الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٧٣ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 47 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٧٣ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله تعالى : ( فكذبوه فنجيناه ومن معه ) أي : على دينه ( في الفلك ) وهي : السفينة ، ( وجعلناهم خلائف ) أي : في الأرض ، ( وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) أي : يا محمد كيف أنجينا المؤمنين ، وأهلكنا المكذبين .
القول في تأويل قوله تعالى : فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فكذب نوحًا قومه فيما أخبرهم به عن الله من الرسالة والوحي ، " فنجيناه ومن معه " ممن حمل معه ، في " الفلك "، يعني في السفينة (24) ، " وجعلناهم خلائف " ، يقول: وجعلنا الذين نجينا مع نوح في السفينة خلائف في الأرض من قومه الذين كذبوه (25) بعد أن أغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، ، يعني حججنا وأدلتنا على توحيدنا، ورسالة رسولنا نوح.
يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " فانظر " ، يا محمد ، كيف كان عاقبة المنذرين " وهم الذين أنذرهم نوحٌ عقابَ الله على تكذيبهم إياه وعبادتهم الأصنام.
يقول له جل ثناؤه: انظر ماذا أعقبهم تكذيبهم رسولَهم، فإن عاقبة من كذَّبك من قومك إن تمادوا في كفرهم وطغيانهم على ربهم ، نحو الذي كان من عاقبة قوم نوح حين كذبوه.
(26) يقول جل ثناؤه: فليحذروا أن يحلّ بهم مثل الذي حلّ ، بهم إن لم يتوبوا.
----------------------- الهوامش : (23) انظر تفسير " التولي " و " الأجر " ، و " الإسلام " فيما سلف من فهارس اللغة ( ولى ) ، ( أجر ) ، ( سلم ) .
(24) انظر تفسير " الفلك " فيما سلف 12 : 502 / 15 : 55 .
(25) انظر تفسير "الخلافة" فيما سلف ص: 38، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(26) انظر تفسير " العاقبة " فيما سلف ص : 93 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرينقوله تعالى ( فكذبوه ) يعني نوحا .فنجيناه ومن معه أي من المؤمنين في الفلك أي السفينة ، وسيأتي ذكرها .وجعلناهم خلائف أي سكان الأرض وخلفا ممن غرق .كيف كان عاقبة المنذرين يعني آخر أمر الذين أنذرهم الرسل فلم يؤمنوا .
{فَكَذَّبُوهُ} بعد ما دعاهم ليلاً ونهارًا، سرًا وجهارًا، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارًا، {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} الذي أمرناه أن يصنعه بأعيننا، وقلنا له إذا فار التنور: فـ {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ} ففعل ذلك. فأمر الله السماء أن تمطر بماء منهمر وفجر الأرض عيونًا، فالتقى الماء على أمر قد قدر: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} تجري بأعيننا، {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ} في الأرض بعد إهلاك المكذبين. ثم بارك الله في ذريته، وجعل ذريته، هم الباقين، ونشرهم في أقطار الأرض، {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} بعد ذلك البيان، وإقامة البرهان، {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} وهو: الهلاك المخزي، واللعنة المتتابعة عليهم في كل قرن يأتي بعدهم، لا تسمع فيهم إلا لوما، ولا ترى إلا قدحًا وذمًا. فليحذر هؤلاء المكذبون، أن يحل بهم ما حل بأولئك الأقوام المكذبين من الهلاك، والخزي، والنكال.
( فكذبوه ) يعني نوحا ( فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف ) أي : جعلنا الذين معه في الفلك سكان الأرض خلفاء عن الهالكين .
( وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) أي : آخر أمر الذين أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا .
«فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك» السفينة «وجعلناهم» أي من معه «خلائف» في الأرض «وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا» بالطوفان «فانظر كيف كان عاقبة المنذرين» من إهلاكهم فكذلك نفعل بمن كذب.
فكذب نوحًا قومُه فيما أخبرهم به عن الله، فنجَّيناه هو ومن معه في السفينة، وجعلناهم يَخْلُفون المكذبين في الأرض، وأغرقنا الذين جحدوا حججنا، فتأمل -أيها الرسول- كيف كان عاقبة القوم الذين أنذرهم رسولهم عذاب الله وبأسه؟
ثم بين - سبحانه - العاقبة الطيبة التي آل إليها أمر نوح عليه السلام والعاقبة السيئة التى انتهى إليها حال قومه فقال : ( فَكَذَّبُوهُ ) أى : فكذب قوم نوح نبيهم نوحا بعد أن دعاهم إلى الحق ليلا ونهارا وسرا وعلانية .فماذا كانت نتيجة هذا التكذيب؟
كانت نتيجته كما حكته السورة الكريمة ( فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فى الفلك ) أى : فنجينا نوحا ومن معه من المؤمنين ، بأن أمرناهم أن يركبوا فى السفينة التي صنعوها بأمر الله ، حتى لا يغرقهم الطوفان الذى أغرق المكذبين .وقوله : ( وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ ) أى : وجعلنا هؤلاء الناجين خلفاء فى الأرض لأولئك المغرقين الذين كذبوا نبيهم نوحا - عليه السلام - وعموا وصموا عن الحق الذى جاءهم به ودعاهم إليه .هذه هى عاقبة نوح والمؤمنين معه أما عاقبة من كذبوه فقد بينها - سبحانه - فى قوله : ( وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ) أى : وأغرقنا بالطوفان الذين كذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا .( فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين ) أى : فانظر وتأمل - أيها العاقل - كيف كانت نتيجة تكذيب هؤلاء المنذرين الذين لم تنفع معهم النذر والآيات التي جاءهم بها نبيهم نوح - عليه السلام - .فالمراد بالأمر بالنظر هنا : التأمل والاتعاظ والاعتبار لا مجرد النظر الخالي عن ذلك .وهكذا نجد أن من العبر والعظات التي من أجلها ساق الله - تعالى - قصة نوح - عليه السلام - بهذه الصورة الموجزة هنا : إبراز ما كان عليه نوح - عليه السلام - من شجاعة وقوة وهو يبلغ رسالة الله إلى الناس ، واعتماده التام على خالقه ، وتوكله عليه وحده وتحديه السافر للمكذبين الذين وضعوا العراقيل والعقبات فى طريق دعوته ، وتحريضه لهم بمثيرات القول على مهاجمته إن كان فى إمكانهم ذلك ومصارحته لهم بأنه فى غنى عن أموالهم لأن خالقه - سبحانه - قد أغناه عنهم ، وبيان أن سنة الله لا تتخلف ولا تتبدل وهذه السنة تتمثل فى أنه - سبحانه - قد جعل حسن العاقبة للمؤمنين وسوء العاقبة للمكذبين .
اعلم أنه تعالى لما حكى الكلمات التي جرت بين نوح وبين أولئك الكفار، ذكر ما إليه رجعت عاقبة تلك الواقعة، أما في حق نوح وأصحابه فأمران: أحدهما: أنه تعالى نجاهم من الكفار.
الثاني: أنه جعلهم خلائف بمعنى أنهم يخلفون من هلك بالغرق، وأما في حق الكفار فهو أنه تعالى أغرقهم وأهلكهم.
وهذه القصة إذا سمعها من صدق الرسول ومن كذب به كانت زجراً للمكلفين من حيث يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح وتكون داعية للمؤمنين على الثبات على الإيمان، ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح، وهذه الطريقة في الترغيب والتحذير إذا جرت على سبيل الحكاية عمن تقدم كانت أبلغ من الوعيد المبتدأ وعلى هذا الوجه ذكر تعالى أقاصيص الأنبياء عليهم السلام.
وأما تفاصيل هذه القصة فهي مذكورة في سائر السور.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَبُرَ عَلَيْكُمْ ﴾ عظم عليكم وشقّ وثقل.
ومنها قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين ﴾ [البقرة: 45] .
ويقال: تعاظمه الأمر ﴿ مَّقَامِى ﴾ مكاني، يعني نفسه، كما تقول: فعلت كذا لمكان فلان: وفلان ثقيل الظل.
ومنه: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ ﴾ [الرحمن: 46] بمعنى خاف ربه.
أو قيامي ومكثي بين أظهركم مدداً طوالاً أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً أو مقامي وتذكيري؛ لأنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم، ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً، كما يحكى عن عيسى صلوات الله عليه أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ﴾ من أجمع الأمر، وأزمعه، إذا نواه وعزم عليه.
قال: هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْماً وَأَمْرِي مُجْمعُ والواو بمعنى (مع) يعني: فأجمعوا أمركم مع شركائكم.
وقرأ الحسن: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع عطفاً على الضمير المتصل، وجاز من غير تأكيد بالمنفصل لقيام الفاصل مقامه لطول الكلام، كما تقول: اضرب زيداً وعمرو.
وقرئ: ﴿ فاجمعوا ﴾ من الجمع.
وشركاءكم نصب للعطف على المفعول، أو لأنّ الواو بمعنى (مع) وفي قراءة أبيّ: ﴿ فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم ﴾ فإن قلت: كيف جاز إسناد الإجماع إلى الشركاء؟
قلت: على وجه التهكم، كقوله: ﴿ قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ ﴾ [الأعراف: 195] فإن قلت: ما معنى الأمرين؟
أمرهم الذي يجمعونه، وأمرهم الذي لا يكون عليهم غمة؟
قلت: أمّا الأمر الأوّل فالقصد إلى إهلاكه، يعني: فأجمعوا ما تريدون من إهلاكي واحتشدوا فيه وابذلوا وسعكم في كيدي.
وإنما قال ذلك إظهاراً لقلة مبالاته وثقته بما وعده ربه من كلاءته وعصمته إياه، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلاً.
وأما الثاني ففيه وجهان، أحدهما: أن يراد مصاحبتهم له وما كانوا فيه معه من الحال الشديدة عليهم المكروهة عندهم، يعني: ثم أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة: أي غماً وهماً، والغم والغمة، كالكرب والكربة.
والثاني أن يراد به ما أريد بالأمر الأوّل، والغمة السترة من غمه إذا ستره.
ومنها قوله عليه السلام: «ولا غمة في فرائض الله» أي لا تستر، ولكن يجاهر بها، يعني: ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستوراً عليكم ولكن مكشوفاً مشهوراً تجاهرونني به ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي، أي: أدّوا إليَّ قطعه وتصحيحه، كقوله تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر ﴾ [الحجر: 66] أو أدّوا إليّ ما هو حق عليكم عندكم من هلاكي كما يقضي الرجل غريمه ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ ولا تمهلوني.
قرئ: ﴿ ثم افضوا إليّ ﴾ بالفاء بمعنى: ثم انتهوا إليّ بشرّكم.
وقيل: هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء، أي أصحروا به إليَّ وأبرزوه لي ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي ﴿ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم وطلب أجر على عظتكم ﴿ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله ﴾ وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة أي: ما نصحتكم إلاّ لوجه الله، لا لغرض من أغراض الدنيا ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين ﴾ الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئاً ولا يطلبون به دنيا، يريد: أن ذلك مقتضى الإسلام، والذي كل مسلم مأمور به.
والمراد أن يجعل الحجّة لازمة لهم ويبرئ ساحته، فذكر أن توليهم لم يكن عن تفريط منه في سوق الأمر معهم على الطريق الذي يجب أن يساق عليه، وإنما ذلك لعنادهم وتمرّدهم لا غير ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ فتموا على تكذيبه، وكان تكذيبهم له في آخر المدّة المتطاولة كتكذيبهم في أوّلها، وذلك عند مشارفة الهلاك بالطوفان ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ ﴾ يخلفون الهالكين بالغرق ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين ﴾ تعظيم لما جرى عليهم، وتحذير لمن أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثله، وتسلية له.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أعْرَضْتُمْ عَنْ تَذْكِيرِي.
﴿ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ ﴾ يُوجِبُ تَوَلِّيَكم لِثِقَلِهِ عَلَيْكم واتِّهامِكم إيّايَ لِأجْلِهِ، أوْ يَفُوتُنِي لِتَوَلِّيكم.
﴿ إنْ أجْرِيَ ﴾ ما ثَوابِي عَلى الدَّعْوَةِ والتَّذْكِيرِ.
﴿ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكم يُثِيبُنِي بِهِ آمَنتُمْ أوْ تَوَلَّيْتُمْ.
﴿ وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ المُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ لا أُخالِفُ أمْرَهُ ولا أرْجُو غَيْرَهُ.
﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ فَأصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ بَعْدَ ما ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ وبَيَّنَ أنَّ تُوَلِّيَهم لَيْسَ إلّا لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ لا جَرَمَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ.
﴿ فَنَجَّيْناهُ ﴾ مِنَ الغَرَقِ.
﴿ وَمَن مَعَهُ في الفُلْكِ ﴾ وكانُوا ثَمانِينَ.
﴿ وَجَعَلْناهم خَلائِفَ ﴾ مِنَ الهالِكِينَ بِهِ.
﴿ وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ بِالطُّوفانِ.
﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ ﴾ تَعْظِيمٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ وتَحْذِيرٌ لِمَن كَذَّبَ الرَّسُولَ وتَسْلِيَةٌ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{فَكَذَّبُوهُ} فداموا على تكذيبه {فنجيناه} من الغرق {ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف} يخلفون الهالكين بالغرق فى السفينة {وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بآياتنا فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين} هو تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثله وتسلية له
﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ أيْ فَأصَرُّوا بَعْدَ أنْ لَمْ يُبْقِ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْسِ الإلْزامِ مَنزَعًا وفي كَأْسِ بَيانِ أنْ لا سَبَبَ لِتَوَلِّيهِمْ غَيْرُ التَّمَرُّدِ مُكْرِعًا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ الدّالِّ عَلَيْهِ السِّباقُ واللِّحاقُ وهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ لِقَوْمِهِ ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَنَجَّيْناهُ ﴾ فَصِيحَةٌ في رَأْيٍ أيْ فَحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ فَأنْجَيْناهُ وأنْكَرَ ذَلِكَ الشِّهابُ وادَّعى أنَّ ذِكْرَ ما يُشِيرُ إلَيْهِ في عِبارَةِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ تَوْطِئَةٌ لِلتَّفْرِيعِ لا إشارَةٌ إلى أنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ وأنا لا أرى فِيهِ بَأْسًا إلّا أنَّ تَقْدِيرَ فَعامَلْنا كُلًّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ونَحْوَهُ عِنْدِي أوْلى، ومُتَعَلِّقُ الإنْجاءِ مَحْذُوفٌ أيْ مِنَ الغَرَقِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ وقِيلَ: مِن أيْدِي الكُفّارِ فَخَلَّصْناهُ مِن ذَلِكَ ﴿ ومَن مَعَهُ ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ وكانُوا في المَشْهُورِ أرْبَعِينَ رَجُلًا وأرْبَعِينَ امْرَأةً وقِيلَ دُونَ ذَلِكَ ﴿ فِي الفُلْكِ ﴾ أيِ السَّفِينَةِ وهو مُفْرَدٌ هَهُنا، والجارُّ كَما قالَ الأجْهُورِيُّ وغَيْرُهُ مُتَعَلِّقٌ بِأنْجَيْناهُ أيْ وقَعَ الإنْجاءُ في الفُلْكِ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ قَبْلَهُ الواقِعُ صِلَةً أيْ والَّذِينَ اسْتَقَرُّوا مَعَهُ في الفُلْكِ ﴿ وجَعَلْناهم خَلائِفَ ﴾ عَمَّنْ هَلَكَ بِالإغْراقِ بِالطُّوفانِ وهو جَمْعُ خَلِيفَةٍ ﴿ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ وهُمُ الباقُونَ مِن قَوْمِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ لِلْإغْراقِ، وتَأْخِيرُ ذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ الإنْجاءِ والِاسْتِخْلافِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ ولِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لِلسّامِعِينَ ولِلْإيذانِ بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ الَّتِي هي مِن مُقْتَضَياتِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلى الغَضَبِ الَّذِي هو مِن مُسْتَتْبَعاتِ جَرائِمِ المُجْرِمِينَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ 73﴾ المُخَوَّفِينَ بِاللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ والمُرادُ بِهِمُ المُكَذِّبِينَ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى إصْرارِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ حَيْثُ لَمْ يَنْجَعِ الإنْذارُ فِيهِمْ ولَمْ يُفِدْهم شَيْئًا وقَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُهْلِكَ قَوْمًا بِالِاسْتِئْصالِ إلّا بَعْدَ الإنْذارِ لِأنَّ مَن أُنْذِرَ فَقَدْ أُعْذِرَ والنَّظَرُ كَما قالَ الرّاغِبُ يَكُونُ بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ والثّانِي أكْثَرُ عِنْدَ الخاصَّةِ وسِيقَ الكَلامُ لِتَهْوِيلِ ما جَرى عَلَيْهِمْ وتَحْذِيرِ مَن كَذَّبَ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّسْلِيَةِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرادُ اعْتُبِرَ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا مَن أنْذَرَهُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ فإن لم تعتبروا بذلك، فاتْلُ عليهم، يعني: اقرأ عليهم خبر نوح في القرآن، إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ يعني: عظم وثَقُلَ عليكم مَقامِي يعني: طول مقامي فيكم وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ يعني: وعظي لكم بالله تعالى، وهو ما قال الله تعالى في سورة نوح: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [نوح: 10] إلى قوله: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [الملك: 3] الآية.
فلمَّا وعظهم بذلك أرادوا قتله، حين قَالُواْ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء: 26] يعني: من المقتولين بالحجارة.
فقال لهم نوح: إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي فيكم وعظتي لكم فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ يقول: وثقت وفوَّضت أمري إلى الله تعالى، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ يعني: كيدكم.
ويقال: قولكم، وعملكم وَشُرَكاءَكُمْ يعني: وادعوا شركاءكم ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً يقول: أظهروا أمركم فلا تكتموه، يعني: القتل.
وقال القتبِيُّ: الغمّ والغمّة واحد كما يقال: كُرْبَةٌ وكرب، يعني: لا يكون أمركم غمّاً عليكم ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ يعني: امضوا إليّ ويقال: اعملوا ما تريدون كقوله تعالى فَاقْضِ مَآ أَنْتَ قاضٍ [طه: 72] وَلا تُنْظِرُونِ يعني: ولا تمهلون.
يعني: اقضوا إليّ ما أنتم قاضون، واستعينوا بآلهتكم.
ويقال: اعملوا بما في أنفسكم من الشَّرِّ.
وروي عن نافع أنه قرأ: فَأَجْمِعُوا بالوصل وبالجزم، مِنْ جمعت.
وقرأ الباقون: فَأَجْمِعُوا بالقطع من الإجماع.
وقرأ الحسن البصريُّ، ويعقوب الحضرميّ: شركاؤكم بالرفع يعني: أين شركاؤكم ليجمعوا أمرهم معكم، ويعينوكم؟
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني: أعرضتم وأبيتم عن الإيمان، وأبيتم أن تقبلوا ما أتيتكم به، ونهيتكم عنه، فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ يعني: ما سألتكم بذلك أجراً في الدُّنيا ومعناه: إن أعرضتم عن الإيمان لا يضرُّني لأنِّي لا أطلب منكم بذلك أجرا في الدنيا، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يعني: وأُمرتُ أن أستقيم على التَّوحيد مع المسلمين.
قوله تعالى: فَكَذَّبُوهُ بالعذاب، بأنَّه غير نازلٍ بهم فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ من الغرق، وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ يعني: خلفاء من بعد هلاكِ كفّارهم، وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: أهلكنا الذين كذَّبوا نوحاً بما أتاهم به فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ يعني: كيف كان آخر أمرِ مَنْ أنذرهم الرُّسلُ فلم يؤمنوا.
<div class="verse-tafsir"
بعدُ تعمُّ كلَّ من قال نحو هذا القول كالنّصارى، وسُبْحانَهُ معناه: «تنزيهاً له، وبراءةً من ذلك» فسَّره بهذا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا «إِنْ» نافيةٌ، والسلطانُ: الحُجَّة، وكذلك معناه حيث تكرَّر في القرآن، ثم وبَّخهم تعالى بقوله: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ ...
الآية: توعُّد لهم بأنهم لا يظفرون ببُغْيَة، ولا يَبْقَوْن في نعمة، إِذ هذه حالُ مَنْ يصير إِلى العذاب، وإن نعّم في دنياه يسيرا.
وقوله تعالى: مَتاعٌ مرفوعٌ على خبر ابتداء أي: ذلك متاعٌ.
قال ص: مَتاعٌ جوابُ سؤالٍ مقدَّر، كأنه قيل: كيف لا يُفْلِحون، وهُمْ في الدنيا مفلحون بأنواعِ التلذُّذات؟!
فقيل: ذَلِكَ مَتَاعٌ، فهو خبر مبتدإٍ محذوف.
انتهى، وهذا الذي قدَّره ص: يُفْهَمُ من كلام ع «١» .
وقول نوح عليه السلام: يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي ...
الآية: المَقَامُ:
وقوف الرجل لكلامٍ أو خُطْبَةٍ أَو نحوه، والمُقَام- بضم الميم-: إِقامته ساكناً في موضعٍ أو بلدٍ، ولم يقرأ هنا بضَمِّ الميم فيما علمتُ، وتذكيره: وعظُه وزَجْره، وقوله: فَأَجْمِعُوا:
من أَجْمَعَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ، إِذا عزم عليه ومنه الحديثُ: ما لم يجمعْ مكثاً، وأَمْرَكُمْ: يريد به: قُدْرَتكُم وحِيَلكُمْ، ونصب «الشركاء» بفعل مضمر كأنه قال: وادعوا شَركَاءَكُمْ فهو مِنْ باب: [الرجز]
عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِدَا ...
حَتَّى شتت همّالة عيناها «٢»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ.
" فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ " أيْ: لَمْ يَكُنْ دُعائِي إيّاكم طَمَعًا في أمْوالِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أجْرِيَ ﴾ حَرَّكَ هَذِهِ الياءَ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأسْكَنَها الباقُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناهم خَلائِفَ ﴾ أيْ: جَعَلَنا الَّذِينَ نَجَوْا مَعَ نُوحٍ خَلَفًا مِمَّنْ هَلَكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِن المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ ﴾ المَعْنى: فَإنْ لَمْ تُقْبِلُوا عَلى دَعْوَتِي وكَفَرْتُمْ بِها وتَوَلَّيْتُمْ عنها، والتَوَلِّي أصْلُهُ بِالبَدَنِ، ويُسْتَعْمَلُ في الإعْراضِ عَنِ المَعانِي، يَقُولُ: فَأنا لَمْ أسْألُكم أجْرًا عَلى ذَلِكَ ولا مالًا فَيَقَعُ مِنكم قَطْعٌ لِي وتَقْصِيرٌ بِإرادَتِي وإنَّما أجْرِي عَلى الَّذِي بَعَثَنِي.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "أجْرِي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ: "أجْرِيَ" بِفَتْحِ الياءِ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ، والقِراءَةُ بِالإسْكانِ في كُلِّ القُرْآنِ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ اللهَ أمَرَهُ بِالإسْلامِ والدِينِ الحَنِيفِ الَّذِي هو تَوْحِيدُ اللهِ والعَمَلُ بِطاعَتِهِ والإعْدادُ لِلِقائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عن حالِ قَوْمِ نُوحٍ المُكَذِّبِينَ لَهُ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الإخْبارِ تَوَعُّدٌ لِلْكُفّارِ بِمُحَمَّدٍ وضَرْبُ المِثالِ لَهُمْ، أيْ: أنْتُمْ بِحالِ هَؤُلاءِ مِنَ التَكْذِيبِ فَسَتَكُونُونَ بِحالِهِمْ مِنَ النِقْمَةِ والتَعْذِيبِ، و"الفُلْكِ": السَفِينَةُ، والمُفَسِّرُونَ وأهَّلُ الآثارِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ كانَتْ واحِدَةً، والفُلْكُ لَفْظُ الواحِدِ مِنهُ ولَفْظُ الجَمْعِ مُسْتَوٍ، ولَيْسَ بِهِ، وقَدْ مَضى شَرْحُ هَذا في "الأعْرافِ"، و"خَلائِفَ" حَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَوْلُهُ: "فانْظُرْ" مُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ يُشارِكُهُ في مَعْناها جَمِيعُ الخَلْقِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أغْرَقَ جَمِيعَ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ الَّتِي جاءَ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وهي مُقْتَضِيَةٌ أيْضًا أنَّهُ أنْذَرَهم فَكانُوا مُنْذَرِينَ، فَلَوْ كانُوا جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ كَما قالَ بَعْضُ الناسِ لاسْتَوى نُوحٌ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ في البَعْثِ إلى أهْلِ الأرْضِ، ويَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ : « "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي"» الحَدِيثُ.
ويَتَرَجَّحُ بِهَذا النَظَرِ أنَّ بَعْثَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ والغَرَقَ إنَّما كانَ في أهْلِ صُقْعٍ لا في أهْلِ جَمِيعِ الأرْضِ.
<div class="verse-tafsir"
الفاء للتفريع الذكري، أي تفريع ذكر هذه الجمل على ذكر الجمل السابقة لأن الشأن أن تكون لما بعد الفاء مناسبة لِما قبلها تقتضي أن يذكر بعدها فيؤتى بالفاء للإشارة إلى تلك المناسبة، كقوله تعالى: ﴿ ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ﴾ [الزمر: 72]، وإلا فإن تكذيب قوم نوح حصل قبل أن يقول لهم: ﴿ إن كان كبُر عليكم مقامي ﴾ [يونس: 71] الخ، لأنه ما قال لهم ذلك إلا وقد رأى منهم تجهم دعوته.
ولك أن تجعل معنى فعل ﴿ كذبوه ﴾ الاستمرار على تكذيبه مثل فِعل ﴿ آمنوا ﴾ في قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ﴾ [النساء: 136]، فتكون الفاء لتفريع حصول ما بعدها على حصول ما قبلها.
وأما الفاء التي في جملة: ﴿ فنجيناه ﴾ فهي للترتيب والتعقيب، لأن تكذيب قومه قد استمر إلى وقت إغراقهم وإنجاء نوح عليه السلام ومَن اتبعه.
وهذا نظم بديع وإيجاز معجز إذ رجع الكلام إلى التصريح بتكذيب قومه الذي لم يذكر قبل بل أشير له ضمناً بقوله: ﴿ إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبُر عليكم مقامي ﴾ [يونس: 71] الآية، فكان كرد العجز على الصدر.
ثم أشير إلى استمراره في الأزمنة كلها حتى انتهى بإغراقهم، فذكر إنجاء نوح وإغراق المكذبين له، وبذلك عاد الكلام إلى ما عقب مجادلةَ نوح الأخيرة قومَه المنتهية بقوله: ﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ [يونس: 72] فكان تفنناً بديعاً في النظم مع إيجاز بهيج.
وتقدم ذكر إنجائه قبل ذكر الإغراق الذي وقع الإنجاء منه للإشارة إلى أن إنجاءه أهم عند الله تعالى من إغراق مكذبيه، ولتعجيل المسرة للمسلمين السامعين لهذه القصة.
والفلك: السفينة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ والفلك التي تجري في البحر ﴾ في سورة [البقرة: 164].
والخلائف: جمع خليفة وهو اسم للذي يخلف غيره.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ في سورة [البقرة: 30].
وصيغة الجمع هنا باعتبار الذين معه في الفلك تفرع على كل زوجين منهم أمة.
وتعريف قوم نوح بطريق الموصولية في قوله: وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } للإيماء إلى سبب تعذيبهم بالغرق، وأنه التكذيب بآيات الله إنذاراً للمشركين من العرب ولذلك ذيل بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ ، أي المنذرين بالعذاب المكذبين بالإنذار.
والنظر: هنا نظر عين، نزل خبرهم لوضوحه واليقين به منزلة المشاهد.
والخطاب ب ﴿ انظر ﴾ يجوز أن يكون لكل من يسمع فلا يراد به مخاطب معين ويجوز أن يكون خطاباً لمحمد صلى الله عليه وسلم فخصّ بالخطاب تعظيماً لشأنه بأن الذين كذبوه يوشك أن يصيبهم من العذاب نحو مما أصاب قوم نوح عليه السلام وفي ذلك تسلية له على ما يلاقيه من أذاهم وإظهار لعناية الله به.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاجْمَعُوا أمْرَكم وادْعُوا شُرَكاءَكم لِنُصْرَتِكم، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: فاجْمَعُوا أمْرَكم مَعَ شُرَكائِكم عَلى تَناصُرِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَفي هَذا الإجْماعِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإعْدادُ.
الثّانِي: أنَّهُ العَزْمُ.
﴿ ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الغُمَّةَ ضِيقُ الأمْرِ الَّذِي يُوجِبُ الغَمَّ.
الثّانِي: أنَّهُ المُغَطّى، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ غُمَّ الهِلالُ إذا اسْتُتِرَ.
وَفي المُرادِ بِالأمْرِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: مَن يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: ما هم عَلَيْهِ مِن عَزْمٍ.
﴿ ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ثُمَّ انْهَضُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ما أنْتُمْ قاضُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: اقْضُوا إلَيَّ ما في أنْفُسِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَلا تُنْظِرُونِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولا تُؤَخِّرُونِي.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ يَعْنِي عَنِ الإيمانِ.
﴿ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ تَسْتَثْقِلُونَهُ فَتَمْتَنِعُونَ مِنَ الإجابَةِ لِأجْلِهِ، ﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ والثّانِي: فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنِ انْقَطَعَ عَنِّي ثَقُلَ عَلَيَّ.
﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ وقَدْ حَصَلَ بِالدُّعاءِ لَكم إنْ أجَبْتُمْ أوْ أبَيْتُمْ.
﴿ وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ لِأمْرِ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ ﴾ قالَ ابْنْ عَبّاسٍ: كانَ في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانُونَ رَجُلًا أحَدُهم جِرْهَمْ وكانَ لِسانُهُ عَرَبِيًّا، وحَمَلَ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَكانَ أوَّلُ ما حَمَلَ الذَّرَّةَ وآخِرُ ما حَمَلَ الحَمّالُ ودَخَلَ مَعَهُ إبْلِيسُ يَتَعَلَّقُ بِذَنَبِهِ.
﴿ وَجَعَلْناهم خَلائِفَ ﴾ أيْ خَلَفًا لِمَن هَلَكَ بِالغَرَقِ.
﴿ وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ حَكى أبُو زُهَيْرٍ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ عاشُوا في الطُّوفانِ أرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ الماءَ بَقِيَ بَعْدَ الغَرَقِ مِائَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا، فَكانَ بَيْنَ أنْ أرْسَلَ اللَّهُ الطُّوفانَ إلى أنْ غاضَ الماءُ سِتَّةُ أشْهُرٍ وعَشَرَةُ أيّامٍ وذَلِكَ مِائَةٌ وتِسْعُونَ يَوْمًا.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا مَضَتْ عَلى نُوحٍ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَتَحَ كُوَّةَ السَّفِينَةِ ثُمَّ أرْسَلَ مِنها الغُرابَ لِيَنْظُرَ ما فَعَلَ الماءُ فَلَمْ يَعُدْ، فَأرْسَلَ الحَمامَةَ فَرَجَعَتْ إلَيْهِ ولَمْ تَجِدْ لِرِجْلِها مَوْضِعًا، ثُمَّ أرْسَلَها بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ فَرَجَعَتْ حَيْثُ أمْسَتْ وفي فِيها ورَقَةُ زَيْتُونَةٍ فَعَلِمَ أنَّ الماءَ قَدْ قَلَّ عَلى الأرْضِ، ثُمَّ أرْسَلَها بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ فَلَمْ تَعُدْ فَعَلِمَ أنَّ الأرْضَ قَدْ بَرَزَتْ، وكانَ اسْتِواءُ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنَ الشَّهْرِ السّابِعِ فِيما ذُكِرَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والنهار مبصراً ﴾ قال: منيراً.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ يقول ما عندكم من سلطان بهذا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ ﴾ (١) (٢) ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴾ (٣) سوى ذريته الذين نجوا معه، وهذا تحذير للكفار من التكذيب كي لا يؤول أمرهم بالإهلاك إلى مثل ما آل أمر قوم نوح.
(١) هكذا في جميع النسخ، وتفسير المؤلف لهذه الجملة يقتضي أن يذكر قوله تعالى: ﴿ خَلَائِفَ ﴾ .
(٢) في (ح) و (ز): (قلنا)، وهو خطأ.
(٣) وقد روى الأثر ابن جرير في "تفسيره" (68/ 23) (طبعة الحلبي)، من رواية علي بن أبي طلحة، ورواه بنحوه البغوي في "تفسيره" 7/ 43 من رواية الضحاك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ متاع فِي الدنيا ﴾ تقديره: لهم متاع في الدنيا ﴿ نُوحٍ ﴾ روي أن اسمه عبد الغفار، وإنما سمي نوحاً لكثرة نوحه على نفسه من خوف الله ﴿ كَبُرَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي صعب وشق ﴿ مَّقَامِي ﴾ أي قيامي لوعظكم والكلام معكم، وقيل: معناه مكاني يعني نفسه، كقولك: فعلت ذلك لمكان فلان ﴿ فأجمعوا ﴾ بقطع الهمزة من أجمع الأمر إذا عزم عليه، وقرئ بألف وصل من الجمع ﴿ وَشُرَكَآءَكُمْ ﴾ أي ما تعبدون من دون الله، وإعرابه: مفعول معه، أو مفعول بفعل مضمر تقديره: ادعو شركاءكم، وهذا على القراءة بقطع الهمزة، وأما على الوصل فهو معطوف ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ أي لا يكون قصدكم إلى هلاكي مستوراً ولكن مكشوفاً تجاهرونني به وهو من قولك: غم الهلال إذا لم يظهر، والمراد بقوله: أمركم في الموضعين إهلاككم لنوح عليه السلام، أي: لا تقصروا في إهلاكي إن قدرتم على ذلك ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ ﴾ أي انفذوا فيما تريدون، ومعنى الآية أن نوحاً عليه السلام قال لقومه: إن صعب عليكم دعائي لكم إلى الله فاصنعوا بي غاية ما تريدون، وإني لا أبالي بكم لتوكلي على الله وثقتي به سبحانه ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خلائف ﴾ أي يخلفون من هلك بالغرق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ شأن ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يعزب ﴾ بالكسر حيث كان: علي.
الباقون بالضم.
﴿ ولا أصغر ﴾ ﴿ ولا أكبر ﴾ بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل.
الآخرون بالنصب.
الوقوف: ﴿ تفيضون فيه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح صفة ﴿ لأولياء ﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿ يتقون ﴾ أو مبتدأ خبره ﴿ لهم البشرى ﴾ فلا يوقف على ﴿ يتقون ﴾ ﴿ وفي الآخرة ﴾ ط ﴿ لكلمات الله ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿ أولياء ﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول.
﴿ قولهم ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ إن العزة ﴾ مقول الكفار.
﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه { } ط ﴿ الغني ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بهذا ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ لا يفلحون ﴾ ه ط، ﴿ يكفرون ﴾ ه.
التفسير: لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بيّن كونه عالماً بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك فقال: ﴿ وما تكون ﴾ يا محمد ﴿ في شأن ﴾ أي أمر من الأمور.
وأصله الهمز بمعنى القصد من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.
قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر.
وقال الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و "ما" في ﴿ وما تكون ﴾ ﴿ وما تتلو ﴾ نافية والضمير في ﴿ منه ﴾ إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل وميكال ﴾ وإما للقرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن.
ثم عمم الخطاب فقال: ﴿ ولا تعملون ﴾ أيها المكلفون ﴿ من عمل ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن المراد الملائكة الموكلون ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ الإفاضة الشروع في العمل على جهة الانصباب والاندفاع ومنه قوله: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات ﴾ قيل: شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها.
والجواب أن الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو أخبرنا الصادق أن زيداً يفعل كذا غداً فنكون عالمين بذلك لا شاهدين.
ثم زاد في التعميم فقال: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل.
ومعنى ﴿ مثقال ذرة ﴾ قد مر في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ وذلك في سورة النساء.
والمقصود أنه لا يغيب عن علمه شيء أصلاً وإن كان في غاية الحقارة.
وإنما قال ههنا ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام سيق لشاهدته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد تسليم أن الواو تفيد الترتيب.
ثم بالغ في تعميم علمه فقال: ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوباً معطوفاً على لفظ مثقال لأنه في موضع الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعاً معطوفاً على محل ﴿ من مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وإنه محال.
ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض.
وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب مبين.
وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه غير عالم بالجزيئات.
أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في كتاب مبين.
وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم إن "إلا" بمعنى الواو على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ ولا أكبر ﴾ ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب ﴿ مبين ﴾ والعرب تضع "إلا" موضع واو النسق كثيراً ومنه قوله: ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ﴾ يعني ومن ظلم.
وقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ﴾ يعني والذين ظلموا.
ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال كل فريق فقال: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الآية.
والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه لاستغراقهم في نور معرفته وجماله وجلاله.
قال أبو بكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه.
وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله في وصفهم ﴿ الذين آمنوا ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية.
﴿ وكانوا يتقون ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة العملية.
وههنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقياً في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن يقدس ذاته عن أن يكون مقصوراً على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبداً في الخوف والدهشة.
وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة البقرة: وعن سعيد بن جبير أن رسول الله سئل من أولياء الله؟
فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم.
يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات والسكينة.
وعن عمر سمعت النبي يقول: "إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله.
قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم.
قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ الآية" يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة.
ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟
فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله.
ثم أخبر الله عنهم بأن ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقيل: بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات ﴾ ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ﴾ وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن.
عن أبي ذر قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.
قال: تلك عاجل بشرى المؤمن.
والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه.
ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله.
وقيل: هي الرؤيا الصالحة.
وعنه : "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي استنبىء بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر.
ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين.
وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك.
وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ﴾ وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في "الأنعام" ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام.
تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله.
ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: ﴿ ولا يحزنك ﴾ أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح.
ثم استأنف قوله: ﴿ إن العزة لله ﴾ كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟
فقيل: لأن العزة لله.
﴿ جميعاً ﴾ إن الغلبة والقهر له ولحزبه ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ وقرىء "أن" بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعاً والرسول كان يحزنه ذلك وهذا كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله واثقاً بوعد الله في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها.
ثم أكد الوعد بقوله: ﴿ هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم.
ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين - وهم الملائكة والثقلان - كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكاً له فما وراءهم ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون نداً له.
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ وما يتبع ﴾ "ما" نافية ومفعول ﴿ يدعون ﴾ محذوف أي ليس يتبع ﴿ الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة الله في الربوبية محال.
وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول ﴿ يدعون ﴾ والثاني مفعول ﴿ يتبع ﴾ ويجوز أن تكون "ما" استفهامية بمعنى أي شيء يتبعون.
و ﴿ شركاء ﴾ على هذا نصب بـ ﴿ يدعون ﴾ ولا حاجة إلى إضمار.
ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "من" كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم.
ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ وقد مر مثله في سورة الأنعام.
ثم ذكر طرفاً من آثار قدرته مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: ﴿ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ طلباً للراحة ﴿ والنهار مبصراً ﴾ ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر وقبول.
ثم حكى نوعاً آخر من أباطيلهم فقال: {قالوا اتخذ الله ولداً } وقد مر في "البقرة".
ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: ﴿ هو الغني ﴾ وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى الولد ولا يصح له مثل.
وأيضاً الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضاً متولداً من مثله ولا يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا الوقوع.
ثم بالغ في البرهان فقال: ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإذا كان الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولداً له لأن الأب يساوي الابن في الطبيعة بخلاف المالك.
ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ أي ما عندكم من حجة بهذا القول.
قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق بقوله: ﴿ إن عندكم ﴾ على أن يجعل القول مكاناً للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم موز.
كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان.
أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال الباء بمعنى "في" أكثر منه بمعنى "على".
ثم وبخهم على القول بلا دليل ومعرفة فقال: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ .
ثم أوعدهم على افترائهم فقال: ﴿ قل إن الذين يفترون ﴾ الآية.
ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك ﴿ متاع قليل ﴾ في الدنيا.
ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد والعذاب الأليم أعاذنا الله منه.
التأويل: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ من النبوة ﴿ وما تتلوا ﴾ من شأن النبوة ﴿ من قرآن ﴾ ﴿ ولا تعملون ﴾ يا أمة محمد ﴿ من عمل ﴾ من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر.
﴿ ولا في السماء ﴾ أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ﴿ ولا أصغر ﴾ من الحركة وهو القصد دون الفعل ﴿ ولا أكبر ﴾ من النية وهو العمل ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الذين هم أعداء النفوس ﴿ لا خوف عليهم ﴾ من تمني النظر بنفوسهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ بالوقائع والمبشرات ﴿ وفي الآخرة ﴾ بكشف القناع عن جمال العزة.
﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً ﴿ ولا يحزنك ﴾ يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني "وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك" ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا ﴿ هو الذي جعل لكم ﴾ ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ﴿ لقوم يسمعون ﴾ حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية.
ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد.
وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الكشوف والأحوال ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات ﴿ إن الذين يفترون ﴾ هم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ لا يفلحون ﴾ لا يظفرون بكشف الحقائق {ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ﴾ .
قال بعضهم: أرادوا بقولهم: اتخذ الله ولدا حقيقة الولد؛ كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ﴾ [...].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ...
﴾ كذا، ﴿ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ...
﴾ كذا فنزه - عز وجل - نفسه عمّا قالوا بقوله: ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ﴾ أنه لم يلد أحداً ولا ولد هو من أحد؛ ولهذا قال: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ ؛ إذ في الشاهد لا يخلو إما أن يكون ولد من آخر أو والد، والخلق كله لا يخلو من هذا، فأخبر أنه لم يلد هو أحد ولا ولد من أحد.
وقوله: ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ تأويله - والله أعلم - أن في الشاهد من اتخذ ولدا إنما يتخذ لأحد وجوه ثلاثة: إما لحاجة تمسه، أو لشهوة تغلبه، أو لما يستنصر به على آخر ممن يخافه، فإذا كان له ملك السماوات والأرض وملك ما فيهما كلهم عبيده وإماؤه، فلا حاجة تقع له إلى الولد؛ إذ هو الغني وله ملك ما في السماوات والأرض ومن هذا وصفه فلا يحتاج إلى الولد، ولأنه لا أحد في الشاهد يحتمل طبعه اتخاذ الولد من عبيده وإمائه، فإذا كان لله الخلائق كلهم عبيده وإماؤه كيف احتمل اتخاذ الولد منهم لو جاز وقد بينا إحالة ذلك وفساده.
ولأن الولد يكون من شكل الوالد ومن جنسه كالشريك يكون من شكل الشريك ومن جنسه فكان في نفي الشريك نفي الولد؛ لأن معناهما واحد وكل ذي شكل له ضدّ ومن له ضد أو شكل فإنه لا ربوبية له ولا ألوهية.
[وقال بعضهم: قولهم: اتخذ الله ولدا، لم يريدوا حقيقة الولد، ولكن أرادوا منزلة الولد وكرامته، فهو - أيضاً - منفي عنه؛ لأن من لا يحتمل الحقيقة - أعني: حقيقة الولد - امتنع عن منزلته وكرامته؛ لأن الحقيقة انتفت لعيب يدخل فيه، فإذا ثبت له منزلة تلك الحقيقة والكرامة دخل فيه عيب الحقيقة].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ بهذا قيل ما عندكم من حجة على ما تقولون إن له ولدا؛ لأنهم كانوا أهل تقليد لآبائهم وأسلافهم، وكانوا لا يؤمنون بالرسل والكتب والحجج، وإنما يستفاد ذلك من جهة الرسالة والكتب وهم كانوا ينكرون ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: تقولون على الله أنه اتخذ ما تعلمون أنه لم يتخذ ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ هو ما ذكرنا أنهم علموا أنه لم يتخذ ولداً، لكن قالوا ذلك افتراء على الله ﴿ لاَ يُفْلِحُونَ ﴾ في الآخرة؛ لما طمعوا في الدنيا بعبادتهم دون الله الأصنام بقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقوله: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ لا يفلحون، أي: لا يظفرون بما طمعوا في الآخرة ﴿ مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ \[أي ذلك لهم متاع في الدنيا\] ليس لهم متاع في الآخرة.
﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ﴾ : يخاطب رسوله بذلك لم يخاطبهم إلينا مرجعكم، فهو - والله أعلم - لما اشتد على رسول الله ما افتروا به على الله يقول: إلينا مرجعهم فنجزيهم جزاء افترائهم.
والثاني: يقول: إلينا مرجعهم فنذيقهم العذاب الشديد، لا ما طمعوا من الشفاعة عندنا والزلفى، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فكذبه قومه، ولم يصدقوا به، فنجيناه هو ومن كان معه في السفينة من المؤمنين، وصيَّرناهم خَلَفًا لمن كان قبلهم، وأهلكنا الذين كذبوا بما جاء به من الآيات والحجج بالطوفان، فتأمل -أيها الرسول- كيف كانت نهاية أمر القوم الذين أنذرهم نوح ، فلم يؤمنوا.
<div class="verse-tafsir" id="91.2QKn2"