الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٧٤ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 68 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٤ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم ، فجاءوهم بالبينات ، أي : بالحجج والأدلة والبراهين على صدق ما جاءوهم به ، ( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) أي : فما كانت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم ، بسبب تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم ، كما قال تعالى : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) [ الأنعام : 110 ] .
وقوله : ( كذلك نطبع على قلوب المعتدين ) أي : كما طبع الله على قلوب هؤلاء ، فما آمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم ، هكذا يطبع الله على قلوب من أشبههم ممن بعدهم ، ويختم على قلوبهم ، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم .
والمراد : أن الله تعالى أهلك الأمم المكذبة للرسل ، وأنجى من آمن بهم ، وذلك من بعد نوح ، عليه السلام ، فإن الناس كانوا من قبله من زمان آدم عليه السلام على الإسلام ، إلى أن أحدث الناس عبادة الأصنام ، فبعث الله إليهم نوحا ، عليه السلام ؛ ولهذا يقول له المؤمنون يوم القيامة : أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض .
وقال ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون ، كلهم على الإسلام .
وقال الله تعالى : ( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ) [ الإسراء : 17 ] ، وفي هذا إنذار عظيم لمشركي العرب الذين كذبوا بسيد الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين ، فإنه إذا كان قد أصاب من كذب بتلك الرسل ما ذكره الله تعالى من العقاب والنكال ، فماذا ظن هؤلاء وقد ارتكبوا أكبر من أولئك ؟
القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم، فأتوهم ببينات من الحجج والأدلّة على صدقهم، وأنهم لله رسل، وأن ما يدعونهم إليه حقّ ، (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) ، يقول: فما كانوا ليصدّقوا بما جاءتهم به رسلهم بما كذب به قوم نوح ومن قبلَهم من الأمم الخالية من قبلهم ، (كذلك نطبع على قلوب المعتدين) ، يقول تعالى ذكره: كما طبعنا على قلوب أولئك فختمنا عليها، فلم يكونوا يقبَلون من أنبياء الله نصيحتَهم، ولا يستجيبون لدعائهم إيّاهم إلى ربهم ، بما اجترموا من الذنوب واكتسبوا من الآثام (27) ، كذلك نطبع على قلوب من اعتدى على ربّه فتجاوز ما أمره به من توحيده، وخالف ما دعاهم إليه رسلهم من طاعته، (28) عقوبة لهم على معصيتهم ربَّهم من هؤلاء الآخرين من بعدهم.
----------------------- الهوامش : (27) انظر تفسير " الطبع " فيما سلف 14 : 424 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(28) انظر تفسير " الاعتداء " فيما سلف من فهارس اللغة (عدا) .
قوله تعالى ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدينقوله تعالى ثم بعثنا من بعده أي من بعد نوح رسلا إلى قومهم كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم .( فجاءوهم بالبينات ) أي بالمعجزات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل التقدير : بما كذب به قوم نوح من قبل .
وقيل : بما كذبوا به من قبل أي من قبل يوم الذر ، فإنه كان فيهم من كذب بقلبه وإن قال الجميع : بلى .
قال النحاس : ومن أحسن ما قيل في هذا أنه لقوم بأعيانهم ; مثل : أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون .( كذلك نطبع ) أي نختم على قلوب المعتدين أي المجاوزين الحد في الكفر والتكذيب فلا يؤمنوا .
وهذا يرد على القدرية قولهم كما تقدم .
أي: {ثُمَّ بَعَثْنَا} من بعد نوح عليه السلام {رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ} المكذبين، يدعونهم إلى الهدى، ويحذرونهم من أسباب الردى. {فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي: كل نبي أيد دعوته، بالآيات الدالة على صحة ما جاء به. {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ} يعني: أن الله تعالى عاقبهم حيث جاءهم الرسول، فبادروا بتكذيبه، طبع الله على قلوبهم، وحال بينهم وبين الإيمان بعد أن كانوا متمكنين منه، كما قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} ولهذا قال هنا: {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} أي: نختم عليها، فلا يدخلها خير، وما ظلمهم [الله]، ولكنهم ظلموا أنفسهم بردهم الحق لما جاءهم، وتكذيبهم الأول.
( ثم بعثنا من بعده رسلا ) أي : من بعد نوح رسلا .
( إلى قومهم فجاءوهم بالبينات ) بالدلالات الواضحات ، ( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) أي : بما كذب به قوم نوح من قبل ، ( كذلك نطبع ) أي : نختم ، ( على قلوب المعتدين ) .
«ثم بعثنا من بعده» أي نوح «رسلا إلى قومهم» كإبراهيم وهود وصالح «فجاءُوهم بالبينات» المعجزات «فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل» أي بعث الرسل إليهم «كذلك نطبع» نختم «على قلوب المعتدين» فلا تقبل الإيمان كما طبعنا على قلوب أولئك.
ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى أقوامهم (هودًا وصالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا وغيرَهم) فجاء كل رسول قومه بالمعجزات الدالة على رسالته، وعلى صحة ما دعاهم إليه، فما كانوا ليصدِّقوا ويعملوا بما كذَّب به قوم نوح ومَن سبقهم من الأمم الخالية.
وكما ختم الله على قلوب هؤلاء الأقوام فلم يؤمنوا، كذلك يختم على قلوب مَن شابههم ممن بعدهم من الذين تجاوزوا حدود الله، وخالفوا ما دعاهم إليه رسلهم من طاعته عقوبة لهم على معاصيهم.
ثم حكت السورة الكريمة أن الله - تعالى - قد أرسل رسلا كثيرين بعد نوح - عليه السلام - فكان موقف أقوامهم منهم مشابها لموقف قوم نوح منه ، فقال - تعالى - :( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ .
.
.
) .أى : ثم بعثنا من بعد نوح - عليه السلام - رسلا كثيرين دوى قدر عظيم إلى أقوامهم ، ليخرجوهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان فهود - عليه السلام - أرسلناه إلى قوم عاد ، وصالح - عليه السلام - أرسلناه إلى ثمود ، وهذا أرسلنا رسلا كثيرين إلى أقوامهم .وقوله : ( فَجَآءُوهُمْ بالبينات ) أى : فأتى كل رسول قومه بالمعجزات الواضحات ، وبالحجج الساطعات الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه .وقوله - ( فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ) بيان لموقف هؤلاء الأقوام الجاحدين من رسلهم الذين جاءوا لهدايتهم وسعادتهم .وللمفسرين في معنى هذه الجملة الكريمة أقوال :فمنهم من يرى أن الضمائر فى " كانوا ، ويؤمنوا ، وكذبوا " تعود على أقوام الرسل الذين جاءوا من بعد نوح - عليه السلام - وأن المراد بقوله : ( من قبل ) أى : من قبل مجئ الرسل إليهم .والمعنى على هذا الرأى : ثم بعثنا من بعد نوح - عليه السلام - رسلا كثيرين إلى أقوامهم فجاءهم بالمعجزات الدالة على صدقهم ، إلا أن هؤلاءا لأقوام الأشقياء .
استمروا على كفرهم وعنادهم ، وامتنعوا عن الإِيمان بما كذبوا به من قبل مجئ الرسل إليهم وهو إفراد الله - تعالى بالعبادة والطاعة فكان حالهم فى الإِصرار على الكفر والجحود قبل مجئ الرسل إليهم ، كحالهم بعد أن جاءهم بالهدى ودين الحق ، حتى لكأنهم لم يأتهم من بشير ولا نذير .ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى الإِمام البيضاوي فقد قال : " قوله : ( فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ) أى : فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم في الكفر ، وخذلان الله إياهم .
.
بما كذبوا به من قبل ، أى بسبب تعودهم تكذيب الحق ، وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - " .ومنهم من يرى - أيضا - أن الضمائر تعود على أقوام الرسل الذين جاءوا من بعد نوح - عليه السلام - إلا أن المراد بقوله ( مِن قَبْلُ ) : أى : من قبل ابتداء دعوة الرسل لهؤلاء الأقوام .وعليه يكون المعنى : ثم بعثنا من نوح - عليه السلام - رسلا كثيرين إلى أقوامهم ، فجاءهم بالأدلة الواضحة الدالة على صدقهم ، إلا أن هؤلاء الأقوام قابلوا رسلهم بالتكذيب من أول يوم ، واستمروا على ذلك حتى آخر أحوالهم معهم ، فكان تكذيبهم لهم فى آخر أحوالهم معهم ، يشبه تكذيبهم لهم من قبل : أى : فى أول مجيئهم إليهم .ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى : الإِمام ابن كثير فقال قال : " قوله : ( فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ) أى : فما كاننت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم ، بسبب تكذيبهم إياهم أول من أرسلوا إليهم ، كما قال - تعالى -( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله : " كانوا ويؤمنوا " يعود على أقوام الرسل الذين جاءوا من بعد نوح - عليه السلام - وأن الضمير فى قوله " كذبوا " يعود إلى قوم نوح ، وعلى هذا الرأى يكون المعنى :ثم بعثنا من بعد نوح - عليه السلام - رسلا إلى أقوامهم ، فجاءوهم بالآيات البينات الدالة على صدقهم ، ولكن هؤلاء الأقوام استمروا فى كفرهم وعنادهم ، وأبوا أن يؤمنوا بوحدانية الله التي كذب بها قوم نوح من قبل .ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى الإِمام ابن جرير فقد قال " قوله : ( فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ) يقول : " فما كانوا ليصدقوا بما جاءتهم به رسلهم وبما كذب به قوم نوح ومن قبلهم من الأمم الخالية .
.
"وعلى أية حال فهذه الأقوال الثلاثة ، تدل على أن هؤلاء الأقوام عموا وصموا عن الحق ، واستمروا على ذلك دون أن تحولهم الآيات البينات التى جاءهم بها الرسل عن عنادهم وضلالهم .وقوله : ( كَذَلِكَ نَطْبَعُ على قُلوبِ المعتدين ) بيان لسنة الله - تعالى - فى خلقه التى لا تتخلف ولا تتبدل .
والطبع : الختم والاستيثاق بحيث لا يخرج من الشيء ما دخل فيه ، ولا يدخل فيه ما خرج منه .أى : مثل ذلك الطبع المحكم نطبع على قلوب المعتدين المتجاوزين للحدود فى الكفر والجحود ، وذلك بخذلانهم ، وتخليتهم وشأنهم ، لانهماكهم فى الغواية والضلال .
اعلم أن المراد: ثم بعثنا من بعد نوح رسلاً ولم يسمهم، وكان منهم هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب صلوات الله عليهم أجمعين بالبينات، وهي المعجزات القاهرة، فأخبر تعالى عنهم أنهم جروا على منهاج قوم نوح في التكذيب، ولم يزجرهم ما بلغهم من إهلاك الله تعالى المكذبين من قوم نوح عن ذلك، فلهذا قال: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ وليس المراد عين ما كذبوا به، لأن ذلك لم يحصل في زمانه بل المراد بمثل ما كذبوا به من البينات، لأن البينات الظاهرة على الأنبياء عليهم السلام أجمع كأنها واحدة.
ثم قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ على قُلوبِ المعتدين ﴾ واحتج أصحابنا على أن الله تعالى قد يمنع المكلف عن الإيمان بهذه الآية وتقريره ظاهر.
قال القاضي: الطبع غير مانع من الإيمان بدليل قوله تعالى: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ولو كان هذا الطبع مانعاً لما صح هذا الاستثناء.
والجواب: أن الكلام في هذه المسألة قد سبق على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ ﴾ فلا فائدة في الإعادة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ من بعد نوح ﴿ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ ﴾ يعني هوداً وصالحاً وإبراهيم ولوطاً وشعيباً ﴿ فَجَاءوهُم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ فما كان إيمانهم إلاّ ممتنعاً كالمحال لشدّة شكيمتهم في الكفر وتصميمهم عليه ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق.
فما وقع فصل بين حالتهم بعد بعثة الرسل وقبلها، كأن لم يبعث إليهم أحد ﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ ﴾ مثل ذلك الطبع المحكم نطبع ﴿ على قُلوبِ المعتدين ﴾ والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم، لأنّ الخذلان يتبعه.
ألا ترى كيف أسند إليهم الاعتداء ووصفهم به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ بَعَثْنا ﴾ أرْسَلْنا.
﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ مِن بَعْدِ نُوحٍ.
﴿ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ ﴾ كُلُّ رَسُولٍ إلى قَوْمِهِ.
﴿ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الواضِحَةِ المُثْبِتَةِ لِدَعْواهم.
﴿ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ فَما اسْتَقامَ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ وخِذْلانِ اللَّهِ إيّاهم.
﴿ بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَعَوُّدِهِمْ تَكْذِيبَ الحَقِّ وتَمَرُّنِهِمْ عَلَيْهِ قَبْلَ بَعْثِهِ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ ﴾ بِخِذْلانِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الضَّلالِ واتِّباعِ المَأْلُوفِ، وفي أمْثالِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأفْعالَ واقِعَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكَسْبِ العَبْدِ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ} من بعد نوح عليه السلام {رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ} أي هوداً وصالحا وابراهيم ولوطا وشعيبا {فجاؤوهم بالبينات} بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} فأصروا على الكفر بعد المجيء {بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} من قبل مجيئهم يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق فما وقع فصل بن حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث اليهم أحد {كذلك نطبع} مثل ذلك الطبع نختم {على قُلوبِ المعتدين} المجاوزين الحد في التكذيب
﴿ ثُمَّ بَعَثْنا ﴾ أيْ أرْسَلْنا مِن بَعْدِهِ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ رُسُلا ﴾ أيْ كِرامًا ذَوَيْ عُذْرٍ كَثِيرٍ فالتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ ﴿ إلى قَوْمِهِمْ ﴾ قِيلَ: أيْ إلى أقْوامِهِمْ عَلى مَعْنى أرْسَلَنا كُلَّ رَسُولِ اللَّهِ إلى قَوْمٍ خاصَّةً مِثْلَ هُودٍ إلى عادٍ وصالِحٍ إلى ثَمُودَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّنْ قَصَّ مِنهم ومَن لَمْ يَقُصَّ لا عَلى مَعْنى أرْسَلْنا كُلَّ رَسُولٍ مِنهم إلى أقْوامِ الكُلِّ أوْ إلى قَوْمٍ أيَّ قَوْمٍ كانُوا وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عُمُومَ الرِّسالَةِ إلى البَشَرِ لَمْ يَثْبُتْ لِأحَدٍ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وظاهِرُ كَلامِهِمُ الإجْماعُ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَثْبُتْ لِأحَدٍ مِمَّنْ أُرْسِلَ بَعْدَ نُوحٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ بُعِثَ إلى أهْلِ الأرْضِ كافَّةً أوْ إلى أهْلِ صَقْعٍ مِنها وعَلَيْهِ يُبْنى النَّظَرُ في الغَرَقِ هَلْ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ أوْ كانَ لِبَعْضِهِمْ وهم أهْلُ دَعْوَتِهِ المُكَذِّبِينَ بِهِ كَما هو ظاهِرُ كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرّاجِحُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ هو الثّانِي وكَثِيرٌ مِن أهْلِ الأرْضِ كَأهْلِ الصِّينِ وغَيْرِهِمْ يُنْكِرُونَ عُمُومَ الغَرَقِ، والأوَّلُ لا يُنافِي القَوْلَ بِاخْتِصاصِ عُمُومِ الرِّسالَةِ عَلى العُمُومِ المَشْهُورِ بَيْنَ الخُصُوصِ والعُمُومِ بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّها لِمَن بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةُ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الغَرَقَ كانَ عامًّا مَعَ خُصُوصِ البَعْثَةِ ولا مانِعَ مِن أنْ يُهْلِكَ اللَّهُ تَعالى مَن لا جِنايَةَ لَهُ مَعَ مَن لَهُ جِنايَةٌ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فِيما ذَكَرَ إذْ هو تَصَرَّفَ في خالِصِ مُلْكِهِ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ.
وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ نَوْعُ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ نَعَمْ قَدْ ثَبَتَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عُمُومُ الرِّسالَةِ انْتِهاءً حَيْثُ لَمَّ يَبْقَ عَلى وجْهِ الأرْضِ بَعْدَ الطُّوفانِ سِوى مَن كانَ مَعَهُ وهم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ إذْ ذاكَ فالفَرْقُ بَيْنَ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ورِسالَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ظاهِرٌ فَإنَّ رِسالَةَ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عامَّةٌ ابْتِداءً وانْتِهاءً ورِسالَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عامَّةٌ انْتِهاءً لا ابْتِداءً ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ والأوْلى أنْ يُعْتَبَرَ في اخْتِصاصِ عُمُومِ رِسالَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَوْنُها لِمَن بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّ عَدَمَ ثُبُوتِ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَ نُوحٍ وبَعْدَهُ مِمّا لا يُتَنازَعُ فِيهِ وهَذا كُلُّهُ إذا لَمْ يُلاحِظْ في العُمُومِ الجِنُّ وكَذا المَلائِكَةُ إذا لُوحِظَ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ فَأمْرُ الِاخْتِصاصِ أظْهَرُ وأظْهَرُ.
﴿ فَجاءُوهُمْ ﴾ أيْ فَأتى كُلُّ رَسُولِ قَوْمَهُ المَخْصُوصِينَ بِهِ ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ بِالمُعْجِزاتِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ ما يَقُولُونَ والباءُ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَما عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِالبَيِّناتِ لَكِنْ لا بِأنْ يَأْتِيَ كُلُّ رَسُولٍ بِبَيِّنَةٍ فَقَطْ بَلْ بِأنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ أوْ بِبَيِّناتٍ كَثِيرَةٍ خاصَّةٍ بِهِ مُعَيَّنَةٍ لَهُ حَسَبَ اقْتِضاءِ الحِكْمَةِ وإلى نَفْيِ إرادَةِ الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ وإرادَةِ الإتْيانِ بِبَيِّناتٍ كَثِيرَةٍ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: فَإنَّ مُراعاةَ انْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ إنَّما هي في ضَمِيرَيْ (جاءوهُمْ) كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ صَنِيعَنا أحْسَنُ مِن صَنِيعِهِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ انْفِهامَ إرْسالِ كُلِّ رَسُولٍ إلى قَوْمِهِ مِن إضافَةِ القَوْمِ إلى ضَمِيرِ ﴿ رُسُلا ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ المُقْتَضِي لِانْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ ولا شَكَّ أنَّ انْفِهامَ مَجِيءِ كُلِّ رَسُولٍ قَوْمَهُ المَخْصُوصِينَ بِهِ تابِعٌ لِذَلِكَ وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ إذا اعْتَبِرَ مُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ في (جاءوهُمْ) بِالبَيِّناتِ وقِيلَ بِانْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَسُولٍ بَيِّنَةٌ جاءَ بِها كَما أنَّ باعَ القَوْمُ دَوابَّهم لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَوْمِ دابَّةٌ واحِدَةٌ باعَها فَإنَّ مَعْناهُ باعَ كُلٌّ مِنَ القَوْمِ ما لَهُ مِنَ الدَّوابِّ وهو يَعُمُّ الدّابَّةَ الواحِدَةَ وغَيْرَها وهَذا بِخِلافِ رَكْبِ القَوْمِ دَوابَّهم فَإنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِيهِ إرادَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الدَّوابِّ لِاسْتِحالَةِ رُكُوبِ الشَّخْصِ دابَّتَيْنِ مَثَلًا وقَدْ نَصَّ العَلّامَةُ أبُو القاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ في حَواشِيهِ عَلى المُطَوَّلِ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ انْقِسامُ الآحادِ عَلى الآحادِ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن أحَدِ الجَمْعَيْنِ واحِدٌ مِنَ الجَمْعِ الآخَرِ وهو ظاهِرٌ فِيما قُلْنا والمِعْوَلُ عَلَيْهِ في كَوْنِ الآيَةِ مِن قَبِيلِ المِثالِ الأوَّلِ أمْرٌ خارِجٌ فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ جاءَ قَوْمَهُ بِبَيِّناتٍ فَوْقَ الواحِدَةِ ﴿ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ في الزَّمانِ الماضِي أيْ فَما صَحَّ ولا اسْتَقامَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أنْ يُؤْمِنُوا لِشَدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ ومَزِيدِ عِنادِهِمْ، وضَمِيرُ الجَمْعِ هُنا لِلْقَوْمِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ والباءُ فِيهِ صِلَةُ يُؤْمِنُوا و(ما) مَوْصُولَةٌ والمُرادُ بِها جَمِيعُ الشَّرائِعِ الَّتِي جاءَ بِها كُلُّ رَسُولٍ أُصُولِها وفُرُوعِها والمُرادُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِها إصْرارُهم عَلى ذَلِكَ بَعْدَ اللتيا والَّتِي وبِتَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلِ تَكْذِيبِهِمْ مِن حِينَ مَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى زَمانِ الإصْرارِ والعِنادِ وهَذا بِناءً عَلى أنَّ المَحْكِيَّ آخِرُ أحْوالِهِمْ حَسْبَما يُشِيرُ إلَيْهِ حِكايَةُ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يُجْعَلْ التَّكْذِيبُ مَقْصُودًا بِالذّاتِ كَما جُعِلَ عَدَمُ إيمانِهِمْ كَذَلِكَ إيذانًا بِأنَّهُ بَيِّنٌ في نَفْسِهِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ وإنَّما المُحْتاجُ إلَيْهِ عَدَمُ إيمانِهِمْ بَعْدَ تَواتُرِ البَيِّناتِ وتَظاهُرِ المُعْجِزاتِ الَّتِي كانَتْ تَضْطَرُّهم إلى القَبُولِ لَوْ كانُوا مِن أهْلِ العُقُولِ وإذا كانَ المَحْكِيُّ جَمِيعَ أحْوالِ أُولَئِكَ الأقْوامِ فالمُرادُ بِهَدْمِ إيمانِهِمُ المُفادِ بِالنَّفْيِ السّابِقِ كُفْرُهُمُ المُسْتَمِرُّ مِن حِينِ مَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى زَمانِ إصْرارِهِمْ وبِعَدَمِ إيمانِهِمُ المَفْهُومِ مِن جُمْلَةِ الصِّلَةِ كُفْرُهم قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويُرادُ حِينَئِذٍ مِنَ المَوْصُولِ أُصُولُ الشَّرائِعِ الَّتِي أجْمَعَتْ عَلَيْها الرُّسُلُ قاطِبَةً ودَعَوْا أُمَمَهم إلَيْها كالتَّوْحِيدِ ولَوازِمِهِ مِمّا يَسْتَحِيلُ تَبَدُّلُهُ وتَغَيُّرُهُ ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِذَلِكَ قَبْلَ مَجِيءِ رُسُلِهِمْ أنَّهم ما كانُوا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ بِحَيْثُ لَمْ يَسْمَعُوا بِذَلِكَ قَطُّ بَلْ كَأنَّ كُلَّ قَوْمٍ يَتَسامَعُونَ بِهِ مِن بَقايا مَن قَبْلَهم فَيُكَذِّبُونَهُ ثُمَّ كانَتْ حالُهم بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ كَحالِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ كَأنْ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ أحَدٌ وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالبَعْثَةِ وكانَتْ حالُهم بَعْدَ البَعْثَةِ كَحالِهِمْ قَبْلَها في كَوْنِهِمْ أهْلَ جاهِلِيَّةٍ والأوَّلُ أوْلى، وتَخْصِيصُ التَّكْذِيبِ وعَدَمُ الإيمانِ بِما ذَكَرَ مِنَ الأُصُولِ لِظُهُورِ حالِ الباقِي بِدَلالَةِ النَّصِّ فَإنَّهم حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الكافَّةُ فَلِأنْ لا يُؤْمِنُوا بِما تَفَرَّدَ بِهِ البَعْضُ أوْلى، وعَدَمُ جَعْلِ هَذا التَّكْذِيبِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ لِأنَّ ما عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ العَذابِ عِنْدَ اجْتِماعِ التَّكْذِيبِيِّنَ هو التَّكْذِيبُ الواقِعُ بَعْدَ البَعْثَةِ والدَّعْوَةِ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ وإنَّما ذَكَرَ ما وقَعَ قَبْلُ بَيانًا لِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وفَكَّكَ بَعْضُهم بَيْنَ الضَّمائِرِ فَقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ كانُوا ﴾ و(يُؤْمِنُوا) لِقَوْمِ الرُّسُلِ وضَمِيرُ ﴿ كَذَّبُوا ﴾ لِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ ما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ أيْ بِمِثْلِهِ والمُرادُ بِهِ ما بَعَثَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِإبْلاغِهِ.
وجُوِّزَ عَلى هَذا القَوْلِ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ نُوحٌ نَفْسُهُ أيْ ما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لَوْ آمَنُوا بِهِ آمَنُوا بِأنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعْلِ الباءِ سَبَبِيَّةً و(ما) مَصْدَرِيَّةً والمَعْنى كَذَّبُوا رُسُلَهم فَكانَ عِقابُهم مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلُ وأيَّدَهُ بِالآيَةِ الآتِيَةِ، وفِيهِ مُخالَفَةُ الجُمْهُورِ مِن جَعْلِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ اسْمًا كَما هو رَأْيُ الأخْفَشِ وابْنِ السَّرّاجِ لِيَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلَيْها وفي إرْجاعِهِ إلى الحَقِّ بِادِّعاءِ كَوْنِهِ مَرْكُوزًا في الأذْهانِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّعَسُّفِ وقِيلَ: (ما) مَوْصُوفَةٌ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْضًا أوْ لِلْمُلابَسَةِ أيْ بِشَيْءٍ كَذَّبُوا بِهِ وهو العِنادُ والتَّمَرُّدُ وهو كَما تَرى.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ المُحَكِّمِ ﴿ نَطْبَعُ ﴾ فالإشارَةُ عَلى حَدِّ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ ونَظائِرُهُ مِمّا مَرَّ، وجَعْلُ الإشارَةِ إلى الإغْراقِ كَما فَعَلَ الخازِنُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والطَّبْعُ يُطْلَقُ عَلى تَأْثِيرِ الشَّيْءِ بِنَقْشِ الطّابَعِ وعَلى الأثَرِ الحاصِلِ عَنِ النَّقْشِ والخَتْمُ مِثْلُهُ في ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ أيْضًا، وذَكَرَ أنَّهُ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ بِصُورَةٍ ما كَطَبْعِ السِّكَّةِ وطَبْعِ الدَّراهِمِ وأنَّهُ أعَمُّ مِنَ الخَتْمِ وأخَصُّ مِنَ النَّقْشِ والأكْثَرُونَ عَلى تَفْسِيرِهِ بِالخَتْمِ مُرادًا بِهِ المَنعُ أيْ نَخْتِمُ ﴿عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ 74﴾ أيِ المُتَجاوِزِينَ عَنِ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ في الكُفْرِ والعِنادِ ونَمْنَعُها لِذَلِكَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ وسُلُوكِ سَبِيلِ الرَّشادِ وقَدْ جاءَ الطَّبْعُ بِمَعْنى الدَّنَسِ ومِنهُ طَبْعُ السَّيْفِ لِصَدَئِهِ ودَنَسِهِ وبَعْضُهم حَمَلَ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وفَسَّرَهُ المُعْتَزِلَةُ حَيْثُ وقَعَ مَنسُوبًا إلَيْهِ تَعالى بِالخِذْلانِ تَطْبِيقًا لَهُ عَلى مَذْهَبِهِمْ ومِن هُنا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ جارٍ مَجْرى الكِنايَةِ عَنْ عِنادِهِمْ ولَجاجِهِمْ لِأنَّ مَن عانَدَ وثَبَتَ عَلى اللَّجاجِ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعالى ومَنَعَهُ التَّوْفِيقَ واللُّطْفَ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَتَراكَمَ الرَّيْنُ والطَّبْعُ عَلى قَلْبِهِ، ومُرادُهُ كَما قِيلَ أنْ ﴿ نَطْبَعُ ﴾ بِمَعْنى نَخْذُلَ عَلى سَبِيلِ الاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ لَكِنْ لَمّا كانَ الطَّبْعُ الَّذِي هو الخِذْلانُ تابِعًا لِعِنادِهِمْ ولَجاجِهِمْ لازِمًا لَهُما أُجْرِي مَجْرى الكِنايَةِ عَنْهُما وقُرِئَ (يَطْبَعُ) بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ أي: من بعد هلاك قوم نوح رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ، مثل: هود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، عليهم السلام فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالأمر والنهي.
ويقال: بالآيات والعلامات، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ قال مقاتل: يعني: ما كان كُفَّار مكة ليصدِّقوا بالعذاب أنه نازل بهم، كما لم يصدق به أوائلهم من قبل كفار مكة.
وقال الكَلْبِي: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ عند الميثاق، حين أخرجهم من صلب آدم.
وقال: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا يعني: أُولئك القوم ما بعد دعاهم الرُّسل بما كذبوا به مِن قَبْلِ أَن يأتيهم الرُّسل كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ يعني: نختم على قلوبهم المتجاوزين من الحلال وإلى الحرام.
ويقال: صار تكذيبهم طبعاً على قلوبهم، فمنعهم عن الإيمان.
قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي: من بعد الرُّسل مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا التّسع ثم قال: فَاسْتَكْبَرُوا يعني: تكبَّروا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ يعني: مشركين.
قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني: ظهر لهم الحقُّ مِنْ عِنْدِنا من عند الله تعالى قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ يعني: الَّذي أتيتنا به كذب بيّن قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وفي الآية مضمر، ومعناه: أتقولون للحق لما جاءكم إنَّه سحر؟
ثمَّ قال: أسِحْرٌ هذا؟
يعني: أيكون مثل هذا سحراً؟
فليس ذلك بسحر، ولكنَّ ذلك علامة النّبوّة، وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ في الدُّنيا والآخرة.
ويقال: لا ظفر لهم.
قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا يعني: قال فرعون وقومه لموسى أَجِئْتَنا؟
يعني: لتصرفنا، وتصدنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا يقول: عما كان يعبد آباؤنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ يعني: السُّلطان والشَّرف والمُلْكُ فِي الْأَرْضِ، يعني: في أرض مصر وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ يعني: بمصدِّقين بأنّكما رسولا ربِّ العالمين.
<div class="verse-tafsir"
وفي مصحفِ أبيٍّ: «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، وادعوا شُرَكَاءَكُمْ» قال الفارسيُّ «١» : وقد ينتصب «الشركاء» ب «واو مع» كما قالوا: جَاءَ البَرْدُ وَالطَّيَالِسَةَ «٢» .
وقوله: ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً: أيْ: ملتبساً مشكلاً ومنه قوله عليه السلام في الهلال: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُم» .
وقوله: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ: أي: أنفذوا قضاءكُمْ نَحْوِي، ولا تؤخّروني، والنّظرة: التأخير.
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥)
وقوله سبحانه: فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ: مضَى شرح هذه المعاني.
وقوله سبحانه: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ: مخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم يشاركُه في معناها جميعُ الخَلْق.
وقوله سبحانه: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ: الضمير في مِنْ بَعْدِهِ عائدٌ عَلى نوحٍ عليه السلام.
وقوله تعالى: فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ: معنى هذه الآية ضرب المثل لحاظري نبِيِّنا محمَّد عليه السلام ليعتبروا بمَنْ سلف، والبينات المعجزات، والضمائر في فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا وفي كَذَّبُوا تعود الثلاثةُ على قوم الرسل، وقيل: الضمير في كذَّبوا يعود على «قوم نوح» وقد تقدَّم تفسير نظيرها «في الأعراف» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ نُوحٍ ﴿ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إبْراهِيمَ وهُودًا وصالِحًا ولُوطًا وشُعَيْبًا.
﴿ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ: بانَ لَهم أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ.
﴿ فَما كانُوا ﴾ أيْ: أُولَئِكَ الأقْوامُ ﴿ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ قَبْلَهم.
والمُرادُ: أنَّ المُتَأخِّرِينَ مَضَوْا عَلى سَنَنِ المُتَقَدِّمِينَ في التَّكْذِيبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنَ العَذابِ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ ﴾ أيْ: كَما طَبَعْنا عَلى قُلُوبٍ أُولَئِكَ، ﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ ﴾ يَعْنِي المُتَجاوِزِينَ ما أُمِرُوا بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "مِن بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والضَمِيرُ في "قَوْمِهِمْ" عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، ومَعْنى هَذِهِ الآياتِ كُلِّها ضَرْبُ المَثَلِ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ ، أيْ: كَما حَلَّ بِهَؤُلاءِ يَحِلُّ بِكُمْ، والبَيِّناتُ: المُعْجِزاتُ والبَراهِينُ الواضِحَةُ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "كانُوا" وفي "لِيُؤْمِنُوا" عائِدٌ عَلى قَوْمِ الرُسُلِ، والضَمِيرُ في "كانُوا" عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَعُودُ الثَلاثَةُ عَلى قَوْمِ الرُسُلِ عَلى مَعْنى أنَّهم بادَرُوا رُسُلَهم بِالتَكْذِيبِ كُلَّما جاءَ رَسُولٌ، ثُمَّ لَجُّوا في الكُفْرِ وتَمادَوْا فَلَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما سَبَقَ بِهِ تَكْذِيبُهُمْ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: "مِن قَبْلُ" مَعْناهُ: مِن قَبْلِ العَذابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ عِنْدِي مَعْنًى آخَرَ وهو أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، والمَعْنى: فَكَذَّبُوا رُسُلَهم فَكانَ عِقابُهم مِنَ اللهِ أنَّ لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِتَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلُ، أيْ مِن سَبَبِهِ ومِن جَزائِهِ.
ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ ﴾ .
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عُقُوبَةُ التَكْذِيبِ الطَبْعُ عَلى القُلُوبِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَطْبَعُ" بِالنُونِ، وقَرَأ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ: "يَطْبَعُ" بِالياءِ، وقَوْلُهُ: "كَذَلِكَ" أيْ: هَذا فِعْلُنا بِهَؤُلاءِ، ثُمَّ ابْتَدَأ: ﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ ﴾ أيْ كَفِعْلِنا هَذا.
و ﴿ المُعْتَدِينَ ﴾ هُمُ الَّذِينَ تَجاوَزُوا طَوْرَهُمْ، واجْتَرَحُوا ما لا يَجُوزُ لَهم وهي هاهُنا في الكُفْرِ.
والضَمِيرُ في "بَعْدِهِمْ" عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، والضَمِيرُ في "وَمَلَئِهِ" عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ، والمَلَأُ: الجَماعَةُ مِن قَبِيلَةٍ وأهْلِ مَدِينَةٍ، ثُمَّ يُقالُ لِلْأشْرافِ والأعْيانِ مِنَ القَبِيلَةِ أوِ البَلَدِ مَلَأٌ، أيْ: هم يَقُومُونَ مَقامَ المَلَإ، وعَلى هَذا الحَدِّ هي في قَوْلِ رَسُولِ اللهِ في قُرَيْشِ بَدْرٍ: "أُولَئِكَ المَلَأُ"، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ﴾ .
وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَهي عامَّةٌ لِأنَّ بَعْثَةَ مُوسى وهارُونَ كانَتْ إلى فِرْعَوْنَ وجَمِيعِ قَوْمِهِ مِن شَرِيفٍ ومَشْرُوفٍ، وقَدْ مَضى في ﴿ المص ﴾ ، ذِكْرُهُما وما بُعِثا إلَيْهِمْ فِيهِ، والآياتُ: البَراهِينُ والمُعْجِزاتُ وما في مَعْناها، وقَوْلُهُ: ﴿ فاسْتَكْبَرُوا ﴾ أيْ: تَعَظَّمُوا وكَفَرُوا بِها، ومُجْرِمِينَ مَعْناهُ: يَرْتَكِبُونَ ما لَمْ يُبِحِ اللهُ ويَجْسُرُونَ مِن ذَلِكَ عَلى الخَطَرِ الصَعْبِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثم ﴾ للتراخي الرتبي، لأن بعثة رسل كثيرين إلى أمم تَلقوهم بمثل ما تلقَّى به نوحاً قومه أعجب من شأن قوم نوح حيث تمالأت تلك الأمم على طريقة واحدة من الكفر.
وليست (ثم) لإفادة التراخي في الزمن للاستغناء عن ذلك بقوله: ﴿ من بعده ﴾ .
وقد أُبهم الرسل في هذه الآية.
ووقع في آيات أخرى التصريح بأنهم: هود وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب.
وقد يكون هنالك رسل آخرون كما قال تعالى: ﴿ ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ [النساء: 164]، ويتعين أن يكون المقصود هنا من كانوا قبل موسى لقوله: ﴿ ثم بعثنا من بعدهم موسى ﴾ [يونس: 75].
وفي الآية إشارة إلى أن نوحاً أول الرسل.
والبينات: هي الحجج الواضحة الدلالة على الصدق.
والفاءُ للتعقيب، أي أظهروا لهم المعجزات بإثر إرسالهم.
والباء للملابسة، أي جاءوا قومهم مبلغين الرسالة ملابسين البينات.
وقد قوبل جمع الرسل بجمع (البينات) فكان صادقاً ببينات كثيرة موزعة على رسل كثيرين، فقد يكون لكل نبيء من الأنبياء آيات كثيرة، وقد يكون لبعض الأنبياء آية واحدة مثل آية صالح وهي الناقة.
والفاء في قوله: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا ﴾ للتفريع، أي فترتب على ذلك أنهم لم يؤمنوا.
وصيغ النفي بصيغة لام الجحود مبالغة في انتفاء الإيمان عنهم بأقصى أحوال الانتفاء.
حتى كأنهم لم يوجدوا لأن يؤمنوا بما كذبوا به، أي لم يتزحزحوا عنه.
ودلت صيغة الجحود على أن الرسل حاولوا إيمانهم محاولة متكررة.
ودل قوله: ﴿ بما كذبوا به من قبل ﴾ أن هنالك تكذيباً بادروا به لرسلهم، وأنهم لم يقلعوا عن تكذيبهم الذي قابلوا به الرسل، لأن التكذيب إنما يكون لخبرِ مخبر فقوله: ﴿ فجاءهم بالبينات ﴾ مؤذن بحصول التكذيب فلما كذبوهم جاؤوهم بالبينات على صدقهم فاستمروا على التكذيب فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل.
وهذا من إيجاز الحذف لجمل كثيرة.
وهذا يقتضي تكرر الدعوة وتكرر البينات وإلا لما كان لقوله: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ وقع لأن التكذيب الذي حصل أول مرة إذا لم يطرأ عليه ما من شأنه أن يقلعه كان تكذيباً واحداً منسياً.
وهذا من بلاغة معاني القرآن.
وبذلك يظهر وقع قوله عقبه ﴿ كذلك نطبع على قلوب المعتدين ﴾ فان الطبع مؤذن بأن قلوبهم قد ورد عليها ما لو خلت عند وروده عن الطبع عليها لكان شأنه أن يصل بهم إلى الإيمان، ولكن الطبع على قلوبهم حال دون تأثير البينات في قلوبهم.
وقد جُعل الطبع الذي وقع على قلوب هؤلاء مثلاً لكيفيات الطبع على قلوب المعتدين فقوله: ﴿ كذلك نطبع على قلوب المعتدين ﴾ ، أي مثل هذا الطبع العجيب نطبع على قلوب المعتدين فتأملوه واعتبروا به.
والطبع: الختم.
وهو استعارة لعدم دخول الإيمان قلوبهم.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ في سورة البقرة (7.
(والاعتداء: افتعال من عدا عليه، إذا ظلمه، فالمعتدين مرادف الظالمين، والمراد به المشركون لأن الشرك اعتداء، فإنهم كذبوا الرسل فاعتدوا على الصادقين بلمزهم بالكذب وقد جاء في نظير هذه الآية من سورة [الأعراف: 101] ﴿ كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ﴾ فهذا التَّحالف للتفنّن في حكاية هذه العبرة في الموضعين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِتَلْوِينا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لِتَصُدَّنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: لِتَصْرِفَنا، مِن قَوْلِهِمْ لَفَتَهُ لَفْتًا إذا صَرَفَهُ ومِنهُ لَفَتَ عُنُقَهُ أيْ لَواها، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
﴿ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُلْكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: العَظَمَةُ، حَكاهُ الأعْمَشُ.
الثّالِثُ: العُلُوُّ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
الرّابِعُ: الطّاعَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن الأعرج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ يقول: فاحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ أي فلتجمعوا أمرهم معكم.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال: لا يكبر عليكم أمركم، ثم اقضوا ما أنتم قاضون.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم اقضوا إليَّ ﴾ قال: انهضوا إليَّ ﴿ ولا تنظرون ﴾ يقول: ولا تؤخرون.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ثم اقضوا إليَّ ﴾ قال: ما في أنفسكم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد نوح، ﴿ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: إبراهيم وهودًا وصالحًا ولوطًا (١) (٢) ﴿ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ يريد بان لهم أنهم رسل الله، ﴿ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ أي: أولئك الأقوام الذين بُعث إليهم الرسل، ﴿ بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ﴾ يعني قوم نوح، أي: لم يصدقوا بما كذب به قوم نوح [هذا معنى قول ابن عباس (٣) (٤) ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: أن الله طبع على قلوبهم فأعماها (٥) (٦) (٧) وقال بعضهم: يحتمل نظم الآية أن يقال فيه: إن الأمم كذبوا رسلهم قبل أن جاءوهم بالمعجزات فجاءوهم بالمعجزات، ﴿ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ﴾ (٨) (٩) (١٠) (١١) (١) ساقط من (ى).
(٢) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 49، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 555.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" ص 217.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٥) في (م): (وأعماها)، والمثبت موافق لما في "الوسيط".
(٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 555.
(٧) في (ى): (طبع الله).
(٨) روي نحو هذا القول عن الكلبي كما في "بحر العلوم" 2/ 106، واعتمده ابن كثير 2/ 467، وانظر: "الدر المصون" 6/ 245.
(٩) في (ى): (إذا طبع).
(١٠) ما في (ي): (ممن طبع على قلبه).
(١١) يشير المؤلف إلى المعتزلة القائلين بأن الله لا يطبع على قلوب الكافرين طبعًا يمنعهم من الإيمان، بل المراد بذلك عندهم سواد في القلب ليكون سمة لهم == تعرفهم الملائكة بها، وقال بعضهم: الطبع هو شهادة الله بأنهم لا يؤمنون، وقال آخرون: هو تسمية الرب تعالى الكفرة بالكفر والضلال.
انظر: "مقالات الإسلاميين" 1/ 323، "الإرشاد إلى قواطع الأدلة" ص 192.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً ﴾ يعني: هوداً وصالحاً وإبراهيم وغيرهم ﴿ أَسِحْرٌ هذا ﴾ قيل إنه معمول أتقولون، فهو من كلام قوم فرعون وهذا ضعيف، لأنهم كانوا يصممون على أنه سحر لقولهم: ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ فكيف يستفهمون عنه.
وقيل: إنه كلام موسى تقريراً وتوبيخاً فيوقف على قوله: ﴿ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ﴾ ، ويكون معمول أتقولون محذوف تقديره: أتقولون للحق لما جاءكم إنه لسحر، ويدل على هذا المحذوف ما حكى عنهم من قولهم: إن هذا لسحر مبين، فلما تم الكلام ابتدأ موسى توبيخهم بقوله: أسحر هذا ولا يفلح الساحرون؟
وهذا هو اختيار شيخنا الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير رحمه الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع: يعقوب ﴿ إن أجري ﴾ بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ﴿ ويكون لكما ﴾ بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد.
الباقون بتاء التأنيث ﴿ آلسحر ﴾ بالمد: يزيد وأبو عمرو ﴿ أن تبويا ﴾ بالياء: الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.
الآخرون بالهمز.
﴿ ليضلوا ﴾ بضم الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ولا تتبعان ﴾ بتخفيف النون: ابن عامر غير الحلواني عن هشام.
﴿ تتبعان ﴾ خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثينة.
الباقون والحلواني عن هشام ﴿ تتبعان ﴾ بتشديدها في الحالين ﴿ منت أنه ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف بدلاً من ﴿ آمنت ﴾ : حمزة وعلي وخلف.
الآخرون بالفتح.
﴿ ننجيك ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة.
والآخرون بالتشديد.
الوقوف: ﴿ نبأ نوح ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف لقوله: ﴿ اتل ﴾ بل التقدير: واذكر إذ قال.
﴿ ولا تنظرون ﴾ ه ﴿ من أجر ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ج لأن التقدير وقد أمرت ﴿ من المسلمين ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لما جاءكم ﴾ ط بناء على أن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: ﴿ أسحر ﴾ يستحق الابتداء وسيجيء له مزيد بيان ﴿ هذا ﴾ ط للفصل بين الأخبار والاستخبار ﴿ الساحرون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ ما جئتم به ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ مستفهماً ﴿ السحر ﴾ ط ﴿ سيبطله ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ أن يفتنهم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لاتصال الكلام ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج للعدول مع اتحاد القائل ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للعطف.
﴿ الكافرين ﴾ ه ج ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ ط لأن قوله ﴿ وبشر ﴾ خطاب لمحمد وإن أريد به موسى فلا بد من العدول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لتعلق قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ بقوله: ﴿ آتيت ﴾ و ﴿ وربنا ﴾ تكرار للأول لأجل التضرع.
﴿ عن سبيلك ﴾ ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعدواً ﴾ ط ﴿ الغرق ﴾ لا لأن قال جواب "إذا" ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ لغافلون ﴾ ه.
التفسير: لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك من الفوائد التي سبق ذكرها في "الأعراف".
ومعنى كبر ثقل وشق كقوله: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان فلان أي لأجله، وكقوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ أي ربه ومثله قولهم: فلان ثقيل الظل.
ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم مدداً طوالاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا تكرر الدعاء كان ذلك موجباً للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة.
ومنها أن يكون المقام بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.
وجواب الشرط إما قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديماً وحديثاً وإما قوله: ﴿ فأجمعوا ﴾ وقوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد.
ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة للاختلاف طلباً وخبراً، ومعنى ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء.
وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً.
فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بـ "على" فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم.
وانتصب ﴿ شركاءكم ﴾ على المفعول معه أي مع شركائكم.
ومن قرأ بالرفع جعله عطفاً على الضمير المتصل، وإنما يحسن ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل.
والمراد بالشركاء إما من هم على مثل قولهم ودينهم، وإما الأصنام.
وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم كقوله: ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ واعلم أنه قال في أول الأمر ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ كأنه قال: حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى مطلوبكم غير مقتصرين على ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم.
ثم ضم إلى ذلك قيداً آخر فقال: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس.
وقال الليث: لقي غمة من أمره إذا لم يهتد له.
وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهراً منكشفاً أي تجاهرونني بالإهلاك.
ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غماً وهماً والغم والغمة كالكرب والكربة.
ثم زاد قيداً آخر فقال: ﴿ ثم اقضوا إليّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إليّ قطعه واحكموا بصحته وإمضائه.
وعن القفال أن فيه تضميناً والمعنى ألقوا إليّ ما استقر عليه رأيكم محكماً مفروغاً منه.
ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولا تنظرون ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في التوكل الغاية القصوى.
ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع الدنيوي والغرض الخسيس فقال: ﴿ فإن توليتم ﴾ أعرضتم عن نصحي وتذكيري ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل ﴿ إن أجري ﴾ ليس أجري ﴿ إلا على الله ﴾ أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو.
وفي الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ إلى آخره.
ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.
﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ألقى من قبل هذه الدعوة.
﴿ فكذبوه ﴾ بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة.
﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ قد ذكرنا في "الأعراف" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك ﴿ وجعلناهم خلائف ﴾ يخلفون الهالكين بالطوفان ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي ﴿ ثم بعثنا من بعده ﴾ من بعد نوح ﴿ رسلاً ﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿ فجاؤوهم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا أنه زيد ههنا لفظة "به" فقيل: لتناسب ما قبله وهو ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ وكذلك في "الأعراف" راعى المناسبة لأن ما قبله ﴿ ولكن كذبوا ﴾ بغير الباء ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ بعد الرسل أو الأمم ﴿ بآياتنا ﴾ يعني الآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ كفاراً ذوي آثام ولذلك اجترأوا على رد الآيات.
أما قوله: ﴿ أسحر هذا ﴾ فليس بمقول لقوله: ﴿ أتقولون ﴾ لأنهم قطعوا في قوله: ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن القول ههنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله: ﴿ سمعنا فتى يذكرهم ﴾ ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟
ثم أنكر عليهم قولهم فقال: ﴿ أسحر هذا ﴾ أو يقال: مفعول تقولون محذوف وهو قولهم ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ أو يقال: جملة قوله ﴿ أسحر هذا ﴾ ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل وتمويه ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا ﴾ التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل والالتفات "افتعال" من اللفت وهو الصرف واللي ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ أي الملك والعز في أرض مصر.
قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا.
وأيضاً فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم.
وقيل: لأن الملوك موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء الرياسة.
ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا.
ثم صرحوا بالتكذيب قائلين ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ ثم حاولوا المعارضة وقد مرت تلك القصة في "الأعراف".
أما قوله: ﴿ ما جئتم به ﴾ فمعناه الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله.
قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت به سحر.
فقال موسى: بل ما جئتم به السحر.
فوجب دخول الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة.
يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً.
فيقول له: من الرجل؟
ولو قال: من رجل؟
لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره.
ومن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ و ﴿ جئتم به ﴾ خبره كأنه قيل أي شيء جئتم به.
ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به ﴿ إن الله سيبطله ﴾ بإظهار المعجزة عليه ﴿ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ﴾ لا يؤيده بجميل الخاتمة ﴿ ويحق الله الحق ﴾ يثبته ﴿ بكلماته ﴾ بمواعيده أو بما سبق من قضائه أو بأوامره ﴿ فما آمن لموسى ﴾ أي في أول أمره ﴿ إلا ذريّة من قومه ﴾ قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب أن المراد ههنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد.
وقيل: المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.
وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.
وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في ﴿ قومه ﴾ على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل والضمير في ﴿ ملئهم ﴾ إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ذلك قوله: ﴿ أن يفتنهم ﴾ أي يعذبهم فرعون.
ثم أكد أسباب الخوف بقوله: ﴿ وإن فرعون لعال ﴾ لغالب ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ وإنه لمن المسرفين ﴾ في القتل والتعذيب أو لمن المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا ﴿ وقال موسى ﴾ تثبيتاً لقومه ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ صدقتم به وبآياته ﴿ فعليه توكلوا ﴾ خصوه بتفويض أموركم إليه ﴿ إن كنتم مسلمين ﴾ قال لعلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة.
والمراد إن كانت بك قوة فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده.
﴿ فقالوا ﴾ مؤتمرين لموسى ﴿ على الله توكلنا ﴾ ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة ﴾ أي موضع فتنة لهم.
والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في أنا لسنا على الحق.
ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: ﴿ ونجنا ﴾ الآية.
وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق.
﴿ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً ﴾ تبوّأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعاً مثل توطنه إذا اتخذه وطناً.
واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ﴾ فالمراد من قوله: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴾ أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس: وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء: وإنما وقع العدول عنه بأمر الله في أيام نبينا بعد الهجرة.
ومنهم من قال: إنها مطلق البيوت.
ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم.
وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلامبمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض.
وقيل: على التفسير الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم.
وإنما ثنى الخطاب أوّلاً ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون بذلك، ثم جعل الخطاب عاماً لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة واجب على الجمهور.
ثم خص موسى بالتبشير في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لنبينا على طريقة الالتفات والاعتراض.
ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجداً وطهوراً دون سائر الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه ألبتة للعبادة والله أعلم بمراده.
ثم إن موسى لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب الدعاء عليه فلهذا ﴿ قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق.
عن ابن عباس كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة.
قالت الأشاعرة: اللام في قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ لام التعليل كأن موسى قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على أنه تسبب لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه.
ثم شرع في الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم.
والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة النساء في قوله : ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ وبالشد على قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم.
وقالت المعتزلة: قوله ﴿ ليضلوا ﴾ دعاء بلفظ الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال وبالطمس وبالشد.
كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره قائلاً ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه.
سلمنا أن قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: "لدوا للموت".
سلمنا أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سبباً في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا.
ولم لا يجوز أن يكون "لا" مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله: ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدراً في آتيت على سبيل التعجب.
أما قوله : ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جواباً لقوله ﴿ واشدد ﴾ ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفاً على ﴿ اشدد ﴾ .
﴿ قال قد أجيبت دعوتكما ﴾ أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته ﴿ فاستقيما ﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا.
قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة يدعوهم إلى الله ﴿ ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ أن الاستعجال لا يفيد في إجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين.
﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ قد مرت تلك القصة في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر ﴾ الآية، ومعنى قوله: ﴿ فأتبعهم ﴾ لحقهم.
يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد وفي الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاثة مرات إحداها قوله: ﴿ آمنت ﴾ وثانيتها ﴿ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وثالثتها ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ فلم تقبل توبته.
والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ينافي التكليف.
الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية الحاضرة والمحنة الناجزة.
الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنياً على محض التقليد والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية.
الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سبباً لزيادة الكفر.
الخامس أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما آمن إلا بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول.
السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لاإله إلا الله لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة.
السابع يروى أن جبريل أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟
فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه خطه فعرفه.
أما قوله ﴿ آلآن ﴾ فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل.
وقيل: إنه قول الله والتقدير: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك.
وقوله: ﴿ وكنت من المفسدين ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: ﴿ آمنت ﴾ لئلا يتوب غضباَ عليه، والأقرب عند العلماء أن هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على كل طاعة لقوله : ﴿ وتعاونوا ﴾ ولو منعه لكانت التوبة ممكنة لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر.
وكيف يليق به أن يقول لموسى وهارون ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ ثم يأمر جبريل بمنعه عن الإيمان.
ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافياً لقوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضباً لله على الكافر.
قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ فيه أقوال منها: أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق.
وقوله: ﴿ ببدنك ﴾ في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن.
قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً وفيه نوع تهكم كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت.
وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.
وقيل: ببدنك أي بدرعك.
قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين.
عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى .
وأما قوله: ﴿ لتكون لمن خلفك آية ﴾ فقيل: إن قوماً اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه.
وزالت الشبهة عن قلوبهم وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: ﴿ لمن خلفك ﴾ وقيل: إنه أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ ليكون ذلك زجراً للعابرين عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه.
وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال ﴿ وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ .
التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح ﴾ الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها ﴿ يا قوم إن كان ﴾ عظم ﴿ عليكم مقامي ﴾ في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله.
و ﴿ جعلناهم خلائف ﴾ خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في "الأعراف".
وهكذا في قصة موسى ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي.
﴿ ويحق الله الحق ﴾ أي الذكر ﴿ بكلماته ﴾ وهي لا إله إلا الله ﴿ ولو كره ﴾ أهل الهوى والنفوس الأمارة ﴿ فما آمن لموسى ﴾ القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية ﴿ على خوف من فرعون ﴾ النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها.
﴿ وأوحينا إلى موسى ﴾ القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي.
واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق.
﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ بمحقها وتحقيرها في نظرهم ﴿ واشدد ﴾ طريق النظر إلى الدنيا وما فيها ﴿ على قلوبهم ﴾ واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها.
﴿ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره ﴿ وجاوزنا ببنى إسرائيل ﴾ هم القلب والسر وصفاتها.
والبحر بحر الروحانية الملكوتية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهراً وقسراً، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: ﴿ آمنت ﴾ ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: ﴿ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ ﴿ ننجيك ببدنك ﴾ أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلاً على كمال قدرتنا وعنايتنا.
وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾ أي: خبره وحديثه، ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعضهم: إن كان كبر عليكم طول مقامي ومكثي فيكم ودعائي إياكم إلى عبادة الله، والطاعة له، وتذكيري إياكم بآياته.
قال بعضهم: وتذكيري بعذابه بترككم إجابتي ودعائي.
ويحتمل قوله: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي ﴾ بما ادعى من الرسالة، ﴿ وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي بحجج الله على ما ادعيت من الرسالة.
وفي قوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾ وجوه: أحدها: اتل منابذة نوح قومه وما أرادوا به من الكيد والمكر به.
والثاني: اذكر عواقب قوم نوح، وما حل بهم من سوء معاملتهم رسولهم.
والثالث: اذكر لهولاء عواقب متبعي قومه ومخالفيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ﴾ قال بعضهم: أي اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ثم كيدوني ، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، أي: اجعلوا ما تسرون من الكيد والمكر بي ظاهراً غير ملتبس ولا مشبه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ ﴾ أي: أعدوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ وكذلك روي في حرف أبي: (فاجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم).
﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي: اقضوا ما أنتم قاضون.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ أي: لا يكبر عليكم أمركم.
وقال الكسائي: هو من التغطية واللبس، أي: لا تغطوه ولا تلبسوه، اجعلوا كلمتكم ظاهرة واحدة.
وعن ابن عباس - - قال: "لا يكن أمركم اغتماما عليكم"، أي: فرجوا عن أنفسكم؛ كقوله: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [الحج: 15].
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي: اعملوا بي ما تريدون ولا تنظرون؛ وهو كقوله: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ﴾ .
وقال الكسائي: هو من الإنهاء والإبلاغ؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ...
﴾ الآية [الإسراء: 4] ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ ﴾ ، أي: أنهينا إليه وأبلغنا إليه.
وقال أبو عوسجة: إن شئت جعلتها ظلمة فلا يبصرون أمرهم يعني غمّة، وإن شئت جعلتها شكا واشتقاق الغمة، من غم يغم غما أي غطى يغطي، تقول: غممت رأسه أي غطيته، ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ ﴾ أي: افعلوا بي ما أردتم وفي قول نوح لقومه: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ ، وقول هود: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ ، وقول رسول الله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ دلالة إثبات رسالتهم؛ لأنهم قالوا ذلك لقومهم وهم بين أظهرهم، ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك اعتماداً على الله واتكالا بمعونته ونصرته إياهم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ ﴾ أي: فافرغوا إلى يقال [قضى] فرغ؛ وهو قول أبي بكر الأصم.
وقال بعضهم: ثم اقضوا إلي أن امضوا إلي كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ ﴾ و ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ﴾ : التولي اسم لأمرين: اسم للإعراض والإدبار؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، واسم للإقبال والقبول أيضاً؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية [المائدة: 56] ونحوه، فهاهنا يحتمل الأمرين جميعاً، أي: فإن توليتم أي أقبلتم وقبلتم ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه، ﴿ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ﴾ أي: ما أجري إلا على الله.
وإن كان في الإعراض فكأنه يقول: كيف أعرضتم عن قبوله، ولم أسألكم على ذلك أجراً فيكون لكم عذر في الإعراض والرد؟!
كقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً ﴾ الآية [الطور: 40]، أي: لم أسألكم على ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه غرما حتى يثقل عليكم ذلك الغرم، فيمنعكم ثقل الغرم عن الإجابة، ففي هذه الآية وغيرها دلالة منع أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم؛ لأنه لو جاز أخذ الأجر على ذلك لكان لهم عذر ألا يبذلوا ذلك ولا يتعلموا شيئاً من ذلك، وفي ذلك هدم شرائع الله وإسقاطها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ أي: مسلماً نفسي إلى الله، أي: سالماً، لا أجعل لأحد سواه فيها حقا ولا حظا، أو أمرت أن أكون من المخلصين [لله] والخاضعين له؛ هو يحتمل ذلك كله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ يعني: نوحاً كذبه قومه فيما ادعى من الرسالة، أو ما آتاهم من الآيات، أو ما أوعدهم من العذاب بتكذيبهم إياه.
﴿ فَنَجَّيْنَاهُ ﴾ يعني نوحاً، ﴿ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ﴾ أي: من ركب معه الفلك من المؤمنين.
﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ ﴾ يحتمل خلائف خلفاء في الأرض وسكاناً يخلف بعضهم بعضا، ويحتمل جعلناهم خلائف أي خلف قوم أهلكوا واستؤصلوا بالتكذيب.
﴿ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ : يحتمل الآيات الحجج والبراهين التي أقامها على ما ادعى من الرسالة.
ويحتمل قوله: ﴿ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ العذاب الذي أوعدهم بتكذيبهم إياه فيما وعد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ ﴾ : كان أنذر الفريقين جميعاً المؤمن والكافر جميعاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ فإذا كان ما ذكرنا فيكون تأويله: فانظر كيف كان عاقبة من أجاب ومن لم يجب: عاقبة من أجاب الثواب، وعاقبة من لم يجب العذاب.
ويحتمل المنذرين الذين لم يقبلوا الإنذار ولم يجيبوا، أي: انظر كيف كان عاقبتهم بالهلاك والاستئصال، ويكون تأويل قوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ أي: إنما يقبل الإنذار من اتبع الذكر، أو إنما ينتفع بالإنذار من اتبع الذكر، أو أما من لم يتبع الذكر لم ينتفع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً ﴾ أي: من بعد نوح رسلا إلى قومهم، أي: بعثنا إلى كل قوم رسولا، لا أنه بعث الرسل جملة إلى قومهم، ولكن واحداً على أثر واحد.
﴿ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ﴾ : يحتمل البينات الحجج والبراهين التي أقاموها على ما ادعوا من الرسالة والنبوة.
ويحتمل البينات بيان ما عليهم أن يأتوا ويتقوا.
ويحتمل البينات بما أخبروهم وأنبئوا قومهم بالعذاب أنه نازل بهم في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ قال بعضهم: ما كان كفار مكة ليؤمنوا وليصدقوا بالآيات والبيانات كما لم يصدق به أوائلهم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: قبل بعث الرسل، ففيه دلالة أن أهل الفترة يؤاخذون بالتكذيب في حال الفترة.
ويحتمل قوله: ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل إتيان البينات، أي: ما كانوا ليؤمنوا بعدما جاءوا بالبينات بما كذبوا به من قبل مجيء البينات.
﴿ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ أي: هكذا نطبع على قلوب أهل مكة كما طبعنا على قلوب أوائلهم؛ إذ علم أنهم لا يقبلون الآيات ولا يؤمنون بها، والاعتداء هو الظلم مع العناد والمجاوزة عن الحد الذي جعل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ هو يخرج على وجهين؛ أحدهما: ما كانوا ليؤمنوا بالبينات إذا جاءتهم البينات على السؤال، وهكذا عادتهم أنهم لا يؤمنون بالآيات إذا أتتهم على السؤال.
والثاني: ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا على علم منهم أنها آيات وأنه رسول؛ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ثم بعد مدة من الزمن بعثنا من بعد نوح رسلًا إلى أقوامهم، فجاء الرسل أممهم بالآيات والبراهين، فما كانت لهم إرادة أن يؤمنوا بسبب إصرارهم السابق على تكذيب الرسل، فختم الله على قلوبهم.
مثل هذا الختم الَّذي ختمنا به على قلوب أتباع الرسل الماضين نختم به على قلوب الكافرين المتجاوزين لحدود الله بالكفر في كل زمان ومكان.
<div class="verse-tafsir" id="91.kN18g"