛ وكله واحد.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ في الحق، ويحتمل في الدين، ويحتمل في القرآن، ويحتمل في رسول الله؛ يقول: أنا شاهد فيما تخوضون وفيما تقولون في رسول الله، أو في دينه، أو فيما يتلو عليكم.

﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ : لا يعزب، [أي: لا يغيب] عن ربك من مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء فيما لا أمر فيه ولا نهي ولا كلفة، فالذي فيه السؤال والأمر والنهي والكلفة أحرى وأولى ألا يغيب عنه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ هو تحذير وتخويف بتمثيل لا وعيد بتقرير وتصريح؛ لأن الوعيد على وجهين: أحدهما: على التمثيل، والآخر على التقرير في عينه وتصريح.

وقوله - عز وجل - ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ قيل: ما قل وما كثر إلا في كتاب، أي: إلا في اللوح المحفوظ [مبين]، ويحتمل إلا في كتاب مبين، أي: في الكتب المنزلة من السماء والله أعلم.

وقال أبو بكر الأصم في قوله: ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ : أي تنتشرون، وتأويله ولا تعملون من عمل تنتشرون فيه إلا كنا عليكم شهوداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : قالت المعتزلة: دلت الآية على أن أصحاب الكبائر ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين لكانوا أولياء الله، وإذا كانوا أولياء الله لكان لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإذا كان لا شك أن على أصحاب الكبائر خوف وحزن [دل أنهم ليسوا بمؤمنين ولا لهم ولاية الإيمان لكن التأويل عندنا - والله أعلم -:] ﴿ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما يكون لأهل الدنيا في الدنيا من الخوف والحزن، إنما خوفهم وحزنهم لعاقبتهم، ويشبه ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الجنة، وهكذا يكون إذا دخلوا الجنة يأمنون عن جميع ما ينقصهم.

وقال بعضهم: ﴿ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ ﴾ هم أهل التوحيد، لكن تلك البشارة وذلك الوعد لأهل التوحيد في الاعتقاد والوفاء جميعاً، لا لأهل الاعتقاد خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ الرؤيا الصالحة؛ وعلى ذلك رويت الأخبار عن رسول الله  أنه سئل عن هذه الآية ففسر بالرؤيا الصالحة، فإن ثبت فهو الحق.

وقال بعضهم: لا تحتمل الرؤيا الصالحة [؛ لأنه نسق البشرى في الآخرة على البشرى في الحياة الدنيا، ولا شك أنه لا يكون في الآخرة الرؤيا الصالحة،] ولكن إن ثبت ما ذكرنا من الخبر؛ فهو ذلك.

ويشبه أن يكون البشارة التي ذكر هاهنا؛ نحو قوله: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ...

﴾ الآية [الزمر: 17-18]، وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ، وأمثال ذلك.

وقال بعض أهل التأويل: لهم البشرى في الحياة الدنيا تبشرهم الملائكة عند الموت وفي الآخرة الجنة.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل لا تبديل لكلمات الله من وعده ووعيده، وذلك مما لا تبديل له ولا تحويل.

ويحتمل ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ القرآن لا تبديل لما فيه من الوعد والوعيد وغيره.

ويحتمل لا تبديل لما مضى من سنته في الأولين والآخرين من الهلاك والاستئصال بتكذيبهم الرسل والآيات؛ كقوله: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً  ﴾ وقوله: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا تبديل للبشرى التي ذكر لهؤلاء الذين تقدم ذكرهم.

ويحتمل لا تبديل لحجج الله وبراهينه، أو لا تبديل لوعيد الله ووعده ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ أي: تلك البشرى هي الفوز العظيم، أو ذلك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هو الفوز العظيم؛ إذ لا خوف بعده.

وقال بعضهم من أهل التأويل: لا خوف عليهم من النار، ولا هم يحزنون أن يخرجوا من الجنة أبداً، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ يحتمل قولهم: ما قالوا في الله بما لا يليق به من الولد والشريك؛ يقول: لا يحزنك ذلك ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ الذي قالوا في القرآن إنه سحر وإنه مفترى، أو قالوا في رسول الله  : إنه ساحر وإنه يفتري على الله كذباً.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ مكرهم الذي مكروا به، وكيدهم الذي كادوه، يؤيد ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: إن العزة في المكر والكيد لله؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً  ﴾ أي: مكره ينقض مكرهم ويمنعه، وكيده يفسخ كيدهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: ينقض جميع ما يمكرون بك ويكيدونك، و ﴿ ٱلْعِزَّةَ ﴾ القوة؛ يقول: إن القوة لله ينصرك على أعدائك ويدفع عنك كيدهم ومكرهم الذي هموا بك.

﴿ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : [لقولهم] الذي قالوه العليم بمصالحهم، أو السميع المجيب للدعاء العليم بما يكون منهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألا إن لله وحده ملك من في السماوات وملك من في الأرض، وأي شيء يتبعه المشركون الذين يعبدون من دون الله شركاء؟!

لا يتبعون في الحقيقة إلا الشك، وما هم إلا يكذبون في نسبتهم الشركاء إلى الله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.jZQLz"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله