الآية ٧١ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٧١ من سورة يونس

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةًۭ ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ ٧١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 123 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧١ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧١ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه : ( واتل عليهم ) أي : أخبرهم واقصص عليهم ، أي : على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك ( نبأ نوح ) أي : خبره مع قومه الذين كذبوه ، كيف أهلكهم الله ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم ، ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك .

( إذ قال لقومه ياقوم إن كان كبر عليكم ) أي : عظم عليكم ، ( مقامي ) أي فيكم بين أظهركم ، ( وتذكيري ) إياكم ( بآيات الله ) أي : بحججه وبراهينه ، ( فعلى الله توكلت ) أي : فإني لا أبالي ولا أكف عنكم سواء عظم عليكم أو لا !

( فأجمعوا أمركم وشركاءكم ) أي : فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون الله ، من صنم ووثن ، ( ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ) أي : ولا تجعلوا أمركم عليكم ملتبسا ، بل افصلوا حالكم معي ، فإن كنتم تزعمون أنكم محقون ، فاقضوا إلي ولا تنظرون ، أي : ولا تؤخروني ساعة واحدة ، أي : مهما قدرتم فافعلوا ، فإني لا أباليكم ولا أخاف منكم ، لأنكم لستم على شيء ، كما قال هود لقومه : ( إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ) [ هود : 54 - 56 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (واتل) على هؤلاء المشركين الذين قالوا: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ، من قومك (1) ، (نبأ نوح) ، يقول: خبر نوح (2) (إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي) ، يقول: إن كان عظم عليكم مقامي بين أظهركم وشقّ عليكم، (3) ، (وتذكيري بآيات الله) ، يقول، ووعظي إياكم بحجج الله، وتنبيهي إياكم على ذلك (4) ، (فعلى الله توكلت) ، يقول: إن كان شق عليكم مقامي بين أظهركم ، وتذكيري بآيات الله ، فعزمتم على قتلي أو طردي من بين أظهركم، فعلى الله اتكالي وبه ثقتي ، وهو سَنَدي وظهري (5) ، (فأجمعوا أمركم)، يقول: فأعدُّوا أمركم ، واعزموا على ما تنوُون عليه في أمري.

(6) * * * يقال منه: " أجمعت على كذا "، بمعنى: عزمت عليه، (7) ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : : " من لم يُجْمِع على الصوم من الليل فلا صَوْم له " ، بمعنى: من لم يعزم، (8) ومنه قول الشاعر: (9) يَـا لَـيْتَ شِعْـرِي وَالْمُنَـى لا تَنْفَــعُ هَلْ أَغْـدُوَنْ يَوْمًــا وَأَمْـرِي مُجْمَــعُ (10) * * * وروي عن الأعرج في ذلك ما:- 17760- حدثني بعض أصحابنا ، عن عبد الوهاب ، عن هارون، عن أسيد، عن الأعرج: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) ، يقول: أحكموا أمركم ، وادعوا شركاءكم.

(11) ونصب قوله: (وشركاءكم) ، بفعل مضمر له، وذلك: " وادعوا شركاءكم "، وعطف ب " الشركاء " على قوله: (أمركم)، على نحو قول الشاعر: وَرَأَيْــتِ زَوْجَــكِ فِــي الْـوَغَى مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا وَرُمْحَـــا (12) فالرمح لا يُتَقلَّد، ولكن لما كان فيما أظهر من الكلام دليلٌ على ما حذف، اكتفي بذكر ما ذكر منه مما حذف ، (13) فكذلك ذلك في قوله: (وشركاءكم).

* * * واختلفت القراء في قراءة ذلك.

فقرأته قراء الأمصار: (وَشُرَكَاءَكُمْ) نصبًا، وقوله: (فَأَجْمِعُوا) ، بهمز الألف وفتحها، من : " أجمعت أمري فأنا أجمعه إجماعًا.

* * * وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ)، بفتح الألف وهمزها ، (وَشُرَكَاؤُكُمْ)، بالرفع على معنى: وأجمعوا أمركم، وليجمع أمرَهم أيضًا معكم شركاؤكم.

(14) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك قراءةُ من قرأ: ( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ) ، بفتح الألف من " أجمعوا "، ونصب " الشركاء "، لأنها في المصحف بغير واو، ولإجماع الحجة على القراءة بها ، ورفض ما خالفها، ولا يعترض عليها بمن يجوز عليه الخطأ والسهو.

* * * وعني ب " الشركاء " ، آلهتهم وأوثانهم.

* * * وقوله: (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ) ، يقول: ثم لا يكن أمركم عليكم ملتبسًا مشكلا مبهمًا.

* * * ، من قولهم: " غُمَّ على الناس الهلال "، وذلك إذا أشكل عليهم فلم يتبيَّنوه، ومنه قول [العجاج]: (15) بَــلْ لَـوْ شَـهِدْتِ النَّـاسَ إِذْ تُكُمُّـوا بِغُمّــةٍ لَــوْ لَــمْ تُفَــرَّجْ غُمُّـوا (16) وقيل: إن ذلك من " الغم "، لأن الصدر يضيق به ، ولا يتبين صاحبه لأمره مَصدرًا يَصْدُرُه يتفرَّج عليه ما بقلبه، (17) ومنه قول خنساء: وَذِي كُرْبَـةٍ رَاخَـى ابْنُ عَمْرٍو خِنَاقَه وَغُمَّتَــهُ عَــنْ وَجْهِــهِ فَتَجَـلَّتِ (18) * * * وكان قتادة يقول في ذلك ما: 17761- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (أمركم عليكم غمة) ، قال: لا يكبر عليكم أمركم.

* * * وأما قوله: (ثم اقضوا إليّ) ، فإن معناه: ثم أمضوا إليّ ما في أنفسكم وافرغوا منه، كما:- 17762- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون)، قال: اقضوا إليّ ما كنتم قاضين.

17763- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون) ، قال: اقضوا إليّ ما في أنفسكم.

17764- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

* * * واختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى قوله: (ثم اقضوا إليّ) .

(19) .

فقال بعضهم: معناه: امضوا إلي، كما يقال: " قد قضى فلان "، يراد: قد مات ومَضَى.

* * * وقال آخرون منهم: بل معناه: ثم افرغوا إليّ، وقالوا: " القضاء "، الفراغ، والقضاء من ذلك.

قالوا: وكأنّ " قضى دينه " من ذلك ، إنما هو فَرَغ منه.

* * * وقد حُكي عن بعض القراء أنه قرأ ذلك: (ثُمَّ أَفْضُوا إِلَيَّ) ، بمعنى: توجَّهوا إليّ حتى تصلوا إليّ، من قولهم: " قد أفْضَى إليّ الوَجَع وشبهه ".

(20) * * * وقوله: (ولا تنظرون) ، يقول: ولا تؤخرون.

* * * ، من قول القائل: " أنظرت فلانًا بما لي عليه من الدين " .

(21) * * * قال أبو جعفر: وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول نبيه نوح عليه السلام لقومه: إنه بنُصرة الله له عليهم واثق ، ومن كيدهم وبوائقهم غير خائف (22) ، وإعلامٌ منه لهم أن آلهتهم لا تضرّ ولا تنفع، يقول لهم: أمضوا ما تحدّثون أنفسكم به فيَّ ، على عزم منكم صحيح، واستعينوا مع من شايعكم عليّ بآلهتكم التي تدْعون من دون الله، ولا تؤخروا ذلك ، فإني قد توكلت على الله ، وأنا به واثق أنكم لا تضروني إلا أن يشاء ربي.

وهذا وإن كان خبرًا من الله تعالى عن نوح، فإنه حثٌّ من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على التأسّي به، وتعريفٌ منه سبيلَ الرشاد فيما قلَّده من الرسالة والبلاغ عنه.

----------------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " التلاوة " فيما سلف من فهارس اللغة ( تلا ).

(2) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف ص : 102 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(3) انظر تفسير " كبر " فيما سلف 11 : 336 ، 337 .

(4) انظر تفسير " التذكير " فيما سلف من فهارس اللغة ( ذكر ).

(5) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف 14 : 587 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(6) في المطبوعة : " وما تقدمون عليه " ، وفي المخطوطة : " وما سومون " غير منقوطة ، وهو وهم من الناسخ ، والصواب الذي أرجحه ، ما أثبت ، لأن " الإجماع " هو إحكام النية والعزيمة .

(7) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 473 ، وقد فصل القول فيه هناك .

(8) هذا حديث رواه بلا إسناد .

أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ، من حديث حفصة أم المؤمنين .

انظر سنن أبي داود 2 : 441 ، 442 ، رقم : 2454 .

(9) لم أعرف قائله ، ولكني أظنه لأبي النجم ، هكذا أذكر .

(10) نوادر أبي زيد : 133 ، معاني القرآن للفراء 1 : 473 ، اللسان ( جمع ) ، ( زفا ) ، وبعده فيما روى أبو زيد : وَتَحْــتَ رَحْــلِي زَفَيَــانٌ مَيْلَـعُ حَــرْفٌ , إذَا مَــا زُجِـرَتْ تَبَـوَّعُ .

(11) الأثر : 17760 - " عبد الوهاب " ، هو " عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي " ، مضى مرارًا كثيرة ، آخرها رقم : 14229 .

" وهارون " هو " هارون بن موسى " الأعور النحوي ، مضى برقم : 4985 ، 11693 ، 15514 ، 15515 ." وأسيد " ، هو " أسيد بن أبي أسيد ، يزيد " ، البراد .

روى الحروف عن الأعرج ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1/ 49 ، ولم يزد على أن قال " أسيد ، حدثنا موسى ، حدثنا هارون ، عن أسيد سمع عكرمة ، وعن الأعرج في القراءة " ، لم يذكر له نسبًا .

وفي ابن أبي حاتم 1 / 1 / 316 ، في ترجمة " أسيد بن يزيد المدني " ، وقال : " روى عن الأعرج ، روى عنه هارون النحوي".

ثم أتبعه بترجمة " أسيد بن أبي أسيد البراد " ، وقال : " واسم أبي أسيد يزيد " ، ولم يذكر له رواية عن الأعرج ، ولا في الرواة عنه هارون النحوي ، فجعلهما رجلين .

بيد أني رأيت ابن الجزري في طبقات القراء 1 : 381 في ترجمة " الأعرج " ، وهو " عبد الرحمن بن هرمز " قال : " وروى عنه الحروف أسيد بن أبي أسيد " .

وانظر هذا الاختلاف في التهذيب ، وما قاله الحافظ ابن حجر هناك .

(12) مضى البيت وتخريجه في مواضع ، آخرها 13 : 434 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 473 .

(13) في المطبوعة والمخطوطة : " فاكتفى " بالفاء ، والصواب حذفها ، وإنما خلط الناسخ .

(14) انظر تفصيل هذا في معاني القرآن للفراء 1 : 473 .

(15) في المطبوعة والمخطوطة : " ومنه قول رؤبة " ، وأنا أرجح أنه خطأ من الناسخ ، فلذلك وضعته بين القوسين ، وإنما نقل هذا أبو جعفر من مجاز القرآن لأبي عبيدة ، وهو فيه على الصواب " العجاج " .

(16) ديوانه : 63 ، واللسان ( غمم ) ، ( كمم ) ، وغيرها .

أول رجز له طويل في ديوانه ، ذكر فيه مسعود بن عمرو العتكي ، وما أصابه وقومه من تميم رهط العجاج ، وسلف بيان ذلك 13 : 75 ، تعليق : 2 ، في شرح بيت من هذا الرجز .

وقوله : " تكموا " من قوله : " تكممه " ، أي غطاه وغشاه ، ثم لما توالت الميمات في " تكمموا " ، قلبت الأخيرة ياء ، كما قيل في " التظنن " و " التظني " ، فلما أسند إليه الواو ، قال : " تكموا " .

(17) في المطبوعة : " يتفرج عنه " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .

(18) ديوانها : 22 ، وروايته " ومُخْتَنِقٍ رَاخَى ابنُ عَمْرٍو " من رثائها في أخيها صخر .

(19) انظر تفسير " قضى " فيما سلف ص : 33 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(20) انظر بيان هذه القراءة في معاني القرآن للفراء 1 : 474 .

(21) انظر تفسير " الإنظار " فيما سلف 13 : 322 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(22) في المطبوعة : " من كيدهم وتواثقهم " ، وهي قراءة فاسدة ، صوابها ما أثبت .

والمخطوطة غير منقوطة .

و " البوائق " ، جمع " بائقة " .

يعني : غوائلهم وشرهم وظلمهم وبغيهم عليه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه ياقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون[ ص: 271 ] قوله تعالى واتل عليهم نبأ نوح أمره عليه السلام أن يذكرهم أقاصيص المتقدمين ، ويخوفهم العذاب الأليم على كفرهم .

وحذفت الواو من ( اتل ) لأنه أمر ; أي اقرأ عليهم خبر نوح .إذ قال لقومه ( إذ ) في موضع نصب .ياقوم إن كان كبر عليكم أي عظم وثقل عليكم مقامي .

المقام " بفتح الميم " : الموضع الذي يقوم فيه .

والمقام " بالضم " الإقامة .

ولم يقرأ به فيما علمت ; أي إن طال عليكم لبثي فيكم .

وتذكيري وتخويفي لكم .

بآيات الله وعزمتم على قتلي وطردي فعلى الله توكلت أي اعتمدت .

وهذا هو جواب الشرط ، ولم يزل عليه السلام متوكلا على الله في كل حال ; ولكن بين أنه متوكل في هذا على الخصوص ليعرف قومه أن الله يكفيه أمرهم ; أي إن لم تنصروني فإني أتوكل على من ينصرني .قوله تعالى فأجمعوا أمركم وشركاءكم قراءة العامة ( فأجمعوا ) بقطع الألف ( شركاءكم ) بالنصب .

وقرأ عاصم الجحدري " فاجمعوا " بوصل الألف وفتح الميم ; من جمع يجمع .

( شركاءكم ) بالنصب .

وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ويعقوب ( فأجمعوا ) بقطع الألف " شركاؤكم " بالرفع .

فأما القراءة الأولى من أجمع على الشيء إذا عزم عليه .

وقال الفراء : أجمع الشيء أعده .

وقال المؤرج : أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه .

وأنشد :يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدون يوما وأمري مجمعقال النحاس : وفي نصب الشركاء على هذه القراءة ثلاثة أوجه ; قال الكسائي والفراء : هو بمعنى وادعو شركاءكم لنصرتكم ; وهو منصوب عندهما على إضمار هذا الفعل .

وقال محمد بن يزيد : هو معطوف على المعنى ; كما قال :رأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحاوالرمح لا يتقلد ، إلا أنه محمول كالسيف .

وقال أبو إسحاق الزجاج : المعنى مع شركائكم على تناصركم ; كما يقال : التقى الماء والخشبة .

والقراءة الثانية من الجمع ، اعتبارا بقوله تعالى : فجمع كيده ثم أتى .

قال أبو معاذ : ويجوز أن يكون جمع وأجمع بمعنى واحد ، ( وشركاءكم ) على هذه القراءة عطف على أمركم ، أو على معنى فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم ، وإن شئت بمعنى مع ، قال أبو جعفر النحاس : وسمعت أبا إسحاق يجيز [ ص: 272 ] قام زيد وعمرا .

والقراءة الثالثة على أن يعطف الشركاء على المضمر المرفوع في أجمعوا ، وحسن ذلك لأن الكلام قد طال .

قال النحاس وغيره : وهذه القراءة تبعد ; لأنه لو كان مرفوعا لوجب أن تكتب بالواو ، ولم ير في المصاحف واو في قوله ( وشركاءكم ) ، وأيضا فإن شركاءهم الأصنام ، والأصنام لا تصنع شيئا ولا فعل لها حتى تجمع .

قال المهدوي : ويجوز أن يرتفع الشركاء بالابتداء والخبر محذوف ، أي وشركاءكم ليجمعوا أمرهم ، ونسب ذلك إلى الشركاء وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تميز على جهة التوبيخ لمن عبدها .قوله تعالى ثم لا يكن أمركم عليكم غمة اسم ( يكن ) وخبرها .

و ( غمة ) وغم سواء ، ومعناه التغطية ; من قولهم : غم الهلال إذا استتر ; أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا تتمكنون فيه مما شئتم ; لا كمن يخفى أمره فلا يقدر على ما يريد .

قال طرفة :لعمرك ما أمري علي بغمة نهاري ولا ليلي علي بسرمدالزجاج : غمة ذا غم ، والغم والغمة كالكرب والكربة .

وقيل : إن الغمة ضيق الأمر الذي يوجب الغم فلا يتبين صاحبه لأمره مصدرا لينفرج عنه ما يغمه .

وفي الصحاح : والغمة الكربة .

قال العجاج :بل لو شهدت الناس إذا تكموا بغمة لو لم تفرج غموايقال : أمر غمة ، أي مبهم ملتبس ; قال تعالى : ثم لا يكن أمركم عليكم غمة .

قال أبو عبيدة : مجازها ظلمة وضيق .

والغمة أيضا : قعر النحي وغيره .

قال غيره : وأصل هذا كله مشتق من الغمامة .قوله تعالى ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ألف ( اقضوا ) ألف وصل ، من قضى يقضي .

قال الأخفش والكسائي : وهو مثل : وقضينا إليه ذلك الأمر أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه .

وروي عن ابن عباس ثم اقضوا إلي ولا تنظرون قال : امضوا إلي ولا تؤخرون .

قال النحاس : هذا قول صحيح في اللغة ; ومنه : قضى الميت أي مضى .

وأعلمهم بهذا أنهم لا يصلون إليه ، وهذا من دلائل النبوات .

وحكى الفراء عن بعض القراء " ثم أفضوا إلي " بالفاء وقطع الألف ، أي توجهوا ; يقال : أفضت الخلافة إلى فلان ، وأفضى إلي الوجع .

وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح عليه السلام أنه كان بنصر الله واثقا ، ومن كيدهم غير خائف ; علما منه بأنهم وآلهتهم لا ينفعون ولا يضرون .

وهو تعزية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتقوية لقلبه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه‏:‏ واتل على قومك ‏{‏نَبَأَ نُوحٍ‏}‏ في دعوته لقومه، حين دعاهم إلى الله مدة طويلة، فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فلم يزدهم دعاؤه إياهم إلا طغيانًا، فتمللوا منه وسئموا، وهو عليه الصلاة والسلام غير متكاسل، ولا متوان في دعوتهم، فقال لهم‏:‏ ‏{‏يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ إن كان مقامي عندكم، وتذكيري إياكم ما ينفعكم ‏{‏بِآيَاتِ اللَّهِ‏}‏ الأدلة الواضحة البينة، قد شق عليكم وعظم لديكم، وأردتم أن تنالوني بسوء أو تردوا الحق‏.‏ ‏{‏فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ‏}‏ أي‏:‏ اعتمدت على الله، في دفع كل شر يراد بي، وبما أدعو إليه، فهذا جندي، وعدتي‏.‏ وأنتم، فأتوا بما قدرتم عليه، من أنواع العَدَدَ والعُددَ‏.‏ ‏{‏فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ‏}‏ كلكم، بحيث لا يتخلف منكم أحد، ولا تدخروا من مجهودكم شيئًا‏.‏ ‏{‏و‏}‏ أحضروا ‏{‏شُرَكَاءَكُمْ‏}‏ الذي كنتم تعبدونهم وتوالونهم من دون الله رب العالمين‏.‏ ‏{‏ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً‏}‏ أي‏:‏ مشتبهًا خفيًا، بل ليكن ذلك ظاهرًا علانية‏.‏ ‏{‏ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ‏}‏ أي‏:‏ اقضوا علي بالعقوبة والسوء، الذي في إمكانكم، ‏{‏وَلَا تُنْظِرُونِ‏}‏ أي‏:‏ لا تمهلوني ساعة من نهار‏.‏ فهذا برهان قاطع، وآية عظيمة على صحة رسالته، وصدق ما جاء به، حيث كان وحده لا عشيرة تحميه، ولا جنود تؤويه‏.‏ وقد بادأ قومه بتسفيه آرائهم، وفساد دينهم، وعيب آلهتهم‏.‏ وقد حملوا من بغضه، وعداوته ما هو أعظم من الجبال الرواسي، وهم أهل القدرة والسطوة، وهو يقول لهم‏:‏ اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ومن استطعتم، وأبدوا كل ما تقدرون عليه من الكيد، فأوقعوا بي إن قدرتم على ذلك، فلم يقدروا على شيء من ذلك‏.‏ فعلم أنه الصادق حقًا، وهم الكاذبون فيما يدعون

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( واتل عليهم نبأ نوح ) أي : اقرأ يا محمد على أهل مكة خبر نوح ( إذ قال لقومه ) وهم ولد قابيل ، ( يا قوم إن كان كبر عليكم ) عظم وثقل عليكم ، ( مقامي ) طول مكثي فيكم ( وتذكيري ) ووعظي إياكم ( بآيات الله ) بحججه وبيناته ، فعزمتم على قتلي وطردي ( فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم ) أي : أحكموا أمركم واعزموا عليه ، ( وشركاءكم ) أي : وادعوا شركاءكم ، أي : آلهتكم ، فاستعينوا بها لتجتمع معكم .

وقال الزجاج : معناه : فأجمعوا أمركم مع شركائكم ، فلما ترك " مع " انتصب .

وقرأ يعقوب : " وشركاؤكم " رفع ، أي : فأجمعوا أمركم أنتم وشركاؤكم .

( ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ) أي : خفيا مبهما ، من قولهم : غم الهلال على الناس ، أي : أشكل عليهم ، ( ثم اقضوا إلي ) أي : أمضوا ما في أنفسكم وافرغوا منه ، يقال : قضى فلان إذا مات ومضى وقضى دينه إذا فرغ منه .

وقيل : معناه : توجهوا إلي بالقتل والمكروه .

وقيل فاقضوا ما أنتم قاضون ، وهذا مثل قول السحرة لفرعون : " فاقض ما أنت قاض " ( طه - 72 ) ، أي : اعمل ما أنت عامل .

( ولا تنظرون ) ولا تؤخرون وهذا على طريق التعجيز ، أخبر الله عن نوح أنه كان واثقا بنصر الله تعالى غير خائف من كيد قومه ، علما منه بأنهم وآلهتهم ليس إليهم نفع ولا ضر إلا أن يشاء الله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واتل» يا محمد «عليهم» أي كفار مكة «نبأ» خبر «نوح» ويبدل منه «إذ قال لقومه يا قوم إن كان كُبر» شق «عليكم مقامي» لبثي فيكم «وتذكيري» وعظي إياكم «بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم» اعزموا على أمر تفعلونه بي «وشركاءكم» الواو بمعني مع «ثم لا يكن أمركم عليكم غُمة» مستورا بل أظهروه وجاهروني به «ثم اقضوا إليَّ» امضوا فيما أردتموه «ولا تنظرون» تمهلون فإني لست مباليا بكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واقصص -أيها الرسول- على كفار "مكة" خبر نوح -عليه السلام- مع قومه حين قال لهم: إن كان عَظُمَ عليكم مقامي فيكم وتذكيري إياكم بحجج الله وبراهينه فعلى الله اعتمادي وبه ثقتي، فأعدُّوا أمركم، وادعوا شركاءكم، ثم لا تجعلوا أمركم عليكم مستترًا بل ظاهرًا منكشفًا، ثم اقضوا عليَّ بالعقوبة والسوء الذي في إمكانكم، ولا تمهلوني ساعة من نهار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ساقت السورة الكريمة ما ساقت من الأدلة على وحدانية الله وعلى صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة المكذبين .

.

بعد كل ذلك تحدثت عن بعض قصص الأنبياء مع أقوامهم ، فبدأت بجانب من قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، وكيف أن الله - تعالى - أغرقهم بعد أن تمادوا فى ضلالهم ، فقال - سبحانه - :( واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ .

.

.

) .قال الإِمام الرازي : " اعلم أنه - سبحانه - لما بالغ فى تقرير الدلائل والبينات وفى الجواب عن الشبه والسؤالات ، شرع بعد ذلك فى بيان بعض قصص الأنبياء - عليهم السلام - لوجوه :أحدها : أن الكلام إذا طال فى تقرير نوع من أنواع العلوم ، فربما حصل نوع من أنواع الملالة ، فإذا انتقل الإِنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر ، انشرح صدره ، ووجد فى نفسه رغبة جديدة .وثانيها : ليكون للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه ، أسوة بمن سلف من الأنبياء ، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع أن معاملة الكفار لأنبيائهم سيئة .

.

خف ذلك على قلبه ، لأن المصيبة إذا عمت خفت .وثالثها : أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص ، وعلموا أن العاقبة للمتقين كان ذلك سببا فى انكسار قلوبهم ، ووقوع الخوف والوجل فى نفوسهم .

وحينئذ يقلوعون عن أنواع الإِيذاء والسفاهة .

.

.

" .ونوح - عليه السلام - : واحد من أولى العزم من الرسل ، وينتهي نسبة إلى شيث بن آدم - عليه السلام - وقد ذكر فى القرآن فى ثلاثة وأربعين موضعا .وكان قومه يعبدون الأصنام ، فأرسل الله إليهم نوحاً ليدلهم على طريق الرشاد .وقد تكررت قصته مع قومه فى سورة الأعراف ، وهود ، والمؤمنون ، ونوح .

.

بصورة أكثر تفضيلاً .أما هنا فى سورة يونس فقد جاءت بصورة مجملة ، لأن الغرض منها هنا ، إبراز جانب التحدي من نوع لقومه ، بعد أن مكث فيهم زمانا طويلاً ، يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، وترك عبادة غيره .والمعنى : واتل - يا محمد - على مسامع هؤلاء المشركين الذين مردوا على افتراء الكذب ، نبأ نوح - عليه السلام - مع قومه المغترين بأموالهم وكثرتهم ليتدبروا ما فى هذا النبأ من عظات وعبر .

وليعلموا أن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن يجعل العاقبة للمتقين .والمقصود من هذه التلاوة ، دعوة مشركي مكة وأمثالهم ، إلى التدبر فيما جرى للظالمين من قبلهم ، لعلهم بسبب هذا التدبر والتأمل يثوبون إلى رشدهم ويتبعون الدين الحق الذى جاءهم به نبيهم محمد - صلى الله عليه وسلم - .وقوله : ( ياقوم إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ الله فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ .

.

) بيان لما قاله لهم بعد أن مكث فيهم زمنا طويلا ، ، وسمع منهم ما سمع من استهزاء بدعوته ، ، وتطاول على أتباعه .أى : قال نوح لقومه بعد أن دعاهم ليلا ونهارا : يا قوم إن كان ( كَبُرَ عَلَيْكُمْ ) .أى : شق وعظم عليكم ( مَّقَامِي ) فيكم ووجودي بين أظهركم عمرا طويلا ( وَتَذْكِيرِي ) إياكم بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته ، ، والتي تستلزم منكم إخلاص العبادة له والشكر لنعمه .إن كان كبر عليكم ذلك فعلى الله وحده توكلت ، وإليه وحده فوضت أمري ولن يصرفني عن الاستمرار فى تبليغ ما أمرنى بتبليغه وعد أو وعيد منكم .وخاطبهم - عليه السلام - بقوله : ( ياقوم ) استمالة لقلوبهم ، وإشعار لهم بأنهم أهله وأقرباؤه الذين يحب لهم الخير ، ويكره لهم الشر .وجملة ( فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ ) جواب الشرط .

وقيل جواب الشرط محذوف والتقدير : إن كان كبر عليكم ذلك فافعلوا ما شئتم فإني على الله وحده توكلت فى تبليغ دعوته لكم .وقوله : ( فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ) معطول على ما قبله .والفعل ( أجمعوا ) بقطع الهمزة مأخذو من أجمعت على الأمر إذا عزمت عليه عزما مؤكدا ووطنت نفسك على المضي فيه بدون تردد أو تقاعس .والمراد بالأمر هنا : المكر والكيد والعداوة وما يشبه بذلك .والمراد بشركائهم : أصنامهم التي عبدوها من دون الله وظنوا فيها النفع والضرر والتمسوا فيها العون والنصرة .والمعنى : أن نوحا - عليه السلام - قد قال قولمه بصراحة ووضوح : يا قوم إن كان قد شق عليكم مقامي فيكم ، وتذكيري بآيات الله الدالة على وحدانيته فأجمعوا ما تريدون جمعه من مكر وكيد بي ، ثم ادعوا شركاءهم ليساعدوكم فى ذلك فإنى ماض فى طريقى الذى أمرنى الله به ، بدون مبالاة بمكركم وبدون اهتمام بكيدكم .قال الآلوسى : " وقوله ( وَشُرَكَآءَكُمْ ) منصوب على أنه مفعول معه لأن الشركاء عازمون لا معزوم عليهم .

وقيل إنه منصوب بالعطف على قوله ( أَمْرَكُمْ ) بحذف المضاف أي فأجمعوا أمركم وأمر شركائكم .وقرأ نافع : فاجمعوا بوصل الهمزة وفتح الميم من جع وعطف الشركاء على الأمر فى هذه القراءة ظاهر بناء على أنه يقال : جمعت شركائي ، كما يقال جمعت أمرى .

.

.

"وقوله : ( ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ) معطوف على ما قبله ، ومؤكد لمضمونه .وكلمة ( غُمَّةً ) بمعنى الستر والخفاء .

يقال : غم على فلان الأمر أى : خفى عليه واستتر .ومنه الحديث الشريف : " صوموا لرؤيته - أى الهلال - وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما " أى فإن استتر وخفى عليكم الهلال وحال دون رؤيتكم له حائل من غيم أو ضباب فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما .أى : أجمعوا ما تريدون جمعه لي من مكر وكيد واستعينوا على ذلك بشركائكم ثم لا يكن أمركم ، الذى أجمعتم على تنفيذه فيه شيء من الستر أو الخفاء أو الالتباس الذى يجعلكم مترددين فى المضي فيه أو متقاعسين عن مجاهرتي بما تريدون فعله معى .ومنهم من يرى أن كلمة ( غُمَّةً ) هنا بمعى الغم كالكربة بمعنى الكرب أى : ثم لا يكن حالكم غما كائنا عليكم بسبب مقامى فيكم وتذكيرى إياكم بآيات الله .وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذيبن الوجهين فقال : " فإن قلت : ما معنى الأمرين : أمرهم الذى يجمعونه وأمرهم الذى لا يكون عليهم غمة؟قلت : أما الأمر الأول فالقصد إلى إهلاكه يعني : فاجمعوا ما تريدون من إهلاكى واحتشدوا فيه ، وابذلوا وسعكم فى كيدي .وإنما قال ذلك إظهارا لقلة مبالاته بهم وثقته بما وعده به ربه من كلاءته وعصمته إياه ، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلا .وأما الثانى ففيه وجهان : أحدهما أن يراد مصاحبتهم له وما كانوا فيه معه من الحال الشديدة عليهم ، المكروهة عندهم .

يعني : ثم أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة عليكم .

وحالكم عليكم غمة .

أى : غما وهما .

والغم والغمة كالكرب والكربة .وثانيهما : أن يراد به ما أريد بالأمر الأول .

والغمة السترة من غمة إذا ستره ، وفى الحديث " لا غمة فى فرائض الله " أى لا تستر ولكن يجاهر بها .يعنى : ولا يكن قصدكم إلى إهلاكى مستورا عليكم .

ولكن مكشوفا مشهورا تجاهرونني به " .وقوله : ( ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ) زيادة فى تحديهم وإثارتهم .والقضاء هنا بمعنى الأداء ، من قولهم : قضى المدين للدائن دينه ، إذا أداه إليه ، وقضى فلان الصلاة .

أى أداها بعد مضي وقتها .أى : ثم أدوا إلى ذلك الامر الذى تريدون أداءه من إيذائى أو إهلاكى بدون إنظار أو إمهال .ويصح أن يكون القضاء هنا بمعنى الحكم ، أى : ثم احكموا على بما تريدون من أحكام ، ولا تتركوا لي مهلة فى تنفيذها ، بل نفذوها على فى الحال .فأنت ترى فى هذه الآية الكريمة كيف أن نوحا - عليه السلام - كان فى نهاية الشجاعة فى مخاطبته لقومه ، بعد أن مكث فيهم مكث وهو يدعوهم إلى عبادة الله - تعالى - وحده .فهو - أولا - يصارحهم بأنه ماض فى طريقه الذى أمره الله بالمضي فيه ، وهو تذكيرهم بالدلائل الدالة على وحدانية الله ، وعلى وجوب إخلاص العبادة له سواء أشق عليهم هذا التذكير أم لم يشق ، وأنه لا اعتماد له على أحد إلا على الله وحده .وهو - ثانيا - يتحداهم بأن يجمعوا أمرهم وأمر شركائهم وأن يأخذوا أهبتهم لكيده وحربه .وهو - ثالثا - يطالبهم بأن يتخذوا قراراتهم بدون تستر أو خفاء ، فإن الأمر لا يحتاج إلى غموض أو تردد ، لأن حاله معهم قد أصبح واضحا وصريحا .وهو - رابعا - يأمرهم بأن يبلغوه ما توصلوا إليه من قرارات وأحكام وأن ينفذوها عليه بدون تريث أو انتظار ، حتى لا يتركوا له فرصة للاستعداد للنجاة من مكرهم .وهكذا نرى نوحا - عليه السلام - يتحدى قومه تحديا صريحا مثيرا .

حتى إنه ليغريهم بنفسه ، ويفتح لهم الطريق لإِيذائه وإهلاكه - إن استطاعوا ذلك - .وما لجأ - عليه السلام - إلى هذا التحدي الواضح المثير إلا لأنه كان معتمدا على الله - تعالى - الذى تتضاءل أمام قوته كل قوة وتتهاوا إزاء سطوته كل سطوة ويتصاغر كل تدبير وتقدير أمام تدبيره وتقديره .وهكذا نرى القرآن الكريم يسوق للدعاة فى كل زمان تلك المواقف المشرفة لرسل الله - عليهم الصلاة والسلام - لكي يقتدوا بهم فى شجاعتهم ، وفى اعتمادهم على الله وحده ، وفى ثباتهم أمام الباطل مهما بلغت قوته ، واشتد جبروته .ومتى فعلوا ذلك ، كانت العاقبة لهم لأنه - سبحانه - تعهد أن ينصر من ينصره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات، وفي الجواب عن الشبه والسؤالات، شرع بعد ذلك في بيان قصص الأنبياء عليهم السلام لوجوه: أحدها: أن الكلام إذا أطال في تقرير نوع من أنواع العلوم، فربما حصل نوع من أنواع الملالة فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر، انشرح صدره وطاب قلبه ووجد في نفسه رغبة جديدة وقوة حادثة وميلاً قوياً.

وثانيها: ليكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولأصحابه أسوة بمن سلف من الأنبياء، فإن الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع كل الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه، كما يقال: المصيبة إذا عمت خفت.

