الآية ٦٨ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٦٨ من سورة يونس

قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ۖ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ بِهَـٰذَآ ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٦٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 52 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٨ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٨ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى منكرا على من ادعى أن له ولدا : ( سبحانه هو الغني ) أي : تقدس عن ذلك ، هو الغني عن كل ما سواه ، وكل شيء فقير إليه ، ( له ما في السماوات وما في الأرض ) أي : فكيف يكون له ولد مما خلق ، وكل شيء مملوك له ، عبد له ؟

!

( إن عندكم من سلطان بهذا ) أي : ليس عندكم دليل على ما تقولونه من الكذب والبهتان !

( أتقولون على الله ما لا تعلمون ) إنكار ووعيد أكيد ، وتهديد شديد ، كما قال تعالى : ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) [ مريم : 88 - 95 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (68) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون بالله من قومك ، يا محمد: (اتخذ الله ولدًا)، وذلك قولهم: " الملائكة بنات الله ".

يقول الله منـزهًا نفسه عما قالوا وافتروا عليه من ذلك: " سبحان الله "، تنـزيهًا لله عما قالوا وادَّعوا على ربهم (58) ، " هو الغني" يقول: الله غنيٌّ عن خلقه جميعًا، فلا حاجة به إلى ولد، (59) لأن الولد إنما يَطْلُبه من يطلبه ، ليكون عونًا له في حياته وذكرًا له بعد وفاته، والله عن كل ذلك غنيٌّ، فلا حاجة به إلى معين يعينه على تدبيره ، ولا يبيدُ فيكون به حاجة إلى خلف بعده ، (له ما في السموات وما في الأرض) ، يقول تعالى ذكره: لله ما في السموات وما في الأرض مِلْكًا ، والملائكةُ عباده وملكه، فكيف يكون عبد الرجل وملكه له ولدًا؟

يقول: أفلا تعقلون أيها القوم خطأ ما تقولون؟

، (إن عندكم من سلطان بهذا) ، يقول: ما عندكم أيها القوم ، بما تقولون وتدّعون من أن الملائكة بنات الله ، من حجة تحتجون بها ، وهي السلطان (60) ، أتقولون على الله قولا لا تعلمون حقيقته وصحته، وتضيفون إليه ما لا يجوز إضافته إليه ، جهلا منكم بما تقولون ، بغير حجة ولا برهان؟

------------------------- الهوامش : (58) انظر تفسير " سبحان " فيما سلف ص : 47 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(59) انظر تفسير " الغني " فيما سلف 12 : 126 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(60) انظر تفسير " السلطان " فيما سلف 12 : 523 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمونقوله تعالى قالوا اتخذ الله ولدا يعني الكفار .

وقد تقدم .سبحانه نزه نفسه عن الصاحبة والأولاد وعن الشركاء والأنداد .هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض ثم أخبر بغناه المطلق ، وأن له ما في السماوات والأرض ملكا وخلقا وعبدا ; إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا .إن عندكم من سلطان بهذا أي ما عندكم من حجة بهذا .أتقولون على الله ما لا تعلمون من إثبات الولد له ، والولد يقتضي المجانسة والمشابهة والله تعالى لا يجانس شيئا ولا يشابه شيئا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى مخبرًا عن بهت المشركين لرب العالمين ‏{‏قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا‏}‏ فنزه نفسه عن ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَهُ‏}‏ أي‏:‏ تنزه عما يقول الظالمون في نسبة النقائص إليه علوًا كبيرًا، ثم برهن على ذلك، بعدة براهين‏:‏ أحدها‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏هُوَ الْغَنِيُّ‏}‏ أي‏:‏ الغنى منحصر فيه، وأنواع الغنى مستغرقة فيه، فهو الغني الذي له الغنى التام بكل وجه واعتبار من جميع الوجوه، فإذا كان غنيًا من كل وجه، فلأي شيء يتخذ الولد‏؟‏ ألحاجة منه إلى الولد، فهذا مناف لغناه فلا يتخذ أحد ولدًا إلا لنقص في غناه‏.‏ البرهان الثاني، قوله‏:‏ ‏{‏لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ‏}‏ وهذه كلمة جامعة عامة لا يخرج عنها موجود من أهل السماوات والأرض، الجميع مخلوقون عبيد مماليك‏.‏ ومن المعلوم أن هذا الوصف العام ينافي أن يكون له منهم ولد، فإن الولد من جنس والده، لا يكون مخلوقًا ولا مملوكًا‏.‏ فملكيته لما في السماوات والأرض عمومًا، تنافي الولادة‏.‏ البرهان الثالث، قوله‏:‏ ‏{‏إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا‏}‏ أي‏:‏ هل عندكم من حجة وبرهان يدل على أن لله ولدًا، فلو كان لهم دليل لأبدوه، فلما تحداهم وعجزهم عن إقامة الدليل، علم بطلان ما قالوه‏.‏ وأن ذلك قول بلا علم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ‏}‏ فإن هذا من أعظم المحرمات‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالوا ) يعني : المشركين ، ( اتخذ الله ولدا ) وهو قولهم الملائكة بنات الله ، ( سبحانه هو الغني ) عن خلقه ، ( له ما في السماوات وما في الأرض ) عبيدا وملكا ، ( إن عندكم ) ما عندكم ، ( من سلطان ) حجة وبرهان ، و " من " صلة .

" بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا» أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله «اتخذ الله ولدا» قال تعالى لهم «سبحانه» تنزيها له عن الولد «هو الغني» عن كل أحد وإنما يطلب الولد من يحتاج إليه «له ما في السماوات وما في الأرض» ملكا وخلقا وعبيدا «إن» ما «عندكم من سلطان» حجة «بهذا» الذي تقولونه «أتقولون على الله ما لا تعلمون» استفهام توبيخ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال المشركون: اتخذ الله ولدًا، كقولهم: الملائكة بنات الله، أو المسيح ابن الله.

تقدَّس الله عن ذلك كله وتنزَّه، هو الغني عن كل ما سواه، له كل ما في السموات والأرض، فكيف يكون له ولد ممن خلق وكل شيء مملوك له؟

وليس لديكم دليل على ما تفترونه من الكذب، أتقولون على الله ما لا تعلمون حقيقته وصحته؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم شرع - سبحانه - فى بيان أقبح الرذائل التي تفوه بها المشركون فقال : ( قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً .

.

.

)والمراد بهؤلاء القائلين : اليهود الذين قالوا : عزير ابن الله - والنصارى الذين قالوا : المسيح ابن الله ، وكفار العرب الذين قالوا : الملائكة بنات الله ، وغيرهم من نحا نحوهم فى تلك الأقوال الشائنة .وقوله : ( سُبْحَانَهُ هُوَ الغني لَهُ مَا فى السماوات وَمَا فى الأرض ) تنزيه له - عز وجل - عما قالوا ، فى حقه من أقاويل باطلة .أى : تنزه وتقدس عن أن يكون له ولد ، لأنه هو الغني بذاته عن الولد وعن كل شيء ، وهو المالك لجميع الكائنات علويها وسفليها ، وهو الذى لا يحتاج إلى غيره ، وغيره محتاج إليه ، وخاضع لسلطان قدراته .قال - تعالى - : ( وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً .

وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً .

إِن كُلُّ مَن فى السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً .

لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً .

وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً ) وقوله : ( إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بهاذآ ) تجهيل لهم ورد عليهم .

و ( إن ) هنا نافية ، و ( من ) مؤكدة لهذا النفي ، ومفيدة للعموم ، والسلطان : الحجة والبرهان .أى : ما عندكم دليل ولا شبهة دليل على ما زعمتوه من أن لله ولدا ، وإنما قلتم ما قلتم لانطماس بصيرتكم ، واستحواذ الشيطان على نفوسكم .وقوله - سبحانه - ( أَتقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) توبيخ آخر لهم على جهلهم وكذبهم .أى : أتقوولن على الله - تعالى - قولاً ، لا علم لكم به ، ولا معرفة لكم بحقيقته؟

إن قولكم هذا لهو دليل على جهلكم وعلى تعمدكم الكذب والبهتان .قال الآلوسى : " وفي الآية دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة .

وأن العقائد لا بد لها من قاطع ، وأن التقليد بمعزل من الاهتداء " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من الأباطيل التي حكاها الله تعالى عن الكفار وهي قولهم: ﴿ اتخذ الله وَلَدًا ﴾ ويحتمل أن يكون المراد حكاية قول من يقول: الملائكة بنات الله، ويحتمل أن يكون المراد قول من يقول: الأوثان أولاد الله، ويحتمل أن يكون قد كان فيهم قوم من النصارى قالوا ذلك ثم إنه تعالى لما استنكر هذا القول قال بعده: ﴿ هُوَ الغني لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ .

واعلم أن كونه تعالى غنياً مالكاً لكل ما في السموات والأرض يدل على أنه يستحيل أن يكون له ولد، وبيان ذلك من وجوه: الأول: أنه سبحانه غني مطلقاً على ما في هذه الآية، والعقل أيضاً يدل عليه، لأنه لو كان محتاجاً لافتقر إلى صانع آخر، وهو محال وكل من كان غنياً فإنه لابد أن يكون فرداً منزهاً عن الأجزاء والأبعاض، وكل من كان كذلك امتنع أن ينفصل عنه جزء من أجزائه، والولد عبارة عن أن ينفصل جزء من أجزاء الإنسان، ثم يتولد عن ذلك الجزء مثله، وإذا كان هذا محالاً ثبت أن كونه تعالى غنياً يمنع ثبوت الولد له.

الحجة الثانية: أنه تعالى غني وكل من كان غنياً كان قديماً أزلياً باقياً سرمدياً، وكل من كان كذلك، امتنع عليه الانقراض والانقضاء، والولد إنما يحصل للشيء الذي ينقضي، وينقرض، فيكون ولده قائماً مقامه، فثبت أن كونه تعالى غنياً، يدل على أنه يمتنع أن يكون له ولد.

الحجة الثالثة: أنه تعالى غني وكل من كان غنياً فإنه يمتنع أن يكون موصوفاً بالشهوة واللذة وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكون له صاحبة وولد.

الحجة الرابعة: أنه تعالى غني، وكل من كان غنياً امتنع أن يكون له ولد، لأن اتخاذ الولد إنما يكون في حق من يكون محتاجاً حتى يعينه ولده على المصالح الحاصلة والمتوقعة، فمن كان غنياً مطلقاً امتنع عليه اتخاذ الولد.

الحجة الخامسة: ولد الحيوان إنما يكون ولداً له بشرطين: إذا كان مساوياً له في الطبيعة والحقيقة، ويكون ابتداء وجوده وتكونه منه، وهذا في حق الله تعالى محال، لأنه تعالى غني مطلقاً، وكل من كان غنياً مطلقاً كان واجب الوجود لذاته، فلو كان لواجب الوجود ولد، لكان ولده مساوياً له.

فيلزم أن يكون ولد واجب الوجود أيضاً واجب الوجود، لكن كونه واجب الوجود يمنع من تولده من غيره، وإذا لم يكن متولداً من غيره لم يكن ولداً، فثبت أن كونه تعالى غنياً من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا ولد له، وهذه الثلاثة مع الثلاثة الأول في غاية القوة.

الحجة السادسة: أنه تعالى غني، وكل من كان غنياً امتنع أن يكون له أب وأم، وكل من تقدس عن الوالدين وجب أن يكون مقدساً عن الأولاد.

فإن قيل: يشكل هذا بالوالد الأول؟

قلنا: الوالد الأول لا يمتنع كونه ولداً لغيره، لأنه سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق الوالد الأول من أبوين يقدمانه أما الحق سبحانه فإنه يمتنع افتقاره إلى الأبوين، وإلا لما كان غنياً مطلقاً.

الحجة السابعة: إنه تعالى غني مطلقاً، وكل من كان غنياً مطلقاً امتنع أن يفتقر في إحداث الأشياء إلى غيره.

إذا ثبت هذا فنقول: هذا الولد، إما أن يكون قديماً أو حادثاً، فإن كان قديماً فهو واجب الوجود لذاته، إذ لو كان ممكن الوجود لافتقر إلى المؤثر، وافتقار القديم إلى المؤثر يقتضي إيجاد الموجود وهو محال، وإذا كان واجب الوجود لذاته لم يكن ولداً لغيره، بل كان موجوداً مستقلاً بنفسه، وأما إن كان هذا الولد حادثاً والحق سبحانه غني مطلقاً فكان قادراً على إحداثه ابتداء من غير تشريك شيء آخر، فكان هذا عبداً مطلقاً، ولم يكن ولداً، فهذه جملة الوجوه المستنبطة من قوله: ﴿ هُوَ الغنى ﴾ الدالة على أنه يمتنع أن يكون له ولد.

أما قوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ فاعلم أنه نظير قوله: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السموات والارض إِلاَّ اتِى الرحمن عَبْداً  ﴾ وحاصله يرجع إلى أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن، وكل ممكن محتاج، وكل محتاج محدث، فكل ما سوى الواحد الأحد الحق محدث، والله تعالى محدثه وخالقه وموجده وذلك يدل على فساد القول بإثبات الصاحبة والولد، ولما بين تعالى بالدليل الواضح امتناع ما أضافوا إليه، عطف عليهم بالإنكار والتوبيخ فقال: ﴿ إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بهذا ﴾ منبهاً بهذا على أنه لا حجة عندهم في ذلك ألبتة.

ثم بالغ في ذلك الإنكار فقال: ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وقد ذكرنا أن هذه الآية يحتج بها في إبطال التقليد في أصول الديانات ونفاة القياس وأخبار الآحاد قد يحتجون بها في إبطال هذين الأصلين وقد سبق الكلام فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سبحانه ﴾ تنزيه له عن اتخاذ الولد، وتعجب من كلمتهم الحمقاء ﴿ هُوَ الغنى ﴾ علة لنفي الولد لأنّ ما يطلب به الولد من يلد، وما يطلبه له السبب في كله الحاجة، فمن الحاجة منتفية عنه كان الولد عنه منتفياً ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ فهو مستغن بملكه لهم عن اتخاذ أحد منهم ولدا ﴿ إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بهذا ﴾ ما عندكم من حجة بهذا القول والباء حقها أن تتعلق بقوله: ﴿ إِنْ عِندَكُمْ ﴾ على أن يجعل القول مكاناً للسلطان، كقولك: ما عندكم بأرضكم موز، كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ لما نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين، فدلّ على أنّ كل قول لا برهان عليه لقائله فذاك جهل وليس بعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ أيْ تَبَنّاهُ.

﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنِ التَّبَنِّي فَإنَّهُ لا يَصِحُّ إلّا مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ لَهُ الوَلَدُ وتَعَجُّبٌ مِن كَلِمَتِهِمُ الحَمْقاءِ.

﴿ هُوَ الغَنِيُّ ﴾ عِلَّةٌ لِتَنْزِيهِهِ فَإنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ مُسَبَّبٌ عَنِ الحاجَةِ.

﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِغِناهُ.

﴿ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا ﴾ نَفْيٌ لِمُعارِضِ ما أقامَهُ مِنَ البُرْهانِ مُبالَغَةً في تَجْهِيلِهِمْ وتَحْقِيقًا لِبُطْلانِ قَوْلِهِمْ، و ﴿ بِهَذا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ سُلْطانٍ ﴾ أوْ نَعْتٌ لَهُ أوْ بِـ ﴿ عِنْدَكُمْ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ عِنْدَكم في هَذا مِن سُلْطانٍ.

﴿ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ عَلى اخْتِلافِهِمْ وجَهْلِهِمْ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَهو جَهالَةٌ وأنَّ العَقائِدَ لا بُدَّ لَها مِن قاطِعٍ وأنَّ التَّقْلِيدَ فِيها غَيْرُ سائِغٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سبحانه} تنزيه له عن اتخاذ الولد وتعجيب من كلمتهم الحمقاء {هُوَ الغني} علة لنفي الولد لأنه إنما يطلب الولد ضعيف ليتقوى به أو فقير ليستعين به أو ذليل ليتشرف

يونس (٦٨ _ ٧٢)

به الكل أمارة الحاجة فمن كان غنياً غير محتاج كان الولد عنه منفياً ولأن الولد بعض الوالد فيستدعي أن يكون مركباً وكل مركب ممكن وكل ممكن يحتاج إلى الغير فكان حادثاً فاستحال القديم أن يكون له ولد {لَهُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض} ملكا ولا تجتمع البنوة معه {إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بهذا} ما عندكم من حجة بهذا القول والباء حقها أن تتعلق بقوله إن عندكم على أن يجعل القول مكانا لسلطان كقولك ما عندكم بأرضكم موز كأنه قيل إن عندكم فيما تقولون سلطان ولما نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين فقال {أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ شُرُوعٌ في ذِكْرِ ضَرْبٍ آخَرَ مِن أباطِيلِ المُشْرِكِينَ وبَيانُ بُطْلانِهِ والمُرادُ بِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَلى ما قِيلَ: كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ فَإنَّهم قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى واليَهُودُ والنَّصارى القائِلُونَ: عُزَيْرٌ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ابْناهُ عَزَّ وجَلَّ والِاتِّخاذُ صَرِيحٌ في التَّبَنِّي وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ قَوْلُ كُلِّ المُشْرِكِينَ، وإذا ثَبَتَ أنَّ مِنهم مَن يَقُولُ بِالوِلادَةِ والتَّوْلِيدِ حَقِيقَةً كانَ ما هُنا قَوْلَ البَعْضِ ولْيُنْظَرُ هَلْ يَجْرِي فِيهِ احْتِمالُ إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ لِلْكُلِّ لِتَحَقُّقِ شَرْطِهِ أمْ لا يَجْرِي لِفَقْدِ ذاكَ والوَلَدُ يُسْتَعْمَلُ مُفْرَدًا وجَمْعًا.

وفِي القامُوسِ الوَلَدُ مُحَرَّكَةً وبِالضَّمِّ والكَسْرِ والفَتْحِ واحِدٌ وجَمْعٌ وقَدْ يُجْمَعُ عَلى أوْلادٍ ووَلَدَةٍ وإلْدَةٍ بِالكَسْرِ فِيهِما ووُلْدٍ بِالضَّمِّ وهو يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَنْزِيهٌ وتَقْدِيسٌ لَهُ تَعالى عَمّا نَسَبُوا إلَيْهِ عَلى ما هو الأصْلُ في مَعْنى سُبْحانَ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّعَجُّبِ مَجازًا ويَصِحُّ إرادَتُهُ هُنا والمُرادُ التَّعَجُّبُ مِن كَلِمَتِهِمُ الحَمْقى وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ التَّنْزِيهِ والتَّعَجُّبِ ولَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ التَّعَجُّبَ مَعْنًى كِنائِيٌّ وأنَّهُ يَصِحُّ إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في الكِنايَةِ وهو أحَدُ القَوْلَيْنِ في المُسالَةِ وقِيلَ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ اسْتِفادَةُ مَعْنى التَّعَجُّبِ مِنهُ بِاسْتِعْمالِ اللَّفْظِ فِيهِ بَلْ هو مِنَ المَعانِي الثَّوانِي وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ هُوَ الغَنِيُّ ﴾ أيْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ في كُلِّ شَيْءٍ عِلَّةٌ لِتَنَزُّهِهِ تَعالى وتَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ وإيذانٌ بِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ مُسَبِّبٌ عَنِ الحاجَةِ وهي التَّقْوى أوْ بَقاءُ النَّوْعِ مَثَلًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ أيْ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى الغَنِيِّ لِأنَّ المالِكَ لِجَمِيعِ الكائِناتِ هو الغَنِيُّ وما عَداهُ فَقِيرٌ وقِيلَ: هو عِلَّةٌ أُخْرى لِلتَّنَزُّهِ عَنِ التَّبَنِّي لِأنَّهُ يُنافِي المالِكِيَّةَ وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ ﴾ أيْ حُجَّةٍ ﴿ بِهَذا ﴾ أيْ بِما ذُكِرَ مِنَ القَوْلِ الباطِلِ تَوْضِيحٌ لِبُطْلانِهِ بِتَحْقِيقِ سَلامَةِ ما أُقِيمَ مِنَ البُرْهانِ السّاطِعِ عَنِ المُعارِضِ والمُنافِي فَإنْ نافِيَةٌ ومِن زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ ومَجْرُورُها مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ المُقَدَّمُ خَبَرُهُ أوْ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لِاعْتِمادِهِ عَلى النَّفْيِ وبِهَذا مُتَعَلِّقٌ إمّا بِسُلْطانٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الحُجَّةِ كَما سَمِعْتَ وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ وقِيلَ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ الرّاجِعِ إلَيْهِ وإمّا بِما في ﴿ عِنْدَكُمْ ﴾ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ ويَتَعَيَّنُ عَلى هَذا كَوْنُ ﴿ سُلْطانٍ ﴾ فاعِلًا لِلظَّرْفِ لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ المَعْنَوِيِّ ومُتَعَلِّقِهِ بِأجْنَبِيٍّ وِالِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِمَزِيدِ المُبالَغَةِ في الإلْزامِ والإفْحامِ وتَأْكِيدُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما تَعْمَلُونَ 68 مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى جَهْلِهِمْ واخْتِلاقِهِمْ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَهو جَهالَةٌ وأنَّ العَقائِدَ لا بُدَّ لَها مِن قاطِعٍ وأنَّ التَّقْلِيدَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاهْتِداءِ ولا تَصْلُحُ مُتَمَسِّكًا لِنَفْيِ القِياسِ والعَمَلِ بِخَبَرِ الآحادِ لِأنَّ ذَلِكَ في الفُرُوعِ وهي مَخْصُوصَةٌ بِالأُصُولِ لِما قامَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى تَخْصِيصِها وإنْ عَمَّ ظاهِرُها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثمّ دلَّ بصنعه على وحدانيته، فقال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ يعني: خلق لكم اللَّيل لَتَقَرُّوا فيه من النَّصَبِ والتَّعَبِ، وَالنَّهارَ مُبْصِراً يعني: خلق النَّهار مطلباً للمعيشة.

إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في تقلب اللَّيل والنَّهار لَآياتٍ يعني: لَعِبْرَاتٍ وَعَلاَمَاتٍ لوحدانيَّةِ الله، لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ يعني: المواعظ.

ثم رجع إلى ذِكْرِ كُفَّار مَكَّةَ فقال تعالى: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، حين قالوا: الملائكة بنات الله تعالى، سُبْحانَهُ نزه نفسه عن الولد، فقال: هُوَ الْغَنِيُّ عن الولد، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق، كلهم عبيده وإماءه إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا يعني: ما عندكم من حُجَّة بهذا القول، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ بغير حجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بعدُ تعمُّ كلَّ من قال نحو هذا القول كالنّصارى، وسُبْحانَهُ معناه: «تنزيهاً له، وبراءةً من ذلك» فسَّره بهذا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا «إِنْ» نافيةٌ، والسلطانُ: الحُجَّة، وكذلك معناه حيث تكرَّر في القرآن، ثم وبَّخهم تعالى بقوله: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ ...

الآية: توعُّد لهم بأنهم لا يظفرون ببُغْيَة، ولا يَبْقَوْن في نعمة، إِذ هذه حالُ مَنْ يصير إِلى العذاب، وإن نعّم في دنياه يسيرا.

وقوله تعالى: مَتاعٌ مرفوعٌ على خبر ابتداء أي: ذلك متاعٌ.

قال ص: مَتاعٌ جوابُ سؤالٍ مقدَّر، كأنه قيل: كيف لا يُفْلِحون، وهُمْ في الدنيا مفلحون بأنواعِ التلذُّذات؟!

فقيل: ذَلِكَ مَتَاعٌ، فهو خبر مبتدإٍ محذوف.

انتهى، وهذا الذي قدَّره ص: يُفْهَمُ من كلام ع «١» .

وقول نوح عليه السلام: يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي ...

الآية: المَقَامُ:

وقوف الرجل لكلامٍ أو خُطْبَةٍ أَو نحوه، والمُقَام- بضم الميم-: إِقامته ساكناً في موضعٍ أو بلدٍ، ولم يقرأ هنا بضَمِّ الميم فيما علمتُ، وتذكيره: وعظُه وزَجْره، وقوله: فَأَجْمِعُوا:

من أَجْمَعَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ، إِذا عزم عليه ومنه الحديثُ: ما لم يجمعْ مكثاً، وأَمْرَكُمْ: يريد به: قُدْرَتكُم وحِيَلكُمْ، ونصب «الشركاء» بفعل مضمر كأنه قال: وادعوا شَركَاءَكُمْ فهو مِنْ باب: [الرجز]

عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِدَا ...

حَتَّى شتت همّالة عيناها «٢»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، جَعَلُوا المَلائِكَةَ بَناتَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَمّا قالُوا.

﴿ هُوَ الغَنِيُّ ﴾ عَنِ الزَّوْجَةِ والوَلَدِ.

﴿ إنْ عِنْدَكُمْ ﴾ أيْ: ما عِنْدَكم ﴿ مِن سُلْطانٍ ﴾ أيْ: حُجَّةٌ بِما تَقُولُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُفْلِحُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَبْقَوْنَ في الدُّنْيا.

والثّانِي: لا يَسْعَدُونَ في العاقِبَةِ.

والثّالِثُ: لا يَفُوزُونَ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا وقْفُ التَّمامِ، وقَوْلُهُ " مَتاعٌ في الدُّنْيا " مَرْفُوعٌ عَلى مَعْنى: ذَلِكَ مَتاعٌ في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللهُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ مَتاعٌ في الدُنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ لَمّا نَصَّ عَظَمَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ في هَذِهِ بِالتَنْبِيهِ عَلى أفْعالِهِ لِتَبَيُّنِ العَظَمَةِ المَحْكُومِ بِها قَبْلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لِتَسْكُنُوا ﴾ دالٌّ عَلى أنَّ النَهارَ لِلْحَرَكَةِ والتَصَرُّفِ، وكَذَلِكَ هو في الوُجُودِ، وذَلِكَ أنَّ حَرَكَةَ اللَيْلِ مُتَعَذِّرَةٌ بِفَقْدِ الضَوْءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ والنَهارَ مُبْصِرًا ﴾ مَجازٌ، لِأنَّ النَهارَ لا يُبْصِرُ، ولَكِنَّهُ ظَرْفٌ لِلْإبْصارِ، وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، إذِ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ مَفْهُومٌ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: لَقَدْ لُمْتِنا يا أمَّ غِيلانَ في السُرى ∗∗∗ ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ ولَيْسَ هَذا مِن بابِ النَسَبِ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ ونَحْوِها.

وإنَّما ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الشاعِرِ: أمّا النَهارُ فَفي قَيْدٍ وسِلْسِلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ واللَيْلُ في بَطْنِ مَنحُوتٍ مِنَ الساجِ فَجَعَلَ اللَيْلَ والنَهارَ بِهاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، ولَيْسَ يُرِيدُ إلّا أنَّهُ هو فِيهِما كَذَلِكَ، وهَذا البَيْتُ لِمَسْجُونٍ كانَ يَبِيتُ في خَشَبَةِ السِجْنِ، وعَلى أنَّ هَذا البَيْتَ قَدْ يُنْشَدُ: "أمّا النَهارَ" بِالنَصْبِ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ إيجازٌ وإحالَةٌ عَلى ذِهْنِ السامِعِ لِأنَّ العِبْرَةَ هي في أنَّ اللَيْلَ مُظْلِمٌ يُسْكَنُ فِيهِ، والنَهارُ مُبْصِرٌ يُتَصَرَّفُ فِيهِ، فَذُكِرَ طَرَفٌ مِن هَذا والطَرْفُ الآخَرُ مِنَ الجِهَةِ الثانِيَةِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنِ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: "يَسْمَعُونَ" يُرِيدُ: ويَعُونَ.

والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ العَرَبِ، وذَلِكَ قَوْلُ طائِفَةٍ مِنهُمُ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ"، والآيَةُ بَعْدُ تَعُمُّ كُلَّ مَن قالَ نَحْوَ هَذا القَوْلِ كالنَصارى ومَن يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ مِنَ الكَفَرَةِ، و"سُبْحانَهُ": مَصْدَرٌ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ وبَراءَةً مِن ذَلِكَ، فَسَّرَهُ بِهَذا النَبِيِّ  ، وقَوْلُهُ: ﴿ هُوَ الغَنِيُّ ﴾ صِفَةٌ عَلى الإطْلاقِ، أيْ لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ مِنَ الجِهاتِ، والوَلَدُ جُزْءٌ مِمّا هو غَنِيٌّ عنهُ، والحَقُّ هو قَوْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللهِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ بِالمِلْكِ والإحاطَةِ والخَلْقِ، و"إنْ" نافِيَةٌ، والسُلْطانُ: الحُجَّةُ، وكَذَلِكَ مَعْناهُ حَيْثُ تَكَرَّرَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ وَقَّفَهم مُوَبِّخًا بِقَوْلِهِ: ﴿ أتَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ ﴾ الآيَةُ، هَذا تَوَعُّدٌ لَهم بِأنَّهم لا يَظْفَرُونَ بِبُغْيَةٍ ولا يَبْقَوْنَ في نِعْمَةٍ، إذْ هَذِهِ حالُ مَن يَصِيرُ إلى العَذابِ وإنْ نُعِّمَ في دُنْياهُ يَسِيرًا، وقَوْلُهُ: "مَتاعٌ" مَرْفُوعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: ذَلِكَ مَتاعٌ، أو هو عَلى الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: لَهم مَتاعٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَوَعُّدٌ بِحَقٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بيان لجملة ﴿ ألا إن لله مَن في السماوات ومَن في الأرض ﴾ [يونس: 66] إلى آخرها، وفي هذا البيان إدماج بحكاية فن من فنون كفرهم مغاير لادعاء شركاء لله، لأن هذا كفر خفي من دينهم، ولأن الاستدلال على إبطاله مغاير للاستدلال على إبطال الشركاء.

فضمير ﴿ قالوا ﴾ عائد إلى ﴿ الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ [يونس: 66] أي قال المشركون ﴿ اتخذ الله ولداً ﴾ .

وليس المراد من الضمير غيرَهم من النصارى لأن السورة مكية والقرآن المكي لم يتصد لإبطال زيغ عقائد أهل الكتاب، ذلك أن كثيراً منهم كانوا يزعمون أن لله بنات هم الملائكة، وهم بناته من سَروات نساء الجن، ولذلك عَبَدت فرق من العرب الجن قال تعالى: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت وَليُّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ [سبأ: 40، 41].

والاتخاذ: جعل شيء لفائدة الجاعل، وهو مشتق من الأخذ لأن المتخذ يأخذ الشيء الذي يصطفيه.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ في سورة [الأنعام: 74]، وقوله: ﴿ وإن يَروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً ﴾ في [الأعراف: 146]، فالاتخاذ يصدق على أخذ شيء موجود للاستئثار به، ويصدق على تكوين شيء للانتفاع به.

وهو هنا صالح للمعنيين لأن منهم مَن يعتقد تولد الولد عن الله تعالى، ومنهم مَن يعتقد أن الله تبنَّى بعض مخلوقاته.

والولد: اسم مصوغ على وزن فَعَل مثل عَمَد وعرب.

وهو مأخوذ من الولادة، أي النتاج.

يقال: ولدت المرأة والناقة، ولعل أصل الولد مصدر ممات على وزن فعل مثل الفَرح.

ومن أجل ذلك أطلق على الواحد والجمع كما يوصف بالمصدر.

يقال: هؤلاء ولد فلان.

وفي الحديث أنا سيد ولَدِ آدمِ والمراد هنا الجمع لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله استولدها من سروات الجن قال تعالى: ﴿ ويجعلون لله البنات سبحانه ﴾ [النحل: 57].

وجملة: ﴿ سبحانه ﴾ إنشاء تنزيه للرد عليهم، فالجملة جواب لذلك المقال ولذلك فصلت عن التي قبلها.

وهو اسم مصدر ل (سَبَّح) إذا نزّه، نائب عن الفعل، أي نسبحه.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا ﴾ في سورة [البقرة: 32]، أي تنزيهاً لله عن هذا لأن ما قالوه يستلزم تنقيص الله تعالى، ولذلك بُينت جملةُ التنزيه بجملة: هو الغني } بياناً لوجه التنزيه، أي هو الغني عن اتخاذ الولد، لأن الإلهية تقتضي الغنى المطلق عن كل احتياج إلى مُكمِل نقص في الذات أو الأفعال، واتخاذ الولد إما أن ينشأ عن اندفاع طبيعي لقضاء الشهوة عن غير قصدِ التوليد وكونُها نقصاً غير خفي، وإما أن ينشأ عن القصد والتفكير في إيجاد الولد، وذلك لا يكون إلا لسد ثلمة نَقص من حاجة إلى معنى في الحياة أو خَلَف بعد الممات.

وكل ذلك مناف للإلهية التي تقتضي الاتصاف بغاية الكمال في الذات والصفات والأفعال.

والغَنِيُّ: الموصوف بالغِنى، فعيل للمبالغة في فعل (غَنِيَ) عن كذا إذا كان غير محتاج، وغنى الله هو الغنى المطلق، وفسر في أصول الدين الغنى المُطلق بأنه عدم الافتقار إلى المُخَصِّص وإلى المحل، فالمخصص هو الذي يُعين للممكن إحدى صفتي الوجود أو العدم عوضاً عن الأخرى، فبذلك ثبت للإله الوجودُ الواجب، أي الذي لا يتصور انتفاؤه ولذلك انتفى عنه التركيب من أجزاء وأبعاض ومن أجل ذلك امتنع أن ينفصل عنه شيء منه، والولد ينشأ من جزء منفصل عن الوالد، فلا جرم أنْ كان الغَنِيُّ منزّهاً عن الولد من جهة الانفصال، ثم هو أيضاً لا يجوز أن يتخذ بعض المخلوقات ولداً له بالتبني لأجل كونه غنياً عن الحاجات التي تبعث على اتخاذ الولد من طلب معونة أو إيناس أو خلَف، قال تعالى: ﴿ وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل عباد مكرمون ﴾ [الأنبياء: 26] وقال: ﴿ بديع السماوات والأرض أنَّى يكون له ولد ﴾ [الأنعام: 101].

وجملة: ﴿ له ما في السماوات وما في الأرض ﴾ مقررة لوصف الغنى بأن ما في السماوات وما في الأرض ملكه، فهنو يسخر كل موجود لما خلقه لأجله، فلا يحتاج إلى إعانة ولد، ولا إلى ترفيع رتبة أحد استصناعاً له كما يفعل الملوك لقواد جيوشهم وأمراء أقطارهم وممالكهم لاكتساب مودتهم وإخلاصهم.

وهذا مساو للاستدلال على نفي الشريك في قوله آنفاً ﴿ ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يَتبع الذين يَدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن ﴾ [يونس: 66] ودل قوله: ﴿ له ما في السماوات وما في الأرض ﴾ على أن صفة العبودية تنافي صفة البُنُوة وذلك مثل قوله: ﴿ وقالوا اتخذ الرحمان ولداً سبحانه بل عباد مُكرمون ﴾ [الأنبياء: 26].

ويؤخذ من هذا أن الولد لا يُسترقُّ لأبيه ولا لأمّه ولذلك يعتق الولد على من يملكه من أب أو أم وإن عَلَيَا.

وجملة: ﴿ إنْ عندكم من سلطان بهذا ﴾ جواب ثان لقولهم: ﴿ اتَّخذ الله ولداً ﴾ فلذلك فُصلت كما فصلت جملة ﴿ سبحانه ﴾ ، فبعد أن استدل على إبطال قولهم، سجل عليهم أنهم لا حجة لهم في قولهم ذلك.

و ﴿ إن ﴾ حرف نفي.

و ﴿ مِن ﴾ مزيدة لتأكيد النفي بالاستغراق، أي استغراق نفي جميع أنواع الحجة قويِّها وضعيفها، عقليِّها وشرعيِّها.

و (عند) هنا مستعملة مجازاً.

شُبِّه وجودُ الحجة للمحتج بالكون في مكانه، والمعنى: لا حجَّة لكم.

و ﴿ سلطان ﴾ محله رفع بالابتداء، وخبره ﴿ عِندكم ﴾ واشتغل آخر المبتدأ عن الضمة بكسرة حرف الجر الزائدة.

والسلطان: البرهان والحجة، لأنه يكسب المستدل به سلطة على مخالفه ومجادله.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ما نزل الله بها من سلطان ﴾ في سورة [الأعراف: 71].

والباء للملابسة، وهي في موضع صفة لسلطان}، أي سلطان ملابس لهذا.

والإشارة إلى المقول.

والمعنى: لا حجة لكم تصاحب مَقولكم بأن الله اتخذ ولداً.

وجملة: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ جواب ثالث ناشيء عن الجوابين لأنهم لما أُبطل قولهم بالحجة.

ونُفي أن تكون لهم على قولهم حجة كانوا أحرياء بالتوبيخ والتشنيع بأنهم يجترئون على جناب الله فيصفون الله بما لا يعلمون، أي بما لا يوقنون به، ولكونها جواباً فصلت.

فالاستفهام مستعمل في التوبيخ، لأن المذكور بعده شيء ذميم، واجتراء عظيم وجهل كبير مركب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ في ﴿ أوْلِياءَ اللَّهِ ﴾ ها هُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ وِلايَتِهِ والمُسْتَحِقُّونَ لِكَرامَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: هُمُ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ الثّالِثُ: هُمُ الرّاضُونَ بِالقَضاءِ، والصّابِرُونَ عَلى البَلاءِ، والشّاكِرُونَ عَلى النَّعْماءِ.

الرّابِعُ: هم مَن تَوالَتْ أفْعالُهم عَلى مُوافَقَةِ الحَقِّ.

الخامِسُ: هُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ تَعالى.

رَوى جَرِيرٌ عَنْ عِمارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ أبِي زُرْعَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ أُناسًا ما هم بِأنْبِياءٍ ولاَ شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ خَبِّرْنا مَن هم وما أعْمالُهم فَإنّا نُحِبُّهم لِذَلِكَ قالَ: (هم قَوْمٌ تَحابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ بَيْنَهم ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها).» فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُّورٍ لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ وقَرَأ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَخافُونَ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَوَلّاهم ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى دُنْياهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَوِّضُهم عَنْها، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ولا هم يَحْزَنُونَ عِنْدَ المَوْتِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا هي البِشارَةُ عِنْدَ المَوْتِ بِأنْ يَعْلَمَ أيْنَ هو مِن قَبْلِ أنْ يَمُوتَ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (إنَّ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ بَيْتًا مِن قَصَبٍ لا صَخَبَ فِيهِ ولا نَصَبَ)» .

الثّانِي: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها الرَّجُلُ الصّالِحُ أوْ تُرى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ)، رَوى ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الثَّناءُ الصّالِحُ، وفي الآخِرَةِ إعْطاؤُهُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ.

﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا خَلْفَ لِوَعْدِهِ.

الثّانِي: لا نَسْخَ لِخَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والنهار مبصراً ﴾ قال: منيراً.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ يقول ما عندكم من سلطان بهذا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴾ ، قال ابن عباس والمفسرون: يعني: زَعَم المشركون أن الملائكة بنات الله (١) (٢) ﴿ سُبْحَانَهُ ﴾ تعظيمًا له وتنزيهًا عما قالوا: ﴿ هُوَ الْغَنِيُّ ﴾ ، قال ابن عباس: الغني أن تكون له زوجة أو ولد (٣) وقوله تعالى: ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [هذا كقوله: (سبحانه أن يكون (له ولد) (٤) (٥) قوله: ﴿ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾ ما عندكم من (٦) (١) ذكره عن ابن عباس بنحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 47، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 216، وهو قول ابن جرير 11/ 140، والسمرقندي 2/ 105، والثعلبي 7/ 20 ب، والبغوي 4/ 142 وغيرهم.

(٢) "تنوير المقباس" ص 216 بنحوه عنه، عن ابن عباس.

(٣) " تنوير المقباس" ص 216 بنحوه، وذكره من غير نسبة المؤلف في "الوسيط" 2/ 554، "الوجيز" 7/ 182، وابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 47.

(٤) ساقط من جميع النسخ عدا (م).

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٦) ساقط من (ح) و (ز).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ من السكون وهو ضدّ الحركة ﴿ والنهار مُبْصِراً ﴾ أي مضيئاً تبصرون فيه الأشياء ﴿ قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً ﴾ الضمير للنصارى ولمن قال: إن الملائكة بنات الله ﴿ هُوَ الغني ﴾ وصف يقتضي نفي الولد والردّ على من نسبه إليه، لأن الغني المطلق لا يفتقر إلى اتخاذ ولد ﴿ لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ بيان وتأكيد للغني، وباقي الآية توبيخ للكفار ووعيد لهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شأن ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يعزب ﴾ بالكسر حيث كان: علي.

الباقون بالضم.

﴿ ولا أصغر ﴾ ﴿ ولا أكبر ﴾ بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل.

الآخرون بالنصب.

الوقوف: ﴿ تفيضون فيه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح صفة ﴿ لأولياء ﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿ يتقون ﴾ أو مبتدأ خبره ﴿ لهم البشرى ﴾ فلا يوقف على ﴿ يتقون ﴾ ﴿ وفي الآخرة ﴾ ط ﴿ لكلمات الله ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿ أولياء ﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول.

﴿ قولهم ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ إن العزة ﴾ مقول الكفار.

﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه {  } ط ﴿ الغني ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بهذا ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ لا يفلحون ﴾ ه ط، ﴿ يكفرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بيّن كونه  عالماً بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك فقال: ﴿ وما تكون ﴾ يا محمد ﴿ في شأن ﴾ أي أمر من الأمور.

وأصله الهمز بمعنى القصد من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.

قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر.

وقال الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و "ما" في ﴿ وما تكون ﴾ ﴿ وما تتلو ﴾ نافية والضمير في ﴿ منه ﴾ إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله  بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل وميكال  ﴾ وإما للقرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن.

ثم عمم الخطاب فقال: ﴿ ولا تعملون ﴾ أيها المكلفون ﴿ من عمل ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن المراد الملائكة الموكلون ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ الإفاضة الشروع في العمل على جهة الانصباب والاندفاع ومنه قوله: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ قيل: شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها.

والجواب أن الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو أخبرنا الصادق أن زيداً يفعل كذا غداً فنكون عالمين بذلك لا شاهدين.

ثم زاد في التعميم فقال: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل.

ومعنى ﴿ مثقال ذرة ﴾ قد مر في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ وذلك في سورة النساء.

والمقصود أنه لا يغيب عن علمه شيء أصلاً وإن كان في غاية الحقارة.

وإنما قال ههنا ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام سيق لشاهدته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد تسليم أن الواو تفيد الترتيب.

ثم بالغ في تعميم علمه فقال: ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوباً معطوفاً على لفظ مثقال لأنه في موضع الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعاً معطوفاً على محل ﴿ من مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وإنه محال.

ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله  ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض.

وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب مبين.

وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه  غير عالم بالجزيئات.

أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في كتاب مبين.

وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم إن "إلا" بمعنى الواو على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ ولا أكبر ﴾ ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب ﴿ مبين ﴾ والعرب تضع "إلا" موضع واو النسق كثيراً ومنه قوله: ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم  ﴾ يعني ومن ظلم.

وقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ﴾ يعني والذين ظلموا.

ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال كل فريق فقال: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الآية.

والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه  لاستغراقهم في نور معرفته وجماله وجلاله.

قال أبو بكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه.

وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله  في وصفهم ﴿ الذين آمنوا ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية.

﴿ وكانوا يتقون ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة العملية.

وههنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقياً في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن يقدس ذاته عن أن يكون مقصوراً على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبداً في الخوف والدهشة.

وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة البقرة: وعن سعيد بن جبير أن رسول الله  سئل من أولياء الله؟

فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم.

يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات والسكينة.

وعن عمر سمعت النبي  يقول: "إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله.

قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم.

قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ الآية" يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة.

ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟

فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله.

ثم أخبر الله  عنهم بأن ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقيل: بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات  ﴾ وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن.

عن أبي ذر  قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.

قال: تلك عاجل بشرى المؤمن.

والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه.

ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله.

وقيل: هي الرؤيا الصالحة.

وعنه  : "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي  استنبىء بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر.

ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين.

وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك.

وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة  ﴾ وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في "الأنعام" ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام.

تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله.

ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: ﴿ ولا يحزنك ﴾ أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح.

ثم استأنف قوله: ﴿ إن العزة لله ﴾ كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟

فقيل: لأن العزة لله.

﴿ جميعاً ﴾ إن الغلبة والقهر له ولحزبه ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ وقرىء "أن" بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعاً والرسول كان يحزنه ذلك وهذا كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله  واثقاً بوعد الله  في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها.

ثم أكد الوعد بقوله: ﴿ هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم.

ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين - وهم الملائكة والثقلان - كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكاً له فما وراءهم ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون نداً له.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ وما يتبع ﴾ "ما" نافية ومفعول ﴿ يدعون ﴾ محذوف أي ليس يتبع ﴿ الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة الله في الربوبية محال.

وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول ﴿ يدعون ﴾ والثاني مفعول ﴿ يتبع ﴾ ويجوز أن تكون "ما" استفهامية بمعنى أي شيء يتبعون.

و ﴿ شركاء ﴾ على هذا نصب بـ ﴿ يدعون ﴾ ولا حاجة إلى إضمار.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "من" كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ وقد مر مثله في سورة الأنعام.

ثم ذكر طرفاً من آثار قدرته مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: ﴿ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ طلباً للراحة ﴿ والنهار مبصراً ﴾ ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر وقبول.

ثم حكى نوعاً آخر من أباطيلهم فقال: {قالوا اتخذ الله ولداً  } وقد مر في "البقرة".

ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: ﴿ هو الغني ﴾ وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى الولد ولا يصح له مثل.

وأيضاً الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضاً متولداً من مثله ولا يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا الوقوع.

ثم بالغ في البرهان فقال: ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإذا كان الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولداً له لأن الأب يساوي الابن في الطبيعة بخلاف المالك.

ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ أي ما عندكم من حجة بهذا القول.

قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق بقوله: ﴿ إن عندكم ﴾ على أن يجعل القول مكاناً للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم موز.

كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان.

أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال الباء بمعنى "في" أكثر منه بمعنى "على".

ثم وبخهم على القول بلا دليل ومعرفة فقال: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ .

ثم أوعدهم على افترائهم فقال: ﴿ قل إن الذين يفترون ﴾ الآية.

ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك ﴿ متاع قليل ﴾ في الدنيا.

ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد والعذاب الأليم أعاذنا الله منه.

التأويل: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ من النبوة ﴿ وما تتلوا ﴾ من شأن النبوة ﴿ من قرآن ﴾ ﴿ ولا تعملون ﴾ يا أمة محمد  ﴿ من عمل ﴾ من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر.

﴿ ولا في السماء ﴾ أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ﴿ ولا أصغر ﴾ من الحركة وهو القصد دون الفعل ﴿ ولا أكبر ﴾ من النية وهو العمل ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الذين هم أعداء النفوس ﴿ لا خوف عليهم ﴾ من تمني النظر بنفوسهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ بالوقائع والمبشرات ﴿ وفي الآخرة ﴾ بكشف القناع عن جمال العزة.

﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً ﴿ ولا يحزنك ﴾ يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني "وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك" ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا ﴿ هو الذي جعل لكم ﴾ ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ﴿ لقوم يسمعون ﴾ حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية.

ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد.

وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الكشوف والأحوال ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات ﴿ إن الذين يفترون ﴾ هم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ لا يفلحون ﴾ لا يظفرون بكشف الحقائق {ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ﴾ .

قال بعضهم: أرادوا بقولهم: اتخذ الله ولدا حقيقة الولد؛ كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ  ﴾ [...].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ...

 ﴾ كذا، ﴿ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ...

 ﴾ كذا فنزه - عز وجل - نفسه عمّا قالوا بقوله: ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ﴾ أنه لم يلد أحداً ولا ولد هو من أحد؛ ولهذا قال: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  ﴾ ؛ إذ في الشاهد لا يخلو إما أن يكون ولد من آخر أو والد، والخلق كله لا يخلو من هذا، فأخبر أنه لم يلد هو أحد ولا ولد من أحد.

وقوله: ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ تأويله - والله أعلم - أن في الشاهد من اتخذ ولدا إنما يتخذ لأحد وجوه ثلاثة: إما لحاجة تمسه، أو لشهوة تغلبه، أو لما يستنصر به على آخر ممن يخافه، فإذا كان له ملك السماوات والأرض وملك ما فيهما كلهم عبيده وإماؤه، فلا حاجة تقع له إلى الولد؛ إذ هو الغني وله ملك ما في السماوات والأرض ومن هذا وصفه فلا يحتاج إلى الولد، ولأنه لا أحد في الشاهد يحتمل طبعه اتخاذ الولد من عبيده وإمائه، فإذا كان لله  الخلائق كلهم عبيده وإماؤه كيف احتمل اتخاذ الولد منهم لو جاز وقد بينا إحالة ذلك وفساده.

ولأن الولد يكون من شكل الوالد ومن جنسه كالشريك يكون من شكل الشريك ومن جنسه فكان في نفي الشريك نفي الولد؛ لأن معناهما واحد وكل ذي شكل له ضدّ ومن له ضد أو شكل فإنه لا ربوبية له ولا ألوهية.

[وقال بعضهم: قولهم: اتخذ الله ولدا، لم يريدوا حقيقة الولد، ولكن أرادوا منزلة الولد وكرامته، فهو - أيضاً - منفي عنه؛ لأن من لا يحتمل الحقيقة - أعني: حقيقة الولد - امتنع عن منزلته وكرامته؛ لأن الحقيقة انتفت لعيب يدخل فيه، فإذا ثبت له منزلة تلك الحقيقة والكرامة دخل فيه عيب الحقيقة].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ بهذا قيل ما عندكم من حجة على ما تقولون إن له ولدا؛ لأنهم كانوا أهل تقليد لآبائهم وأسلافهم، وكانوا لا يؤمنون بالرسل والكتب والحجج، وإنما يستفاد ذلك من جهة الرسالة والكتب وهم كانوا ينكرون ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: تقولون على الله أنه اتخذ ما تعلمون أنه لم يتخذ ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ هو ما ذكرنا أنهم علموا أنه لم يتخذ ولداً، لكن قالوا ذلك افتراء على الله ﴿ لاَ يُفْلِحُونَ ﴾ في الآخرة؛ لما طمعوا في الدنيا بعبادتهم دون الله الأصنام بقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وقوله: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ لا يفلحون، أي: لا يظفرون بما طمعوا في الآخرة ﴿ مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ \[أي ذلك لهم متاع في الدنيا\] ليس لهم متاع في الآخرة.

﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ﴾ : يخاطب رسوله بذلك لم يخاطبهم إلينا مرجعكم، فهو - والله أعلم - لما اشتد على رسول الله ما افتروا به على الله يقول: إلينا مرجعهم فنجزيهم جزاء افترائهم.

والثاني: يقول: إلينا مرجعهم فنذيقهم العذاب الشديد، لا ما طمعوا من الشفاعة عندنا والزلفى، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال فريق من المشركين: اتخذ الله الملائكة بناتٍ، تقدس الله عن قولهم، فهو سبحانه الغني عن جميع مخلوقاته، له ملك ما في السماوات وملك ما في الأرض، ليس عندكم -أيها المشركون- برهان على قولكم هذا، أتقولون على الله قولًا عظيمًا -إذ تنسبون إليه الولد- لا تعلمون حقيقته دون برهان؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.ganO6"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله