الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٨٨ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 104 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٨٨ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
هذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى ، عليه السلام ، على فرعون وملئه ، لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين ، ظلما وعلوا وتكبرا وعتوا ، قال : ( ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة ) أي : من أثاث الدنيا ومتاعها ، ( وأموالا ) أي : جزيلة كثيرة ، ( في ) هذه ( الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ) - بفتح الياء - أي : أعطيتهم ذلك وأنت تعلم أنهم لا يؤمنون بما أرسلتني به إليهم استدراجا منك لهم ، كما قال تعالى : ( لنفتنهم فيه ) وقرأ آخرون : ( ليضلوا ) بضم الياء ، أي : ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك ، ليظن من أغويته أنك إنما أعطيت هؤلاء هذا لحبك إياهم واعتنائك بهم .
( ربنا اطمس على أموالهم ) قال ابن عباس ، ومجاهد : أي : أهلكها .
وقال الضحاك ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس : جعلها الله حجارة منقوشة كهيئة ما كانت .
وقال قتادة : بلغنا أن زروعهم تحولت حجارة .
وقال محمد بن كعب القرظي : اجعل سكرهم حجارة .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث ، حدثنا يحيى بن أبي بكير ، عن أبي معشر ، حدثني محمد بن قيس : أن محمد بن كعب قرأ سورة يونس على عمر بن عبد العزيز : ( وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه ) إلى قوله : ( اطمس على أموالهم ) إلى آخرها [ فقال له : عمر يا أبا حمزة أي شيء الطمس ؟
قال : عادت أموالهم كلها حجارة ] فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له : ائتني بكيس .
[ فجاءه بكيس ] فإذا فيه حمص وبيض ، قد قطع حول حجارة .
وقوله : ( واشدد على قلوبهم ) قال ابن عباس : أي اطبع عليها ، ( فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) وهذه الدعوة كانت من موسى ، عليه السلام ، غضبا لله ولدينه على فرعون وملئه ، الذين تبين له أنه لا خير فيهم ، ولا يجيء منهم شيء كما دعا نوح ، عليه السلام ، فقال : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) [ نوح : 26 ، 27 ] ؛ ولهذا استجاب الله تعالى لموسى ، عليه السلام ، فيهم هذه الدعوة ، التي أمن عليها أخوه هارون ، فقال تعالى : ( قد أجيبت دعوتكما ) قال أبو العالية ، وأبو صالح ، وعكرمة ، ومحمد بن كعب القرظي ، والربيع بن أنس : دعا موسى وأمن هارون ، أي : قد أجبناكما فيما سألتما من تدمير آل فرعون .
وقد يحتج بهذه الآية من يقول : " إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل منزلة قراءتها ؛ لأن موسى دعا وهارون أمن " .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال موسى يا ربَّنا إنك أعطيت فرعون وكبراء قومه وأشرافهم (32) ، وهم " الملأ " ، " زينة " ، من متاع الدنيا وأثاثها (33) ، (وأموالا) من أعيان الذهب والفضة ، (في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك )، يقول موسى لربه: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من ذلك ليضلُّوا عن سبيلك.
* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه بعضهم: ( لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ )، بمعنى: ليضلوا الناسَ، عن سبيلك ، ويصدّوهم عن دينك.
* * * وقرأ ذلك آخرون: (لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) ، بمعنى: ليضلوا هم عن سبيلك، فيجورُوا عن طريق الهدى.
(34) * * * فإن قال قائل: أفكان الله جل ثناؤه ، أعطَى فرعون وقومه ، ما أعطاهم من زينة الدنيا وأموالها ، ليضلوا الناس عن دينه ، أو ليضلُّوا هم عنه ، ؟
فإن كان لذلك أعطاهم ذلك، فقد كان منهم ما أعطاهم لذلك، (35) فلا عتب عليهم في ذلك؟
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت.
(36) وقد اختلف أهل العلم بالعربية في معنى هذه " اللام " التي في قوله: (ليضلوا).
فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ربنا فَضَلوا عن سبيلك، كما قال: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ، [سورة القصص: 8] ، أي فكان لهم ، وهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوًا وحزنًا، وإنما التقطوه فكان لهم.
قال: فهذه " اللام " تجيء في هذا المعنى.
(37) * * * وقال بعض نحويي الكوفة: هذه " اللام "، " لام كي" (38) ، ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم ، كي يضلوا ، ثم دعا عليهم.
* * * وقال آخر: هذه اللامات في قوله : (ليضلوا) و لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا ، وما أشبهها بتأويل الخفض: آتيتهم ما أتيتهم لضَلالهم ، والتقطوه لكونه ، لأنه قد آلت الحالة إلى ذلك.
والعرب تجعل " لام كي" ، في معنى " لام الخفض "، و " لام الخفض " في معنى " لام كي" ، لتقارب المعنى، قال الله تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ (39) [سورة التوبة: 95] أي لإعراضكم، ولم يحلفوا لإعراضهم، وقال الشاعر: (40) سَــمَوْتَ وَلَـمْ تَكُـنْ أَهْـلا لِتَسْـمُو وَلَكِــنَّ المُضَيِّــعَ قَــدْ يُصَــابُ قال: وإنما يقال: " وما كنت أهلا للفعل "، ولا يقال " لتفعل " إلا قليلا.
قال: وهذا منه.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنها " لام كي" ، ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأموال لتفتنهم فيه، ويضلوا عن سبيلك عبادَك، عقوبة منك.
وهذا كما قال جل ثناؤه: لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ، [سورة الجن: 16-17].
* * * وقوله: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم)، هذا دعاء من موسى، دعا الله على فرعون وملئه أن يغير أموالهم عن هيئتها، ويبدلها إلى غير الحال التي هي بها، وذلك نحو قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ، [سورة النساء: 47].
يعني به: من قبل أن نغيرها عن هيئتها التي هي بها.
* * * ، يقال منه: " طَمَسْت عينَه أَطْمِسْها وأطمُسُها طَمْسًا وطُمُوسا " .
وقد تستعمل العرب " الطمس " في العفوّ والدثور ، وفي الاندقاق والدروس، (41) كما قال كعب بن زهير: مِـنْ كُـلِّ نَضَّاحَـةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ عُرْضَتُهَـا طَـامِسُ الأَعْـلامِ مَجْهُول (42) * * * وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك في هذا الموضع.
فقال جماعة منهم فيه مثل قولنا.
*ذكر من قال ذلك: 17820- حدثني زكريا بن يحيى بن زائدة قال ، حدثنا حجاج قال ، حدثني ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: بلغنا عن القرظي في قوله: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: اجعل سُكّرهم حجارة.
(43) 17821- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن محمد بن كعب القرظي قال: اجعل سكرهم حجارة.
17822- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: (اطمس على أموالهم) قال: اجعلها حجارة.
17823- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال ، حدثنا أبو جعفر عن الربيع بن أنس في قوله: (اطمس على أموالهم) ، قال: صارت حجارة.
17824- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: بلغنا أن زروعهم تحوَّلت حجارة.
17825- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (ربنا اطمس على أموالهم)، قال: بلغنا أن حَرْثًا لهم صارت حجارة.
(44) 17826- حدثني المثنى قال ، حدثنا قبيصة بن عقبة قال ، حدثنا سفيان: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: يقولون: صارت حجارة.
17827- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق.
قال: حدثنا يحيى الحماني قال: أخبرنا ابن المبارك، عن إسماعيل عن أبي صالح في قوله: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: صارت حجارة.
17828- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: بلغنا أن حروثًا لهم صارت حجارة.
17829- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان، قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: جعلها الله حجارةً منقوشة على هيئة ما كانت.
17830- حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (ربنا اطمس على أموالهم)، قال: قد فعل ذلك، وقد أصابهم ذلك، طمَس على أموالهم، فصارت حجارةً، ذهبهم ودراهمهم وعَدَسهم ، وكلُّ شيء.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: أهلكها.
*ذكر من قال ذلك: 17831- حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال ، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: أهلكها.
17832- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17833- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، مثله.
17834- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (ربنا اطمس على أموالهم) ، يقول: دمِّر عليهم وأهلك أموالهم.
* * * وأما قوله: (واشدد على قلوبهم) ، فإنه يعني: واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح بالإيمان، كما:- 17835- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: وقال موسى قبل أن يأتي فرعون: " ربنَا اشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم "، فاستجاب الله له، وحال بين فرعون وبين الإيمان حتى أدركه الغرق، فلم ينفعه الإيمان.
17836- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (واشدد على قلوبهم) ، يقول: واطبع على قلوبهم ، (حتى يروا العذاب الأليم) ، وهو الغرق.
17837- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (واشدد على قلوبهم)، بالضلالة.
17838-.
.
.
.
قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (واشدد على قلوبهم) ، قال: بالضلالة.
17839- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
17840- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (واشدد على قلوبهم)، يقول: أهلكهم كفارًا.
* * * وأما قوله: (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) ، فإن معناه: فلا يصدقوا بتوحيد الله ويقرُّوا بوحدانيته ، حتى يروا العذاب الموجع، (45) كما:- 17841- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فلا يؤمنوا) ، بالله فيما يرون من الآيات ، (حتى يروا العذابَ الأليم).
17842- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17843-.
..
.
قال ، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
17844- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
17845- حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق، قال: سمعت المنقري يقول: (فلا يؤمنوا) ، يقول: دعا عليهم.
(46) * * * واختلف أهل العربية في موضع: (يؤمنوا).
فقال بعض نحويي البصرة: هو نصبٌ، لأن جواب الأمر بالفاء ، أو يكون دُعاء عليهم إذ عصوا .
وقد حكي عن قائل هذا القول أنه كان يقول: هو نصبٌ ، عطفًا على قوله: (ليضلوا عن سبيلك) .
* * * وقال آخر منهم، (47) وهو قول نحويي الكوفة: موضعه جزمٌ ، على الدعاء من موسى عليهم، بمعنى: فلا آمنوا، كما قال الشاعر: (48) فَـلا يَنْبَسِـطْ مِنْ بَيْن عَيْنَيْكَ مَا انزوَى وَلا تَلْقَنِـــي إِلا وَأَنْفُــكَ رَاغِــمُ (49) بمعنى: " فلا انبسط من بين عينيك ما انـزوى " ، " ولا لقيتني" ، على الدعاء.
* * * وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هو دعاء، كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا.
قال: وإن شئت جعلتها جوابًا لمسألته إياه، لأن المسألة خرجت على لفظ الأمر، فتجعل : (فلا يؤمنوا)، في موضع نصب على الجواب، وليس يسهل.
قال: ويكون كقول الشاعر: (50) يَــا نَــاقُ سِـيرِي عَنَقًـا فَسِـيحَا إِلَـــى سُـــلَيْمَانَ فَنَسْـــتَريحَا (51) قال: وليس الجواب يسهلُ في الدعاء ، لأنه ليس بشرط.
(52) * * * قال أبو جعفر:والصواب من القول في ذلك ، أنه في موضع جزم على الدعاء، بمعنى: فلا آمنوا ، وإنما اخترت ذلك لأن ما قبله دعاءٌ، وذلك قوله: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم)، فإلحاق قوله: (فلا يؤمنوا)، إذ كان في سياق ذلك بمعناه أشبهُ وأولى.
* * * وأما قوله: (حتى يروا العذاب الأليم)، فإنّ ابن عباس كان يقول: معناه: حتى يروا الغرق ، وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك من بعض وجوهها فيما مضى.
(53) 17846- حدثني القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال ابن عباس: (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) ، قال: الغرق.
------------------------ الهوامش: (32) انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص : 166 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(33) انظر تفسير " الزينة " فيما سلف 12 : 389 .
(34) انظر هاتين القراءتين في معاني القرآن للفراء 1 : 477 .
(35) في المطبوعة : " ما أعطاه لأجله " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(36) في المخطوطة ، أسقط الناسخ فكتب : " فلا عتب عليهم في ذلك بخلاف ما توهمت " ، وقد أصاب ناشر المطبوعة فيما استظهره من السياق .
(37) أي معنى العاقبة والمآل .
(38) هو الفراء في معاني القرآن 1 : 477 .
(39) في المطبوعة والمخطوطة : " يحلفون بالله " بغير السين ، وهذا حق التلاوة .
(40) لم أعرف قائله .
(41) انظر تفسير " الطمس " فيما سلف 8 : 444 ، 445 .
(42) سلف البيت وتخريجه وشرحه 4 : 424 / 8 : 444 .
(43) سقط من الترقيم سهوًا ، رقم : 17819 .
(44) في المطبوعة : " حروثًا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب أيضًا .
(45) انظر تفسير " الأليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( ألم ) .
(46) الأثر : 17845 - "المنقري " ، هكذا في المطبوعة .
وفي المخطوطة : " المعري " غير منقوطة ، وقد أعياني أن أعرف من يعني .
(47) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1 : 281 .
(48) هو الأعشى .
(49) ديوانه : 58 ، من قصيدته في هجاء يزيد بن مسهر الشيباني ، يقول له : فَهَـانَ عَلَيْنَـا مَـا يَقُـولُ ابْـنُ مُسْهرٍ بِـــرَغْمِكَ إذْ حَـلّتْ عَلَيْنَـا اللَّهَـازِمُ يَزِيـدُ يَغُـضُّ الطَّــرْفَ دُونِي , كَأَنَّمَا زَوَى بَيْــنَ عَيْنَيْـهِ عَـلَى المَحَـاجِمُ فَــلاَ يَنبَسِــطْ .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
فأقســم باللــه الـذي أنـا أعبـده لتصطفقــن يومــا عليـك المـآتم .
(50) هو أبو النجم .
(51) سيبويه 1 : 421 ، معاني القرآن للفراء 1 : 478 ، وغيرهما .
وسيأتي في التفسير 13 : 159 ( بولاق ) .
من أرجوزة له في سليمان بن عبد الملك ، لم أجدها مجموعة في مكان .
و "العنق " ، ضرب من السير .
و" الفسيح " الواسع البليغ .
(52) هذا الذي سلف نص كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 477 ، 478 .
(53) انظر ما سلف رقم : 18735 ، 18736 .
قوله تعالى وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليمقوله تعالى وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه ( آتيت ) أي أعطيت زينة وأموالا في الحياة الدنيا أي مال الدنيا ، وكان لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن الذهب والفضة والزبرجد والزمرد والياقوت .قوله تعالى ربنا ليضلوا عن سبيلك اختلف في هذه اللام ، وأصح ما قيل فيها - وهو قول الخليل وسيبويه - أنها لام العاقبة والصيرورة ; وفي الخبر إن لله تعالى ملكا ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب .
أي لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال صار كأنه أعطاهم ليضلوا .
وقيل : هي لام كي أي أعطيتهم لكي يضلوا ويبطروا ويتكبروا .
وقيل : هي لام أجل ، أي أعطيتهم لأجل إعراضهم عنك فلم يخافوا أن تعرض عنهم .
وزعم قوم أن المعنى : أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا ، فحذفت لا كما قال عز وجل : يبين الله لكم أن تضلوا .
والمعنى : لأن لا تضلوا .
قال النحاس : ظاهر هذا الجواب حسن ، إلا أن العرب لا تحذف " لا " إلا مع أن ; فموه صاحب هذا الجواب بقوله عز وجل : أن تضلوا .
وقيل : اللام للدعاء ، أي ابتلهم بالضلال عن سبيلك ; لأن بعده : اطمس على أموالهم واشدد .
وقيل : الفعل معنى المصدر أي : إضلالهم كقوله عز وجل لتعرضوا عنهم قرأ الكوفيون : ( ليضلوا ) بضم الياء من الإضلال ، وفتحها الباقون .قوله تعالى ربنا اطمس على أموالهم أي عاقبهم على كفرهم بإهلاك أموالهم .
قال الزجاج : طمس الشيء إذهابه عن صورته .
قال ابن عباس ومحمد بن كعب : صارت أموالهم ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأثلاثا وأنصافا ، ولم يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد .
وقال قتادة : بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة .
وقال [ ص: 282 ] مجاهد وعطية : أهلكها حتى لا ترى ; يقال : عين مطموسة ، وطمس الموضع إذا عفا ودرس .
وقال ابن زيد : صارت دنانيرهم ودراهمهم وفرشهم وكل شيء لهم حجارة .
محمد بن كعب : وكان الرجل منهم يكون مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين ; قال : وسألني عمر بن عبد العزيز فذكرت ذلك له فدعا بخريطة أصيبت بمصر فأخرج منها الفواكه والدراهم والدنانير وإنها لحجارة .
وقال السدي : وكانت إحدى الآيات التسع .واشدد على قلوبهم قال ابن عباس : أي امنعهم الإيمان .
وقيل : قسها واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان ; والمعنى واحد .
فلا يؤمنوا قيل : هو عطف على قوله : " ليضلوا " أي آتيتهم النعم ليضلوا ولا يؤمنوا ; قاله الزجاج والمبرد .
وعلى هذا لا يكون فيه من معنى الدعاء شيء .
وقوله : ( ربنا اطمس ) ( واشدد ) كلام معترض .
وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة : هو دعاء ، فهو في موضع جزم عندهم ; أي اللهم فلا يؤمنوا ، أي فلا آمنوا .
ومنه قول الأعشى :فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقني إلا وأنفك راغمأي لا انبسط .
ومن قال " ليضلوا " دعاء - أي ابتلهم بالضلال - قال : عطف عليه ( فلا يؤمنوا ) .
وقيل : هو في موضع نصب لأنه جواب الأمر ; أي واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا .
وهذا قول الأخفش والفراء أيضا ، وأنشد الفراء :يا ناق سيري عنقا فسيحا إلى سليمان فنستريحافعلى هذا حذفت النون لأنه منصوب .
( حتى يروا العذاب الأليم ) قال ابن عباس : هو الغرق .
وقد استشكل بعض الناس هذه الآية فقال : كيف دعا عليهم وحكم الرسل استدعاء إيمان قومهم ; فالجواب أنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن من الله ، وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن ; دليله قوله لنوح عليه السلام : إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وعند ذلك قال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا الآية .
والله أعلم .
{ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً } يتزينون بها من أنواع الحلي والثياب، والبيوت المزخرفة، والمراكب الفاخرة، والخدام، { وَأَمْوَالًا } عظيمة { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ } أي: إن أموالهم لم يستعينوا بها إلا على الإضلال في سبيلك، فيضلون ويضلون.
{ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ } أي: أتلفها عليهم: إما بالهلاك، وإما بجعلها حجارة، غير منتفع بها.
{ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ } أي: قسها { فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } قال ذلك، غضبًا عليهم، حيث تجرؤوا على محارم الله، وأفسدوا عباد الله، وصدوا عن سبيله، ولكمال معرفته بربه بأن الله سيعاقبهم على ما فعلوا، بإغلاق باب الإيمان عليهم.
قوله تعالى : ( وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة ) من متاع الدنيا ، ( وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ) اختلفوا في هذه اللام ، قيل : هي لام كي ، معناه : آتيتهم كي تفتنهم فيضلوا ويضلوا ، كقوله : " لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه " ( الجن - 16 ) .
وقيل : هي لام العاقبة يعني : فيضلوا وتكون عاقبة أمرهم الضلال ، كقوله : " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " ( القصص - 8 ) .
قوله : ( ربنا اطمس على أموالهم ) قال مجاهد : أهلكها ، والطمس : المحق .
وقال أكثر أهل التفسير : امسخها وغيرها عن هيئتها .
وقال قتادة : صارت أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم حجارة .
وقال محمد بن كعب : جعل سكرهم حجارة ، وكان الرجل مع أهله في فراشه فصارا حجرين ، والمرأة قائمة تخبز فصارت حجرا .
قال ابن عباس رضي الله عنه : بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا .
ودعا عمر بن عبد العزيز بخريطة فيها أشياء من بقايا آل فرعون فأخرج منها البيضة مشقوقة والجوزة مشقوقة وإنها لحجر .
قال السدي : مسخ الله أموالهم حجارة ، والنخيل والثمار والدقيق والأطعمة ، فكانت إحدى الآيات التسع .
( واشدد على قلوبهم ) أي : أقسها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان ، ( فلا يؤمنوا ) قيل : هو نصب بجواب الدعاء بالفاء .
وقيل : هو عطف على قوله " ليضلوا " أي : ليضلوا فلا يؤمنوا .
وقال الفراء : هو دعاء محله جزم ، فكأنه قال : اللهم فلا يؤمنوا ، ( حتى يروا العذاب الأليم ) وهو الغرق .
قال السدي : معناه أمتهم على الكفر .
«وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأهُ زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا» آتيتهم ذلك «ليضلوا» في «عن سبيلك» دينك «ربنا اطمس على أموالهم» امسخها «واشدد على قلوبهم» اطبع عليها واستوثق «فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم» المؤلم دعا عليهم وأمَّنَ هارون على دعائه.
وقال موسى: ربنا إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه زينة من متاع الدنيا؛ فلم يشكروا لك، وإنما استعانوا بها على الإضلال عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم، فلا ينتفعوا بها، واختم على قلوبهم حتى لا تنشرح للإيمان، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الشديد الموجع.
ثم حكى القرآن الكريم بعد ذلك ، ما تضرع به موسى - عليه السلام - إلى الله - تعالى - من دعوات خاشعات ، بعد أن يئس من إيمان فرعون وملئه فقال - سبحانه - :( وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ .
.
.
)الزينة : اسم لما يتزينبه الإِنسان من ألوان اللباس وأوانى الطعام والشراب ، ووسائل الركوب .
.
وغير ذلك مما يستعمله الإِنسان في زينته ورفاهيته .والمال : يشمل أصناف الزينة ، ويشمل غير ذلك مما يتملكه الإِنسان .والمعنى : وقال موسى - عليه السلام - مخاطبا ربه ، بعد أن فقد الأمل فى إصلاح فرعون وملئه : يا ربنا إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه وأصحاب الرياسات منهم ، الكثير من مظاهر الزينة والرفاهية والتنعم ، كما أعطيتهم الكثير من الأموال فى هذه الحياة الدنيا .وهذا العطاء الجزيل لهم : قد يضعف الإِيمان فى بعض النفوس ، إما بالإِغراء الذي يحدثه مظهر النعمة فى نفوس الناظرين إليها ، وإما بالترهيب الذى يملكه هؤلاء المنعمون ، بحيث يصيرون قادرين على إذِلال غيرهم .واللام فى قوله ( رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ) لام العاقبة والصيرورة أى : أعطيتهم ما أعطيتهم من الزينة والمال ، ليخلصوا لك العبادة والطاعة ، وليقابلوا هذا العطاء بالشكر ، ولكنهم لم يفعلوا بل قابلوا هذه النعم بالجحود والبطر ، فكانت عاقبة أمرهم الخسران والضلال ، فأزال يا مولانا هذه النعم من بين أيديهم .قال القرطبى : " اختلف فى هذه اللام ، وأصح ما قبل فيها - وهو قول الخليل وسيبويه - أنها لام العاقبة والصيرورة ، وفى الخبر : " إن الله - تعالى - ملكا ينادى كل يوم : لدوا للموت وابنو للخراب " أى : لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال ، صار كأنه أعطاهم ليضلوا " .وقال صاحب المنار : " قوله : ( رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ) أى : لتكون عاقبة هذا العطاء إضلال عبادك عن سبيلك الموصلة إلى مرضاتك باتباع الحق والعدل والعمل الصالح ، ذلك لأن الزينة سبب الكبر والخيلاء والطغيان على الناس ، وكثرة الأموال تمكنهم من ذلك وتخضع رقاب الناس لهم ، كما قال - تعالى - ( إِنَّ الإنسان ليطغى .
أَن رَّآهُ استغنى ) فاللام فى قوله ( لِيُضِلُّواْ ) تسمى لام العاقبة والصيرورة ، وهى الدالى على أن ما بعدها أثر وغاية فعلية لمتعلقها ، يترتب عليه بالفعل لا بالسببية ، ولا بقصد فاعل الفعل الذي تتعلق به كقوله - تعالى - ( فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً .
.
.
) ومنهم من يرى أن هذه اللام للتعليل ، والفعل منصوب بها ، فيكون المعنى :وقال موسى مخاطبا ربه : يا ربنا إنك قد أعطيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ، وإنك يا ربنا قد أعطيتهم ذلك على سبيل الاستدراج ليزدادوا طغيانا على طغيانهم ، ثم تأخذهم أخذ عزيز مقتدر .وشبيه بهذه الجملة فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) وقد رجح هذا المعنى الإِمام ابن جرير فقال : " والصواب من القول فى ذلك عندى أنها لام كى ، ومعنى الكلام : ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأموال لتفتنهم فيه ، ويضلوا عن سبيلك عبادك عقوبة منك لهم ، وهذا كما قال جل ثناؤه( لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً .
لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) ومنهم من يرى أن هذه اللام هي لام الدعاء ، وأنها للدعاء عليهم بالزيادة من الإِضلال والغواية فيكون المعنى :وقال موسى يا ربنا إنك أعطيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا؛ اللهم يا ربنا زدهم ضلالا على ضلالهم .وقد سار على هذا الرأى صاحب الكشاف .
فقد قال ما ملخصه : " فإن قلت : ما معنى قوله : ( لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ) ؟قلت : هو دعاء بلفظ الأمر كقوله : ربنا اطمس واشدد .
وذلك أنه لما عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضا مكررا ، وردد عليهم النصائح والمواعظ زمانا طويلا .
وحذرهم من عذاب الله ومن انتقامه ، وأنذرهم سوء عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال ، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفراً وعلى الإِنذار إلا استكبارا ، وعن النصيحة إلا نبوا ، ولم يبق له مطمع فيهم .
وعلم بالتجربة وطول الصحبة أو بوحى من الله ، أنه لا يجئ منهم إلا الغى والضلال .لما رأى منهم كل ذلك : اشتد غضبه عليهم ، وكره حالهم ، فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره وهو ضلالهم .فكأنه قال : " ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال .
.
" .وعلى أية حال فهذه الأقوال الثلاثة ، لكل واحد منها اتجاهه فى التعبير عن ضيق موسى - عليه السلام - لإِصرار فرعون وشيعته على الكفر ، ولما هم فيه من نعم لم يقابلوها بالشكر ، بل قابلوها بالجحود والبطر .وإن كان الرأى الأول هو أظهرها فى الدلالة على ذلك ، وأقربها إلى سياق الآية الكريمة .قال الشوكانى : " وقرأ الكوفيون ( لِيُضِلُّواْ ) بضم الياء .
أى : ليوقعوا الإِضلال على غيرهم .
وقرأ الباقون بالفتح أى يضلون فى أنفسهم " .وقوله : ( رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم ) دعا عليهم بما يستحقونه من عقوبات بسبب إصرارهم على الكفر والضلال .والطمس : الإِهلاك والإِتلاف ومحو أثر الشيء يقال : طمس الشيء ويطمس طموسا إذا زال بحيث لا يرى ولا يعرف لذهاب صورته .والشد : الربط والطبع على الشئ ، بحيث لا يخرج منه ما هو بداخله ، ولا يدخل فيه ما هو خارج منه .والمعنى : وقال موسى مخاطبا ربه : يا ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ، وقد أعطيتهم ذلك ليشكروك ، ولكنهم لم يفعلوا ، بل قابلوا عطاءك بالجحود ، اللهم يا ربنا اطمس على أموالهم بأن تهلكها وتزيلها وتمحقها من بين أيديهم ، حتى ترحم عبادك المؤمنين ، من سوء استعمال الكافرين لنعمك فى الإِفساد والأذى .( واشدد على قُلُوبِهِمْ ) بأن تزيدها قسوة على قسوتها ، وعناداً على عنادها مع استمرارها على ذلك ، حتى يأتيهم العذاب الأليم الذى لا ينفع عند إتيانه إيمان ، ولا تقبل معه توبة ، لأنهما حدثا فى غير وقتهما .قال الجمل : " وهذا الطمس هو أحد الآيات التسع التى أوتيها موسى - عليه السلام - .وقال الإِمام ابن كثير : " وهذه الدعوة كانت من موسى - عليه السلام - غضبا الله - تعالى - ولدينه على فرعون وملئه ، الذين تبين له أنه لا خير فيهم ، كما دعا نوح - عليه السلام - على قومه فقال : ( رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً .
.
) ولهذا استجاب الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - هذه الدعوة فيهم .
.
"فقال : ( قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ) .
اعلم أنه لما شرح خوف المؤمنين من الكافرين وما ظهر منهم من التوكل على الله تعالى أتبعه بأن أمر موسى وهارون باتخاذ المساجد والإقبال على الصلوات يقال: تبوأ المكان، أي اتخذه مبوأ كقوله توطنه إذا اتخذه موطناً، والمعنى: اجعلا بمصر بيوتاً لقومكما ومرجعاً ترجعون إليه للعبادة والصلاة.
ثم قال: ﴿ واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: من الناس من قال: المراد من البيوت المساجد كما في قوله تعالى: ﴿ فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ ويُذْكَر فيها اسمه ﴾ ومنهم من قال: المراد مطلق البيوت، أما الأولون فقد فسروا القبلة بالجانب الذي يستقبل في الصلاة، ثم قالوا: والمراد من قوله: ﴿ واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ أي اجعلوا بيوتكم مساجد تستقبلونها لأجل الصلاة، وقال الفراء: واجعلوا بيوتكم قبلة، أي إلى القبلة، وقال ابن الأنباري: واجعلوا بيوتكم قبلة أي قبلاً يعني مساجد فأطلق لفظ الوحدان، والمراد الجمع، واختلفوا في أن هذه القبلة أين كانت؟
فظاهر أن لفظ القرآن لا يدل على تعيينه، إلا أنه نقل عن ابن عباس أنه قال: كانت الكعبة قبلة موسى عليه السلام.
وكان الحسن يقول: الكعبة قبلة كل الأنبياء، وإنما وقع العدول عنها بأمر الله تعالى في أيام الرسول عليه السلام بعد الهجرة.
وقال آخرون: كانت تلك القبلة جهة بيت المقدس.
وأما القائلون بأن المراد من لفظ البيوت المذكورة في هذه الآية مطلق البيت، فهؤلاء لهم في تفسير قوله: ﴿ قِبْلَةَ ﴾ وجهان: الأول: المراد بجعل تلك البيوت قبلة أي متقابلة، والمقصود منه حصول الجمعية واعتضاد البعض بالبضع.
وقال آخرون: المراد واجعلوا دوركم قبلة، أي صلوا في بيوتكم.
البحث الثاني: أنه تعالى خص موسى وهارون في أول هذه الآية بالخطاب فقال: ﴿ أن تَبوآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾ ثم عمم هذا الخطاب فقال: ﴿ واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ والسبب فيه أنه تعالى أمر موسى وهارون أن يتبوآ لقومهما بيوتاً للعبادة، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء، ثم جاء الخطاب بعد ذلك عاماً لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها، لأن ذلك واجب على الكل، ثم خص موسى عليه السلام في آخر الكلام بالخطاب فقال: ﴿ وَبَشّرِ المؤمنين ﴾ وذلك لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات حصول هذه البشارة، فخص الله تعالى موسى بها، ليدل بذلك على أن الأصل في الرسالة هو موسى عليه السلام وأن هارون تبع له.
البحث الثالث: ذكر المفسرون في كيفية هذه الواقعة وجوهاً ثلاثة: الأول: أن موسى عليه السلام ومن معه كانوا في أول أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة، لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم، كما كان المؤمنون على هذه الحالة في أول الإسلام في مكة.
الثاني: قيل: إنه تعالى لما أرسل موسى إليهم أمر فرعون بتخريب مساجد بني إسرائيل ومنعهم من الصلاة، فأمرهم الله تعالى أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفاً من فرعون.
الثالث: أنه تعالى لما أرسل موسى إليهم وأظهر فرعون تلك العداوة الشديدة أمر الله تعالى موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل تعالى أنه يصونهم عن شر الأعداء.
<div class="verse-tafsir"
الزينة: ما يتزين به من لباس أو حلي أو فرش أو أثاث أو غير ذلك.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ ؟
قلت: هو دعاء بلفظ الأمر، كقوله: ﴿ رَبَّنَا اطمس ﴾ ، ﴿ واشدد ﴾ ، وذلك أنه لما عرض عليهم أيات الله وبيناته عرضاً مكرّراً وردّد عليهم النصائح والمواعظ زماناً طويلاً، وحذرهم عذاب الله وانتقامه، وأنذرهم عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال المبين، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفراً، وعلى الإنذار إلاّ استكباراً، وعن النصيحة إلاّ نبوّا، ولم يبق له مطمع فيهم، وعلم بالتجربة وطول الصحبة أنه لا يجيء منهم إلاّ الغي والضلال، وأنّ إيمانهم كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة، أو علم ذلك بوحي من الله- اشتد غضبه عليهم، وأفرط مقته وكراهته لحالهم، فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره، كما تقول: لعن الله إبليس، وأخزى الله الكفرة، مع علمك أنه لا يكون غير ذلك، وليشهد عليهم بأنه لم يبق له فيهم حيلة، وأنهم لا يستأهلون إلاّ أن يخذلوا ويخلى بينهم وبين ضلالهم يتسكعون فيه، كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال.
وليكونوا ضلالاً، وليطبع الله على قلوبهم فلا يؤمنوا وما عليّ منهم، هم أحقّ بذلك وأحقّ كما يقوله الأب المشفق لولده الشاطر إذا ما لم يقبل منه، حسرة على ما فاته من قبول نصيحته، وحرداً عليه، لا أن يريد خلاعته واتباعه هواه.
ومعنى الشدّ على القلوب.
الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإيمان ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُواْ ﴾ جواب للدعاء الذي هو ﴿ اشدد ﴾ أو دعاء بلفظ النهي، وقد حملت اللام في ليضلوا على التعليل، على أنهم جعلوا نعمة الله سبباً في الضلال، فكأنهم أوتوها ليضلّوا.
وقوله: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُواْ ﴾ عطف على ليضلوا.
وقوله: ﴿ رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ ﴾ دعاء معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
وقرأ الفضل الرقاشي: ﴿ أئنك آتيت ﴾ على الاستفهام، واطمس بضم الميم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ ﴾ أيِ اتَّخِذا مَباءَةً.
﴿ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾ تَسْكُنُونَ فِيها أوْ تَرْجِعُونَ إلَيْها لِلْعِبادَةِ.
﴿ واجْعَلُوا ﴾ أنْتُما وقَوْمُكُما.
﴿ بُيُوتَكُمْ ﴾ تِلْكَ البُيُوتَ.
﴿ قِبْلَةً ﴾ مُصَلًّى وقِيلَ مَساجِدَ مُتَوَجِّهَةً نَحْوَ القِبْلَةِ يَعْنِي الكَعْبَةَ، وكانَ مُوسى يُصَلِّي إلَيْها.
﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ فِيها، أُمِرُوا بِذَلِكَ أوَّلَ أمْرِهِمْ لِئَلّا يَظْهَرَ عَلَيْهِمُ الكَفَرَةُ فَيُؤْذُوهم ويَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ.
﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ بِالنُّصْرَةِ في الدُّنْيا والجَنَّةِ في العُقْبى، وإنَّما ثَنّى الضَّمِيرَ أوَّلًا لِأنَّ التَّبَوُّأ لِلْقَوْمِ واتِّخاذَ المَعابِدِ مِمّا يَتَعاطاهُ رُؤُوسُ القَوْمِ بِتَشاوُرٍ، ثُمَّ جَمَعَ لِأنَّ جَعْلَ البُيُوتِ مَساجِدَ والصَّلاةَ فِيها مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَهُ كُلُّ أحَدٍ، ثُمَّ وحَّدَ لِأنَّ البِشارَةَ في الأصْلِ وظِيفَةُ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ.
<div class="verse-tafsir"
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)
{وقال موسى ربنا إنك آتيت فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} هو ما يتزين به من لباس أو حلي أو فرش أو أثاث أو غير ذلك {وَأَمْوَالاً} أي نقداً ونعماً وضيعة {في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك} ليضلوا الناس عن طاعتك كوفي ولا وقف على الدنيا لأن قوله ليضلوا متعلق بآتيت وربنا تكرار الأول للإلحاح في التضرع قال الشيخ أبو منصور رحمه الله إذا علم منهم أنهم يضلون الناس عن سبيله آتاهم ما آتاهم ليضلوا عن سبيله
وهو كقوله إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً فتكون الآية حجة على المعتزلة {رَبَّنَا اطمس على أموالهم} أى أهلكها وأذهب آثاراها لأنهم يستعينون بنعمتك على معصيتك والطمس المحو والهلاك قيل صارت دراهمهم ودنانيرهم حجارة كهيئاتها منقوشة وقيل وسائر أموالهم كذلك
يونس (٨٨ _ ٩١)
{واشدد على قُلُوبِهِمْ} اطبع على قلوبهم واجعلها قاسية {فَلاَ يُؤْمِنُواْ} جواب الدعاء الذي هو اشدد {حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم} إلى أن يروا العذاب الأليم وكان كذلك فإنهم لم يؤمنوا إلى الغرق وكان ذلك إيمان يأس فلم يقبل وإنما دعا عليهم بهذا لما أيس من إيمانهم وعلم بالوحي أنهم لا يؤمنون فأما قبل أن يعلم بأنهم لا يؤمنون فلا يسع له أن يدعو بهذا الدعاء لأنه أرسل إليهم ليدعوهم إلى الإيمان وهو يدل على أن الدعاء على الغير بالموت على الكفر لا يكون كفراً
﴿ وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً ﴾ أيْ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ اللِّباسِ والمَراكِبِ ونَحْوِها وتُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا ﴿ وأمْوالا ﴾ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ المالِ كَما يُشْعِرُ بِهِ الجَمْعُ والتَّنْوِينُ، وذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ الزِّينَةِ مَن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ لِلشُّمُولِ وقَدْ يُحْمَلُ عَلى ما عَداهُ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الزِّينَةَ بِالجَمالِ وصِحَّةِ البَدَنِ وطُولِ القامَةِ ونَحْوِهِ ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ أيْ لِكَيْ يَضِلُّوا عَنْها وهو تَعْلِيلٌ لِلْإيتاءِ السّابِقِ، والكَلامُ إخْبارٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أمَدَّهم بِالزِّينَةِ والأمْوالِ اسْتِدْراجًا لِيَزْدادُوا إثْمًا وضَلالَةً كَما أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ أمْثالِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ﴾ وإلى كَوْنِ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ ذَهَبَ الفَرّاءُ والظّاهِرُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ الضَّلالُ مُرادَ اللَّهِ تَعالى ولا يَلْزَمُ ما قالَهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ إذا كانَ مُرادًا يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ بِهِ بِناءً عَلى أنَّ الإرادَةَ أمْرٌ أوْ مُسْتَلْزَمٌ لَهُ لِما أنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلانُ هَذا المَبْنى في الكَلامِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم حَذَرًا مِن ذَلِكَ لِئَلّا يَضِلُّوا كَما قُدِّرَ في ﴿ شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا ﴾ شَهِدْنا أنْ لا تَقُولُوا ولا حاجَةَ إلَيْهِ وقِيلَ: إنَّ التَّعْلِيلَ مَجازِيٌّ لِأنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِ ذَلِكَ جُعِلَ إيتاؤُهُ كَأنَّهُ لِلضَّلالِ فَيَكُونُ في اللّامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: اللّامُ لِلْعاقِبَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُمارَسَتِهِ لَهم وتَفَرُّسِهِ بِهِمُ أوْ لِعِلْمِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى ما قِيلَ بِأنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الإيتاءِ الضَّلالُ.
والفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيلِ المَجازِيِّ وهَذا إنْ قُلْنا بِأنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ أيْضًا أنَّ في التَّعْلِيلِ ذِكْرَ ما هو سَبَبٌ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ إيتاؤُهُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا وفي لامِ العاقِبَةِ لَمْ يُذْكَرْ سَبَبٌ أصْلًا وهي كاسْتِعارَةِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لِلْآخَرِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها لِلدُّعاءِ، ولا مَغْمَزَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ إمّا لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ بِالمُمارَسَةِ أوْ نَحْوِها أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ فَدَعا بِهِ وحاصِلُهُ أنَّهُ دُعاءٌ بِما لا يَكُونُ إلّا ذَلِكَ فَهو تَصْرِيحٌ بِما جَرى قَضاءُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ونَحْوَهُ لَعَنَ اللَّهُ تَعالى الشَّيْطانَ وإمّا لِأنَّهُ لَيْسَ بِدُعاءٍ حَقِيقَةً ولَيْسَ النَّظَرُ إلى تَنْجِيزِ المَسْؤُولِ وعَدَمِهِ بَلِ النَّظَرُ إلى وصْفِهِمْ بِالعُتُوِّ وإبْلاءِ عُذْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الدَّعْوَةِ فَهو كِنايَةٌ إيمائِيَّةٌ عَلى هَذا وما قِيلَ: هَذا شَهادَةٌ بِسُوءِ حالِهِمْ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ في الكِنايَةِ لِأنَّ الضَّلالَ رَدِيفُ الإضْلالِ وهو مَنعُ اللُّطْفِ فَكُنِّيَ بِالضَّلالِ عَنِ الإضْلالِ والإضْلالُ رَدِيفُ كَوْنِهِمْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْهِمْ فَكانَ هَذا كَشْفًا وبَيانًا لِحالِهِمْ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ فَهو عَلى ما فِيهِ شَيْءٌ عَنْهُ غِنًى لِأنَّ الطَّبْعَ مُصَرَّحٌ بِهِ بَعْدُ بَلِ النَّظَرُ هَهُنا إلى الزُّبْدَةِ والخُلاصَةِ مِن هَذِهِ المَطالِبِ كُلِّها، ويُشْعِرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِاخْتِيارِ كَوْنِها لِلدُّعاءِ وفي الِانْتِصافِ أنَّهُ اعْتِزالٌ أدَقُّ مِن دَبِيبِ النَّمْلِ يَكادُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ يَكُونُ كَشْفًا والظّاهِرُ أنَّها لِلتَّعْلِيلِ، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: لَوْلا التَّعْلِيلُ لَمْ يَتَّجِهْ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً ﴾ ولَمْ يَنْتَظِمْ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهُ يُنافِي غَرَضَ البَعْثَةِ وهو الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ والهُدى ولا يَخْفى أنَّ دَفْعَ هَذا يُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْنا آنِفًا، وأمّا وجْهُ انْتِظامِ الكَلامِ فَهو كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿ إنَّكَ آتَيْتَ ﴾ إلَخْ تَمْهِيدًا لِلتَّخَلُّصِ إلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ أيْ أنَّكَ أوْلَيْتَهم هَذِهِ النِّعْمَةَ لِيَعْبُدُوكَ ويَشْكُرُوكَ فَما زادَهم ذَلِكَ إلّا طُغْيانًا وكُفْرًا وإذا كانَتِ الحالُ هَذِهِ فَلْيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، ولَوْ دَعا ابْتِداءً لَمْ يَحْسُنْ إذْ رُبَّما لَمْ يُعْذَرْ فَقَدَّمَ الشِّكايَةَ مِنهم والنَّعْيَ بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ لِيَتَسَلَّقَ مِنهُ إلى الدُّعاءِ مَعَ مُراعاةِ تَلازُمِ الكَلامِ مِن إيرادِ الأدْعِيَةِ مَنسُوقَةً نَسَقًا واحِدًا وعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى الِاعْتِذارِ عَنْ تَكْرِيرِ النِّداءِ كَما احْتاجَ القَوْلُ بِالتَّعْلِيلِ إلى الِاعْتِذارِ عَنْهُ بِأنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَقْصُودَ عَرْضُ ضَلالِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تَقْدِمَةً لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بَعْدُ.
وادَّعى الطِّيِّبِيُّ أنَّهُ لا مَجالَ لِلْقَوْلِ بِالِاعْتِراضِ لِأنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ إذا التَذَّتِ النَّفْسُ بِسَماعِهِ ولِذا عِيبَ قَوْلُ النّابِغَةِ لَعَلَّ زِيادًا لا أبا لَكَ غافِلُ وفِي كَلامِهِ مَيْلٌ إلى القَوْلِ بِأنَّ اللّامَ لِلدُّعاءِ وهو لَدى المُنْصِفِ خِلافُ الظّاهِرِ وما ذَكَرُوهُ لَهُ لا يُفِيدُهُ ظُهُورًا.
وقُرِئَ (لِيُضِلُّوا) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِها ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ ﴾ أيْ أهْلِكْها كَما قالَ مُجاهِدٌ، فالطَّمْسُ بِمَعْنى الإهْلاكِ وفِعْلُهُ مِن بابِ ضَرَبَ ودَخَلَ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ (اطْمُسْ) بِضَمِّ المِيمِ ويَتَعَدّى ولا يَتَعَدّى، وجاءَ بِمَعْنى مَحْوِ الأثَرِ والتَّغْيِيرِ وبِهَذا فَسَّرَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المَعْنى رَبَّنا غَيِّرْها عَنْ جِهَةِ نَفْعِها إلى جِهَةٍ لا يَنْتَفِعُ بِها.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَغْيِيرَها عَنْ جِهَةِ نَفْعِها إهْلاكٌ لَها أيْضًا فَلا يُنافِي ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ بَعْدَ هَذا الدُّعاءِ صارَتْ دَراهِمُهم ودَنانِيرُهم ونُحاسُهم وحَدِيدُهم حِجارَةً مَنقُوشَةً.
وعَنْ مُحَمَّدٍ القُرَظِيِّ قالَ: سَألَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَأخْبَرْتُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى طَمَسَ عَلى أمْوالِ فِرْعَوْنَ وآلِ فِرْعَوْنَ حَتّى صارَتْ حِجارَةً فَقالَ عُمْرُ: مَكانَكَ حَتّى آتِيَكَ فَدَعا بِكِيسٍ مَخْتُومٍ فَفَكَّهُ فَإذا فِيهِ البَيْضَةُ مَشْقُوقَةً وهي حِجارَةٌ وكَذا الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ وأشْباهُ ذَلِكَ.
وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ صارَ سُكْرُهم حِجارَةً وأنَّ الرَّجُلَ بَيْنَما هو مَعَ أهْلِهِ إذْ صارا حَجَرَيْنِ وبَيْنَما المَرْأةُ قائِمَةٌ تَخْبُزُ إذْ صارَتْ كَذَلِكَ، وهَذا مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ أصْلًا، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ، وعِنْدِي أنَّ أخْبارَ تَغْيِيرِ أمْوالِهِمْ إلى الحِجارَةِ لا تَخْلُو عَنْ وهَنٍ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْها، ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُرادَ مِن طَمْسِها إتْلافُها مِنهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ والمُرادُ بِالأمْوالِ ما يَشْمَلُ الزِّينَةَ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وغَيْرِها ﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ أيِ اجْعَلْها قاسِيَةً واطْبَعْ عَلَيْها حَتّى لا تَنْشَرِحَ لِلْإيمانِ كَما هو قَضِيَّةُ شَأْنِهِمْ ﴿ فَلا يُؤْمِنُوا ﴾ جَوابٌ لِلدُّعاءِ أعَنِي ﴿ اشْدُدْ ﴾ دُونَ ﴿ اطْمِسْ ﴾ فَهو مَنصُوبٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً بِلَفْظِ النَّهْيِ نَحْوَ إلَهِي لا تُعَذِّبْنِي فَهو مَجْزُومٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ وما بَيْنَهُما دُعاءٌ مُعْتَرَضٌ فَهو حِينَئِذٍ مَنصُوبٌ أوْ مَجْزُومٌ حَسْبَما عَلِمْتَ مِنَ الخِلافِ في اللّامِ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ 88﴾ أيْ يُعايِنُوهُ ويُوقِنُوا بِهِ بِحَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ إذْ ذاكَ، والمُرادُ بِهِ جِنْسُ العَذابِ الألِيمِ وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرَهُ بِالغَرَقِ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الدُّعاءَ عَلى شَخْصٍ بِالكُفْرِ لا يُعَدُّ كُفْرًا إذا لَمْ يْكُنْ عَلى وجْهِ الِاسْتِيجازِ والِاسْتِحْسانِ لِلْكُفْرِ بَلْ كانَ عَلى وجْهِ التَّمَنِّي لِيَنْتَقِمَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ الشَّخْصِ أشَدَّ انْتِقامٍ وإلى هَذا ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ خَواهِرْزادَهْ فَقَوْلُهُمْ: الرِّضا بِكُفْرِ الغَيْرِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ عِنْدَهُ بَلْ هو مُقَيَّدٌ بِما إذا كانَ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْسانِ لَكِنْ قالَ صاحِبُ الذَّخِيرَةِ: قَدْ عَثَرْنا عَلى رِوايَةٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الرِّضا بِكُفْرِ الغَيْرِ كُفْرٌ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ، والمَنقُولُ عَنْ عَلَمِ الهُدى أبِي مَنصُورٍ الماتَرِيدِيِّ التَّفْصِيلُ فَفي المَسْألَةِ اخْتِلافٌ قِيلَ: والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ مِن حَيْثُ أنَّهُ كُفْرٌ كُفْرٌ وأنَّ الرِّضا بِهِ لا مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ بَلْ مِن حَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْعَذابِ الألِيمِ أوْ كَوْنِهِ أثَرًا مِن آثارِ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ مَثَلًا لَيْسَ بِكُفْرٍ وبِهَذا يَنْدَفِعُ التَّنافِي بَيْنَ قَوْلِهِمْ: الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ وقَوْلِهِمْ: الرِّضا بِالقَضاءِ واجِبٌ بِناءً عَلى حَمْلِ القَضاءِ فِيهِ عَلى المَقْضِيِّ وعَلى هَذا لا يَتَأتّى ما قِيلَ: إنَّ رِضا العَبْدِ بِكُفْرِ نَفْسِهِ كُفْرٌ بِلا شُبْهَةٍ عَلى إطْلاقِهِ بَلْ يَجْرِي فِيهِ التَّفْصِيلُ السّابِقُ في الرِّضا بِكُفْرِ الغَيْرِ أيْضًا، ومِن هَذا التَّحْقِيقِ يُعْلَمُ ما في قَوْلِهِمْ: إنَّ مَن جاءَهُ كافِرٌ لِيُسْلِمَ فَقالَ لَهُ: اصْبِرْ حَتّى أتَوَضَّأ أوْ أخَّرَهُ يَكْفُرُ لِرِضاهُ بِكُفْرِهِ في زَمانٍ مِنَ النَّظَرِ، ويُؤَيِّدُهُ ما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في فَتْحِ مَكَّةَ «أنَّ ابْنَ أبِي سَرْحٍ أتى بِهِ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْهُ فَكَفَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَدَهُ عَنْ بَيْعَتِهِ ونَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى أنْ يُبايِعَهُ فَبايَعَهُ بَعْدَ الثَّلاثِ ثُمَّ أقْبَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إلى هَذا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلَهُ قالُوا: وما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ ألا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ أعْيُنٍ».
وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والنِّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ وهو مَعْرُوفٌ في السِّيَرِ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ التَّوَقُّفَ مُطْلَقًا لَيْسَ كَما قالُوهُ كُفْرًا <div class="verse-tafsir"
ثمّ قال: وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ يعني: حاذقا بالسّحر.
قرأ حمزة والكسائي: سَحَّارٍ، على معنى المبالغة، وقرأ الباقون: بِكُلِّ ساحِرٍ فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ يعني: اطرحوا ما في أيديكم من العصيّ والحبال إلى الأرض فَلَمَّا أَلْقَوْا ما معهم من الحبال والعِصِيِّ إلى الأرض قالَ مُوسى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ يعني: العمل الذي عملتم به هو السِّحر إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ يعني: سيهلكه إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ يعني: لا يرضى عمل المفسدين.
قرأ أبو عمرو: السِّحر، بالمدِّ على وجه الاستفهام، ويكون معناه: قالَ مُوسى مَا جِئْتُمْ بِهِ يَعني ما الَّذي جئتم به؟
وتمَّ الكلام.
ثم قال: السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ يعني: عمل السحرة.
قوله تعالى: وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ يعني: يظهر دينه الإسلام بتحقيقه وبنصرته وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ يعني: فرعون وقومه.
قَالَ الله تعالى: فَما آمَنَ لِمُوسى يعني: ما صدَّق بموسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ يعني: قبيلته من قومه الذين كانت أمَّهاتهم من بني إسرائيل، وآباؤهم من القبط.
وروى مقاتل، عن ابن عباس أنه قال: إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ، يعني: من قوم موسى وهم بنو إسرائيل، وهم ستمائة ألف.
وكان يعقوب حين ركب إلى مصر من كنعان في اثنين وسبعين إنساناً، فتوالدوا بمصر حتّى بلغوا ستمائة ألف.
ويقال: إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ، يعني: خربيل وهو الذي قال في آية أخرى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [غافر: 28] .
ثم قال تعالى: عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ- أي: فما أمن لموسى خوفا من فرعون وَمَلَائِهِمْ أي قومهم (١) خاصة أَنْ يَفْتِنَهُمْ يعني: يقتلهم وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ يعني: لَعات.
ويقال: لغالب، ويقال: المخالف والمتكبر في أرض مصر وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ يعني: لمن المشركين.
روى موسى بن عبيدة، عن محمد بن المنكدر، قال: عاش فرعون ثلاثمائة سنة، منها مائتين وعشرين سنة لم ير مكروهاً، ودعاه موسى ثمانين سنة.
وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ يعني: ثقوا بالله وذلك حين قالوا له: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا [الأعراف: 129] فلما قال لهم هذا موسى فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا يعني: فوَّضنا أمرنا إليه، رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً يقول: بَلِيَّةً وَعِبْرَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
يعني: لا تنصرهم علينا.
قال مجاهد: يعني: لا تعذّبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كانوا على الحقّ، ما عُذِّبوا وما سُلِّطْنَا عليهم، فَيُفْتَنُوا بنا، وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ يعني: بنعمتك مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ يعني: فرعون وقومه.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .
<div class="verse-tafsir"
مدلولُهما، والاستفهام هنا: على سبيل التحقِيرِ.
انتهى.
وهو حَسَن.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ: إِيجاب عن عِدَّةٍ من اللَّه تعالى.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ: يحتمل أنْ يكون ابتداءَ خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ويحتملُ أَنْ يكون من كلام موسَى عليه السلام، وكذلك قوله: وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ ...
الآية، محتملٌ للوجهين، وكون ذلك كلُّه من كلام موسَى أقربُ، وهو الذي ذكر «١» الطبريُّ، وأما قوله: بِكَلِماتِهِ: فمعناه بكلماته السابقةِ الأزليَّة في الوعد بذلك.
فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦)
وقوله عز وجل: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ اختلف المتأوِّلون في عود الضمير الذي في قَوْمِهِ، فقالتْ فرقة: هو عائدٌ على موسَى، وذلك في أول مبعثه، وَمَلأُ الذُّرِّيَّةِ، هم أشرافُ بني إِسرائيل.
قال ص: وهذا هو الظاهر، وقالت فرقةٌ: الضميرُ في قَوْمِهِ عائدٌ على فِرْعَوْنَ، وضمير مَلَائِهِمْ عائدٌ على الذريَّة.
قال ع: ومما يضعِّف عوْدَ الضميرِ علَى موسَى: أَنَّ المعروفَ مِنْ أخبار بني إِسرائيل أنهم كانوا قوماً تقدَّمت فيهم النبوَّاتِ، ولم يُحفَظْ قطُّ أَنَّ طائفة من بَني إِسرائيل كَفَرَتْ به، فدَلَّ على أن الذريَّة مِنْ قوم فِرعون.
وقوله سبحانه: وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ...
الآية:
هذا ابتداءُ حكايةِ قوْلِ موسَى لجماعةِ بني إِسرائيل مُؤَنِّساً لهم، ونادباً إِلى التوكُّل على اللَّه عزَّ وجلَّ الذي بيده النصْرُ قال المُحَاسِبيُّ: قُلْتُ لأبي جعفرٍ محمَّدِ بنِ موسَى: إِنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ يقول: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣] فما السَّبِيلُ إِلى هذا التوكُّل الذي نَدَبَ اللَّه إِلَيْهِ، وكيف دُخُولُ الناس فيه؟
قال: إِن الناس متفاوِتُون في التوكُّل، وتوكُّلُهم علَى قَدْرِ إِيمانهم وقوَّةِ عُلُومهم، قُلْتُ: فما معنى إِيمانهم؟
قال: تصديقُهُم بمواعيدِ اللَّه عزَّ وجلَّ، وثِقَتُهُم بضَمَانِ اللَّه تبارَكَ وتعالَى، قلْتُ: مِنْ أَيْنَ فَضَلَتِ الخاصّة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا ﴾ وهو ما جاءَ بِهِ مُوسى مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم هَذا اللَّفْظَ، وهو قَوْلُهم: ﴿ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ثُمَّ قَرَّرَهم فَقالَ: ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أدْخَلُوا الألِفَ عَلى جِهَةِ تَفْظِيعِ الأمْرِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ إذا نَظَرَ إلى الكُسْوَةِ الفاخِرَةِ: أكِسْوَةٌ هَذِهِ ؟
يُرِيدُ بِالِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمَها، وتَأْتِي الرَّجُلَ جائِزَةٌ، فَيَقُولُ: أحَقٌّ ما أرى ؟
مُعَظِّمًا لَمّا ورَدَ عَلَيْهِ.
وقالَ غَيْرُهُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم: هو سِحْرٌ، أسِحْرٌ هَذا ؟
فَحُذِفَ السِّحْرُ الأوَّلُ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ المَعْنى: بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِتَصْرِفَنا.
يُقالُ: لَفَتُّ فُلانًا عَنْ كَذا: إذا صَرَفْتَهُ.
ومِنهُ الِالتِفاتُ، وهو الِانْصِرافُ عَمّا كُنْتَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ ﴾ ورَوى أبانُ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ " ويَكُونَ لَكُما " بِالياءِ.
وفي المُرادِ بِالكِبْرِياءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُلْكُ والشَّرَفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الطّاعَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: العُلُوُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والأرْضُ هاهُنا: أرْضُ مِصْرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِكُلِّ ساحِرٍ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ " بِكُلِّ سَحّارٍ " بِتَشْدِيدِ الحاءِ وتَأْخِيرِ الألِفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ " السِّحْرُ " بِغَيْرِ مَدٍّ، عَلى لَفْظِ الخَبَرِ والمَعْنى: الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، هو السِّحْرُ، وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ لِلْحَقِّ: هَذا سِحْرٌ، فَتَقْدِيرُهُ: الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، فَدَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا عادَتْ، عادَتْ مَعْرِفَةً، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا، فَقالَ لِي الرَّجُلُ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " آلسِّحْرُ " بِمَدِّ الألِفِ، اسْتِفْهامًا.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ ؟
أسِحْرٌ هُوَ؟
عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهم.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِلسِّحْرِ، لا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ عَنْ الشَّيْءِ الَّذِي يُجْهَلُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الإنْسانِ في الخَطَأِ الَّذِي يَسْتَعْظِمُهُ مِن إنْسانٍ: أخْطَأٌ هَذا ؟
أيْ: هو عَظِيمُ الشَّأْنِ في الخَطَأِ.
والعَرَبُ تَسْتَفْهِمُ عَمّا هو مَعْلُومٌ عِنْدَها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ وَقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ: أراجِعَةٌ يا لُبْنَ أيّامُنا الأُلى ∗∗∗ بِذِي الطَّلْحِ أمْ لا ما لَهُنَّ رُجُوعُ فاسْتَفْهَمَ وهو يَعْلَمُ أنَّهُنَّ لا يَرْجِعْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُ ويُظْهِرُ فَضِيحَتَكم، ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ ﴾ لا يَجْعَلُ عَمَلَهم نافِعًا لَهم.
﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ ﴾ أيْ: يُظْهِرُهُ ويُمَكِّنُهُ، ﴿ بِكَلِماتِهِ ﴾ بِما سَبَقَ مِن وعْدِهِ بِذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ فَقالُوا عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ المَعْنى: فَما صَدَّقَ مُوسى، ولَفْظَةُ "ءامَنَ" تَتَعَدّى بِالباءِ، وتَتَعَدّى بِاللامِ وفي ضِمْنِ المَعْنى الباءُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ الَّذِي في "قَوْمِهِ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ، فَمَن قالَ إنَّ العَوْدَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ وصْفُ حالِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ مَبْعَثِهِ أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بِهِ إلّا فِتْيانٌ وشَبابٌ أكْثَرُهم أُولُو آباءٍ كانُوا تَحْتَ خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومِن مَلَإ بَنِي إسْرائِيلَ، فالضَمِيرُ في "المَلَإ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، وتَكُونُ الفاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ لا مُرَتِّبَةً.
وقالَ بَعْضُ القائِلِينَ بِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ قَوْمًا أدْرَكَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وإنَّما آمَنَ ذُرِّيّاتُهم بَعْدَ هَلاكِهِمْ لِطُولِ الزَمانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ، وهَذا قَوْلٌ غَيْرُ واضِحٍ، وإذا آمَنَ قَوْمٌ بَعْدَ مَوْتِ آبائِهِمْ فَلا مَعْنًى لِتَخْصِيصِهِمْ بِاسْمِ الذُرِّيَّةِ، وأيْضًا فَما رُوِيَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ لا يُعْطِي هَذا، وهَيْئَةُ قَوْلُهُ: ﴿ فَما آمَنَ ﴾ تُعْطِي تَقْلِيلَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّهُ نَفى الإيمانَ ثُمَّ أوجَبَهُ لِلْبَعْضِ، ولَوْ كانَ الأكْثَرُ مُؤْمِنًا لِأوجَبَ الإيمانَ أوَّلًا ثُمَّ نَفاهُ عَنِ الأقَلِّ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَتَرَجَّحُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الذُرِّيَّةِ: "إنَّهُ القَلِيلُ"، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ لَفْظَةَ الذُرِّيَّةِ هي بِمَعْنى القَلِيلِ كَما ظَنَّ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَمّاهم ذَرِّيَّةً لِأنَّ أُمَّهاتَهم كانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وآباؤُهم مِنَ القِبْطِ، فَكانَ يُقالُ لَهُمُ:الذُرِّيَّةُ كَما قِيلَ لِفُرْسِ اليَمَنِ: الأبْناءُ، وهُمُ الفُرْسُ المُنْتَقِلُونَ مَعَ وهْرَزَ بِسِعايَةِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ، والأمْرُ بِكَمالِهِ في السِيَرِ.
وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا سَبْعِينَ أهْلَ بَيْتٍ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِمّا يُضْعِفُ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ المَعْرُوفَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم كانُوا قَوْمًا قَدْ تَقَدَّمَتْ فِيهِمُ النُبُوّاتُ، وكانُوا في مُدَّةِ فِرْعَوْنَ قَدْ نالَهم ذُلٌّ مُفْرِطٌ وقَدْ رَجَوا كَشْفَهُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ يَخْرُجُ فِيهِمْ يَكُونُ نَبِيًّا، فَلَمّا جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أصَفُقُوا عَلَيْهِ واتَّبَعُوهُ، ولَمْ يُحْفَظْ قَطُّ أنَّ طائِفَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ، فَكَيْفَ تُعْطِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الأقَلَّ مِنهم كانَ الَّذِي آمَنَ؟
فالَّذِي يَتَرَجَّحُ -بِحَسَبِ هَذا- أنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا ما تَقَدَّمَ مِن مُحاوَرَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ورَدِّهِ عَلَيْهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ عَلى قَوْلِهِمْ: "هَذا سِحْرٌ"، فَذَكَرَ اللهُ ذَلِكَ عنهُمْ، ثُمَّ قالَ: فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ هَذِهِ أقْوالُهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّهُ آمَنَتْ زَوْجَةُ فِرْعَوْنَ وخازِنُهُ وامْرَأةُ خازِنِهِ وشَبابٌ مِن قَوْمِهِ، -قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- والسَحَرَةُ أيْضًا فَإنَّهم مَعْدُودُونَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وتَكُونُ القِصَّةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ والتَعْجِيزِ بِالعَصا، وتَكُونُ الفاءُ مُرَتِّبَةٌ لِلْمَعانِي الَّتِي عُطِفَتْ.
ولِاعْتِقادِ الفَرّاءِ وغَيْرِهِ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَخَبَّطُوا في عَوْدِ الضَمِيرِ في "مَلَئِهِمْ"، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ذِكْرُ فِرْعَوْنَ وهو المَلِكُ يَتَضَمَّنُ الجَماعَةَ والجُنُودَ، كَما تَقُولُ: "جاءَ الخَلِيفَةُ، وسافَرَ المَلِكُ" وأنْتَ تُرِيدُ جُيُوشَهُ مَعَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: "عَلى خَوْفٍ مِنَ آلِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ"، وهو مِن بابِ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَنْظِيرُ غَيْرُ جَيِّدٍ لِأنَّ إسْقاطَ المُضافِ في قَوْلِهِ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ هو سائِغٌ بِسَبَبِ ما يُعْقَلُ مِن أنَّ القَرْيَةَ لا تَسْألُ، فَفي الظاهِرِ دَلِيلٌ عَلى ما أُضْمِرَ، وأمّا هاهُنا فالخَوْفُ مِن فِرْعَوْنَ مُتَمَكِّنٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى إضْمارٍ، إمّا إنَّهُ رُبَّما احْتَجَّ أنَّ الضَمِيرَ المَجْمُوعَ في "وَمَلَئِهِمْ" يَقْتَضِي ذَلِكَ، والخَوْفُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الأفْعالِ والأحْداثِ الَّتِي لِلْجُثَّةِ، ولَكِنْ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ ولِقَصْدِ الإيجازِ أُضِيفَ إلى الأشْخاصِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن "فِرْعَوْنَ" وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ، فَـ "أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَرّاحُ "أنْ يُفْتِنَهُمْ" بِضَمِّ الياءِ، ثُمَّ أخْبَرَ عن فِرْعَوْنَ بِالعُلُوِّ في الأرْضِ والإسْرافِ في الأفْعالِ والقَتْلِ والدَعاوى لِيَتَبَيَّنَ عُذْرَ الخائِفِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ ﴾ إلى ﴿ الكافِرِينَ ﴾ .
ابْتِداءُ حِكايَةِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِجَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ المُؤْمِنِينَ مِنهم مُؤْنِسًا لَهم ونادِبًا إلى التَوَكُّلِ عَلى اللهِ الَّذِي بِيَدِهِ النَصْرُ، ومَسْألَةُ التَوَكُّلِ مُتَشَعِّبَةٌ لِلنّاسِ فِيها خَوْضاتٌ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ التَوَكُّلَ الَّذِي أُمِرْنا بِهِ هو مُقْتَرِنٌ بِتَسَبُّبٍ جَمِيلٍ عَلى مُقْتَضى الشَرْعِ، وهو الَّذِي في قَوْلِهِ : « "قَيِّدْها وتَوَكَّلْ"»، فَقَدْ جَعَلَهُ مُتَوَكِّلًا مَعَ التَقْيِيدِ، والنَبِيُّ رَأْسُ المُتَوَكِّلِينَ، وقَدْ تَسَبَّبَ عُمْرَهُ كُلَّهُ، وكَذَلِكَ السَلَفُ كُلُّهُ، فَإنْ شَذَّ مُتَوَكِّلٌ فَتَرَكَ التَسَبُّبَ جُمْلَةً فَهي رُتْبَةٌ رَفِيعَةٌ ما لَمْ يُسْرِفْ بِها إلى حَدِّ قَتْلِ نَفْسِهِ وإهْلاكِها، كَمَن يَدْخُلُ غارًا خَفِيًّا يَتَوَكَّلُ فِيهِ فَهَذا ونَحْوُهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وما رُوِيَ مِن إقْدامِ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ عَلى الأسَدِ ونَحْوِ ذَلِكَ كُلِّهِ ضَعِيفٌ، ولِلصَّحِيحِ مِنهُ قَرائِنُ تُسَهِّلُهُ، ولِلْمُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ ﴾ ، ولَهم قالَ: ﴿ وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا ﴾ ، «وَقَوْلُ النَبِيِّ في مَدْحِ السَبْعِينَ ألْفًا مِن أُمَّتِهِ: ( وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )» لَيْسَ فِيهِ أنَّهم يَتْرُكُونَ التَسَبُّبَ جُمْلَةً واحِدَةً، ولا حُفِظَ عن عُكّاشَةَ أنَّهُ تَرَكَ التَسَبُّبَ، بَلْ كانَ يَغْزُو ويَأْخُذُ سِهامَهُ، وأعْنِي بِذَلِكَ تَرْكَ التَسَبُّبِ في الغِذاءِ، وأمّا تَرْكُ التَسَبُّبِ في الطِبِّ فَسَهْلٌ وكَثِيرٌ مِنَ الناسِ جُبِلَ عَلَيْهِ دُونَ نِيَّةٍ وحِسْبَةٍ، فَكَيْفَ بِمَن يَحْتَسِبُ؟
وقالَ لَهُمْ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ ﴾ مَعَ عِلْمِهِ بِإيمانِهِمْ عَلى جِهَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ وتَنْبِيهِ الأنْفُسِ وإثارَةِ الأنَفَةِ، كَما تَقُولُ: "إنْ كُنْتَ رَجُلًا فَقاتِلْ" تُخاطِبُ بِذَلِكَ رَجُلًا تُرِيدُ إقامَةَ نَفْسِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ يُرِيدُ: أهْلَ طاعَةٍ مُنْضافَةٍ إلى الإيمانِ المَشْرُوطِ، فَذِكْرُ الإسْلامِ فِيهِ زِيادَةُ مَعْنًى، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ أجابَ بَنُو إسْرائِيلَ بِنِيَّةِ التَوَكُّلِ عَلى اللهِ والنُطْقِ بِذَلِكَ، ثُمَّ دَعَوْا في ألّا يَجْعَلَهم فِتْنَةً لِلظَّلَمَةِ، والمَعْنى: لا تُنْزِلْ بِنا بَلاءً بِأيْدِيهِمْ أو بِغَيْرِ ذَلِكَ مُدَّةَ مُجاوَرَتِنا لَهم فَيُفْتَنُونَ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ إهْلاكَنا إنَّما هو بِقَصْدٍ مِنكَ لِسُوءِ دِينِنا وصَلاحِ دِينِهِمْ وأنَّهم أهْلُ الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا الدُعاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَتَضَمَّنُ دَفْعَ فَصْلَيْنِ، أحَدُهُما: القَتْلُ والبَلاءُ الَّذِي تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُونَ، والآخَرُ: ظُهُورُ الشِرْكِ بِاعْتِقادِ أهْلِهِ أنَّهم أهْلُ الحَقِّ، وفي ذَلِكَ فَسادُ الأرْضِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى «قَوْلُ النَبِيِّ : "بِئْسَ المَيِّتُ أبُو أُمامَةَ لِيَهُودَ والمُشْرِكِينَ، يَقُولُونَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صاحِبُهُ"»، ويَحْتَمِلِ اللَفْظُ مِنَ التَأْوِيلِ، وقَدْ قالَتْهُ فِرْقَةٌ: إنَّ المَعْنى: لا تَفْتِنْهم وتَبْتَلِهِمْ بِقَتْلِنا فَتُعَذِّبَهم عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ قَلَقٌ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
عطف بقية ما جرى في القصة مما فيه عبرة وموعظة.
وهذا مقدمة لخبر خروج موسى ومَن معه من أرض مصر.
فهذه المقدمة لتعريف كرامة موسى عليه السلام على ربه بأن استجاب له دعاءه، وأنفذ برسالته مُراده تعالى من إنقاذ بني إسرائيل من الاستعباد.
ومهَّد موسى لدعائه تمهيداً يدل على أن ما سأله من الله لزجر فرعون وملئه إنما هو لمصلحة الدين لا للانتقام منه لقومه ولنفسه، فسأل الله سلب النعمة عن فرعون وملئه وحلولَ العذاب بهم لخضد شوكتهم وتذليل تجبرهم ليرجعوا عن ضلالهم ويسهل قبولهم الإيمان.
ولما كانت النعمة مغرية بالطغيان لأهل الجهالة والخباثة جعل موسى إمداد فرعون بالنعمة مغرياً لفرعون بالاسترسال على الإعراض عن الدين فكان دعاء موسى عليهم استصلاحاً لهم وتطلباً لإيمانهم بوسائل التشديد عليهم، ولكن الله علم من قلوبهم ما لم يعلمه موسى وقضى عليهم بالاستئصال.
وافتتح الدعاءُ بالنداء لمناسبته لمقام الدعاء.
ونودي الله بوصف الربوبية تذللاً لإظهار العبودية.
وقوله: ﴿ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ توطئة للدعاء عليهم فليس المقصود به حقيقة الإخبار ضرورة أن موسى يوقن بأن الله يعلم ذلك فتعين أن الخبر مستعمل في التمهيد لطلب سلب النعمة عنهم في قوله: ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ .
ثم الانتقال إلى الدعاء بسلب ما أوتوه.
فاقتران الخبر بحرف (إنّ) في قوله: ﴿ إنَّك آتيت فرعون ﴾ الخ مقصود به الاهتمام بهذا المعنى الذي استعمل فيه الخبر إذ ليس المقام مقام دفع تردد أو دفع إنكار.
وقد تردد المفسرون في محل اللام في قوله: ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ .
والذي سلكه أهل التدقيق منهم أن اللام لام العاقبة.
ونُقل ذلك عن نحاة البصرة: الخليل وسيبويه، والأخفش، وأصحابهما، على نحو اللام في قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ [القصص: 8] فاللام الموضوعة للتعليل مستعارة لمعنى الترتب والتعقيب الموضوع له فاء التعقيب على طريقة الاستعارة التبعية في متعلق معنى الحرف فشبه ترتب الشيء على شيء آخر ليس علةً فيه بترتب المعلول على العلة للمبالغة في قوة الترتب حتى صار كأنه مقصود لمن ظهر عنده أثره، فالمعنى: إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً فضلوا بذلك وأضلوا.
وللمفسرين وجوه خمسة أخرى: أحدها: أن يكون للتعليل، وأن المعنى: إنك فعلت ذلك استدراجاً لهم، ونسب إلى الفراء، وفسر به الطبري.
الثاني: أن الكلام على حذف حرف، والتقدير: لئَلا يضلوا عن سبيلك أي فضلُّوا.
حكاه الفخر.
الثالث: أن اللام لام الدعاء.
روي هذا عن الحسن.
واقتصر عليه في «الكشاف».
وقاله ابن الأنباري.
وهو أبعد الوجوه وأثقلها.
الرابع: أن يكون على حذف همزة الاستفهام.
والتقدير: أليضلوا عن سبيلك آتيناهم زينة وأموالاً تقريراً للشنعة عليهم، قاله ابن عطية.
ويكون الاستفهام مستعملاً في التعجب، قاله الفخر.
الخامس: تأويل معنى الضلال بأنه الهلاك، قاله الفخر.
وهي وجوه ضعيفة متفاوتة الضعف فلا نطيل بتقريرها.
والزينة: ما يتزين به الناس، وما يحسن في أنظارهم من طرائف الدنيا، كالحلي والجواهر والمباني الضخمة.
قال تعالى: ﴿ زيَّن للناس حب الشهوات ﴾ [آل عمران: 14] وقال: ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا ﴾ [الكهف: 46] وقال: ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ﴾ [النحل: 6].
والأموال: ما به قوام المعاش، فالزينة تلهيهم عن اتباع المواعظ، وتعظّم شأنهم في أنظار قومهم، والأموال يسخِّرون بها الرعيَّة لطاعتهم، وقد كان للفراعنة من سعة الرزق ورفاعية العيش ما سار ذكره في الآفاق.
وظهرت مُثل منه في أهرامهم ونواويسهم.
وأعيد النداء بين الجملة المعلِّلة والجملة المعلَّلة لتأكيد التذلل والتعرض للإجابة ولإظهار التبرؤ من قَصد الاعتراض.
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب ﴿ ليَضلوا ﴾ بفتح الياء.
وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بضم الياء على معنى سعيهم في تضليل الناس.
والمعنى الحاصل من القراءتين متحد لأنهم إذا ضَلوا في أنفسهم وهم قادة قومهم كان ضلالهم تضليلاً لغيرهم، وكذلك إذا أضلوا الناس فإنهم ما أضلوهم إلا وهم ضالون مثلهم.
وقد علمت آنفاً أن الزينة سبب ضلالهم والأموال سبب إضلال الناس.
وأعيد النداء ثالثَ مرة؛ لزيادة تأكيد التوجه والتضرع.
وجملة: ﴿ اطمس على أموالهم ﴾ هي المقصود من هذا الكلام، والنداء يقوم مقام وصل الجملة بما قبلها بمنزلة حرف العطف.
والطمْس: المَحْو والإزالة.
وقد تقدم في قوله: ﴿ من قبل أن نَطْمس وجوهاً ﴾ في سورة [النساء: 47].
وفعله يتعدى بنفسه كما في آية سورة النساء، ويُعدى بحرف (على) كما هنا.
وقوله تعالى: ﴿ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ﴾ في سورة [يس: 66].
ولعل تعديته ب (على) لإرادة تمكن الفعل من المفعول، أو لتضمين الطمس معنى الاعتلاء بآلة المحو والإزالة، فطمس الأموال إتلافها وإهلاكها.
وأما قوله: واشدد} فأحسب أنه مشتق من الشد، وهو العسر.
ومنه الشدة للمصيبة والتحرج، ولو أريد غير ذلك لقيل: واطبع، أو واختم، أو نحوهما، فيكون شدّ بمعنى أدخل الشدّ أو استعمله مثل جَد في كلامه، أي استعمَل الجد.
وحرف (على) مستعار لمعنى الظرفية استعارة تبعية لإفادة تمكن الشدة.
والمعنى: أدخل الشدة في قلوبهم.
والقلوب: النفوس والعقول.
والمعنى: أنه يدعو عليهم بالأنكاد والأحزان التي تجعل قلوبهم في ضيق وحرج أي اجعلهم في عناء وبلبلة بال ما داموا في الكفر.
وهذا حرص منه عليه السلام على وسائل هدايتهم رجاء أنهم إذا زالت عنهم النعم وضاقت صدورهم بكروب الحياة تفكروا في سبب ذلك، فعجَّلوا بالنَّوبة إلى الله كما هو معتاد النفوس الغافلة قال تعالى: ﴿ وإذا مسّ الإنسان ضر دعا ربَّه منيباً إليه ﴾ [الزمر: 8].
ويجوز أن يكون ﴿ اشدد ﴾ من الشد، وهو الهجوم.
يقال: شد عليه، إذا هجم، وذلك أن قلوبهم في حالة النعمة والدعة آمنة ساكنة فدعا الله أن يشد عليهم بعذابه، تمثيلاً لحال إصابة نفوسهم بالأكدار والأحزان بحال من يَشُد على عدوّه ليقتله وهو معنى قوله تعالى: ﴿ وأجْلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ [الإسراء: 64] أي طوّعهم لحكمك وسَخّرهم.
وبهذا يظهر أن موقع الفاء في قوله: ﴿ فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ أن تكون فاء السببية في جواب الدعاء، أي افعَلْ بهم ذلك ليؤمنوا.
والفعل منصوب بأن مضمرة إضماراً واجباً بعد فاء السببية.
فقوله: ﴿ فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ﴾ في قوة أن يقال: فيؤمنوا حين يرون العذاب لا قَبْل ذلك.
وإنما عدل عن إيقاع جواب الدعاء بصيغة إثبات الإيمان، إلى إيراده بصيغة نفي مُغيّا بغاية هي رؤية العذاب سلوكاً لأسلوب بديع في نظم الكلام لأنه أراد أن يجمع بين ترتيب الجواب على الدعاء وبين ما استبان له من طبع نفوسهم بطبع أنهم لا تنفع فيهم الحجج وأن قساوة قلوبهم وشراسة نفوسهم لا تذللها إلا الآلام الجسدية والنفسانية، وكل ذلك علاجٌ بما هو مظنة إيصالهم من طرق الضغط والشدة حيث لم تُجْد فيهم وسائل الحجة، فقال: ﴿ فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ أي أن شأنهم ذلك، وهذا إيجاز بديع إذ جمع في هذا التركيب جواب الدعاء وبيانَ علة الدعاء عليهم بذلك.
وأصل الكلام: فيؤمنوا فإنهم لا يؤمنون إلا إذا رأوا العذاب الأليم.
والمقصود من جواب فعل الدعاء هو غاية الجواب التي بعد حتى، فتلك هي مصب الجواب.
وهذا الوجه في تفسير الآية وجه لا ترهقه غبرة الإشكال، ولا يعسر معه المنال، ويجوز أن يكون قوله: ﴿ فلا يومنوا ﴾ الخ عطفاً على قوله: ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ وجملة الدعاء بينهما معترضة.
والمعنى: ليضلوا عن سبيلك فيستمر ضلالهم حتى يروا العذاب الأليم.
وهذا تأويل المبرد والزجاج.
والمراد بالعذاب الأليم عذاب الفقر والجوع وعذاب النكد في النفس.
والرؤية مستعملة في الإحساس على وجه المجاز المرسل، أو مستعملة كناية عن حلول العذاب بهم لأن المشاهدة ملازمة لحلول الشيء المشاهد.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في الإسْلامِ إلَيْهِ.
الثّانِي: في الثِّقَةِ بِهِ.
﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونَنا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتَتِنُونَ بِنا لِظَنِّهِمْ أنَّهم عَلى حَقٍّ، قالَهُ أبُو الضُّحى وأبُو مِجْلَزٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾ يَعْنِي تَخَيَّرا واتَّخِذا لَهم بُيُوتًا يَسْكُنُونَها، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِمِصْرَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ البَلَدُ المُسَمّى مِصْرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ بُيُوتًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: قُصُورًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مَساجِدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: واجْعَلُوها مَساجِدَ تُصَلُّونَ فِيها، لِأنَّهم كانُوا يَخافُونَ فِرْعَوْنَ أنْ يُصَلُّوا في كَنائِسِهِمْ ومَساجِدِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ والنَّخَعِيُّ.
الثّانِي: واجْعَلُوا مَساجِدَكم قِبَلَ الكَعْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّالِثُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكُمُ الَّتِي بِالشّامِ قِبْلَةً لَكم في الصَّلاةِ، فَهي قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الرّابِعُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكم يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في بُيُوتِكم لِتَأْمَنُوا فِرْعَوْنَ.
الثّانِي: إلى قِبْلَةِ مَكَّةَ لِتَصِحَّ صَلاتُكم.
﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَشِّرْهم بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا، وبِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ يقول: دمر على أموالهم وأهلكها ﴿ واشدد على قلوبهم ﴾ قال: إطبع ﴿ فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ وهو الغرق.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: سألني عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عن قوله: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ فأخبرته أن الله طمس على أموال فرعون وآل فرعون حتى صارت حجارة.
فقال عمر: كما أنت حتى آتيك.
فدعا بكيس مختوم ففكه فإذا فيه الفضة مقطوعة كأنها الحجارة، والدنانير والدراهم وأشباه ذلك من الأموال حجارة كلها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ اطمس على أموالهم ﴾ قال: أهلكها ﴿ واشدد على قلوبهم ﴾ قال: بالضلالة ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ بالله فيما يرون من الآيات ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ قال: بلغنا أن زروعهم وأموالهم تحوّلت حجارة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ قال: صارت دنانيرهم ودراهمهم ونحاسهم وحديدهم حجارة منقوشة ﴿ واشدد على قلوبهم ﴾ يقول: أهلكهم كفاراً.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ قال: صارت حجارة.
وأخرج أبو الشيخ عن القرظي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ قال: اجعل سكرهم حجارة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ، قال ابن عباس: كان لهم من لدن فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب وفضة وزبرجد وياقوت (١) ﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ ، اختلفوا في هذه اللام؛ فقال الفراء: (إنها (٢) (٣) وققال الأخفش: اللام في ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ إنما هو لما يؤول إليه الأمر، والمعنى: إنك آتيت فرعون وملأه زينة فضلوا، كما أن معنى ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ أي: فكان كذلك (٤) (٥) قال الزجاج: المعنى: أصارهم ذلك إلى الضلال، كما قال: ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ أي: فالتقطوه (٦) (٧) (٨) ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ من الإضلال فقد ذكرنا وجه ذلك في قوله: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ ﴾ سورة الأنعام [119].
وقال ابن الأنباري: هذه لام الدعاء، وهي مكسورة تجزم المستقبل ويفتتح به (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ﴾ ، ذكرنا معنى الطمس عند قوله: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ﴾ (١٤) قال الأزهري فيما روى عن شمر: ويكون الطموس بمنزلة المسخ للشيء، قال الله: ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ﴾ قالوا: صارت حجارة (١٥) وهذا قول ابن عباس (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال القرظي: جعل سكرهم (٢٥) وقال قتادة: بلغنا أن حروثًا لهم صارت حجارة.
وقال السدي: مسخ الله أموالهم حجارة؛ النخل والثمار والدقيق والأطعمة (٢٦) وقال عطاء عن ابن عباس: لم يبق لهم معدن إلا [طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد (٢٧) قال الزجاج: تأويل طمس الشيء: إذهابه عن] (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: امنعهم عن الإيمان (٣١) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا ﴾ ، قال المبرد: هو عطف على قوله: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ أي: ربنا إنك آتيتهم ليضلوا فلا يؤمنوا (٣٣) وهذا اختيار أبي علي، قال: هو عطف على النصب الحادث من اللام في ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ ، وما بين ذلك من قوله: ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ﴾ اعتراض (٣٤) ﴿ آتَيْتَ ﴾ وما يتصل به، وهذا الضرب من الاعتراض كثير (٣٥) وقال الفراء (٣٦) (٣٧) ﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا ﴾ دعاء عليهم كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.
[قال ابن الأنباري: والتأويل فلا آمنوا (٣٨) (٣٩) (٤٠) ﴿ يُؤْمِنُوا ﴾ على هذا التأويل جزم بـ (لا) قال الأعشى: فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ...
ولا تلقني إلا وأنفك راغم (٤١) قال أبو بكر: ويجوز أن يكون ﴿ يُؤْمِنُوا ﴾ في موضع جزم بالنسق على (يضلوا)، و (يضلوا) منجزم بلام الدعاء (٤٢) وقال الفراء: وإن شئت جعلت ﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا ﴾ جوابًا لمسألة موسى لأن المسألة خرجت على لفظ الأمر، فـ (لا يؤمنوا) (٤٣) (٤٤) يا ناق سيري عنقًا فسيحًا ...
إلى سليمان فنستريحا (٤٥) قال ابن الأنباري: وذهب بعض الناس إلى أن معنى قوله: ﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا ﴾ فلن يؤمنوا، فأبدلت الألف من النون الخفيفة [وهذا خطأ لأن النون الخفيفة] (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ يريد الغرق (٤٧) (٤٨) (٤٩) (١) "الوسيط" 2/ 557، "زاد المسير" 4/ 55.
(٢) ساقط من (ى).
(٣) اهـ.
كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 477.
(٤) كتاب "معاني القرآن" للأخفش 1/ 377 بمعناه.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 30، "معاني القرآن الكريم" للنحاس 3/ 310، "إعراب القرآن" له 2/ 72 - 73، "الحجة للقراء السبعة" 3/ 291، 395.
(٦) في (ى): (فالتقطه)، والمثبت موافق للمصدر وهو الصواب.
(٧) اهـ.
كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 30.
(٨) قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بضم الياء من الفعل (أضل)، وقرأ الباقون بفتحها من الفعل (ضل).
انظر: "الغاية" ص 149، " إرشاد المبتدي" ص 3174، "النشر" 2/ 262، "إتحاف فضلاء البشر" ص 253.
(٩) هكذا في جميع النسخ، والأولى بالسياق أن يقول: بها.
(١٠) في (ح) و (ز): (للمؤمنين).
(١١) في (م): (تاويله).
(١٢) في (ح) و (ز): (سبيله).
(١٣) انظر قول ابن الأنباري في: "زاد المسير" 4/ 56.
(١٤) وهذه الآية مع تسع آيات مفقودة في النسخ التي بين يدي.
(١٥) اهـ.
كلام شمر، انظر: "تهذيب اللغة" (طمس) 3/ 2218.
(١٦) رواه الثعلبي 7/ 24 أ، والبغوي 4/ 147.
(١٧) رواه الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/ 296، وابن جرير 11/ 158، وابن أبي حاتم 6/ 1979، والثعلبي 7/ 24 أ، والبغوي 4/ 147.
(١٨) رواه ابن جرير 11/ 158، وابن أبي حاتم 6/ 1979، والثعلبي 7/ 24 أ، والبغوي 4/ 147.
(١٩) المصادر السابقة، عدا ابن جرير.
(٢٠) رواه ابن جرير 11/ 158، والثعلبي 7/ 24 ب، ولفظه: طمس على أموالهم فصارت حجارة ذهبهم ودراهمهم وعدسهم وكل شيء، وانظر التعليق الآتي على قول السدى.
(٢١) رواه ابن جرير 11/ 157.
(٢٢) رواه ابن جرير في الموضع السابق، وابن أي حاتم 6/ 1979.
(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢٤) انظر تخريج هذا الأثر والآثار التالية في التعليقات السابقة.
(٢٥) بضم السنن وتشديد الكاف، وهو معروف، أو بفتح السين والكاف من غير شديد، وهو نقيع التمر الذي لم تمسه النار، أو الخمر، أو النبيذ، وكان إبراهيم والشعبي وأبو رزين يقولون: السَّكَر: خمر.
وقال أبو عبيدة: الطعام.
واحتج بقول الآخر: جعلت أعراض الكرام سكرا انظر: "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1719، "التكملة والذيل والصلة" (سكر) 3/ 33، "لسان العرب" (سكر) 4/ 2047.
(٢٦) الظاهر أن هذا القول وما في معناه مما تلقاه المفسرون عن أهل الكتاب، ولو صح ما ذكره السدي وابن زيد لهلكوا، ومعلوم أن هلاكهم كان غرقًا في اليم، ثم إن قوله تعالى: ﴿ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ يدل على بطلان القول بعموم مسخ أموالهم وطعامهم وزروعهم، ولم يرد دليل صحيح على مسخ البعض، وعلى ضوء ذلك فالراجح ما رواه ابن جرير 11/ 158، عن ابن عباس ومجاهد بأن معنى الآية: دمر عليهم وأهلك أموالهم، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ﴾ ، وكشف الرجز عنهم يبين وجه الجمع بين الآيات الدالة على هلاك أموالهم والآيات الدالة على بقائها بعد غرقهم.
(٢٧) ذكره القرطبي 8/ 374، وأبو حيان 5/ 187، وانظر التعليق السابق.
(٢٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).
(٢٩) في (ى): (عليه).
(٣٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 31، والطمس في اللغة: الدروس والانمحاء، وطمس الكواكب: ذهاب نورها.
انظر: "اللسان" (طمس).
(٣١) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 557، والقرطبي 8/ 374، وأبو حيان 5/ 187، ورواه بمعناه ابن جرير 11/ 581، وابن أبي حاتم 6/ 1979.
(٣٢) لكن وفق حكمته وعدله كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ .
(٣٣) ذكر قول المبرد هذا: الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 31، وانظر: "زاد المسير" 4/ 57.
(٣٤) ساقط من (ى).
(٣٥) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 395.
(٣٦) "معاني القرآن" 1/ 477 واللفظ له.
(٣٧) "معاني القرآن وإعرابه"، ولفظه: فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، دعاء أيضًا عليهم.
(٣٨) من (م) وفي بقية النسخ: فلا يؤمنوا، وما أثبته موافق للمصدر التالي.
(٣٩) "زاد المسير" 4/ 57.
(٤٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٤١) البيت للأعشى الكبير من قصيده يهجو بها يزيد بن مسهر الشيباني، انظر: "ديوانه" ص 178، "زاد المسير" 4/ 57، "لسان العرب" (زوى) 3/ 1894.
(٤٢) ساقط من (ى).
(٤٣) عبارة الفراء: فتجعل (فلا يؤمنوا) في موضع نصب.
(٤٤) هو: أبو النجم العجلي يمدح سليمان بن عبد الملك، انظر: "الدرر اللوامع" 3/ 52، "كتاب سيبويه" 3/ 35، "لسان العرب" (نفخ) 8/ 4495، و (عنق) 5/ 3134، والعنق: ضرب من السير.
انظر: "لسان العرب" (عنق).
(٤٥) اهـ.
كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 478.
(٤٦) ما بين المعقومن ساقط من عدا (م).
(٤٧) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 158، والثعلبي 7/ 24 ب.
(٤٨) رواه ابن جرير 11/ 160، ورواه أيضاً ابن أبي حاتم 6/ 1980، من رواية عطية العوفي.
(٤٩) رواه ابن جرير 11/ 160، وبنحوه ابن أبي حاتم 6/ 1980، من رواية علي بن أبي طلحة الوالبي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ دعاء بلفظ الأمر، وقيل: اللام لام كي وتتعلق بقوله: آتيت ﴿ اطمس على أموالهم ﴾ أي أهلكها ﴿ واشدد على قُلُوبِهِمْ ﴾ أي اجعلها شديدة القسوة ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُواْ ﴾ جواب للدعاء الذي هو اشدد، ودعاء بلفظ النفي.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ شأن ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يعزب ﴾ بالكسر حيث كان: علي.
الباقون بالضم.
﴿ ولا أصغر ﴾ ﴿ ولا أكبر ﴾ بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل.
الآخرون بالنصب.
الوقوف: ﴿ تفيضون فيه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح صفة ﴿ لأولياء ﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿ يتقون ﴾ أو مبتدأ خبره ﴿ لهم البشرى ﴾ فلا يوقف على ﴿ يتقون ﴾ ﴿ وفي الآخرة ﴾ ط ﴿ لكلمات الله ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿ أولياء ﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول.
﴿ قولهم ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ إن العزة ﴾ مقول الكفار.
﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه { } ط ﴿ الغني ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بهذا ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ لا يفلحون ﴾ ه ط، ﴿ يكفرون ﴾ ه.
التفسير: لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بيّن كونه عالماً بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك فقال: ﴿ وما تكون ﴾ يا محمد ﴿ في شأن ﴾ أي أمر من الأمور.
وأصله الهمز بمعنى القصد من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.
قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر.
وقال الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و "ما" في ﴿ وما تكون ﴾ ﴿ وما تتلو ﴾ نافية والضمير في ﴿ منه ﴾ إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل وميكال ﴾ وإما للقرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن.
ثم عمم الخطاب فقال: ﴿ ولا تعملون ﴾ أيها المكلفون ﴿ من عمل ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن المراد الملائكة الموكلون ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ الإفاضة الشروع في العمل على جهة الانصباب والاندفاع ومنه قوله: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات ﴾ قيل: شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها.
والجواب أن الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو أخبرنا الصادق أن زيداً يفعل كذا غداً فنكون عالمين بذلك لا شاهدين.
ثم زاد في التعميم فقال: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل.
ومعنى ﴿ مثقال ذرة ﴾ قد مر في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ وذلك في سورة النساء.
والمقصود أنه لا يغيب عن علمه شيء أصلاً وإن كان في غاية الحقارة.
وإنما قال ههنا ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام سيق لشاهدته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد تسليم أن الواو تفيد الترتيب.
ثم بالغ في تعميم علمه فقال: ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوباً معطوفاً على لفظ مثقال لأنه في موضع الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعاً معطوفاً على محل ﴿ من مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وإنه محال.
ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض.
وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب مبين.
وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه غير عالم بالجزيئات.
أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في كتاب مبين.
وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم إن "إلا" بمعنى الواو على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ ولا أكبر ﴾ ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب ﴿ مبين ﴾ والعرب تضع "إلا" موضع واو النسق كثيراً ومنه قوله: ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ﴾ يعني ومن ظلم.
وقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ﴾ يعني والذين ظلموا.
ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال كل فريق فقال: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الآية.
والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه لاستغراقهم في نور معرفته وجماله وجلاله.
قال أبو بكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه.
وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله في وصفهم ﴿ الذين آمنوا ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية.
﴿ وكانوا يتقون ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة العملية.
وههنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقياً في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن يقدس ذاته عن أن يكون مقصوراً على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبداً في الخوف والدهشة.
وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة البقرة: وعن سعيد بن جبير أن رسول الله سئل من أولياء الله؟
فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم.
يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات والسكينة.
وعن عمر سمعت النبي يقول: "إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله.
قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم.
قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ الآية" يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة.
ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟
فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله.
ثم أخبر الله عنهم بأن ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقيل: بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات ﴾ ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ﴾ وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن.
عن أبي ذر قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.
قال: تلك عاجل بشرى المؤمن.
والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه.
ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله.
وقيل: هي الرؤيا الصالحة.
وعنه : "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي استنبىء بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر.
ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين.
وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك.
وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ﴾ وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في "الأنعام" ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام.
تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله.
ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: ﴿ ولا يحزنك ﴾ أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح.
ثم استأنف قوله: ﴿ إن العزة لله ﴾ كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟
فقيل: لأن العزة لله.
﴿ جميعاً ﴾ إن الغلبة والقهر له ولحزبه ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ وقرىء "أن" بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعاً والرسول كان يحزنه ذلك وهذا كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله واثقاً بوعد الله في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها.
ثم أكد الوعد بقوله: ﴿ هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم.
ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين - وهم الملائكة والثقلان - كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكاً له فما وراءهم ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون نداً له.
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ وما يتبع ﴾ "ما" نافية ومفعول ﴿ يدعون ﴾ محذوف أي ليس يتبع ﴿ الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة الله في الربوبية محال.
وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول ﴿ يدعون ﴾ والثاني مفعول ﴿ يتبع ﴾ ويجوز أن تكون "ما" استفهامية بمعنى أي شيء يتبعون.
و ﴿ شركاء ﴾ على هذا نصب بـ ﴿ يدعون ﴾ ولا حاجة إلى إضمار.
ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "من" كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم.
ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ وقد مر مثله في سورة الأنعام.
ثم ذكر طرفاً من آثار قدرته مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: ﴿ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ طلباً للراحة ﴿ والنهار مبصراً ﴾ ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر وقبول.
ثم حكى نوعاً آخر من أباطيلهم فقال: {قالوا اتخذ الله ولداً } وقد مر في "البقرة".
ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: ﴿ هو الغني ﴾ وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى الولد ولا يصح له مثل.
وأيضاً الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضاً متولداً من مثله ولا يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا الوقوع.
ثم بالغ في البرهان فقال: ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإذا كان الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولداً له لأن الأب يساوي الابن في الطبيعة بخلاف المالك.
ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ أي ما عندكم من حجة بهذا القول.
قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق بقوله: ﴿ إن عندكم ﴾ على أن يجعل القول مكاناً للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم موز.
كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان.
أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال الباء بمعنى "في" أكثر منه بمعنى "على".
ثم وبخهم على القول بلا دليل ومعرفة فقال: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ .
ثم أوعدهم على افترائهم فقال: ﴿ قل إن الذين يفترون ﴾ الآية.
ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك ﴿ متاع قليل ﴾ في الدنيا.
ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد والعذاب الأليم أعاذنا الله منه.
التأويل: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ من النبوة ﴿ وما تتلوا ﴾ من شأن النبوة ﴿ من قرآن ﴾ ﴿ ولا تعملون ﴾ يا أمة محمد ﴿ من عمل ﴾ من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر.
﴿ ولا في السماء ﴾ أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ﴿ ولا أصغر ﴾ من الحركة وهو القصد دون الفعل ﴿ ولا أكبر ﴾ من النية وهو العمل ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الذين هم أعداء النفوس ﴿ لا خوف عليهم ﴾ من تمني النظر بنفوسهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ بالوقائع والمبشرات ﴿ وفي الآخرة ﴾ بكشف القناع عن جمال العزة.
﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً ﴿ ولا يحزنك ﴾ يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني "وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك" ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا ﴿ هو الذي جعل لكم ﴾ ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ﴿ لقوم يسمعون ﴾ حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية.
ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد.
وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الكشوف والأحوال ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات ﴿ إن الذين يفترون ﴾ هم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ لا يفلحون ﴾ لا يظفرون بكشف الحقائق {ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أي: من بعد من ذكرنا من الرسل.
﴿ مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ ﴾ : بعثهما إلى الملأ وغير الملأ.
﴿ بِآيَـٰتِنَا ﴾ : يحتمل الوجوه التي ذكرنا.
﴿ فَٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ : هذا يدل أنهم قد عرفوا أن ما جاءهم الرسول من الآيات أنها آيات، لكنهم عاندوا وكابروا ولم يخضعوا في قبولها وكانوا قوماً مجرمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ﴾ أي: الحجج والآيات من عندنا، ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا ﴾ يعنون الحجج والبراهين التي جاء بها موسى، ﴿ لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يسمون الحجج والبراهين سحراً لما أن السحر عندهم باطل، لذلك قالوا للحجج إنها سحر، وذلك تمويه منهم يموهون على الناس لئلا يظهر الحق عندهم فيتبعونه.
وقال بعضهم: الحق هو الإسلام والدين؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ﴾ .
﴿ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يعنون الحجج والآيات التي جاءهم بها للدين لأنه جاءهم بالدين، وجاءهم أيضاً بحجج الدين وآياته، قالوا: الحجج: الدين، والإسلام: سحر، ففي التأويلين جميعاً سموا الحجج سحراً.
وقوله: ﴿ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ﴾ أي: بأمرنا، وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ﴾ أي: الإسلام هو الدين [الذي] أمر الله به، لا أنه يفهم للـ (عند) مكان ينتقل من مكان إلى مكان، ولكن معنى الـ (عند) معنى الأمر، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ ﴾ يعني الملائكة ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ أي: [إن] الذين بأمر ربّك يعبدونه لا يستكبرون عن عبادته لما أنه لم يفهم من مجيء الحق من عنده مكان، فعلى ذلك لا يجوز أن يفهم من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ ﴾ المكان أو قرب المكان منه، ولكن التأويل ما ذكرنا أن المفهوم من عند الله أمره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـٰذَا ﴾ : والحق ما ذكرنا.
﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ : الإفلاح هو الظفر بالحاجة، يقول: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ أي: لا [يظفر الساحر] بالحاجة ولا يغلب؛ لأن السحر باطل ولا يغلب الباطل الحق، بل الحق هو الغالب.
والسحر هو المغلوب على ما غلب الحق الذي جاء به موسى السحر الذي جاء سحرة فرعون.
أو يقول: لا يفلح الساحرون في الآخرة بسحرهم في الدنيا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ بسحرهم في حال سحرهم؛ كقوله: ﴿ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ ، و ﴿ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 117\] أي: لا يفلحون بظلمهم في حال ظلمهم، وأما إذا تركوا الظلم فقد أفلحوا، فعلى ذلك السحرة إذ تركوا السحر فقد أفلحوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا ﴾ قيل: لتصرفنا وتصدنا.
قال القتبي: لفت فلانا عن كذا إذا صرفته، والالتفات منه وهو الانصراف.
وقال أبو عوسجة: ﴿ لِتَلْفِتَنَا ﴾ أي: تردنا وتصرفنا على ما ذكر القتبي، قال: يقال: لفته يلفته لفتا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ : من عبادة الأصنام والأوثان.
ويحتمل ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة فرعون والطاعة له.
﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: الكبرياء الملك والسلطان والشرف، أي: الملك الذي كان لفرعون والسلطان يكون لكما [باتباع الناس لكما؛ لأن كل متبوع مطاع معظم مشرف ويحتمل ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: الألوهية التي كان يدعى فرعون لنفسه لكما] لأن عندهم أن كل من أطيع واتبع فقد عبد ونصب إلها.
﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: بمصدقين فيما تدعوننا إليه أو ما تدعون من الرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ هذا من فرعون ينقض ما ادعى من الألوهية؛ حيث أظهر الحاجة إلى غيره ولا يجوز أن يكون المحتاج إلهاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ * فَلَمَّآ أَلْقَواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ أي: سيبطل عمل السحر الذي قصدوا به، أي: يجعله مغلوباً؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ أي: لا يغلب الساحرون ولا يظفرون بالحاجة.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ أي: لا يصلح ما أفسدوا من أعمالهم فيجعلهم صالحين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ : هو ما ذكرنا، أي: لا يجعلهم بأعمالهم الفاسدة صالحين، أو لا يجعل أعمالهم الفاسدة صالحة.
وقال بعضهم: ﴿ لاَ يُصْلِحُ ﴾ أي: لا يرضي بعمل المفسدين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ : ذكر أن يحق الحق والحق حق وإن لم يحق الحق، وكذلك ذكر في الباطل ليبطل الباطل والباطل باطل وإن لم يبطل، ولكن يحتمل قوله: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ ﴾ ويبطل الباطل، أي: ليجعل الحق في الابتداء حقا فيصير حقا، ويجعل الباطل في الابتداء باطلا، فيكون باطلا أي: بإبطاله الباطل يكون باطلا وبتحقيقه الحق [يكون حقّاً وهو ما يقال: هداه فاهتدى، وأضله فضل، أي: بهدايته اهتدى وبضلاله ضل؛ فعلى ذلك بإبطاله الباطل بطل وبتحقيقه الحق حق]، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل يحق الحق بكلماته [أي: برسله؛ إذ بالرسل يظهر الحق وبهم يظهر بطلان الباطل وهم حجج الله في الأرض وبالحجج يظهر الحق، وكذلك الباطل.
ويحتمل ما ذكر أهل التأويل بكلماته: آياته التي أنزل عليه، بها ظهر حقيقة ما أتى به موسى وبها ظهر بطلان ما أتى به السحرة من السحر.
ويحتمل كلماته] ما وعد موسى قومه من العذاب الذي وعد [من الظفر بأعدائهم والنصر عليهم وغير ذلك ما وعد من] النعمة لهم؛ كقوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ مِّن قَوْمِهِ ﴾ من قوم موسى لما قيل: إن موسى كان من أولاد إسرائيل، فهم من ذريته من هذا الوجه، يقال: أهل بيت فلان وإن لم يكن البيت له.
ويحتمل [قوله]: ﴿ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ من قوم فرعون فهو نسب إليه لما ذكرنا.
وقال أهل التأويل: أراد بالذرية القليل منهم، أي: ما آمن منهم إلا القليل، ولكن لا ندري ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ ﴾ .
يحتمل: ما آمن من آمن من قومه إلا على خوف من فرعون وملئه أي: آمنوا، أي: وإن خافوا من فرعون وملئه.
ويحتمل ما ترك من قومه الإيمان بموسى من ترك إلا على خوف من فرعون أن يفتنهم أي: يقتلهم ويعذبهم، ففيه دلالة أن الخوف لا يعذر المرء في ترك الإيمان حقيقة، وإن كان يعذر في ترك إظهاره؛ لأن الإيمان هو التصديق والتصديق يكون بالقلب ولا أحد من الخلائق يطلع على ذلك؛ لذلك لم يعذر في ترك إتيانه لأنه يقدر على إسراره، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾ كان مؤمناً فيما بينه وبين ربه وإن لم يظهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: قهر وغلب على أهل الأرض وإنه لمن المسرفين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ فيه دلالة أن الإيمان والإسلام واحد في الحقيقة؛ لأنه بدأ بالإيمان بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ ﴾ وختم بالإسلام بقوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ دل أنهما واحد هو اعتقاد ترك تضييع كل حق، والإسلام اعتقاد تسليم كل حق وترك تضييعه، والله أعلم.
والإسلام هو جعل كلية الأشياء لله سالمة، والإيمان هو التصديق بكلية الأشياء فيما فيها من الشهادة لله بالربوبية له والألوهية.
وقوله: ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يكون قال ذلك لما خافوا مواعيد فرعون وعقوباته؛ كقوله للسحرة لما آمنوا: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ...
﴾ الآية [الأعراف: 124]، فقال عند ذلك: ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ ﴾ في دفع ذلك عنكم، فقالوا: ﴿ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
قوله: ﴿ لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ يحتمل ما قاله على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم ما قيل أي: يقتلهم ويعذبهم، والله أعلم.
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي لا تجعل لهم علينا الظفر والنصر، فيظنون أنهم على هدى وعلى حق ونحن على ضلال وباطل.
والثاني: لا تجعلنا تحت أيدي الظلمة فيعذبونا؛ فيكون ذلك فتنة لنا ومحنة على ما فعل فرعون بالسحرة لما آمنوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ فيه أن قوله: الظالمين والكافرين واحد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقال موسى : ربنا، إنك أعطيت فرعون والأشراف من قومه من زخرف الدنيا وبهارجها زينة، وأعطيتهم أموالًا في هذه الحياة الدنيا، فلم يشكروك على ما أعطيتهم، بل استعانوا بها على الإضلال عن سبيلك، ربنا امْحُ أموالَهم وامحقها، واجعل قلوبهم قاسية، فلا يؤمنون إلا حين يشاهدون العذاب الموجع حين لا ينفعهم إيمانهم.
من فوائد الآيات الثقة بالله وبنصره والتوكل عليه ينبغي أن تكون من صفات المؤمن القوي.
بيان أهمية الدعاء، وأنه من صفات المتوكلين.
تأكيد أهمية الصلاة ووجوب إقامتها في كل الأديان السماوية وفي كل الأحوال.
مشروعية الدعاء على الظالم.
<div class="verse-tafsir" id="91.68RqB"