الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٨٩ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 131 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٩ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقال تعالى : ( قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما [ ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ] ) أي : كما أجيبت دعوتكما فاستقيما على أمري .
قال ابن جريج ، عن ابن عباس : ( فاستقيما ) فامضيا لأمري ، وهي الاستقامة .
قال ابن جريج : يقولون : إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة .
وقال محمد بن علي بن الحسين : أربعين يوما .
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عن إجابته لموسى صلى الله عليه وسلم وهارون دعاءهما على فرعون وأشراف قومه وأموالهم.
يقول جل ثناؤه: (قال) الله لهما : (قد أجيبت دعوتكما) ، في فرعون وملئه وأموالهم.
* * * فإن قال قائل: وكيف نسبت " الإجابة " إلى اثنين و " الدعاء "، إنما كان من واحد ؟
قيل: إن الداعي وإن كان واحدًا ، فإن الثاني كان مؤمِّنًا، وهو هارون، فلذلك نسبت الإجابة إليهما، لأن المؤمِّن داعٍ.
(1) وكذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 17847- حدثني محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن رجل، عن عكرمة في قوله: (قد أجيبت دعوتكما) ، قال: كان موسى يدعو، وهارون يؤمن، فذلك قوله: (قد أجيبت دعوتكما).
* * * وقد زعم بعض أهل العربية ، أن العرب تخاطب الواحد خطاب الاثنين، وأنشد في ذلك: (2) فَقُلْـــتُ لِصَــاحِبي لا تُعْجَلانَــا بِــنزعِ أُصُولِــهِ وَاجْــتَزَّ شِـيحَا (3) * * * 17848- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا زكريا بن عدي، عن ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح قال: (قد أجيبت دعوتكما) قال: دعا موسى، وأمن هارون.
17849- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي وزيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب قال: دعا موسى، وأمَّن هارون.
17850-.
.
.
.
قال: حدثنا أبو معاوية، عن شيخ له، عن محمد بن كعب قال: دعا موسى وأمّن هارون.
17851- حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: (قد أجيبت دعوتكما) ، قال: دعا موسى، وأمن هارون.
17852- قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد، وعبد الله بن أبي جعفر، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: دعا موسى وأمَّن هارون، فذلك قوله: (قد أجيبت دعوتكما).
17853- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن رجل، عن عكرمة في قوله: " قد أجيبت دعوتكما " قال: كان موسى يدعو وهارون يؤمّن، فذلك قوله : (قد أجيبت دعوتكما).
17854- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: (قد أجيبت دعوتكما) لموسى وهارون ، قال ابن جريج: قال عكرمة: أمّن هارون على دعاء موسى فقال الله: (قد أجيبت دعوتكما فاستقيما).
17855- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: كان هارون يقول: آمين فقال الله: (قد أجيبت دعوتكما) فصار التأمين دعوة صار شريكه فيها.
* * * وأما قوله: (فاستقيما) ، فإنه أمرٌ من الله تعالى لموسى وهارون بالاستقامة والثبات على أمرهما ، من دعاء فرعون وقومه إلى الإجابة إلى توحيد الله وطاعته، إلى أن يأتيهم عقاب الله الذي أخبرهما أنه أجَابَهما فيه ، (4) كما:- 17856- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: (فاستقيما) : فامضيا لأمري، وهي الاستقامة ، قال ابن جريج : يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة.
(5) * * * وقوله: (ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون) ، (6) يقول: ولا تسلكانّ طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي، فتستعجلان قضائي، فإن وعْدي لا خلف له، وإن وعيدي نازلٌ بفرعون وعذابي واقع به وبقومه.
------------------------- الهوامش : (1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 478 .
(2) هو مضرس بن ربعى الأسدي .
(3) الصاحبي : 186 ، ابن يعيش 10 : 49 ، واللسان ( جزز ) ، وسيأتي في التفسير 26 : 103 ، ( بولاق ) .
من كلمة له ، لم أجدها مجموعة في مكان ، ومنها أبيات في حماسة ابن الشجري 27 ، 204 ، يقولها في الشواء ، يقول قبل البيت : وَفِتْيَــانٍ شَــوَيْتُ لَهُــمْ شِــوَاءً سَــريعَ الشَّــيِّ كـنْتُ بِـهِ نَجِيحَـا فَطِــرْتُ بِمُنْصُــلِي فـي يَعْمَـلاَتٍ دَوَامِــي الأَيْــدِ يَخْـبِطْنَ السَّـرِيحَا وقُلْــتُ لِصَــاحِبي : لا تَحْبِسَــانَا .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ويروى " لا تحبسنا " ، ولا شاهد فيها ، ويروى " واجدز " ( بتشديد الزاي ) وقلب " التاء دالا ، ورواية الطبري الآتية : " لا تحبسانا " أيضًا .
" النجيح " : المجد السريع .
واليعملات : النوق .
و" الدوامي " : قد دميت أيديها من طول السير وشدته .
و" السريح " : خرق أو جلود تشد على أخفاف الإبل إذا دميت .
ويقول لصاحبه : لا تحبسنا عن الشيء ، أو : لا تجعلنا نعجل عليك بالدعاء ، بطول تلبثك في نزع الحطب من أصوله ، بل خذ ما من تيسر قضبانه وعيدانه ، وائتنا به لنشوي .
(4) انظر تفسير " الاستقامة " ، فيما سلف من فهارس اللغة ( قوم ) .
(5) هكذا في المطبوعة والدر المنثور : " بعد هذه الدعوة " ، وفي المخطوطة : " بعد هذه الآية " ، إلا أن " الآية " سيئة الكتابة .
(6) انظر تفسير " اتبع " و " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة ( اتبع ) ، ( سبل ) .
وما سيأتي بعد قليل في تفسير الآية التالية .
قوله تعالى قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون[ ص: 283 ] قوله تعالى قال قد أجيبت دعوتكما قال أبو العالية : دعا موسى وأمن هارون ; فسمي هارون وقد أمن على الدعاء داعيا .
والتأمين على الدعاء أن يقول آمين ; فقولك آمين دعاء ، أي يا رب استجب لي .
وقيل : دعا هارون مع موسى أيضا .
وقال أهل المعاني : ربما خاطبت العرب الواحد بخطاب الاثنين ; قال الشاعر :فقلت لصاحبي لا تعجلانا بنزع أصوله فاجتز شيحاوهذا على أن آمين ليس بدعاء ، وأن هارون لم يدع .
قال النحاس : سمعت علي بن سليمان يقول : الدليل على أن الدعاء لهما قول موسى عليه السلام ( ربنا ) ولم يقل رب .
وقرأ علي والسلمي " دعواتكما " بالجمع .
وقرأ ابن السميقع " أجبت دعوتكما " خبرا عن الله تعالى ، ونصب ( دعوة ) بعده .
وتقدم القول في " آمين " في آخر الفاتحة مستوفى .
وهو مما خص به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهارون وموسى عليهما السلام .
روى أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم : السلام ، وهي تحية أهل الجنة ، وصفوف الملائكة ، وآمين : إلا ما كان من موسى وهارون ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول .
وقد تقدم في الفاتحة .قوله تعالى ( فاستقيما ) قال الفراء وغيره : أمر بالاستقامة على أمرهما والثبات عليه من دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان ، إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة .
قال محمد بن علي وابن جريج : مكث فرعون وقومه بعد هذه الإجابة أربعين سنة ثم أهلكوا .
وقيل : استقيما أي على الدعاء ; والاستقامة في الدعاء ترك الاستعجال في حصول المقصود ، ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا باستقامة السكينة فيه ، ولا تكون تلك السكينة إلا بالرضا الحسن لجميع ما يبدو من الغيب .ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون بتشديد النون في موضع جزم على النهي ، والنون للتوكيد ، وحركت لالتقاء الساكنين ، واختير لها الكسر لأنها أشبهت نون الاثنين .
وقرأ ابن ذكوان بتخفيف النون على النفي .
وقيل : هو حال من ( استقيما ) ; أي استقيما غير متبعين ، والمعنى : لا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي .
} { قَالَ } الله تعالى { قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا } هذا دليل على أن موسى، [كان] يدعو، وهارون يؤمن على دعائه، وأن الذي يؤمن، يكون شريكا للداعي في ذلك الدعاء.
{ فَاسْتَقِيمَا } على دينكما، واستمرا على دعوتكما، { وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } أي: لا تتبعان سبيل الجهال الضلال، المنحرفين عن الصراط المستقيم، المتبعين لطرق الجحيم.
( قال ) " الله تعالى لموسى وهارون ، ( قد أجيبت دعوتكما ) إنما نسب إليهما والدعاء كان من موسى لأنه روي أن موسى كان يدعو وهارون يؤمن ، والتأمين دعاء .
وفي بعض القصص : كان بين دعاء موسى وإجابته أربعون سنة .
( فاستقيما ) على الرسالة والدعوة ، وامضيا لأمري إلى أن يأتيهم العذاب ( ولا تتبعان ) نهي بالنون الثقيلة ، ومحله جزم ، يقال في الواحد : لا تتبعن بفتح النون ؛ لالتقاء الساكنين ، وبكسر النون في التثنية لهذه العلة .
وقرأ ابن عامر بتخفيف النون لأن نون التأكيد تثقل وتخفف ، ( سبيل الذين لا يعلمون ) يعني : ولا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي ، فإن وعدي لا خلف فيه ، ووعيدي نازل بفرعون وقومه .
«قال» تعالى «قد أجيبت دعوتكما» فمسخت أموالهم حجارة ولم يؤمن فرعون حتى أدركه الغرق «فاستقيما» على الرسالة والدعوة إلى أن يأتيهم العذاب «ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون» في استعجال قضائي روي أنه مكث بعدها أربعين سنة.
قال الله تعالى لهما: قد أجيبت دعوتكما في فرعون وملئه وأموالهم -وكان موسى يدعو، وهارون يؤمِّن على دعائه، فمن هنا نسبت الدعوة إلى الاثنين- فاستقيما على دينكما، واستمرَّا على دعوتكما فرعون وقومه إلى توحيد الله وطاعته، ولا تسلكا طريق مَن لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي.
( قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ )أى : قال الله - تعالى - لموسى هارون - عليهما السلام - : أبشرا فقد أجبت دعوتكما فى شأن فرعون وملئه ( فاستقيما ) على أمرى ، وامضيا فى دعوتكما الناس إلى الحق ، واثبتا على ما أنتما عليه من الإِيمان بى والطاعة لأمرى .( وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ) ما جرت به سنتى فى خلقى ، ولا يدركون طريق الخير من طريق البشر .وكان الجواب من الله - تعالى - لموسى وهارون ، مع أن الداعى موسى فقط كما صرحت الآيات السابقة ، لأن هارون كان يؤمن على دعاء أخيه موسى والتأمين لون من الدعاء .هذا ، ومن الحكم والعظات التي نأخذها من هاتين الآيتين الكريمتين : أن من علامات الإِيمان الصادق .
أن يكون الإِنسان غيورا على دين الله ، ومن منظاهر هذه الغيرة أن يتمنى زوال النعمة من بين أيدى المصرين على جحودهم وفسوقهم وبطرهم لأن وجود النعم بين أيديهم كثيرا ما يكون سببا فى إيذاء المؤمنين ، وإدخال القلق والحيرة على نفوس بعضهم .وأن الداعى متى توجه إلى الله - تعالى - بقلب سليم ، ولسان صادق ، كان دعاؤه مرجو القبول عنده - سبحانه - .
اعلم أن موسى لما بالغ في إظهار المعجزات الظاهرة القاهرة ورأى القوم مصرين على الجحود والعناد والإنكار، أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أولاً سبب إقدامه على تلك الجرائم، وكان جرمهم هو أنهم لأجل حبهم الدنيا تركوا الدين، فلهذا السبب قال موسى عليه السلام: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً ﴾ والزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب، وأثاث البيت والمال ما يزيد على هذه الأشياء من الصامت والناطق.
ثم قال: ﴿ لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وعاصم ﴿ لِيُضِلُّواْ ﴾ بضم الياء وقرأ الباقون بفتح الياء.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يضل الناس ويريد إضلالهم وتقريره من وجهين: الأول: أن اللام في قوله: ﴿ لِيُضِلُّواْ ﴾ لام التعليل، والمعنى: أن موسى قال يا رب العزة إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، فدل هذا على أنه تعالى قد يريد إضلال المكلفين.
الثاني: أنه قال: ﴿ واشدد على قُلُوبِهِمْ ﴾ فقال الله تعالى: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ وذلك أيضاً يدل على المقصود.
قال القاضي: لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ويدل عليه وجوه: الأول: أنه ثبت أنه تعالى منزه عن فعل القبيح وإرادة الكفر قبيحة.
والثاني: أنه لو أراد ذلك لكان الكفار مطيعين لله تعالى بسبب كفرهم، لأنه لا معنى للطاعة إلا الإتيان بما يوافق الإرادة ولو كانوا كذلك لما استحقوا الدعاء عليهم بطمس الأموال وشد القلوب، والثالث: أنا لو جوزنا أن يريد إضلال العباد، لجوزنا أن يبعث الأنبياء عليهم السلام للدعاء إلى الضلال، ولجاز أن يقوي الكذابين الضالين المضلين بإظهار المعجزات عليهم، وفيه هدم الدين وإبطال الثقة بالقرآن والرابع: أنه لا يجوز أن يقول لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى ﴾ وأن يقول: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين وَنَقْصٍ مّن الثمرات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ثم إنه تعالى أراد الضلالة منهم وأعطاهم النعم لكي يضلوا، لأن ذلك كالمناقضة، فلابد من حمل أحدهما على موافقة الآخر.
الخامس: أنه لا يجوز أن يقال: إن موسى عليه السلام دعا ربه بأن يطمس على أموالهم لأجل أن لا يؤمنوا مع تشدده في إرادة الإيمان.
واعلم أنا بالغنا في تكثير هذه الوجوه في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.
وإذا ثبت هذا فنقول: وجب تأويل هذه الكلمة وذلك من وجوه: الأول: أن اللام في قوله: ﴿ لِيُضِلُّواْ ﴾ لام العاقبة كقوله تعالى: ﴿ فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ ولما كانت عاقبة قوم فرعون هو الضلال، وقد أعلمه الله تعالى، لا جرم عبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ.
الثاني: أن قوله: ﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ أي لئلا يضلوا عن سبيلك، فحذف لا لدلالة المعقول عليه كقوله: ﴿ يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ ﴾ والمراد أن لا تضلوا، وكقوله تعالى: ﴿ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة ﴾ والمراد لئلا تقولوا، ومثل هذا الحذف كثير في الكلام.
الثالث: أن يكون موسى عليه السلام ذكر ذلك على سبيل التعجب المقرون بالإنكار والتقدير كأنك آتيتهم ذلك الغرض فإنهم لا ينفقون هذه الأموال إلا فيه وكأنه قال: آتيتهم زينة وأموالاً لأجل أن يضلوا عن سبيل الله ثم حذف حرف الاستفهام كما في قول الشاعر: كذبتك عينك أم رأيت بواسط *** غلس الظلام من الرباب خيالا أراد أكذبتك فكذا هاهنا.
الرابع: قال بعضهم: هذه اللام لام الدعاء وهي لام مكسورة تجزم المستقل ويفتتح بها الكلام، فيقال ليغفر الله للمؤمنين وليعذب الله الكافرين، والمعنى ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك.
الخامس: أن هذه اللام لام التعليل لكن بحسب ظاهر الأمر لا في نفس الحقيقة وتقريره أنه تعالى لما أعطاهم هذه الأموال وصارت تلك الأموال سبباً لمزيد البغي والكفر، أشبهت هذه الحالة حالة من أعطى المال لأجل الإضلال فورد هذا الكلام بلفظ التعليل لأجل هذا المعنى.
السادس: بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ﴾ في أول سورة البقرة إن الضلال قد جاء في القرآن بمعنى الهلاك يقال: الماء في اللبن أي هلك فيه.
إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ معناه: ليهلكون ويموتوا، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا ﴾ فهذا جملة ما قيل في هذا الباب.
واعلم أنا قد أجبنا عن هذه الوجوه مراراً كثيرة في هذا الكتاب، ولا بأس بأن نعيد بعضها في هذا المقام فنقول: الذي يدل على أن حصول الإضلال من الله تعالى وجوه: الأول: أن العبد لا يقصد إلا حصول الهداية، فلما لم تحصل الهداية بل حصل الضلال الذي لا يريده، علمنا أن حصوله ليس من العبد بل من الله تعالى.
فإن قالوا: إنه ظن بهذا الضلال أنه هدى؟
فلا جرم قد أوقعه وأدخله في الوجود فنقول: فعلى هذا يكون إقدامه على تحصيل هذا الجهل بسبب الجهل السابق، فلو كان حصول ذلك الجهل السابق بسبب جهل آخر لزم التسلسل وهو محال، فثبت أن هذه الجهالات والضلالات لابد من انتهائها إلى جهل أول وضلال أول، وذلك لا يمكن أن يكون بإحداث العبد وتكوينه لأنه كرهه وإنما أراد ضده، فوجب أن يكون من الله تعالى.
الثاني: أنه تعالى لما خلق الخلق بحيث يحبون المال والجاه حباً شديداً لا يمكنه إزالة هذا الحب عن نفسه ألبتة، وكان حصول هذا الحب يوجب الاعراض عمن يستخدمه ويوجب التكبر عليه وترك الالتفات إلى قوله وذلك يوجب الكفر، فهذه الأشياء بعضها يتأدى إلى البعض تأدياً على سبيل اللزوم وجب أن يكون فاعل هذا الكفر هو الذي خلق الإنسان مجبولاً على حب المال والجاء.
الثالث: وهو الحجة الكبرى أن القدرة بالنسبة إلى الضدين على السوية، فلا يترجح أحد الطرفين على الثاني إلا لمرجح، وذلك المرجح ليس من العبد وإلا لعاد الكلام فيه، فلابد وأن يكون من الله تعالى، وإذا كان كذلك كانت الهداية والإضلال من الله تعالى.
الرابع: أنه تعالى أعطى فرعون وقومه زينة وأموالاً وقوى حب ذلك المال والجاه في قلوبهم.
وأودع في طباعهم نفرة شديدة عن خدمة موسى عليه السلام والانقياد له، لا سيما وكان فرعون كالمنعم في حقه والمربي له والنفرة عن خدمة من هذا شأنه راسخة في القلوب، وكل ذلك يوجب إعراضهم عن قبول دعوة موسى عليه السلام وإصرارهم على إنكار صدقه، فثبت بالدليل العقلي أن إعطاء الله تعالى فرعون وقومه زينة الدنيا وأموال الدنيا لابد وأن يكون موجباً لضلالهم فثبت أن ما أشعر به ظاهر اللفظ فقد ثبت صحته بالعقل الصريح فكيف يمكن ترك ظاهر اللفظ في مثل هذا المقام وكيف يحسن حمل الكلام على الوجوه المتكلفة الضعيفة جداً.
إذا عرفت هذا فنقول: أما الوجه الأول: وهو حمل اللام على لام العاقبة فضعيف، لأن موسى عليه السلام ما كان عالماً بالعواقب.
فإن قالوا: إن الله تعالى أخبره بذلك؟
قلنا: فلما أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون كان صدور الإيمان منهم محالاً، لأن ذلك يستلزم انقلاب خبر الله كذباً وهو محال والمفضى إلى المحال محال.
وأما الوجه الثاني: وهو قولهم يحمل قوله: ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ على أن المراد لئلا يضلوا عن سبيلك فنقول: إن هذا التأويل ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره.
وأقول: إنه لما شرع في تفسيره قوله تعالى: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ ثم نقل عن بعض أصحابنا أنه قرأ ﴿ فمن نفسك ﴾ على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار، ثم إنه استبعد هذه القراءة وقال إنها تقتضي تحريف القرآن وتغييره وتفتح باب تأويلات الباطنية وبالغ في إنكار تلك القراءة وهذا الوجه الذي ذكره هاهنا شر من ذلك، لأنه قلب النفي إثباتاً والإثبات نفياً وتجويزه يفتح باب أن لا يبقى الاعتماد على القرآن لا في نفيه ولا في إثباته وحينئذ يبطل القرآن بالكلية هذا بعينه هو الجواب عن قوله المراد منه الاستفهام بمعنى الإنكار، فإن تجويزه يوجب تجويز مثله في سائر المواطن، فلعله تعالى إنما قال: ﴿ أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ على سبيل الإنكار والتعجب وأما بقية الجوابات فلا يخفى ضعفها.
ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه قال: ﴿ رَبَّنَا اطمس على أموالهم ﴾ وذكرنا معنى الطمس عند قوله تعالى: ﴿ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ والطمس هو المسخ.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: بلغنا أن الدراهم والدنانير، صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحاً وأنصافاً وأثلاثاً، وجعل سكرهم حجارة.
ثم قال: ﴿ واشدد على قُلُوبِهِمْ ﴾ ومعنى الشد على القلوب الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإيمان.
قال الواحدي: وهذا دليل على أن الله تعالى يفعل ذلك بمن يشاء، ولولا ذلك لما حسن من موسى عليه السلام هذا السؤال.
ثم قال: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ لِيُضِلُّواْ ﴾ والتقدير: ربنا ليضلوا عن سبيلك فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وقوله: ﴿ رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ ﴾ يكون اعتراضاً.
والثاني: يجوز أن يكون جواباً لقوله: ﴿ واشدد ﴾ والتقدير: اطبع على قلوبهم وقسها حتى لا يؤمنوا، فإنها تستحق ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ وفيه وجهان: الأول: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن موسى كان يدعو وهارون كان يؤمن، فلذلك قال: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ وذلك لأن من يقول عند دعاء الداعي آمين فهو أيضاً داع، لأن قوله آمين تأويله استجب فهو سائل كما أن الداعي سائل أيضاً.
الثاني: لا يبعد أن يكون كل واحد منهما، ذكر هذا الدعاء غاية ما في الباب أن يقال: إنه تعالى حكى هذا الدعاء عن موسى بقوله: ﴿ وَقَالَ موسى رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً ﴾ إلا أن هذا لا ينافي أن يكون هارون قد ذكر ذلك الدعاء أيضاً.
وأما قوله: ﴿ فاستقيما ﴾ يعني فاستقيما على الدعوة والرسالة، والزيادة في إلزام الحجة فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلاً فلا تستعجلا، قال ابن جُرَيْج: إن فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة.
وأما قوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: المعنى: لا تتبعان سبيل الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان الدعاء مجاباً كان المقصود حاصلاً في الحال، فربما أجاب الله تعالى دعاء إنسان في مطلوبه، إلا أنه إنما يوصله إليه في وقته المقدر، والاستعجال لا يصدر إلا من الجهال، وهذا كما قال لنوح عليه السلام: ﴿ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ .
واعلم أن هذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى عليه السلام كما أن قوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ لا يدل على صدور الشرك منه.
البحث الثاني: قال الزجاج: قوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعَانّ ﴾ موضعه جزم، والتقدير: ولا تتبعا، إلا أن النون الشديدة دخلت على النهي مؤكدة وكسرت لسكونها، وسكون النون التي قبلها فاختير لها الكسرة، لأنها بعد الألف تشبه نون التثنية، وقرأ ابن عامر ﴿ وَلاَ تَتَّبِعَانّ ﴾ بتخفيف النون.
قرئ: ﴿ دعواتكما ﴾ .
قيل: كان موسى يدعو وهارون يؤمّن.
ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان.
والمعنى: إنّ دعاءكما مستجاب، وما طلبتما كائن ولكن في وقته ﴿ فاستقيما ﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة والزيادة في إلزام الحجّة، فقد لبث نوح عليه السلام في قومه ألف عام إلاّ قليلاً ولا تستعجلا.
قال ابن جريج، فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة ﴿ وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي لا تتبعا طريق الجهلة بعادة الله في تعليقه الأمور بالمصالح، ولا تعجلا فإن العجلة ليست بمصلحة.
وهذا كما قال لنوح عليه السلام ﴿ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ [هود: 46] .
وقرئ: ﴿ ولا تتبعان ﴾ بالنون الخفيفة، وكسرها لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثنية، وبتخفيف التاء من تبع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً ﴾ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ ونَحْوِهِما.
﴿ وَأمْوالا في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وأنْواعًا مِنَ المالِ.
﴿ رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِلَفْظِ الأمْرِ بِما عَلِمَ مِن مُمارَسَةِ أحْوالِهِمْ أنَّهُ لا يَكُونُ غَيْرُهُ كَقَوْلِكَ: لَعَنَ اللَّهُ إبْلِيسَ.
وقِيلَ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ آتَيْتَ ﴾ ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْعِلَّةِ لِأنَّ إيتاءَ النِّعَمِ عَلى الكُفْرِ اسْتِدْراجٌ وتَثْبِيتٌ عَلى الضَّلالِ، ولِأنَّهم لَمّا جَعَلُوها سَبَبًا لِلضَّلالِ فَكَأنَّهم أُوتُوها لِيَضِلُّوا فَيَكُونُ ﴿ رَبَّنا ﴾ تَكْرِيرًا لِلْأوَّلِ تَأْكِيدًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ عَرْضُ ضَلالِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تَقْدِمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ ﴾ أيْ أهْلِكْها، والطَّمْسُ المَحْقُ وقُرِئَ (اطْمُسْ) بِالضَّمِّ.
﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ وأقْسِها اطْبَعْ عَلَيْها حَتّى لا تَنْشَرِحَ لِلْإيمانِ.
﴿ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ جَوابٌ لِلدُّعاءِ أوْ دُعاءٌ بِلَفْظِ النَّهْيِ، أوْ عَطْفٌ عَلى ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ وما بَيْنَهم دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ.
﴿ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ﴾ يَعْنِي مُوسى وهارُونَ لِأنَّهُ كانَ يُؤَمِّنُ.
﴿ فاسْتَقِيما ﴾ فاثْبُتا عَلى ما أنْتُما عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ، ولا تَسْتَعْجِلا فَإنَّ ما طَلَبْتُما كائِنٌ ولَكِنْ في وقْتِهِ.
رُوِيَ: أنَّهُ مَكَثَ فِيهِمْ بَعْدَ الدُّعاءِ أرْبَعِينَ سَنَةً.
﴿ وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ طَرِيقَ الجَهَلَةِ في الِاسْتِعْجالِ أوْ عَدَمِ الوُثُوقِ والِاطْمِئْنانُ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ ﴿ وَلا تَتَّبِعانِّ ﴾ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ وكَسْرُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ﴿ وَلا تَتَّبِعانِّ ﴾ مَن تَبِعَ ﴿ وَلا تَتَّبِعانِّ ﴾ أيْضًا.
<div class="verse-tafsir"
{قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} قيل كان موسى عليه السلام يدعوا وهارون يؤمن فثتب أن التأمين دعاء فكان إخفاؤه أولى والمعنى أن دعائكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكم في وقته {فاستقيما} فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة والتبليغ {وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ} ولا تتبعان طريق الجهلة الذين لا يعلمون صدق الإجابة وحكمة الإمهال فقد كان بين الدعاء والإجابة أربعون سنة ولا تتبعان بتخفيف النون وكسرها لالتقاء الساكنين تشبيها بنون التثنية شامي وخطأه بعضهم لأن النون الخفيفة واجبة السكون وقيل هو إخبار عما يكونان عليه وليس بنهي أو هو حال وتقديره فاستقيما غير متبعين
﴿ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ﴾ هو خِطابٌ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ وظاهِرُهُ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا بِمِثْلِ ما دَعا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَقِيقَةً لَكِنِ اكْتَفى بِنَقْلِ دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ الرَّسُولَ بِالِاسْتِقْلالِ عَنْ نَقْلِ دُعائِهِ وأُشْرِكَ بِالبِشارَةِ إظْهارًا لِشَرَفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمْ يَدْعُ حَقِيقَةً لَكِنْ أُضِيفَتْ الدَّعْوَةُ إلَيْهِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ دَعْوَةَ مُوسى في حُكْمِ دَعْوَتِهِ لِمَكانِ كَوْنِهِ تابِعًا ووَزِيرًا لَهُ، والَّذِي تَضافَرَتْ بِهِ الآثارُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُؤَمِّنُ لِدُعاءِ أخِيهِ والتَّأْمِينُ دُعاءٌ، فَإنَّ مَعْنى آمِينَ اسْتَجِبْ ولَيْسَ اسْمًا مِن أسْمائِهِ تَعالى كَما يَرْوُونَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قِيلَ: ولِكَوْنِهِ دُعاءً اسْتَحَبَّ الحَنَفِيَّةُ الإسْرارَ بِهِ وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَدارَ اسْتِحْبابِ الإسْرارِ والجَهْرِ لَيْسَ كَوْنَهُ دُعاءً فَإنَّ الشّافِعِيَّةَ اسَتَحَبُّوا الجَهْرَ بِهِ مَعَ أنَّ المَشْهُورَ عَنْهم أنَّهم قائِلُونَ أيْضًا بِكَوْنِهِ دُعاءً وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ إضافَةَ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ تُشْعِرُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُؤَمِّنُ لِدُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ الإشْعارِ مِنَ الخَفاءِ وقُرِئَ (دَعَواتُكُما) بِالجَمْعِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ ﴿ فاسْتَقِيما ﴾ فامْضِيا لِأمْرِي وأثْبِتا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ ولا تَسْتَعْجِلا فَإنَّ ما طَلَبْتُماهُ كائِنٌ في وقْتِهِ لا مَحالَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ مَكَثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الدَّعْوَةَ أُجِيبَتْ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً ولَمْ يَذْكُرِ الزَّعْمَ ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ 89﴾ بِعاداتِ اللَّهِ تَعالى في تَعْلِيقِ الأُمُورِ بِالحِكَمِ والمَصالِحِ أوْ سَبِيلِ الجَهَلَةِ في عَدَمِ الوُثُوقِ بِوَعْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والنَّهْيُ لا يَقْتَضِي صِحَّةَ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ فَقَدْ كَثُرَ نَهْيُ الشَّخْصِ عَمّا يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ مِنهُ ولَعَلَّ الغَرَضَ مِنهُ هُنا مُجَرَّدُ تَأْكِيدِ أمْرِ الوَعْدِ وإفادَةُ أنَّ في تَأْخِيرِ إنْجازِهِ حِكَمًا إلَهِيَّةً.
وعَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ (ولا تَتَّبِعانِ) بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ المَكْسُورَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ووَجَّهَ ذَلِكَ ابْنُ الحاجِبِ بِأنَّ (لا) نافِيَةٌ والنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ، والجُمْلَةُ إمّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في - اسْتَقِيما - كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَقِيما غَيْرَ مُتَّبِعِينَ، والجُمْلَةُ المُضارِعِيَّةُ المَنفِيَّةُ - بِلا - الواقِعَةِ حالًا يَجُوزُ اقْتِرانُها بِالواوِ وعَدَمُهُ خِلافًا لِمَن زَعَمَ وُجُوبَ عَدَمِ الِاقْتِرانِ بِالواوِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ مُبْتَدَأً، وإمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ الَّتِي قَبْلَها وهي وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً لَفْظًا إلّا أنَّها طَلَبِيَّةٌ مَعْنًى لِأنَّ المُرادَ مِنها النَّهْيُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ (ولا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ) والنَّهْيُ المُخْرَجُ بِصُورَةِ الخَبَرِ أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ المُخْرَجِ بِصُورَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ تُعْتَبَرَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِلْإخْبارِ بِأنَّهُما لا يَتَّبِعانِ سَبِيلَ الجاهِلِينَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ (لا) في قِراءَةِ العامَّةِ نافِيَةً أيْضًا وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ النَّفْيَ لا يُؤَكِّدُ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: (لا) ناهِيَةٌ والنُّونُ نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةُ كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهو تَخْرِيجٌ لَيِّنٌ فَإنَّ الكِسائِيَّ وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزانِهِ لِأنَّهُما يَمْنَعانِ وُقُوعَ الخَفِيفَةِ بَعْدَ الألِفِ سَواءٌ كانَتْ ألِفَ التَّثْنِيَةِ أوِ الألِفَ الفاصِلَةَ بَيْنَ نُونِ الإناثِ ونُونِ التَّوْكِيدِ نَحْوَ: هَلْ تَضْرِبْنانِ يا نِسْوَةُ وأيْضًا النُّونُ الخَفِيفَةُ إذا لَقِيَها ساكِنٌ لَزِمَ حَذْفُها عِنْدَ الجُمْهُورِ، ولا يَجُوزُ تَحْرِيكُها، ولَكِنَّ يُونُسَ والفَرّاءَ أجازا ذَلِكَ وفِيهِ عَنْهُما رِوايَتانِ إبْقاؤُها ساكِنَةً لِأنَّ الألِفَ لِخِفَّتِها بِمَنزِلَةِ الفَتْحَةِ وكَسْرِها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وعَلى هَذا يَتِمُّ ذاكَ التَّخْرِيجُ وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ النُّونَ هي نُونُ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةُ إلّا أنَّها خُفِّفَتْ وهو كَما تَرى، وعَنْهُ أيْضًا (ولا تَتْبَعانِّ) بِتَخْفِيفِ التّاءِ الثّانِيَةِ وسُكُونِها وبِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ مِن تَبِعَ الثُّلاثِيِّ، وأيْضًا ﴿ ولا تَتَّبِعانِّ ﴾ وهي كالأُولى إلّا أنَّ النُّونَ ساكِنَةٌ عَلى إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَمَّنْ تَقَدَّمَ في تَسْكِينِ النُّونِ الخَفِيفَةِ بَعْدَ الألِفِ عَلى الأصْلِ واغْتِفارِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ إذا كانَ الأوَّلُ ألِفًا كَما في مَحْيايَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ اشْتُهِرَ في تَعْلِيلِ كَسْرِ النُّونِ في قِراءَةِ العامَّةِ بِأنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وظاهِرُهُ أنَّهُ بِذَلِكَ زالَ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ ولَيْسَ كَذَلِكَ إذِ السّاكِنانِ هُما الألِفُ والنُّونُ الأُولى ولا شَيْءَ مِنهُما بِمُتَحَرِّكٍ وإنَّما المُتَحَرِّكُ النُّونُ الثّانِيَةُ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي النُّحاةِ: إنَّ أصْلَ التَّحْرِيكِ لِيَتَأتّى الإدْغامُ وكَوْنُهُ بِالكَسْرِ تَشْبِيهًا بِنُونِ التَّثْنِيَةِ والتِقاءُ السّاكِنَيْنِ أعْنِي الألِفَ والنُّونَ الأُولى غَيْرُ مُضِرٍّ لِما قالُوا مِن جَوازِهِ إذا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ والثّانِي مُدْغَمًا في مِثْلِهِ كَما في - دابَّةٍ - لِارْتِفاعِ اللِّسانِ بِهِما مَعًا حِينَئِذٍ وقَدْ حُقِّقَ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ فَلْيُراجَعْ هَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ﴾ أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّهم يَسْتَمِعُونَ لَكِنَّ حُكْمَهم حُكْمُ الأصَمِّ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ وذَلِكَ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا بِأنْ كانَ ولَكِنْ حَجَبَ نُورُهُ رُسُوخَ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَفَعَ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ كَوْنَهم في تِلْكَ الحالَةِ ظُلْمٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لَهم بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ﴾ بِسَلْبِ حَواسِّهِمْ وعُقُولِهِمْ مَثَلًا ﴿ ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ حَيْثُ طَلَبَ اسْتِعْدادَهُمُ الغَيْرَ المَجْعُولِ ذَلِكَ ﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ﴾ لِذُهُولِهِمْ بِتَكاثُفِ ظُلُماتِ المَعاصِي عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِحُكْمِ سابِقَةِ الصُّحْبَةِ وداعِيَةِ الهَوى اللّازِمَةِ لِلْجِنْسِيَّةِ الأصْلِيَّةِ، وهَذا التَّعارُفُ قَدْ يَبْقى إذا اتَّحَدُوا في الوُجْهَةِ واتَّفَقُوا في المَقْصِدِ وقَدْ لا يَبْقى وذَلِكَ إذا اخْتَلَفَتِ الأهْواءُ وتَبايَنَتِ الآراءُ فَحِينَئِذٍ تَتَفاوَتُ الهَيْئاتُ المُسْتَفادَةُ مِن لَواحِقِ النَّشْأةِ فَيَقَعُ التَّناكُرُ وعَوارِضُ العادَةِ ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ لِما يَنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿ ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾ مِن جِنْسِهِمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الِاسْتِفاضَةِ مِنهُ ﴿ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِإنْجاءِ مَنِ اهْتَدى بِهِ وإثابَتِهِ وإهْلاكِ مَن أعْرَضَ عَنْهُ وتَعْذِيبِهِ لِظُهُورِ أسْبابِ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ ﴿ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ فَيُعامَلُوا بِخِلافِ ما يَسْتَحِقُّونَ ﴿ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ إنْكارٌ لِلْقِيامَةِ لِاحْتِجابِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الكَثافَةِ ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ سَلْبٌ لِاسْتِقْلالِهِ في التَّأْثِيرِ وبَيانٌ لِأنَّهُ لا يَمْلِكُ إلّا ما أذِنَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، وهَذا نَوْعٌ مِن تَوْحِيدِ الأفْعالِ وفِيهِ إرْشادٌ لَهم بِأنَّهُ لا يَمْلِكُ اسْتِعْجالَ ما وعَدَهم بِهِ ﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيْ تَزْكِيَةٌ لِنُفُوسِكم بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ الذُّنُوبِ المُتَسَبِّبَةِ لِلْعِقابِ والتَّحْرِيضِ عَلى الطّاعَةِ المُوجِبَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِلثَّوابِ ﴿ وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ ﴾ أيْ دَواءٌ لِلْقُلُوبِ مِن أمْراضِها الَّتِي هي أشَدُّ مِن أمْراضِ الأبْدانِ كالشَّكِّ والنِّفاقِ والحَسَدِ والحِقْدِ وأمْثالِ ذَلِكَ بِتَعْلِيمِ الحَقائِقِ والحِكَمِ المُوجِبَةِ لِلْيَقِينِ والتَّصْفِيَةِ والتَّهَيُّؤِ لِتَجَلِّياتِ الصِّفاتِ الحَقَّةِ ﴿ وهُدًى ﴾ لِأرْواحِكم إلى الشُّهُودِ الذّاتِيِّ ﴿ ورَحْمَةٌ ﴾ بِإفاضَةِ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ بِكُلِّ مَقامٍ مِنَ المَقاماتِ الثَّلاثَةِ بَعْدَ حُصُولِ الِاسْتِعْدادِ في مَقامِ النَّفْسِ بِالمَوْعِظَةِ ومَقامِ القَلْبِ بِالتَّصْفِيَةِ ومَقامِ الرُّوحِ بِالهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّصْدِيقِ أوَّلًا ثُمَّ بِاليَقِينِ ثانِيًا ثُمَّ بِالعِيانِ ثالِثًا وذَكَرَ بَعْضُهُمُ المَوْعِظَةَ لِلْمُرِيدِينَ والشِّفاءَ لِلْمُحِبِّينَ والهُدى لِلْعارِفِينَ والرَّحْمَةَ لِلْمُسْتَأْنِسِينَ والكُلُّ مُؤْمِنُونَ إلّا أنَّ مَراتِبَ الإيمانِ مُتَفاوِتَةٌ والخِطابُ في الآيَةِ لَهم وفِيها إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، ويُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ بَدَأ بِالمَوْعِظَةِ لِمَرِيضِ حُبِّهِ لِأنَّها مَعْجُونٌ لِإسْهالِ شَهَواتِهِ فَإذا تَطَهَّرَ عَنْ ذَلِكَ يَسْقِيهِ شَرابَ ألْطافِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ شِفاءً لَهُ مِمّا بِهِ فَإذا شُفِيَ يُغَذِّيهِ بِهِدايَتِهِ إلى نَفْسِهِ فَإذا كَمُلَ بِصُحْبَتِهِ يُطَهِّرُهُ بِمِياهِ رَحْمَتِهِ مِن وسَخِ المَرَضِ ودَرَنِ الِامْتِحانِ ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾ بِتَوْفِيقِهِ لِلْقَبُولِ في المَقاماتِ ﴿ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ بِالمَواهِبِ الخُلُقِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ والكَشْفِيَّةِ فِيها ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ لا بِالأُمُورِ الفانِيَةِ القَلِيلَةِ المِقْدارِ الدَّنِيَّةِ القَدْرِ ﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ مِنَ الخَسائِسِ والمُحَقَّراتِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الفَضْلَ بِانْكِشافِ صَباحِ الأزَلِ لِعُيُونِ أرْواحِ المُرِيدِينَ وزِيادَةِ وُضُوحِهِ في لَحْظَةٍ حَتّى تَطْلُعَ شُمُوسُ الصِّفاتِ وأقْمارُ الذّاتِ فَيَطِيرُونَ في أنْوارِ ذَلِكَ بِأجْنِحَةِ الجَذَباتِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى والرَّحْمَةِ بِتَتابُعِ مَواجِيدِ الغُيُوبِ لِلْقُلُوبِ بِنَعْتِ التَّفْرِيدِ بِلا انْقِطاعٍ، ومِن هُنا قالَ ضِرْغامٌ أجَمَةُ التَّصَوُّفِ أبُو بَكْرٍ الشِّبْلِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: وقْتِي سَرْمَدٌ وبَحْرِي بِلا شاطِئٍ وقِيلَ: فَضْلُهُ الوِصالُ ورَحْمَتُهُ الوِقايَةُ عَنِ الِانْفِصالِ، وقِيلَ: فَضْلُهُ إلْقاءُ نِيرانِ المَحَبَّةِ في قُلُوبِ المُرِيدِينَ ورَحْمَتُهُ جَذْبُهُ أرْواحَ المُشْتاقِينَ، وقِيلَ: فَضْلُهُ سُبْحانَهُ عَلى العارِفِينَ كَشْفُ الذّاتِ وعَلى المُحِبِّينَ كَشْفُ الصِّفاتِ وعَلى المُرِيدِينَ كَشْفُ أنْوارِ الآياتِ ورَحْمَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى العارِفِينَ العِنايَةُ وعَلى المُحِبِّينَ الكِفايَةُ وعَلى المُرِيدِينَ الرِّعايَةُ وقالَ الجُنَيْدُ: فَضْلُ اللَّهِ تَعالى في الِابْتِداءِ ورَحْمَتُهُ في الِانْتِهاءِ وهو مُناسِبٌ لِما قُلْنا وقالَ الكَتّانِيُّ: فَضْلُ اللَّهِ تَعالى النِّعَمُ الظّاهِرَةُ ورَحْمَتُهُ النِّعَمُ الباطِنَةُ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن رِزْقٍ مَعْنَوِيٍّ كالمَعارِفِ الحَقّانِيَّةِ وكالآدابِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا ﴾ كالقِسْمِ الأوَّلِ حَيْثُ أنْكَرْتُمُوهُ عَلى أهْلِهِ ورَمَيْتُمُوهُ بِالزَّنْدَقَةِ ﴿ وحَلالا ﴾ كالقِسْمِ الثّانِي حَيْثُ قَبِلْتُمُوهُ ﴿ قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ ﴾ في الحُكْمِ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ﴿ أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أوْعَدَ المُفْتَرِينَ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ ﴾ إلَخْ فَفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ المُنْكِرِينَ عَلى مَن تَحَلّى بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ ولَعَلَّ مَنشَأً ذَلِكَ زَعْمُهُمُ انْحِصارَ العِلْمِ فِيما عِنْدَهم ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ وراءَ عُلُومِهِمْ عُلُومًا لا تُحْصى يَمُنُّ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى مَن يَشاءُ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ فَما أوْلاهم بِأنْ يُقالَ لَهُمْ: ﴿ وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ ومِنَ العَجِيبِ أنَّهم إذا سَمِعُوا شَيْئًا مِن أهْلِ اللَّهِ تَعالى مُخالِفًا لِما عَلَيْهِ مُجْتَهِدُوهم رَدُّوهُ وقالُوا: زَيْغٌ وضَلالٌ واعْتَمَدُوا في ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ تِلْكَ المُخالَفَةِ ظَنًّا مِنهم أنَّ الحَقَّ مُنْحَصِرٌ فِيما جاءَ بِهِ أحَدُ أُولَئِكَ المُجْتَهِدِينَ مَعَ أنَّ الِاخْتِلافَ لَمْ يَزَلْ قائِمًا بَيْنَهم عَلى ساقٍ عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ لَهُمْ: ما يُدْرِيكم أنَّ هَذا القائِلَ الَّذِي سَمِعْتُمْ مِنهُ ما سَمِعْتُمْ وأنْكَرْتُمُوهُ أنَّهُ مُجْتَهِدٌ أيْضًا كَسائِرِ مُجْتَهِدِيكُمْ؟
فَإنْ قالُوا: إنَّ لِلْمُجْتَهِدِ شُرُوطًا مَعْلُومَةً وهي غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيهِ.
قُلْنا: هَذِهِ الشُّرُوطُ الَّتِي وُضِعَتْ لِلْمُجْتَهِدِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى هَلْ هي مَنقُولَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَرِيحًا أوْ صَنَعْتُمُوها أنْتُمْ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم أوْ صَنَعَها المُجْتَهِدُ؟
فَإنْ كانَتْ مَنقُولَةً عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأْتُوا بِها واتْلُوها وصَحِّحُوا نَقْلَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وهَيْهاتَ ذاكَ وإنْ كانَ الواضِعُ لَها أنْتُمْ وأنْتُمْ أجْهَلُ مِن ابْنِ يَوْمٍ فَهي رَدٌّ عَلَيْكم ولا حُبًّا ولا كَرامَةً عَلى أنَّ في اعْتِبارِها أخْذًا بِكَلامِ مَن لَيْسَ مُجْتَهِدًا وأنْتُمْ لا تُجَوِّزُونَهُ وإنْ كانَ الواضِعُ لَها المُجْتَهِدَ فَإثْباتُ كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا مُتَوَقِّفٌ عَلى اعْتِبارِ تِلْكَ الشُّرُوطِ واعْتِبارُ تِلْكَ الشُّرُوطِ مُتَوَقِّفٌ عَلى إثْباتِ كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا وهَلْ هَذا إلّا دَوْرٌ وهو مُحالٌ لَوْ تَعْقِلُونَهُ وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الشُّرُوطُ شُرُوطًا لِلْمُجْتَهِدِ النَّقْلِيِّ وهُناكَ مُجْتَهِدٌ آخَرُ شَرْطُهُ تَصْفِيَةُ النَّفْسِ وتَزْكِيَتُها وتَخَلُّقُها بِالخُلُقِ الرَّبّانِيِّ وتَهَيُّؤُها واسْتِعْدادُها لِقَبُولِ العِلْمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى؟
وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى العِلْمَ فِيمَن صَفَتْ نَفْسُهُ وتَهَيَّأتْ بِالفَقْرِ واللَّجَأِ إلى اللَّهِ تَعالى وصَدَقَ عَزْمُهُ في الأخْذِ ولَمْ يَتَّكِلْ عَلى حَوْلِهِ وقُوَّتِهِ كَما يَخْلُقُهُ فِيمَنِ اسْتَوْفى شُرُوطَ الِاجْتِهادِ عِنْدَكم فاجْتَهَدَ وصَرَفَ فِكْرَهُ ونَظَرَهُ؟
والقَوْلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يَخْلُقُ العِلْمَ في هَذا دُونَ ذاكَ حَجْرٌ عَلى اللَّهِ تَعالى وخُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ كَما لا يَخْفى فَلا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ العارِفِ بِأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إلّا أنْ يُسَلِّمَ لِمَن ظَهَرَتْ فِيهِ آثارُ التَّصْفِيَةِ والتَّهَيُّؤِ وسَطَعَتْ عَلَيْهِ أنْوارُ التَّخَلُّقِ بِالخُلُقِ الرَّبّانِيِّ ما أتى بِهِ ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ مُجْتَهِدٌ ما لَمْ يُخالِفْ ما عُلِمَ مَجِيئُهُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ ويَأْبى اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ بِمِثْلِ ما ذُكِرَ لَكِنْ ذَكَرَ مَوْلانا الإمامُ الرَّبّانِيُّ ومُجَدِّدُ الألْفِ الثّانِي قُدِّسَ سِرُّهُ في بَعْضِ مَكْتُوباتِهِ الفارِسِيَّةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أهْلِ الكَشْفِ في كَشْفِهِمْ لِأنَّ الكَشْفَ لا يَكُونُ حُجَّةً عَلى الغَيْرِ ومُلْزِمًا لَهُ وقَدْ يُقالُ: لَيْسَ في هَذا أكْثَرُ مِن مَنعِ تَقْلِيدِ أهْلِ الكَشْفِ ومَحَلِّ النِّزاعِ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ ورَمْيُهم والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى بِالزَّنْدَقَةِ ولَيْسَ في الكَلامِ أدْنى رائِحَةٍ مِنهُ كَما لا يَخْفى ﴿ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ﴾ بِصِنْفَيِ العِلْمَيْنِ وإفاضَتِهِما بَعْدَ تَهْيِئَةِ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِهِما ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ ذَلِكَ ولا يَعْرِفُونَ قَدْرَهُ فِيُمْنَعُونَ عَنِ الزِّيادَةِ ﴿ وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِعَظِيمِ اطِّلاعِهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَواطِرِ وما يَجْرِي في الضَّمائِرِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ خاطِرٌ ولا ضَمِيرٌ.
﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ جَلَّ وعَلا عَنْ سُلْطانِ إحاطَتِهِ عَلى كُلِّ ذَرَّةٍ مِنَ العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى بِقَوْلِهِ تَبارَكَ اسْمُهُ: ﴿ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ﴾ أيْ إنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِما في العالَمِ السُّفْلِيِّ والعُلْوِيِّ فَكُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ داخِلَةٌ في حَيْطَةِ عِلْمِهِ كَيْفَ لا وكُلُّها قائِمَةٌ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ يَنْظُرُ إلى كُلٍّ في كُلِّ آنٍ نَظَرَ الحِفْظِ والرِّعايَةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَهَلَكَتِ الذَّرّاتُ واضْمَحَلَّتْ سائِرُ المَوْجُوداتِ ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ إذْ لَمْ يَبْقَ مِنهم بَقِيَّةٌ يَخافُ بِسَبَبِها مِن حِرْمانٍ ﴿ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ لِامْتِناعِ فَواتِ شَيْءٍ مِنَ الكَمالاتِ واللَّذّاتِ مِنهُمُ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿ وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ بَقاياهم وظُهُورَ تَلَوُّناتِهِمْ ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ بِوُجُودِ الِاسْتِقامَةِ والأخْلاقِ المُبَشِّرَةِ بِجَنَّةِ النُّفُوسِ ﴿ وفِي الآخِرَةِ ﴾ بِظُهُورِ أنْوارِ الصِّفاتِ والحَقائِقِ عَلَيْهِمُ المُبَشِّرَةِ بِجَنَّةِ القُلُوبِ والظّاهِرُ أنَّ المَوْصُولَ بَيانٌ لِلْأوْلِياءِ فالوَلِيُّ هو المُؤْمِنُ المُتَّقِي عَلى الكَمالِ ولَهم في تَعْرِيفِهِ عِباراتٌ شَتّى تَقَدَّمَ بَعْضُها وفِي الفُتُوحاتِ: هو الَّذِي تَوَلّاهُ اللَّهُ تَعالى بِنُصْرَتِهِ في مَقامِ مُجاهَدَتِهِ الأعْداءَ الأرْبَعَةَ الهَوى والنَّفْسَ والشَّيْطانَ والدُّنْيا وفِيها تَقْسِيمُ الأوْلِياءِ إلى عِدَّةِ أقْسامٍ مِنها الأقْطابُ والأوْتادُ والأبْدالُ والنُّقَباءُ والنُّخَباءُ وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وأنَسٍ وحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وعَوْفِ بْنِ مالِكٍ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وواثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي الدَّرْداءِ وأُمِّ سَلَمَةَ ومِن مُرْسَلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وبَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ ومِنَ الآثارِ عَنِ التّابِعَيْنِ ومَن بَعْدَهم ما لا يُحْصى وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَهُ وشَيَّدَ أرْكانَهُ وأنْكَرَهُ كَما قَدَّمْنا بَعْضُهم والحَقُّ مَعَ المُثْبِتِينَ وأنا والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى مِنهم وإنْ كُنْتُ لَمْ أُشَيِّدْ قَبْلُ أرْكانَ ذَلِكَ والأئِمَّةُ والحَوارِيُّونَ والرَّجَبِيُّونَ والخَتْمُ والمَلامِيَّةُ والفُقَراءُ وسَقِيطُ الرَّفْرَفِ ابْنُ ساقِطِ العَرْشِ والأُمَناءُ والمُحْدَثُونَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وعَدَّ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِنهُمُ الرُّسُلَ والأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والبَيانُ الَّذِي في الآيَةِ صادِقٌ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ونُسِبَ إلَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - القَوْلُ بِتَفْضِيلِ الوَلِيِّ عَلى النَّبِيِّ والرَّسُولِ وخاضَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ المُنْكِرِينَ حَتّى كَفَّرُوهُ وحاشاهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وقَدْ صَرَّحَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن فُتُوحاتِهِ وكَذا مِن سائِرِ تَأْلِيفاتِهِ بِما يُنافِي هَذا القَوْلَ حَسْبَما فَهِمَهُ المُنْكِرُونَ وقَدْ ذَكَرَ في كِتابِ القِرْبَةِ أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن سَمِعَ لَفْظَةً مِن عارِفٍ مُتَحَقِّقٍ مُبْهَمَةً كَأنْ يَقُولُ: الوَلايَةُ هي النُّبُوَّةُ الكُبْرى أوْ الوَلِيُّ العارِفُ مَرْتَبَتُهُ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الرَّسُولِ أنْ يَتَحَقَّقَ المُرادَ مِنها ولا يُبادِرَ بِالطَّعْنِ ثُمَّ ذَكَرَ في بَيانِ ما ذَكَرَ ما نَصُّهُ: أعْلَمُ أنَّهُ لا اعْتِبارَ لِلشَّخْصِ مِن حَيْثُ ما هو إنْسانٌ فَلا فَضْلَ ولا شَرَفَ في الجِنْسِ بِالحُكْمِ الذّاتِيِّ وإنَّما يَقَعُ التَّفاضُلُ بِالمَراتِبِ فالأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ ما فَضَلُوا الخَلْقَ إلّا بِها، فالنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ مَرْتَبَةُ الوَلايَةِ والمَعْرِفَةِ والرِّسالَةِ ومَرْتَبَةُ الوَلايَةِ والمَعْرِفَةِ دائِمَةُ الوُجُودِ ومَرْتَبَةُ الرِّسالَةِ مُنْقَطِعَةٌ فَإنَّها تَنْقَطِعُ بِالتَّبْلِيغِ والفَضْلُ لِلدّائِمِ الباقِي، والوَلِيُّ العارِفُ مُقِيمٌ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ والرَّسُولُ خارِجٌ وحالَةُ الإقامَةِ أعْلى مِن حالَةِ الخُرُوجِ، فَهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ ولِيًّا وعارِفًا أعْلى وأشْرَفُ مِن حَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ رَسُولًا وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الشَّخْصُ بِعَيْنِهِ واخْتَلَفَتْ مَراتِبُهُ لا أنَّ الوَلِيَّ مِنّا أرْفَعُ مِنَ الرَّسُولِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الخِذْلانِ، فَعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ تِلْكَ الكَلِمَةَ أصْحابُ الكَشْفِ والوُجُودِ إذْ لا اعْتِبارَ عِنْدَنا إلّا لِلْمَقاماتِ ولا نَتَكَلَّمُ إلّا فِيها لا في الأشْخاصِ، فَإنَّ الكَلامَ في الأشْخاصِ قَدْ يَكُونُ بَعْضَ الأوْقاتِ غِيبَةً، والكَلامُ عَلى المَقاماتِ والأحْوالِ مِن صِفاتِ الرِّجالِ، ولَنا في كُلِّ حَظٍّ شِرْبٌ مَعْلُومٌ ورِزْقٌ مَقْسُومٌ انْتَهى، وهو صَرِيحٌ في أنَّهُ قُدِّسَ سِرُّهُ لا يَقُولُ هو ولا غَيْرُهُ مِنَ الطّائِفَةِ بِأنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ حَسْبَما يُنْسَبُ إلَيْهِ، وقَدْ نَقَلَ الشَّعْرانِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: فُتِحَ لِي قَدْرُ خُرْمِ إبْرَةٍ مِن مَقامِ النُّبُوَّةِ تَجَلِّيًا لا دُخُولًا فَكِدْتُ أحْتَرِقُ، فَيَنْبَغِي تَأْوِيلُ جَمِيعِ ما يُوهِمُ القَوْلَ بِذَلِكَ كَأخْبارِهِ في كِتابِهِ التَّجَلِّياتِ وغَيْرِهِ بِاجْتِماعِهِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإفادَتِهِ لَهم مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَهم.
وكَقَوْلِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الجِيلِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ وقَدْ تَقَدَّمَ: يا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أُوتِيتُمُ الألْقابَ وأُوتِينا ما لَمْ تُؤْتَوْهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّ اعْتِقادَ أفْضَلِيَّةِ ولِيٍّ مِنَ الأوْلِياءِ عَلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ كُفْرٌ عَظِيمٌ وضَلالٌ بِعِيدٌ ولَوْ ساغَ تَفْضِيلُ ولِيٍّ عَلى نَبِيٍّ لَفُضِّلَ الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الأوْلِياءِ قَدْرًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ ونَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ في كِتابِ القِرْبَةِ أيْضًا مَعَ أنَّهُ لَمْ يُفَضَّلْ كَذَلِكَ بَلْ فُضِّلَ عَلى مَن عَداهم كَما نَطَقَ بِهِ: ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ ولا غَرَبَتْ عَلى أحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّينَ أفْضَلَ مِن أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
فَمَتى لَمْ يُفَضَّلِ الصِّدِّيقُ وهو الَّذِي وقَرَ في صَدْرِهِ ما وقَرَ ونالَ مِنَ الكَمالِ ما لا يُحْصَرُ فَكَيْفَ يُفَضَّلُ غَيْرُهُ؟
وفَضَّلَ كَثِيرٌ مِنَ الشِّيعَةِ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وكَذا أوْلادَهُ الأئِمَّةَ الطّاهِرِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ مِن أُولِي العَزْمِ وغَيْرِهِمْ ولا مُسْتَنَدَ لَهم في ذَلِكَ إلّا أخْبارٌ كاذِبَةٌ وأفْكارٌ غَيْرُ صائِبَةٍ وبِالجُمْلَةِ مَتى رَأيْنا الشَّخْصَ مُؤْمِنًا مُتَّقِيًا حَكَمْنا عَلَيْهِ بِالوَلايَةِ نَظَرًا لِظاهِرِ الحالِ ووَجَبَ عَلَيْنا مُعامَلَتُهُ بِما هو أهْلُهُ مِنَ التَّوْقِيرِ والِاحْتِرامِ غَيْرَ غالِينَ فِيهِ بِتَفْضِيلِهِ عَلى رَسُولٍ أوْ نَبِيٍّ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا عَلَيْهِ العَوامُّ اليَوْمَ في مُعامَلَةِ مَن يَعْتَقِدُونَهُ ولِيًّا الَّتِي هي أشْبَهُ شَيْءٍ بِمُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ مَن يَعْتَقِدُونَهُ إلَهًا نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ، ولا يُشْتَرَطُ فِيهِ صُدُورُ كَرامَةٍ عَلى يَدِهِ كَما يُشْتَرَطُ في الرَّسُولِ صُدُورُ مُعْجِزَةٍ، ويَكْفِيهِ الِاسْتِقامَةُ كَرامَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما اشْتُهِرَ عَنْ أبِي يَزِيدَ قُدِّسَ سِرُّهُ، بَلِ الوَلِيُّ الكامِلُ لا التِفاتَ لَهُ إلَيْها ولا يَوَدُّ صُدُورَها عَلى يَدِهِ إلّا إذا تَضَمَّنَتْ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ خاصَّةً أوْ عامَّةً وفي الجَواهِرِ والدُّرِّ لِلشَّعْرانِيِّ سَمِعْتُ شَيْخَنا يَقُولُ: إذا زَلَّ الوَلِيُّ ولَمْ يَرْجِعْ لِوَقْتِهِ عُوقِبَ بِالحِجابِ، وهو أنْ يُجِيبَ إلَيْهِ إظْهارَ خَرْقِ العَوائِدِ المُسَمّاةِ في لِسانِ العامَّةِ كَراماتٍ فَيَظْهَرُ بِها ويَقُولُ: لَوْ كُنْتُ مُؤاخَذًا بِهَذِهِ الزَّلَّةِ لَقُبِضَ عَنِّي التَّصْرِيفُ وغابَ عَنْهُ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ بَلْ ولَوْ سَلِمَ مِنَ الزَّلَّةِ فالواجِبُ خَوْفُهُ مِنَ المَكْرِ والِاسْتِدْراجِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: الكَرامَةُ حَيْضُ الرِّجالِ ومَنِ اغْتَرَّ بِالكَراماتِ بِالكَرى ماتَ وأضَرُّ الكَراماتِ لِلْوَلِيِّ ما أوْجَبَ الشُّهْرَةَ فَإنَّ الشُّهْرَةَ آفَةٌ وقَدْ نُقِلَ عَنِ الخَواصِّ أنَّها تَنْقُصُ مَرْتَبَةَ الكَمالِ وأيَّدَ ذَلِكَ بِالأثَرِ المَشْهُورِ: خُصَّ بِالبَلاءِ مَن عَرَفَهُ النّاسُ.
نَعَمْ ذُكِرَ في أسْرارِ القُرْآنِ أنَّ الوَلايَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِأرْبَعِ مَقاماتٍ الأوَّلُ مَقامُ المَحَبَّةِ، والثّانِي مَقامُ الشَّوْقِ، والثّالِثُ مَقامُ العِشْقِ والرّابِعُ مَقامُ المَعْرِفَةِ، ولا تَكُونُ المَحَبَّةُ إلّا بِكَشْفِ الجَمالِ ولا يَكُونُ الشَّوْقُ إلّا بِاسْتِنْشاقِ نَسِيمِ الوِصالِ ولا يَكُونُ العِشْقُ إلّا بِدُنُوِّ الأنْوارِ ولا تَكُونُ المَعْرِفَةُ إلّا بِالصُّحْبَةِ، وتَتَحَقَّقُ الصُّحْبَةُ بِكَشْفِ الأُلُوهِيَّةِ مَعَ ظُهُورِ أنْوارِ الصِّفاتِ، ولِحُصُولِ ذَلِكَ آثارٌ وعَلاماتٌ مَذْكُورَةٌ فِيهِ فَلْيُراجِعْهُ مَن أرادَها، والكَلامُ في هَذا المَقامِ كَثِيرٌ، وكُتُبُ القَوْمِ مَلْأى مِنهُ وما ذَكَرْناهُ كِفايَةٌ لِغَرَضِنا.
وأحْسَنُ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في مَعْرِفَةِ الوَلِيِّ اتِّباعُ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ وسُلُوكُ المَحَجَّةِ البَيْضاءِ فَمَن خَرَجَ عَنْها قَيْدَ شِبْرٍ بَعُدَ عَنِ الوَلايَةِ بِمَراحِلَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الوَلِيِّ ولَوْ أتى بِألْفِ ألْفِ خارِقٍ فالوَلِيُّ الشَّرْعِيُّ اليَوْمَ أعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ أمّا الخِيامُ فَإنَّها كَخِيامِهِمْ وأرى نِساءَ الحَيِّ غَيْرَ نِسائِها ﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ أيْ لِما سَبَقَ لَهم في الأزَلِ مِن حُسْنِ العِنايَةِ، أوْ لا تَبْدِيلَ لِحَقائِقِهِ سُبْحانَهُ الوارِدَةِ عَلَيْهِمْ وأسْمائِهِ تَعالى المُنْكَشِفَةِ لَهم وأحْكامِ تَجَلِّياتِهِ جَلَّ وعَلا النّازِلَةِ بِهِمْ أوَّلًا، أوْ لا تَبْدِيلَ لِفِطَرِهِمُ الَّتِي فَطَرَهم عَلَيْها، ويُقالُ لِكُلٍّ مُحْدَثٌ - كَلِمَةٌ - لِأنَّهُ أثَرُ الكَلِمَةِ ﴿ ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾ أيْ لا تَتَأثَّرْ بِهِ ﴿ إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ لا يَمْلِكُ أحَدٌ سِواهُ مِنها شَيْئًا فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ تَعالى ويَقْهَرُهم (وهُوَ السَّمِيعُ) لِأقْوالِهِمُ ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِما يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ أيْ إنَّ كُلَّ مَن في ذَلِكَ تَحْتَ مُلْكِهِ سُبْحانَهُ وتَصَرُّفِهِ وقَهْرِهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ إذْنِهِ فَهو كالتَّأْكِيدِ لِما أفادَتْهُ الآيَةُ السّابِقَةُ أوْ أنَّ مِن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ الَّذِينَ هم أشْرَفُ المُمْكِناتِ عَبِيدٌ لَهُ سُبْحانَهُ لا يَصْلُحُ أحَدٌ مِنهم لِلرُّبُوبِيَّةِ فَما لا يُعْقَلُ أحَقُّ بِأنْ لا يَصْلُحَ لِذَلِكَ فَهو كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ ﴾ إلّا ما يَتَوَهَّمُونَهُ ويَتَخَيَّلُونَهُ شَرِيكًا ولا شَرِكَةَ لَهُ في الحَقِيقَةِ ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ إشارَةٌ إلى سُكُونِ العُشّاقِ والمُشْتاقِينَ في اللَّيْلِ إذا مَدَّ أطْنابَهُ ونَشَرَ جِلْبابَهُ ومَيْلُهم إلى مُناجاةِ مَحْبُوبِهِمْ وانْجِذابِهِمْ إلى مُشاهَدَةِ مَطْلُوبِهِمْ وتَلَذُّذِهِمْ بِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ واسْتِغْراقِهِمْ بِأنْواعِ التَّجَلِّياتِ الرَّبّانِيَّةِ ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: لَوْلا اللَّيْلُ لَما أحْبَبْتُ البَقاءَ في الدُّنْيا وهَذِهِ حالَةُ عُشّاقِ الحَضْرَةِ وهُمُ العُشّاقُ الحَقِيقِيُّونَ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ وأنْشَدَ بَعْضُ المَجازِيِّينَ: أقْضِي نَهارِي بِالحَدِيثِ وبِالمُنى ∗∗∗ ويَجْمَعُنِي بِاللَّيْلِ والهَمِّ جامِعُ نَهارِي نَهارُ النّاسِ حَتّى إذا بَدا ∗∗∗ لِيَ اللَّيْلُ هَزَّتْنِي إلَيْكَ المَضاجِعُ ﴿ والنَّهارَ مُبْصِرًا ﴾ أيْ ألْبَسَهُ سِرْبالَ أنْوارِ القُدْرَةِ لِتَقْضُوا فِيها حاجاتِكُمُ الضَّرُورِيَّةَ وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى لَيْلِ الجِسْمِ ونَهارِ الرُّوحِ لِتُبْصِرُوا بِهِ حَقائِقَ الأشْياءِ وما تَهْتَدُونَ بِهِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ كَلامَ اللَّهِ تَعالى فَيُقِيمُونَ بَواطِنَهُ وحُدُودَهُ ويَطَّلِعُونَ بِهِ عَلى صِفاتِهِ وأسْمائِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ أيْ مَعْلُولًا يُجانِسُهُ ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ أيْ أُنَزِّهُهُ جَلَّ وعَلا مِن ذَلِكَ ﴿ هُوَ الغَنِيُّ ﴾ الَّذِي وُجُودُهُ بِذاتِهِ وبِهِ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ وذَلِكَ يُنافِي الغِنى وأكَّدَ غِناهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ ﴾ إلَخْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ ﴾ إلَخْ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في صِحَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى ونَظَرِهِ إلى قَوْمِهِ وشُرَكائِهِمْ بِعَيْنِ الغِنى وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِمَكايِدِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا بِهِ حالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مِلَّةِ التَّوْحِيدِ والقِيامِ بِاللَّهِ تَعالى وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الخَلْقِ سَواءٍ أوْ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَتْلُوَ نَبَأ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ لِيَتَّعِظَ قَوْمُهُ ويَنْزَجِرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِمّا يُفْضِي إلى إهْلاكِهِمْ ﴿ وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ ﴾ أيْ إيمانًا حَقِيقِيًّا ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ أيْ مُنْقادِينَ أيْ إنْ صَحَّ إيمانُكم يَقِينًا فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا بِشَرْطِ أنْ لا يَكُونَ لَكم فِعْلٌ ولا تَرَوْا لِأنْفُسِكم ولا لِغَيْرِكم قُوَّةً ولا تَأْثِيرًا بَلْ تَكُونُوا مُنْقادِينَ كالمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْ مُغَسِّلِهِ فَإنَّ شَرْطَ صِحَّةِ التَّوَكُّلِ فَناءُ بَقايا الأفْعالِ والقُوى ﴿ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ﴾ أيْ عَلى ما أنْتُما عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ شُكْرًا لِتِلْكَ الإجابَةِ وقِيلَ: أيِ اسْتَقِيما عَلى مَعْرِفَتِكُما مَقامَ السُّؤالِ وهو مَقامُ الرِّضْوانِ لِيُسْتَجابَ لَكُما بَعْدَ إذا دَعَوْتُما فَإنَّ مَن لَمْ يَعْرِفْ مَقامَ السُّؤالِ قَدْ يُوقِعُهُ في غَيْرِ مَقامِهِ فَيُسِيءُ الأدَبَ فَلا يُسْتَجابُ لَهُ وقِيلَ: إنَّ هَذا عِتابٌ لَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ أيْ قَدْ أُجِيبَ دَعْوَتُكُما لِضَعْفِكُما عَنْ تَحَمُّلِ وارِدِ امْتِحانِي فاسْتَقِيما بَعْدَ ذَلِكَ عَلى تَحَمُّلِ بَلائِي والصَّبْرِ فِيهِ فَإنَّهُ اللّائِقُ بِشَأْنِكُما وقَدْ قِيلَ: المَعْرِفَةُ تَقْتَضِي الرِّضا بِالقَضاءِ والسُّكُونَ في البَلاءِ وقِيلَ: أيِ اسْتَقِيما في دُعائِكُما والِاسْتِقامَةُ في الدُّعاءِ عَلى ما قالَ ذُو النُّونِ المِصْرِيُّ أنْ لا يَغْضَبَ الدّاعِي لِتَأْخِيرِ الإجابَةِ ولا يَسْألُ سُؤالَ خُصُوصٍ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِما يُحِبُّ ويَرْضى <div class="verse-tafsir"
قال الله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ هارون، وذلك لما منعهم فرعون وقومه الصَّلاة علانية، وخرّبوا مساجدهم أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً يعني: اتّخذوا لقومكما بمصر مساجد في جوف البيوت وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً يعني: مساجد فتصلون فيها.
ويقال: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أي: حَوِّلُوا بيوتكم نحو القبلة.
وقال مجاهد: كانوا يصلون في البِيَعِ، فأمرهم أن يصلوا في البيوت.
وقال إبراهيم النخْعِيُّ: كانوا خائفين، فأمرهم بالصَّلاة في بيوتهم.
وكان إبراهيم النخعِيِّ خائفاً من الحجَّاج، وكان يصلي في بيته.
ثم قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: أتموها بركوعها وسجودها، ولم يأمرهم بالزكاة، لأن فرعون قد استعبدهم، وأخذ أموالهم، فلم يكن لهم مال يجب عليهم الزّكاة فيه.
ثم قال للنبي وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين بتوحيد الله تعالى بالجنة.
قرأ عاصم في رواية حفص: أَنْ تَبَوَّءا بلا همز، لأنه كره همزة بين حرفين فجعلها ياء.
وقرأ الباقون بغير ياء بالهمزة، إلا أنه روي عن حمزة أنه كان يهمز.
قوله تعالى: وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ، وذلك أن أهل مصر لما عُذِّبُوا بالطُّوفان والجراد والسنين، قالوا: لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ [الأعراف: 134] ، ثمّ نكثوا العهد ولم يؤمنوا، فغضب موسى عليهم، ودعا الله تعالى عليهم، وقال: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ يعني: أعطيت فرعون وملأة زينة، يعني: الأشراف من قومه أعطيتهم زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا أي: ربنا أعطيتهم ليضلوا عَنْ سَبِيلِكَ يعني: عن دينك الإسلام.
قرأ أهل الكوفة، وعاصم، وحمزة الكسائي: لِيُضِلُّوا بضم الياء.
يعني: ليُضلُّوا النّاس ويصرفونهم عن دينك.
وقرأ الباقون: لِيُضِلُّوا بنصب الياء.
يعني: يرجعون عن دينك ويمتنعون عنه.
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ يعني: غيِّر دراهمهم ودنانيرهم، وذلك حين وعد فرعون لموسى بأن يؤمن ويرسل معه بني إسرائيل، ثم نقض العهد، فدعا عليهم موسى .
وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ قال: بلغنا أنَّ حروثاً لهم صارت حجارة.
وعن السّدي أنه قال: صارت دراهمهم ودنانيرهم حجارة.
وعن أبي العالية أنه قال: صارت أموالهم حجارة، وقال مجاهد، في قوله تعالى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ يعني: أهلكها.
وقال القتبي في قوله: رَبَّنَا اطْمِسْ يعني: أهلكها.
وهو من قولك: طمس الطريق إذا عفى ودرس..
ثمّ قال تعالى: وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ أي اقسها.
ويقال: اطبع قلوبهم وأمتهم على الكفر، ولا توفقهم للإيمان يعني: لكي فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ وهو الغرق.
فدعا موسى وَأَمَّن هارون قال الله: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما قال ومحمد بن كعب القرظي: قد أجبت دعوتكما «دعا موسى، وأمَّن هارون» .
وعن أبي العالية، وعكرمة وأبي صالح مثله.
وعن أبي هريرة مثله.
وعن أنس بن مالك أنه قال: كنا عند رسول الله فقال: «إن الله تعالى أَعْطَانِي خِصَالاً ثَلاثاً: أَعْطَانِي صَلاةً بِالصُّفُوفِ، وَأعْطَانِي تَحِيَّةً إنها تِحَّيةُ أهْلِ الجَنَّةِ، وَأَعْطَانِي التَّأْمِينَ، وَلَمْ يُعْطِ أَحَداً مِنَ النَّبِيِّينَ قَبْلِي، إلاَّ أَنْ يَكُونَ الله تَعَالَى أعطاهُ لِهَارُونَ، يَدْعُو مُوسَى، وَيُؤَمِّنُ هَارُونُ» .
قال مقاتل: فمكث موسى بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وهكذا روى الضَّحَّاك: أن الإجابة ظهرت بعد أربعين سنة.
وقال بعضهم: بعد أربعين يوما.
وقال بعضهم: كان هذا الدعاء حين خرج موسى ببني إسرائيل، وأيس من إيمانهم.
ثم قال الله تعالى: فَاسْتَقِيما أي: قال لموسى وهارون: فَاسْتَقِيما على الرّسالة والدّعوة واستقيما على ما أمرتكما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: طريق فرعون وآله من أهل مصر.
وروى ابن ذكوان، عن ابن عامر، أنه قرأ: تَتَّبِعانِّ بجزم التاء ونصب الباء.
وقرأ الباقون: تَتَّبِعانِّ بنصب التاء، والتشديد، وكسر الباء.
ومعناهما واحد، وهذه النون أدخلت مؤكدة.
<div class="verse-tafsir"
منهم على العامَّة، والتوكُّل في عَقْد الإِيمان مع كلِّ من آمن باللَّه عزَّ وجلَّ؟
قال: إِنَّ الذي فَضَلَتْ به الخاصَّة على العامَّة دَوَامُ سكونِ القَلْب عن الاضطراب والهُدُوِّ عن الحرَكَة، فعندها، يا فَتَى، استراحوا من عذاب الحِرْصِ، وفُكُّوا مِنْ أُسْرِ الطمع، وأُعْتِقُوا من عُبُودِيَّة الدنيا، وأبنائِها، وحَظُوا بالرَّوْحِ في الدَّارَيْنِ جميعاً، فطوبَى لهم وحُسْنُ مَآب، قلْتُ: فما الذي يولِّدُ هذا؟
قال: حَالَتَانِ:
دَوَامُ لُزُومِ المعرفة، والاعتماد على اللَّه عزَّ وجلَّ، وتَرْكُ الحِيل.
والثانية: الممارسَةُ حتى يَأْلَفَهَا إِلْفاً، ويختارها اختيارا، فيصير التوكُّل والهُدُوُّ والسكونُ والرضا والصبْرُ له شعاراً ودثاراً.
انتهى من «كتاب القَصْدِ إِلى اللَّه سبحانه» .
وقولهم: رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: المعنى: لا تُنْزِلْ بنا بلاءً بأيديهم أو بغير ذلك/ مدَّةَ محاربتنا لهم فَيُفْتَنُونَ لذلك، ويعتقدون صلاَحَ دينهم، وفَسَاد ديننا قاله مجاهد وغيره، فهذا الدعاءُ على هذا التأويل يتضمَّن دفْعَ فصلين:
أحدُهما: القَتْل والبلاء الذي توقَّعه المؤمنون.
والآخر: ظُهُورُ الشَّرك باعتقاد أهله أنَّهم أَهْلُ الحَقِّ.
ونحو هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «بئس الميّت أبو أمامة ليهود وَالمُشْرِكِينَ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهُ» «١» .
ورَجَّحَ ع «٢» في «سورة الممتحنة: ٥» قولَ ابْنِ عباس: إِن معنى: لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا: لا تسلِّطهم علينا فيفتنونا انظره هناك.
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)
وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً رُوي: أَن فرعون أَخَافَ بني إِسرائيل، وهدَّم لهم مواضعَ كانوا اتخذوها للصلاة، ونَحْو هذا، فأوحَى اللَّه إِلَى موسَى وهارون، أنْ تَبَّوءا أي: اتخذا وتَخَيَّرا لبني إِسرائيل بمصْر بيوتاً، قال مجاهد: مِصْر في هذه الآية: الإِسْكَنْدَرِيَّة «١» ، ومصْرُ ما بين أَسْوَان «٢» والإِسكندرية «٣» .
وقوله سبحانه: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً: قيل: معناه: مساجدُ، قاله ابنُ عباس وجماعة «٤» ، قالوا: خافوا، فأُمِرُوا بالصَّلاة في بيوتهم، وقيل: معناه مُوجَّهة إِلى القبلة قاله ابن عباس «٥» ، ومن هذا حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنه قَالَ: «خَيْرُ بُيُوتِكُمْ مَا استقبل بِهِ القِبْلة» «٦» .
وقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ: خطابٌ لبني إِسرائيل، وهذا قبل نزول التوراة لأَنها لم تَنْزِلْ إِلا بعد إِجازة البَحْر.
وقوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: أَمرٌ لموسَى عليه السلام، وقال الطبريُّ ومكيٌّ: هو أَمرٌ لنبينا محمَّد عليه السلام، وهذا غير متمكِّن.
وقوله سبحانه: وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً ...
الآية: هذا
غضَبٌ من موسَى على القِبْطِ، ودعاءٌ عليهم، لمَّا عَتَوْا وعانَدوا، وقدَّم للدعاءِ تقريرَ نعِم الله عليهم وكفرهم بها، وآتَيْتَ معناه: أَعْطَيْتَ، واللام في لِيُضِلُّوا لام كَيْ، ويحتملُ أن تكون لامَ الصَّيْرورة والعَاقِبَةِ، المعنى: آتيتهم ذَلكَ، فصار أمرهم إِلى كذا، وقرأ حمزة وغيره: «لِيُضِلُّوا» (بضم الياء) على معنى: لِيُضِلُّوا غيرهم.
وقوله: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ: هو من طُمُوسِ الأَثْر والعين وَطَمْسُ الوجوه منه، وتكْرير قوله: رَبَّنا استغاثة كما يقول الداعي: يا اللَّه، يا اللَّه، روي أنهم حين دعا موسَى بهذه الدعوة، رَجَعَ سُكَّرُهُمْ حجارةً، ودراهِمُهم ودنانيرهم وحُبُوبُ أطعمتهم، رَجَعَتْ حجارةً قاله قتادة وغيره «١» ، وقال مجاهد وغيره: معناه: أهْلِكْها ودَمِّرها «٢» .
وقوله: وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ: بمعنى: اطبع واختم عليهم بالكفر قاله مجاهدٌ والضَّحَّاك «٣» .
وقوله: فَلا يُؤْمِنُوا: مذهب الأخفش وغيره: أنَّ الفعل منصوب عطفاً على قوله: لِيُضِلُّوا، وقيل: منصوبٌ في جواب الأمر، وقال الفراء والكسائي: هو مجزومٌ على الدعاء، وجعل رؤية العذاب نهايةً وغايةً وذلك لِعِلْمه من اللَّه أنَّ المؤمن عند رؤية العَذَاب لا ينفعه إِيمانه في ذلك الوَقْت، ولا يُخْرِجُهُ من كُفْره، ثم أجاب اللَّه دعوتهما، قال ابن عباس: العَذَاب هنا: الغَرَقُ «٤» ، وروي أن هارون كان يُؤْمِّنُ على دعاء موسَى فلذلك نَسَب الدعوة إليهما قاله محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ «٥» ، قال البخاري: وَعَدْواً: من العدوان.
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ ﴾ في المُرادِ بِالذُّرِّيَّةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالذُّرِّيَّةِ: القَلِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى، ماتَ آباؤُهم لِطُولِ الزَّمانِ وآمَنُوا هم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الَّذِينَ نَشَؤُوا مَعَ مُوسى حِينَ كَفَّ فِرْعَوْنُ عَنْ ذَبْحِ الغِلْمانِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قِيلَ لِهَؤُلاءِ " ذُرِّيَّةٌ " لِأنَّهم أوْلادُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُوسى، وإنْ كانُوا بالِغِينَ.
والثّالِثُ أنَّهم قَوْمٌ، أُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وآباؤُهم مِنَ القِبْطِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
قالَ: وإنَّما سُمُّوْا ذُرِّيَّةً كَما قِيلَ لِأوْلادِ فارِسَ: الأبْناءُ، لِأنَّ أُمَّهاتِهِمْ مِن غَيْرِ جِنْسِ آبائِهِمْ.
وفي هاءِ " قَوْمِهِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى مُوسى، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: إلى فِرْعَوْنَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ ﴾ أيْ: ومَلَإ فِرْعَوْنَ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: " ومَلَئِهِمْ " بِالجَمْعِ، وفِرْعَوْنُ واحِدٌ، لِأنَّ المَلِكَ إذا ذُكِرَ ذَهَبَ الوَهْمُ إلَيْهِ وإلى مَن مَعَهُ، تَقُولُ: قَدِمَ الخَلِيفَةُ فَكَثُرَ النّاسُ، تُرِيدُ: بِمَن مَعَهُ.
وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِفِرْعَوْنَ: آلَ فِرْعَوْنَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ .
وعَلى القَوْلِ الثّانِي: يَرْجِعُ ذِكْرُ المَلَإ إلى الذُّرِّيَّةِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّهُ كانَ في الذُّرِّيَّةِ مَن أبَوْهُ قِبْطِيٌّ وأُمُّهُ إسْرائِيلِيَّةٌ، فَهو مَعَ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَقُلْ: يَفْتِنُوهم، لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا عَلى مَن كانَ عَلَيْهِ.
وفي هَذِهِ الفِتْنَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها القَتْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: التَّعْذِيبُ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُتَطاوِلٌ في أرْضِ مِصْرَ ﴿ وَإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ حِين كانَ عَبْدًا فادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ﴾ لَمّا شَكا بَنُو إسْرائِيلَ إلى مُوسى ما يُهَدِّدُهم بِهِ فِرْعَوْنُ مِن ذَبْحِ أوْلادِهِمْ، واسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ، قالَ لَهم هَذا وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تُهْلِكْنا بِعَذابٍ عَلى أيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن قِبَلِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى حَقٍّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ.
والثّانِي: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا والقَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتَتِنُوا بِنا، لِظَنِّهِمْ أنَّهم عَلى حَقٍّ، قالَهُ أبُو الضُّحى، وأبُو مِجْلَزٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أُرْسِلَ مُوسى،أمَرَ فِرْعَوْنُ بِمَساجِدِ بَنِي إسْرائِيلَ فَخُرِّبَتْ كُلُّها، ومُنِعُوا مِنَ الصَّلاةِ،كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في الكَنائِسِ فَأُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا مَساجِدَ في بُيُوتِهِمْ ويُصَلُّونَ فِيها خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ.
" وتَبَوَّآ " مَعْناهُ: اتَّخِذا، وقَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ:٧٤) .
وفي المُرادِ بِمِصْرَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ البَلَدُ المَعْرُوفُ بِمِصْرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ الإسْكَنْدَرِّيَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وفي البُيُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها المَساجِدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والثّانِي: القُصُورُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اجْعَلُوها مَساجِدَ، رَواهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ النَّخَعِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ فِرْعَوْنَ أمَرَ بِهَدْمِ مَساجِدِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمُ: اجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً بَدَلًا مِنَ المَساجِدِ.
والثّانِي: اجْعَلُوها قِبَلَ القِبْلَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قِبَلَ مَكَّةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: أُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوها مُسْتَقْبِلَةَ الكَعْبَةِ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ.
والثّالِثُ: اجْعَلُوها يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكُمُ الَّتِي بِالشّامِ قِبْلَةً لَكم في الصَّلاةِ، فَهي قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
فَإنْ قِيلَ: البُيُوتُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ " قِبْلَةً " عَلى التَّوْحِيدِ ؟
فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْن الأنْبارِيِّ، فَقالَ: مَن قالَ: المُرادُ بِالقِبْلَةِ الكَعْبَةُ، قالَ: وُحِّدَتِ القِبْلَةُ لِتَوْحِيدِ الكَعْبَةِ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ: اجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبَلًا، فاكْتَفى بِالواحِدِ عَنِ الجَمْعِ، كَما قالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكم فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ يُرِيدُ: إنّا إخْوَتُكم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وحَدَّ " قِبْلَةً " لِأنَّهُ أجْراها مَجْرى المَصْدَرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: واجْعَلُوا بُيُوتَكم إقْبالًا عَلى اللَّهِ، وقَصْدًا لَمّا كُنْتُمْ تَسْتَعْمِلُونَهُ في المَساجِدِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وحَّدَها، والمَعْنى: واجْعَلُوا بُيُوتَكم شَيْئًا قِبْلَةً، ومَكانا قِبْلَةً، ومَحَلَّةً قِبْلَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتِمُّوا الصَّلاةَ ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أنْتَ يا مُحَمَّدُ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَشِّرْهم بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا، وبِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأمْوالا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ لَهم مِن لَدُنْ فُسْطاطِ مِصْرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ جِبالٌ فِيها مَعادِنُ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وزَبَرْجَدٍ وياقُوتٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ وفي لامِ " لِيُضِلُّوا " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها لامُ " كَيْ " والمَعْنى: آتَيْتَهم ذَلِكَ كَيْ يُضِلُّوا وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: أنَّها لامُ العاقِبَةِ، والمَعْنى: إنَّكَ آتَيْتَهم ذَلِكَ فَأصارَهم إلى الضَّلالِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ أيْ: آلَ أمْرُهم إلى أنْ صارَ لَهم عَدُوًّا، لا أنَّهم قَصَدُوا ذَلِكَ وهَذا كَما تَقُولُ لِلَّذِي كَسَبَ مالًا فَأدّاهُ إلى الهَلاكِ: إنَّما كَسَبَ فُلانٌ لِحَتْفِهِ، وهو لَمْ يَكْسِبِ المالَ طَلَبًا لِلْحَتْفِ، وأنْشَدُوا: ولِلْمَنايا تُرَبِّي كُلُّ مِرْضَعَةٍ ∗∗∗ ولِلْخَرابِ يُجِدُّ النّاسُ عُمْرانًا وَقالَ آخَرُ: ولِلْمَوْتِ تَغْذُو الوالِداتُ سِخالَها ∗∗∗ كَما لِخَرابِ الدُّورِ تُبْنى المَساكِنُ وَقالَ آخَرُ: فَإنْ يَكُنِ المَوْتُ أفْناهم ∗∗∗ فَلِلْمَوْتِ ما تَلِدُ الوالِدَهْ أرادَ: عاقِبَةُ الأمْرِ ومَصِيرُهُ إلى ذَلِكَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والثّالِثُ: أنَّها لامُ الدُّعاءِ، والمَعْنى: رَبَّنا ابْتَلِهِمْ بِالضَّلالِ عَنْ سَبِيلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والرّابِعُ: أنَّها لامُ أجْلِ، فالمَعْنى: آتَيْتَهم لِأجْلِ ضَلالَتِهِمْ عُقُوبَةً مِنكَ لَهم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ﴾ أيْ: لِأجْلِ إعْراضِكم، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا المُفَضَّلَ، وزَيْدٌ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " لِيُضِلُّوا " بِضَمِّ الياءِ، أيْ: لِيُضِلُّوا غَيْرَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ ﴾ رَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: " اطْمُسْ " بِضَمِّ المِيمِ، " عَلى أمْوالِهِمْ " وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها جُعِلَتْ حِجارَةً، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ، والفَرّاءُ.
وقالَ القُرَظِيُّ: جَعَلَ سُكَّرُهم حِجارَةً.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: صارَ ذَهَبُهم ودَراهِمُهُم وعَدَسُهم وكُلُّ شَيْءٍ لَهم حِجارَةً.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَسَخَ اللَّهُ النَّخْلَ والثِّمارَ والأطْعِمَةَ حِجارَةً، فَكانَتْ إحْدى الآياتِ التِّسْعِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: تَطْمِيسُ الشَّيْءِ: إذْهابُهُ عَنْ صُورَتِهِ والِانْتِفاعُ بِهِ عَلى الحالِ الأُولى الَّتِي كانَ عَلَيْها.
والثّانِي: أنَّها هَلَكَتْ فالمَعْنى: أهْلَكَ أمْوالَهم، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، ومِنهُ يُقالُ: طُمِسَتْ عَيْنُهُ، أيْ: ذَهَبَتْ، وطُمِسَ الطَّرِيقُ إذا عَفا ودَرَسَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اطْبَعْ عَلَيْها، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أهْلِكْهم كُفّارًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: اشْدُدْ عَلَيْها بِالضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: قَسِّ قُلُوبَهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يُؤْمِنُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ أيْضًا، كَأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ فَلا يُؤْمِنُوا، قالَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: فَلا آمَنُوا، قالَ الأعْشى: فَلا يَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ∗∗∗ ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ مَعْناهُ: لا انْبَسَطَ ولا لَقِيتَنِي والثّانِي: أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ ، فالمَعْنى: أنَّك آتَيْتَهم لِيُضِلُّوا فَلا يُؤْمِنُوا، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنِ المُبَرِّدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الغَرَقُ، وكانَ مُوسى يَدْعُو، وهارُونُ يُؤَمِّنُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ﴾ ، وكانَ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: " دَعْوَتُكُما " وهُما دَعْوَتانِ ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ الدَّعْوَةَ تَقَعُ عَلى دَعْوَتَيْنِ وعَلى دَعَواتٍ وكَلامٍ يَطُولُ كَما بَيَّنّا في (الأعْرافِ:١٥٨) أنَّ الكَلِمَةَ تَقَعُ عَلى كَلِماتٍ قالَ الشّاعِرُ: وكانَ دَعا دَعْوَةً قَوْمَهُ ∗∗∗ هَلُمَّ إلى أمْرِكم قَدْ صُرِمَ فَأوْقَعَ " دَعْوَةً " عَلى ألْفاظٍ بَيَّنَها آخِرَ بَيْتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعَواتُكُما، فاكْتَفى بِالواحِدِ مِن ذِكْرِ الجَمِيعِ، ذَكَرَ الجَوابَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقَدْ رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ " دَعَواتُكُما " بِالألِفِ وفَتْحِ العَيْنِ.
والثّالِثُ: أنَّ مُوسى هو الَّذِي دَعا، فالدَّعْوَةُ لَهُ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا أمَّنَ هارُونُ، أُشْرِكَ بَيْنَهُما في الدَّعْوَةِ، لِأنَّ التَّأْمِينَ عَلى الدَّعْوَةِ مِنها.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَقِيما ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فاسْتَقِيما عَلى الرِّسالَةِ وما أمَرْتُكُما بِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: فاسْتَقِيما عَلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إلى طاعَةِ اللهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
والثّالِثُ: فاسْتَقِيما في دُعائِكُما عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
والرّابِعُ: فاسْتَقِيما عَلى دِينِي، ذَكَرَهُما أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَّبِعانِّ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِتَشْدِيدِ تاءِ " تَتَّبِعانِّ " .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَخْفِيفِها مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى تَشْدِيدِ نُونِ " تَتَّبِعانِّ "، إلّا أنَّ النُّونَ الشَّدِيدَةَ دَخَلَتْ لِلنَّهْيِ مُؤَكِّدَةً، وكُسِرَتْ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ الَّتِي قَبْلَها، واخْتِيرَ لَها الكَسْرُ لِأنَّها بَعْدَ الألِفِ، فَشُبِّهَتْ بِنُونِ الِاثْنَيْنِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن خَفَضَ النُّونَ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ خَفَّفَ النُّونَ الثَّقِيلَةَ، فَإنْ شِئْتَ كانَ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، والمَعْنى الأمْرُ، كَقَوْلِهِ: " يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ " [البَقَرَةِ:٢٢٨ و٢٣٤] و ﴿ تُضارَّ والِدَةٌ ﴾ أيْ: لا يَنْبَغِي ذَلِكَ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: " فاسْتَقِيما " تَقْدِيرُهُ: اسْتَقِيما غَيْرَ مُتَّبِعَيْنِ.
وفي المُرادِ بِسَبِيلِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الَّذِينَ يَسْتَعْجِلُونَ القَضاءَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَدْعُوَ مُوسى عَلى قَوْمِهِ ؟
فالجَوابُ: أنْ بَعْضَهم يَقُولُ: كانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ، وهو قَوْلٌ صَحِيحٌ، لِأنَّهُ لا يُظَنُّ بِنَبِيٍّ أنْ يُقْدِمَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ إلّا عَنْ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّ دُعاءَهُ سَبَبٌ لِلِانْتِقامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أتْبَعَهم وتَبِعَهم سَواءٌ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أتْبَعَهم: لَحِقَهم.
﴿ بَغْيًا وعَدْوًا ﴾ أيْ: ظُلْمًا.
وقَرَأ الحَسَنُ " فاتَّبَعَهم " بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ شَدَّدُوا " وعُدُّوًا " مَعَ ضَمِّ العَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " أنَّهُ " بِفَتْحِ الألِفِ، والمَعْنى: آمَنتُ بِأنَّهُ فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وصَلَ الفِعْلُ إلى " أنْ " فَنُصِبَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنَّهُ " بِكَسْرِ الألِفِ، فَحَمَلُوهُ عَلى القَوْلِ المُضْمَرِ، كَأنَّهُ قالَ: آمَنتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ إيمانَهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَنَحَ فِرْعَوْنُ إلى التَّوْبَةِ حِينَ أُغْلِقَ بابُها لِحُضُورِ المَوْتِ ومُعايَنَةِ المَلائِكَةِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿ آلآنَ ﴾ أيْ: الآنَ تَتُوبُ وقَدْ أضَعْتَ التَّوْبَةَ في وقْتِها، ﴿ وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ بِالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ؟
والمُخاطِبُ لَهُ بِهَذا كانَ جِبْرِيلُ.
وجاءَ في الحَدِيثِ أنَّ جِبْرِيلَ جَعَلَ يَدُسُّ الطِّينَ في فَمِ فِرْعَوْنَ خَشْيَةَ أنْ يُغْفَرَ لَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، وكانَ يَذْكُرُ اللَّهَ، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ سَألَ اللَّهَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ ﴿ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ " نُنْجِيكَ " مُخَفَّفَةً.
قالَ اللُّغَوِيُّونَ، مِنهم يُونُسُ وأبُو عُبَيْدَةَ: نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أيْ: ارْتِفاعٍ، لِيَصِيرَ عَلَمًا أنَّهُ قَدْ غَرِقَ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " نُنَحِّيكَ " بِحاءٍ.
وفي سَبَبِ إخْراجِهِ مِنَ البَحْرِ بَعْدَ غَرَقِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مُوسى وأصْحابَهُ لَمّا خَرَجُوا، قالَ مَن بَقِيَ مِنَ المَدائِنِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ما أُغْرِقَ فِرْعَوْنُ، ولَكِنَّهُ هو وأصْحابَهُ يَتَصَيَّدُونَ في جَزائِرِ البَحْرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ فِرْعَوْنَ عُرْيانًا، فَكانَتْ نَجاةَ عِبْرَةٍ، وأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى البَحْرِ: أنِ الفِظْ ما فِيكَ، فَلَفَظَهُمُ البَحْرُ بِالسّاحِلِ، ولَمْ يَكُنْ يَلْفِظُ غَرِيقًا، فَصارَ لا يَقْبَلُ غَرِيقًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ أصْحابَ مُوسى قالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ ما غَرِقَ، ولا نُؤْمِنُ بِهَلاكِهِ، فَدَعا مُوسى رَبَّهُ، فَأخْرَجَهُ حَتّى أيْقَنُوا بِهَلاكِهِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ قَيْسُ بْنُ عُبادٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا قالَ بَنُو إسْرائِيلَ: لَمْ يَغْرَقْ فِرْعَوْنُ، دَعا مُوسى، فَخَرَجَ فِرْعَوْنُ في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ الحَدِيدُ، فَأخَذَتْهُ بَنُو إسْرائِيلَ يُمَثِّلُونَ بِهِ.
وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّهُ إنَّما أُخْرِجَ مِنَ البَحْرِ وحْدَهُ دُونَ أصْحابِهِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَذَّبَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ بِغَرَقِهِ، فَرَمى بِهِ البَحْرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ حَتّى رَآهُ بَنُو إسْرائِيلَ قَصِيرًا أحْمَرَ كَأنَّهُ ثَوْرٌ.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: عَرَفَهُ بَنُو إسْرائِيلَ بِدِرْعٍ كانَ لَهُ مِن لُؤْلُؤٍ لَمْ يَكُنْ لِأحَدِ مِثْلُها.
فَأمّا وجْهُهُ فَقَدْ غَيَّرَهُ سُخْطُ اللَّهِ تَعالى.
والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَبٌّ، وكانَ يَعْبُدُهُ قَوْمٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ، فَأغْرَقَهُ وأصْحابَهُ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مِن بَيْنِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِجَسَدِكَ مِن غَيْرِ رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وذِكْرُ البَدَنِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الرَّوْحِ.
والثّانِي: بِدِرْعِكَ، قالَهُ أبُو صَخْرٍ.
وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ كانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِن لُؤْلُؤٍ، وقِيلَ: مِن ذَهَبٍ، فَعُرِفَ بِدِرْعِهِ.
والثّالِثُ: نُلْقِيكَ عُرْيانًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: نُنَجِّيكَ وحْدَكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِتَكُونَ لِمَن بَعْدَكَ في النَّكالِ آيَةً لِئَلّا يَقُولُوا مِثْلَ مَقالَتِكَ، فَإنَّكَ لَوْ كُنْتَ إلَهًا ما غَرِقْتَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " خَلْفَكَ " بِمَعْنى بَعْدَكَ، والآيَةُ: العَلامَةُ.
والثّانِي: لِتَكُونَ لِبَنِي إسْرائِيلَ آيَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: لِمَن تَخَلَّفَ مِن قَوْمِهِ، لِأنَّهم أنْكَرُوا غَرَقَهُ عَلى ما ذَكَرْنا في أوَّلِ الآيَةِ، فَخَرَجَ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِبْرَةٌ لِلنّاسِ.
والثّانِي: عَلامَةٌ تَدُلُّ عَلى غَرَقِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الآيَةُ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَبٌّ، فَبانَ أمْرُهُ، وأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أصْحابِهِ لَمّا غَرِقُوا.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ " لِمَن خَلَقَكَ " بِالقافِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأوحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَلاةَ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأمْوالا في الحَياةِ الدُنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عن سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ ﴿ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ أخافَ بَنِي إسْرائِيلَ وهَدَمَ لَهم مَواضِعَ كانُوا اتَّخَذُوها لِلصَّلاةِ ونَحْوِ هَذا، فَأوحى اللهُ إلى مُوسى وهارُونَ أنِ اتَّخَذا وتَخَيَّرا لِبَنِي إسْرائِيلَ بُيُوتًا بِمِصْرَ، قالَ مُجاهِدٌ: مِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، ومِصْرُ ما بَيْنَ البَحْرِ إلى أسْوانَ، والإسْكَنْدَرِيَّةُ مِن أرْضِ مِصْرَ، و"تَبَوَّءا" مَعْناهُ: كَما قُلْنا: تَخَيَّرا واتَّخِذا، وهي لَفْظَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في الأماكِنِ وما يُشَبَّهُ بِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: لَها أمْرُها حَتّى إذا ما تَبَوَّأتْ ∗∗∗ لِأقْحافِها مَرْعًى تَبَوَّأ مَضْجَعا وهَذا البَيْتُ لِلرّاعِي، وبِهِ سُمِّيَ الراعِي، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: يَتَبَوَّءُونَ مَقاعِدًا لِقِتالِكم ∗∗∗ ∗∗∗ كَلُيُوثِ غابٍ لَيْلُهُنَّ زَئِيرُ وقَرَأ الناسُ: "تَبَوَّءا" بِهَمْزَةٍ عَلى تَقْدِيرِ (.....)، وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: "تَبَوَّيا"، وهَذا تَسْهِيلٌ لَيْسَ بِقِياسِيٍّ، ولَوْ جَرى عَلى القِياسِ لَكانَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والألِفِ، وقَوْلُهُ: ﴿ قِبْلَةً ﴾ مَعْناهُ: مَساجِدَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ، وغَيْرُهُمْ، قالُوا: خافُوا فَأُمِرُوا بِالصَلاةِ في بُيُوتِهِمْ، وقِيلَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأوَّلُ أصْوَبُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مُوَجَّهَةٌ إلى القِبْلَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِن هَذا حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ بُيُوتِكم ما اسْتُقْبِلَ بِهِ القِبْلَةَ"»، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأقِيمُوا الصَلاةَ ﴾ خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، هَذا قَبْلَ نُزُولِ التَوْراةِ لِأنَّها لَمْ تَنْزِلْ إلّا بَعْدَ إجازَةِ البَحْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أمْرٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
وقالَ مَكِّيٌّ، والطَبَرِيُّ: هو أمْرٌ لِمُحَمَّدٍ ، وهَذا غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ مُوسى ﴾ الآيَةُ، غَضَبٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى القِبْطِ وَدُعاءٌ عَلَيْهِمْ، فَقَدَّمَ لِلدُّعاءِ تَقْرِيرَ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ وكُفْرِهِمْ بِها.
و"آتَيْتَ" مَعْناهُ: أعْطَيْتَ ومَلَّكْتَ، وتَكَرَّرَ قَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا ﴾ اسْتِغاثَةٌ، كَما يَقُولُ الداعِي بِاللهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لامَ كَيْ عَلى بابِها، عَلى مَعْنى: آتَيْتَهُمُ الأمْوالَ إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا، فَكانَ الإيتاءُ كَيْ يَضِلُّوا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَيْرُورَةِ والعاقِبَةِ، كَما قالَ: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ ، والمَعْنى: آتَيْتَهم ذَلِكَ فَصارَ أمْرُهم إلى كَذا، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هو دُعاءٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ، أيْ: رَبَّنا لِيَضِلُّوا فَعَلْتَ ذَلِكَ؟
وفي هَذا تَقْرِيرُ الشُنْعَةِ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: "لِيَضِلُّوا" بِفَتْحِ الياءِ عَلى مَعْنى: لِيَضِلُّوا في أنْفُسِهِمْ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وعِيسى، والحَسَنُ، والأعْرَجُ -بِخِلافٍ عنهُ-: "لِيُضِلُّوا" بِضَمِّ الياءِ، عَلى مَعْنى: لِيُضِلُّوا غَيْرَهُمْ، وقَرَأ الشَعْبِيُّ: "لِيِضِلُّوا" بِكَسْرِ الياءِ.
وقَرَأ الشَعْبِيُّ أيْضًا، وغَيْرُهُ: "اطْمُسْ" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "اطْمِسْ" بِكَسْرِ المِيمِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: طَمَسَ يَطْمِسُ ويَطْمُسُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقِراءَةُ الناسِ بِكَسْرِ المِيمِ، والضَمُّ لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ، ومَعْناهُ: عَفَّ وغَيَّرَ، وهو مِن طُمُوسِ الأثَرِ والعَيْنِ وطَمْسِ الوُجُوهِ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِفْرَيِّ إذا عَرِقَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ وَرُوِيَ أنَّهم حِينَ دَعا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِهَذِهِ الدَعْوَةِ رَجَعَ سُكَّرُهم حِجارَةً، وزادُهم ودَنانِيرُهم وحُبُوبُهم مِنَ الأطْعِمَةِ رَجَعَتْ حِجارَةً، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: أهْلَكَها ودَمَّرَها، ورُوِيَ أنَّ الطَمْسَةَ مِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ التِسْعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ بِمَعْنى: اطْبَعْ واخْتِمْ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ، ولَمّا أشارَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى رَسُولِ اللهِ بِقَتْلِ أسْرى بَدْرٍ شَبَّهَهُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في دُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، وبِنُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا يُؤْمِنُوا ﴾ مَذْهَبُ الأخْفَشِ وغَيْرِهِ أنَّ الفِعْلَ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "لِيُضِلُّوا"، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ في جَوابِ الأمْرِ، وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: هو مَجْزُومٌ عَلى الدُعاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلا يَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ وجَعَلَ رُؤْيَةَ العَذابِ نِهايَةً وغايَةً، وذَلِكَ لِعِلْمِهِ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى أنَّ المُؤْمِنَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولا يُخْرِجُهُ مِن كُفْرِهِ، ثُمَّ أجابَ اللهُ هَذِهِ الدَعْوَةَ في فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَذابُ هُنا: الغَرَقُ، وقَرَأ الناسُ: "دَعْوَتُكُما"، وقَرَأ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ: "دَعَواتُكُما"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جَرِيجٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، والضَحّاكِ أنَّ الدَعْوَةَ لَمْ تَظْهَرْ إجابَتُها إلّا بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً.
وحِينَئِذٍ كانَ الغَرَقُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأُعْلِما أنَّ دُعاءَهُما صادَفَ مَقْدُورًا، وهَذا مَعْنى إجابَةِ الدُعاءِ، وقِيلَ لَهُما: ( لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )، أيْ في أنْ تَسْتَعْجِلا قَضائِي فَإنَّ وعْدِي لا خُلْفَ لَهُ، وقَوْلُهُ: "دَعْوَتُكُما" ولَمْ يَتَقَدَّمِ الدُعاءُ إلّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ورُوِيَ أنَّ هارُونَ كانَ يُؤَمِّنُ عَلى دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، نُسِبَ الدَعْوَةُ إلَيْهِما، وقِيلَ: كَنّى عَنِ الواحِدِ بِلَفْظِ التَثْنِيَةِ، كَما قالَ: قِفا نَبْكِ.............
∗∗∗ ∗∗∗.......................
ونَحْوُ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الآيَةَ تَتَضَمَّنُ بَعْدُ مُخاطَبَتَهُما مِن غَيْرِ شَيْءٍ، قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: "رَبَّنا" دالُّ عَلى أنَّهُما دَعَوا مَعًا، وقَوْلُهُ: "فاسْتَقِيما" أيْ عَلى ما أُمِرْتُما بِهِ مِنَ الدُعاءِ إلى اللهِ.
وأُمِرا بِالِاسْتِقامَةِ وهُما عَلَيْها لِلْإدامَةِ والتَمادِي.
وقَرَأ نافِعٌ والناسُ: "تَتَّبِعانِّ" بِشَدِّ التاءِ والنُونِ عَلى النَهْيِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ ذَكْوانَ: "تَتْبَعانِّ" بِتَخْفِيفِ التاءِ وشَدِّ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ أيْضًا: "تَتَّبِعانِ" بِشَدِّ التاءِ وتَخْفِيفِ النُونِ وكَسْرِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَتْبَعانْ" بِتَخْفِيفِها وسُكُونِ النُونِ، رَواهُ الأخْفَشُ الدِمَشْقِيُّ عن أصْحابِهِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، فَأمّا شَدُّ النُونِ فَهي النُونُ الثَقِيلَةُ حُذِفَتْ مَعَها نُونُ التَثْنِيَةِ لِلْجَزْمِ، كَما تُحْذَفُ مَعَها الضَمَّةُ في "لَتَفْعَلَنَّ" حَيْثُ بُنِيَ الفِعْلُ مَعَها عَلى الفَتْحِ، وإنَّما كُسِرَتْ هَذِهِ النُونُ الثَقِيلَةُ بَعْدَ ألِفِ التَثْنِيَةِ.
وأمّا تَخْفِيفُها فَيَصِحُّ أنْ تَكُونَ الثَقِيلَةُ خُفِّفَتْ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ نُونَ التَثْنِيَةِ ويَكُونَ الكَلامُ خَبَرًا مَعْناهُ الأمْرُ، أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ تَتَّبِعا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ حالًا مِن:فاسْتَقِيما" كَأنَّهُ قالَ: غَيْرَ مُتَّبِعَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والعَطْفُ يُمانِعُ في هَذا فَتَأمَّلْهُ.
<div class="verse-tafsir"
جواب من الله لكلام موسى جرى على طريقة حكاية المحاورات أنْ لا تعطف جملها كما تقدم غير مرة.
وافتتاح الجملة ب ﴿ قد ﴾ والفعل الماضي يفيد تحقيق الحصول في المستقبل، فشبه بالمضي.
وأضيفت الدعوة إلى ضمير التثنية المخاطب به موسى وهارون وإن كانت الدعوة إنما حكيت عن موسى عليه السلام وحدَه لأن موسى عليه السلام دعا لما كان هارون مواطئاً له وقائلاً بمثله لأن دعوتهما واحدة.
وقيل: كان موسى عليه السلام يدعو وهارون عليه السلام يؤمّن.
ومعنى إجابة الدعوة إعطاء ما سأله موسى ربّه أن يسلب عن فرعون وملئه النعم، ويواليَ عليهم المصائب حتى يسأموا مقاومةَ دعوة موسى وتنحطّ غلواؤهم، قال تعالى: ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنينَ ونقصصٍ من الثمرات لعلهم يذّكرون ﴾ [الأعراف: 130] وقال: ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ﴾ [الأعراف: 133].
وفرع على إجابة دعوتهما أمرهما بالاستقامة، فعلم أن الاستقامة شكر على الكرامة فإن إجابة الله دعوة عبده إحسانٌ للعبد وإكرام وتلك نعمة عظيمة تستحق الشكر عليها وأعظم الشكر طاعة المنعم.
وإذ قد كان موسى وهارون مستقيمين، وناهيك باستقامة النبوءة كان أمرهما بالاستقامة مستعملاً في الأمر بالدوام عليها.
وأعقب حثهما على الاستقامة بالنهي عن اتباع طريق الذين لا يعلمون وإن كان ذلك مشمولاً للاستقامة تنبيهاً على توخي السلامة من العدول عن طريق الحق اهتماماً بالتحذير من الفساد.
والاستقامة: حقيقتها الاعتدال، وهي ضد الاعوجاج، وهي مستعملة كثيراً في معنى ملازمة الحق والرشد، لأنه شاع تشبيه الضلال والفساد بالاعوجاج والالتواء.
وقيل للحق: طريق مستقيم.
وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ [الفاتحة: 6]، فكان أمرهما بالاستقامة جامعاً لجميع خصال الخير والصلاح.
وفي حديث أبي عَمْرَةَ الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك.
قال: قل: آمنت بالله ثم استقم.
ومن الاستقامة أن يستمرا على الدعوة إلى الدين ولا يضجرا.
والسبيل: الطريق، وهو هنا مستعمل للسيرة والعمل الغالب.
وقوله: ﴿ ولا تتبعان ﴾ قرأه الجمهور بتشديد النون مكسورة.
وهما نونان: إحداهما نون المثنى والأخرى نون التوكيد.
وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر ﴿ ولا تتبعان ﴾ بنون خفيفة مكسورة.
وهي نون رفع المثنى لا نون التوكيد، فتعين أن تكون (لا) على هاته القراءة نافية غير ناهية، والجملة في موضع الحال والواو واو الحال، لأن جملة الحال المضارعة المفتتحة بحرف نفي يجوز اقترانها بالواو وعدمُه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ ﴾ أيْ أهْلِكْها، قالَهُ قَتادَةُ.
فَذَكَرَ لَنا أنَّ زُرُوعَهم وأمْوالَهم صارَتْ حِجارَةً مَنقُوشَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالضَّلالَةِ لِيَهْلِكُوا كُفّارًا فَيَنالُهم عَذابُ الآخِرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: بِإعْمائِها عَنِ الرُّشْدِ.
الثّالِثُ: بِالمَوْتِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الرّابِعُ: اجْعَلْها قاسِيَةً.
﴿ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هو الغَرَقُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: دَعا مُوسى وأمَّنَ هارُونُ فَسُمِّيَ هارُونُ وقَدْ أمَّنَ عَلى الدُّعاءِ داعِيًا، والتَّأْمِينُ عَلى الدُّعاءِ أنْ يَقُولَ آمِينَ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى آمِينَ بَعْدَ الدُّعاءِ وبَعْدَ فاتِحَةِ الكِتابِ في الصَّلاةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ آمِينَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وفِيهِ حَرْفُ النِّداءِ مُضْمَرٌ وتَقْدِيرُهُ يا آمِينُ اسْتَجِبْ دُعاءَنا.
الثّالِثُ: ما رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: « (آمِينَ خاتَمُ رَبِّ العالَمِينَ عَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ» يَعْنِي أنَّها تَمْنَعُ مِن وُصُولِ الأذى والضَّرَرِ كَما يَمْنَعُ الخَتْمُ مِنَ الوُصُولِ إلى المَخْتُومِ عَلَيْهِ.
وَفَرَّقَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْنى آمِينَ بَيْنَ وُرُودِهِ بَعْدَ الدُّعاءِ وبَيْنَ وُرُودِهِ بَعْدَ فاتِحَةِ الكِتابِ فَقالَ: مَعْناهُ بَعْدَ الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، ومَعْناهُ بَعْدَ الفاتِحَةِ: كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ جُرَيْجٍ: وأخَّرَ فِرْعَوْنَ بَعْدَ إجابَتِهِ دَعْوَتَهُما أرْبَعِينَ سَنَةً.
﴿ فاسْتَقِيما ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فامْضِيا لِأمْرِي فَخَرَجا في قَوْمِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: فاسْتَقِيما في دَعْوَتِكُما عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وحَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
وَقِيلَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ نَبِيٌّ عَلى قَوْمِهِ إلّا بِإذْنٍ لِأنَّ دُعاءَهُ مُوجِبٌ لِحُلُولِ الِانْتِقامِ وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن يَتُوبُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قد أجيبت دعوتكما.
قال: فاستجاب ربه له وحال بين فرعون وبين الإِيمان.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان موسى عليه السلام إذا دعا أمن هرون على دعائه يقول: آمين.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: وهو اسم من أسماء الله تعالى، فذلك قوله: ﴿ قد أجيبت دعوتكما ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قد أجيبت دعوتكما ﴾ قال: دعا موسى عليه السلام وأمن هرون.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان موسى عليه السلام يدعو ويؤمن هرون عليه السلام، فذلك قوله: ﴿ قد أجيبت دعوتكما ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: كان موسى يدعو وهرون يؤمن، والداعي والمؤمن شريكان.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: دعا موسى وأمن هرون.
وأخرج ابن جرير عن أبي صالح وأبي العالية والربيع مثله.
أخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه قال: كان هرون عليه السلام يقول: آمين.
فقال الله: ﴿ قد أجيبت دعوتكما ﴾ فصار التأمين دعوة صار شريكه فيها.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج.
مثله.
وأخرج الحكيم الترمذي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال قد أجيبت دعوتكما ﴾ قال: بعد أربعين سنة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنه ﴿ فاستقيما ﴾ فامضيا لأمري وهي الاستقامة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن موسى كان يدعو، وهارون يؤمن (١) ﴿ دَعْوَتُكُمَا ﴾ فأضاف إليهما (٢) قال الزجاج: والمؤمّن على دعاء الداعي داع أيضًا؛ لأن قوله (آمين) تأويله: استجيب، فهو سائل كسؤال الداعي (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَقِيمَا ﴾ فامضيا لأمري، قال عكرمة: فهو الاستقامة، عن ابن عباس (٤) (٥) قال ابن جريج: إن فرعون لبث بعد هذه الآية (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّبِعَانِّ ﴾ ، قال أبو إسحاق: موضعه جزم إلا أن النون الشديدة دخلت للنهي مؤكدة وكسرت لسكونها (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) فأما قراءة ابن عامر (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) الثاني: أن قوله (لا تتبعان) على هذه القراءة على لفظ الخبر، ومعناه الأمر، كقوله: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ﴾ ، و ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ ﴾ أي: لا ينبغي ذلك.
وإن شئت جعلته حالاً من ﴿ استقيما ﴾ ، وتقديره: استقيما غير متبعين، وهذا هو الوجه الثالث، ويدل على هذا (٢٢) (٢٣) ولا أسقي ولا يَسقي شريبي ...
ويرويه إذا أوردت مائي وقول الفرزدق: بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ...
ولم تكثر القتلى بها حين سلت (٢٤) ومعنى الآية: ولا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي فتستعجلا قضائي، فإن وعدي لا خلف له، ووعيدي نازل بفرعون وقومه، كذا قال المفسرون (٢٥) (١) رواه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 567، وبمعناه ابن جرير 15/ 187.
(٢) ذكر أقوالهم ابن جرير في "تفسيره" 11/ 160 - 161، والسيوطي في "الدر المنثور" 3/ 567.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 31.
(٤) هكذا في جميع النسخ، وفي العبارة قلق، وقد روى ابن جرير في "تفسيره" 11/ 161، أثري ابن عباس وعكرمة، ولفظ ابن عباس: (فاستقيما) فامضيا لأمري، وهي الاستقامة، وهو من رواية ابن جريج عنه.
ولفظ عكرمة: أمن هارون على دعاء موسى، فقال الله: قد أجيبت دعوتكما فاستقيما.
(٥) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 161، والثعلبي 7/ 24 ب، والبغوي 4/ 148.
(٦) يعني الدعوة الواردة في هذه الآية، ورواية المؤلف موافقة لما في مخطوطة تفسير ابن جرير، كما أشار إلى ذلك محققه 15/ 187، وقد أثبت المحقق ما في الطبعة السابقة.
انظر طبعة الحلبي 11/ 161، "الدر المنثور" 3/ 567، ولفظه: بعد هذه الدعوة.
(٧) رواه ابن جرير 11/ 161، والثعلبي 7/ 24 ب، وأشار البغوي 4/ 147، إلى أن هذا من القصص، يعني الذي لا يمكن التثبت من صحته.
(٨) في (ح) و (ز): (وسكونها)، وما أثبته موافق للمصدر.
(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 31.
(١٠) في (ى): (كمعنى دخولها)، والمثبت موافق للمصدر.
(١١) في (ى): (يعرر)، وهو خطأ.
(١٢) انظر: "كتابه" 3/ 534.
(١٣) اهـ.
كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 293/ 4 بمعناه.
(١٤) في (ى): (ابن عباس)، وهو خطأ.
(١٥) انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 173، "إرشاد المبتدي" ص 365، "تقريب النشر" ص 123.
(١٦) في (ح): (للأولى)، وفي "الحجة" الأول، وكذا في الموضع التالي، وهو أولى.
(١٧) أجل قيراط: قرّاط، بتشديد الراء، ثم قبلت إحدى الراءين ياء، وكذلك أصل دينار: دنّار فقلبت إحدى النونين ياء وذلك لئلا يلتبس بالمصادر التي تجيء على وزن فِعّال ككذّاب.
انظر: "لسان العرب" (دنر) و (قرط).
(١٨) في (ح) و (ز): (يجوز).
(١٩) انظر قول يونس ورد سيبويه عليه في: "كتاب سيبويه" 3/ 527، "الإنصاف" ص 523، "ائتلاف النصرة" ص 131.
(٢٠) انظر: "النشر" 2/ 286، "إتحاف فضلاء البشر" ص 253.
(٢١) انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 527، "الأصول في النحو" لابن السراج 2/ 203، "الحجة" 3/ 441، "الإيضاح العضدي" 1/ 335، "أوضح المسالك" 3/ 136، وقول المؤلف: وجميع أهل النحو خالفوا يونس غير صحيح، فقد وافقه جميع الكوفيين، انظر: "الإنصاف" ص 523، "ائتلاف النصرة" ص 131.
(٢٢) ساقط من (ح).
(٢٣) لم أهتد له، والبيت بلا نسبة في "أمالي القالي" 2/ 263، "الحجة" 4/ 294، "سمط اللآلي" 2/ 901، "المعاني الكبير" لابن قتيبة 3/ 1265 قال ابن قتيبة في الموضع نفسه: شريبه: الذي يشرب معه، والمعنى: لا أسقي حتى يسقي شريبي.
(٢٤) لم أجده في ديوانه، "شرح ديوان الحماسة" اللمرزوقي ص 122،"لسان العرب" (شيم) 4/ 2380، "المعاني الكبير" 3/ 1265.
وقد بين المبرد في "الكامل" 1/ 308، أن هذا البيت ظريف عند أصحابي المعاني، وتأويل لم يشيموا: لم يغمدوا، ولم تكثر القتلى: أي لم يغمدوا سيوفهم إلا وقد كثرت بها القتلى حين سلت.
(٢٥) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 161 - 162، والثعلبي 7/ 25 أ، والبغوي 4/ 148.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ الخطاب لموسى وهارون على أنه لم يذكر الدعاء إلى عن موسى وحده، لكن كان موسى يدعو وهارون يؤمن على دعائه، ﴿ فاستقيما ﴾ أي اثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة إلى الله ﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ ﴾ أي لحقهم يقال: تبعه حتى أتبعه، هكذا قال الزمخشري.
وقال ابن عطية أتبع بمعنى تبع وأما اتبع بالتشديد فهو: طلب الأثر، سواء أدرك أو لم يدرك ﴿ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ ﴾ يعني الله عز وجل، وفي لفظ فرعون مجهلة وتعنت لأنه لم يصرح باسم الله ﴿ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾ أي قيل له: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار، وذلك لا يُقبل منك ﴿ نُنَجِّيكَ ﴾ أي نبعدك مما جرى لقومك من الوصول إلى قعر البحر، وقيل: نلقيك على نجوة من الأرض أي على موضع مرتفع ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ أي بجسدك جسداً بدون روح، وقيل بدرعك، وكانت له درع من ذهب يعرف بها والمحذوف في موضع الحال والباء للمصاحبة ﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ أي لمن وراءك آية وهم بنو إسرائيل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع: يعقوب ﴿ إن أجري ﴾ بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ﴿ ويكون لكما ﴾ بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد.
الباقون بتاء التأنيث ﴿ آلسحر ﴾ بالمد: يزيد وأبو عمرو ﴿ أن تبويا ﴾ بالياء: الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.
الآخرون بالهمز.
﴿ ليضلوا ﴾ بضم الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ولا تتبعان ﴾ بتخفيف النون: ابن عامر غير الحلواني عن هشام.
﴿ تتبعان ﴾ خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثينة.
الباقون والحلواني عن هشام ﴿ تتبعان ﴾ بتشديدها في الحالين ﴿ منت أنه ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف بدلاً من ﴿ آمنت ﴾ : حمزة وعلي وخلف.
الآخرون بالفتح.
﴿ ننجيك ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة.
والآخرون بالتشديد.
الوقوف: ﴿ نبأ نوح ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف لقوله: ﴿ اتل ﴾ بل التقدير: واذكر إذ قال.
﴿ ولا تنظرون ﴾ ه ﴿ من أجر ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ج لأن التقدير وقد أمرت ﴿ من المسلمين ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لما جاءكم ﴾ ط بناء على أن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: ﴿ أسحر ﴾ يستحق الابتداء وسيجيء له مزيد بيان ﴿ هذا ﴾ ط للفصل بين الأخبار والاستخبار ﴿ الساحرون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ ما جئتم به ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ مستفهماً ﴿ السحر ﴾ ط ﴿ سيبطله ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ أن يفتنهم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لاتصال الكلام ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج للعدول مع اتحاد القائل ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للعطف.
﴿ الكافرين ﴾ ه ج ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ ط لأن قوله ﴿ وبشر ﴾ خطاب لمحمد وإن أريد به موسى فلا بد من العدول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لتعلق قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ بقوله: ﴿ آتيت ﴾ و ﴿ وربنا ﴾ تكرار للأول لأجل التضرع.
﴿ عن سبيلك ﴾ ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعدواً ﴾ ط ﴿ الغرق ﴾ لا لأن قال جواب "إذا" ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ لغافلون ﴾ ه.
التفسير: لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك من الفوائد التي سبق ذكرها في "الأعراف".
ومعنى كبر ثقل وشق كقوله: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان فلان أي لأجله، وكقوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ أي ربه ومثله قولهم: فلان ثقيل الظل.
ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم مدداً طوالاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا تكرر الدعاء كان ذلك موجباً للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة.
ومنها أن يكون المقام بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.
وجواب الشرط إما قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديماً وحديثاً وإما قوله: ﴿ فأجمعوا ﴾ وقوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد.
ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة للاختلاف طلباً وخبراً، ومعنى ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء.
وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً.
فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بـ "على" فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم.
وانتصب ﴿ شركاءكم ﴾ على المفعول معه أي مع شركائكم.
ومن قرأ بالرفع جعله عطفاً على الضمير المتصل، وإنما يحسن ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل.
والمراد بالشركاء إما من هم على مثل قولهم ودينهم، وإما الأصنام.
وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم كقوله: ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ واعلم أنه قال في أول الأمر ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ كأنه قال: حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى مطلوبكم غير مقتصرين على ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم.
ثم ضم إلى ذلك قيداً آخر فقال: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس.
وقال الليث: لقي غمة من أمره إذا لم يهتد له.
وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهراً منكشفاً أي تجاهرونني بالإهلاك.
ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غماً وهماً والغم والغمة كالكرب والكربة.
ثم زاد قيداً آخر فقال: ﴿ ثم اقضوا إليّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إليّ قطعه واحكموا بصحته وإمضائه.
وعن القفال أن فيه تضميناً والمعنى ألقوا إليّ ما استقر عليه رأيكم محكماً مفروغاً منه.
ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولا تنظرون ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في التوكل الغاية القصوى.
ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع الدنيوي والغرض الخسيس فقال: ﴿ فإن توليتم ﴾ أعرضتم عن نصحي وتذكيري ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل ﴿ إن أجري ﴾ ليس أجري ﴿ إلا على الله ﴾ أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو.
وفي الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ إلى آخره.
ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.
﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ألقى من قبل هذه الدعوة.
﴿ فكذبوه ﴾ بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة.
﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ قد ذكرنا في "الأعراف" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك ﴿ وجعلناهم خلائف ﴾ يخلفون الهالكين بالطوفان ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي ﴿ ثم بعثنا من بعده ﴾ من بعد نوح ﴿ رسلاً ﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿ فجاؤوهم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا أنه زيد ههنا لفظة "به" فقيل: لتناسب ما قبله وهو ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ وكذلك في "الأعراف" راعى المناسبة لأن ما قبله ﴿ ولكن كذبوا ﴾ بغير الباء ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ بعد الرسل أو الأمم ﴿ بآياتنا ﴾ يعني الآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ كفاراً ذوي آثام ولذلك اجترأوا على رد الآيات.
أما قوله: ﴿ أسحر هذا ﴾ فليس بمقول لقوله: ﴿ أتقولون ﴾ لأنهم قطعوا في قوله: ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن القول ههنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله: ﴿ سمعنا فتى يذكرهم ﴾ ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟
ثم أنكر عليهم قولهم فقال: ﴿ أسحر هذا ﴾ أو يقال: مفعول تقولون محذوف وهو قولهم ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ أو يقال: جملة قوله ﴿ أسحر هذا ﴾ ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل وتمويه ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا ﴾ التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل والالتفات "افتعال" من اللفت وهو الصرف واللي ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ أي الملك والعز في أرض مصر.
قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا.
وأيضاً فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم.
وقيل: لأن الملوك موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء الرياسة.
ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا.
ثم صرحوا بالتكذيب قائلين ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ ثم حاولوا المعارضة وقد مرت تلك القصة في "الأعراف".
أما قوله: ﴿ ما جئتم به ﴾ فمعناه الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله.
قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت به سحر.
فقال موسى: بل ما جئتم به السحر.
فوجب دخول الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة.
يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً.
فيقول له: من الرجل؟
ولو قال: من رجل؟
لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره.
ومن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ و ﴿ جئتم به ﴾ خبره كأنه قيل أي شيء جئتم به.
ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به ﴿ إن الله سيبطله ﴾ بإظهار المعجزة عليه ﴿ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ﴾ لا يؤيده بجميل الخاتمة ﴿ ويحق الله الحق ﴾ يثبته ﴿ بكلماته ﴾ بمواعيده أو بما سبق من قضائه أو بأوامره ﴿ فما آمن لموسى ﴾ أي في أول أمره ﴿ إلا ذريّة من قومه ﴾ قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب أن المراد ههنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد.
وقيل: المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.
وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.
وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في ﴿ قومه ﴾ على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل والضمير في ﴿ ملئهم ﴾ إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ذلك قوله: ﴿ أن يفتنهم ﴾ أي يعذبهم فرعون.
ثم أكد أسباب الخوف بقوله: ﴿ وإن فرعون لعال ﴾ لغالب ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ وإنه لمن المسرفين ﴾ في القتل والتعذيب أو لمن المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا ﴿ وقال موسى ﴾ تثبيتاً لقومه ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ صدقتم به وبآياته ﴿ فعليه توكلوا ﴾ خصوه بتفويض أموركم إليه ﴿ إن كنتم مسلمين ﴾ قال لعلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة.
والمراد إن كانت بك قوة فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده.
﴿ فقالوا ﴾ مؤتمرين لموسى ﴿ على الله توكلنا ﴾ ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة ﴾ أي موضع فتنة لهم.
والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في أنا لسنا على الحق.
ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: ﴿ ونجنا ﴾ الآية.
وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق.
﴿ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً ﴾ تبوّأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعاً مثل توطنه إذا اتخذه وطناً.
واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ﴾ فالمراد من قوله: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴾ أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس: وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء: وإنما وقع العدول عنه بأمر الله في أيام نبينا بعد الهجرة.
ومنهم من قال: إنها مطلق البيوت.
ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم.
وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلامبمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض.
وقيل: على التفسير الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم.
وإنما ثنى الخطاب أوّلاً ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون بذلك، ثم جعل الخطاب عاماً لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة واجب على الجمهور.
ثم خص موسى بالتبشير في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لنبينا على طريقة الالتفات والاعتراض.
ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجداً وطهوراً دون سائر الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه ألبتة للعبادة والله أعلم بمراده.
ثم إن موسى لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب الدعاء عليه فلهذا ﴿ قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق.
عن ابن عباس كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة.
قالت الأشاعرة: اللام في قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ لام التعليل كأن موسى قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على أنه تسبب لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه.
ثم شرع في الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم.
والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة النساء في قوله : ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ وبالشد على قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم.
وقالت المعتزلة: قوله ﴿ ليضلوا ﴾ دعاء بلفظ الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال وبالطمس وبالشد.
كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره قائلاً ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه.
سلمنا أن قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: "لدوا للموت".
سلمنا أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سبباً في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا.
ولم لا يجوز أن يكون "لا" مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله: ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدراً في آتيت على سبيل التعجب.
أما قوله : ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جواباً لقوله ﴿ واشدد ﴾ ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفاً على ﴿ اشدد ﴾ .
﴿ قال قد أجيبت دعوتكما ﴾ أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته ﴿ فاستقيما ﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا.
قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة يدعوهم إلى الله ﴿ ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ أن الاستعجال لا يفيد في إجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين.
﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ قد مرت تلك القصة في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر ﴾ الآية، ومعنى قوله: ﴿ فأتبعهم ﴾ لحقهم.
يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد وفي الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاثة مرات إحداها قوله: ﴿ آمنت ﴾ وثانيتها ﴿ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وثالثتها ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ فلم تقبل توبته.
والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ينافي التكليف.
الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية الحاضرة والمحنة الناجزة.
الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنياً على محض التقليد والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية.
الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سبباً لزيادة الكفر.
الخامس أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما آمن إلا بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول.
السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لاإله إلا الله لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة.
السابع يروى أن جبريل أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟
فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه خطه فعرفه.
أما قوله ﴿ آلآن ﴾ فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل.
وقيل: إنه قول الله والتقدير: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك.
وقوله: ﴿ وكنت من المفسدين ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: ﴿ آمنت ﴾ لئلا يتوب غضباَ عليه، والأقرب عند العلماء أن هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على كل طاعة لقوله : ﴿ وتعاونوا ﴾ ولو منعه لكانت التوبة ممكنة لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر.
وكيف يليق به أن يقول لموسى وهارون ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ ثم يأمر جبريل بمنعه عن الإيمان.
ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافياً لقوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضباً لله على الكافر.
قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ فيه أقوال منها: أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق.
وقوله: ﴿ ببدنك ﴾ في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن.
قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً وفيه نوع تهكم كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت.
وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.
وقيل: ببدنك أي بدرعك.
قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين.
عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى .
وأما قوله: ﴿ لتكون لمن خلفك آية ﴾ فقيل: إن قوماً اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه.
وزالت الشبهة عن قلوبهم وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: ﴿ لمن خلفك ﴾ وقيل: إنه أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ ليكون ذلك زجراً للعابرين عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه.
وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال ﴿ وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ .
التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح ﴾ الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها ﴿ يا قوم إن كان ﴾ عظم ﴿ عليكم مقامي ﴾ في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله.
و ﴿ جعلناهم خلائف ﴾ خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في "الأعراف".
وهكذا في قصة موسى ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي.
﴿ ويحق الله الحق ﴾ أي الذكر ﴿ بكلماته ﴾ وهي لا إله إلا الله ﴿ ولو كره ﴾ أهل الهوى والنفوس الأمارة ﴿ فما آمن لموسى ﴾ القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية ﴿ على خوف من فرعون ﴾ النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها.
﴿ وأوحينا إلى موسى ﴾ القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي.
واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق.
﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ بمحقها وتحقيرها في نظرهم ﴿ واشدد ﴾ طريق النظر إلى الدنيا وما فيها ﴿ على قلوبهم ﴾ واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها.
﴿ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره ﴿ وجاوزنا ببنى إسرائيل ﴾ هم القلب والسر وصفاتها.
والبحر بحر الروحانية الملكوتية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهراً وقسراً، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: ﴿ آمنت ﴾ ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: ﴿ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ ﴿ ننجيك ببدنك ﴾ أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلاً على كمال قدرتنا وعنايتنا.
وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً...
﴾ الآية يحتمل وجهين: [أحدهما]: يحتمل قوله: ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا ﴾ أي: اتخذا لقومكما مساجد يصلون فيها، ﴿ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ ﴾ أي: اجعلوا في بيوتكم التي اتخذتم مساجد قبلة؛ [فيكون في قوله:] ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ﴾ [الأمر باتخاذ المساجد، ويكون في قوله: ﴿ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ الأمر باتخاذ القبلة في المساجد التي أمر ببنيانها.
والثاني: قوله: ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ﴾ ] أي: اتخذا لقومكما بمصر مساجد على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ أي: اجعلوا في بيوتكم التي بنيتم لأنفسكم قبلة تتوجهون إليها، ويكون فيه دلالة أن نصب الجماعة واتخاذ المساجد والقبلة متوارثة مسنونة ليست ببديعة لنا وفي شريعتنا خاصة، ويؤيد ما ذكرنا أن فيه الأمر باتخاذ المساجد.
وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ دل الأمر بإقامة الصلاة على أن الأمر ببناء البيوت أمر باتخاذ المساجد واتخاذ القبلة.
فإن قيل: هذا في الظاهر أمر باتخاذ المساجد، والآية التي ذكر فيها اتخاذ المساجد تخرج مخرج الإباحة لنا، وهو قوله: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ ﴾ هو في الظاهر إباحة.
قيل: هو أمر في الحقيقة، وإن كان في الظاهر إباحة، ألا ترى أنه قال: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا...
﴾ الآية [النور: 36]، ولا شك أن ذكر اسمه والتسبيح له أمر؛ فدل أنه ما ذكرنا، والله أعلم.
وأما أهل التأويل فإنهم قالوا: إنهم كانوا يخافون فرعون وملأه، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرّا خوفاً من فرعون، هذا يحتمل إذا كان قبل هلاك فرعون وقبل أن يستولوا على مصر، وإذا كان بعد هلاكه وبعدما استولوا وملكوا على مصر وأهله فالأمر فيه ما ذكرنا؛ أمر باتخاذ المساجد ونصب الجماعات فيها وإقامة الصلاة فيها.
وقال بعضهم من أهل التأويل: وجهوا بيوتكم ومساجدكم نحو القبلة لكن هذا بعيد؛ لأنه لا يكون بيتاً إلا ويكون جهة من جهاته إلى القبلة، فلا معنى له.
والوجه فيه ما ذكرنا.
ويحتمل الأمر ببناء البيوت لقومهما بمصر وجعل البيوت قبلة وجهين: أحدهما: الأمر بالانفصال من فرعون وقومه حتى إذا أرادوا الخروج من عندهم قدروا على ذلك ولا يكون المرور عليهم وكان ذلك الانفصال إنما كان من جهة القبلة.
والثاني: ما ذكرنا أرادوا أن يعتزلوهم حتى يتهيأ لهم الصلاة فيها، وكان لا يتهيأ لهم في بيوت فرعون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يحتمل البشارة في الآخرة بالجنة وأنواع النعيم [ويحتمل أن يبشرهم بالملك في الدنيا والظفر على فرعون وأنواع النعم] بعدما أصابوا الشدائد من فرعون؛ كقوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ .
وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا ﴾ تهيآ من هيأ، أي: هيئا لهم موضعاً؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ أي: هيأنا لهم مهيأ صدق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً ﴾ ويحتمل قوله ﴿ زِينَةً ﴾ : من أنواع ما آتاهم من الأنزال والنبات؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ ﴾ ونحوه.
ويحتمل الزينة التي كانوا يتزينون بها من المركب والملبس، وما يتحلون بها من أنواع الحلي وأموال كثيرة سوى ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ : قالت المعتزلة تأويل قوله: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ أي: آتاهم لئلا يضلوا الناس عن سبيله، ولكن أضلوهم عن سبيله وقالوا هذا كما يقال [لم أقل كذا لأجل كذا]، ولكن فعلت ونحوه من الكلام، ولكن عندنا هو ما ذكر: آتاهم الأموال وما ذكر ليضلوا عن سبيله؛ لأنه إذا علم منهم أنهم يضلون الناس عن سبيله آتاهم ما آتاهم ليضلوا وهو كما ذكرنا في قوله: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً ﴾ ؛ وقوله: ﴿ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ...
﴾ الآية [المؤمنون: 56] وأمثاله فكذا هذا والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أي: اطمس على أموالهم، واجعل في قلوبهم قساوة وغلظة تنفر الأتباع ومن يقلدهم عن اتباعهم وتقليدهم، فيكون ذلك أهون علينا في استنقاذ الأتباع منهم وأدعى لهم إلى الإيمان أعني الأتباع ومن يقلدهم، ويكون ذلك سبباً لإبعادهم عن اتباعهم وتقليدهم إياهم؛ هذا وجه.
والثاني: قوله: ﴿ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ أي: اجعل ذلك آية تضطرهم إلى الإيمان، فإنهم لم يؤمنوا بالآيات التي أرسلتها عليهم من الطوفان والجراد وما ذكر من البلايا، فيكون قوله: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ ﴾ هذا من طمس الأموال وقساوة القلوب وشدتها، والله أعلم.
وقال بعض أهل التأويل: واشدد على قلوبهم واطبعها فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وهو الغرق فعند ذلك يؤمنون، وأما بهذه الآيات فلا.
هذا يحتمل إذا كان الله - عز وجل - أخبر موسى أنهم لا يؤمنون فيسع له هذا الدعاء، وأما قبل أن يخبره بذلك فلا يسع له أن يدعو بهذا، وهو إنما أرسله إليهم ليدعوهم إلى الإيمان والطمس.
قال أبو عوسجة: هو الذهاب بها، أي: اذهب بها.
وقال القتبي: قوله: ﴿ رَبَّنَا ٱطْمِسْ ﴾ أي: أهلكها، وهو من قولك: طمس الطريق إذا عفا ودرس.
وقال غيره: الطمس هو المسخ؛ كقوله: ﴿ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ أي: مسخناهم.
وقال بعضهم: الطمس هو التغيير عن جوهرها، دعا موسى بهذا الدعاء بالأمر لما أيس من إيمانهم؛ وهو كقول نوح: ﴿ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ ﴾ الآية [نوح: 26-27] عند الإياس منهم فعلى ذلك موسى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ قال بعضهم: إن موسى كان يدعو وهارون يؤمن على دعائه، فقال الله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ سمى كليهما دعاء، ولهذا قال محمد بن الحسن - رحمه الله - في بعض كتبه: إن الإمام يدعو في القنوت في الوتر والقوم يؤمنون.
وقوله : ﴿ فَٱسْتَقِيمَا ﴾ على الرسالة وما [أمرتكما به] ﴿ وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ وهو كقوله لمحمد : ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ ونحوه، وإن كان العلم محيطا أن الأنبياء - صلوات الله عليهم - لا يتبعون سبيل أولئك ولا يتبعون أهواءهم لما عصمهم - عز وجل - ولكن ذكر هذا - والله أعلم - ليعلم أن العصمة لا تزيل النهي والأمر بل تزيد حظراً ونهيا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قال الله: قد أجبْتُ دعاءكما -يا موسى وهارون- على فرعون وأشراف قومه، فاثبتا على دينكما، ولا تنحرفا عنه إلى اتباع سبيل الجهال الذين لا يعلمون طريق الحق.
<div class="verse-tafsir" id="91.PorW0"