وثالثها: أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص، وعلموا أن الجهال، وإن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين إلا أن الله تعالى أعانهم بالآخرة ونصرهم وأيدهم وقهر أعداءهم، كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سبباً لانكسار قلوبهم، ووقوع الخوف والوجل في صدورهم، وحينئذ يقللون من أنواع الإيذاء والسفاهة.

ورابعها: أنا قد دللنا على أن محمداً عليه الصلاة والسلام لما لم يتعلم علماً، ولم يطالع كتاباً ثم ذكر هذه الأقاصيص من غير تفاوت، ومن غير زيادة ومن غير نقصان، دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم إنما عرفها بالوحي والتنزيل.

واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة من قصص الأنبياء عليهم السلام ثلاثة.

فالقصة الأولى: قصة نوح عليه السلام، وهي المذكورة في هذه الآية، وفيها وجهان من الفائدة: الأول: أن قوم نوح عليه السلام لما أصروا على الكفر والجحد عجل الله هلاكهم بالغرق فذكر الله تعالى قصتهم لتصير تلك القصة عبرة لهؤلاء الكفار، وداعية إلى مفارقة الجحد بالتوحيد والنبوة.

والثاني: أن كفار مكة كانوا يستعجلون العذاب الذي يذكره الرسول عليه السلام لهم وكانوا يقولون له كذبت، فإنه ما جاءنا هذا العذاب، فالله تعالى ذكر لهم قصة نوح عليه السلام لأنه عليه السلام كان يخوفهم بهذا العذاب وكانوا يكذبونه فيه، ثم بالآخرة وقع كما أخبر فكذا هاهنا.

المسألة الثانية: أن نوحاً عليه السلام قال لقومه: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ الله فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ ﴾ وهذا جملة من الشرط والجزاء، أما الشرط فهو مركب من قيدين: القيد الأول: قوله: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى ﴾ قال الواحدي في البسيط: يقال كبر يكبر كبراً في السن، وكبر الأمر والشيء إذا عظم يكبر كبراً وكبارة.

قال ابن عباس: ثقل عليكم وشق عليكم وعظم أمره عندكم والمقام بفتح الميم مصدر كالإقامة.

يقال: أقام بين أظهرهم مقاماً وإقامة، والمقام بضم الميم الموضع الذي يقام فيه، وأراد بالمقام هاهنا مكثه ولبثه فيهم وبالجملة فقوله: ﴿ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى ﴾ جار مجرى قولهم: فلان ثقيل الظل.

واعلم أن سبب هذا الثقل أمران: أحدهما: أنه عليه السلام مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً.

والثاني: أن أولئك الكفار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة والطرائق الباطلة والغالب أن من ألف طريقة في الدين فإنه يثقل عليه أن يدعى إلى خلافها، ويذكر له ركاكتها، فإن اقترن بذلك طول مدة الدعاء كان أثقل وأشد كراهية، فإن اقترن به إيراد الدلائل القاهرة على فساد تلك المذهب كانت النفرة أشد فهذا هو السبب في حصول ذلك الثقل.

والقيد الثاني: هو قوله: ﴿ وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ الله ﴾ .

واعلم أن الطباع المشغوفة بالدنيا الحريصة على طلب اللذات العاجلة تكون شديدة النفرة عن الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والمنكرات، قوية الكراهة لسماع ذكر الموت وتقبيح صورة الدنيا ومن كان كذلك فإنه يستثقل الإنسان الذي يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون قوله: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ الله ﴾ معناه أنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم ظاهراً وكلامهم مسموعاً، كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.

واعلم أن هذا هو الشرط المذكور في هذه الآية، أما الجزاء ففيه قولان: القول الأول: أن الجزاء هو قوله: ﴿ فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ ﴾ يعني أن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر إلا بالتوكل على الله.

واعلم أنه عليه السلام كان أبداً متوكلاً على الله تعالى، وهذا اللفظ يوهم أنه توكل على الله في هذه الساعة، لكن المعنى أنه إنما توكل على الله في دفع هذا الشر في هذه الساعة.

والقول الثاني: وهو قول الأكثرين إن جواب الشرط هو قوله: ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ ﴾ كلام اعترض به بين الشرط وجوابه كما تقول في الكلام إن كنت أنكرت علي شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد واعلم أن جواب هذا الشرط مشتمل على قيود خمسة على الترتيب.

القيد الأول: قوله: ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قال الفراء: الإجماع الإعداد والعزيمة على الأمر وأنشد: يا ليت شعري والمنى لا تنفع *** هل اغدون يوماً وأمري مجمع فإذا أردت جمع التفرق قلت: جمعت القوم فهم مجموعون، وقال أبو الهيثم: أجمع أمره، أي جعله جميعاً بعد ما كان متفرقاً، قال: وتفرقه، أي جعل يتدبره فيقول: مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه، أي جعله جميعاً فهذا هو الأصل في الإجماع، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ  ﴾ ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى فقيل: أجمعت على الأمر، أي عزمت عليه، والأصل أجمعت الأمر.

البحث الثاني: روى الأصمعي عن نافع ﴿ فَاجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ ﴾ بوصل الألف من الجمع وفيه وجهان: الأول: قال أبو علي الفارسي: فاجمعوا ذوي الأمر منكم فحذف المضاف، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت.

الثاني: قال ابن الأنباري: المراد من الأمر هاهنا وجوه كيدهم ومكرهم، فالتقدير: ولا تدعوا من أمركم شيئاً إلا أحضرتموه.

والقيد الثاني: قوله: ﴿ وَشُرَكَاءكُمْ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: الواو هاهنا بمعنى مع، والمعنى: فأجمعوا أمركم مع شركائكم، ونظيره قولهم لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، ولو خليت نفسك والأسد لأكلك.

البحث الثاني: يحتمل أن يكون المراد من الشركاء الأوثان التي سموها بالآلهة، ويحتمل أن يكون المراد منها من كان على مثل قولهم ودينهم، فإن كان المراد هو الأول فإنما حث الكفار على الاستعانة بالأوثان بناء على مذهبهم من أنها تضر وتنفع، وإن كان المراد هو الثاني فوجه الاستعانة بها ظاهر.

البحث الثالث: قرأ الحسن وجماعة من القراء ﴿ وَشُرَكَاؤُكُمْ ﴾ بالرفع عطفاً على الضمير المرفوع، والتقدير: فأجمعوا أنتم وشركاؤكم.

قال الواحدي: وجاز ذلك من غير تأكيد الضمير كقوله: ﴿ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة  ﴾ لأن قوله: ﴿ أَمَرَكُمُ ﴾ فصل بين الضمير وبين المنسوق، فكان كالعوض من التوكيد وكان الفراء يستقبح هذه القراءة، لأنها توجب أن يكتب وشركاؤكم بالواو وهذا الحرف غير موجود في المصاحف.

القيد الثالث: قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم إذا التبس قال طرفة: لعمري ما أمري علي بغمة *** نهاري ولا ليلي علي بسرمد وقال الليث: إنه لفي غمة من أمره إذا لم يهتد له.

قال الزجاج: أي ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً.

القيد الرابع: قوله: ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قال ابن الأنباري معناه ثم امضوا إلي بمكروهكم وما توعدونني به، تقول العرب: قضى فلان، يريدون مات ومضى، وقال بعضهم: قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه وبه يسمى القاضي، لأنه إذا حكم فقد فرغ فقوله: ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ ﴾ أي افرغوا من أمركم وامضوا ما في أنفسكم واقطعوا ما بيني وبينكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إسراءيل فِي الكتاب  ﴾ أي أعلمناهم إعلاماً قاطعاً، قال تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الامر  ﴾ قال القفال رحمه الله تعالى ومجاز دخول كلمة ﴿ إلى ﴾ في هذا الموضع من قولهم برئت إليك وخرجت إليك من العهد، وفيه معنى الإخبار فكأنه تعالى قال: ثم اقضوا ما يستقر رأيكم عليه محكماً مفروغاً منه.

البحث الثاني: قرئ ﴿ ثم أفضوا إلي ﴾ بالفاء بمعنى ثم انتهوا إلى بشركم، وقيل: هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء، أي أصحروا به إلي وأبرزوه إلي.

القيد الخامس: قوله: ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ معناه لا تمهلون بعد إعلامكم إياي ما اتفقتم عليه فهذا هو تفسير هذه الألفاظ، وقد نظم القاضي هذا الكلام على أحسن الوجوه فقال إنه عليه السلام قال في أول الأمر: فعلى الله توكلت فإني واثق بوعد الله جازم بأنه لا يخلف الميعاد ولا تظنوا أن تهديدكم إياي بالقتل والإيذاء يمنعني من الدعاء إلى الله تعالى ثم إنه عليه السلام أورد ما يدل على صحة دعوته فقال: فأجمعوا أمركم فكأنه يقول لهم أجمعوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب التي توجب حصول مطلوبكم ثم لم يقتصر على ذلك بل أمرهم أن يضموا إلى أنفسهم شركائهم الذين كانوا يزعمون أن حالهم يقوى بمكانتهم وبالتقرب إليهم، ثم لم يقتصر على هذين بل ضم إليهما ثالثاً وهو قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ وأراد أن يبلغوا فيه كل غاية في المكاشفة والمجاهرة، ثم لم يقتصر على ذلك حتى ضم إليها: رابعاً فقال: ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ ﴾ والمراد أن وجهوا كل تلك الشرور إلي، ثم ضم إلى ذلك خامساً.

وهو قوله: ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غيرإنظار فهذا آخر هذا الكلام ومعلوم أن مثل هذا الكلام يدل على أنه عليه السلام كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله تعالى وأنه كان قاطعاً بأن كيدهم لا يصل إليه ومكرهم لا ينفذ فيه.

وأما قوله تعالى: ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ﴾ فقال المفسرون: هذا إشارة إلى أنه ما أخذ منهم مالاً على دعوتهم إلى دين الله تعالى ومتى كان الإنسان فارغاً من الطمع كان قوله أقوى تأثيراً في القلب.

وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال: إنه عليه السلام بين أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه وذلك لأن الخوف إنما يحصل بأحد شيئين إما بإيصال الشر أو بقطع المنافع، فبين فيما تقدم أنه لا يخاف شرهم وبين بهذه الآية أنه لا يخاف منهم بسبب أن يقطعوا عنه خيراً، لأنه ما أخذ منهم شيئاً فكان يخاف أن يقطعوا منه خيراً.

ثم قال: ﴿ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين ﴾ وفيه قولان: الأول: أنكم سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوا، فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام.

والثاني: أني مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إلي لأجل هذه الدعوة.

وهذا الوجه أليق بهذا الموضع، لأنه لما قال: ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ ﴾ بين لهم أنه مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إليه في هذا الباب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَبُرَ عَلَيْكُمْ ﴾ عظم عليكم وشقّ وثقل.

ومنها قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين ﴾ [البقرة: 45] .

ويقال: تعاظمه الأمر ﴿ مَّقَامِى ﴾ مكاني، يعني نفسه، كما تقول: فعلت كذا لمكان فلان: وفلان ثقيل الظل.

ومنه: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ ﴾ [الرحمن: 46] بمعنى خاف ربه.

أو قيامي ومكثي بين أظهركم مدداً طوالاً أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً أو مقامي وتذكيري؛ لأنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم، ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً، كما يحكى عن عيسى صلوات الله عليه أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ﴾ من أجمع الأمر، وأزمعه، إذا نواه وعزم عليه.

قال: هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْماً وَأَمْرِي مُجْمعُ والواو بمعنى (مع) يعني: فأجمعوا أمركم مع شركائكم.

وقرأ الحسن: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع عطفاً على الضمير المتصل، وجاز من غير تأكيد بالمنفصل لقيام الفاصل مقامه لطول الكلام، كما تقول: اضرب زيداً وعمرو.

وقرئ: ﴿ فاجمعوا ﴾ من الجمع.

وشركاءكم نصب للعطف على المفعول، أو لأنّ الواو بمعنى (مع) وفي قراءة أبيّ: ﴿ فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم ﴾ فإن قلت: كيف جاز إسناد الإجماع إلى الشركاء؟

قلت: على وجه التهكم، كقوله: ﴿ قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ ﴾ [الأعراف: 195] فإن قلت: ما معنى الأمرين؟

أمرهم الذي يجمعونه، وأمرهم الذي لا يكون عليهم غمة؟

قلت: أمّا الأمر الأوّل فالقصد إلى إهلاكه، يعني: فأجمعوا ما تريدون من إهلاكي واحتشدوا فيه وابذلوا وسعكم في كيدي.

وإنما قال ذلك إظهاراً لقلة مبالاته وثقته بما وعده ربه من كلاءته وعصمته إياه، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلاً.

وأما الثاني ففيه وجهان، أحدهما: أن يراد مصاحبتهم له وما كانوا فيه معه من الحال الشديدة عليهم المكروهة عندهم، يعني: ثم أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة: أي غماً وهماً، والغم والغمة، كالكرب والكربة.

والثاني أن يراد به ما أريد بالأمر الأوّل، والغمة السترة من غمه إذا ستره.

ومنها قوله عليه السلام: «ولا غمة في فرائض الله» أي لا تستر، ولكن يجاهر بها، يعني: ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستوراً عليكم ولكن مكشوفاً مشهوراً تجاهرونني به ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي، أي: أدّوا إليَّ قطعه وتصحيحه، كقوله تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر ﴾ [الحجر: 66] أو أدّوا إليّ ما هو حق عليكم عندكم من هلاكي كما يقضي الرجل غريمه ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ ولا تمهلوني.

قرئ: ﴿ ثم افضوا إليّ ﴾ بالفاء بمعنى: ثم انتهوا إليّ بشرّكم.

وقيل: هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء، أي أصحروا به إليَّ وأبرزوه لي ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي ﴿ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم وطلب أجر على عظتكم ﴿ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله ﴾ وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة أي: ما نصحتكم إلاّ لوجه الله، لا لغرض من أغراض الدنيا ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين ﴾ الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئاً ولا يطلبون به دنيا، يريد: أن ذلك مقتضى الإسلام، والذي كل مسلم مأمور به.

والمراد أن يجعل الحجّة لازمة لهم ويبرئ ساحته، فذكر أن توليهم لم يكن عن تفريط منه في سوق الأمر معهم على الطريق الذي يجب أن يساق عليه، وإنما ذلك لعنادهم وتمرّدهم لا غير ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ فتموا على تكذيبه، وكان تكذيبهم له في آخر المدّة المتطاولة كتكذيبهم في أوّلها، وذلك عند مشارفة الهلاك بالطوفان ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ ﴾ يخلفون الهالكين بالغرق ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين ﴾ تعظيم لما جرى عليهم، وتحذير لمن أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثله، وتسلية له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ ﴾ خَبَرَهُ مَعَ قَوْمِهِ.

﴿ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ ﴾ عَظُمَ عَلَيْكم وشَقَّ.

﴿ مَقامِي ﴾ نَفْسِي كَقَوْلِكَ فَعَلْتُ كَذا لِمَكانِ فُلانٍ، أوْ كَوْنِي وإقامَتِي بَيْنَكم مُدَّةً مَدِيدَةً أوْ قِيامِي عَلى الدَّعْوَةِ.

﴿ وَتَذْكِيرِي ﴾ إيّاكم.

﴿ بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ وثِقْتُ بِهِ.

﴿ فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ ﴾ فَأعْزِمُوا عَلَيْهِ.

﴿ وَشُرَكاءَكُمْ ﴾ أيْ مَعَ شُرَكائِكم ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، وجازَ مِن غَيْرِ أنْ يُؤَكِّدَ لِلْفَصْلِ وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ أمْرَكُمْ ﴾ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ وأمْرَ شُرَكائِكم.

وقِيلَ إنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وادْعُوا شُرَكاءَكم وقَدْ قُرِئَ بِهِ، وعَنْ نافِعٍ (فَأجْمَعُوا) مِنَ الجَمْعِ، والمَعْنى أمَرَهم بِالعَزْمِ أوِ الِاجْتِماعِ عَلى قَصْدِهِ والسَّعْيِ في إهْلاكِهِ عَلى أيِّ وجْهٍ يُمْكِنُهم ثِقَةً بِاللَّهِ وقِلَّةَ مُبالاةٍ بِهِمْ.

﴿ ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكُمْ ﴾ في قَصْدِي.

﴿ عَلَيْكم غُمَّةً ﴾ مَسْتُورًا واجْعَلُوهُ ظاهِرًا مَكْشُوفًا، مِن غَمَّهُ إذا سَتَرَهُ أوْ ثُمَّ لا يَكُنْ حالُكم عَلَيْكم غَمًّا إذا أهْلَكْتُمُونِي وتَخَلَّصْتُمْ مِن ثِقَلِ مَقامِي وتَذْكِيرِي.

﴿ ثُمَّ اقْضُوا ﴾ أدُّوا.

﴿ إلَيَّ ﴾ ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي تُرِيدُونَ بِي، وقُرِئَ « ثُمَّ أفْضُوا إلَيَّ» بِالفاءِ أيِ انْتَهُوا إلَيَّ بِشَرِّكم أوِ ابْرُزُوا إلَيَّ، مِن أفْضى إذا خَرَجَ إلى الفَضاءِ.

﴿ وَلا تُنْظِرُونِ ﴾ ولا تُمْهِلُونِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واتل عَلَيْهِمْ} واقرأ عليهم {نَبَأَ نُوحٍ} خبره مع قومه والوقف عليه لازم إذ لو وصل لصار إذ ظرفا لقوله واتل بل التقدير واذكر {إذ قال لقومه يا قوم إن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ} عظم وثقل كقوله {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} {مَّقَامِى} مكاني يعني نفسه كقوله وَلِمَنْ خَافَ مقام ربه جنتان أي خاف ربه أو قيامي ومكثي بين أظهركم ألف سنة إلا خمسين عاماً أو مقامى {وتذكيري بآيات الله} لأنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم بينًا وكلامهم مسموعاً {فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ} أي فوضت أمري إليه {فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ} من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه {وَشُرَكَاءكُمْ} الواو بمعنى مع أي فأجمعوا أمركم مع شركائكم {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} أي غماً عليكم وهما والغم والغمة كالكرب والكربة أو ملتبساً في خفية والغمة السترة من غمه إذا ستره ومنه الحديث لاغمة في فرائض الله أي لا تستر ولكن يجاهر بها والمعنى ولا يكن قصدكم إلى اهلاكى مستورا عليكم ولكم مكشوفا مشهور اتجاهروننى به {ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ} ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إلى ما هو حق عندكم من هلاكي كما يقضي الرجل غريمه أو اصنعوا ما أمكنكم {وَلاَ تُنظِرُونَ} ولا تمهلوني

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ لِتَحْقِيقِ ما سَبَقَ مِن عَدَمِ إفْلاحِ المُفْتَرِينَ وكَوْنِ ما يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عَلى جَناحِ الفَواتِ وأنَّهم مُشْرِفُونَ عَلى الشَّقاءِ المُؤَبَّدِ والعَذابِ الشَّدِيدِ ﴿ نَبَأ نُوحٍ ﴾ أيْ خَبَرَهُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ مَعَ قَوْمِهِ الَّذِينَ هم أضْرابُ قَوْمِكَ في الكُفْرِ والعِنادِ لِيَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِمّا فِيهِ مُزْدَجَرٌ فَلَعَلَّهم يَنْزَجِرُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ أوْ تَنْكَسِرُ شِدَّةُ شَكِيمَتِهِمْ ولَعَلَّ بَعْضَ مَن يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنكَ مِمَّنْ أنْكَرَ صِحَّةَ نُبُوَّتِكَ أنْ يَعْتَرِفَ بِصِحَّتِها فَيُؤْمِنُ بِكَ بِأنْ يَكُونَ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ ما يُوافِقُ ما تَضَمَّنَهُ المَتْلُوُّ مِن غَيْرِ مُخالَفَةٍ لَهُ أصْلًا فَيَسْتَحْضِرُ أنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ ذَلِكَ مِن أحَدٍ ولَمْ تَسْتَفِدْهُ مِن كِتابٍ فَلا طَرِيقَ لِعِلْمِكَ بِهِ إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ وهو مَدارُ النُّبُوَّةِ.

وفِي ذَلِكَ مِن تَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن كَوْنِ الكُلِّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ واخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ تَعالى وانْتِفاءِ الخَوْفِ عَلى أوْلِيائِهِ وحُزْنِهِمْ وتَشْجِيعِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحَمْلِهِ عَلى عَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ ما لا يَخْفى، والِاقْتِصارُ عَلى بَعْضِ ذَلِكَ قُصُورٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ﴾ اللّامُ لِلتَّبْلِيغِ أوِ التَّعْلِيلِ و(إذْ) بَدَلٌ مِن (نَبَأ) بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ مَعْمُولَةٌ لَهُ لا لِاتْلُ لِفَسادِ المَعْنى.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (نَبَأ) وأيًّاما كانَ فالمُرادُ بَعْضُ نَبَئِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا كُلُّ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ وكانُوا عَلى ما قالَ الأجْهُورِيُّ مِن بَنِي قابِيلٍ ﴿ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ ﴾ أيْ عَظُمَ وشَقَّ ﴿ عَلَيْكم مَقامِي ﴾ أيْ نَفْسِي عَلى أنَّهُ في الأصْلِ اسْمُ مَكانٍ وأُرِيدَ مِنهُ النَّفْسُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ كَما يُقالُ: المَجْلِسُ السّامِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِمَعْنى الإقامَةِ يُقالُ: قُمْتُ بِالمَكانِ وأقَمْتُ بِمَعْنًى أيْ إقامَتِي بَيْنَ ظَهْرانَيْكم مُدَّةً مَدِيدَةً، وكَوْنُها ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ القَوْلُ في آخِرِ عُمُرِهِ ومُنْتَهى أمْرِهِ ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَقْلٍ أوِ المُرادُ قِيامُهُ بِدَعْوَتِهِمْ وقَرِيبٌ مِنهُ قِيامُهُ لِتَذْكِيرِهِمْ ووَعْظِهِمْ لِأنَّ الواعِظَ كانَ يَقُومُ بَيْنَ مَن يَعِظُهم لِأنَّهُ أظْهَرُ وأعْوَنُ عَلى الِاسْتِماعِ كَما يُحْكى عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَعِظُ الحَوارِيِّينَ قائِمًا وهم قُعُودٌ وكَثِيرًا ما كانَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُومُ عَلى المِنبَرِ فَيَعِظُ الجَماعَةَ وهم قُعُودٌ فَيُجْعَلُ القِيامُ كِنايَةً أوْ مَجازًا عَنْ ذَلِكَ أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ ثَباتِ ذَلِكَ وتَقَرُّرِهِ ﴿ وتَذْكِيرِي ﴾ إيّاكم ﴿ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ المُبْطِلَةِ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ وهو عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ مُبالاتِهِ والتِفاتِهِ إلى اسْتِثْقالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ قائِمَةً مَقامَهُ وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ وهَذا عَطْفٌ عَلَيْهِ أيْ فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ وقِيلَ: المُرادُ الِاسْتِمْرارُ عَلى تَخْصِيصِ التَّوَكُّلِ بِهِ تَعالى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إحْداثَ مَرْتَبَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِن مَراتِبِ التَّوَكُّلِ وإلّا فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَوَكِّلٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لا عَلى غَيْرِهِ دائِمًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ المَذْكُورِ عِنْدَ الجُمْهُورِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالإجْماعِ عَلى التَّوَكُّلِ لا لِتَرْتِيبِ نَفْسِ الإجْماعِ عَلَيْهِ وقِيلَ: إنَّهُ الجَوابُ وما سَبَقَ اعْتِراضٌ وهو يَكُونُ بِالفاءِ.

فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ.

ولَعَلَّهُ أقَلَّ غائِلَةً مِمّا تَقَدَّمَ لِما سَمِعْتَهُ مَعَ ما فِيهِ مِنِ ارْتِكابِ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ وفِيهِ كَلامٌ.

و(أجْمِعُوا) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وهو كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مِن أجْمَعْتُ عَلى الأمْرِ إذا عَزَمْتَ عَلَيْهِ إلّا أنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ فَوَصَلَ الفِعْلَ وقِيلَ: إنْ أجْمَعَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِ الحَرْثِ بْنِ حِلِّزَةَ: أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ ونَصَّ السُّدُوسِيُّ عَلى أنَّ عَدَمَ الإتْيانِ بِعَلى كَأجْمَعْتُ الأمْرَ أفْصَحُ مِنَ الإتْيانِ بِها كَأجْمَعْتُ عَلى الأمْرِ وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: مَعْنى أجْمَعَ أمْرَهُ جَعَلَهُ مَجْمُوعًا بَعْدَ ما كانَ مُتَفَرِّقًا وتَفَرَّقْتُهُ أنْ يَقُولَ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا، فَإذا عَزَمَ فَقَدْ جَمَعَ ما تَفَرَّقَ مِن عَزْمِهِ ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ حَتّى وصَلَ بِعَلى وأصْلُهُ التَّعْدِيَةُ بِنَفْسِهِ ولا فَرْقَ بَيْنَ أجْمَعَ وجَمَعَ عِنْدَ بَعْضٍ وفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَهُما بِأنَّ الأوَّلَ يُسْتَعْمَلُ في المَعانِي والثّانِي في الأعْيانِ فَيُقالُ: أجْمَعْتُ أمْرِي وجَمَعْتُ الجَيْشَ ولَعَلَّهُ أكْثَرِي لا دائِمِي والمُرادُ بِالأمْرِ هُنا نَحْوُ المَكْرِ والكَيْدِ ﴿ وشُرَكاءَكُمْ ﴾ أيِ الَّتِي زَعَمْتُمُ أنَّها شُرَكاءُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ مِنَ الفاعِلِ لِأنَّ الشُّرَكاءَ عازِمُونَ لا مَعْزُومَ عَلَيْهِمْ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ وعِيسى الثَّقَفِيِّ بِالرَّفْعِ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُتَّصِلِ، ووُجُودُ الفاصِلِ قائِمٌ مَقامَ التَّأْكِيدِ بِالضَّمِيرِ المُفَصَّلِ وقِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ وشُرَكاؤُكم يَجْمَعُونَ ونَحْوَهُ وقِيلَ: إنَّ النَّصْبَ بِالعَطْفِ عَلى (أمْرَكُمْ) بِحَذْفِ المُضافِ أيْ وأمْرَ شُرَكائِكم بِناءً عَلى أنْ أجْمَعَ تَتَعَلَّقُ بِالمَعانِي والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّهَكُّمِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالشُّرَكاءِ الأصْنامُ وقِيلَ: إنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ بِهِمْ مَن عَلى دِينِهِمْ وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ حَذْفٌ والكَلامُ مِنَ الإسْنادِ إلى المَفْعُولِ المَجازِيِّ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ وقِيلَ: إنَّ ذاكَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ لِمُقَدَّرٍ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا أيْ وادْعُوا شُرَكاءَكم كَما قَرَأ بِهِ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَرَأ نافِعٌ (فاجْمَعُوا) بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ مِن جَمَعَ، وعَطْفُ الشُّرَكاءِ عَلى الأمْرِ في هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ بِناءً عَلى أنَّهُ يُقالُ: جَمَعْتُ شُرَكائِي كَما يُقالُ: جَمَعْتُ أمْرِي وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَعْنى ذَوى أمَرَكم وهو كَما تَرى، والمَعْنى أمَرَهم بِالعَزْمِ والإجْماعِ عَلى قَصْدِهِ والسَّعْيِ في إهْلاكِهِ عَلى أيْ وجْهٍ يُمَكِّنُهم مِنَ المَكْرِ ونَحْوَهُ ثِقَةً بِاللَّهِ تَعالى وقِلَّةَ مُبالاتِهِمْ ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ الأمْرِ ﴿ ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكُمْ ﴾ ذَلِكَ ﴿ عَلَيْكم غُمَّةً ﴾ أيْ مَسْتُورًا مِن غَمَّهُ إذا سَتَرَهُ، ومِنهُ حَدِيثُ وائِلِ ابْنِ حُجْرٍ «(لا غُمَّةَ في فَرائِضِ اللَّهِ تَعالى)» أيْ لا تُسْتَرُ ولا تَخْفى وإنَّما تَظْهَرُ وتُعْلَنُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـغُمَّةَ والمُرادُ نَهْيُهم عَنْ تَعاطِي ما يَجْعَلُ ذَلِكَ غُمَّةً فَإنَّ الأمْرَ لا يُنْهى ويَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الأمْرَ بِالإظْهارِ، فالمَعْنى أظْهِرُوا ذَلِكَ وجاهِرُونِي بِهِ فَإنَّ السِّتْرَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ لِسَدِّ بابِ تَدارُكِ الخَلاصِ بِالهَرَبِ أوْ نَحْوَهُ فَحَيْثُ اسْتَحالَ ذَلِكَ في حَقِّي لَمْ يَكُنْ لِلسِّتْرِ وجْهٌ وكَلِمَةُ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ وإظْهارُ الأمْرِ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وقِيلَ: أظْهَرُ لِأنَّ المُرادَ بِهِ ما يَعْتَرِيهِمْ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحالِ الشَّدِيدَةِ عَلَيْهِمُ المَكْرُوهَةِ لَدَيْهِمْ لا الأمْرُ الأوَّلُ والمُرادُ بِالغُمَّةِ الغَمُّ كالكُرْبَةِ والكَرْبِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِنها، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الزَّمانِ والمَعْنى ثُمَّ لا يَكُنْ حالُكم غَمًّا كائِنًا عَلَيْكم وتَخْلُصُوا بِهَلاكِي مِن ثِقَلِ مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ 71﴾ أيْ أدُّوا إلَيَّ ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي تُرِيدُونَ ولا تُمْهِلُونِي عَلى أنَّ القَضاءَ مَن قَضى دَيْنَهُ إذا أدّاهُ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ والقَضاءُ تَخْيِيلٌ وقَدْ يُفَسَّرُ القَضاءُ بِالحُكْمِ أيِ احْكُمُوا بِما تُؤَدُّوهُ إلَيَّ فَفِيهِ تَضْمِينٌ واسْتِعارَةٌ مُكَنِّيَةٌ أيْضًا لِأنَّ تَوْسِيطَ ما يَحْصُلُ بَعْدَ الإهْلاكِ بَيْنَ الأمْرِ بِالعَزْمِ عَلى مُبادِيهِ وبَيْنَ الأمْرِ بِقَضائِهِ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ، والوَجْهُ الأوَّلُ سالِمٌ عَنْ ذَلِكَ وهو ظاهِرٌ وقِيلَ: المُرادُ بِالغُمَّةِ المَعْنى الأوَّلُ وبِالأمْرِ ما تَقَدَّمَ وبِالنَّهْيِ الأمْرُ بِالمُشاوَرَةِ أيْ أجْمِعُوا أمْرَكم ثُمَّ تَشاوَرُوا فِيهِ وفِيهِ بَعْدُ لِعَدَمِ ظُهُورِ كِلا التَّرْتِيبَيْنِ الدّالَّةِ عَلَيْهِما ثُمَّ سَواءٌ اعْتُبِرَتْ قِراءَةُ الجَماعَةِ أوْ قِراءَةُ نافِعٍ في (اجْمَعُوا) وقُرِئَ (أفْضُوا) إلَيَّ بِالفاءِ أيِ انْتَهُوا إلَيَّ بِشَرِّكُمُ أوِ ابْرَزُوا إلَيَّ مِن أفْضى إذا خَرَجَ إلى الفَضاءِ كَأبْرَزَ إذا خَرَجَ إلى البِرازِ وهو المَكانُ الواسِعُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ فإن لم تعتبروا بذلك، فاتْلُ عليهم، يعني: اقرأ عليهم خبر نوح في القرآن، إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ يعني: عظم وثَقُلَ عليكم مَقامِي يعني: طول مقامي فيكم وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ يعني: وعظي لكم بالله تعالى، وهو ما قال الله تعالى في سورة نوح: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [نوح: 10] إلى قوله: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [الملك: 3] الآية.

فلمَّا وعظهم بذلك أرادوا قتله، حين قَالُواْ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء: 26] يعني: من المقتولين بالحجارة.

فقال لهم نوح: إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي فيكم وعظتي لكم فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ يقول: وثقت وفوَّضت أمري إلى الله تعالى، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ يعني: كيدكم.

ويقال: قولكم، وعملكم وَشُرَكاءَكُمْ يعني: وادعوا شركاءكم ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً يقول: أظهروا أمركم فلا تكتموه، يعني: القتل.

وقال القتبِيُّ: الغمّ والغمّة واحد كما يقال: كُرْبَةٌ وكرب، يعني: لا يكون أمركم غمّاً عليكم ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ يعني: امضوا إليّ ويقال: اعملوا ما تريدون كقوله تعالى فَاقْضِ مَآ أَنْتَ قاضٍ [طه: 72] وَلا تُنْظِرُونِ يعني: ولا تمهلون.

يعني: اقضوا إليّ ما أنتم قاضون، واستعينوا بآلهتكم.

ويقال: اعملوا بما في أنفسكم من الشَّرِّ.

وروي عن نافع أنه قرأ: فَأَجْمِعُوا بالوصل وبالجزم، مِنْ جمعت.

وقرأ الباقون: فَأَجْمِعُوا بالقطع من الإجماع.

وقرأ الحسن البصريُّ، ويعقوب الحضرميّ: شركاؤكم بالرفع يعني: أين شركاؤكم ليجمعوا أمرهم معكم، ويعينوكم؟

فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني: أعرضتم وأبيتم عن الإيمان، وأبيتم أن تقبلوا ما أتيتكم به، ونهيتكم عنه، فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ يعني: ما سألتكم بذلك أجراً في الدُّنيا ومعناه: إن أعرضتم عن الإيمان لا يضرُّني لأنِّي لا أطلب منكم بذلك أجرا في الدنيا، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يعني: وأُمرتُ أن أستقيم على التَّوحيد مع المسلمين.

قوله تعالى: فَكَذَّبُوهُ بالعذاب، بأنَّه غير نازلٍ بهم فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ من الغرق، وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ يعني: خلفاء من بعد هلاكِ كفّارهم، وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: أهلكنا الذين كذَّبوا نوحاً بما أتاهم به فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ يعني: كيف كان آخر أمرِ مَنْ أنذرهم الرُّسلُ فلم يؤمنوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بعدُ تعمُّ كلَّ من قال نحو هذا القول كالنّصارى، وسُبْحانَهُ معناه: «تنزيهاً له، وبراءةً من ذلك» فسَّره بهذا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا «إِنْ» نافيةٌ، والسلطانُ: الحُجَّة، وكذلك معناه حيث تكرَّر في القرآن، ثم وبَّخهم تعالى بقوله: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ ...

الآية: توعُّد لهم بأنهم لا يظفرون ببُغْيَة، ولا يَبْقَوْن في نعمة، إِذ هذه حالُ مَنْ يصير إِلى العذاب، وإن نعّم في دنياه يسيرا.

وقوله تعالى: مَتاعٌ مرفوعٌ على خبر ابتداء أي: ذلك متاعٌ.

قال ص: مَتاعٌ جوابُ سؤالٍ مقدَّر، كأنه قيل: كيف لا يُفْلِحون، وهُمْ في الدنيا مفلحون بأنواعِ التلذُّذات؟!

فقيل: ذَلِكَ مَتَاعٌ، فهو خبر مبتدإٍ محذوف.

انتهى، وهذا الذي قدَّره ص: يُفْهَمُ من كلام ع «١» .

وقول نوح عليه السلام: يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي ...

الآية: المَقَامُ:

وقوف الرجل لكلامٍ أو خُطْبَةٍ أَو نحوه، والمُقَام- بضم الميم-: إِقامته ساكناً في موضعٍ أو بلدٍ، ولم يقرأ هنا بضَمِّ الميم فيما علمتُ، وتذكيره: وعظُه وزَجْره، وقوله: فَأَجْمِعُوا:

من أَجْمَعَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ، إِذا عزم عليه ومنه الحديثُ: ما لم يجمعْ مكثاً، وأَمْرَكُمْ: يريد به: قُدْرَتكُم وحِيَلكُمْ، ونصب «الشركاء» بفعل مضمر كأنه قال: وادعوا شَركَاءَكُمْ فهو مِنْ باب: [الرجز]

عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِدَا ...

حَتَّى شتت همّالة عيناها «٢»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ، حَيْثُ أخْبَرَ عَنْ قَصَصِ الأنْبِياءِ ولَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ الكُتُبَ، وتَحْرِيضٌ عَلى الصَّبْرِ، ومَوْعِظَةٌ لِقَوْمِهِ بِذِكْرِ قَوْمِ نُوحٍ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ بِالتَّكْذِيبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كانَ كَبُرَ ﴾ أيْ: عَظُمَ وشَقَّ ﴿ عَلَيْكم مَقامِي ﴾ أيْ: طُولُ مُكْثِي.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو الجَوْزاءِ " مُقامِي " بِرَفْعِ المِيمِ.

﴿ وَتَذْكِيرِي ﴾ وعْظِي.

﴿ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ في نُصْرَتِي ودَفْعِ شَرِّكم عَنِّي.

﴿ فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: " فَأجْمِعُوا " بِالهَمْزِ وكَسْرِ المِيمِ، مِن " أجْمَعْتُ " .

ورَوى الأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: " فاجْمَعُوا " بِفَتْحِ المِيمِ، مِن " جَمَعْتُ " .

ومَعْنى " أجْمِعُوا أمْرَكم ": أحْكِمُوا أمْرَكم واعْزِمُوا عَلَيْهِ.

قالَ المُؤَرِّجُ: " أجَمَعْتُ الأمْرَ " أفْصَحُ مِن " أجْمَعْتُ عَلَيْهِ "، وأنْشَدَ: يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ فَأمّا رِوايَةُ الأصْمَعِيِّ، فَقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناها: اجْمَعُوا ذَوِي الأمْرِ مِنكم، أيْ: رُؤَساءَكم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعَلَ الأمْرَ ما كانُوا يَجْمَعُونَهُ مِن كَيْدِهِمُ الَّذِي يَكِيدُونَ بِهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿ فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشُرَكاءَكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: وادْعُوا شُرَكاءَكم.

وقالَ الزَّجّاجُ: الواوُ هاهُنا بِمَعْنى " مَعَ "، فالمَعْنى: مَعَ شُرَكائِكم.

تَقُولُ: لَوْ تُرِكَتِ النّاقَةُ وفَصِيلَها لَرَضَعَها، أيْ: مَعَ فَصِيلِها.

وقَرَأ يَعْقُوبُ: " وشُرَكاؤُكم " بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَكُنْ أمْرُكم مَكْتُومًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: غَمًّا عَلَيْكم، كَما تَقُولُ: كَرْبٌ وكُرْبَةٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وذَكَرَ الزَّجّاجُ القَوْلَيْنِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ما في أنْفُسِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: افْعَلُوا ما تُرِيدُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: اقْضُوا إلَيَّ بِمَكْرُوهِكم وما تُوعِدُونَنِي بِهِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ قَضى فُلانٌ، يُرِيدُونَ: ماتَ ومَضى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرَكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ ﴾ تَقَدَّمَ في "الأعْرافِ" الكَلامُ عَلى لَفْظَةِ نُوحٍ، والمَقامُ: وُقُوفُ الرَجُلِ لِكَلامٍ أو خُطْبَةٍ أو نَحْوِهِ، والمُقامُ أيْضًا بِضَمِّ المِيمِ: إقامَتُهُ ساكِنًا في مَوْضِعٍ أو بَلَدٍ، ولَمْ يُقْرَأْ هُنا بِضَمِّ المِيمِ، وتَذْكِيرُهُ: وعْظُهُ وزَجْرُهُ، والمَعْنى: يا قَوْمِ، إنْ كُنْتُمْ تَسْتَضْعِفُونَ حالِي ودُعائِي لَكم إلى اللهِ فَإنِّي لا أُبالِي عنكم لِتَوَكُّلِي عَلى اللهِ تَعالى، فافْعَلُوا ما قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ.

وقَرَأ السَبْعَةُ، وجُمْهُورُ الناسِ: الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى: "فَأجْمِعُوا" مِن أجْمَعَ الرَجُلُ عَلى شَيْءٍ إذا عَزَمَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .......................

∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ؟

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ وَمِنهُ الحَدِيثُ: « "ما لَمْ يُجْمِعْ مُكْثًا"،» ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ذَكَرَ الوُرُودَ بِها فَأجْمَعَ...

∗∗∗ شَوْقًا وأقْبَلَ حِينُهُ يَتَتَبَّعُ وقَرَأ نافِعٌ -فِيما رَوى عنهُ الأصْمَعِيُّ - وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ أبِي رَجاءٍ، وعاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ، والزُهْرِيِّ، والأعْمَشِ: "فاجْمَعُوا" بِفَتْحِ المِيمِ مِن جَمَعَ إذا ضَمَّ شَيْئًا إلى شَيْءٍ.

و"أمْرَكُمْ" يُرِيدُ بِهِ: قُدْرَتَكم وحَياتَكُمْ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ  ﴾ ، وكُلُّ هَؤُلاءِ نَصَبَ "الشُرَكاءَ"، ونَصْبُ قَوْلِهِ: "شُرَكاءَكُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: "أمْرَكُمْ"، وهَذا عَلى قِراءَةِ "فاجْمَعُوا" بِالوَصْلِ، وأمّا مَن قَرَأ: "فَأجْمِعُوا" بِقَطْعِ الألِفِ فَنَصْبُ "الشُرَكاءِ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَأنَّهُ قالَ: "وادْعُوا شُرَكاءَكُمْ"، فَهو مِن بابِ قَوْلِ الشاعِرِ: شَرّابُ ألْبانٍ ∗∗∗ وتَمْرٍ وأقِطْ ومِن قَوْلِ الآخَرِ: ورَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغى ∗∗∗ ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وَمِن قَوْلِ الآخَرِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها وفِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَأجْمِعُوا أمْرَكم وادْعُوا شُرَكاءَكُمْ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يَنْتَصِبُ "الشُرَكاءُ" بِواوِ "مَعَ"، كَما قالُوا: "جاءَ البَرِيدُ والطَيالِسَةَ"، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، وسَلامٌ، ويَعْقُوبُ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عنهُ: "وَشُرَكاؤُكُمْ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في "فَأجْمِعُوا"، وعُطِفَ عَلى الضَمِيرِ قَبْلَ تَأْكِيدِهِ لِأنَّ الكافَ والمِيمَ في "أمْرَكُمْ" نابَ مَنابَ "أنْتُمْ" المُؤَكِّدِ لِلضَّمِيرِ، ولِطُولِ الكَلامِ أيْضًا، وهَذِهِ العِبارَةُ أحْسَنُ مِن أنْ يَطُولَ الكَلامُ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ، ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّرُ، تَقْدِيرُهُ: "وَشُرَكاؤُهم فَلْيَجْمَعُوا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَشُرَكائِكُمْ" بِالخَفْضِ عَلى العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْرَكُمْ ﴾ ، والتَقْدِيرُ: "وَأمْرَ شُرَكائِكُمْ" فَهو كَقَوْلِ الشاعِرِ: أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ∗∗∗ ونارٍ تَوَقَّدُ بِاللَيْلِ نارا؟

أيْ: وكُلَّ نارٍ، والمُرادُ بِالشُرَكاءِ في هَذِهِ الآيَةِ الأنْدادُ مِن دُونِ اللهِ، فَأضافَهم إلَيْهِمْ إذْ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ بِزَعْمِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ﴾ ، أيْ مُلْتَبِسًا مُشْكِلًا، ومِنهُ «قَوْلُهُ:  في الهِلالِ: "فَإنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ"،» ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: بَلْ لَوْ شَهِدْتِ الناسَ إذَ تُكُمُّوا ∗∗∗ ∗∗∗ بِغُمَّةٍ لَوْ لَمْ تَفَرَّجْ غُمُّوا وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ﴾ مَعْناهُ: أنْفِذُوا قَضاءَكم نَحْوِي، وقَرَأ السُدِّيُّ بْنُ يَنْعَمَ: "ثُمَّ أفْضُوا" بِالفاءِ وقَطْعِ الألِفِ، ومَعْناهُ: أسْرِعُوا، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الأرْضِ الفَضاءِ، أيِ:اسْلُكُوا إلَيَّ بِكَيْدِكم واخْرُجُوا مَعِي وبِي إلى سَعَةٍ، وقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تُنْظِرُونِ ﴾ أيْ: ولا تُؤَخِّرُونِ، والنَظِرَةُ: التَأْخِيرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

من مقارعة المشركين بالحجج الساطعة على بطلان دينهم، وبالدلائل الواضحة على تفنيد أكاذيبهم وتكذيبهم وما تخلل ذلك من الموعظة والوعيد بالعذاب العاجل والآجل والإرهاب، إلى التعريض لهم بذكر ما حل بالأمم المماثلة أحوالها لأحوالهم، استقصاء لطرائق الحجاج على أصحاب اللجاج؛ فإن نوحاً عليه السلام مع قومه مَثَل لحال محمد صلى الله عليه وسلم مع المشركين من قومه في ابتداء الأمر وتطوره، ففي ذكر عاقبة قوم نوح عليه السلام تعريض للمشركين بأن عاقبتهم كعاقبة أولئك أو أنهم إنما يمتعون قليلاً ثم يؤخذون أخذة رابية، كما متع قوم نوح زمناً طويلاً ثم لم يفلتوا من العذاب في الدنيا، فذكر قصة نوح مع قومه عِظة للمشركين وملقياً بالوجل والذعر في قلوبهم، وفي ذلك تأنيس للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين بأنهم إسوة بالأنبياء، والصالحين من أقوامهم، وكذلك قصة موسى عليه السلام عقبها كما ينبيء عن ذلك قولهُ في نهاية هذه القصص ﴿ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ﴾ [يونس: 99] الآيات.

وقوله: ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ﴾ [يونس: 94] الآيات.

وبهذا يظهر حسن موقع (إذْ) من قوله: ﴿ إذ قال لقومه يا قوم ﴾ إلى آخره، فإن تقييد النبأ بزمن قوله: ﴿ لقومه ﴾ إيماء إلى أن محاورته قومه وإصرارهم على الإعراض هو محل العبرة، لأنه وجه الشبه بين المشركين وبين قوم نوح عليه السلام في صم آذانهم عن دعوة رسولهم، وقوله ذلك لهم إنما كان بعد أن كرر دعاءَهم زمناً طويلاً فكان ذلك آخر جدل بينه وبينهم، والنبي صلى الله عليه وسلم قد دعا أهل مكة سنين وقت نزول هذه السورة ثم حاورهم وجادلهم ولأن ذلك الزمن هو أعظم موقف وقفه نوح عليه السلام مع قومه، وكان هو الموقف الفاصل الذي أعقبه العذاب بالغرق.

و ﴿ إذا ﴾ اسم للزمن الماضي.

وهو هنا بدل اشتمال من ﴿ نبأ ﴾ أو من ﴿ نوح ﴾ .

وفي ذكر قصة نوح عليه السلام وما بعدها تفصيل لما تقدم إجماله من قوله تعالى: ﴿ ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لمَّا ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات ﴾ [يونس: 13].

وضمير ﴿ عليهم ﴾ عائد إلى ﴿ الذين يفترون على الله الكذب ﴾ [يونس: 69].

والتلاوة: القراءة.

وتقدمت في سورة الأنفال.

والنبأ: الخبر.

وتقدم في قوله: ﴿ ولقد جاءك من نبأ المرسلين ﴾ في سورة [الأنعام: 34].

والتعريف بنوح عليه السلام وتاريخه مضى في أول آل عمران.

وتعريف قوم نوح بطريق الإضافة إلى ضمير نوح في قوله: إذ قَال لقومه} إذ ليس ثمة طريق لتعريفهم غير ذلك إذ لم يكن لتلك الأمة اسم تعرف به، فإنهم كانوا أمة واحدة في الأرض فلم يحصل داع إلى تسميتهم باسم جَد أو أرض إذ لم يكن ما يدعو إلى تمييزهم إذ ليس ثمة غيرهم، ألا ترى إلى حكاية الله عن هود في قوله لقومه ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ [الأعراف: 69]، ولما حكى عن صالح إذ قال لقومه: ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ﴾ [الأعراف: 74] وظرف ﴿ إذ ﴾ وما أضيف إليه في موضع الحال من ﴿ نبأ نوح ﴾ .

وافتتاح خطاب نوح قومَه ب ﴿ يا قوم ﴾ إيذان بأهيمة ما سيلقيه إليهم، لأن النداء طلب الإقبال.

ولما كان هنا ليس لطلب إقبال قومه إليه لأنه ما ابتدأ خطابهم إلا في مجمعهم تعين أن النداء مستعمل مجازاً في طلب الإقبال المجازي، وهو توجيه أذهانهم إلى فهم ما سيقوله.

واختيار التعبير عنهم بوصف كونهم قومه تحبيب لهم في نفسه ليأخذوا قوله مأخذ قول الناصح المتطلب الخيرَ لهم، لأن المرء لا يريد لقومه إلا خيراً.

وحذفت ياء المتكلم من المنادى المضاف إليها على الاستعمال المشهور في نداء المضاف إلى ياء المتكلم.

ومعنى: ﴿ إن كان كبُر عليكم مقامي ﴾ شق عليكم وأحرجكم.

والكبَر: وفرة حجم الجسم بالنسبة لأمثاله من أجسام نوعه، ويستعار الكبَر لكون وصف من أوصاف الذوات أو المعاني أقوى فيه منه في أمثاله من نوعه، فقد يكون مدحاً كقوله تعالى: ﴿ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ﴾ [البقرة: 45]، ويكون ذماً كقوله: ﴿ كَبُرَتْ كلمة تخرج من أفواههم ﴾ [الكهف: 5]، ويستعار الكبَر للمشقة والحرج، كقوله تعالى: ﴿ كَبُرَ على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾ [الشورى: 13] وقوله: ﴿ وإن كان كَبُر عليك إعراضهم ﴾ [الأنعام: 35] وكذلك هنا.

والمقام مصدر ميمي مرادف للقيام.

وقد استعمل هنا في معنى شأن المرء وحاله كما في قوله تعالى: ﴿ ولمَن خاف مقام ربه جنتان ﴾ [الرحمن: 46]، وقوله: ﴿ قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مَقاماً ﴾ [مريم: 73] أي خير حالة وشأناً.

وهو استعمال من قبيل الكناية، لأن مكان المرء ومقامه من لوازم ذاته، وفيهما مظاهر أحواله.

وخَص بالذكر من أحواله فيهم تذكيره إياهم بآيات الله، لأن ذلك من أهم شؤونه مع قومه، فعطفه من عطف الخاص على العام.

فمعنى: ﴿ كَبُر عليكم مقامي وتذكيري ﴾ سئمتم أحوالي معكم وخاصة بتذكيري بآيات الله.

وتجهم الحق على أمثالهم شنشنة المتوغلين في الفساد المأسورين للهوى إذ تقع لديهم الدعوة إلى الإقلاع عنه والتثويب بهم إلى الرشاد موقعاً مُرّ المَذاق من نفوسهم، شديد الإيلام لقلوبهم، لما في منازعة الحق نفوسهم من صَولة عليها لا يستطيعون الاستخفاف بها ولا يطاوعهم هواهم على الإذعان إليها، فيتورطون في حيرة ومنازعة نفسانية تثقل عليهم، وتشمئز منها نفوسهم، وتكدر عليهم صفو انسياقهم مع هواهم.

وإضافة التذكير إلى ضميره من إضافة المصدر إلى فاعله.

والباء في ﴿ بآيات الله ﴾ لتأكيد تعدية المصدر إلى مفعوله الثاني، والمفعولُ الأول محذوف، والتقدير: تذكيري إياكم.

و ﴿ آيات الله ﴾ مفعول ثان للتذكير.

يقال: ذكرته أمراً نسيه، فتعديته بالباء لتأكيد التعدية كقوله تعالى: ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ [إبراهيم: 5]، وقول مسور بن زيادةَ الحارثي: أذَكَّر بالبقيا على من أصابني *** وبقياي أني جاهد غير مؤتلي ولذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6] أن الباء لتأكيد اللصوق أي لصوق الفعل بمفعوله.

وآيات الله: دلائل فضله عليهم، ودلائل وحدانيته، لأنهم لما أشركوا بالله فقد نسوا تلك الدلائل، فكان يذكرهم بها، وذلك يُبرمهم ويحرجهم.

وجملة: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ جواب شرط ﴿ إن كان كبُر عليكم مقامي ﴾ باعتبار أن ذلك الشرط تضمن أن إنكاره عليهم قد بلغ من نفوسهم ما لا طاقة لهم بحمله، وأنهم متهيئون لمدافعته فأنبأهم أن احتمال صدور الدفاع منهم، وهم في كثرة ومنعَة وهو في قلة وضعف، لا يصُده عن استمرار الدعوة، وأنه وإن كان بينهم وحيداً فذلك يوهنه لأنه متوكل على الله.

ولأجل هذا قدم المجرور على عامله في قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ أي لا على غيره.

والتوكل: التعويل على من يدبر أمره.

وقد مر عند قوله: ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ في سورة [آل عمران: 159].

والفاء في فأجمعوا أمركم } للتفريع على جملة ﴿ على الله توكلت ﴾ فللجملة المفرعة حكم جواب الشرط لأنها مفرعة على جملة الجواب، ألا ترى أنه لولا قصده المبادرة بإعلامهم أنه غير مكترث بمناواتهم لكان مقتضى ظاهر الكلام أن يقول: إن كان كبُر عليكم مقامي الخ، فأجمعوا أمركم فإني على الله توكلت، كما قال هود لقومه ﴿ فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ﴾ [هود: 55، 56].

وإجماع الأمر: العزم على الفعل بعد التردد بين فِعله وفعل ضده.

وهوَ مأخوذ من الجمع الذي هو ضد التفريق، لأن المتردد في ماذا يعمله تكون عنده أشياء متفرقة فهو يتدبر ويتأمل فإذا استقر رأيه على شيء منها فقد جَمَع ما كان متفرقاً.

فالهمزة فيه للجعل، أي جعلَ أمره جمعاً بعد أن كان متفرقاً.

ويقولون: جاؤوا وأمرهم جميع، أي مجموع غير متفرق بوجوه الاختلاف.

والأمر: هو شأنهم من قصد دفعه وأذاه وترددهم في وجوه ذلك ووسائله.

و ﴿ شركاءكم ﴾ منصوب في قراءة الجمهور على أنه مفعول معه.

والواو بمعنى (مع) أي أجمعوا أمركم ومعكم شركاؤكم الذين تستنصرون بهم.

وقرأ يعقوب ﴿ وشركاؤكم ﴾ مرفوعاً عطفاً على ضمير ﴿ فأجمعوا ﴾ ، وسوغه الفصل بين الضمير وما عطف عليه بالمفعول.

والمعنى: وليجْمَع شركاؤكم أمرَهم.

وصيغة الأمر في قوله: ﴿ فأجمعوا ﴾ مستعملة في التسوية، أي أن عزمهم لا يضيره بحيث هو يغريهم بأخذ الأهبة التامة لمقاومته.

وزاد ذكر شركائهم للدلالة على أنه لا يخشاها لأنها في اعتقادهم أشد بطشاً من القوم، وذلك تهكم بهم، كما في قوله تعالى: ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ﴾ [الأعراف: 195].

وعطْف جملة: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غُمة ﴾ ب ﴿ ثم ﴾ الدالة على التراخي في الرتبة لما تتضمنه الجملة الثانية من الترقي في قلة مبالاته بما يُهيئونه له من الضر بحيث يتصدى لهم تصدي المشير بما يسهل لهم البلوغ إلى الإضرار به الذي ينوونه وإزالة العوائق الحائلة دون مقصدهم.

وجاء بما ظاهره نهي أمرهم عن أن يكون غمة عليهم مبالغة في نهيهم عن التردد في تبين الوصول إلى قصدهم حتى كأنّ شأنهم هو المنهي عن أن يكون التباساً عليهم، أي اجتهدوا في أن لا يكون ذلك.

والغمة: اسم مصدر للغم.

وهو الستر.

والمراد بها في مثل هذا التركيب الستر المجازي، وهو انبهام الحال، وعدم تبين السداد فيه، ولعل هذا التركيب جرى مجرى المثل فقد قال طرفة من قبل: لعمرك ما أمري علي بغمة *** نهاري ولا ليلي علي بسرمد وإظهار لفظ الأمر في قوله: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ مع أنه عين الذي في قوله: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ لكون هذا التركيب مما جرى مجرى المثل فيقتضي أن لا تغير ألفاظه.

و (ثم) في قوله: ﴿ ثم اقضوا إلي ﴾ للتراخي في الرتبة، فإن رتبة إنفاذ الرأي بما يزمعون عليه من أذاهُ أقوى من تدبير ذلك، ومن رتبة إجماع الرأي عليه فهو ارتقاء من الشيء إلى أعلى منه، فعطف ب (ثم) التي تفيد التراخي في الرتبة في عطفها الجمل.

و ﴿ اقضُوا ﴾ أمر من القضاء، فيجوز أن يكون من القضاء بمعنى الإتمام والفصل، أي انفذوا ما ترونه من الإضرار بي.

ويجوز أن يكون من القضاء بمعنى الحكم، وهو قريب من الوجه الأول، أي أنفذوا حكمكم.

وعدي ب (إلى) دون (على) لأنه ضمن معنى الإبلاغ والإيصال تنصيصاً على معنى التنفيذ بالفعل، لأن القضاء يكون بالقول فيعقبه التنفيذ أو الإرجاء أو العفو، ويكون بالفعل، فهو قضاء بتنفيذ.

ويسمى عند الفقهاء بالقضاء الفعلي.

وقوله: ﴿ ولا تُنظرون ﴾ تأكيد المدلول التضمين المشار إليه بحرف (إلى).

والإنظار التأخير، وحذفت ياء المتكلم من ﴿ تنظرون ﴾ للتخفيف، وهو حذف كثير في فصيح الكلام، وبقاء نون الوقاية مشعر بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاجْمَعُوا أمْرَكم وادْعُوا شُرَكاءَكم لِنُصْرَتِكم، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: فاجْمَعُوا أمْرَكم مَعَ شُرَكائِكم عَلى تَناصُرِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَفي هَذا الإجْماعِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإعْدادُ.

الثّانِي: أنَّهُ العَزْمُ.

﴿ ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الغُمَّةَ ضِيقُ الأمْرِ الَّذِي يُوجِبُ الغَمَّ.

الثّانِي: أنَّهُ المُغَطّى، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ غُمَّ الهِلالُ إذا اسْتُتِرَ.

وَفي المُرادِ بِالأمْرِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: مَن يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: ما هم عَلَيْهِ مِن عَزْمٍ.

﴿ ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ثُمَّ انْهَضُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ما أنْتُمْ قاضُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: اقْضُوا إلَيَّ ما في أنْفُسِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَلا تُنْظِرُونِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولا تُؤَخِّرُونِي.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ يَعْنِي عَنِ الإيمانِ.

﴿ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ تَسْتَثْقِلُونَهُ فَتَمْتَنِعُونَ مِنَ الإجابَةِ لِأجْلِهِ، ﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ والثّانِي: فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنِ انْقَطَعَ عَنِّي ثَقُلَ عَلَيَّ.

﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ وقَدْ حَصَلَ بِالدُّعاءِ لَكم إنْ أجَبْتُمْ أوْ أبَيْتُمْ.

﴿ وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ لِأمْرِ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ ﴾ قالَ ابْنْ عَبّاسٍ: كانَ في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانُونَ رَجُلًا أحَدُهم جِرْهَمْ وكانَ لِسانُهُ عَرَبِيًّا، وحَمَلَ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَكانَ أوَّلُ ما حَمَلَ الذَّرَّةَ وآخِرُ ما حَمَلَ الحَمّالُ ودَخَلَ مَعَهُ إبْلِيسُ يَتَعَلَّقُ بِذَنَبِهِ.

﴿ وَجَعَلْناهم خَلائِفَ ﴾ أيْ خَلَفًا لِمَن هَلَكَ بِالغَرَقِ.

﴿ وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ حَكى أبُو زُهَيْرٍ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ عاشُوا في الطُّوفانِ أرْبَعِينَ يَوْمًا.

وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ الماءَ بَقِيَ بَعْدَ الغَرَقِ مِائَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا، فَكانَ بَيْنَ أنْ أرْسَلَ اللَّهُ الطُّوفانَ إلى أنْ غاضَ الماءُ سِتَّةُ أشْهُرٍ وعَشَرَةُ أيّامٍ وذَلِكَ مِائَةٌ وتِسْعُونَ يَوْمًا.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا مَضَتْ عَلى نُوحٍ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَتَحَ كُوَّةَ السَّفِينَةِ ثُمَّ أرْسَلَ مِنها الغُرابَ لِيَنْظُرَ ما فَعَلَ الماءُ فَلَمْ يَعُدْ، فَأرْسَلَ الحَمامَةَ فَرَجَعَتْ إلَيْهِ ولَمْ تَجِدْ لِرِجْلِها مَوْضِعًا، ثُمَّ أرْسَلَها بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ فَرَجَعَتْ حَيْثُ أمْسَتْ وفي فِيها ورَقَةُ زَيْتُونَةٍ فَعَلِمَ أنَّ الماءَ قَدْ قَلَّ عَلى الأرْضِ، ثُمَّ أرْسَلَها بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ فَلَمْ تَعُدْ فَعَلِمَ أنَّ الأرْضَ قَدْ بَرَزَتْ، وكانَ اسْتِواءُ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنَ الشَّهْرِ السّابِعِ فِيما ذُكِرَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الأعرج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ يقول: فاحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ أي فلتجمعوا أمرهم معكم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال: لا يكبر عليكم أمركم، ثم اقضوا ما أنتم قاضون.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم اقضوا إليَّ ﴾ قال: انهضوا إليَّ ﴿ ولا تنظرون ﴾ يقول: ولا تؤخرون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ثم اقضوا إليَّ ﴾ قال: ما في أنفسكم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي ﴾ الآية، قال: كَبِرَ يكبَر كِبَرًا في السنن، وكَبُر الأمر والشيء: إذا عظم يَكْبُر كِبَرًا وكَبَارة (١) قال ابن عباس: يريد ثقل عليكم (٢) والمقام -بضم الميم-: مصدر كالإقامة، يقال: أقام بين أظهركم مقامًا وإقامة، والمقام -بفتح الميم-: الموضع الذي تقوم (٣) ﴿ وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد وعظي وتخويفي إياكم عقوبة الله ونقمته (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ جواب الشرط، مع أن شأنه التوكل كيف تصرفت حاله؛ ليبين أنه متوكل في هذا على التفصيل، لِمَا (٥) (٦) وقال ابن الأنباري: معنى الآية: إن كان عظم عليكم كوني بين أظهركم (٧) (٨) ﴿ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ عن هذا المعنى، وقال صاحب النظم: ليس هذا جوابًا للشرط؛ لأنه ليس بِطِبْق له ولا بِلِفْق، وجوابه قوله: ﴿ فَأَجْمِعُوا ﴾ ، وهذا كلام اعترض بين الشرط وجوابه، كما تقول في الكلام: إن كنت أنكرت عليّ شيئًا فالله حسبي فأعمل ما تريد (٩) وقوله تعالى: ﴿ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ ﴾ ، قال الفراء: الإجماع: الإعداد، والعزيمة على الأمر.

وأنشد الشاعر (١٠) يا ليت شعري والمُنَي لا تنفع هل أغدُوَنْ يومًا وأمري مجمع (١١) فإذا أردت جمع المتفرق قلت: جمعت القوم فهم مجموعون (١٢) وأولات (١٣) (١٤) (١٥) وقال أبو الهيثم: أجمع أمره: أي جعله جميعًا بعد ما كان متفرقًا، قال: وتفرُّقه أنه جعل يدبّره فيقول مرة: أفعل كذا، ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر محكم أجمعه، أي جعله جميعًا (١٦) وقد كشف أبو الهيثم عن حقيقة معنى إجماع الأمر، ومن هذا قوله وتعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ  ﴾ ، وقال الشاعر (١٧) أجمعوا أمرهم بليل فلما ...

أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء هذا الذي ذكرنا معنى إجماع الأمر، ثم صار بمعنى العزم حتى وُصِلَ بـ (على) فقيل: أجمعت على الأمر، أي: عزمت عليه، والأصل أجمعت الأمر.

وقوله تعالى: ﴿ وَشُرَكَاءَكُمْ ﴾ ، قال الفراء: وادعوا شركاءكم [دعاء استغاثة (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ورأيت زوجك في الوغى ...

متقلدًا سيفًا ورمحًا نصب الرمح بضمير (٢٢) (٢٣) قال الزجاج: الذي قاله الفراء غلط في إضمار (وادعوا)؛ لأن الكلام لا فائدة فيه (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) علفتها تبنًا وماءً باردًا (٢٨) شَرَّاب ألبان وتمر وأقط (٢٩) وقال آخر: متقلدًا سيفًا ورمحًا (٣٠) لما لم يجز أن يحمل الرمح على التقلد (٣١) (٣٢) ﴿ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ ، قال: ويجوز أن يكون انتصاب الشركاء على أنه مفعول معه، أي أجمعوا أمركم مع شركائكم، كقولهم: استوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة (٣٣) (٣٤) (٣٥) قال أبو الفتح الموصلي: الواو التي بمعنى (مع) كقولهم (٣٦) (٣٧) (٣٨) وكونوا (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) وزاد غيره فقال: الواو في مثل هذا للجمع دون العطف، ألا ترى أن ليس قبلها منصوب يعطف عليه بالواو، والواو معنى الجمع فيه أعم من معنى العطف (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) قال ابن الأنباري: وهذا الوجه خطأ في قول الكوفيين (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) هذا كله في قراءة من قرأ ﴿ فَأَجْمِعُوا ﴾ بقطع الألف، وهو قراءة عامة القراء (٥٢) (٥٣) قال أبو علي: والمعنى على هذا: فاجمعوا أمركم، أراد ذوي الأمر منكم، أي رؤساؤكم ووجوهكم، فحذف المضاف وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت، ويجوز أن يراد بالأمر ما كانوا يجمعونه من كيدهم الذي يكيدونه به (٥٤) (٥٥) قال ابن الأنباري: ولكون المعنى: لا تَدَعوا من أمركم شيئًا إلا أحضرتموه.

وانتصاب الشركاء في هذه القراءة بالنسق على الأمر، يراد به: أجمعوا شركاءكم للمعونة لكم، ولا تدعوا منها (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) ﴿ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ  ﴾ ، [الأعراف: 19]؛ لأن قوله: ﴿ أَمْرَكم ﴾ فصل بين الضمير وبين المنسوق فكان كالعوض من التوكيد، وقد شرحنا (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ ، قال أبو الهيثم: أي مبهمًا، من قولهم غُم علينا الهلال فهو مغموم: إذا التبس، قال طرفة: لعمرك ما أمري عليّ بغمة ...

نهاري ولا ليلي عليّ بسرمد (٦٦) (٦٧) وقال الليث: إنه لفي غمة من أمره: إذا لم يهتد له (٦٨) قال الزجاج: أي ليكن أمركم [ظاهرًا منكشفًا (٦٩) وذكر صاحب النظم أن قوله: (ثم لا يكن أمركم] (٧٠) (٧١) ﴿ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ  ﴾ النهي واقع على العينين، ولكنه لما خاطب صاحب العينين حسن ذلك.

قال: وقد قيل: إن (ثم) هاهنا زائدة، وحروف النسق قد تزاد في أضعاف الكلام مثل قوله: (كالأعمى والأصم والبصير (٧٢) (٧٣) وقد ذكرنا هذا في الواو التي تكرر (٧٤) إلى الملك القرم وابن الهمام (٧٥) وكقوله تعالى: ﴿ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا  ﴾ ، وزيادة الفاء ذكرناها أيضًا في مواضع، ومنها [قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَهُمْ ﴾ (٧٦) (٧٧) (٧٨) ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، و (حتى) (٧٩) ﴿ ثُمَّ لَا يَكُنْ ﴾ فيكون تأويله: فأجمعوا أمركم وشركاءكم لا يكن أمركم عليكم (٨٠) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ ﴾ قال مجاهد: اقضوا إليّ ما في أنفسكم (٨١) قال ابن الأنباري: معناه: ثم امضوا إليّ بمكروهكم وما توعدونني به، كما تقول العرب: قد قضى فلان، يريدون مات ومضى (٨٢) (٨٣) (٨٤) وقال ابن عرفة (٨٥) (٨٦) (٨٧) ﴿ ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ ﴾ أي: افرغوا من أمرع، وأمضوا ما في أنفسكم، واقطعوا ما بيني وبينكم، ومن هذا قولى تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ  ﴾ أي: أعلمناهم إعلامًا قاطعًا.

وهذا من أقوى آيات النبوة أن يقول النبي لقومه وهم متعاونون عليه: افعلوا بي بما شئتم، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد: لا تألوا في الجمع والقوة فإنكم لا تقدرون على مساءتي ولا مضرتي؛ لأن لي إلهًا يمنعني، مثل قوله في هود: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ﴾ (٨٨) وقال المفسرون: هذا إخبار من الله سبحانه وتعالى عن نبيه نوح -  - أنه كان بنصر الله واثقًا، ومن كيد قومه وبوائقهم (٨٩)  وتقوية لقلبه؛ لأن سبيله في (٩٠) (٩١) (١) انظر: "تهذيب اللغة" (كبر) 4/ 3090 - 3093، "الصحاح" (كبر) 2/ 801.

(٢) "تنوير المقباس" ص 217 بنحوه، وذكره الرازي في "تفسيره" 17/ 1036 نقلاً عن "البسيط" للواحدي.

(٣) ساقط من (ح).

(٤) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 555، وبنحوه رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 217.

(٥) في (ح) و (ز): (بما)، وهو خطأ.

(٦) انظر: "مفاتيح الغيب" 17/ 143، "الجامع لأحكام القرآن" 8/ 362.

(٧) في (ح) و (ز): (أظهرهم)، وهو خطأ.

(٨) في النسخ عدا (م): (مني).

(٩) انظر معنى هذا القول في: "غرائب التفسير" 1/ 490، "الدر المصون" 6/ 239 دون تعيين القائل.

(١٠) لفظ: (الشاعر) ساقط من النسخ عدا (م)، واللفظ موجود في المصدر.

(١١) الرجز مجهول القائل، وانظره بلا نسبة في "إصلاح المنطق" ص 263، "الأضداد" لابن الأنباري ص 41، "أمالي المرتضى" 1/ 559، "تهذيب اللغة" (جمع)، "الحجة" 3/ 209، 4/ 287، "الخصائص" 2/ 136، "الدرر اللوامع" 4/ 20، "شرح شواهد المغني" 2/ 811، "لسان العرب" (جمع)، ونوادر أبي زيد ص 133.

(١٢) اهـ.

كلام الفراء، "معاني القرآن" 1/ 473 باختصار.

(١٣) رسمت في المخطوطات: وآلات، والصواب: وأولات، كما في مصادر تخريج البيت.

(١٤) عجز بيت لأبي ذؤيب الهذلي يصف حُمرًا، وصدره: فكأنها بالجزع بين نُبايع انظر: "ديوان الهذليين" 1/ 6، "المفضليات" ص 423، "تهذيب اللغة" (جمع) 1/ 652، "اللسان" (جمع) 2/ 681.

والنهب المجمع: إبل القوم التي أغار عليها اللصوص وكانت متفرقة في مراعيها، فجمعوها من كل ناحية حتى اجتمعت لهم ثم طردوها وساقوها.

انظر: "اللسان" نفس الموضع السابق.

والجزع ونبايع وأولات ذي العرجاء: أسماء مواضع.

(١٥) اهـ.

قول الأصمعي، انظر: "تهذيب اللغة" (جمع) 1/ 652.

(١٦) المصدر السابق، نفس الموضع.

(١٧) البيت للحارث بن حلزة كما في "ديوانه" ص 24، "لسان العرب" (ضوا) 5/ 2621.

(١٨) في (م): (استعانة)، وما أثبته موافق لما في "الوسيط" 2/ 555.

(١٩) ما بين المعقوفين غير موجود في "معاني القرآن" للفراء.

ولم يذكره من نقل الجملة عنه كالنحاس في "إعراب القرآن" 2/ 362، وفي "معاني القرآن" 3/ 305، وابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 48.

(٢٠) يعني ابن مسعود، ولم أجد من نسب إليه هذه القراءة سوى الفراء والمؤلف في "الوسيط" 2/ 555، والمشهور نسبتها إلى أبيّ بن كعب كما في "الحجة" 4/ 289، "المحتسب" 1/ 314، "تفسير الثعلبي" 7/ 21/ ب، والزمخشري 2/ 245، "البحر المحيط" 5/ 178 - 179، "الدر المصون" 6/ 241.

(٢١) البيت لعبد الله بن الزبعرى في "ديوانه" ص 32، وسيأتي تخريجه.

(٢٢) في (م): (ضمير).

وما أثبته موافق للمصدر، والمعنى: نصب الرمح بإضمار لفظ مناسب والتقدير: وحاملاً رمحًا.

(٢٣) "معاني القرآن" 1/ 473.

(٢٤) ساقط من (م).

(٢٥) ساقط من (م).

(٢٦) ما بين المعقوفين غير موجود في "المعاني القرآن" للزجاج 3/ 28، وقد ذكره عنه النحاس في "معاني القرآن" 3/ 305، ولفظه: وإن كان يذهب إلى الدعاء فقط فلا معنى لدعائهم لغير شيء.

قلت: يمكن حمل كلام الفراء على معنى مستقيم تقديره: فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم ليجمعوا أمرهم، وهذا يفيد أن الشركاء لن يجمعوا أمرهم إلا بدعوة منهم، وهذه النكتة لا يؤديها تقدير الزجاج فلا وجه للاعتراض.

ولقد كان لكفار العرب شركاء عقلاء تمكن دعوتهم كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ  ﴾ .

(٢٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 27، 28.

(٢٨) البيت من الرجز، وبعده: حتى شتت همالة عيناها= وبعضهم يجعل قبله: لما حططت الرحل عنها واردًا والبيت لبعض بني أسد يصف فرسه كما في "معاني القرآن" للفراء1/ 14، وهو بلا نسبة في: "الأشباه والنظائر" 2/ 108، "أمالي المرتضى" 2/ 259، "أوضح المسالك" 2/ 157، "الخصائص" 2/ 431، "الدرر اللوامع" 6/ 79، "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي ص 1147، "شرح شواهد المغني" 1/ 58، "اللسان" (زجج) 3/ 1812.

(٢٩) الرجز بلا نسبة في: "الإنصاف" ص 488، "الحجة" 1/ 312، "الكامل" 1/ 334، "لسان العرب" (زجج) 3/ 1812، "المقتضب" 2/ 51.

(٣٠) عجز بيت وصدره: يا ليت زوجك قد غدا والبيت لعبد الله بن الزبعري في "ديوانه" ص 32، وفي بعض نسخ "الكامل".

انظر: حاشية رقم (5) 1/ 334.

والبيت بلا نسبة في "الأشباه والنظائر" 2/ 108، "أمالي المرتضى" 1/ 54، "خزانة الأدب" 2/ 231، "الخصائص" 2/ 431، "لسان العرب" (زجج) 3/ 1812، "المقتضب" 2/ 51، وانظر ما ذكره محقق "الحجة" 1/ 311 حاشية (2).

(٣١) في (م): (التقليد).

وفي "اللسان" (زيد): (تقلد الأمر: احتمله) وكذلك تقلد السيف.

(٣٢) سبق تخريج هذه القراءة مع قراءة ابن مسعود قريبًا.

(٣٣) الطيالسة: جمع، ومفرده الطيلسان والطيلس، وهو ضرب من الأكسية، يميل إلى السواد، وأصل اللفظ فارسي معرب.

انظر: "الصحاح" (طلس) 3/ 944، "لسان العرب" (طلس) 5/ 2689.

(٣٤) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 142، "المحتسب" 1/ 314، ومختصر في "شواذ القرآن" ص 57، وليست هذه القراءة شاذة كما يوهم ذكرها ضمن القراءات الشاذة، بل قرأ بها من العشرة يعقوب كما في "إرشاد المبتدي" ص 365، "النشر" 2/ 286، "إتحاف فضلاء البشر" ص 253.

(٣٥) اهـ.

كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 4/ 288 بتصرف.

(٣٦) في (ى): (كقولك).

(٣٧) في (ى): (آيات)، وهو خطأ فاحش.

(٣٨) انظر: "كتاب سيبويه" 1/ 298.

(٣٩) في مصادر تخريجه: فكونوا.

(٤٠) اختلف في نسبة البيت فهو لشعبة بن قمير كما في "نوادر أبي زيد" ص 141، أو للأقرع بن معاذ كما في "سمط اللآلي" ص 914 لكن صدره فيهما: == وإنا سوف نجعل موليينا والبيت بلا نسبة في: "أوضح المسالك" 2/ 54، "سر صناعة الإعراب" 1/ 126، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 429، "كتاب سيبويه" 1/ 298.

(٤١) هكذا في جميع النسخ، وفي "سر صناعة الإعراب" فنصبه، وهو الصواب.

(٤٢) في (ى): (بواسطة)، والمثبت موافق للمصدر.

(٤٣) "سر صناعة الإعراب" 2/ 640.

(٤٤) ساقط من (ح) و (ز).

(٤٥) في (ى): (والواو).

(٤٦) في (م): (الواو)، وهو خطأ.

(٤٧) لم يتبين لي صاحب هذا القول، وانظر معناه في: "الأصول في النحو" لابن السراج ص 209 - 212، "الإيضاح العضدي" 1/ 215 - 217، "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص 206.

(٤٨) ذهب الكوفيون إلى أن المفعول معه منصوب على الخلاف، بمعنى أنه لا يحسن فيه تكرير الفعل ولا يصح، فانتصب ما بعد الواو على الخلاف.

وذهب البصريون إلى أنه منصوب بالفعل الذي قبل الواو بتوسط الواو وتقويته به فتعدى إلى الاسم فنصبه، وإن كان في الأصل غير متعد.

انظر: "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص 206، "ائتلاف النصرة" ص 36.

(٤٩) ساقط من (ى).

(٥٠) يعني يصح تقدير: وادعوا شركاءكم.

(٥١) ساقط من (ى).

(٥٢) هذه هي القراءة المشهورة عن العشرة، لكن وردت روايات يسيرة عن بعضهم بالقراءة بوصل الألف، فقد روى ذلك عصمة عن أبي عمرو، والأصمعي عن نافع، وأيضاً رويس في أحد طرقه عن يعقوب.

انظر: كتاب "السبعة" ص 328، "النشر" 2/ 285، "إتحاف فضلاء البشر" ص 253.

(٥٣) انظر: كتاب "السبعة" ص 328.

(٥٤) من (م) واللفظ موجود في المصدر.

(٥٥) " الحجة للقراء السبعة" 4/ 287 بتصرف.

(٥٦) في (ح) و (ز): (منه).

(٥٧) في (م): (تأملونها).

(٥٨) هذه قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن وابن أبي إسحاق وعيسى الثقفي وسلام ويعقوب.

انظر: "مختصر في شواذ القرآن" ص 57، "المحتسب" 1/ 314، "البحر المحيط" 5/ 178 - 179، "الغاية" ص 172، "النشر" 2/ 286، والقراءة ليست شاذة كما يوهم صنيع ابن خالويه وابن جني في ذكرها في "الشواذ".

(٥٩) ساقط من (ح).

(٦٠) الكلام لأبي بكر ابن الأنباري وكتابه مفقود.

(٦١) في جميع النسخ: اذهب.

(٦٢) انظر: "معاني القرآن" 1/ 473.

(٦٣) في (ي): (تكن).

(٦٤) الأصنام بعض شركاء العرب، وكان لهم شركاء عقلاء كالجن وطواغيت البشر، قال تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ  ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ  ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ  ﴾ .

(٦٥) ذكر بعضه الرازي في "تفسيره" 17/ 140، لكنه نسبه للواحدي.

(٦٦) "ديوان طرفة" ص 47، "الدر المصون" 6/ 243، "لسان العرب" (غمم) 6/ 3302.

(٦٧) اهـ.

كلام أبي الهيثم، انظر: "تهذيب اللغة" (غم)، "المستدرك" ص 115.

(٦٨) انظر المصدر السابق، الصفحة التالية.

والنص في كتاب "العين" (غمم) 4/ 350.

(٦٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 28.

(٧٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٧١) يعني في قوله السابق.

(٧٢) في (م): (والسميع البصير)، وهو خطأ.

(٧٣) وانظر زيادة (ثم) في "الصاحبي" ص 152.

(٧٤) في (ى): (تكون).

(٧٥) صدر بيت، وعجزه: وليث الكتيبة في المزدحم وهو مجهول القائل، وانظره بلا نسبة في: أبيات النحو في تفسير "البحر المحيط" 1/ 202، "الإنصاف" ص 476، "خزانة الأدب" 5/ 107، "شرح أبيات معاني القرآن" ص 310، "شرح قطر الندى" ص 295، "الكشاف" 1/ 133، ولم ينسبه محب الدين في "تنزيل الآيات على الشواهد" (ملحق بالكشاف) 4/ 512.

والقرم: الفحل المكرم الذي لا يحمل عليه، ويطلق على السيد من الناس، والكتيبة: الجيش، والمزدحم: المراد به هنا المعركة؛ لأنها موضع المزاحمة والمدافعة.

انظر تنزيل الآيات، الموضع السابق، "لسان العرب" (قرم).

(٧٦) لم يذكر في هذا الموضع زيادة الفاء.

(٧٧) في (م): (زائدة).

وقد سبق بيان مراد النحويين بالزيادة وأضيف هنا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية حول الموضوع بعد بيانه وجود الزيادة في "كلام العرب"، ونصه: فليس في القرآن من هذا شيء، ولا يذكر فيه لفظًا زائدًا (كذا) إلا لمعنى زائد، وإن كان في ضمن ذلك التوكيد، وما يجيء من == زيادة اللفظ في مثل: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى بدونه، فزيادة اللفظ لزيادة المعنى، وقوة اللفظ لقوة المعنى.

"مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 16/ 537.

(٧٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٧٩) يعني في قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ ﴾ في الآية نفسها.

(٨٠) في (ى): (عليكم غمة).

(٨١) رواه ابن جرير 11/ 143، وابن أبي حاتم 6/ 1970، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 382.

(٨٢) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 48.

(٨٣) انظر: "معاني القرآن" 1/ 474.

(٨٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 29.

(٨٥) هو: إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه.

(٨٦) في (م): (قضى)، وفي (ى): (أقضى).

(٨٧) ساقط من (ح).

(٨٨) من الآية 55.

ولم أقف على قول ابن عباس هذا.

(٨٩) البوائق: الغوائل والشر والغشم والبلايا.

انظر: "الصحاح" (بوف) 4/ 1452، "لسان العرب" (بوق) 1/ 388.

(٩٠) في (م): (مع).

(٩١) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 145، والثعلبي 7/ 22 أ، والبغوي 4/ 143.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ متاع فِي الدنيا ﴾ تقديره: لهم متاع في الدنيا ﴿ نُوحٍ ﴾ روي أن اسمه عبد الغفار، وإنما سمي نوحاً لكثرة نوحه على نفسه من خوف الله ﴿ كَبُرَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي صعب وشق ﴿ مَّقَامِي ﴾ أي قيامي لوعظكم والكلام معكم، وقيل: معناه مكاني يعني نفسه، كقولك: فعلت ذلك لمكان فلان ﴿ فأجمعوا ﴾ بقطع الهمزة من أجمع الأمر إذا عزم عليه، وقرئ بألف وصل من الجمع ﴿ وَشُرَكَآءَكُمْ ﴾ أي ما تعبدون من دون الله، وإعرابه: مفعول معه، أو مفعول بفعل مضمر تقديره: ادعو شركاءكم، وهذا على القراءة بقطع الهمزة، وأما على الوصل فهو معطوف ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ أي لا يكون قصدكم إلى هلاكي مستوراً ولكن مكشوفاً تجاهرونني به وهو من قولك: غم الهلال إذا لم يظهر، والمراد بقوله: أمركم في الموضعين إهلاككم لنوح عليه السلام، أي: لا تقصروا في إهلاكي إن قدرتم على ذلك ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ ﴾ أي انفذوا فيما تريدون، ومعنى الآية أن نوحاً عليه السلام قال لقومه: إن صعب عليكم دعائي لكم إلى الله فاصنعوا بي غاية ما تريدون، وإني لا أبالي بكم لتوكلي على الله وثقتي به سبحانه ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خلائف ﴾ أي يخلفون من هلك بالغرق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع: يعقوب ﴿ إن أجري ﴾ بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ﴿ ويكون لكما ﴾ بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد.

الباقون بتاء التأنيث ﴿ آلسحر ﴾ بالمد: يزيد وأبو عمرو ﴿ أن تبويا ﴾ بالياء: الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.

الآخرون بالهمز.

﴿ ليضلوا ﴾ بضم الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ولا تتبعان ﴾ بتخفيف النون: ابن عامر غير الحلواني عن هشام.

﴿ تتبعان ﴾ خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثينة.

الباقون والحلواني عن هشام ﴿ تتبعان ﴾ بتشديدها في الحالين ﴿ منت أنه ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف بدلاً من ﴿ آمنت ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بالفتح.

﴿ ننجيك ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة.

والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ نبأ نوح ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف لقوله: ﴿ اتل ﴾ بل التقدير: واذكر إذ قال.

﴿ ولا تنظرون ﴾ ه ﴿ من أجر ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ج لأن التقدير وقد أمرت ﴿ من المسلمين ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لما جاءكم ﴾ ط بناء على أن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: ﴿ أسحر ﴾ يستحق الابتداء وسيجيء له مزيد بيان ﴿ هذا ﴾ ط للفصل بين الأخبار والاستخبار ﴿ الساحرون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ ما جئتم به ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ مستفهماً ﴿ السحر ﴾ ط ﴿ سيبطله ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ أن يفتنهم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لاتصال الكلام ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج للعدول مع اتحاد القائل ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للعطف.

﴿ الكافرين ﴾ ه ج ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ ط لأن قوله ﴿ وبشر ﴾ خطاب لمحمد  وإن أريد به موسى فلا بد من العدول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لتعلق قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ بقوله: ﴿ آتيت ﴾ و ﴿ وربنا ﴾ تكرار للأول لأجل التضرع.

﴿ عن سبيلك ﴾ ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعدواً ﴾ ط ﴿ الغرق ﴾ لا لأن قال جواب "إذا" ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ لغافلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك من الفوائد التي سبق ذكرها في "الأعراف".

ومعنى كبر ثقل وشق كقوله: ﴿ وإنها لكبيرة  ﴾ وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان فلان أي لأجله، وكقوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه  ﴾ أي ربه ومثله قولهم: فلان ثقيل الظل.

ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم مدداً طوالاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا تكرر الدعاء كان ذلك موجباً للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة.

ومنها أن يكون المقام بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى  أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.

وجواب الشرط إما قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديماً وحديثاً وإما قوله: ﴿ فأجمعوا ﴾ وقوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد.

ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة للاختلاف طلباً وخبراً، ومعنى ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء.

وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً.

فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بـ "على" فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم.

وانتصب ﴿ شركاءكم ﴾ على المفعول معه أي مع شركائكم.

ومن قرأ بالرفع جعله عطفاً على الضمير المتصل، وإنما يحسن ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل.

والمراد بالشركاء إما من هم على مثل قولهم ودينهم، وإما الأصنام.

وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم كقوله: ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون  ﴾ واعلم أنه  قال في أول الأمر ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ كأنه قال: حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى مطلوبكم غير مقتصرين على ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم.

ثم ضم إلى ذلك قيداً آخر فقال: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس.

وقال الليث: لقي غمة من أمره إذا لم يهتد له.

وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهراً منكشفاً أي تجاهرونني بالإهلاك.

ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غماً وهماً والغم والغمة كالكرب والكربة.

ثم زاد قيداً آخر فقال: ﴿ ثم اقضوا إليّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إليّ قطعه واحكموا بصحته وإمضائه.

وعن القفال أن فيه تضميناً والمعنى ألقوا إليّ ما استقر عليه رأيكم محكماً مفروغاً منه.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولا تنظرون ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في التوكل الغاية القصوى.

ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع الدنيوي والغرض الخسيس فقال: ﴿ فإن توليتم ﴾ أعرضتم عن نصحي وتذكيري ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل ﴿ إن أجري ﴾ ليس أجري ﴿ إلا على الله ﴾ أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو.

وفي الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ إلى آخره.

ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.

﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ألقى من قبل هذه الدعوة.

﴿ فكذبوه ﴾ بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة.

﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ قد ذكرنا في "الأعراف" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك ﴿ وجعلناهم خلائف ﴾ يخلفون الهالكين بالطوفان ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي  ﴿ ثم بعثنا من بعده ﴾ من بعد نوح ﴿ رسلاً ﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿ فجاؤوهم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا أنه زيد ههنا لفظة "به" فقيل: لتناسب ما قبله وهو ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ وكذلك في "الأعراف" راعى المناسبة لأن ما قبله ﴿ ولكن كذبوا  ﴾ بغير الباء ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ بعد الرسل أو الأمم ﴿ بآياتنا ﴾ يعني الآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ كفاراً ذوي آثام ولذلك اجترأوا على رد الآيات.

أما قوله: ﴿ أسحر هذا ﴾ فليس بمقول لقوله: ﴿ أتقولون ﴾ لأنهم قطعوا في قوله: ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن القول ههنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله: ﴿ سمعنا فتى يذكرهم  ﴾ ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟

ثم أنكر عليهم قولهم فقال: ﴿ أسحر هذا ﴾ أو يقال: مفعول تقولون محذوف وهو قولهم ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ أو يقال: جملة قوله ﴿ أسحر هذا ﴾ ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل وتمويه ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا ﴾ التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل والالتفات "افتعال" من اللفت وهو الصرف واللي ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ أي الملك والعز في أرض مصر.

قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا.

وأيضاً فالنبي  إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم.

وقيل: لأن الملوك موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء الرياسة.

ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا.

ثم صرحوا بالتكذيب قائلين ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ ثم حاولوا المعارضة وقد مرت تلك القصة في "الأعراف".

أما قوله: ﴿ ما جئتم به ﴾ فمعناه الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله.

قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت به سحر.

فقال موسى: بل ما جئتم به السحر.

فوجب دخول الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة.

يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً.

فيقول له: من الرجل؟

ولو قال: من رجل؟

لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره.

ومن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ و ﴿ جئتم به ﴾ خبره كأنه قيل أي شيء جئتم به.

ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به ﴿ إن الله سيبطله ﴾ بإظهار المعجزة عليه ﴿ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ﴾ لا يؤيده بجميل الخاتمة ﴿ ويحق الله الحق ﴾ يثبته ﴿ بكلماته ﴾ بمواعيده أو بما سبق من قضائه أو بأوامره ﴿ فما آمن لموسى ﴾ أي في أول أمره ﴿ إلا ذريّة من قومه ﴾ قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب أن المراد ههنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد.

وقيل: المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.

وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.

وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في ﴿ قومه ﴾ على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل والضمير في ﴿ ملئهم ﴾ إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ذلك قوله: ﴿ أن يفتنهم ﴾ أي يعذبهم فرعون.

ثم أكد أسباب الخوف بقوله: ﴿ وإن فرعون لعال ﴾ لغالب ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ وإنه لمن المسرفين ﴾ في القتل والتعذيب أو لمن المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا ﴿ وقال موسى ﴾ تثبيتاً لقومه ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ صدقتم به وبآياته ﴿ فعليه توكلوا ﴾ خصوه بتفويض أموركم إليه ﴿ إن كنتم مسلمين ﴾ قال لعلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة.

والمراد إن كانت بك قوة فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده.

﴿ فقالوا ﴾ مؤتمرين لموسى ﴿ على الله توكلنا ﴾ ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة ﴾ أي موضع فتنة لهم.

والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في أنا لسنا على الحق.

ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: ﴿ ونجنا ﴾ الآية.

وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق.

﴿ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً ﴾ تبوّأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعاً مثل توطنه إذا اتخذه وطناً.

واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع  ﴾ فالمراد من قوله: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴾ أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس: وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء: وإنما وقع العدول عنه بأمر الله  في أيام نبينا  بعد الهجرة.

ومنهم من قال: إنها مطلق البيوت.

ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم.

وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلامبمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض.

وقيل: على التفسير الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم.

وإنما ثنى الخطاب أوّلاً ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون بذلك، ثم جعل الخطاب عاماً لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة واجب على الجمهور.

ثم خص موسى  بالتبشير في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لنبينا  على طريقة الالتفات والاعتراض.

ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجداً وطهوراً دون سائر الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه ألبتة للعبادة والله أعلم بمراده.

ثم إن موسى  لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب الدعاء عليه فلهذا ﴿ قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق.

عن ابن عباس كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة.

قالت الأشاعرة: اللام في قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ لام التعليل كأن موسى  قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على أنه  تسبب لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه.

ثم شرع في الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم.

والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة النساء في قوله  : ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً  ﴾ وبالشد على قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم.

وقالت المعتزلة: قوله ﴿ ليضلوا ﴾ دعاء بلفظ الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال وبالطمس وبالشد.

كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره قائلاً ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه.

سلمنا أن قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: "لدوا للموت".

سلمنا أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سبباً في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا.

ولم لا يجوز أن يكون "لا" مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله: ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدراً في آتيت على سبيل التعجب.

أما قوله  : ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جواباً لقوله ﴿ واشدد ﴾ ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفاً على ﴿ اشدد ﴾ .

﴿ قال قد أجيبت دعوتكما ﴾ أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته ﴿ فاستقيما ﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا.

قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة يدعوهم إلى الله ﴿ ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ أن الاستعجال لا يفيد في إجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين.

﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ قد مرت تلك القصة في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ الآية، ومعنى قوله: ﴿ فأتبعهم ﴾ لحقهم.

يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد وفي الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاثة مرات إحداها قوله: ﴿ آمنت ﴾ وثانيتها ﴿ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وثالثتها ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ فلم تقبل توبته.

والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ينافي التكليف.

الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية الحاضرة والمحنة الناجزة.

الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنياً على محض التقليد والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية.

الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سبباً لزيادة الكفر.

الخامس أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما آمن إلا بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول.

السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله  وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لاإله إلا الله لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة.

السابع يروى أن جبريل  أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟

فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه خطه فعرفه.

أما قوله ﴿ آلآن ﴾ فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل.

وقيل: إنه قول الله  والتقدير: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك.

وقوله: ﴿ وكنت من المفسدين ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: ﴿ آمنت ﴾ لئلا يتوب غضباَ عليه، والأقرب عند العلماء أن هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على كل طاعة لقوله  : ﴿ وتعاونوا  ﴾ ولو منعه لكانت التوبة ممكنة لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر.

وكيف يليق به  أن يقول لموسى وهارون ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ ثم يأمر جبريل بمنعه عن الإيمان.

ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافياً لقوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ ﴿ لا يسبقونه بالقول  ﴾ وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضباً لله على الكافر.

قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ فيه أقوال منها: أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق.

وقوله: ﴿ ببدنك ﴾ في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن.

قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً وفيه نوع تهكم كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت.

وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.

وقيل: ببدنك أي بدرعك.

قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين.

عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى  .

وأما قوله: ﴿ لتكون لمن خلفك آية ﴾ فقيل: إن قوماً اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله  أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه.

وزالت الشبهة عن قلوبهم وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: ﴿ لمن خلفك ﴾ وقيل: إنه  أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ ليكون ذلك زجراً للعابرين عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه.

وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال ﴿ وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ .

التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح ﴾ الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها ﴿ يا قوم إن كان ﴾ عظم ﴿ عليكم مقامي ﴾ في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله.

و ﴿ جعلناهم خلائف ﴾ خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في "الأعراف".

وهكذا في قصة موسى ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي.

﴿ ويحق الله الحق ﴾ أي الذكر ﴿ بكلماته ﴾ وهي لا إله إلا الله ﴿ ولو كره ﴾ أهل الهوى والنفوس الأمارة ﴿ فما آمن لموسى ﴾ القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية ﴿ على خوف من فرعون ﴾ النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها.

﴿ وأوحينا إلى موسى ﴾ القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي.

واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق.

﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ بمحقها وتحقيرها في نظرهم ﴿ واشدد ﴾ طريق النظر إلى الدنيا وما فيها ﴿ على قلوبهم ﴾ واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها.

﴿ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره ﴿ وجاوزنا ببنى إسرائيل ﴾ هم القلب والسر وصفاتها.

والبحر بحر الروحانية الملكوتية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهراً وقسراً، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: ﴿ آمنت ﴾ ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: ﴿ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ ﴿ ننجيك ببدنك ﴾ أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلاً على كمال قدرتنا وعنايتنا.

وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾ أي: خبره وحديثه، ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: إن كان كبر عليكم طول مقامي ومكثي فيكم ودعائي إياكم إلى عبادة الله، والطاعة له، وتذكيري إياكم بآياته.

قال بعضهم: وتذكيري بعذابه بترككم إجابتي ودعائي.

ويحتمل قوله: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي ﴾ بما ادعى من الرسالة، ﴿ وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي بحجج الله على ما ادعيت من الرسالة.

وفي قوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾ وجوه: أحدها: اتل منابذة نوح قومه وما أرادوا به من الكيد والمكر به.

والثاني: اذكر عواقب قوم نوح، وما حل بهم من سوء معاملتهم رسولهم.

والثالث: اذكر لهولاء عواقب متبعي قومه ومخالفيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ﴾ قال بعضهم: أي اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ثم كيدوني ، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، أي: اجعلوا ما تسرون من الكيد والمكر بي ظاهراً غير ملتبس ولا مشبه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ ﴾ أي: أعدوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ وكذلك روي في حرف أبي: (فاجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم).

﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي: اقضوا ما أنتم قاضون.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ أي: لا يكبر عليكم أمركم.

وقال الكسائي: هو من التغطية واللبس، أي: لا تغطوه ولا تلبسوه، اجعلوا كلمتكم ظاهرة واحدة.

وعن ابن عباس -  - قال: "لا يكن أمركم اغتماما عليكم"، أي: فرجوا عن أنفسكم؛ كقوله: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [الحج: 15].

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي: اعملوا بي ما تريدون ولا تنظرون؛ وهو كقوله: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ  ﴾ .

وقال الكسائي: هو من الإنهاء والإبلاغ؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ...

﴾ الآية [الإسراء: 4] ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ  ﴾ ، أي: أنهينا إليه وأبلغنا إليه.

وقال أبو عوسجة: إن شئت جعلتها ظلمة فلا يبصرون أمرهم يعني غمّة، وإن شئت جعلتها شكا واشتقاق الغمة، من غم يغم غما أي غطى يغطي، تقول: غممت رأسه أي غطيته، ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ ﴾ أي: افعلوا بي ما أردتم وفي قول نوح لقومه: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ ، وقول هود: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ ، وقول رسول الله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ  ﴾ دلالة إثبات رسالتهم؛ لأنهم قالوا ذلك لقومهم وهم بين أظهرهم، ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك اعتماداً على الله واتكالا بمعونته ونصرته إياهم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ ﴾ أي: فافرغوا إلى يقال [قضى] فرغ؛ وهو قول أبي بكر الأصم.

وقال بعضهم: ثم اقضوا إلي أن امضوا إلي كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ  ﴾ و ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ﴾ : التولي اسم لأمرين: اسم للإعراض والإدبار؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، واسم للإقبال والقبول أيضاً؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية [المائدة: 56] ونحوه، فهاهنا يحتمل الأمرين جميعاً، أي: فإن توليتم أي أقبلتم وقبلتم ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه، ﴿ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ﴾ أي: ما أجري إلا على الله.

وإن كان في الإعراض فكأنه يقول: كيف أعرضتم عن قبوله، ولم أسألكم على ذلك أجراً فيكون لكم عذر في الإعراض والرد؟!

كقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً ﴾ الآية [الطور: 40]، أي: لم أسألكم على ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه غرما حتى يثقل عليكم ذلك الغرم، فيمنعكم ثقل الغرم عن الإجابة، ففي هذه الآية وغيرها دلالة منع أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم؛ لأنه لو جاز أخذ الأجر على ذلك لكان لهم عذر ألا يبذلوا ذلك ولا يتعلموا شيئاً من ذلك، وفي ذلك هدم شرائع الله وإسقاطها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ أي: مسلماً نفسي إلى الله، أي: سالماً، لا أجعل لأحد سواه فيها حقا ولا حظا، أو أمرت أن أكون من المخلصين [لله] والخاضعين له؛ هو يحتمل ذلك كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ يعني: نوحاً كذبه قومه فيما ادعى من الرسالة، أو ما آتاهم من الآيات، أو ما أوعدهم من العذاب بتكذيبهم إياه.

﴿ فَنَجَّيْنَاهُ ﴾ يعني نوحاً، ﴿ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ﴾ أي: من ركب معه الفلك من المؤمنين.

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ ﴾ يحتمل خلائف خلفاء في الأرض وسكاناً يخلف بعضهم بعضا، ويحتمل جعلناهم خلائف أي خلف قوم أهلكوا واستؤصلوا بالتكذيب.

﴿ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ : يحتمل الآيات الحجج والبراهين التي أقامها على ما ادعى من الرسالة.

ويحتمل قوله: ﴿ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ العذاب الذي أوعدهم بتكذيبهم إياه فيما وعد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ ﴾ : كان أنذر الفريقين جميعاً المؤمن والكافر جميعاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ فإذا كان ما ذكرنا فيكون تأويله: فانظر كيف كان عاقبة من أجاب ومن لم يجب: عاقبة من أجاب الثواب، وعاقبة من لم يجب العذاب.

ويحتمل المنذرين الذين لم يقبلوا الإنذار ولم يجيبوا، أي: انظر كيف كان عاقبتهم بالهلاك والاستئصال، ويكون تأويل قوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ أي: إنما يقبل الإنذار من اتبع الذكر، أو إنما ينتفع بالإنذار من اتبع الذكر، أو أما من لم يتبع الذكر لم ينتفع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً ﴾ أي: من بعد نوح رسلا إلى قومهم، أي: بعثنا إلى كل قوم رسولا، لا أنه بعث الرسل جملة إلى قومهم، ولكن واحداً على أثر واحد.

﴿ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ﴾ : يحتمل البينات الحجج والبراهين التي أقاموها على ما ادعوا من الرسالة والنبوة.

ويحتمل البينات بيان ما عليهم أن يأتوا ويتقوا.

ويحتمل البينات بما أخبروهم وأنبئوا قومهم بالعذاب أنه نازل بهم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ قال بعضهم: ما كان كفار مكة ليؤمنوا وليصدقوا بالآيات والبيانات كما لم يصدق به أوائلهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: قبل بعث الرسل، ففيه دلالة أن أهل الفترة يؤاخذون بالتكذيب في حال الفترة.

ويحتمل قوله: ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل إتيان البينات، أي: ما كانوا ليؤمنوا بعدما جاءوا بالبينات بما كذبوا به من قبل مجيء البينات.

﴿ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ أي: هكذا نطبع على قلوب أهل مكة كما طبعنا على قلوب أوائلهم؛ إذ علم أنهم لا يقبلون الآيات ولا يؤمنون بها، والاعتداء هو الظلم مع العناد والمجاوزة عن الحد الذي جعل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ هو يخرج على وجهين؛ أحدهما: ما كانوا ليؤمنوا بالبينات إذا جاءتهم البينات على السؤال، وهكذا عادتهم أنهم لا يؤمنون بالآيات إذا أتتهم على السؤال.

والثاني: ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا على علم منهم أنها آيات وأنه رسول؛ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واقصص -أيها الرسول- على هؤلاء المشركين المكذبين خبر نوح  حين قال لقومه: يا قوم، إن كان عَظُم عليكم مقامي بين أظهركم، وشقَّ عليكم تذكيري بآيات الله ووعظي، وعزمتم على قتلي، فعلى الله وحده اعتمدت في إحباط ما تكيدون، فأحكموا أمركم، واعزموا على إهلاكي، وادعوا آلهتكم لتستعينوا بها، ثم لا يكن كيدكم سرًّا مبهمًا، ثم بعد تدبيركم لقتلي أمضوا إلي ما تُضْمِرون، ولا تؤخروني لحظة.

<div class="verse-tafsir" id="91.RgRzJ"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله