الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٧٠ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 39 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٧٠ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
كما قال هاهنا : ( متاع في الدنيا ) أي : مدة قريبة ، ( ثم إلينا مرجعهم ) أي : يوم القيامة ، ( ثم نذيقهم العذاب الشديد ) أي : الموجع المؤلم ( بما كانوا يكفرون ) أي : بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله ، فيما ادعوه من الإفك والزور .
ولكن لهم متاع في الدنيا يمتعون به، وبلاغ يتبلغون به إلى الأجل الذي كُتِب فناؤهم فيه (63) ، (ثم إلينا مرجعهم) ، يقول: ثم إذا انقضى أجلهم الذي كتب لهم ، إلينا مصيرهم ومنقلبهم (64) ، (ثم نذيقهم العذاب الشديد) ، وذلك إصلاؤهم جهنم (65) ، (بما كانوا يكفرون) بالله في الدنيا، فيكذبون رسله ، ويجحدون آياته.
* * * ورفع قوله: (متاع) بمضمر قبله إما " ذلك " ، و إما " هذا ".
(66) ------------------------ الهوامش: (63) انظر تفسير " المتاع " فيما سلف ص : 53 ، ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(64) انظر تفسير " المرجع " فيما سلف ص : 98، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(65) انظر تفسير " الذوق " فيما سلف ص : 102، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(66) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 472 ، وفيه " : إما ( هو ) ، وإما ( ذاك ) " .
متاع في الدنيا أي ذلك متاع ، أو هو متاع في الدنيا ; قاله الكسائي .
وقال الأخفش : لهم متاع في الدنيا .
قال أبو إسحاق : ويجوز النصب في غير القرآن على معنى يتمتعون متاعا .ثم إلينا مرجعهم أي رجوعهم .ثم نذيقهم العذاب الشديد أي الغليظ بما كانوا يكفرون أي بكفرهم .
{قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} أي: لا ينالون مطلوبهم، ولا يحصل لهم مقصودهم، وإنما يتمتعون في كفرهم وكذبهم، في الدنيا، قليلاً، ثم ينتقلون إلى الله، ويرجعون إليه، فيذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون. {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}
( متاع ) قليل يتمتعون به وبلاغ ينتفعون به إلى انقضاء آجالهم : و " متاع " رفع بإضمار ، أي : هو متاع ، ( في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ) .
لهم «متاع» قليل «في الدنيا» يتمتعون به مدة حياتهم «ثم إلينا مرجعهم» بالموت «ثم نذيقهم العذاب الشديد» بعد الموت «بما كانوا يكفرون».
إنما يتمتعون في الدنيا بكفرهم وكذبهم متاعًا قصيرًا، ثم إذا انقضى أجلهم فإلينا مصيرهم، ثم نذيقهم عذاب جهنم بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم رسل الله، وجحدهم آياته.
وقوله - سبحانه - ( مَتَاعٌ فى الدنيا ) بيان لتفاهة ما يحرصون عليه من شهوات الحياة الدنيا ، وهو خبر لمبتدأ محذوف .أى : أن ما يتمتعون به فى الدنيا من شهوات وملذات ، هو متاع قليل مهما كثر ، لأنه إلى فناء واندثار .ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم بعد أن غرتهم الدنيا بشهواتها فقال : ( ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ) .أى : ثم إلينا لا إلى غيرنا مرجعهم يوم القيامة ، ثم نحاسبهم حساباً عسيراً على أقوالهم الذميمة ، وأفعالهم القبيحة ، ثم نذيقهم العذاب الشديد بسبب كفرهم بآياتنا ، وتكذيبهم لنبينا - صلى الله عليه وسلم - .وبذلك رنى أن هذه الآيات الكريمة ، قد مدحت أولياء الله الصالحين ، وبشرتهم بالسعادة الدنيوية والأخروية ، وأقامت الأدلة على قدرة الله النافذة ورحمته الواسعة ، وردت على افتراءات المشركين بما يبطل أقوالهم ، ويفضح مزاعمهم .
اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل القاهر أن إثبات الولد لله تعالى قول باطل ثم بين أنه ليس لهذا القائل دليل على صحة قوله، فقد ظهر أن ذلك المذهب افتراء على الله ونسبه لما لا يليق به إليه، فبين أن من هذا حاله فإنه لا يفلح ألبتة ألا ترى أنه تعالى قال في أول سورة المؤمنون: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون ﴾ وقال في آخر هذه السورة: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون ﴾ .
واعلم أن قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ ﴾ يدخل فيه هذه الصورة ولكنه لا يختص بهذه الصورة بل كل من قال في ذات الله تعالى وفي صفاته قولاً بغير علم وبغير حجة بينة كان داخلاً في هذا الوعيد، ومعنى قوله: ﴿ لاَ يُفْلِحُ ﴾ قد ذكرناه في أول سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿ وأولئك هُمُ المفلحون ﴾ وبالجملة فالفلاح عبارة عن الوصول إلى المقصود والمطلوب، فمعنى أنه لا يفلح هو أنه لا ينجح في سعيه ولا يفوز بمطلوبه بل خاب وخسر، ومن الناس من إذا فاز بشيء من المطالب العاجلة والمقاصد الخسيسة، ظن أنه قد فاز بالمقصد الأقصى، والله سبحانه أزال هذا الخيال بأن قال: إن ذلك المقصود الخسيس متاع قليل في الدنيا، ثم لابد من الموت، وعند الموت لابد من الرجوع إلى الله وعند هذا الرجوع لابد من أن يذيقه العذاب الشديد بسبب ذلك الكفر المتقدم، وهذا كلام في غاية الانتظام ونهاية الحسن والجزالة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب ﴾ بإضافة الولد إليه ﴿ متاع فِي الدنيا ﴾ أي افتراؤهم هذا منفعة قليلة في الدنيا، وذلك حيث يقيمون رياستهم في الكفر ومناصبة النبي صلى الله عليه وسلم بالتظاهر به، ثم يلقون الشقاء المؤبد بعده.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ وإضافَةِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ.
﴿ لا يُفْلِحُونَ ﴾ لا يَنْجُونَ مِنَ النّارِ ولا يَفُوزُونَ بِالجَنَّةِ.
﴿ مَتاعٌ في الدُّنْيا ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ افْتِراؤُهم مَتاعٌ في الدُّنْيا يُقِيمُونَ بِهِ رِئاسَتَهم في الكُفْرِ أوْ حَياتَهم أوْ تَقَلُّبَهم، مَتاعٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ لَهم تَمَتُّعٌ في الدُّنْيا.
﴿ ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ﴾ بِالمَوْتِ فَيَلْقَوْنَ الشَّقاءَ المُؤَبَّدَ.
﴿ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{متاع فِى الدنيا} أي افتراؤهم هذا منفعة قليلة هى الدنيا حيث يقيمون به رياستهم في الكفر ومناصبة النبى صلى الله عليه وسلم بالتظاهر به {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد} المخلد {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} بكفرهم
﴿ مَتاعٌ في الدُّنْيا ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أوْ ذَلِكَ مَتاعٌ والتَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ والتَّقْلِيلِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لَهُ والجُمْلَةُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَمّا يَتَراءى فِيهِمْ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِن نَيْلِ المُطالِبِ والفَوْزِ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى الإطْلاقِ أوْ في ضِمْنِ افْتِرائِهِمْ وبَيانًا لِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الفَلاحِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ لا يُفْلِحُونَ وهم في غِبْطَةٍ ونَعِيمٍ فَقِيلَ: هو أوْ ذَلِكَ مَتاعٌ حَقِيرٌ قَلِيلٌ في الدُّنْيا ولَيْسَ بِفَوْزٍ بِالمَطْلُوبِ ثُمَّ أُشِيرَ إلى انْتِفاءِ النَّجاةِ عَنِ المَكْرُوهِ أيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ﴾ أيْ إلى حُكْمِنا رُجُوعُهم بِالمَوْتِ فَيَلْقَوْنَ الشَّقاءَ المُؤَبَّدَ ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ 70﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ أوْ بِكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا فَأيْنَ هم مِنَ الفَلاحِ وما ذَكَرْنا مِن كَوْنِ مَتاعٍ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعَرِّبِينَ غَيْرَ أنَّ أبا البَقاءِ وآخَرِينَ مِنهم قَدَّرُوا المُبْتَدَأ حَياتُهم أوْ تَقَلُّبُهم أوِ افْتَراؤُهُمْ، واعْتُرِضَ عَلى تَقْدِيرِ الأخِيرِ بِأنَّ المَتاعَ إنَّما يُطْلَقُ عَلى ما يَكُونُ مَطْبُوعًا عِنْدَ النَّفْسِ مَرْغُوبًا فِيهِ في نَفْسِهِ يُتَمَتَّعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ وإنَّما عَدَمُ الِاعْتِدادِ بِهِ لِسُرْعَةِ زَوالِهِ ونَفْسُ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أقْبَحُ القَبائِحِ عِنْدَ النَّفْسِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَطْبُوعًا عِنْدَها وأُجِيبُ بِأنَّ إطْلاقَ المَتاعِ عَلى ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَطْبُوعٌ عِنْدَ نُفُوسِهِمُ الخَبِيثَةِ وفِيهِ انْتِفاعٌ لَهم بِهِ حَسْبَما يَرَوْنَهُ انْتِفاعًا وإنْ كانَ مِن أقْبَحِ القَبائِحِ وغَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ في نَفْسِ الأمْرِ ولا يَخْفى أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ مَعَ هَذا أوْجَهُ وقِيلَ إنَّ المَذْكُورَ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ لَهم مَتاعٌ إلَخْ ولَيْسَ بِبَعِيدٍ والآيَةُ إمّا مَسُوقَةٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ لِتَحْقِيقِ عَدَمِ إفْلاحِهِمْ غَيْرُ داخِلَةٍ في الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ﴾ وإمّا داخِلَةٌ فِيهِ عَلى أنَّ النَّبِيَّ مَأْمُورٌ بِنَقْلِهِ وحِكايَتِهِ عَنْهُ تَعالى شَأْنُهُ ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ العَزِيزِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بأنَّ له ولداً لاَ يُفْلِحُونَ.
يعني: لا يأمنون من عذابه، ولا ينجون منه.
مَتاعٌ قليل يعني: منفعتهم فِي الدُّنْيا قليل ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ، يعني: مصيرهم في الآخرة ثُمَّ نُذِيقُهُمُ يعني: نصيبهم العذاب الشديد بِما كانُوا يَكْفُرُونَ أي: بكفرهم.
<div class="verse-tafsir"
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ أَنْتَ، وَلاَ ابن الزُّبَيْرِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، وقد رُوِيَ هذا النظرُ عن ابن عباس في غيرِ مُقَاوَلَةِ الحَجَّاجِ، ذكره البخاريّ «١» .
وقوله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ: أي: قولُ قريش، فهذه الآية تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولفظة القول تعمّ جحودهم واستهزاءهم وخِدَاعهم وغَيْرَ ذلك، ثم ابتدأ تعالى، فقال إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أي: لا يقدرون لَكَ عَلَى شيء، ولا يؤذُونَكَ، إِلاَّ بما شاء اللَّه، ففي الآية وعيدٌ لهم، ثم استفتح بقوله: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي:
بالمُلْك والإِحاطة.
وقوله تعالى: وَما يَتَّبِعُ: يصح أنْ تكونَ «ما» استفهاما، ويصحُّ أَنْ تكون نافيةً.
ت: ورجح هذا الثاني.
وقوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ «إن» : نافية، ويَخْرُصُونَ:
معناه: يحدسون ويخمّنون.
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩)
وقوله عز وجل: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ...
الآية: في هذه الألفاظ إِيجازٌ وإِحالةٌ على ذِهْنِ السَّامع لأن العبرة في أنَّ الليل مُظْلِمٌ يُسكن فيه، والنَّهار مُبْصِر يُتصرَّف فيه، فذكر طرفاً من هذا وطرفاً من الجهة الثانية، ودلَّ المذكوران على المتروكين.
وقوله: يَسْمَعُونَ/ يريد: يوعون، والضمير في قالُوا لكفّار العرب، ثم الآية
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، جَعَلُوا المَلائِكَةَ بَناتَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَمّا قالُوا.
﴿ هُوَ الغَنِيُّ ﴾ عَنِ الزَّوْجَةِ والوَلَدِ.
﴿ إنْ عِنْدَكُمْ ﴾ أيْ: ما عِنْدَكم ﴿ مِن سُلْطانٍ ﴾ أيْ: حُجَّةٌ بِما تَقُولُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُفْلِحُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَبْقَوْنَ في الدُّنْيا.
والثّانِي: لا يَسْعَدُونَ في العاقِبَةِ.
والثّالِثُ: لا يَفُوزُونَ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا وقْفُ التَّمامِ، وقَوْلُهُ " مَتاعٌ في الدُّنْيا " مَرْفُوعٌ عَلى مَعْنى: ذَلِكَ مَتاعٌ في الدُّنْيا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللهُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ مَتاعٌ في الدُنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ لَمّا نَصَّ عَظَمَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ في هَذِهِ بِالتَنْبِيهِ عَلى أفْعالِهِ لِتَبَيُّنِ العَظَمَةِ المَحْكُومِ بِها قَبْلُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لِتَسْكُنُوا ﴾ دالٌّ عَلى أنَّ النَهارَ لِلْحَرَكَةِ والتَصَرُّفِ، وكَذَلِكَ هو في الوُجُودِ، وذَلِكَ أنَّ حَرَكَةَ اللَيْلِ مُتَعَذِّرَةٌ بِفَقْدِ الضَوْءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ والنَهارَ مُبْصِرًا ﴾ مَجازٌ، لِأنَّ النَهارَ لا يُبْصِرُ، ولَكِنَّهُ ظَرْفٌ لِلْإبْصارِ، وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، إذِ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ مَفْهُومٌ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: لَقَدْ لُمْتِنا يا أمَّ غِيلانَ في السُرى ∗∗∗ ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ ولَيْسَ هَذا مِن بابِ النَسَبِ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ ونَحْوِها.
وإنَّما ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الشاعِرِ: أمّا النَهارُ فَفي قَيْدٍ وسِلْسِلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ واللَيْلُ في بَطْنِ مَنحُوتٍ مِنَ الساجِ فَجَعَلَ اللَيْلَ والنَهارَ بِهاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، ولَيْسَ يُرِيدُ إلّا أنَّهُ هو فِيهِما كَذَلِكَ، وهَذا البَيْتُ لِمَسْجُونٍ كانَ يَبِيتُ في خَشَبَةِ السِجْنِ، وعَلى أنَّ هَذا البَيْتَ قَدْ يُنْشَدُ: "أمّا النَهارَ" بِالنَصْبِ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ إيجازٌ وإحالَةٌ عَلى ذِهْنِ السامِعِ لِأنَّ العِبْرَةَ هي في أنَّ اللَيْلَ مُظْلِمٌ يُسْكَنُ فِيهِ، والنَهارُ مُبْصِرٌ يُتَصَرَّفُ فِيهِ، فَذُكِرَ طَرَفٌ مِن هَذا والطَرْفُ الآخَرُ مِنَ الجِهَةِ الثانِيَةِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنِ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ ﴾ .
وقَوْلُهُ: "يَسْمَعُونَ" يُرِيدُ: ويَعُونَ.
والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ العَرَبِ، وذَلِكَ قَوْلُ طائِفَةٍ مِنهُمُ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ"، والآيَةُ بَعْدُ تَعُمُّ كُلَّ مَن قالَ نَحْوَ هَذا القَوْلِ كالنَصارى ومَن يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ مِنَ الكَفَرَةِ، و"سُبْحانَهُ": مَصْدَرٌ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ وبَراءَةً مِن ذَلِكَ، فَسَّرَهُ بِهَذا النَبِيِّ ، وقَوْلُهُ: ﴿ هُوَ الغَنِيُّ ﴾ صِفَةٌ عَلى الإطْلاقِ، أيْ لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ مِنَ الجِهاتِ، والوَلَدُ جُزْءٌ مِمّا هو غَنِيٌّ عنهُ، والحَقُّ هو قَوْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللهِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ بِالمِلْكِ والإحاطَةِ والخَلْقِ، و"إنْ" نافِيَةٌ، والسُلْطانُ: الحُجَّةُ، وكَذَلِكَ مَعْناهُ حَيْثُ تَكَرَّرَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ وَقَّفَهم مُوَبِّخًا بِقَوْلِهِ: ﴿ أتَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ ﴾ الآيَةُ، هَذا تَوَعُّدٌ لَهم بِأنَّهم لا يَظْفَرُونَ بِبُغْيَةٍ ولا يَبْقَوْنَ في نِعْمَةٍ، إذْ هَذِهِ حالُ مَن يَصِيرُ إلى العَذابِ وإنْ نُعِّمَ في دُنْياهُ يَسِيرًا، وقَوْلُهُ: "مَتاعٌ" مَرْفُوعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: ذَلِكَ مَتاعٌ، أو هو عَلى الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: لَهم مَتاعٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَوَعُّدٌ بِحَقٍّ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف افتتح بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لتنبيه السامعين إلى وعي ما يرد بعد الأمر بالقول بأنه أمر مهم بحيث يطلب تبليغه، وذلك أن المَقُول قضية عامة يحصل منها وعيد للذين قالوا: اتخذ الله ولداً، على مقالتهم تلك، وعلى أمثالها كقولهم: ﴿ ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرَّم على أزواجنا ﴾ [الأنعام: 139] وقولهم: ما كان لآلهتهم من الحَرث والأنعام لا يصل إلى الله وما كان لله من ذلك يصل إلى آلهتهم، وقولهم: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ [الإسراء: 90] وأمثال ذلك.
فذلك كله افتراء على الله، لأنهم يقولونه على أنه دين، وماهية الدين أنه وضع إلهي فهو منسوب إليه، ويحصل من تلك القضية وعيد لأمثال المشركين من كل من يفتري على الله ما لم يقله، فالمقول لهم ابتداءاً هم المشركون.
والفلاح: حصول ما قصده العامل من عمله بدون انتقاض ولا عاقبة سوء.
وتقدم في طالع سورة البقرة (5).
فنفي الفلاح هنا نفي لحصول مقصودهم من الكذب وتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وجملة: ﴿ متاعٌ في الدنيا ﴾ استئناف بياني، لأن القضاء عليه بعدم الفلاح يتوجه عليه أن يسأل سائل كيف نراهم في عزة وقدرة على أذى المسلمين وصد الناس عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيجاب السائل بأن ذلك تمتيع في الدنيا لا يَعبأ به، وإنما عدم الفلاح مظهره الآخرة، ف ﴿ متاع ﴾ خبر مبتدأ محذوف يعلم من الجملة السابقة، أي أمرهم متاع.
والمتاع: المنفعة القليلة في الدنيا إذ يقيمون بكذبهم سيادتهم وعزتهم بين قومهم ثم يزول ذلك.
ومادة (متاع) مؤذنة بأنه غير دائم كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ في أوائل سورة الأعراف (24.
( وتنكيره مؤذن بتقليله، وتقييده بأنه في الدنيا مؤكد للزوال وللتقليل، و(ثم) من قوله: ثم إلينا مرجعهم} للتراخي الرتبي لأن مضمونه هو محقة أنهم لا يفلحون فهو أهم مرتبة من مضمون لا يفلحون.
والمرجع: مصدر ميمي بمعنى الرجوع.
ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى وقت نفاذ حكمه المباشر فيهم.
وتقديم ﴿ إلينا ﴾ على متعلَّقه وهو المرجع للاهتمام بالتذكير به واستحضاره كقوله: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة إلى قوله ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه ﴾ [النور: 39] ويجوز أن يكون المرجع كناية عن الموت.
وجملة: ﴿ ثم نذيقهم العذاب الشديد ﴾ بيان لجملة: ﴿ ثم إلينا مرجعهم ﴾ .
وحرف (ثم) هذا مؤكد لنظيره الذي في الجملة المبينة على أن المراد بالمرجع الحصول في نفاذ حكم الله.
والجمل الأربع هي من المقول المأمور به النبي صلى الله عليه وسلم تبليغاً عن الله تعالى.
وإذاقة العذاب إيصاله إلى الإحساس، أطلق عليه الإذاقة لتشبيهه بإحساس الذوق في التمكن من أقوى أعضاء الجسم حاسية لمس وهو اللسان.
والباء في ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ للتعليل.
وقوله: ﴿ كانوا يكفرون ﴾ يؤذن بتكرر ذلك منهم وتجدده بأنواع الكفر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ في ﴿ أوْلِياءَ اللَّهِ ﴾ ها هُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ وِلايَتِهِ والمُسْتَحِقُّونَ لِكَرامَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: هُمُ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ الثّالِثُ: هُمُ الرّاضُونَ بِالقَضاءِ، والصّابِرُونَ عَلى البَلاءِ، والشّاكِرُونَ عَلى النَّعْماءِ.
الرّابِعُ: هم مَن تَوالَتْ أفْعالُهم عَلى مُوافَقَةِ الحَقِّ.
الخامِسُ: هُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ تَعالى.
رَوى جَرِيرٌ عَنْ عِمارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ أبِي زُرْعَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ أُناسًا ما هم بِأنْبِياءٍ ولاَ شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ خَبِّرْنا مَن هم وما أعْمالُهم فَإنّا نُحِبُّهم لِذَلِكَ قالَ: (هم قَوْمٌ تَحابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ بَيْنَهم ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها).» فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُّورٍ لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ وقَرَأ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَخافُونَ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَوَلّاهم ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى دُنْياهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَوِّضُهم عَنْها، وهو مُحْتَمَلٌ.
الثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ولا هم يَحْزَنُونَ عِنْدَ المَوْتِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا هي البِشارَةُ عِنْدَ المَوْتِ بِأنْ يَعْلَمَ أيْنَ هو مِن قَبْلِ أنْ يَمُوتَ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ بَيْتًا مِن قَصَبٍ لا صَخَبَ فِيهِ ولا نَصَبَ)» .
الثّانِي: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها الرَّجُلُ الصّالِحُ أوْ تُرى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ)، رَوى ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الثَّناءُ الصّالِحُ، وفي الآخِرَةِ إعْطاؤُهُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ.
﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا خَلْفَ لِوَعْدِهِ.
الثّانِي: لا نَسْخَ لِخَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والنهار مبصراً ﴾ قال: منيراً.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ يقول ما عندكم من سلطان بهذا.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ من السكون وهو ضدّ الحركة ﴿ والنهار مُبْصِراً ﴾ أي مضيئاً تبصرون فيه الأشياء ﴿ قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً ﴾ الضمير للنصارى ولمن قال: إن الملائكة بنات الله ﴿ هُوَ الغني ﴾ وصف يقتضي نفي الولد والردّ على من نسبه إليه، لأن الغني المطلق لا يفتقر إلى اتخاذ ولد ﴿ لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ بيان وتأكيد للغني، وباقي الآية توبيخ للكفار ووعيد لهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ شأن ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يعزب ﴾ بالكسر حيث كان: علي.
الباقون بالضم.
﴿ ولا أصغر ﴾ ﴿ ولا أكبر ﴾ بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل.
الآخرون بالنصب.
الوقوف: ﴿ تفيضون فيه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح صفة ﴿ لأولياء ﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿ يتقون ﴾ أو مبتدأ خبره ﴿ لهم البشرى ﴾ فلا يوقف على ﴿ يتقون ﴾ ﴿ وفي الآخرة ﴾ ط ﴿ لكلمات الله ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿ أولياء ﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول.
﴿ قولهم ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ إن العزة ﴾ مقول الكفار.
﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه { } ط ﴿ الغني ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بهذا ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ لا يفلحون ﴾ ه ط، ﴿ يكفرون ﴾ ه.
التفسير: لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بيّن كونه عالماً بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك فقال: ﴿ وما تكون ﴾ يا محمد ﴿ في شأن ﴾ أي أمر من الأمور.
وأصله الهمز بمعنى القصد من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.
قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر.
وقال الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و "ما" في ﴿ وما تكون ﴾ ﴿ وما تتلو ﴾ نافية والضمير في ﴿ منه ﴾ إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل وميكال ﴾ وإما للقرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن.
ثم عمم الخطاب فقال: ﴿ ولا تعملون ﴾ أيها المكلفون ﴿ من عمل ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن المراد الملائكة الموكلون ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ الإفاضة الشروع في العمل على جهة الانصباب والاندفاع ومنه قوله: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات ﴾ قيل: شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها.
والجواب أن الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو أخبرنا الصادق أن زيداً يفعل كذا غداً فنكون عالمين بذلك لا شاهدين.
ثم زاد في التعميم فقال: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل.
ومعنى ﴿ مثقال ذرة ﴾ قد مر في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ وذلك في سورة النساء.
والمقصود أنه لا يغيب عن علمه شيء أصلاً وإن كان في غاية الحقارة.
وإنما قال ههنا ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام سيق لشاهدته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد تسليم أن الواو تفيد الترتيب.
ثم بالغ في تعميم علمه فقال: ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوباً معطوفاً على لفظ مثقال لأنه في موضع الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعاً معطوفاً على محل ﴿ من مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وإنه محال.
ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض.
وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب مبين.
وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه غير عالم بالجزيئات.
أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في كتاب مبين.
وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم إن "إلا" بمعنى الواو على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ ولا أكبر ﴾ ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب ﴿ مبين ﴾ والعرب تضع "إلا" موضع واو النسق كثيراً ومنه قوله: ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ﴾ يعني ومن ظلم.
وقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ﴾ يعني والذين ظلموا.
ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال كل فريق فقال: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الآية.
والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه لاستغراقهم في نور معرفته وجماله وجلاله.
قال أبو بكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه.
وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله في وصفهم ﴿ الذين آمنوا ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية.
﴿ وكانوا يتقون ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة العملية.
وههنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقياً في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن يقدس ذاته عن أن يكون مقصوراً على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبداً في الخوف والدهشة.
وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة البقرة: وعن سعيد بن جبير أن رسول الله سئل من أولياء الله؟
فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم.
يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات والسكينة.
وعن عمر سمعت النبي يقول: "إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله.
قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم.
قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ الآية" يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة.
ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟
فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله.
ثم أخبر الله عنهم بأن ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقيل: بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات ﴾ ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ﴾ وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن.
عن أبي ذر قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.
قال: تلك عاجل بشرى المؤمن.
والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه.
ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله.
وقيل: هي الرؤيا الصالحة.
وعنه : "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي استنبىء بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر.
ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين.
وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك.
وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ﴾ وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في "الأنعام" ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام.
تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله.
ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: ﴿ ولا يحزنك ﴾ أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح.
ثم استأنف قوله: ﴿ إن العزة لله ﴾ كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟
فقيل: لأن العزة لله.
﴿ جميعاً ﴾ إن الغلبة والقهر له ولحزبه ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ وقرىء "أن" بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعاً والرسول كان يحزنه ذلك وهذا كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله واثقاً بوعد الله في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها.
ثم أكد الوعد بقوله: ﴿ هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم.
ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين - وهم الملائكة والثقلان - كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكاً له فما وراءهم ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون نداً له.
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ وما يتبع ﴾ "ما" نافية ومفعول ﴿ يدعون ﴾ محذوف أي ليس يتبع ﴿ الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة الله في الربوبية محال.
وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول ﴿ يدعون ﴾ والثاني مفعول ﴿ يتبع ﴾ ويجوز أن تكون "ما" استفهامية بمعنى أي شيء يتبعون.
و ﴿ شركاء ﴾ على هذا نصب بـ ﴿ يدعون ﴾ ولا حاجة إلى إضمار.
ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "من" كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم.
ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ وقد مر مثله في سورة الأنعام.
ثم ذكر طرفاً من آثار قدرته مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: ﴿ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ طلباً للراحة ﴿ والنهار مبصراً ﴾ ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر وقبول.
ثم حكى نوعاً آخر من أباطيلهم فقال: {قالوا اتخذ الله ولداً } وقد مر في "البقرة".
ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: ﴿ هو الغني ﴾ وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى الولد ولا يصح له مثل.
وأيضاً الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضاً متولداً من مثله ولا يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا الوقوع.
ثم بالغ في البرهان فقال: ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإذا كان الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولداً له لأن الأب يساوي الابن في الطبيعة بخلاف المالك.
ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ أي ما عندكم من حجة بهذا القول.
قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق بقوله: ﴿ إن عندكم ﴾ على أن يجعل القول مكاناً للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم موز.
كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان.
أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال الباء بمعنى "في" أكثر منه بمعنى "على".
ثم وبخهم على القول بلا دليل ومعرفة فقال: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ .
ثم أوعدهم على افترائهم فقال: ﴿ قل إن الذين يفترون ﴾ الآية.
ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك ﴿ متاع قليل ﴾ في الدنيا.
ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد والعذاب الأليم أعاذنا الله منه.
التأويل: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ من النبوة ﴿ وما تتلوا ﴾ من شأن النبوة ﴿ من قرآن ﴾ ﴿ ولا تعملون ﴾ يا أمة محمد ﴿ من عمل ﴾ من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر.
﴿ ولا في السماء ﴾ أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ﴿ ولا أصغر ﴾ من الحركة وهو القصد دون الفعل ﴿ ولا أكبر ﴾ من النية وهو العمل ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الذين هم أعداء النفوس ﴿ لا خوف عليهم ﴾ من تمني النظر بنفوسهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ بالوقائع والمبشرات ﴿ وفي الآخرة ﴾ بكشف القناع عن جمال العزة.
﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً ﴿ ولا يحزنك ﴾ يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني "وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك" ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا ﴿ هو الذي جعل لكم ﴾ ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ﴿ لقوم يسمعون ﴾ حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية.
ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد.
وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الكشوف والأحوال ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات ﴿ إن الذين يفترون ﴾ هم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ لا يفلحون ﴾ لا يظفرون بكشف الحقائق {ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ﴾ .
قال بعضهم: أرادوا بقولهم: اتخذ الله ولدا حقيقة الولد؛ كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ﴾ [...].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ...
﴾ كذا، ﴿ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ...
﴾ كذا فنزه - عز وجل - نفسه عمّا قالوا بقوله: ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ﴾ أنه لم يلد أحداً ولا ولد هو من أحد؛ ولهذا قال: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ ؛ إذ في الشاهد لا يخلو إما أن يكون ولد من آخر أو والد، والخلق كله لا يخلو من هذا، فأخبر أنه لم يلد هو أحد ولا ولد من أحد.
وقوله: ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ تأويله - والله أعلم - أن في الشاهد من اتخذ ولدا إنما يتخذ لأحد وجوه ثلاثة: إما لحاجة تمسه، أو لشهوة تغلبه، أو لما يستنصر به على آخر ممن يخافه، فإذا كان له ملك السماوات والأرض وملك ما فيهما كلهم عبيده وإماؤه، فلا حاجة تقع له إلى الولد؛ إذ هو الغني وله ملك ما في السماوات والأرض ومن هذا وصفه فلا يحتاج إلى الولد، ولأنه لا أحد في الشاهد يحتمل طبعه اتخاذ الولد من عبيده وإمائه، فإذا كان لله الخلائق كلهم عبيده وإماؤه كيف احتمل اتخاذ الولد منهم لو جاز وقد بينا إحالة ذلك وفساده.
ولأن الولد يكون من شكل الوالد ومن جنسه كالشريك يكون من شكل الشريك ومن جنسه فكان في نفي الشريك نفي الولد؛ لأن معناهما واحد وكل ذي شكل له ضدّ ومن له ضد أو شكل فإنه لا ربوبية له ولا ألوهية.
[وقال بعضهم: قولهم: اتخذ الله ولدا، لم يريدوا حقيقة الولد، ولكن أرادوا منزلة الولد وكرامته، فهو - أيضاً - منفي عنه؛ لأن من لا يحتمل الحقيقة - أعني: حقيقة الولد - امتنع عن منزلته وكرامته؛ لأن الحقيقة انتفت لعيب يدخل فيه، فإذا ثبت له منزلة تلك الحقيقة والكرامة دخل فيه عيب الحقيقة].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ بهذا قيل ما عندكم من حجة على ما تقولون إن له ولدا؛ لأنهم كانوا أهل تقليد لآبائهم وأسلافهم، وكانوا لا يؤمنون بالرسل والكتب والحجج، وإنما يستفاد ذلك من جهة الرسالة والكتب وهم كانوا ينكرون ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: تقولون على الله أنه اتخذ ما تعلمون أنه لم يتخذ ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ هو ما ذكرنا أنهم علموا أنه لم يتخذ ولداً، لكن قالوا ذلك افتراء على الله ﴿ لاَ يُفْلِحُونَ ﴾ في الآخرة؛ لما طمعوا في الدنيا بعبادتهم دون الله الأصنام بقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقوله: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ لا يفلحون، أي: لا يظفرون بما طمعوا في الآخرة ﴿ مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ \[أي ذلك لهم متاع في الدنيا\] ليس لهم متاع في الآخرة.
﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ﴾ : يخاطب رسوله بذلك لم يخاطبهم إلينا مرجعكم، فهو - والله أعلم - لما اشتد على رسول الله ما افتروا به على الله يقول: إلينا مرجعهم فنجزيهم جزاء افترائهم.
والثاني: يقول: إلينا مرجعهم فنذيقهم العذاب الشديد، لا ما طمعوا من الشفاعة عندنا والزلفى، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فلا يغتروا بما يتمتعون به من ملذات الدنيا ونعيمها، فهو متاع قليل زائل، ثم إلينا رجوعهم يوم القيامة، ثم نذيقهم العذاب القوى بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم لرسوله.
من فوائد الآيات ولاية الله تكون لمن آمن به، وامتثل أوامره، واجتنب نواهيه، واتبع رسوله ، وأولياء الله هم الآمنون يوم القيامة، ولهم البشرى في الدنيا إما بالرؤيا الصالحة أو عند الموت.
العزة لله جميعًا وفهو مالك الملك، وما عُبد من دون الله لا حقيقة له.
الحث على التفكر في خلق الله؛ لأن ذلك يقود إلى الإيمان به وتوحيده.
حرمة الكذب على الله عز وجل، وأن صاحبه لن يفلح، ومن أعظم الكذب نسبة الولد له سبحانه.
<div class="verse-tafsir" id="91.A5xk3"