الآية ٦٧ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٦٧ من سورة يونس

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ ٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 47 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٧ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٧ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر أنه الذي جعل لعباده الليل ليسكنوا فيه ، أي : يستريحون فيه من نصبهم وكلالهم وحركاتهم ، ( والنهار مبصرا ) أي : مضيئا لمعاشهم وسعيهم ، وأسفارهم ومصالحهم ، ( إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) أي : يسمعون هذه الحجج والأدلة ، فيعتبرون بها ، ويستدلون على عظمة خالقها ، ومقدرها ومسيرها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنّ ربكم أيها الناس الذي استوجب عليكم العبادة، هو الرب الذي جعل لكم الليل وفصله من النهار، لتسكنوا فيه مما كنتم فيه في نهاركم من التَّعب والنَّصب، وتهدءوا فيه من التصرف والحركة للمعاش والعناء الذي كنتم فيه بالنهار (56) ، (والنهار مبصرًا) ، يقول: : وجَعَل النهار مبصرًا، فأضاف " الإبصار " إلى " النهار "، وإنما يُبْصَر فيه، وليس " النهار " مما يبصر، ولكن لما كان مفهوما في كلام العرب معناه، خاطبهم بما في لغتهم وكلامهم، وذلك كما قال جرير: لَقَـــدْ لُمْتِنَا يَا أُمَّ غَيْـلانَ فِي السُّرَى وَنِمـتِ , وَمَـا لَيْــلُ الْمَطِـيِّ بِنَائِـمِ (57) فأضاف " النوم " إلى " الليل " ووصفه به، ومعناه نفسه، أنه لم يكن نائمًا فيه هو ولا بَعِيره.

* * * يقول تعالى ذكره: فهذا الذي يفعل ذلك هو ربكم الذي خلقكم وما تعبدون، لا ما لا ينفع ولا يضر ولا يفعل شيئًا .

* * * وقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) ، يقول تعالى ذكره: إن في اختلاف حال الليل والنهار وحال أهلهما فيهما ، دلالةً وحججًا على أن الذي له العبادة خالصا بغير شريك، هو الذي خلق الليل والنهار ، وخالف بينهما، بأن جعل هذا للخلق سكنًا، وهذا لهم معاشًا، دون من لا يخلق ولا يفعل شيئًا ، ولا يضر ولا ينفع.

* * * وقال: (لقوم يسمعون)، لأن المراد منه: الذين يسمعون هذه الحجج ويتفكرون فيها ، فيعتبرون بها ويتعظون.

ولم يرد به : الذين يسمعون بآذانهم ، ثم يعرضون عن عبره وعظاته.

----------------------------- الهوامش : (56) انظر تفسير " جعل " فيما سلف في فهارس اللغة ( جعل ) .

(57) ديوانه : 554 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 279 ، من قصيدة له طويلة ، أجاب بها الفرزدق .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعونقوله تعالى هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه بين أن الواجب عبادة من يقدر على خلق الليل والنهار لا عبادة من لا يقدر على شيء .

لتسكنوا فيه أي مع أزواجكم وأولادكم ليزول التعب والكلال بكم .

والسكون : الهدوء عن الاضطراب .قوله تعالى ( والنهار مبصرا ) أي مضيئا لتهتدوا به في حوائجكم .

والمبصر : الذي يبصر ، والنهار يبصر فيه .

وقال : مبصرا تجوزا وتوسعا على عادة العرب في قولهم : ليل قائم ، ونهار صائم .

وقال جرير :لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائموقال قطرب : يقال : أظلم الليل أي صار ذا ظلمة ، وأضاء النهار وأبصر أي صار ذا ضياء وبصر .قوله تعالى إن في ذلك لآيات أي علامات ودلالات .( لقوم يسمعون ) أي سماع اعتبار

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

و‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ‏}‏ في النوم والراحة بسبب الظلمة، التي تغشى وجه الأرض، فلو استمر الضياء، لما قروا، ولما سكنوا‏.‏ ‏{‏و‏}‏ جعل الله ‏{‏النَّهَارَ مُبْصِرًا‏}‏ أي‏:‏ مضيئًا، يبصر به الخلق، فيتصرفون في معايشهم، ومصالح دينهم ودنياهم‏.‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ‏}‏ عن الله، سمع فهم، وقبول، واسترشاد، لا سمع تعنت وعناد، فإن في ذلك لآيات، لقوم يسمعون، يستدلون بها على أنه وحده المعبود وأنه الإله الحق، وأن إلهية ما سواه باطلة، وأنه الرءوف الرحيم العليم الحكيم‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ) مضيئا يبصر فيه ، كقولهم : ليل نائم وعيشة راضية .

قال قطرب : تقول العرب : أظلم الليل وأضاء النهار وأبصر ، أي : صار ذا ظلمة وضياء وبصر ، ( إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) سمع الاعتبار أنه مما لا يقدر عليه إلا عالم قادر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا» إسناد الإبصار إليه مجاز لأنه يبصر فيه «إن في ذلك لآيات» دلالات على وحدانيته تعالى «لقوم يسمعون» سماع تدبر واتعاظ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هو الذي جعل لكم -أيها الناس- الليل لتسكنوا فيه وتهدؤوا من عناء الحركة في طلب المعاش، وجعل لكم النهار؛ لتبصروا فيه، ولتسعَوْا لطلب رزقكم.

إن في اختلاف الليل والنهار وحال أهلهما فيهما لَدلالةً وحججًا على أن الله وحده هو المستحق للعبادة، لقوم يسمعون هذه الحجج، ويتفكرون فيها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - جانباً من مظاهر نعمه على عباده فقال - تعالى - ( هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً .

.

.

)أى : الله وحده - سبحانه - هو الذى جعل لكم الليل مظلماً ، لكي تستقروا فيه بعد طول الحركة فى نهاركم من أجل معاشكم ، وهو الذى جعل لكم النهار مضيئا لكي تبصروا فيه مطالب حياتكم .والجملة الكريمة بيان لمظاهر رحمة الله - تعالى - بعباده ، بعد بيان سعة علمه ، ونفاذ قدرته ، وشمولها لكل شيء فى هذا الكون .وقوله : ( إِنَّ فى ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) أى : إن فى ذلك الجعل المذكور لدلائل واضحات لقوم يسمعون ما يتلى عليهم سماع تدبر وتعقل ، يدل على سعة رحمة الله - تعالى - بعباده ، وتفضله عليهم بالنعم التي لا تحصى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر قوله: ﴿ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً  ﴾ احتج عليه بهذه الآية، والمعنى أنه تعالى جعل الليل ليزول التعب والكلال بالسكون فيه، وجعل النهار مبصراً أي مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم بالأبصار، والمبصر الذي يبصر، والنهار يبصر فيه، وإنما جعله مبصراً على طريق نقل الاسم من السبب إلى المسبب.

فإن قيل: إن قوله: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ يدل على أنه تعالى ما خلقه إلا لهذا الوجه، وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ يدل على أنه تعالى أراد بتخليق الليل والنهار أنواعاً كثيرة من الدلائل.

قلنا: إن قوله تعالى: ﴿ لّتَسْكُنُواْ ﴾ لا يدل على أنه لا حكمة فيه إلا ذلك، بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ فالمراد يتدبرون ما يسمعون ويعتبرون به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ثم نبه على عظيم قدرته ونعمته الشاملة لعباده التي يستحق بها أن يوحّدوه بالعبادة، بأنه جعل لهم الليل مظلماً ليسكنوا فيه مما يقاسون في نهارهم من تعب التردّد في المعاش، والنهار مضيئاً يبصرون فيه مطالب أرزاقهم ومكاسبهم ﴿ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ سماع معتبر مدّكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ، وإذا كانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم أشْرَفُ المُمْكِناتِ عَبِيدًا لا يَصْلُحُ أحَدٌ مِنهم لِلرُّبُوبِيَّةِ فَما لا يَعْقِلُ مِنها أحَقُّ أنْ لا يَكُونَ لَهُ نِدًّا أوْ شَرِيكًا فَهو كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ ﴾ أيْ شُرَكاءُ عَلى الحَقِيقَةِ وإنْ كانَ يُسَمُّونَها شُرَكاءَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ شُرَكاءَ ﴾ مَفْعُولَ يَدْعُونَ ومَفْعُولُ ﴿ يَتَّبِعُ ﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ.

﴿ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا وإنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنَّهم أنَّها شُرَكاءُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِـ ﴿ يَتَّبِعُ ﴾ أوْ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى مَن وقُرِئَ « تَدْعُونَ» بِالتّاءِ الخِطابِيَّةِ والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم شُرَكاءَ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، أيْ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ إلّا اللَّهَ ولا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ فَما لَكم لا تَتَّبِعُونَهم فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ ﴾ فَيَكُونُ إلْزامًا بَعْدَ بُرْهانٍ وما بَعْدَهُ مَصْرُوفٌ عَنْ خِطابِهِ لِبَيانِ سَنَدِهِمْ ومَنشَإ رَأْيِهِمْ.

﴿ وَإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ ﴾ يَكْذِبُونَ فِيما يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ أوْ يَحْزِرُونَ ويُقَدِّرُونَ أنَّها شُرَكاءُ تَقْدِيرًا باطِلًا.

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِظَمِ نِعْمَتِهِ المُتَوَحِّدُ هو بِهِما لِيَدُلَّهم عَلى تَفَرُّدِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وإنَّما قالَ ﴿ مُبْصِرًا ﴾ ولَمْ يَقُلْ لِتُبْصِرُوا فِيهِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الظَّرْفِ المُجَرَّدِ والظَّرْفِ الَّذِي هو سَبَبٌ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ سَماعَ تَدَبُّرٍ واعْتِبارٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)

ثم نبه على عظيم قدرته وشمول نعمته على عباده بقوله {هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} أي جعل لكم الليل مظلماً لتستريحوا فيه من تعب التردد في النهار {والنهار مبصرا} مضيئا لتبصروا فيه مطالب أرزقاكم ومكاسبكم {إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} سماع مذكر معتبر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ الكامِلَةِ والنِّعْمَةِ الشّامِلَةِ لِيَدُلَّهم عَلى تَوَحُّدِهِ سُبْحانَهُ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ فَتَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ لِلْقَصْرِ وهو قَصْرُ تَعْيِينٍ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَقْرِيرٌ لِما سَلَفَ مِن كَوْنِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ ومِلْكَتِهِ المُفْصِحِ عَنِ اخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ.

والجُعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الإبْداعِ والخَلْقِ فَمُبْصِرًا حالٌ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَلَكُمُ المَفْعُولُ الثّانِي أوْ حالٌ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ فالمَفْعُولُ الثّانِي ﴿ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ أوْ هو مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ كَما أنَّ العِلَّةَ الغائِيَّةَ مِنها مَحْذُوفَةٌ اعْتِمادًا عَلى ما في الأُولى، والتَّقْدِيرُ هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَتَحَرَّكُوا فِيهِ لِمَصالِحِكم فَحَذَفَ مِن كُلِّ ما ذَكَرَ في الآخَرِ اكْتِفاءً بِالمَذْكُورِ عَنِ المَتْرُوكِ، وفِيهِ عَلى هَذا صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ والآيَةُ شائِعَةٌ في التَّمْثِيلِ بِها لِذَلِكَ وهو الظّاهِرُ فِيها وإنْ كانَ أمْرًا غَيْرَ ضَرُورِيٍّ، ومِن هُنا ذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ لا احْتِباكَ فِيها، والعُدُولُ عَنْ لِتُبْصِرُوا فِيهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما قَبْلُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الظَّرْفِ المَجْرُورِ الَّذِي هو سَبَبٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ وإسْنادُ الإبْصارِ إلى النَّهارِ مَجازِيٌّ كالَّذِي في قَوْلِ جَرِيرٍ: لَقَدْ لُمْتِنا ياأُمَّ غَيْلانَ في السُّرى ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ وقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ وجَماعَةٌ وقِيلَ: إنَّ مُبْصِرًا لِلنَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ أيْ ذا إبْصارٍ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ في الجُعْلِ المَذْكُورِ أوْ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ وعُلُوِّ رُتْبَتِهِ ﴿ لآياتٍ ﴾ أيْ حُجَجًا ودَلالاتٍ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةً أوْ آياتٍ أُخَرَ غَيْرَ ما ذَكَرَ ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ 67﴾ أيِ الحُجَجَ مُطْلَقًا سَماعَ تَدَبُّرٍ واعْتِبارٍ أوْ يَسْمَعُونَ هَذِهِ الآياتِ المَتْلُوَّةَ ونَظائِرَها المُنَبِّهَةَ عَلى تِلْكَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الآمِرَةِ بِالتَّأمُّلِ فِيها ذَلِكَ السَّماعَ فَيَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاها وتَخْصِيصُ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ الآياتِ مَنصُوبَةٌ لِمَصْلَحَةِ الكُلِّ لِما أنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثمّ دلَّ بصنعه على وحدانيته، فقال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ يعني: خلق لكم اللَّيل لَتَقَرُّوا فيه من النَّصَبِ والتَّعَبِ، وَالنَّهارَ مُبْصِراً يعني: خلق النَّهار مطلباً للمعيشة.

إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في تقلب اللَّيل والنَّهار لَآياتٍ يعني: لَعِبْرَاتٍ وَعَلاَمَاتٍ لوحدانيَّةِ الله، لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ يعني: المواعظ.

ثم رجع إلى ذِكْرِ كُفَّار مَكَّةَ فقال تعالى: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، حين قالوا: الملائكة بنات الله تعالى، سُبْحانَهُ نزه نفسه عن الولد، فقال: هُوَ الْغَنِيُّ عن الولد، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق، كلهم عبيده وإماءه إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا يعني: ما عندكم من حُجَّة بهذا القول، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ بغير حجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بعدُ تعمُّ كلَّ من قال نحو هذا القول كالنّصارى، وسُبْحانَهُ معناه: «تنزيهاً له، وبراءةً من ذلك» فسَّره بهذا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا «إِنْ» نافيةٌ، والسلطانُ: الحُجَّة، وكذلك معناه حيث تكرَّر في القرآن، ثم وبَّخهم تعالى بقوله: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ ...

الآية: توعُّد لهم بأنهم لا يظفرون ببُغْيَة، ولا يَبْقَوْن في نعمة، إِذ هذه حالُ مَنْ يصير إِلى العذاب، وإن نعّم في دنياه يسيرا.

وقوله تعالى: مَتاعٌ مرفوعٌ على خبر ابتداء أي: ذلك متاعٌ.

قال ص: مَتاعٌ جوابُ سؤالٍ مقدَّر، كأنه قيل: كيف لا يُفْلِحون، وهُمْ في الدنيا مفلحون بأنواعِ التلذُّذات؟!

فقيل: ذَلِكَ مَتَاعٌ، فهو خبر مبتدإٍ محذوف.

انتهى، وهذا الذي قدَّره ص: يُفْهَمُ من كلام ع «١» .

وقول نوح عليه السلام: يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي ...

الآية: المَقَامُ:

وقوف الرجل لكلامٍ أو خُطْبَةٍ أَو نحوه، والمُقَام- بضم الميم-: إِقامته ساكناً في موضعٍ أو بلدٍ، ولم يقرأ هنا بضَمِّ الميم فيما علمتُ، وتذكيره: وعظُه وزَجْره، وقوله: فَأَجْمِعُوا:

من أَجْمَعَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ، إِذا عزم عليه ومنه الحديثُ: ما لم يجمعْ مكثاً، وأَمْرَكُمْ: يريد به: قُدْرَتكُم وحِيَلكُمْ، ونصب «الشركاء» بفعل مضمر كأنه قال: وادعوا شَركَاءَكُمْ فهو مِنْ باب: [الرجز]

عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِدَا ...

حَتَّى شتت همّالة عيناها «٢»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ المَعْنى: إنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي يَجِبُ أنْ تَعْتَقِدُوا رُبُوبِيَّتَهُ، هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، فَيَزُولُ تَعَبُ النَّهارِ وكَلالُهُ بِالسُّكُونِ في اللَّيْلِ، وجَعَلَ النَّهارَ مُبْصِرًا، أيْ: مُضِيئًا تُبْصِرُونَ فِيهِ.

وإنَّما أضافَ الإبْصارَ إلَيْهِ، لِأنَّهُ قَدْ فَهِمَ السّامِعُ المَقْصُودَ، إذِ النَّهارُ لا يُبْصِرُ، وإنَّما هو ظَرْفٌ يُفْعَلُ فِيهِ غَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ عِيشَةٍ راضِيَةٍ  ﴾ إنَّما هي مَرَضِيَّةٌ، وهَذا كَما يُقالُ: لَيْلٌ نائِمٌ، قالَ جَرِيرٌ: لَقَدْ لُمْتِنا يا أمَّ غَيْلانَ في السُّرى ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ سَماعَ اعْتِبارٍ، فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا الإلَهُ القادِرُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللهُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ مَتاعٌ في الدُنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ لَمّا نَصَّ عَظَمَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ في هَذِهِ بِالتَنْبِيهِ عَلى أفْعالِهِ لِتَبَيُّنِ العَظَمَةِ المَحْكُومِ بِها قَبْلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لِتَسْكُنُوا ﴾ دالٌّ عَلى أنَّ النَهارَ لِلْحَرَكَةِ والتَصَرُّفِ، وكَذَلِكَ هو في الوُجُودِ، وذَلِكَ أنَّ حَرَكَةَ اللَيْلِ مُتَعَذِّرَةٌ بِفَقْدِ الضَوْءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ والنَهارَ مُبْصِرًا ﴾ مَجازٌ، لِأنَّ النَهارَ لا يُبْصِرُ، ولَكِنَّهُ ظَرْفٌ لِلْإبْصارِ، وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، إذِ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ مَفْهُومٌ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: لَقَدْ لُمْتِنا يا أمَّ غِيلانَ في السُرى ∗∗∗ ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ ولَيْسَ هَذا مِن بابِ النَسَبِ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ ونَحْوِها.

وإنَّما ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الشاعِرِ: أمّا النَهارُ فَفي قَيْدٍ وسِلْسِلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ واللَيْلُ في بَطْنِ مَنحُوتٍ مِنَ الساجِ فَجَعَلَ اللَيْلَ والنَهارَ بِهاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، ولَيْسَ يُرِيدُ إلّا أنَّهُ هو فِيهِما كَذَلِكَ، وهَذا البَيْتُ لِمَسْجُونٍ كانَ يَبِيتُ في خَشَبَةِ السِجْنِ، وعَلى أنَّ هَذا البَيْتَ قَدْ يُنْشَدُ: "أمّا النَهارَ" بِالنَصْبِ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ إيجازٌ وإحالَةٌ عَلى ذِهْنِ السامِعِ لِأنَّ العِبْرَةَ هي في أنَّ اللَيْلَ مُظْلِمٌ يُسْكَنُ فِيهِ، والنَهارُ مُبْصِرٌ يُتَصَرَّفُ فِيهِ، فَذُكِرَ طَرَفٌ مِن هَذا والطَرْفُ الآخَرُ مِنَ الجِهَةِ الثانِيَةِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنِ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: "يَسْمَعُونَ" يُرِيدُ: ويَعُونَ.

والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ العَرَبِ، وذَلِكَ قَوْلُ طائِفَةٍ مِنهُمُ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ"، والآيَةُ بَعْدُ تَعُمُّ كُلَّ مَن قالَ نَحْوَ هَذا القَوْلِ كالنَصارى ومَن يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ مِنَ الكَفَرَةِ، و"سُبْحانَهُ": مَصْدَرٌ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ وبَراءَةً مِن ذَلِكَ، فَسَّرَهُ بِهَذا النَبِيِّ  ، وقَوْلُهُ: ﴿ هُوَ الغَنِيُّ ﴾ صِفَةٌ عَلى الإطْلاقِ، أيْ لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ مِنَ الجِهاتِ، والوَلَدُ جُزْءٌ مِمّا هو غَنِيٌّ عنهُ، والحَقُّ هو قَوْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللهِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ بِالمِلْكِ والإحاطَةِ والخَلْقِ، و"إنْ" نافِيَةٌ، والسُلْطانُ: الحُجَّةُ، وكَذَلِكَ مَعْناهُ حَيْثُ تَكَرَّرَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ وَقَّفَهم مُوَبِّخًا بِقَوْلِهِ: ﴿ أتَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ ﴾ الآيَةُ، هَذا تَوَعُّدٌ لَهم بِأنَّهم لا يَظْفَرُونَ بِبُغْيَةٍ ولا يَبْقَوْنَ في نِعْمَةٍ، إذْ هَذِهِ حالُ مَن يَصِيرُ إلى العَذابِ وإنْ نُعِّمَ في دُنْياهُ يَسِيرًا، وقَوْلُهُ: "مَتاعٌ" مَرْفُوعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: ذَلِكَ مَتاعٌ، أو هو عَلى الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: لَهم مَتاعٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَوَعُّدٌ بِحَقٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة معترضة بين جملة: ﴿ إن يتبعون إلا الظنّ ﴾ [يونس: 66] وجملة: ﴿ قالوا اتخذ الله ولداً ﴾ [يونس: 68] جاءت مجيء الاستدلال على فساد ظنهم وخَرْصهم بشواهد خلق الليل والنهار المشاهَدِ في كل يوم من العمر مرّتين وهم في غفلة عن دلالته، وهو خلق نظام النهار والليل.

وكيف كان النهار وقتاً ينتشر فيه النور فيناسب المشاهدة لاحتياج الناس في حركات أعمالهم إلى إحساس البصر الذي به تتبين ذوات الأشياء وأحوالها لتناول، الصالح منها في العمل ونبذ غير الصالح للعمل.

وكيف كان الليل وقتاً تغشاه الظلمة فكان مناسباً للسكون لاحتياج الناس فيه إلى الراحة من تعب الأعمال التي كدحوا لها في النهار.

فاكانت الظلمة باعثة الناس على الراحة ومحددة لهم إبانها بحيث يستوي في ذلك الفَطِن والغافل.

ولما قابل السكون في جانب الليل بالإبصار في جانب النهار، والليل والنهار ضدّان دلّ ذلك على أنّ علة السكون عدم الإبصار، وأنّ الإبصار يقتضي الحركة فكان في الكلام احتباك.

ووصف النهار بمبصر مجاز عقلي للمبالغة في حصول الإبصار فيه حتَّى جعل النَّهار هو المبصر.

والمراد: مبصِراً فيه الناسُ.

ومن لطائف المناسبة أنّ النّور الذي هو كيفية زمن النَّهار، شيء وجودي، فكان زمانه حقيقاً بأن يوصف بأوصاف العقلاء، بخلاف الليل فإن ظلمته عدمية فاقتصر في العبرة به على ذكر الفائدة الحاصلة فيه وهي أن يسكنوا فيه.

وفي قوله: ﴿ هو الذي جعل لكم الليل ﴾ طريق من طرق القصر وهو تعريف المسند والمسند إليه.

وهو هنا قصر حقيقي وليس إضافياً كما توهَّمه بعض الكاتبين إذ جعله قصر تعيين، وهم معترفون به لا يستطيعون دفع هذا الاستدلال، فالمقصود الاستدلال على انفراده تعالى بخصائص الإلهية التي منها الخلق والتقدير، وأن آلهتهم انتفت عنها خصائص الإلهية، وقد حصل مع الاستدلال امتنان على الناس بجعل الليل والنهار على هذا النظام.

وهذا الامتنان مستفاد من قوله: ﴿ جعل لكم ﴾ ومن تعليل خلق الليل بعلة سكون الناس فيه، وخلق النهار بعلة إبصار الناس، وكل الناس يعلمون ما في سكون الليل من نعمة وما في إبصارهم بالنهار من نعمة كذلك، فإن في العمل بالنهار نعماً جمّة من تحصيل رغبات، ومشاهدة محبوبات، وتحصيل أموال وأقوات، وأن في السكون باللّيل نعماً جمّة من استجمام القوى المنهوكة والإخلاد إلى محادثة الأهل والأولاد، على أن في اختلاف الأحوال، ما يدفع عن المرء الملال.

وفي إدماج الاستدلال بالامتنان تعريض بأن الذين جعلوا لله شركاء جمعوا وصمتين هما: وصمة مخالفة الحق، ووصمة كفران النعمة.

وجملة: ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ مستأنفة.

والآيات: الدلائل الدالة على وحدانية الله تعالى بالإلهية، فإن النظام الذي نشأ عنه الليل والنهار مشتمل على دقائق كثيرة من العلم والحكمة والقدرة وإتقان الصنع.

فمن تلك الآيات: خلق الشمس، وخلق الأرض، وخلق النور في الشمس، وخلق الظلمة في الأرض، ووصول شعاع الشمس إلى الأرض، ودوران الأرض كل يوم بحيث يكون نصف كرتها مواجهاً للشعاع ونصفها الآخر محجوباً عن الشعاع، وخلق الإنسان؛ وجَعْللِ نظام مزاجه العصبي متأثراً بالشعاع نشاطاً، وبالظلمة فُتُوراً، وخلق حاسة البصر، وجعلها مقترنة بتأثر الضوء؛ وجعل نظام العمل مرتبطاً بحاسة البصر؛ وخلق نظام المزاج الإنساني مشتملاً على قوى قابلة للقوة والضعف ثم مدفوعاً إلى استعمال قواه بقصد وبغير قصد بسبب نشاطه العصبي، ثم فاقداً بالعمل نصيباً من قواه محتاجاً إلى الاعتياض بقوى تخلفها بالسكون والفتور الذي يلجئه إلى تطلب الراحة.

وأيَّة آيات أعظم من هذه، وأية منة على الإنسان أعظم من إيداع الله فيه دواعي تسوقه إلى صلاحه وصلاح نوعه بداع من نفسه.

ووصف ﴿ قوم ﴾ بأنهم ﴿ يسمعون ﴾ إشارة إلى أن تلك الآيات والدلائل تنهض دلالتها للعقول بالتأمل فيها، وأن توجه التفكير إلى دلائلها غير محتاج إلا إلى التنبيه عليها ولفته إليها، فلما كان سماع تذكير الله بها هو الأصل الأصيل في استخراج دلالتها وتفريع مدلولاتها على تفاوت الأذهان في الفِطنة وترتيب الأدلة جعل آيات دلالتها حاصلة للذين يسمعون.

ويجوز أن يكون المراد يسمعون تفاصيل تلك الدلائل في تضاعيف سور القرآن، وعلى كلا الاحتمالين فالوصف بالسمْع تعريض بأن الذين لم يهتدوا بها ولا تفطنوا لدلالتها بمنزلة الصم، كقوله تعالى: ﴿ أفأنت تسمع الصم أو تهدي العميْ ﴾ [الزخرف: 40] <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ في ﴿ أوْلِياءَ اللَّهِ ﴾ ها هُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ وِلايَتِهِ والمُسْتَحِقُّونَ لِكَرامَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: هُمُ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ الثّالِثُ: هُمُ الرّاضُونَ بِالقَضاءِ، والصّابِرُونَ عَلى البَلاءِ، والشّاكِرُونَ عَلى النَّعْماءِ.

الرّابِعُ: هم مَن تَوالَتْ أفْعالُهم عَلى مُوافَقَةِ الحَقِّ.

الخامِسُ: هُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ تَعالى.

رَوى جَرِيرٌ عَنْ عِمارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ أبِي زُرْعَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ أُناسًا ما هم بِأنْبِياءٍ ولاَ شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ خَبِّرْنا مَن هم وما أعْمالُهم فَإنّا نُحِبُّهم لِذَلِكَ قالَ: (هم قَوْمٌ تَحابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ بَيْنَهم ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها).» فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُّورٍ لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ وقَرَأ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَخافُونَ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَوَلّاهم ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى دُنْياهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَوِّضُهم عَنْها، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ولا هم يَحْزَنُونَ عِنْدَ المَوْتِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا هي البِشارَةُ عِنْدَ المَوْتِ بِأنْ يَعْلَمَ أيْنَ هو مِن قَبْلِ أنْ يَمُوتَ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (إنَّ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ بَيْتًا مِن قَصَبٍ لا صَخَبَ فِيهِ ولا نَصَبَ)» .

الثّانِي: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها الرَّجُلُ الصّالِحُ أوْ تُرى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ)، رَوى ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الثَّناءُ الصّالِحُ، وفي الآخِرَةِ إعْطاؤُهُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ.

﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا خَلْفَ لِوَعْدِهِ.

الثّانِي: لا نَسْخَ لِخَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والنهار مبصراً ﴾ قال: منيراً.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ يقول ما عندكم من سلطان بهذا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ ﴾ أي خلق، وذكرنا معنى الجعل عند قوله: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ﴾ (١) وقوله تعالي: ﴿ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ ، قال ابن عباس: يقول جعلت الليل راحة لكم لتسكنوا فيه مع أزواجكم وأولادكم (٢) وقال أهل المعاني: جعل الليل ليزول التعب والكلال بالسكون فيه، وجعل النهار مبصرًا: أي: مضيئًا لتهتدوا به في حوائجكم بالإبصار، والمبصر الذي يبصر، والنهار يبصر فيه وإنما جعله مبصرًا على طريق استعارة صفة الشيء لسببه للمبالغة (٣) لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى (٤) (٥) وقال رؤبة: فنام ليلي وتجلى همي (٦) ومثله قوله: ﴿ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ  ﴾ ، وذكرنا الكلام هناك بأبسط من هذا (٧) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ يريد: يسمعون سماع اعتبار، أنه مما لا يقدر عليه إلا عالم قاصد مدبر لهما، وأنه نعمة على العباد بما لهم فيه من الانتفاع والصلاح.

(١) قال في هذا الموضع: وأما (جعل) فلها أحوال منها: جعل: صير، ومنها جعل: أوجب، ومنها جعل: خلق، ومنها جعل: صلة لما بعده، مثل: جعل يعرفه، نحو طفق وأنشأ وأقبل، كل منها صلة لما بعده من الفعل.

(٢) "تنوير المقباس" ص 216 بمعناه مختصرًا.

(٣) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وقد ذكره من غير نسبة الرازي في "تفسيره" 17/ 131.

(٤) في (خ) و (ز): (بالسرى).

(٥) "ديوان جرير" ص 993، "خزانة الأدب" 1/ 465، "كتاب سيبويه" 1/ 160.

(٦) البيت في "ديوان رؤبة" ص 142، وفيه: وتقضى همي.

(٧) قال في هذا الموضع: قال الفراء: جعل العصوف تابعًا لليوم في إغوائه، وإنما العصوف للرياح، وذلك جائز على وجهين، أحدهما: أن العصوف وإن كان للريح فإن اليوم قد يوصف به؛ لأن الريح تكون فيه، وقال أبو عبيدة: العرب تفعل ذلك في الظرف، قال الفراء: الوجه الآخر: أن يريد: في يوم عاصف الريح، فيحذف الريح؛ لأنها قد ذكرت في أول الكلام.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ من السكون وهو ضدّ الحركة ﴿ والنهار مُبْصِراً ﴾ أي مضيئاً تبصرون فيه الأشياء ﴿ قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً ﴾ الضمير للنصارى ولمن قال: إن الملائكة بنات الله ﴿ هُوَ الغني ﴾ وصف يقتضي نفي الولد والردّ على من نسبه إليه، لأن الغني المطلق لا يفتقر إلى اتخاذ ولد ﴿ لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ بيان وتأكيد للغني، وباقي الآية توبيخ للكفار ووعيد لهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شأن ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يعزب ﴾ بالكسر حيث كان: علي.

الباقون بالضم.

﴿ ولا أصغر ﴾ ﴿ ولا أكبر ﴾ بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل.

الآخرون بالنصب.

الوقوف: ﴿ تفيضون فيه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح صفة ﴿ لأولياء ﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿ يتقون ﴾ أو مبتدأ خبره ﴿ لهم البشرى ﴾ فلا يوقف على ﴿ يتقون ﴾ ﴿ وفي الآخرة ﴾ ط ﴿ لكلمات الله ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿ أولياء ﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول.

﴿ قولهم ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ إن العزة ﴾ مقول الكفار.

﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه {  } ط ﴿ الغني ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بهذا ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ لا يفلحون ﴾ ه ط، ﴿ يكفرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بيّن كونه  عالماً بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك فقال: ﴿ وما تكون ﴾ يا محمد ﴿ في شأن ﴾ أي أمر من الأمور.

وأصله الهمز بمعنى القصد من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.

قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر.

وقال الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و "ما" في ﴿ وما تكون ﴾ ﴿ وما تتلو ﴾ نافية والضمير في ﴿ منه ﴾ إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله  بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل وميكال  ﴾ وإما للقرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن.

ثم عمم الخطاب فقال: ﴿ ولا تعملون ﴾ أيها المكلفون ﴿ من عمل ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن المراد الملائكة الموكلون ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ الإفاضة الشروع في العمل على جهة الانصباب والاندفاع ومنه قوله: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ قيل: شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها.

والجواب أن الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو أخبرنا الصادق أن زيداً يفعل كذا غداً فنكون عالمين بذلك لا شاهدين.

ثم زاد في التعميم فقال: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل.

ومعنى ﴿ مثقال ذرة ﴾ قد مر في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ وذلك في سورة النساء.

والمقصود أنه لا يغيب عن علمه شيء أصلاً وإن كان في غاية الحقارة.

وإنما قال ههنا ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام سيق لشاهدته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد تسليم أن الواو تفيد الترتيب.

ثم بالغ في تعميم علمه فقال: ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوباً معطوفاً على لفظ مثقال لأنه في موضع الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعاً معطوفاً على محل ﴿ من مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وإنه محال.

ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله  ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض.

وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب مبين.

وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه  غير عالم بالجزيئات.

أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في كتاب مبين.

وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم إن "إلا" بمعنى الواو على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ ولا أكبر ﴾ ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب ﴿ مبين ﴾ والعرب تضع "إلا" موضع واو النسق كثيراً ومنه قوله: ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم  ﴾ يعني ومن ظلم.

وقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ﴾ يعني والذين ظلموا.

ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال كل فريق فقال: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الآية.

والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه  لاستغراقهم في نور معرفته وجماله وجلاله.

قال أبو بكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه.

وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله  في وصفهم ﴿ الذين آمنوا ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية.

﴿ وكانوا يتقون ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة العملية.

وههنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقياً في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن يقدس ذاته عن أن يكون مقصوراً على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبداً في الخوف والدهشة.

وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة البقرة: وعن سعيد بن جبير أن رسول الله  سئل من أولياء الله؟

فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم.

يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات والسكينة.

وعن عمر سمعت النبي  يقول: "إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله.

قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم.

قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ الآية" يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة.

ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟

فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله.

ثم أخبر الله  عنهم بأن ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقيل: بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات  ﴾ وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن.

عن أبي ذر  قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.

قال: تلك عاجل بشرى المؤمن.

والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه.

ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله.

وقيل: هي الرؤيا الصالحة.

وعنه  : "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي  استنبىء بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر.

ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين.

وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك.

وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة  ﴾ وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في "الأنعام" ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام.

تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله.

ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: ﴿ ولا يحزنك ﴾ أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح.

ثم استأنف قوله: ﴿ إن العزة لله ﴾ كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟

فقيل: لأن العزة لله.

﴿ جميعاً ﴾ إن الغلبة والقهر له ولحزبه ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ وقرىء "أن" بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعاً والرسول كان يحزنه ذلك وهذا كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله  واثقاً بوعد الله  في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها.

ثم أكد الوعد بقوله: ﴿ هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم.

ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين - وهم الملائكة والثقلان - كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكاً له فما وراءهم ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون نداً له.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ وما يتبع ﴾ "ما" نافية ومفعول ﴿ يدعون ﴾ محذوف أي ليس يتبع ﴿ الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة الله في الربوبية محال.

وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول ﴿ يدعون ﴾ والثاني مفعول ﴿ يتبع ﴾ ويجوز أن تكون "ما" استفهامية بمعنى أي شيء يتبعون.

و ﴿ شركاء ﴾ على هذا نصب بـ ﴿ يدعون ﴾ ولا حاجة إلى إضمار.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "من" كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ وقد مر مثله في سورة الأنعام.

ثم ذكر طرفاً من آثار قدرته مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: ﴿ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ طلباً للراحة ﴿ والنهار مبصراً ﴾ ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر وقبول.

ثم حكى نوعاً آخر من أباطيلهم فقال: {قالوا اتخذ الله ولداً  } وقد مر في "البقرة".

ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: ﴿ هو الغني ﴾ وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى الولد ولا يصح له مثل.

وأيضاً الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضاً متولداً من مثله ولا يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا الوقوع.

ثم بالغ في البرهان فقال: ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإذا كان الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولداً له لأن الأب يساوي الابن في الطبيعة بخلاف المالك.

ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ أي ما عندكم من حجة بهذا القول.

قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق بقوله: ﴿ إن عندكم ﴾ على أن يجعل القول مكاناً للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم موز.

كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان.

أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال الباء بمعنى "في" أكثر منه بمعنى "على".

ثم وبخهم على القول بلا دليل ومعرفة فقال: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ .

ثم أوعدهم على افترائهم فقال: ﴿ قل إن الذين يفترون ﴾ الآية.

ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك ﴿ متاع قليل ﴾ في الدنيا.

ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد والعذاب الأليم أعاذنا الله منه.

التأويل: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ من النبوة ﴿ وما تتلوا ﴾ من شأن النبوة ﴿ من قرآن ﴾ ﴿ ولا تعملون ﴾ يا أمة محمد  ﴿ من عمل ﴾ من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر.

﴿ ولا في السماء ﴾ أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ﴿ ولا أصغر ﴾ من الحركة وهو القصد دون الفعل ﴿ ولا أكبر ﴾ من النية وهو العمل ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الذين هم أعداء النفوس ﴿ لا خوف عليهم ﴾ من تمني النظر بنفوسهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ بالوقائع والمبشرات ﴿ وفي الآخرة ﴾ بكشف القناع عن جمال العزة.

﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً ﴿ ولا يحزنك ﴾ يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني "وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك" ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا ﴿ هو الذي جعل لكم ﴾ ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ﴿ لقوم يسمعون ﴾ حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية.

ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد.

وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الكشوف والأحوال ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات ﴿ إن الذين يفترون ﴾ هم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ لا يفلحون ﴾ لا يظفرون بكشف الحقائق {ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: تعلمون أن من في السماوات ومن في الأرض كلهم عبيده وإماؤه، فكيف قلتم: إن فلانا ولده وإن له شريكاً، ولا أحد منكم يتخذ من عبيده وإمائه ولدا ولا شريكاً؛ كقوله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ...

﴾ الآية [الروم: 28]؛ فعلى ذلك هذا.

أو كيف يحتمل أن يتخذ ولداً وله ملك ما في السماوات والأرض، وإنما يتخذ في الشاهد الولد لإحدى خصال ثلاث: إما للاستنصار على غيره، وإمّا لحاجة تمسه، وإمّا لوحشة أصابته، فهو غني له ملك السماوات والأرض لا حاجة تمسّه، فكيف نسبتم الولد إليه والشريك وما قالوا فيه مما لا يليق به؟!

وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

أو يخبر عن غناه عما يأمرهم وينهاهم ويتعبدهم، أي: ليس يأمر وينهى ويتعبد بأنواع العبادات ويمتحنهم بأنواع المحن لحاجة له أو لمنفعة له في ذلك، ولكن لمنفعة لهم في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ أي: ما يتبعون فيما يدعون من دون الله من الشركاء بالحجج والبراهين أو [اليقين بكتاب] أو رسول، إنما يتبعون بالظن والحذر.

﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ أي: ما هم إلا يكذبون فيما يتبعون بدعائهم دون الله؛ لأنهم كانوا أهل شرك لم يكونوا أهل كتاب ولا آمنوا برسول، فهم قد عرفوا أنهم مفترون كاذبون في اتباعهم دون الله؛ إذ سبيل معرفة ذلك الكتاب أو الرسول ولم يكن لهم واحد من ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ : يبصر فيه، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ  ﴾ يعني: في الليل ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ  ﴾ يعني: في النهار، فهو في موضع الامتنان وتذكير النعم، ليتأدى بذلك شكر ما أنعم عليه.

وفيه أن الليل والنهار يجريان على التدبير والتقدير؛ لأنهما لو كانا يجريان على غير تدبير ولا تقدير لكانا لا يجريان على تقدير واحد ولا سنن واحد، ولكن يدخل فيهما الزيادة والنقصان ولا يجريان على تقدير واحد، وإن كان يدخل بعضه في بعض، فدل جريانهما على تقدير واحد أنهما يجريان على تدبير آخر فيهما؛ إذ لو كان على غير تدبير يجريان على الجزاف على الزيادة والنقصان وعلى القلة والكثرة.

وفيه أيضاً أن مدبرهما واحد؛ لأنه لو كان مدبرهما عدداً لكان إذا غلب أحدهما الآخر دام غلبته، ولا يصير الغالب مغلوباً والمغلوب غالباً، فإذا صار ذلك ما ذكرنا دل أن مدبرهما واحد لا عدد.

وفيه دلالة البعث بعد الموت؛ لأن كل واحد منهما إذا جاء أتلف صاحبه تلفا حتى لا يبقى له أثر ولا شيء منه، ثم يكون مثله حتى لا يختلف الذاهب والحادث ولا الأول من الثاني، فدل أن الذي قدر على إنشاء ليل قد ذهب أثره وأصله لقادر على البعث، ومن قدر على إحداث نهار وقد فني وهلك لقادر على إحداث ما ذكرنا من الموت.

وفيه أن الشيء إذا كان وجوبه لشيئين لم يجب إذا عدم أحدهما؛ لأنه قال: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ وإنما يبصر بنور البصر ونور النهار جميعاً؛ لأنه إذا فات أحد النورين لم يبصر شيء من النور نور البصر أو نور النهار، دل أن الحكم إذا وجب بشرطين لا يوجد إلا باجتماعهما جميعاً، والليل يستر وجوه الأشياء لا أنه لا يرى نفسه، والنهار يكشف وجوه الأشياء، وفي الليل فيما يستر وجوه الأشياء دلالة أن الحكم إذا كان وجوبه بشرطين يجوز منعه بعلة واحدة؛ لأنه يستر نور النهار ونور البصر جميعاً.

وفي قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ وجوه من الدلالة: أحدها: ما ذكرنا من تذكير النعم يدعوهم به إلى الشكران وينهاهم عن الكفران، وفيه تذكير القدرة له حيث أنشأ هذا وأحدثه وأتلف الآخر، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء، وفيه دليل السلطان حيث يأخذهم الليل ويستر عليهم الأشياء شاءوا أو أبوا؛ وكذلك النهار يأتيهم حتى يكشف وجوه الأشياء ويجلي شاءوا أو أبوا، وفيه دليل التدبير والعلم لما ذكرنا من اتساق جريانهما على سنن واحد ومجرى واحد.

وفيه دلالة وحدانية منشئهما بين هاهنا فيما جعل الليل حيث قال: ﴿ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ أخبر أنه جعل الليل للسكون والراحة، فدل ذكر السكون في الليل على أنه جعل النهار للسعي وطلب العيش، ألا ترى أنه قال في النهار: ﴿ مُبْصِراً ﴾ أي: يبصرون فيه ما يتعيشون، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ...

﴾ الآية [القصص: 73].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ : ولم يقل: يبصرون فظاهر ما سبق من الذكر يجب أن يقال: لقوم يبصرون؛ لأنه قال: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ ، لكن يحتمل قوله: ﴿ يَسْمَعُونَ ﴾ أي: يعقلون؛ كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ يَسْمَعُونَ ﴾ \[ما ذكر من الآيات من أول السورة إلى هذه المواضع آيات لقوم يسمعون: ينتفعون بسماعهم أو يسمعون\] أي: يجيبون كقوله: سمع الله لمن حمده: أي: أجاب الله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هو وحده الَّذي جعل لكم -أيها الناس- الليل لتسكنوا فيه عن الحركة والتعب، وجعل النهار مضيئًا لتسعوا فيه بما يرجع إليكم بنفع في معاشكم، إن في ذلك لدلائل واضحة لقوم يسمعون سماع اعتبار وقبول.

<div class="verse-tafsir" id="91.1mazL"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله