الآية ٨٨ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٨٨ من سورة يونس

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةًۭ وَأَمْوَٰلًۭا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ٨٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 136 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٨ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٨ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى ، عليه السلام ، على فرعون وملئه ، لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين ، ظلما وعلوا وتكبرا وعتوا ، قال : ( ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة ) أي : من أثاث الدنيا ومتاعها ، ( وأموالا ) أي : جزيلة كثيرة ، ( في ) هذه ( الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ) - بفتح الياء - أي : أعطيتهم ذلك وأنت تعلم أنهم لا يؤمنون بما أرسلتني به إليهم استدراجا منك لهم ، كما قال تعالى : ( لنفتنهم فيه ) وقرأ آخرون : ( ليضلوا ) بضم الياء ، أي : ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك ، ليظن من أغويته أنك إنما أعطيت هؤلاء هذا لحبك إياهم واعتنائك بهم .

( ربنا اطمس على أموالهم ) قال ابن عباس ، ومجاهد : أي : أهلكها .

وقال الضحاك ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس : جعلها الله حجارة منقوشة كهيئة ما كانت .

وقال قتادة : بلغنا أن زروعهم تحولت حجارة .

وقال محمد بن كعب القرظي : اجعل سكرهم حجارة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث ، حدثنا يحيى بن أبي بكير ، عن أبي معشر ، حدثني محمد بن قيس : أن محمد بن كعب قرأ سورة يونس على عمر بن عبد العزيز : ( وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه ) إلى قوله : ( اطمس على أموالهم ) إلى آخرها [ فقال له : عمر يا أبا حمزة أي شيء الطمس ؟

قال : عادت أموالهم كلها حجارة ] فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له : ائتني بكيس .

[ فجاءه بكيس ] فإذا فيه حمص وبيض ، قد قطع حول حجارة .

وقوله : ( واشدد على قلوبهم ) قال ابن عباس : أي اطبع عليها ، ( فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) وهذه الدعوة كانت من موسى ، عليه السلام ، غضبا لله ولدينه على فرعون وملئه ، الذين تبين له أنه لا خير فيهم ، ولا يجيء منهم شيء كما دعا نوح ، عليه السلام ، فقال : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) [ نوح : 26 ، 27 ] ؛ ولهذا استجاب الله تعالى لموسى ، عليه السلام ، فيهم هذه الدعوة ، التي أمن عليها أخوه هارون ، فقال تعالى : ( قد أجيبت دعوتكما ) قال أبو العالية ، وأبو صالح ، وعكرمة ، ومحمد بن كعب القرظي ، والربيع بن أنس : دعا موسى وأمن هارون ، أي : قد أجبناكما فيما سألتما من تدمير آل فرعون .

وقد يحتج بهذه الآية من يقول : " إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل منزلة قراءتها ؛ لأن موسى دعا وهارون أمن " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال موسى يا ربَّنا إنك أعطيت فرعون وكبراء قومه وأشرافهم (32) ، وهم " الملأ " ، " زينة " ، من متاع الدنيا وأثاثها (33) ، (وأموالا) من أعيان الذهب والفضة ، (في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك )، يقول موسى لربه: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من ذلك ليضلُّوا عن سبيلك.

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعضهم: ( لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ )، بمعنى: ليضلوا الناسَ، عن سبيلك ، ويصدّوهم عن دينك.

* * * وقرأ ذلك آخرون: (لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) ، بمعنى: ليضلوا هم عن سبيلك، فيجورُوا عن طريق الهدى.

(34) * * * فإن قال قائل: أفكان الله جل ثناؤه ، أعطَى فرعون وقومه ، ما أعطاهم من زينة الدنيا وأموالها ، ليضلوا الناس عن دينه ، أو ليضلُّوا هم عنه ، ؟

فإن كان لذلك أعطاهم ذلك، فقد كان منهم ما أعطاهم لذلك، (35) فلا عتب عليهم في ذلك؟

قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت.

(36) وقد اختلف أهل العلم بالعربية في معنى هذه " اللام " التي في قوله: (ليضلوا).

فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ربنا فَضَلوا عن سبيلك، كما قال: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ، [سورة القصص: 8] ، أي فكان لهم ، وهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوًا وحزنًا، وإنما التقطوه فكان لهم.

قال: فهذه " اللام " تجيء في هذا المعنى.

(37) * * * وقال بعض نحويي الكوفة: هذه " اللام "، " لام كي" (38) ، ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم ، كي يضلوا ، ثم دعا عليهم.

* * * وقال آخر: هذه اللامات في قوله : (ليضلوا) و لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا ، وما أشبهها بتأويل الخفض: آتيتهم ما أتيتهم لضَلالهم ، والتقطوه لكونه ، لأنه قد آلت الحالة إلى ذلك.

والعرب تجعل " لام كي" ، في معنى " لام الخفض "، و " لام الخفض " في معنى " لام كي" ، لتقارب المعنى، قال الله تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ (39) [سورة التوبة: 95] أي لإعراضكم، ولم يحلفوا لإعراضهم، وقال الشاعر: (40) سَــمَوْتَ وَلَـمْ تَكُـنْ أَهْـلا لِتَسْـمُو وَلَكِــنَّ المُضَيِّــعَ قَــدْ يُصَــابُ قال: وإنما يقال: " وما كنت أهلا للفعل "، ولا يقال " لتفعل " إلا قليلا.

قال: وهذا منه.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنها " لام كي" ، ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأموال لتفتنهم فيه، ويضلوا عن سبيلك عبادَك، عقوبة منك.

وهذا كما قال جل ثناؤه: لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ، [سورة الجن: 16-17].

* * * وقوله: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم)، هذا دعاء من موسى، دعا الله على فرعون وملئه أن يغير أموالهم عن هيئتها، ويبدلها إلى غير الحال التي هي بها، وذلك نحو قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ، [سورة النساء: 47].

يعني به: من قبل أن نغيرها عن هيئتها التي هي بها.

* * * ، يقال منه: " طَمَسْت عينَه أَطْمِسْها وأطمُسُها طَمْسًا وطُمُوسا " .

وقد تستعمل العرب " الطمس " في العفوّ والدثور ، وفي الاندقاق والدروس، (41) كما قال كعب بن زهير: مِـنْ كُـلِّ نَضَّاحَـةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ عُرْضَتُهَـا طَـامِسُ الأَعْـلامِ مَجْهُول (42) * * * وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك في هذا الموضع.

فقال جماعة منهم فيه مثل قولنا.

*ذكر من قال ذلك: 17820- حدثني زكريا بن يحيى بن زائدة قال ، حدثنا حجاج قال ، حدثني ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: بلغنا عن القرظي في قوله: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: اجعل سُكّرهم حجارة.

(43) 17821- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن محمد بن كعب القرظي قال: اجعل سكرهم حجارة.

17822- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: (اطمس على أموالهم) قال: اجعلها حجارة.

17823- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال ، حدثنا أبو جعفر عن الربيع بن أنس في قوله: (اطمس على أموالهم) ، قال: صارت حجارة.

17824- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: بلغنا أن زروعهم تحوَّلت حجارة.

17825- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (ربنا اطمس على أموالهم)، قال: بلغنا أن حَرْثًا لهم صارت حجارة.

(44) 17826- حدثني المثنى قال ، حدثنا قبيصة بن عقبة قال ، حدثنا سفيان: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: يقولون: صارت حجارة.

17827- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق.

قال: حدثنا يحيى الحماني قال: أخبرنا ابن المبارك، عن إسماعيل عن أبي صالح في قوله: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: صارت حجارة.

17828- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: بلغنا أن حروثًا لهم صارت حجارة.

17829- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان، قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: جعلها الله حجارةً منقوشة على هيئة ما كانت.

17830- حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (ربنا اطمس على أموالهم)، قال: قد فعل ذلك، وقد أصابهم ذلك، طمَس على أموالهم، فصارت حجارةً، ذهبهم ودراهمهم وعَدَسهم ، وكلُّ شيء.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: أهلكها.

*ذكر من قال ذلك: 17831- حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال ، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: أهلكها.

17832- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

17833- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، مثله.

17834- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (ربنا اطمس على أموالهم) ، يقول: دمِّر عليهم وأهلك أموالهم.

* * * وأما قوله: (واشدد على قلوبهم) ، فإنه يعني: واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح بالإيمان، كما:- 17835- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: وقال موسى قبل أن يأتي فرعون: " ربنَا اشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم "، فاستجاب الله له، وحال بين فرعون وبين الإيمان حتى أدركه الغرق، فلم ينفعه الإيمان.

17836- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (واشدد على قلوبهم) ، يقول: واطبع على قلوبهم ، (حتى يروا العذاب الأليم) ، وهو الغرق.

17837- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (واشدد على قلوبهم)، بالضلالة.

17838-.

.

.

.

قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (واشدد على قلوبهم) ، قال: بالضلالة.

17839- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

17840- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (واشدد على قلوبهم)، يقول: أهلكهم كفارًا.

* * * وأما قوله: (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) ، فإن معناه: فلا يصدقوا بتوحيد الله ويقرُّوا بوحدانيته ، حتى يروا العذاب الموجع، (45) كما:- 17841- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فلا يؤمنوا) ، بالله فيما يرون من الآيات ، (حتى يروا العذابَ الأليم).

17842- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

17843-.

..

.

قال ، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

17844- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

17845- حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق، قال: سمعت المنقري يقول: (فلا يؤمنوا) ، يقول: دعا عليهم.

(46) * * * واختلف أهل العربية في موضع: (يؤمنوا).

فقال بعض نحويي البصرة: هو نصبٌ، لأن جواب الأمر بالفاء ، أو يكون دُعاء عليهم إذ عصوا .

وقد حكي عن قائل هذا القول أنه كان يقول: هو نصبٌ ، عطفًا على قوله: (ليضلوا عن سبيلك) .

* * * وقال آخر منهم، (47) وهو قول نحويي الكوفة: موضعه جزمٌ ، على الدعاء من موسى عليهم، بمعنى: فلا آمنوا، كما قال الشاعر: (48) فَـلا يَنْبَسِـطْ مِنْ بَيْن عَيْنَيْكَ مَا انزوَى وَلا تَلْقَنِـــي إِلا وَأَنْفُــكَ رَاغِــمُ (49) بمعنى: " فلا انبسط من بين عينيك ما انـزوى " ، " ولا لقيتني" ، على الدعاء.

* * * وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هو دعاء، كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا.

قال: وإن شئت جعلتها جوابًا لمسألته إياه، لأن المسألة خرجت على لفظ الأمر، فتجعل : (فلا يؤمنوا)، في موضع نصب على الجواب، وليس يسهل.

قال: ويكون كقول الشاعر: (50) يَــا نَــاقُ سِـيرِي عَنَقًـا فَسِـيحَا إِلَـــى سُـــلَيْمَانَ فَنَسْـــتَريحَا (51) قال: وليس الجواب يسهلُ في الدعاء ، لأنه ليس بشرط.

(52) * * * قال أبو جعفر:والصواب من القول في ذلك ، أنه في موضع جزم على الدعاء، بمعنى: فلا آمنوا ، وإنما اخترت ذلك لأن ما قبله دعاءٌ، وذلك قوله: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم)، فإلحاق قوله: (فلا يؤمنوا)، إذ كان في سياق ذلك بمعناه أشبهُ وأولى.

* * * وأما قوله: (حتى يروا العذاب الأليم)، فإنّ ابن عباس كان يقول: معناه: حتى يروا الغرق ، وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك من بعض وجوهها فيما مضى.

(53) 17846- حدثني القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال ابن عباس: (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) ، قال: الغرق.

------------------------ الهوامش: (32) انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص : 166 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(33) انظر تفسير " الزينة " فيما سلف 12 : 389 .

(34) انظر هاتين القراءتين في معاني القرآن للفراء 1 : 477 .

(35) في المطبوعة : " ما أعطاه لأجله " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(36) في المخطوطة ، أسقط الناسخ فكتب : " فلا عتب عليهم في ذلك بخلاف ما توهمت " ، وقد أصاب ناشر المطبوعة فيما استظهره من السياق .

(37) أي معنى العاقبة والمآل .

(38) هو الفراء في معاني القرآن 1 : 477 .

(39) في المطبوعة والمخطوطة : " يحلفون بالله " بغير السين ، وهذا حق التلاوة .

(40) لم أعرف قائله .

(41) انظر تفسير " الطمس " فيما سلف 8 : 444 ، 445 .

(42) سلف البيت وتخريجه وشرحه 4 : 424 / 8 : 444 .

(43) سقط من الترقيم سهوًا ، رقم : 17819 .

(44) في المطبوعة : " حروثًا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب أيضًا .

(45) انظر تفسير " الأليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( ألم ) .

(46) الأثر : 17845 - "المنقري " ، هكذا في المطبوعة .

وفي المخطوطة : " المعري " غير منقوطة ، وقد أعياني أن أعرف من يعني .

(47) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1 : 281 .

(48) هو الأعشى .

(49) ديوانه : 58 ، من قصيدته في هجاء يزيد بن مسهر الشيباني ، يقول له : فَهَـانَ عَلَيْنَـا مَـا يَقُـولُ ابْـنُ مُسْهرٍ بِـــرَغْمِكَ إذْ حَـلّتْ عَلَيْنَـا اللَّهَـازِمُ يَزِيـدُ يَغُـضُّ الطَّــرْفَ دُونِي , كَأَنَّمَا زَوَى بَيْــنَ عَيْنَيْـهِ عَـلَى المَحَـاجِمُ فَــلاَ يَنبَسِــطْ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

فأقســم باللــه الـذي أنـا أعبـده لتصطفقــن يومــا عليـك المـآتم .

(50) هو أبو النجم .

(51) سيبويه 1 : 421 ، معاني القرآن للفراء 1 : 478 ، وغيرهما .

وسيأتي في التفسير 13 : 159 ( بولاق ) .

من أرجوزة له في سليمان بن عبد الملك ، لم أجدها مجموعة في مكان .

و "العنق " ، ضرب من السير .

و" الفسيح " الواسع البليغ .

(52) هذا الذي سلف نص كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 477 ، 478 .

(53) انظر ما سلف رقم : 18735 ، 18736 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليمقوله تعالى وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه ( آتيت ) أي أعطيت زينة وأموالا في الحياة الدنيا أي مال الدنيا ، وكان لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن الذهب والفضة والزبرجد والزمرد والياقوت .قوله تعالى ربنا ليضلوا عن سبيلك اختلف في هذه اللام ، وأصح ما قيل فيها - وهو قول الخليل وسيبويه - أنها لام العاقبة والصيرورة ; وفي الخبر إن لله تعالى ملكا ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب .

أي لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال صار كأنه أعطاهم ليضلوا .

وقيل : هي لام كي أي أعطيتهم لكي يضلوا ويبطروا ويتكبروا .

وقيل : هي لام أجل ، أي أعطيتهم لأجل إعراضهم عنك فلم يخافوا أن تعرض عنهم .

وزعم قوم أن المعنى : أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا ، فحذفت لا كما قال عز وجل : يبين الله لكم أن تضلوا .

والمعنى : لأن لا تضلوا .

قال النحاس : ظاهر هذا الجواب حسن ، إلا أن العرب لا تحذف " لا " إلا مع أن ; فموه صاحب هذا الجواب بقوله عز وجل : أن تضلوا .

وقيل : اللام للدعاء ، أي ابتلهم بالضلال عن سبيلك ; لأن بعده : اطمس على أموالهم واشدد .

وقيل : الفعل معنى المصدر أي : إضلالهم كقوله عز وجل لتعرضوا عنهم قرأ الكوفيون : ( ليضلوا ) بضم الياء من الإضلال ، وفتحها الباقون .قوله تعالى ربنا اطمس على أموالهم أي عاقبهم على كفرهم بإهلاك أموالهم .

قال الزجاج : طمس الشيء إذهابه عن صورته .

قال ابن عباس ومحمد بن كعب : صارت أموالهم ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأثلاثا وأنصافا ، ولم يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد .

وقال قتادة : بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة .

وقال [ ص: 282 ] مجاهد وعطية : أهلكها حتى لا ترى ; يقال : عين مطموسة ، وطمس الموضع إذا عفا ودرس .

وقال ابن زيد : صارت دنانيرهم ودراهمهم وفرشهم وكل شيء لهم حجارة .

محمد بن كعب : وكان الرجل منهم يكون مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين ; قال : وسألني عمر بن عبد العزيز فذكرت ذلك له فدعا بخريطة أصيبت بمصر فأخرج منها الفواكه والدراهم والدنانير وإنها لحجارة .

وقال السدي : وكانت إحدى الآيات التسع .واشدد على قلوبهم قال ابن عباس : أي امنعهم الإيمان .

وقيل : قسها واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان ; والمعنى واحد .

فلا يؤمنوا قيل : هو عطف على قوله : " ليضلوا " أي آتيتهم النعم ليضلوا ولا يؤمنوا ; قاله الزجاج والمبرد .

وعلى هذا لا يكون فيه من معنى الدعاء شيء .

وقوله : ( ربنا اطمس ) ( واشدد ) كلام معترض .

وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة : هو دعاء ، فهو في موضع جزم عندهم ; أي اللهم فلا يؤمنوا ، أي فلا آمنوا .

ومنه قول الأعشى :فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقني إلا وأنفك راغمأي لا انبسط .

ومن قال " ليضلوا " دعاء - أي ابتلهم بالضلال - قال : عطف عليه ( فلا يؤمنوا ) .

وقيل : هو في موضع نصب لأنه جواب الأمر ; أي واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا .

وهذا قول الأخفش والفراء أيضا ، وأنشد الفراء :يا ناق سيري عنقا فسيحا إلى سليمان فنستريحافعلى هذا حذفت النون لأنه منصوب .

( حتى يروا العذاب الأليم ) قال ابن عباس : هو الغرق .

وقد استشكل بعض الناس هذه الآية فقال : كيف دعا عليهم وحكم الرسل استدعاء إيمان قومهم ; فالجواب أنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن من الله ، وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن ; دليله قوله لنوح عليه السلام : إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وعند ذلك قال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا الآية .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً } يتزينون بها من أنواع الحلي والثياب، والبيوت المزخرفة، والمراكب الفاخرة، والخدام، { وَأَمْوَالًا } عظيمة { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ } أي: إن أموالهم لم يستعينوا بها إلا على الإضلال في سبيلك، فيضلون ويضلون.

{ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ } أي: أتلفها عليهم: إما بالهلاك، وإما بجعلها حجارة، غير منتفع بها.

{ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ } أي: قسها { فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } قال ذلك، غضبًا عليهم، حيث تجرؤوا على محارم الله، وأفسدوا عباد الله، وصدوا عن سبيله، ولكمال معرفته بربه بأن الله سيعاقبهم على ما فعلوا، بإغلاق باب الإيمان عليهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة ) من متاع الدنيا ، ( وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ) اختلفوا في هذه اللام ، قيل : هي لام كي ، معناه : آتيتهم كي تفتنهم فيضلوا ويضلوا ، كقوله : " لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه " ( الجن - 16 ) .

وقيل : هي لام العاقبة يعني : فيضلوا وتكون عاقبة أمرهم الضلال ، كقوله : " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " ( القصص - 8 ) .

قوله : ( ربنا اطمس على أموالهم ) قال مجاهد : أهلكها ، والطمس : المحق .

وقال أكثر أهل التفسير : امسخها وغيرها عن هيئتها .

وقال قتادة : صارت أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم حجارة .

وقال محمد بن كعب : جعل سكرهم حجارة ، وكان الرجل مع أهله في فراشه فصارا حجرين ، والمرأة قائمة تخبز فصارت حجرا .

قال ابن عباس رضي الله عنه : بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا .

ودعا عمر بن عبد العزيز بخريطة فيها أشياء من بقايا آل فرعون فأخرج منها البيضة مشقوقة والجوزة مشقوقة وإنها لحجر .

قال السدي : مسخ الله أموالهم حجارة ، والنخيل والثمار والدقيق والأطعمة ، فكانت إحدى الآيات التسع .

( واشدد على قلوبهم ) أي : أقسها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان ، ( فلا يؤمنوا ) قيل : هو نصب بجواب الدعاء بالفاء .

وقيل : هو عطف على قوله " ليضلوا " أي : ليضلوا فلا يؤمنوا .

وقال الفراء : هو دعاء محله جزم ، فكأنه قال : اللهم فلا يؤمنوا ، ( حتى يروا العذاب الأليم ) وهو الغرق .

قال السدي : معناه أمتهم على الكفر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأهُ زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا» آتيتهم ذلك «ليضلوا» في «عن سبيلك» دينك «ربنا اطمس على أموالهم» امسخها «واشدد على قلوبهم» اطبع عليها واستوثق «فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم» المؤلم دعا عليهم وأمَّنَ هارون على دعائه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال موسى: ربنا إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه زينة من متاع الدنيا؛ فلم يشكروا لك، وإنما استعانوا بها على الإضلال عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم، فلا ينتفعوا بها، واختم على قلوبهم حتى لا تنشرح للإيمان، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الشديد الموجع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن الكريم بعد ذلك ، ما تضرع به موسى - عليه السلام - إلى الله - تعالى - من دعوات خاشعات ، بعد أن يئس من إيمان فرعون وملئه فقال - سبحانه - :( وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ .

.

.

)الزينة : اسم لما يتزينبه الإِنسان من ألوان اللباس وأوانى الطعام والشراب ، ووسائل الركوب .

.

وغير ذلك مما يستعمله الإِنسان في زينته ورفاهيته .والمال : يشمل أصناف الزينة ، ويشمل غير ذلك مما يتملكه الإِنسان .والمعنى : وقال موسى - عليه السلام - مخاطبا ربه ، بعد أن فقد الأمل فى إصلاح فرعون وملئه : يا ربنا إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه وأصحاب الرياسات منهم ، الكثير من مظاهر الزينة والرفاهية والتنعم ، كما أعطيتهم الكثير من الأموال فى هذه الحياة الدنيا .وهذا العطاء الجزيل لهم : قد يضعف الإِيمان فى بعض النفوس ، إما بالإِغراء الذي يحدثه مظهر النعمة فى نفوس الناظرين إليها ، وإما بالترهيب الذى يملكه هؤلاء المنعمون ، بحيث يصيرون قادرين على إذِلال غيرهم .واللام فى قوله ( رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ) لام العاقبة والصيرورة أى : أعطيتهم ما أعطيتهم من الزينة والمال ، ليخلصوا لك العبادة والطاعة ، وليقابلوا هذا العطاء بالشكر ، ولكنهم لم يفعلوا بل قابلوا هذه النعم بالجحود والبطر ، فكانت عاقبة أمرهم الخسران والضلال ، فأزال يا مولانا هذه النعم من بين أيديهم .قال القرطبى : " اختلف فى هذه اللام ، وأصح ما قبل فيها - وهو قول الخليل وسيبويه - أنها لام العاقبة والصيرورة ، وفى الخبر : " إن الله - تعالى - ملكا ينادى كل يوم : لدوا للموت وابنو للخراب " أى : لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال ، صار كأنه أعطاهم ليضلوا " .وقال صاحب المنار : " قوله : ( رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ) أى : لتكون عاقبة هذا العطاء إضلال عبادك عن سبيلك الموصلة إلى مرضاتك باتباع الحق والعدل والعمل الصالح ، ذلك لأن الزينة سبب الكبر والخيلاء والطغيان على الناس ، وكثرة الأموال تمكنهم من ذلك وتخضع رقاب الناس لهم ، كما قال - تعالى - ( إِنَّ الإنسان ليطغى .

أَن رَّآهُ استغنى ) فاللام فى قوله ( لِيُضِلُّواْ ) تسمى لام العاقبة والصيرورة ، وهى الدالى على أن ما بعدها أثر وغاية فعلية لمتعلقها ، يترتب عليه بالفعل لا بالسببية ، ولا بقصد فاعل الفعل الذي تتعلق به كقوله - تعالى - ( فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً .

.

.

) ومنهم من يرى أن هذه اللام للتعليل ، والفعل منصوب بها ، فيكون المعنى :وقال موسى مخاطبا ربه : يا ربنا إنك قد أعطيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ، وإنك يا ربنا قد أعطيتهم ذلك على سبيل الاستدراج ليزدادوا طغيانا على طغيانهم ، ثم تأخذهم أخذ عزيز مقتدر .وشبيه بهذه الجملة فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) وقد رجح هذا المعنى الإِمام ابن جرير فقال : " والصواب من القول فى ذلك عندى أنها لام كى ، ومعنى الكلام : ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأموال لتفتنهم فيه ، ويضلوا عن سبيلك عبادك عقوبة منك لهم ، وهذا كما قال جل ثناؤه( لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً .

لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) ومنهم من يرى أن هذه اللام هي لام الدعاء ، وأنها للدعاء عليهم بالزيادة من الإِضلال والغواية فيكون المعنى :وقال موسى يا ربنا إنك أعطيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا؛ اللهم يا ربنا زدهم ضلالا على ضلالهم .وقد سار على هذا الرأى صاحب الكشاف .

فقد قال ما ملخصه : " فإن قلت : ما معنى قوله : ( لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ) ؟قلت : هو دعاء بلفظ الأمر كقوله : ربنا اطمس واشدد .

وذلك أنه لما عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضا مكررا ، وردد عليهم النصائح والمواعظ زمانا طويلا .

وحذرهم من عذاب الله ومن انتقامه ، وأنذرهم سوء عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال ، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفراً وعلى الإِنذار إلا استكبارا ، وعن النصيحة إلا نبوا ، ولم يبق له مطمع فيهم .

وعلم بالتجربة وطول الصحبة أو بوحى من الله ، أنه لا يجئ منهم إلا الغى والضلال .لما رأى منهم كل ذلك : اشتد غضبه عليهم ، وكره حالهم ، فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره وهو ضلالهم .فكأنه قال : " ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال .

.

" .وعلى أية حال فهذه الأقوال الثلاثة ، لكل واحد منها اتجاهه فى التعبير عن ضيق موسى - عليه السلام - لإِصرار فرعون وشيعته على الكفر ، ولما هم فيه من نعم لم يقابلوها بالشكر ، بل قابلوها بالجحود والبطر .وإن كان الرأى الأول هو أظهرها فى الدلالة على ذلك ، وأقربها إلى سياق الآية الكريمة .قال الشوكانى : " وقرأ الكوفيون ( لِيُضِلُّواْ ) بضم الياء .

أى : ليوقعوا الإِضلال على غيرهم .

وقرأ الباقون بالفتح أى يضلون فى أنفسهم " .وقوله : ( رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم ) دعا عليهم بما يستحقونه من عقوبات بسبب إصرارهم على الكفر والضلال .والطمس : الإِهلاك والإِتلاف ومحو أثر الشيء يقال : طمس الشيء ويطمس طموسا إذا زال بحيث لا يرى ولا يعرف لذهاب صورته .والشد : الربط والطبع على الشئ ، بحيث لا يخرج منه ما هو بداخله ، ولا يدخل فيه ما هو خارج منه .والمعنى : وقال موسى مخاطبا ربه : يا ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ، وقد أعطيتهم ذلك ليشكروك ، ولكنهم لم يفعلوا ، بل قابلوا عطاءك بالجحود ، اللهم يا ربنا اطمس على أموالهم بأن تهلكها وتزيلها وتمحقها من بين أيديهم ، حتى ترحم عبادك المؤمنين ، من سوء استعمال الكافرين لنعمك فى الإِفساد والأذى .( واشدد على قُلُوبِهِمْ ) بأن تزيدها قسوة على قسوتها ، وعناداً على عنادها مع استمرارها على ذلك ، حتى يأتيهم العذاب الأليم الذى لا ينفع عند إتيانه إيمان ، ولا تقبل معه توبة ، لأنهما حدثا فى غير وقتهما .قال الجمل : " وهذا الطمس هو أحد الآيات التسع التى أوتيها موسى - عليه السلام - .وقال الإِمام ابن كثير : " وهذه الدعوة كانت من موسى - عليه السلام - غضبا الله - تعالى - ولدينه على فرعون وملئه ، الذين تبين له أنه لا خير فيهم ، كما دعا نوح - عليه السلام - على قومه فقال : ( رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً .

.

) ولهذا استجاب الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - هذه الدعوة فيهم .

.

"فقال : ( قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن موسى لما بالغ في إظهار المعجزات الظاهرة القاهرة ورأى القوم مصرين على الجحود والعناد والإنكار، أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أولاً سبب إقدامه على تلك الجرائم، وكان جرمهم هو أنهم لأجل حبهم الدنيا تركوا الدين، فلهذا السبب قال موسى عليه السلام: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً ﴾ والزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب، وأثاث البيت والمال ما يزيد على هذه الأشياء من الصامت والناطق.

ثم قال: ﴿ لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وعاصم ﴿ لِيُضِلُّواْ ﴾ بضم الياء وقرأ الباقون بفتح الياء.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يضل الناس ويريد إضلالهم وتقريره من وجهين: الأول: أن اللام في قوله: ﴿ لِيُضِلُّواْ ﴾ لام التعليل، والمعنى: أن موسى قال يا رب العزة إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، فدل هذا على أنه تعالى قد يريد إضلال المكلفين.

الثاني: أنه قال: ﴿ واشدد على قُلُوبِهِمْ ﴾ فقال الله تعالى: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ وذلك أيضاً يدل على المقصود.

قال القاضي: لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ويدل عليه وجوه: الأول: أنه ثبت أنه تعالى منزه عن فعل القبيح وإرادة الكفر قبيحة.

والثاني: أنه لو أراد ذلك لكان الكفار مطيعين لله تعالى بسبب كفرهم، لأنه لا معنى للطاعة إلا الإتيان بما يوافق الإرادة ولو كانوا كذلك لما استحقوا الدعاء عليهم بطمس الأموال وشد القلوب، والثالث: أنا لو جوزنا أن يريد إضلال العباد، لجوزنا أن يبعث الأنبياء عليهم السلام للدعاء إلى الضلال، ولجاز أن يقوي الكذابين الضالين المضلين بإظهار المعجزات عليهم، وفيه هدم الدين وإبطال الثقة بالقرآن والرابع: أنه لا يجوز أن يقول لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى  ﴾ وأن يقول: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين وَنَقْصٍ مّن الثمرات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  ﴾ ثم إنه تعالى أراد الضلالة منهم وأعطاهم النعم لكي يضلوا، لأن ذلك كالمناقضة، فلابد من حمل أحدهما على موافقة الآخر.

الخامس: أنه لا يجوز أن يقال: إن موسى عليه السلام دعا ربه بأن يطمس على أموالهم لأجل أن لا يؤمنوا مع تشدده في إرادة الإيمان.

واعلم أنا بالغنا في تكثير هذه الوجوه في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.

وإذا ثبت هذا فنقول: وجب تأويل هذه الكلمة وذلك من وجوه: الأول: أن اللام في قوله: ﴿ لِيُضِلُّواْ ﴾ لام العاقبة كقوله تعالى: ﴿ فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ ولما كانت عاقبة قوم فرعون هو الضلال، وقد أعلمه الله تعالى، لا جرم عبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ.

الثاني: أن قوله: ﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ أي لئلا يضلوا عن سبيلك، فحذف لا لدلالة المعقول عليه كقوله: ﴿ يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ  ﴾ والمراد أن لا تضلوا، وكقوله تعالى: ﴿ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة  ﴾ والمراد لئلا تقولوا، ومثل هذا الحذف كثير في الكلام.

الثالث: أن يكون موسى عليه السلام ذكر ذلك على سبيل التعجب المقرون بالإنكار والتقدير كأنك آتيتهم ذلك الغرض فإنهم لا ينفقون هذه الأموال إلا فيه وكأنه قال: آتيتهم زينة وأموالاً لأجل أن يضلوا عن سبيل الله ثم حذف حرف الاستفهام كما في قول الشاعر: كذبتك عينك أم رأيت بواسط *** غلس الظلام من الرباب خيالا أراد أكذبتك فكذا هاهنا.

الرابع: قال بعضهم: هذه اللام لام الدعاء وهي لام مكسورة تجزم المستقل ويفتتح بها الكلام، فيقال ليغفر الله للمؤمنين وليعذب الله الكافرين، والمعنى ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك.

الخامس: أن هذه اللام لام التعليل لكن بحسب ظاهر الأمر لا في نفس الحقيقة وتقريره أنه تعالى لما أعطاهم هذه الأموال وصارت تلك الأموال سبباً لمزيد البغي والكفر، أشبهت هذه الحالة حالة من أعطى المال لأجل الإضلال فورد هذا الكلام بلفظ التعليل لأجل هذا المعنى.

السادس: بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا  ﴾ في أول سورة البقرة إن الضلال قد جاء في القرآن بمعنى الهلاك يقال: الماء في اللبن أي هلك فيه.

إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ معناه: ليهلكون ويموتوا، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا  ﴾ فهذا جملة ما قيل في هذا الباب.

واعلم أنا قد أجبنا عن هذه الوجوه مراراً كثيرة في هذا الكتاب، ولا بأس بأن نعيد بعضها في هذا المقام فنقول: الذي يدل على أن حصول الإضلال من الله تعالى وجوه: الأول: أن العبد لا يقصد إلا حصول الهداية، فلما لم تحصل الهداية بل حصل الضلال الذي لا يريده، علمنا أن حصوله ليس من العبد بل من الله تعالى.

فإن قالوا: إنه ظن بهذا الضلال أنه هدى؟

فلا جرم قد أوقعه وأدخله في الوجود فنقول: فعلى هذا يكون إقدامه على تحصيل هذا الجهل بسبب الجهل السابق، فلو كان حصول ذلك الجهل السابق بسبب جهل آخر لزم التسلسل وهو محال، فثبت أن هذه الجهالات والضلالات لابد من انتهائها إلى جهل أول وضلال أول، وذلك لا يمكن أن يكون بإحداث العبد وتكوينه لأنه كرهه وإنما أراد ضده، فوجب أن يكون من الله تعالى.

الثاني: أنه تعالى لما خلق الخلق بحيث يحبون المال والجاه حباً شديداً لا يمكنه إزالة هذا الحب عن نفسه ألبتة، وكان حصول هذا الحب يوجب الاعراض عمن يستخدمه ويوجب التكبر عليه وترك الالتفات إلى قوله وذلك يوجب الكفر، فهذه الأشياء بعضها يتأدى إلى البعض تأدياً على سبيل اللزوم وجب أن يكون فاعل هذا الكفر هو الذي خلق الإنسان مجبولاً على حب المال والجاء.

الثالث: وهو الحجة الكبرى أن القدرة بالنسبة إلى الضدين على السوية، فلا يترجح أحد الطرفين على الثاني إلا لمرجح، وذلك المرجح ليس من العبد وإلا لعاد الكلام فيه، فلابد وأن يكون من الله تعالى، وإذا كان كذلك كانت الهداية والإضلال من الله تعالى.

الرابع: أنه تعالى أعطى فرعون وقومه زينة وأموالاً وقوى حب ذلك المال والجاه في قلوبهم.

وأودع في طباعهم نفرة شديدة عن خدمة موسى عليه السلام والانقياد له، لا سيما وكان فرعون كالمنعم في حقه والمربي له والنفرة عن خدمة من هذا شأنه راسخة في القلوب، وكل ذلك يوجب إعراضهم عن قبول دعوة موسى عليه السلام وإصرارهم على إنكار صدقه، فثبت بالدليل العقلي أن إعطاء الله تعالى فرعون وقومه زينة الدنيا وأموال الدنيا لابد وأن يكون موجباً لضلالهم فثبت أن ما أشعر به ظاهر اللفظ فقد ثبت صحته بالعقل الصريح فكيف يمكن ترك ظاهر اللفظ في مثل هذا المقام وكيف يحسن حمل الكلام على الوجوه المتكلفة الضعيفة جداً.

إذا عرفت هذا فنقول: أما الوجه الأول: وهو حمل اللام على لام العاقبة فضعيف، لأن موسى عليه السلام ما كان عالماً بالعواقب.

فإن قالوا: إن الله تعالى أخبره بذلك؟

قلنا: فلما أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون كان صدور الإيمان منهم محالاً، لأن ذلك يستلزم انقلاب خبر الله كذباً وهو محال والمفضى إلى المحال محال.

وأما الوجه الثاني: وهو قولهم يحمل قوله: ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ على أن المراد لئلا يضلوا عن سبيلك فنقول: إن هذا التأويل ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره.

وأقول: إنه لما شرع في تفسيره قوله تعالى: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك  ﴾ ثم نقل عن بعض أصحابنا أنه قرأ ﴿ فمن نفسك ﴾ على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار، ثم إنه استبعد هذه القراءة وقال إنها تقتضي تحريف القرآن وتغييره وتفتح باب تأويلات الباطنية وبالغ في إنكار تلك القراءة وهذا الوجه الذي ذكره هاهنا شر من ذلك، لأنه قلب النفي إثباتاً والإثبات نفياً وتجويزه يفتح باب أن لا يبقى الاعتماد على القرآن لا في نفيه ولا في إثباته وحينئذ يبطل القرآن بالكلية هذا بعينه هو الجواب عن قوله المراد منه الاستفهام بمعنى الإنكار، فإن تجويزه يوجب تجويز مثله في سائر المواطن، فلعله تعالى إنما قال: ﴿ أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة  ﴾ على سبيل الإنكار والتعجب وأما بقية الجوابات فلا يخفى ضعفها.

ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه قال: ﴿ رَبَّنَا اطمس على أموالهم ﴾ وذكرنا معنى الطمس عند قوله تعالى: ﴿ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً  ﴾ والطمس هو المسخ.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: بلغنا أن الدراهم والدنانير، صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحاً وأنصافاً وأثلاثاً، وجعل سكرهم حجارة.

ثم قال: ﴿ واشدد على قُلُوبِهِمْ ﴾ ومعنى الشد على القلوب الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإيمان.

قال الواحدي: وهذا دليل على أن الله تعالى يفعل ذلك بمن يشاء، ولولا ذلك لما حسن من موسى عليه السلام هذا السؤال.

ثم قال: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ لِيُضِلُّواْ ﴾ والتقدير: ربنا ليضلوا عن سبيلك فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وقوله: ﴿ رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ ﴾ يكون اعتراضاً.

والثاني: يجوز أن يكون جواباً لقوله: ﴿ واشدد ﴾ والتقدير: اطبع على قلوبهم وقسها حتى لا يؤمنوا، فإنها تستحق ذلك.

ثم قال تعالى: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ وفيه وجهان: الأول: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن موسى كان يدعو وهارون كان يؤمن، فلذلك قال: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ وذلك لأن من يقول عند دعاء الداعي آمين فهو أيضاً داع، لأن قوله آمين تأويله استجب فهو سائل كما أن الداعي سائل أيضاً.

الثاني: لا يبعد أن يكون كل واحد منهما، ذكر هذا الدعاء غاية ما في الباب أن يقال: إنه تعالى حكى هذا الدعاء عن موسى بقوله: ﴿ وَقَالَ موسى رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً ﴾ إلا أن هذا لا ينافي أن يكون هارون قد ذكر ذلك الدعاء أيضاً.

وأما قوله: ﴿ فاستقيما ﴾ يعني فاستقيما على الدعوة والرسالة، والزيادة في إلزام الحجة فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلاً فلا تستعجلا، قال ابن جُرَيْج: إن فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة.

وأما قوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: المعنى: لا تتبعان سبيل الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان الدعاء مجاباً كان المقصود حاصلاً في الحال، فربما أجاب الله تعالى دعاء إنسان في مطلوبه، إلا أنه إنما يوصله إليه في وقته المقدر، والاستعجال لا يصدر إلا من الجهال، وهذا كما قال لنوح عليه السلام: ﴿ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين  ﴾ .

واعلم أن هذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى عليه السلام كما أن قوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ  ﴾ لا يدل على صدور الشرك منه.

البحث الثاني: قال الزجاج: قوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعَانّ ﴾ موضعه جزم، والتقدير: ولا تتبعا، إلا أن النون الشديدة دخلت على النهي مؤكدة وكسرت لسكونها، وسكون النون التي قبلها فاختير لها الكسرة، لأنها بعد الألف تشبه نون التثنية، وقرأ ابن عامر ﴿ وَلاَ تَتَّبِعَانّ ﴾ بتخفيف النون.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الزينة: ما يتزين به من لباس أو حلي أو فرش أو أثاث أو غير ذلك.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ ؟

قلت: هو دعاء بلفظ الأمر، كقوله: ﴿ رَبَّنَا اطمس ﴾ ، ﴿ واشدد ﴾ ، وذلك أنه لما عرض عليهم أيات الله وبيناته عرضاً مكرّراً وردّد عليهم النصائح والمواعظ زماناً طويلاً، وحذرهم عذاب الله وانتقامه، وأنذرهم عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال المبين، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفراً، وعلى الإنذار إلاّ استكباراً، وعن النصيحة إلاّ نبوّا، ولم يبق له مطمع فيهم، وعلم بالتجربة وطول الصحبة أنه لا يجيء منهم إلاّ الغي والضلال، وأنّ إيمانهم كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة، أو علم ذلك بوحي من الله- اشتد غضبه عليهم، وأفرط مقته وكراهته لحالهم، فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره، كما تقول: لعن الله إبليس، وأخزى الله الكفرة، مع علمك أنه لا يكون غير ذلك، وليشهد عليهم بأنه لم يبق له فيهم حيلة، وأنهم لا يستأهلون إلاّ أن يخذلوا ويخلى بينهم وبين ضلالهم يتسكعون فيه، كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال.

وليكونوا ضلالاً، وليطبع الله على قلوبهم فلا يؤمنوا وما عليّ منهم، هم أحقّ بذلك وأحقّ كما يقوله الأب المشفق لولده الشاطر إذا ما لم يقبل منه، حسرة على ما فاته من قبول نصيحته، وحرداً عليه، لا أن يريد خلاعته واتباعه هواه.

ومعنى الشدّ على القلوب.

الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإيمان ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُواْ ﴾ جواب للدعاء الذي هو ﴿ اشدد ﴾ أو دعاء بلفظ النهي، وقد حملت اللام في ليضلوا على التعليل، على أنهم جعلوا نعمة الله سبباً في الضلال، فكأنهم أوتوها ليضلّوا.

وقوله: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُواْ ﴾ عطف على ليضلوا.

وقوله: ﴿ رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ ﴾ دعاء معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.

وقرأ الفضل الرقاشي: ﴿ أئنك آتيت ﴾ على الاستفهام، واطمس بضم الميم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً ﴾ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ ونَحْوِهِما.

﴿ وَأمْوالا في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وأنْواعًا مِنَ المالِ.

﴿ رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِلَفْظِ الأمْرِ بِما عَلِمَ مِن مُمارَسَةِ أحْوالِهِمْ أنَّهُ لا يَكُونُ غَيْرُهُ كَقَوْلِكَ: لَعَنَ اللَّهُ إبْلِيسَ.

وقِيلَ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ آتَيْتَ ﴾ ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْعِلَّةِ لِأنَّ إيتاءَ النِّعَمِ عَلى الكُفْرِ اسْتِدْراجٌ وتَثْبِيتٌ عَلى الضَّلالِ، ولِأنَّهم لَمّا جَعَلُوها سَبَبًا لِلضَّلالِ فَكَأنَّهم أُوتُوها لِيَضِلُّوا فَيَكُونُ ﴿ رَبَّنا ﴾ تَكْرِيرًا لِلْأوَّلِ تَأْكِيدًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ عَرْضُ ضَلالِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تَقْدِمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ ﴾ أيْ أهْلِكْها، والطَّمْسُ المَحْقُ وقُرِئَ (اطْمُسْ) بِالضَّمِّ.

﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ وأقْسِها اطْبَعْ عَلَيْها حَتّى لا تَنْشَرِحَ لِلْإيمانِ.

﴿ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ جَوابٌ لِلدُّعاءِ أوْ دُعاءٌ بِلَفْظِ النَّهْيِ، أوْ عَطْفٌ عَلى ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ وما بَيْنَهم دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ.

﴿ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ﴾ يَعْنِي مُوسى وهارُونَ لِأنَّهُ كانَ يُؤَمِّنُ.

﴿ فاسْتَقِيما ﴾ فاثْبُتا عَلى ما أنْتُما عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ، ولا تَسْتَعْجِلا فَإنَّ ما طَلَبْتُما كائِنٌ ولَكِنْ في وقْتِهِ.

رُوِيَ: أنَّهُ مَكَثَ فِيهِمْ بَعْدَ الدُّعاءِ أرْبَعِينَ سَنَةً.

﴿ وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ طَرِيقَ الجَهَلَةِ في الِاسْتِعْجالِ أوْ عَدَمِ الوُثُوقِ والِاطْمِئْنانُ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ ﴿ وَلا تَتَّبِعانِّ ﴾ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ وكَسْرُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ﴿ وَلا تَتَّبِعانِّ ﴾ مَن تَبِعَ ﴿ وَلا تَتَّبِعانِّ ﴾ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)

{وقال موسى ربنا إنك آتيت فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} هو ما يتزين به من لباس أو حلي أو فرش أو أثاث أو غير ذلك {وَأَمْوَالاً} أي نقداً ونعماً وضيعة {في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك} ليضلوا الناس عن طاعتك كوفي ولا وقف على الدنيا لأن قوله ليضلوا متعلق بآتيت وربنا تكرار الأول للإلحاح في التضرع قال الشيخ أبو منصور رحمه الله إذا علم منهم أنهم يضلون الناس عن سبيله آتاهم ما آتاهم ليضلوا عن سبيله

وهو كقوله إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً فتكون الآية حجة على المعتزلة {رَبَّنَا اطمس على أموالهم} أى أهلكها وأذهب آثاراها لأنهم يستعينون بنعمتك على معصيتك والطمس المحو والهلاك قيل صارت دراهمهم ودنانيرهم حجارة كهيئاتها منقوشة وقيل وسائر أموالهم كذلك

يونس (٨٨ _ ٩١)

{واشدد على قُلُوبِهِمْ} اطبع على قلوبهم واجعلها قاسية {فَلاَ يُؤْمِنُواْ} جواب الدعاء الذي هو اشدد {حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم} إلى أن يروا العذاب الأليم وكان كذلك فإنهم لم يؤمنوا إلى الغرق وكان ذلك إيمان يأس فلم يقبل وإنما دعا عليهم بهذا لما أيس من إيمانهم وعلم بالوحي أنهم لا يؤمنون فأما قبل أن يعلم بأنهم لا يؤمنون فلا يسع له أن يدعو بهذا الدعاء لأنه أرسل إليهم ليدعوهم إلى الإيمان وهو يدل على أن الدعاء على الغير بالموت على الكفر لا يكون كفراً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً ﴾ أيْ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ اللِّباسِ والمَراكِبِ ونَحْوِها وتُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا ﴿ وأمْوالا ﴾ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ المالِ كَما يُشْعِرُ بِهِ الجَمْعُ والتَّنْوِينُ، وذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ الزِّينَةِ مَن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ لِلشُّمُولِ وقَدْ يُحْمَلُ عَلى ما عَداهُ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الزِّينَةَ بِالجَمالِ وصِحَّةِ البَدَنِ وطُولِ القامَةِ ونَحْوِهِ ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ أيْ لِكَيْ يَضِلُّوا عَنْها وهو تَعْلِيلٌ لِلْإيتاءِ السّابِقِ، والكَلامُ إخْبارٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أمَدَّهم بِالزِّينَةِ والأمْوالِ اسْتِدْراجًا لِيَزْدادُوا إثْمًا وضَلالَةً كَما أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ أمْثالِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ﴾ وإلى كَوْنِ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ ذَهَبَ الفَرّاءُ والظّاهِرُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ الضَّلالُ مُرادَ اللَّهِ تَعالى ولا يَلْزَمُ ما قالَهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ إذا كانَ مُرادًا يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ بِهِ بِناءً عَلى أنَّ الإرادَةَ أمْرٌ أوْ مُسْتَلْزَمٌ لَهُ لِما أنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلانُ هَذا المَبْنى في الكَلامِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم حَذَرًا مِن ذَلِكَ لِئَلّا يَضِلُّوا كَما قُدِّرَ في ﴿ شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا ﴾ شَهِدْنا أنْ لا تَقُولُوا ولا حاجَةَ إلَيْهِ وقِيلَ: إنَّ التَّعْلِيلَ مَجازِيٌّ لِأنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِ ذَلِكَ جُعِلَ إيتاؤُهُ كَأنَّهُ لِلضَّلالِ فَيَكُونُ في اللّامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: اللّامُ لِلْعاقِبَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُمارَسَتِهِ لَهم وتَفَرُّسِهِ بِهِمُ أوْ لِعِلْمِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى ما قِيلَ بِأنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الإيتاءِ الضَّلالُ.

والفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيلِ المَجازِيِّ وهَذا إنْ قُلْنا بِأنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ أيْضًا أنَّ في التَّعْلِيلِ ذِكْرَ ما هو سَبَبٌ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ إيتاؤُهُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا وفي لامِ العاقِبَةِ لَمْ يُذْكَرْ سَبَبٌ أصْلًا وهي كاسْتِعارَةِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لِلْآخَرِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها لِلدُّعاءِ، ولا مَغْمَزَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ إمّا لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ بِالمُمارَسَةِ أوْ نَحْوِها أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ فَدَعا بِهِ وحاصِلُهُ أنَّهُ دُعاءٌ بِما لا يَكُونُ إلّا ذَلِكَ فَهو تَصْرِيحٌ بِما جَرى قَضاءُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ونَحْوَهُ لَعَنَ اللَّهُ تَعالى الشَّيْطانَ وإمّا لِأنَّهُ لَيْسَ بِدُعاءٍ حَقِيقَةً ولَيْسَ النَّظَرُ إلى تَنْجِيزِ المَسْؤُولِ وعَدَمِهِ بَلِ النَّظَرُ إلى وصْفِهِمْ بِالعُتُوِّ وإبْلاءِ عُذْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الدَّعْوَةِ فَهو كِنايَةٌ إيمائِيَّةٌ عَلى هَذا وما قِيلَ: هَذا شَهادَةٌ بِسُوءِ حالِهِمْ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ في الكِنايَةِ لِأنَّ الضَّلالَ رَدِيفُ الإضْلالِ وهو مَنعُ اللُّطْفِ فَكُنِّيَ بِالضَّلالِ عَنِ الإضْلالِ والإضْلالُ رَدِيفُ كَوْنِهِمْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْهِمْ فَكانَ هَذا كَشْفًا وبَيانًا لِحالِهِمْ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ فَهو عَلى ما فِيهِ شَيْءٌ عَنْهُ غِنًى لِأنَّ الطَّبْعَ مُصَرَّحٌ بِهِ بَعْدُ بَلِ النَّظَرُ هَهُنا إلى الزُّبْدَةِ والخُلاصَةِ مِن هَذِهِ المَطالِبِ كُلِّها، ويُشْعِرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِاخْتِيارِ كَوْنِها لِلدُّعاءِ وفي الِانْتِصافِ أنَّهُ اعْتِزالٌ أدَقُّ مِن دَبِيبِ النَّمْلِ يَكادُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ يَكُونُ كَشْفًا والظّاهِرُ أنَّها لِلتَّعْلِيلِ، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: لَوْلا التَّعْلِيلُ لَمْ يَتَّجِهْ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً ﴾ ولَمْ يَنْتَظِمْ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهُ يُنافِي غَرَضَ البَعْثَةِ وهو الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ والهُدى ولا يَخْفى أنَّ دَفْعَ هَذا يُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْنا آنِفًا، وأمّا وجْهُ انْتِظامِ الكَلامِ فَهو كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿ إنَّكَ آتَيْتَ ﴾ إلَخْ تَمْهِيدًا لِلتَّخَلُّصِ إلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ أيْ أنَّكَ أوْلَيْتَهم هَذِهِ النِّعْمَةَ لِيَعْبُدُوكَ ويَشْكُرُوكَ فَما زادَهم ذَلِكَ إلّا طُغْيانًا وكُفْرًا وإذا كانَتِ الحالُ هَذِهِ فَلْيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، ولَوْ دَعا ابْتِداءً لَمْ يَحْسُنْ إذْ رُبَّما لَمْ يُعْذَرْ فَقَدَّمَ الشِّكايَةَ مِنهم والنَّعْيَ بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ لِيَتَسَلَّقَ مِنهُ إلى الدُّعاءِ مَعَ مُراعاةِ تَلازُمِ الكَلامِ مِن إيرادِ الأدْعِيَةِ مَنسُوقَةً نَسَقًا واحِدًا وعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى الِاعْتِذارِ عَنْ تَكْرِيرِ النِّداءِ كَما احْتاجَ القَوْلُ بِالتَّعْلِيلِ إلى الِاعْتِذارِ عَنْهُ بِأنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَقْصُودَ عَرْضُ ضَلالِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تَقْدِمَةً لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بَعْدُ.

وادَّعى الطِّيِّبِيُّ أنَّهُ لا مَجالَ لِلْقَوْلِ بِالِاعْتِراضِ لِأنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ إذا التَذَّتِ النَّفْسُ بِسَماعِهِ ولِذا عِيبَ قَوْلُ النّابِغَةِ لَعَلَّ زِيادًا لا أبا لَكَ غافِلُ وفِي كَلامِهِ مَيْلٌ إلى القَوْلِ بِأنَّ اللّامَ لِلدُّعاءِ وهو لَدى المُنْصِفِ خِلافُ الظّاهِرِ وما ذَكَرُوهُ لَهُ لا يُفِيدُهُ ظُهُورًا.

وقُرِئَ (لِيُضِلُّوا) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِها ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ ﴾ أيْ أهْلِكْها كَما قالَ مُجاهِدٌ، فالطَّمْسُ بِمَعْنى الإهْلاكِ وفِعْلُهُ مِن بابِ ضَرَبَ ودَخَلَ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ (اطْمُسْ) بِضَمِّ المِيمِ ويَتَعَدّى ولا يَتَعَدّى، وجاءَ بِمَعْنى مَحْوِ الأثَرِ والتَّغْيِيرِ وبِهَذا فَسَّرَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المَعْنى رَبَّنا غَيِّرْها عَنْ جِهَةِ نَفْعِها إلى جِهَةٍ لا يَنْتَفِعُ بِها.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَغْيِيرَها عَنْ جِهَةِ نَفْعِها إهْلاكٌ لَها أيْضًا فَلا يُنافِي ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ بَعْدَ هَذا الدُّعاءِ صارَتْ دَراهِمُهم ودَنانِيرُهم ونُحاسُهم وحَدِيدُهم حِجارَةً مَنقُوشَةً.

وعَنْ مُحَمَّدٍ القُرَظِيِّ قالَ: سَألَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَأخْبَرْتُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى طَمَسَ عَلى أمْوالِ فِرْعَوْنَ وآلِ فِرْعَوْنَ حَتّى صارَتْ حِجارَةً فَقالَ عُمْرُ: مَكانَكَ حَتّى آتِيَكَ فَدَعا بِكِيسٍ مَخْتُومٍ فَفَكَّهُ فَإذا فِيهِ البَيْضَةُ مَشْقُوقَةً وهي حِجارَةٌ وكَذا الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ وأشْباهُ ذَلِكَ.

وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ صارَ سُكْرُهم حِجارَةً وأنَّ الرَّجُلَ بَيْنَما هو مَعَ أهْلِهِ إذْ صارا حَجَرَيْنِ وبَيْنَما المَرْأةُ قائِمَةٌ تَخْبُزُ إذْ صارَتْ كَذَلِكَ، وهَذا مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ أصْلًا، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ، وعِنْدِي أنَّ أخْبارَ تَغْيِيرِ أمْوالِهِمْ إلى الحِجارَةِ لا تَخْلُو عَنْ وهَنٍ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْها، ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُرادَ مِن طَمْسِها إتْلافُها مِنهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ والمُرادُ بِالأمْوالِ ما يَشْمَلُ الزِّينَةَ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وغَيْرِها ﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ أيِ اجْعَلْها قاسِيَةً واطْبَعْ عَلَيْها حَتّى لا تَنْشَرِحَ لِلْإيمانِ كَما هو قَضِيَّةُ شَأْنِهِمْ ﴿ فَلا يُؤْمِنُوا ﴾ جَوابٌ لِلدُّعاءِ أعَنِي ﴿ اشْدُدْ ﴾ دُونَ ﴿ اطْمِسْ ﴾ فَهو مَنصُوبٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً بِلَفْظِ النَّهْيِ نَحْوَ إلَهِي لا تُعَذِّبْنِي فَهو مَجْزُومٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ وما بَيْنَهُما دُعاءٌ مُعْتَرَضٌ فَهو حِينَئِذٍ مَنصُوبٌ أوْ مَجْزُومٌ حَسْبَما عَلِمْتَ مِنَ الخِلافِ في اللّامِ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ 88﴾ أيْ يُعايِنُوهُ ويُوقِنُوا بِهِ بِحَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ إذْ ذاكَ، والمُرادُ بِهِ جِنْسُ العَذابِ الألِيمِ وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرَهُ بِالغَرَقِ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الدُّعاءَ عَلى شَخْصٍ بِالكُفْرِ لا يُعَدُّ كُفْرًا إذا لَمْ يْكُنْ عَلى وجْهِ الِاسْتِيجازِ والِاسْتِحْسانِ لِلْكُفْرِ بَلْ كانَ عَلى وجْهِ التَّمَنِّي لِيَنْتَقِمَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ الشَّخْصِ أشَدَّ انْتِقامٍ وإلى هَذا ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ خَواهِرْزادَهْ فَقَوْلُهُمْ: الرِّضا بِكُفْرِ الغَيْرِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ عِنْدَهُ بَلْ هو مُقَيَّدٌ بِما إذا كانَ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْسانِ لَكِنْ قالَ صاحِبُ الذَّخِيرَةِ: قَدْ عَثَرْنا عَلى رِوايَةٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الرِّضا بِكُفْرِ الغَيْرِ كُفْرٌ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ، والمَنقُولُ عَنْ عَلَمِ الهُدى أبِي مَنصُورٍ الماتَرِيدِيِّ التَّفْصِيلُ فَفي المَسْألَةِ اخْتِلافٌ قِيلَ: والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ مِن حَيْثُ أنَّهُ كُفْرٌ كُفْرٌ وأنَّ الرِّضا بِهِ لا مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ بَلْ مِن حَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْعَذابِ الألِيمِ أوْ كَوْنِهِ أثَرًا مِن آثارِ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ مَثَلًا لَيْسَ بِكُفْرٍ وبِهَذا يَنْدَفِعُ التَّنافِي بَيْنَ قَوْلِهِمْ: الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ وقَوْلِهِمْ: الرِّضا بِالقَضاءِ واجِبٌ بِناءً عَلى حَمْلِ القَضاءِ فِيهِ عَلى المَقْضِيِّ وعَلى هَذا لا يَتَأتّى ما قِيلَ: إنَّ رِضا العَبْدِ بِكُفْرِ نَفْسِهِ كُفْرٌ بِلا شُبْهَةٍ عَلى إطْلاقِهِ بَلْ يَجْرِي فِيهِ التَّفْصِيلُ السّابِقُ في الرِّضا بِكُفْرِ الغَيْرِ أيْضًا، ومِن هَذا التَّحْقِيقِ يُعْلَمُ ما في قَوْلِهِمْ: إنَّ مَن جاءَهُ كافِرٌ لِيُسْلِمَ فَقالَ لَهُ: اصْبِرْ حَتّى أتَوَضَّأ أوْ أخَّرَهُ يَكْفُرُ لِرِضاهُ بِكُفْرِهِ في زَمانٍ مِنَ النَّظَرِ، ويُؤَيِّدُهُ ما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في فَتْحِ مَكَّةَ «أنَّ ابْنَ أبِي سَرْحٍ أتى بِهِ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْهُ فَكَفَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَدَهُ عَنْ بَيْعَتِهِ ونَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى أنْ يُبايِعَهُ فَبايَعَهُ بَعْدَ الثَّلاثِ ثُمَّ أقْبَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إلى هَذا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلَهُ قالُوا: وما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ ألا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ أعْيُنٍ».

وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والنِّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ وهو مَعْرُوفٌ في السِّيَرِ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ التَّوَقُّفَ مُطْلَقًا لَيْسَ كَما قالُوهُ كُفْرًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال الله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ هارون، وذلك لما منعهم فرعون وقومه الصَّلاة علانية، وخرّبوا مساجدهم أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً يعني: اتّخذوا لقومكما بمصر مساجد في جوف البيوت وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً يعني: مساجد فتصلون فيها.

ويقال: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أي: حَوِّلُوا بيوتكم نحو القبلة.

وقال مجاهد: كانوا يصلون في البِيَعِ، فأمرهم أن يصلوا في البيوت.

وقال إبراهيم النخْعِيُّ: كانوا خائفين، فأمرهم بالصَّلاة في بيوتهم.

وكان إبراهيم النخعِيِّ خائفاً من الحجَّاج، وكان يصلي في بيته.

ثم قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: أتموها بركوعها وسجودها، ولم يأمرهم بالزكاة، لأن فرعون قد استعبدهم، وأخذ أموالهم، فلم يكن لهم مال يجب عليهم الزّكاة فيه.

ثم قال للنبي  وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين بتوحيد الله تعالى بالجنة.

قرأ عاصم في رواية حفص: أَنْ تَبَوَّءا بلا همز، لأنه كره همزة بين حرفين فجعلها ياء.

وقرأ الباقون بغير ياء بالهمزة، إلا أنه روي عن حمزة أنه كان يهمز.

قوله تعالى: وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ، وذلك أن أهل مصر لما عُذِّبُوا بالطُّوفان والجراد والسنين، قالوا: لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ [الأعراف: 134] ، ثمّ نكثوا العهد ولم يؤمنوا، فغضب موسى عليهم، ودعا الله تعالى عليهم، وقال: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ يعني: أعطيت فرعون وملأة زينة، يعني: الأشراف من قومه أعطيتهم زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا أي: ربنا أعطيتهم ليضلوا عَنْ سَبِيلِكَ يعني: عن دينك الإسلام.

قرأ أهل الكوفة، وعاصم، وحمزة الكسائي: لِيُضِلُّوا بضم الياء.

يعني: ليُضلُّوا النّاس ويصرفونهم عن دينك.

وقرأ الباقون: لِيُضِلُّوا بنصب الياء.

يعني: يرجعون عن دينك ويمتنعون عنه.

رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ يعني: غيِّر دراهمهم ودنانيرهم، وذلك حين وعد فرعون لموسى بأن يؤمن ويرسل معه بني إسرائيل، ثم نقض العهد، فدعا عليهم موسى  .

وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ قال: بلغنا أنَّ حروثاً لهم صارت حجارة.

وعن السّدي أنه قال: صارت دراهمهم ودنانيرهم حجارة.

وعن أبي العالية أنه قال: صارت أموالهم حجارة، وقال مجاهد، في قوله تعالى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ يعني: أهلكها.

وقال القتبي في قوله: رَبَّنَا اطْمِسْ يعني: أهلكها.

وهو من قولك: طمس الطريق إذا عفى ودرس..

ثمّ قال تعالى: وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ أي اقسها.

ويقال: اطبع قلوبهم وأمتهم على الكفر، ولا توفقهم للإيمان يعني: لكي فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ وهو الغرق.

فدعا موسى  وَأَمَّن هارون قال الله: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما قال ومحمد بن كعب القرظي: قد أجبت دعوتكما «دعا موسى، وأمَّن هارون» .

وعن أبي العالية، وعكرمة وأبي صالح مثله.

وعن أبي هريرة مثله.

وعن أنس بن مالك أنه قال: كنا عند رسول الله  فقال: «إن الله تعالى أَعْطَانِي خِصَالاً ثَلاثاً: أَعْطَانِي صَلاةً بِالصُّفُوفِ، وَأعْطَانِي تَحِيَّةً إنها تِحَّيةُ أهْلِ الجَنَّةِ، وَأَعْطَانِي التَّأْمِينَ، وَلَمْ يُعْطِ أَحَداً مِنَ النَّبِيِّينَ قَبْلِي، إلاَّ أَنْ يَكُونَ الله تَعَالَى أعطاهُ لِهَارُونَ، يَدْعُو مُوسَى، وَيُؤَمِّنُ هَارُونُ» .

قال مقاتل: فمكث موسى بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وهكذا روى الضَّحَّاك: أن الإجابة ظهرت بعد أربعين سنة.

وقال بعضهم: بعد أربعين يوما.

وقال بعضهم: كان هذا الدعاء حين خرج موسى ببني إسرائيل، وأيس من إيمانهم.

ثم قال الله تعالى: فَاسْتَقِيما أي: قال لموسى وهارون: فَاسْتَقِيما على الرّسالة والدّعوة واستقيما على ما أمرتكما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: طريق فرعون وآله من أهل مصر.

وروى ابن ذكوان، عن ابن عامر، أنه قرأ: تَتَّبِعانِّ بجزم التاء ونصب الباء.

وقرأ الباقون: تَتَّبِعانِّ بنصب التاء، والتشديد، وكسر الباء.

ومعناهما واحد، وهذه النون أدخلت مؤكدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

منهم على العامَّة، والتوكُّل في عَقْد الإِيمان مع كلِّ من آمن باللَّه عزَّ وجلَّ؟

قال: إِنَّ الذي فَضَلَتْ به الخاصَّة على العامَّة دَوَامُ سكونِ القَلْب عن الاضطراب والهُدُوِّ عن الحرَكَة، فعندها، يا فَتَى، استراحوا من عذاب الحِرْصِ، وفُكُّوا مِنْ أُسْرِ الطمع، وأُعْتِقُوا من عُبُودِيَّة الدنيا، وأبنائِها، وحَظُوا بالرَّوْحِ في الدَّارَيْنِ جميعاً، فطوبَى لهم وحُسْنُ مَآب، قلْتُ: فما الذي يولِّدُ هذا؟

قال: حَالَتَانِ:

دَوَامُ لُزُومِ المعرفة، والاعتماد على اللَّه عزَّ وجلَّ، وتَرْكُ الحِيل.

والثانية: الممارسَةُ حتى يَأْلَفَهَا إِلْفاً، ويختارها اختيارا، فيصير التوكُّل والهُدُوُّ والسكونُ والرضا والصبْرُ له شعاراً ودثاراً.

انتهى من «كتاب القَصْدِ إِلى اللَّه سبحانه» .

وقولهم: رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: المعنى: لا تُنْزِلْ بنا بلاءً بأيديهم أو بغير ذلك/ مدَّةَ محاربتنا لهم فَيُفْتَنُونَ لذلك، ويعتقدون صلاَحَ دينهم، وفَسَاد ديننا قاله مجاهد وغيره، فهذا الدعاءُ على هذا التأويل يتضمَّن دفْعَ فصلين:

أحدُهما: القَتْل والبلاء الذي توقَّعه المؤمنون.

والآخر: ظُهُورُ الشَّرك باعتقاد أهله أنَّهم أَهْلُ الحَقِّ.

ونحو هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «بئس الميّت أبو أمامة ليهود وَالمُشْرِكِينَ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهُ» «١» .

ورَجَّحَ ع «٢» في «سورة الممتحنة: ٥» قولَ ابْنِ عباس: إِن معنى: لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا: لا تسلِّطهم علينا فيفتنونا انظره هناك.

وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)

وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً رُوي: أَن فرعون أَخَافَ بني إِسرائيل، وهدَّم لهم مواضعَ كانوا اتخذوها للصلاة، ونَحْو هذا، فأوحَى اللَّه إِلَى موسَى وهارون، أنْ تَبَّوءا أي: اتخذا وتَخَيَّرا لبني إِسرائيل بمصْر بيوتاً، قال مجاهد: مِصْر في هذه الآية: الإِسْكَنْدَرِيَّة «١» ، ومصْرُ ما بين أَسْوَان «٢» والإِسكندرية «٣» .

وقوله سبحانه: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً: قيل: معناه: مساجدُ، قاله ابنُ عباس وجماعة «٤» ، قالوا: خافوا، فأُمِرُوا بالصَّلاة في بيوتهم، وقيل: معناه مُوجَّهة إِلى القبلة قاله ابن عباس «٥» ، ومن هذا حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنه قَالَ: «خَيْرُ بُيُوتِكُمْ مَا استقبل بِهِ القِبْلة» «٦» .

وقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ: خطابٌ لبني إِسرائيل، وهذا قبل نزول التوراة لأَنها لم تَنْزِلْ إِلا بعد إِجازة البَحْر.

وقوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: أَمرٌ لموسَى عليه السلام، وقال الطبريُّ ومكيٌّ: هو أَمرٌ لنبينا محمَّد عليه السلام، وهذا غير متمكِّن.

وقوله سبحانه: وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً ...

الآية: هذا

غضَبٌ من موسَى على القِبْطِ، ودعاءٌ عليهم، لمَّا عَتَوْا وعانَدوا، وقدَّم للدعاءِ تقريرَ نعِم الله عليهم وكفرهم بها، وآتَيْتَ معناه: أَعْطَيْتَ، واللام في لِيُضِلُّوا لام كَيْ، ويحتملُ أن تكون لامَ الصَّيْرورة والعَاقِبَةِ، المعنى: آتيتهم ذَلكَ، فصار أمرهم إِلى كذا، وقرأ حمزة وغيره: «لِيُضِلُّوا» (بضم الياء) على معنى: لِيُضِلُّوا غيرهم.

وقوله: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ: هو من طُمُوسِ الأَثْر والعين وَطَمْسُ الوجوه منه، وتكْرير قوله: رَبَّنا استغاثة كما يقول الداعي: يا اللَّه، يا اللَّه، روي أنهم حين دعا موسَى بهذه الدعوة، رَجَعَ سُكَّرُهُمْ حجارةً، ودراهِمُهم ودنانيرهم وحُبُوبُ أطعمتهم، رَجَعَتْ حجارةً قاله قتادة وغيره «١» ، وقال مجاهد وغيره: معناه: أهْلِكْها ودَمِّرها «٢» .

وقوله: وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ: بمعنى: اطبع واختم عليهم بالكفر قاله مجاهدٌ والضَّحَّاك «٣» .

وقوله: فَلا يُؤْمِنُوا: مذهب الأخفش وغيره: أنَّ الفعل منصوب عطفاً على قوله: لِيُضِلُّوا، وقيل: منصوبٌ في جواب الأمر، وقال الفراء والكسائي: هو مجزومٌ على الدعاء، وجعل رؤية العذاب نهايةً وغايةً وذلك لِعِلْمه من اللَّه أنَّ المؤمن عند رؤية العَذَاب لا ينفعه إِيمانه في ذلك الوَقْت، ولا يُخْرِجُهُ من كُفْره، ثم أجاب اللَّه دعوتهما، قال ابن عباس: العَذَاب هنا: الغَرَقُ «٤» ، وروي أن هارون كان يُؤْمِّنُ على دعاء موسَى فلذلك نَسَب الدعوة إليهما قاله محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ «٥» ، قال البخاري: وَعَدْواً: من العدوان.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ ﴾ في المُرادِ بِالذُّرِّيَّةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالذُّرِّيَّةِ: القَلِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى، ماتَ آباؤُهم لِطُولِ الزَّمانِ وآمَنُوا هم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الَّذِينَ نَشَؤُوا مَعَ مُوسى حِينَ كَفَّ فِرْعَوْنُ عَنْ ذَبْحِ الغِلْمانِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قِيلَ لِهَؤُلاءِ " ذُرِّيَّةٌ " لِأنَّهم أوْلادُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُوسى، وإنْ كانُوا بالِغِينَ.

والثّالِثُ أنَّهم قَوْمٌ، أُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وآباؤُهم مِنَ القِبْطِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

قالَ: وإنَّما سُمُّوْا ذُرِّيَّةً كَما قِيلَ لِأوْلادِ فارِسَ: الأبْناءُ، لِأنَّ أُمَّهاتِهِمْ مِن غَيْرِ جِنْسِ آبائِهِمْ.

وفي هاءِ " قَوْمِهِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى مُوسى، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إلى فِرْعَوْنَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ ﴾ أيْ: ومَلَإ فِرْعَوْنَ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: " ومَلَئِهِمْ " بِالجَمْعِ، وفِرْعَوْنُ واحِدٌ، لِأنَّ المَلِكَ إذا ذُكِرَ ذَهَبَ الوَهْمُ إلَيْهِ وإلى مَن مَعَهُ، تَقُولُ: قَدِمَ الخَلِيفَةُ فَكَثُرَ النّاسُ، تُرِيدُ: بِمَن مَعَهُ.

وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِفِرْعَوْنَ: آلَ فِرْعَوْنَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ .

وعَلى القَوْلِ الثّانِي: يَرْجِعُ ذِكْرُ المَلَإ إلى الذُّرِّيَّةِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّهُ كانَ في الذُّرِّيَّةِ مَن أبَوْهُ قِبْطِيٌّ وأُمُّهُ إسْرائِيلِيَّةٌ، فَهو مَعَ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَقُلْ: يَفْتِنُوهم، لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا عَلى مَن كانَ عَلَيْهِ.

وفي هَذِهِ الفِتْنَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها القَتْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّعْذِيبُ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُتَطاوِلٌ في أرْضِ مِصْرَ ﴿ وَإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ حِين كانَ عَبْدًا فادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ﴾ لَمّا شَكا بَنُو إسْرائِيلَ إلى مُوسى ما يُهَدِّدُهم بِهِ فِرْعَوْنُ مِن ذَبْحِ أوْلادِهِمْ، واسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ، قالَ لَهم هَذا وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تُهْلِكْنا بِعَذابٍ عَلى أيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن قِبَلِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى حَقٍّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا والقَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتَتِنُوا بِنا، لِظَنِّهِمْ أنَّهم عَلى حَقٍّ، قالَهُ أبُو الضُّحى، وأبُو مِجْلَزٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أُرْسِلَ مُوسى،أمَرَ فِرْعَوْنُ بِمَساجِدِ بَنِي إسْرائِيلَ فَخُرِّبَتْ كُلُّها، ومُنِعُوا مِنَ الصَّلاةِ،كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في الكَنائِسِ فَأُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا مَساجِدَ في بُيُوتِهِمْ ويُصَلُّونَ فِيها خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ.

" وتَبَوَّآ " مَعْناهُ: اتَّخِذا، وقَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ:٧٤) .

وفي المُرادِ بِمِصْرَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ البَلَدُ المَعْرُوفُ بِمِصْرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ الإسْكَنْدَرِّيَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وفي البُيُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها المَساجِدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والثّانِي: القُصُورُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اجْعَلُوها مَساجِدَ، رَواهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ النَّخَعِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ فِرْعَوْنَ أمَرَ بِهَدْمِ مَساجِدِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمُ: اجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً بَدَلًا مِنَ المَساجِدِ.

والثّانِي: اجْعَلُوها قِبَلَ القِبْلَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قِبَلَ مَكَّةَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: أُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوها مُسْتَقْبِلَةَ الكَعْبَةِ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ.

والثّالِثُ: اجْعَلُوها يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكُمُ الَّتِي بِالشّامِ قِبْلَةً لَكم في الصَّلاةِ، فَهي قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

فَإنْ قِيلَ: البُيُوتُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ " قِبْلَةً " عَلى التَّوْحِيدِ ؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْن الأنْبارِيِّ، فَقالَ: مَن قالَ: المُرادُ بِالقِبْلَةِ الكَعْبَةُ، قالَ: وُحِّدَتِ القِبْلَةُ لِتَوْحِيدِ الكَعْبَةِ.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ: اجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبَلًا، فاكْتَفى بِالواحِدِ عَنِ الجَمْعِ، كَما قالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكم فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ يُرِيدُ: إنّا إخْوَتُكم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وحَدَّ " قِبْلَةً " لِأنَّهُ أجْراها مَجْرى المَصْدَرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: واجْعَلُوا بُيُوتَكم إقْبالًا عَلى اللَّهِ، وقَصْدًا لَمّا كُنْتُمْ تَسْتَعْمِلُونَهُ في المَساجِدِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وحَّدَها، والمَعْنى: واجْعَلُوا بُيُوتَكم شَيْئًا قِبْلَةً، ومَكانا قِبْلَةً، ومَحَلَّةً قِبْلَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتِمُّوا الصَّلاةَ ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أنْتَ يا مُحَمَّدُ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَشِّرْهم بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا، وبِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأمْوالا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ لَهم مِن لَدُنْ فُسْطاطِ مِصْرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ جِبالٌ فِيها مَعادِنُ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وزَبَرْجَدٍ وياقُوتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ وفي لامِ " لِيُضِلُّوا " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها لامُ " كَيْ " والمَعْنى: آتَيْتَهم ذَلِكَ كَيْ يُضِلُّوا وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّها لامُ العاقِبَةِ، والمَعْنى: إنَّكَ آتَيْتَهم ذَلِكَ فَأصارَهم إلى الضَّلالِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا  ﴾ أيْ: آلَ أمْرُهم إلى أنْ صارَ لَهم عَدُوًّا، لا أنَّهم قَصَدُوا ذَلِكَ وهَذا كَما تَقُولُ لِلَّذِي كَسَبَ مالًا فَأدّاهُ إلى الهَلاكِ: إنَّما كَسَبَ فُلانٌ لِحَتْفِهِ، وهو لَمْ يَكْسِبِ المالَ طَلَبًا لِلْحَتْفِ، وأنْشَدُوا: ولِلْمَنايا تُرَبِّي كُلُّ مِرْضَعَةٍ ∗∗∗ ولِلْخَرابِ يُجِدُّ النّاسُ عُمْرانًا وَقالَ آخَرُ: ولِلْمَوْتِ تَغْذُو الوالِداتُ سِخالَها ∗∗∗ كَما لِخَرابِ الدُّورِ تُبْنى المَساكِنُ وَقالَ آخَرُ: فَإنْ يَكُنِ المَوْتُ أفْناهم ∗∗∗ فَلِلْمَوْتِ ما تَلِدُ الوالِدَهْ أرادَ: عاقِبَةُ الأمْرِ ومَصِيرُهُ إلى ذَلِكَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّها لامُ الدُّعاءِ، والمَعْنى: رَبَّنا ابْتَلِهِمْ بِالضَّلالِ عَنْ سَبِيلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّها لامُ أجْلِ، فالمَعْنى: آتَيْتَهم لِأجْلِ ضَلالَتِهِمْ عُقُوبَةً مِنكَ لَهم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ  ﴾ أيْ: لِأجْلِ إعْراضِكم، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا المُفَضَّلَ، وزَيْدٌ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " لِيُضِلُّوا " بِضَمِّ الياءِ، أيْ: لِيُضِلُّوا غَيْرَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ ﴾ رَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: " اطْمُسْ " بِضَمِّ المِيمِ، " عَلى أمْوالِهِمْ " وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها جُعِلَتْ حِجارَةً، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ، والفَرّاءُ.

وقالَ القُرَظِيُّ: جَعَلَ سُكَّرُهم حِجارَةً.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: صارَ ذَهَبُهم ودَراهِمُهُم وعَدَسُهم وكُلُّ شَيْءٍ لَهم حِجارَةً.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَسَخَ اللَّهُ النَّخْلَ والثِّمارَ والأطْعِمَةَ حِجارَةً، فَكانَتْ إحْدى الآياتِ التِّسْعِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تَطْمِيسُ الشَّيْءِ: إذْهابُهُ عَنْ صُورَتِهِ والِانْتِفاعُ بِهِ عَلى الحالِ الأُولى الَّتِي كانَ عَلَيْها.

والثّانِي: أنَّها هَلَكَتْ فالمَعْنى: أهْلَكَ أمْوالَهم، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، ومِنهُ يُقالُ: طُمِسَتْ عَيْنُهُ، أيْ: ذَهَبَتْ، وطُمِسَ الطَّرِيقُ إذا عَفا ودَرَسَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اطْبَعْ عَلَيْها، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أهْلِكْهم كُفّارًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: اشْدُدْ عَلَيْها بِالضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: قَسِّ قُلُوبَهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يُؤْمِنُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ أيْضًا، كَأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ فَلا يُؤْمِنُوا، قالَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: فَلا آمَنُوا، قالَ الأعْشى: فَلا يَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ∗∗∗ ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ مَعْناهُ: لا انْبَسَطَ ولا لَقِيتَنِي والثّانِي: أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ ، فالمَعْنى: أنَّك آتَيْتَهم لِيُضِلُّوا فَلا يُؤْمِنُوا، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنِ المُبَرِّدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الغَرَقُ، وكانَ مُوسى يَدْعُو، وهارُونُ يُؤَمِّنُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ﴾ ، وكانَ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: " دَعْوَتُكُما " وهُما دَعْوَتانِ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ الدَّعْوَةَ تَقَعُ عَلى دَعْوَتَيْنِ وعَلى دَعَواتٍ وكَلامٍ يَطُولُ كَما بَيَّنّا في (الأعْرافِ:١٥٨) أنَّ الكَلِمَةَ تَقَعُ عَلى كَلِماتٍ قالَ الشّاعِرُ: وكانَ دَعا دَعْوَةً قَوْمَهُ ∗∗∗ هَلُمَّ إلى أمْرِكم قَدْ صُرِمَ فَأوْقَعَ " دَعْوَةً " عَلى ألْفاظٍ بَيَّنَها آخِرَ بَيْتِهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعَواتُكُما، فاكْتَفى بِالواحِدِ مِن ذِكْرِ الجَمِيعِ، ذَكَرَ الجَوابَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقَدْ رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ " دَعَواتُكُما " بِالألِفِ وفَتْحِ العَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّ مُوسى هو الَّذِي دَعا، فالدَّعْوَةُ لَهُ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا أمَّنَ هارُونُ، أُشْرِكَ بَيْنَهُما في الدَّعْوَةِ، لِأنَّ التَّأْمِينَ عَلى الدَّعْوَةِ مِنها.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَقِيما ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فاسْتَقِيما عَلى الرِّسالَةِ وما أمَرْتُكُما بِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فاسْتَقِيما عَلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إلى طاعَةِ اللهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: فاسْتَقِيما في دُعائِكُما عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

والرّابِعُ: فاسْتَقِيما عَلى دِينِي، ذَكَرَهُما أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَّبِعانِّ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِتَشْدِيدِ تاءِ " تَتَّبِعانِّ " .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَخْفِيفِها مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى تَشْدِيدِ نُونِ " تَتَّبِعانِّ "، إلّا أنَّ النُّونَ الشَّدِيدَةَ دَخَلَتْ لِلنَّهْيِ مُؤَكِّدَةً، وكُسِرَتْ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ الَّتِي قَبْلَها، واخْتِيرَ لَها الكَسْرُ لِأنَّها بَعْدَ الألِفِ، فَشُبِّهَتْ بِنُونِ الِاثْنَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن خَفَضَ النُّونَ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ خَفَّفَ النُّونَ الثَّقِيلَةَ، فَإنْ شِئْتَ كانَ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، والمَعْنى الأمْرُ، كَقَوْلِهِ: " يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ " [البَقَرَةِ:٢٢٨ و٢٣٤] و ﴿ تُضارَّ والِدَةٌ  ﴾ أيْ: لا يَنْبَغِي ذَلِكَ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: " فاسْتَقِيما " تَقْدِيرُهُ: اسْتَقِيما غَيْرَ مُتَّبِعَيْنِ.

وفي المُرادِ بِسَبِيلِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الَّذِينَ يَسْتَعْجِلُونَ القَضاءَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَدْعُوَ مُوسى عَلى قَوْمِهِ ؟

فالجَوابُ: أنْ بَعْضَهم يَقُولُ: كانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ، وهو قَوْلٌ صَحِيحٌ، لِأنَّهُ لا يُظَنُّ بِنَبِيٍّ أنْ يُقْدِمَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ إلّا عَنْ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّ دُعاءَهُ سَبَبٌ لِلِانْتِقامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أتْبَعَهم وتَبِعَهم سَواءٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أتْبَعَهم: لَحِقَهم.

﴿ بَغْيًا وعَدْوًا ﴾ أيْ: ظُلْمًا.

وقَرَأ الحَسَنُ " فاتَّبَعَهم " بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ شَدَّدُوا " وعُدُّوًا " مَعَ ضَمِّ العَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " أنَّهُ " بِفَتْحِ الألِفِ، والمَعْنى: آمَنتُ بِأنَّهُ فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وصَلَ الفِعْلُ إلى " أنْ " فَنُصِبَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنَّهُ " بِكَسْرِ الألِفِ، فَحَمَلُوهُ عَلى القَوْلِ المُضْمَرِ، كَأنَّهُ قالَ: آمَنتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ إيمانَهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَنَحَ فِرْعَوْنُ إلى التَّوْبَةِ حِينَ أُغْلِقَ بابُها لِحُضُورِ المَوْتِ ومُعايَنَةِ المَلائِكَةِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿ آلآنَ ﴾ أيْ: الآنَ تَتُوبُ وقَدْ أضَعْتَ التَّوْبَةَ في وقْتِها، ﴿ وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ بِالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ؟

والمُخاطِبُ لَهُ بِهَذا كانَ جِبْرِيلُ.

وجاءَ في الحَدِيثِ أنَّ جِبْرِيلَ جَعَلَ يَدُسُّ الطِّينَ في فَمِ فِرْعَوْنَ خَشْيَةَ أنْ يُغْفَرَ لَهُ.

قالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، وكانَ يَذْكُرُ اللَّهَ، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ سَألَ اللَّهَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ ﴿ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  ﴾ ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ " نُنْجِيكَ " مُخَفَّفَةً.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ، مِنهم يُونُسُ وأبُو عُبَيْدَةَ: نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أيْ: ارْتِفاعٍ، لِيَصِيرَ عَلَمًا أنَّهُ قَدْ غَرِقَ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " نُنَحِّيكَ " بِحاءٍ.

وفي سَبَبِ إخْراجِهِ مِنَ البَحْرِ بَعْدَ غَرَقِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مُوسى وأصْحابَهُ لَمّا خَرَجُوا، قالَ مَن بَقِيَ مِنَ المَدائِنِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ما أُغْرِقَ فِرْعَوْنُ، ولَكِنَّهُ هو وأصْحابَهُ يَتَصَيَّدُونَ في جَزائِرِ البَحْرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ فِرْعَوْنَ عُرْيانًا، فَكانَتْ نَجاةَ عِبْرَةٍ، وأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى البَحْرِ: أنِ الفِظْ ما فِيكَ، فَلَفَظَهُمُ البَحْرُ بِالسّاحِلِ، ولَمْ يَكُنْ يَلْفِظُ غَرِيقًا، فَصارَ لا يَقْبَلُ غَرِيقًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أصْحابَ مُوسى قالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ ما غَرِقَ، ولا نُؤْمِنُ بِهَلاكِهِ، فَدَعا مُوسى رَبَّهُ، فَأخْرَجَهُ حَتّى أيْقَنُوا بِهَلاكِهِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ قَيْسُ بْنُ عُبادٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا قالَ بَنُو إسْرائِيلَ: لَمْ يَغْرَقْ فِرْعَوْنُ، دَعا مُوسى، فَخَرَجَ فِرْعَوْنُ في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ الحَدِيدُ، فَأخَذَتْهُ بَنُو إسْرائِيلَ يُمَثِّلُونَ بِهِ.

وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّهُ إنَّما أُخْرِجَ مِنَ البَحْرِ وحْدَهُ دُونَ أصْحابِهِ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَذَّبَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ بِغَرَقِهِ، فَرَمى بِهِ البَحْرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ حَتّى رَآهُ بَنُو إسْرائِيلَ قَصِيرًا أحْمَرَ كَأنَّهُ ثَوْرٌ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: عَرَفَهُ بَنُو إسْرائِيلَ بِدِرْعٍ كانَ لَهُ مِن لُؤْلُؤٍ لَمْ يَكُنْ لِأحَدِ مِثْلُها.

فَأمّا وجْهُهُ فَقَدْ غَيَّرَهُ سُخْطُ اللَّهِ تَعالى.

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَبٌّ، وكانَ يَعْبُدُهُ قَوْمٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ، فَأغْرَقَهُ وأصْحابَهُ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مِن بَيْنِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِجَسَدِكَ مِن غَيْرِ رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وذِكْرُ البَدَنِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الرَّوْحِ.

والثّانِي: بِدِرْعِكَ، قالَهُ أبُو صَخْرٍ.

وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ كانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِن لُؤْلُؤٍ، وقِيلَ: مِن ذَهَبٍ، فَعُرِفَ بِدِرْعِهِ.

والثّالِثُ: نُلْقِيكَ عُرْيانًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: نُنَجِّيكَ وحْدَكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِتَكُونَ لِمَن بَعْدَكَ في النَّكالِ آيَةً لِئَلّا يَقُولُوا مِثْلَ مَقالَتِكَ، فَإنَّكَ لَوْ كُنْتَ إلَهًا ما غَرِقْتَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " خَلْفَكَ " بِمَعْنى بَعْدَكَ، والآيَةُ: العَلامَةُ.

والثّانِي: لِتَكُونَ لِبَنِي إسْرائِيلَ آيَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: لِمَن تَخَلَّفَ مِن قَوْمِهِ، لِأنَّهم أنْكَرُوا غَرَقَهُ عَلى ما ذَكَرْنا في أوَّلِ الآيَةِ، فَخَرَجَ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِبْرَةٌ لِلنّاسِ.

والثّانِي: عَلامَةٌ تَدُلُّ عَلى غَرَقِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الآيَةُ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَبٌّ، فَبانَ أمْرُهُ، وأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أصْحابِهِ لَمّا غَرِقُوا.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ " لِمَن خَلَقَكَ " بِالقافِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأوحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَلاةَ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأمْوالا في الحَياةِ الدُنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عن سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ ﴿ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ أخافَ بَنِي إسْرائِيلَ وهَدَمَ لَهم مَواضِعَ كانُوا اتَّخَذُوها لِلصَّلاةِ ونَحْوِ هَذا، فَأوحى اللهُ إلى مُوسى وهارُونَ أنِ اتَّخَذا وتَخَيَّرا لِبَنِي إسْرائِيلَ بُيُوتًا بِمِصْرَ، قالَ مُجاهِدٌ: مِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، ومِصْرُ ما بَيْنَ البَحْرِ إلى أسْوانَ، والإسْكَنْدَرِيَّةُ مِن أرْضِ مِصْرَ، و"تَبَوَّءا" مَعْناهُ: كَما قُلْنا: تَخَيَّرا واتَّخِذا، وهي لَفْظَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في الأماكِنِ وما يُشَبَّهُ بِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: لَها أمْرُها حَتّى إذا ما تَبَوَّأتْ ∗∗∗ لِأقْحافِها مَرْعًى تَبَوَّأ مَضْجَعا وهَذا البَيْتُ لِلرّاعِي، وبِهِ سُمِّيَ الراعِي، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: يَتَبَوَّءُونَ مَقاعِدًا لِقِتالِكم ∗∗∗ ∗∗∗ كَلُيُوثِ غابٍ لَيْلُهُنَّ زَئِيرُ وقَرَأ الناسُ: "تَبَوَّءا" بِهَمْزَةٍ عَلى تَقْدِيرِ (.....)، وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: "تَبَوَّيا"، وهَذا تَسْهِيلٌ لَيْسَ بِقِياسِيٍّ، ولَوْ جَرى عَلى القِياسِ لَكانَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والألِفِ، وقَوْلُهُ: ﴿ قِبْلَةً ﴾ مَعْناهُ: مَساجِدَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ، وغَيْرُهُمْ، قالُوا: خافُوا فَأُمِرُوا بِالصَلاةِ في بُيُوتِهِمْ، وقِيلَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأوَّلُ أصْوَبُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مُوَجَّهَةٌ إلى القِبْلَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِن هَذا حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ بُيُوتِكم ما اسْتُقْبِلَ بِهِ القِبْلَةَ"»، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأقِيمُوا الصَلاةَ ﴾ خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، هَذا قَبْلَ نُزُولِ التَوْراةِ لِأنَّها لَمْ تَنْزِلْ إلّا بَعْدَ إجازَةِ البَحْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أمْرٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وقالَ مَكِّيٌّ، والطَبَرِيُّ: هو أمْرٌ لِمُحَمَّدٍ  ، وهَذا غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ مُوسى ﴾ الآيَةُ، غَضَبٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى القِبْطِ وَدُعاءٌ عَلَيْهِمْ، فَقَدَّمَ لِلدُّعاءِ تَقْرِيرَ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ وكُفْرِهِمْ بِها.

و"آتَيْتَ" مَعْناهُ: أعْطَيْتَ ومَلَّكْتَ، وتَكَرَّرَ قَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا ﴾ اسْتِغاثَةٌ، كَما يَقُولُ الداعِي بِاللهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لامَ كَيْ عَلى بابِها، عَلى مَعْنى: آتَيْتَهُمُ الأمْوالَ إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا، فَكانَ الإيتاءُ كَيْ يَضِلُّوا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَيْرُورَةِ والعاقِبَةِ، كَما قالَ: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا  ﴾ ، والمَعْنى: آتَيْتَهم ذَلِكَ فَصارَ أمْرُهم إلى كَذا، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هو دُعاءٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ، أيْ: رَبَّنا لِيَضِلُّوا فَعَلْتَ ذَلِكَ؟

وفي هَذا تَقْرِيرُ الشُنْعَةِ عَلَيْهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: "لِيَضِلُّوا" بِفَتْحِ الياءِ عَلى مَعْنى: لِيَضِلُّوا في أنْفُسِهِمْ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وعِيسى، والحَسَنُ، والأعْرَجُ -بِخِلافٍ عنهُ-: "لِيُضِلُّوا" بِضَمِّ الياءِ، عَلى مَعْنى: لِيُضِلُّوا غَيْرَهُمْ، وقَرَأ الشَعْبِيُّ: "لِيِضِلُّوا" بِكَسْرِ الياءِ.

وقَرَأ الشَعْبِيُّ أيْضًا، وغَيْرُهُ: "اطْمُسْ" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "اطْمِسْ" بِكَسْرِ المِيمِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: طَمَسَ يَطْمِسُ ويَطْمُسُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقِراءَةُ الناسِ بِكَسْرِ المِيمِ، والضَمُّ لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ، ومَعْناهُ: عَفَّ وغَيَّرَ، وهو مِن طُمُوسِ الأثَرِ والعَيْنِ وطَمْسِ الوُجُوهِ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِفْرَيِّ إذا عَرِقَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ وَرُوِيَ أنَّهم حِينَ دَعا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِهَذِهِ الدَعْوَةِ رَجَعَ سُكَّرُهم حِجارَةً، وزادُهم ودَنانِيرُهم وحُبُوبُهم مِنَ الأطْعِمَةِ رَجَعَتْ حِجارَةً، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: أهْلَكَها ودَمَّرَها، ورُوِيَ أنَّ الطَمْسَةَ مِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ التِسْعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ بِمَعْنى: اطْبَعْ واخْتِمْ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ، ولَمّا أشارَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى رَسُولِ اللهِ  بِقَتْلِ أسْرى بَدْرٍ شَبَّهَهُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في دُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، وبِنُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا يُؤْمِنُوا ﴾ مَذْهَبُ الأخْفَشِ وغَيْرِهِ أنَّ الفِعْلَ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "لِيُضِلُّوا"، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ في جَوابِ الأمْرِ، وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: هو مَجْزُومٌ عَلى الدُعاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلا يَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ وجَعَلَ رُؤْيَةَ العَذابِ نِهايَةً وغايَةً، وذَلِكَ لِعِلْمِهِ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى أنَّ المُؤْمِنَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولا يُخْرِجُهُ مِن كُفْرِهِ، ثُمَّ أجابَ اللهُ هَذِهِ الدَعْوَةَ في فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَذابُ هُنا: الغَرَقُ، وقَرَأ الناسُ: "دَعْوَتُكُما"، وقَرَأ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ: "دَعَواتُكُما"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جَرِيجٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، والضَحّاكِ أنَّ الدَعْوَةَ لَمْ تَظْهَرْ إجابَتُها إلّا بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً.

وحِينَئِذٍ كانَ الغَرَقُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأُعْلِما أنَّ دُعاءَهُما صادَفَ مَقْدُورًا، وهَذا مَعْنى إجابَةِ الدُعاءِ، وقِيلَ لَهُما: ( لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )، أيْ في أنْ تَسْتَعْجِلا قَضائِي فَإنَّ وعْدِي لا خُلْفَ لَهُ، وقَوْلُهُ: "دَعْوَتُكُما" ولَمْ يَتَقَدَّمِ الدُعاءُ إلّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ورُوِيَ أنَّ هارُونَ كانَ يُؤَمِّنُ عَلى دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، نُسِبَ الدَعْوَةُ إلَيْهِما، وقِيلَ: كَنّى عَنِ الواحِدِ بِلَفْظِ التَثْنِيَةِ، كَما قالَ: قِفا نَبْكِ.............

∗∗∗ ∗∗∗.......................

ونَحْوُ هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الآيَةَ تَتَضَمَّنُ بَعْدُ مُخاطَبَتَهُما مِن غَيْرِ شَيْءٍ، قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: "رَبَّنا" دالُّ عَلى أنَّهُما دَعَوا مَعًا، وقَوْلُهُ: "فاسْتَقِيما" أيْ عَلى ما أُمِرْتُما بِهِ مِنَ الدُعاءِ إلى اللهِ.

وأُمِرا بِالِاسْتِقامَةِ وهُما عَلَيْها لِلْإدامَةِ والتَمادِي.

وقَرَأ نافِعٌ والناسُ: "تَتَّبِعانِّ" بِشَدِّ التاءِ والنُونِ عَلى النَهْيِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ ذَكْوانَ: "تَتْبَعانِّ" بِتَخْفِيفِ التاءِ وشَدِّ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ أيْضًا: "تَتَّبِعانِ" بِشَدِّ التاءِ وتَخْفِيفِ النُونِ وكَسْرِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَتْبَعانْ" بِتَخْفِيفِها وسُكُونِ النُونِ، رَواهُ الأخْفَشُ الدِمَشْقِيُّ عن أصْحابِهِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، فَأمّا شَدُّ النُونِ فَهي النُونُ الثَقِيلَةُ حُذِفَتْ مَعَها نُونُ التَثْنِيَةِ لِلْجَزْمِ، كَما تُحْذَفُ مَعَها الضَمَّةُ في "لَتَفْعَلَنَّ" حَيْثُ بُنِيَ الفِعْلُ مَعَها عَلى الفَتْحِ، وإنَّما كُسِرَتْ هَذِهِ النُونُ الثَقِيلَةُ بَعْدَ ألِفِ التَثْنِيَةِ.

وأمّا تَخْفِيفُها فَيَصِحُّ أنْ تَكُونَ الثَقِيلَةُ خُفِّفَتْ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ نُونَ التَثْنِيَةِ ويَكُونَ الكَلامُ خَبَرًا مَعْناهُ الأمْرُ، أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ تَتَّبِعا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ حالًا مِن:فاسْتَقِيما" كَأنَّهُ قالَ: غَيْرَ مُتَّبِعَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والعَطْفُ يُمانِعُ في هَذا فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف بقية ما جرى في القصة مما فيه عبرة وموعظة.

وهذا مقدمة لخبر خروج موسى ومَن معه من أرض مصر.

فهذه المقدمة لتعريف كرامة موسى عليه السلام على ربه بأن استجاب له دعاءه، وأنفذ برسالته مُراده تعالى من إنقاذ بني إسرائيل من الاستعباد.

ومهَّد موسى لدعائه تمهيداً يدل على أن ما سأله من الله لزجر فرعون وملئه إنما هو لمصلحة الدين لا للانتقام منه لقومه ولنفسه، فسأل الله سلب النعمة عن فرعون وملئه وحلولَ العذاب بهم لخضد شوكتهم وتذليل تجبرهم ليرجعوا عن ضلالهم ويسهل قبولهم الإيمان.

ولما كانت النعمة مغرية بالطغيان لأهل الجهالة والخباثة جعل موسى إمداد فرعون بالنعمة مغرياً لفرعون بالاسترسال على الإعراض عن الدين فكان دعاء موسى عليهم استصلاحاً لهم وتطلباً لإيمانهم بوسائل التشديد عليهم، ولكن الله علم من قلوبهم ما لم يعلمه موسى وقضى عليهم بالاستئصال.

وافتتح الدعاءُ بالنداء لمناسبته لمقام الدعاء.

ونودي الله بوصف الربوبية تذللاً لإظهار العبودية.

وقوله: ﴿ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ توطئة للدعاء عليهم فليس المقصود به حقيقة الإخبار ضرورة أن موسى يوقن بأن الله يعلم ذلك فتعين أن الخبر مستعمل في التمهيد لطلب سلب النعمة عنهم في قوله: ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ .

ثم الانتقال إلى الدعاء بسلب ما أوتوه.

فاقتران الخبر بحرف (إنّ) في قوله: ﴿ إنَّك آتيت فرعون ﴾ الخ مقصود به الاهتمام بهذا المعنى الذي استعمل فيه الخبر إذ ليس المقام مقام دفع تردد أو دفع إنكار.

وقد تردد المفسرون في محل اللام في قوله: ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ .

والذي سلكه أهل التدقيق منهم أن اللام لام العاقبة.

ونُقل ذلك عن نحاة البصرة: الخليل وسيبويه، والأخفش، وأصحابهما، على نحو اللام في قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ [القصص: 8] فاللام الموضوعة للتعليل مستعارة لمعنى الترتب والتعقيب الموضوع له فاء التعقيب على طريقة الاستعارة التبعية في متعلق معنى الحرف فشبه ترتب الشيء على شيء آخر ليس علةً فيه بترتب المعلول على العلة للمبالغة في قوة الترتب حتى صار كأنه مقصود لمن ظهر عنده أثره، فالمعنى: إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً فضلوا بذلك وأضلوا.

وللمفسرين وجوه خمسة أخرى: أحدها: أن يكون للتعليل، وأن المعنى: إنك فعلت ذلك استدراجاً لهم، ونسب إلى الفراء، وفسر به الطبري.

الثاني: أن الكلام على حذف حرف، والتقدير: لئَلا يضلوا عن سبيلك أي فضلُّوا.

حكاه الفخر.

الثالث: أن اللام لام الدعاء.

روي هذا عن الحسن.

واقتصر عليه في «الكشاف».

وقاله ابن الأنباري.

وهو أبعد الوجوه وأثقلها.

الرابع: أن يكون على حذف همزة الاستفهام.

والتقدير: أليضلوا عن سبيلك آتيناهم زينة وأموالاً تقريراً للشنعة عليهم، قاله ابن عطية.

ويكون الاستفهام مستعملاً في التعجب، قاله الفخر.

الخامس: تأويل معنى الضلال بأنه الهلاك، قاله الفخر.

وهي وجوه ضعيفة متفاوتة الضعف فلا نطيل بتقريرها.

والزينة: ما يتزين به الناس، وما يحسن في أنظارهم من طرائف الدنيا، كالحلي والجواهر والمباني الضخمة.

قال تعالى: ﴿ زيَّن للناس حب الشهوات ﴾ [آل عمران: 14] وقال: ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا ﴾ [الكهف: 46] وقال: ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ﴾ [النحل: 6].

والأموال: ما به قوام المعاش، فالزينة تلهيهم عن اتباع المواعظ، وتعظّم شأنهم في أنظار قومهم، والأموال يسخِّرون بها الرعيَّة لطاعتهم، وقد كان للفراعنة من سعة الرزق ورفاعية العيش ما سار ذكره في الآفاق.

وظهرت مُثل منه في أهرامهم ونواويسهم.

وأعيد النداء بين الجملة المعلِّلة والجملة المعلَّلة لتأكيد التذلل والتعرض للإجابة ولإظهار التبرؤ من قَصد الاعتراض.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب ﴿ ليَضلوا ﴾ بفتح الياء.

وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بضم الياء على معنى سعيهم في تضليل الناس.

والمعنى الحاصل من القراءتين متحد لأنهم إذا ضَلوا في أنفسهم وهم قادة قومهم كان ضلالهم تضليلاً لغيرهم، وكذلك إذا أضلوا الناس فإنهم ما أضلوهم إلا وهم ضالون مثلهم.

وقد علمت آنفاً أن الزينة سبب ضلالهم والأموال سبب إضلال الناس.

وأعيد النداء ثالثَ مرة؛ لزيادة تأكيد التوجه والتضرع.

وجملة: ﴿ اطمس على أموالهم ﴾ هي المقصود من هذا الكلام، والنداء يقوم مقام وصل الجملة بما قبلها بمنزلة حرف العطف.

والطمْس: المَحْو والإزالة.

وقد تقدم في قوله: ﴿ من قبل أن نَطْمس وجوهاً ﴾ في سورة [النساء: 47].

وفعله يتعدى بنفسه كما في آية سورة النساء، ويُعدى بحرف (على) كما هنا.

وقوله تعالى: ﴿ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ﴾ في سورة [يس: 66].

ولعل تعديته ب (على) لإرادة تمكن الفعل من المفعول، أو لتضمين الطمس معنى الاعتلاء بآلة المحو والإزالة، فطمس الأموال إتلافها وإهلاكها.

وأما قوله: واشدد} فأحسب أنه مشتق من الشد، وهو العسر.

ومنه الشدة للمصيبة والتحرج، ولو أريد غير ذلك لقيل: واطبع، أو واختم، أو نحوهما، فيكون شدّ بمعنى أدخل الشدّ أو استعمله مثل جَد في كلامه، أي استعمَل الجد.

وحرف (على) مستعار لمعنى الظرفية استعارة تبعية لإفادة تمكن الشدة.

والمعنى: أدخل الشدة في قلوبهم.

والقلوب: النفوس والعقول.

والمعنى: أنه يدعو عليهم بالأنكاد والأحزان التي تجعل قلوبهم في ضيق وحرج أي اجعلهم في عناء وبلبلة بال ما داموا في الكفر.

وهذا حرص منه عليه السلام على وسائل هدايتهم رجاء أنهم إذا زالت عنهم النعم وضاقت صدورهم بكروب الحياة تفكروا في سبب ذلك، فعجَّلوا بالنَّوبة إلى الله كما هو معتاد النفوس الغافلة قال تعالى: ﴿ وإذا مسّ الإنسان ضر دعا ربَّه منيباً إليه ﴾ [الزمر: 8].

ويجوز أن يكون ﴿ اشدد ﴾ من الشد، وهو الهجوم.

يقال: شد عليه، إذا هجم، وذلك أن قلوبهم في حالة النعمة والدعة آمنة ساكنة فدعا الله أن يشد عليهم بعذابه، تمثيلاً لحال إصابة نفوسهم بالأكدار والأحزان بحال من يَشُد على عدوّه ليقتله وهو معنى قوله تعالى: ﴿ وأجْلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ [الإسراء: 64] أي طوّعهم لحكمك وسَخّرهم.

وبهذا يظهر أن موقع الفاء في قوله: ﴿ فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ أن تكون فاء السببية في جواب الدعاء، أي افعَلْ بهم ذلك ليؤمنوا.

والفعل منصوب بأن مضمرة إضماراً واجباً بعد فاء السببية.

فقوله: ﴿ فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ﴾ في قوة أن يقال: فيؤمنوا حين يرون العذاب لا قَبْل ذلك.

وإنما عدل عن إيقاع جواب الدعاء بصيغة إثبات الإيمان، إلى إيراده بصيغة نفي مُغيّا بغاية هي رؤية العذاب سلوكاً لأسلوب بديع في نظم الكلام لأنه أراد أن يجمع بين ترتيب الجواب على الدعاء وبين ما استبان له من طبع نفوسهم بطبع أنهم لا تنفع فيهم الحجج وأن قساوة قلوبهم وشراسة نفوسهم لا تذللها إلا الآلام الجسدية والنفسانية، وكل ذلك علاجٌ بما هو مظنة إيصالهم من طرق الضغط والشدة حيث لم تُجْد فيهم وسائل الحجة، فقال: ﴿ فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ أي أن شأنهم ذلك، وهذا إيجاز بديع إذ جمع في هذا التركيب جواب الدعاء وبيانَ علة الدعاء عليهم بذلك.

وأصل الكلام: فيؤمنوا فإنهم لا يؤمنون إلا إذا رأوا العذاب الأليم.

والمقصود من جواب فعل الدعاء هو غاية الجواب التي بعد حتى، فتلك هي مصب الجواب.

وهذا الوجه في تفسير الآية وجه لا ترهقه غبرة الإشكال، ولا يعسر معه المنال، ويجوز أن يكون قوله: ﴿ فلا يومنوا ﴾ الخ عطفاً على قوله: ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ وجملة الدعاء بينهما معترضة.

والمعنى: ليضلوا عن سبيلك فيستمر ضلالهم حتى يروا العذاب الأليم.

وهذا تأويل المبرد والزجاج.

والمراد بالعذاب الأليم عذاب الفقر والجوع وعذاب النكد في النفس.

والرؤية مستعملة في الإحساس على وجه المجاز المرسل، أو مستعملة كناية عن حلول العذاب بهم لأن المشاهدة ملازمة لحلول الشيء المشاهد.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ ﴾ أيْ أهْلِكْها، قالَهُ قَتادَةُ.

فَذَكَرَ لَنا أنَّ زُرُوعَهم وأمْوالَهم صارَتْ حِجارَةً مَنقُوشَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالضَّلالَةِ لِيَهْلِكُوا كُفّارًا فَيَنالُهم عَذابُ الآخِرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِإعْمائِها عَنِ الرُّشْدِ.

الثّالِثُ: بِالمَوْتِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الرّابِعُ: اجْعَلْها قاسِيَةً.

﴿ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هو الغَرَقُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: دَعا مُوسى وأمَّنَ هارُونُ فَسُمِّيَ هارُونُ وقَدْ أمَّنَ عَلى الدُّعاءِ داعِيًا، والتَّأْمِينُ عَلى الدُّعاءِ أنْ يَقُولَ آمِينَ.

واخْتُلِفَ في مَعْنى آمِينَ بَعْدَ الدُّعاءِ وبَعْدَ فاتِحَةِ الكِتابِ في الصَّلاةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّ آمِينَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وفِيهِ حَرْفُ النِّداءِ مُضْمَرٌ وتَقْدِيرُهُ يا آمِينُ اسْتَجِبْ دُعاءَنا.

الثّالِثُ: ما رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (آمِينَ خاتَمُ رَبِّ العالَمِينَ عَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ» يَعْنِي أنَّها تَمْنَعُ مِن وُصُولِ الأذى والضَّرَرِ كَما يَمْنَعُ الخَتْمُ مِنَ الوُصُولِ إلى المَخْتُومِ عَلَيْهِ.

وَفَرَّقَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْنى آمِينَ بَيْنَ وُرُودِهِ بَعْدَ الدُّعاءِ وبَيْنَ وُرُودِهِ بَعْدَ فاتِحَةِ الكِتابِ فَقالَ: مَعْناهُ بَعْدَ الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، ومَعْناهُ بَعْدَ الفاتِحَةِ: كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ جُرَيْجٍ: وأخَّرَ فِرْعَوْنَ بَعْدَ إجابَتِهِ دَعْوَتَهُما أرْبَعِينَ سَنَةً.

﴿ فاسْتَقِيما ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فامْضِيا لِأمْرِي فَخَرَجا في قَوْمِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: فاسْتَقِيما في دَعْوَتِكُما عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وحَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَقِيلَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ نَبِيٌّ عَلى قَوْمِهِ إلّا بِإذْنٍ لِأنَّ دُعاءَهُ مُوجِبٌ لِحُلُولِ الِانْتِقامِ وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن يَتُوبُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ يقول: دمر على أموالهم وأهلكها ﴿ واشدد على قلوبهم ﴾ قال: إطبع ﴿ فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ وهو الغرق.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: سألني عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عن قوله: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ فأخبرته أن الله طمس على أموال فرعون وآل فرعون حتى صارت حجارة.

فقال عمر: كما أنت حتى آتيك.

فدعا بكيس مختوم ففكه فإذا فيه الفضة مقطوعة كأنها الحجارة، والدنانير والدراهم وأشباه ذلك من الأموال حجارة كلها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ اطمس على أموالهم ﴾ قال: أهلكها ﴿ واشدد على قلوبهم ﴾ قال: بالضلالة ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ بالله فيما يرون من الآيات ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ قال: بلغنا أن زروعهم وأموالهم تحوّلت حجارة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ قال: صارت دنانيرهم ودراهمهم ونحاسهم وحديدهم حجارة منقوشة ﴿ واشدد على قلوبهم ﴾ يقول: أهلكهم كفاراً.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ قال: صارت حجارة.

وأخرج أبو الشيخ عن القرظي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ قال: اجعل سكرهم حجارة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ، قال ابن عباس: كان لهم من لدن فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب وفضة وزبرجد وياقوت (١) ﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ ، اختلفوا في هذه اللام؛ فقال الفراء: (إنها (٢) (٣) وققال الأخفش: اللام في ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ إنما هو لما يؤول إليه الأمر، والمعنى: إنك آتيت فرعون وملأه زينة فضلوا، كما أن معنى ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا  ﴾ أي: فكان كذلك (٤) (٥) قال الزجاج: المعنى: أصارهم ذلك إلى الضلال، كما قال: ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا  ﴾ أي: فالتقطوه (٦) (٧) (٨) ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ من الإضلال فقد ذكرنا وجه ذلك في قوله: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ ﴾ سورة الأنعام [119].

وقال ابن الأنباري: هذه لام الدعاء، وهي مكسورة تجزم المستقبل ويفتتح به (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ﴾ ، ذكرنا معنى الطمس عند قوله: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ﴾ (١٤) قال الأزهري فيما روى عن شمر: ويكون الطموس بمنزلة المسخ للشيء، قال الله: ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ﴾ قالوا: صارت حجارة (١٥) وهذا قول ابن عباس (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال القرظي: جعل سكرهم (٢٥) وقال قتادة: بلغنا أن حروثًا لهم صارت حجارة.

وقال السدي: مسخ الله أموالهم حجارة؛ النخل والثمار والدقيق والأطعمة (٢٦) وقال عطاء عن ابن عباس: لم يبق لهم معدن إلا [طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد (٢٧) قال الزجاج: تأويل طمس الشيء: إذهابه عن] (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: امنعهم عن الإيمان (٣١) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا ﴾ ، قال المبرد: هو عطف على قوله: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ أي: ربنا إنك آتيتهم ليضلوا فلا يؤمنوا (٣٣) وهذا اختيار أبي علي، قال: هو عطف على النصب الحادث من اللام في ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ ، وما بين ذلك من قوله: ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ﴾ اعتراض (٣٤) ﴿ آتَيْتَ ﴾ وما يتصل به، وهذا الضرب من الاعتراض كثير (٣٥) وقال الفراء (٣٦) (٣٧) ﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا ﴾ دعاء عليهم كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.

[قال ابن الأنباري: والتأويل فلا آمنوا (٣٨) (٣٩) (٤٠) ﴿ يُؤْمِنُوا ﴾ على هذا التأويل جزم بـ (لا) قال الأعشى: فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ...

ولا تلقني إلا وأنفك راغم (٤١) قال أبو بكر: ويجوز أن يكون ﴿ يُؤْمِنُوا ﴾ في موضع جزم بالنسق على (يضلوا)، و (يضلوا) منجزم بلام الدعاء (٤٢) وقال الفراء: وإن شئت جعلت ﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا ﴾ جوابًا لمسألة موسى  لأن المسألة خرجت على لفظ الأمر، فـ (لا يؤمنوا) (٤٣) (٤٤) يا ناق سيري عنقًا فسيحًا ...

إلى سليمان فنستريحا (٤٥) قال ابن الأنباري: وذهب بعض الناس إلى أن معنى قوله: ﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا ﴾ فلن يؤمنوا، فأبدلت الألف من النون الخفيفة [وهذا خطأ لأن النون الخفيفة] (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ يريد الغرق (٤٧) (٤٨) (٤٩) (١) "الوسيط" 2/ 557، "زاد المسير" 4/ 55.

(٢) ساقط من (ى).

(٣) اهـ.

كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 477.

(٤) كتاب "معاني القرآن" للأخفش 1/ 377 بمعناه.

(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 30، "معاني القرآن الكريم" للنحاس 3/ 310، "إعراب القرآن" له 2/ 72 - 73، "الحجة للقراء السبعة" 3/ 291، 395.

(٦) في (ى): (فالتقطه)، والمثبت موافق للمصدر وهو الصواب.

(٧) اهـ.

كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 30.

(٨) قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بضم الياء من الفعل (أضل)، وقرأ الباقون بفتحها من الفعل (ضل).

انظر: "الغاية" ص 149، " إرشاد المبتدي" ص 3174، "النشر" 2/ 262، "إتحاف فضلاء البشر" ص 253.

(٩) هكذا في جميع النسخ، والأولى بالسياق أن يقول: بها.

(١٠) في (ح) و (ز): (للمؤمنين).

(١١) في (م): (تاويله).

(١٢) في (ح) و (ز): (سبيله).

(١٣) انظر قول ابن الأنباري في: "زاد المسير" 4/ 56.

(١٤) وهذه الآية مع تسع آيات مفقودة في النسخ التي بين يدي.

(١٥) اهـ.

كلام شمر، انظر: "تهذيب اللغة" (طمس) 3/ 2218.

(١٦) رواه الثعلبي 7/ 24 أ، والبغوي 4/ 147.

(١٧) رواه الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/ 296، وابن جرير 11/ 158، وابن أبي حاتم 6/ 1979، والثعلبي 7/ 24 أ، والبغوي 4/ 147.

(١٨) رواه ابن جرير 11/ 158، وابن أبي حاتم 6/ 1979، والثعلبي 7/ 24 أ، والبغوي 4/ 147.

(١٩) المصادر السابقة، عدا ابن جرير.

(٢٠) رواه ابن جرير 11/ 158، والثعلبي 7/ 24 ب، ولفظه: طمس على أموالهم فصارت حجارة ذهبهم ودراهمهم وعدسهم وكل شيء، وانظر التعليق الآتي على قول السدى.

(٢١) رواه ابن جرير 11/ 157.

(٢٢) رواه ابن جرير في الموضع السابق، وابن أي حاتم 6/ 1979.

(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢٤) انظر تخريج هذا الأثر والآثار التالية في التعليقات السابقة.

(٢٥) بضم السنن وتشديد الكاف، وهو معروف، أو بفتح السين والكاف من غير شديد، وهو نقيع التمر الذي لم تمسه النار، أو الخمر، أو النبيذ، وكان إبراهيم والشعبي وأبو رزين يقولون: السَّكَر: خمر.

وقال أبو عبيدة: الطعام.

واحتج بقول الآخر: جعلت أعراض الكرام سكرا انظر: "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1719، "التكملة والذيل والصلة" (سكر) 3/ 33، "لسان العرب" (سكر) 4/ 2047.

(٢٦) الظاهر أن هذا القول وما في معناه مما تلقاه المفسرون عن أهل الكتاب، ولو صح ما ذكره السدي وابن زيد لهلكوا، ومعلوم أن هلاكهم كان غرقًا في اليم، ثم إن قوله تعالى: ﴿ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ  ﴾ يدل على بطلان القول بعموم مسخ أموالهم وطعامهم وزروعهم، ولم يرد دليل صحيح على مسخ البعض، وعلى ضوء ذلك فالراجح ما رواه ابن جرير 11/ 158، عن ابن عباس ومجاهد بأن معنى الآية: دمر عليهم وأهلك أموالهم، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ  ﴾ ، وكشف الرجز عنهم يبين وجه الجمع بين الآيات الدالة على هلاك أموالهم والآيات الدالة على بقائها بعد غرقهم.

(٢٧) ذكره القرطبي 8/ 374، وأبو حيان 5/ 187، وانظر التعليق السابق.

(٢٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).

(٢٩) في (ى): (عليه).

(٣٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 31، والطمس في اللغة: الدروس والانمحاء، وطمس الكواكب: ذهاب نورها.

انظر: "اللسان" (طمس).

(٣١) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 557، والقرطبي 8/ 374، وأبو حيان 5/ 187، ورواه بمعناه ابن جرير 11/ 581، وابن أبي حاتم 6/ 1979.

(٣٢) لكن وفق حكمته وعدله كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ  ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ .

(٣٣) ذكر قول المبرد هذا: الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 31، وانظر: "زاد المسير" 4/ 57.

(٣٤) ساقط من (ى).

(٣٥) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 395.

(٣٦) "معاني القرآن" 1/ 477 واللفظ له.

(٣٧) "معاني القرآن وإعرابه"، ولفظه: فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، دعاء أيضًا عليهم.

(٣٨) من (م) وفي بقية النسخ: فلا يؤمنوا، وما أثبته موافق للمصدر التالي.

(٣٩) "زاد المسير" 4/ 57.

(٤٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٤١) البيت للأعشى الكبير من قصيده يهجو بها يزيد بن مسهر الشيباني، انظر: "ديوانه" ص 178، "زاد المسير" 4/ 57، "لسان العرب" (زوى) 3/ 1894.

(٤٢) ساقط من (ى).

(٤٣) عبارة الفراء: فتجعل (فلا يؤمنوا) في موضع نصب.

(٤٤) هو: أبو النجم العجلي يمدح سليمان بن عبد الملك، انظر: "الدرر اللوامع" 3/ 52، "كتاب سيبويه" 3/ 35، "لسان العرب" (نفخ) 8/ 4495، و (عنق) 5/ 3134، والعنق: ضرب من السير.

انظر: "لسان العرب" (عنق).

(٤٥) اهـ.

كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 478.

(٤٦) ما بين المعقومن ساقط من عدا (م).

(٤٧) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 158، والثعلبي 7/ 24 ب.

(٤٨) رواه ابن جرير 11/ 160، ورواه أيضاً ابن أبي حاتم 6/ 1980، من رواية عطية العوفي.

(٤٩) رواه ابن جرير 11/ 160، وبنحوه ابن أبي حاتم 6/ 1980، من رواية علي بن أبي طلحة الوالبي.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ دعاء بلفظ الأمر، وقيل: اللام لام كي وتتعلق بقوله: آتيت ﴿ اطمس على أموالهم ﴾ أي أهلكها ﴿ واشدد على قُلُوبِهِمْ ﴾ أي اجعلها شديدة القسوة ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُواْ ﴾ جواب للدعاء الذي هو اشدد، ودعاء بلفظ النفي.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع: يعقوب ﴿ إن أجري ﴾ بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ﴿ ويكون لكما ﴾ بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد.

الباقون بتاء التأنيث ﴿ آلسحر ﴾ بالمد: يزيد وأبو عمرو ﴿ أن تبويا ﴾ بالياء: الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.

الآخرون بالهمز.

﴿ ليضلوا ﴾ بضم الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ولا تتبعان ﴾ بتخفيف النون: ابن عامر غير الحلواني عن هشام.

﴿ تتبعان ﴾ خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثينة.

الباقون والحلواني عن هشام ﴿ تتبعان ﴾ بتشديدها في الحالين ﴿ منت أنه ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف بدلاً من ﴿ آمنت ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بالفتح.

﴿ ننجيك ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة.

والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ نبأ نوح ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف لقوله: ﴿ اتل ﴾ بل التقدير: واذكر إذ قال.

﴿ ولا تنظرون ﴾ ه ﴿ من أجر ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ج لأن التقدير وقد أمرت ﴿ من المسلمين ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لما جاءكم ﴾ ط بناء على أن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: ﴿ أسحر ﴾ يستحق الابتداء وسيجيء له مزيد بيان ﴿ هذا ﴾ ط للفصل بين الأخبار والاستخبار ﴿ الساحرون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ ما جئتم به ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ مستفهماً ﴿ السحر ﴾ ط ﴿ سيبطله ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ أن يفتنهم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لاتصال الكلام ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج للعدول مع اتحاد القائل ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للعطف.

﴿ الكافرين ﴾ ه ج ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ ط لأن قوله ﴿ وبشر ﴾ خطاب لمحمد  وإن أريد به موسى فلا بد من العدول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لتعلق قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ بقوله: ﴿ آتيت ﴾ و ﴿ وربنا ﴾ تكرار للأول لأجل التضرع.

﴿ عن سبيلك ﴾ ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعدواً ﴾ ط ﴿ الغرق ﴾ لا لأن قال جواب "إذا" ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ لغافلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك من الفوائد التي سبق ذكرها في "الأعراف".

ومعنى كبر ثقل وشق كقوله: ﴿ وإنها لكبيرة  ﴾ وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان فلان أي لأجله، وكقوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه  ﴾ أي ربه ومثله قولهم: فلان ثقيل الظل.

ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم مدداً طوالاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا تكرر الدعاء كان ذلك موجباً للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة.

ومنها أن يكون المقام بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى  أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.

وجواب الشرط إما قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديماً وحديثاً وإما قوله: ﴿ فأجمعوا ﴾ وقوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد.

ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة للاختلاف طلباً وخبراً، ومعنى ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء.

وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً.

فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بـ "على" فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم.

وانتصب ﴿ شركاءكم ﴾ على المفعول معه أي مع شركائكم.

ومن قرأ بالرفع جعله عطفاً على الضمير المتصل، وإنما يحسن ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل.

والمراد بالشركاء إما من هم على مثل قولهم ودينهم، وإما الأصنام.

وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم كقوله: ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون  ﴾ واعلم أنه  قال في أول الأمر ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ كأنه قال: حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى مطلوبكم غير مقتصرين على ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم.

ثم ضم إلى ذلك قيداً آخر فقال: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس.

وقال الليث: لقي غمة من أمره إذا لم يهتد له.

وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهراً منكشفاً أي تجاهرونني بالإهلاك.

ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غماً وهماً والغم والغمة كالكرب والكربة.

ثم زاد قيداً آخر فقال: ﴿ ثم اقضوا إليّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إليّ قطعه واحكموا بصحته وإمضائه.

وعن القفال أن فيه تضميناً والمعنى ألقوا إليّ ما استقر عليه رأيكم محكماً مفروغاً منه.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولا تنظرون ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في التوكل الغاية القصوى.

ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع الدنيوي والغرض الخسيس فقال: ﴿ فإن توليتم ﴾ أعرضتم عن نصحي وتذكيري ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل ﴿ إن أجري ﴾ ليس أجري ﴿ إلا على الله ﴾ أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو.

وفي الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ إلى آخره.

ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.

﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ألقى من قبل هذه الدعوة.

﴿ فكذبوه ﴾ بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة.

﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ قد ذكرنا في "الأعراف" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك ﴿ وجعلناهم خلائف ﴾ يخلفون الهالكين بالطوفان ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي  ﴿ ثم بعثنا من بعده ﴾ من بعد نوح ﴿ رسلاً ﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿ فجاؤوهم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا أنه زيد ههنا لفظة "به" فقيل: لتناسب ما قبله وهو ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ وكذلك في "الأعراف" راعى المناسبة لأن ما قبله ﴿ ولكن كذبوا  ﴾ بغير الباء ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ بعد الرسل أو الأمم ﴿ بآياتنا ﴾ يعني الآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ كفاراً ذوي آثام ولذلك اجترأوا على رد الآيات.

أما قوله: ﴿ أسحر هذا ﴾ فليس بمقول لقوله: ﴿ أتقولون ﴾ لأنهم قطعوا في قوله: ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن القول ههنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله: ﴿ سمعنا فتى يذكرهم  ﴾ ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟

ثم أنكر عليهم قولهم فقال: ﴿ أسحر هذا ﴾ أو يقال: مفعول تقولون محذوف وهو قولهم ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ أو يقال: جملة قوله ﴿ أسحر هذا ﴾ ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل وتمويه ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا ﴾ التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل والالتفات "افتعال" من اللفت وهو الصرف واللي ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ أي الملك والعز في أرض مصر.

قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا.

وأيضاً فالنبي  إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم.

وقيل: لأن الملوك موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء الرياسة.

ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا.

ثم صرحوا بالتكذيب قائلين ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ ثم حاولوا المعارضة وقد مرت تلك القصة في "الأعراف".

أما قوله: ﴿ ما جئتم به ﴾ فمعناه الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله.

قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت به سحر.

فقال موسى: بل ما جئتم به السحر.

فوجب دخول الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة.

يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً.

فيقول له: من الرجل؟

ولو قال: من رجل؟

لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره.

ومن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ و ﴿ جئتم به ﴾ خبره كأنه قيل أي شيء جئتم به.

ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به ﴿ إن الله سيبطله ﴾ بإظهار المعجزة عليه ﴿ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ﴾ لا يؤيده بجميل الخاتمة ﴿ ويحق الله الحق ﴾ يثبته ﴿ بكلماته ﴾ بمواعيده أو بما سبق من قضائه أو بأوامره ﴿ فما آمن لموسى ﴾ أي في أول أمره ﴿ إلا ذريّة من قومه ﴾ قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب أن المراد ههنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد.

وقيل: المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.

وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.

وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في ﴿ قومه ﴾ على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل والضمير في ﴿ ملئهم ﴾ إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ذلك قوله: ﴿ أن يفتنهم ﴾ أي يعذبهم فرعون.

ثم أكد أسباب الخوف بقوله: ﴿ وإن فرعون لعال ﴾ لغالب ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ وإنه لمن المسرفين ﴾ في القتل والتعذيب أو لمن المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا ﴿ وقال موسى ﴾ تثبيتاً لقومه ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ صدقتم به وبآياته ﴿ فعليه توكلوا ﴾ خصوه بتفويض أموركم إليه ﴿ إن كنتم مسلمين ﴾ قال لعلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة.

والمراد إن كانت بك قوة فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده.

﴿ فقالوا ﴾ مؤتمرين لموسى ﴿ على الله توكلنا ﴾ ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة ﴾ أي موضع فتنة لهم.

والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في أنا لسنا على الحق.

ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: ﴿ ونجنا ﴾ الآية.

وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق.

﴿ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً ﴾ تبوّأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعاً مثل توطنه إذا اتخذه وطناً.

واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع  ﴾ فالمراد من قوله: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴾ أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس: وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء: وإنما وقع العدول عنه بأمر الله  في أيام نبينا  بعد الهجرة.

ومنهم من قال: إنها مطلق البيوت.

ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم.

وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلامبمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض.

وقيل: على التفسير الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم.

وإنما ثنى الخطاب أوّلاً ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون بذلك، ثم جعل الخطاب عاماً لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة واجب على الجمهور.

ثم خص موسى  بالتبشير في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لنبينا  على طريقة الالتفات والاعتراض.

ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجداً وطهوراً دون سائر الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه ألبتة للعبادة والله أعلم بمراده.

ثم إن موسى  لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب الدعاء عليه فلهذا ﴿ قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق.

عن ابن عباس كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة.

قالت الأشاعرة: اللام في قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ لام التعليل كأن موسى  قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على أنه  تسبب لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه.

ثم شرع في الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم.

والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة النساء في قوله  : ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً  ﴾ وبالشد على قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم.

وقالت المعتزلة: قوله ﴿ ليضلوا ﴾ دعاء بلفظ الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال وبالطمس وبالشد.

كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره قائلاً ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه.

سلمنا أن قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: "لدوا للموت".

سلمنا أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سبباً في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا.

ولم لا يجوز أن يكون "لا" مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله: ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدراً في آتيت على سبيل التعجب.

أما قوله  : ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جواباً لقوله ﴿ واشدد ﴾ ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفاً على ﴿ اشدد ﴾ .

﴿ قال قد أجيبت دعوتكما ﴾ أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته ﴿ فاستقيما ﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا.

قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة يدعوهم إلى الله ﴿ ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ أن الاستعجال لا يفيد في إجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين.

﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ قد مرت تلك القصة في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ الآية، ومعنى قوله: ﴿ فأتبعهم ﴾ لحقهم.

يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد وفي الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاثة مرات إحداها قوله: ﴿ آمنت ﴾ وثانيتها ﴿ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وثالثتها ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ فلم تقبل توبته.

والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ينافي التكليف.

الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية الحاضرة والمحنة الناجزة.

الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنياً على محض التقليد والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية.

الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سبباً لزيادة الكفر.

الخامس أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما آمن إلا بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول.

السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله  وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لاإله إلا الله لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة.

السابع يروى أن جبريل  أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟

فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه خطه فعرفه.

أما قوله ﴿ آلآن ﴾ فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل.

وقيل: إنه قول الله  والتقدير: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك.

وقوله: ﴿ وكنت من المفسدين ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: ﴿ آمنت ﴾ لئلا يتوب غضباَ عليه، والأقرب عند العلماء أن هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على كل طاعة لقوله  : ﴿ وتعاونوا  ﴾ ولو منعه لكانت التوبة ممكنة لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر.

وكيف يليق به  أن يقول لموسى وهارون ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ ثم يأمر جبريل بمنعه عن الإيمان.

ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافياً لقوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ ﴿ لا يسبقونه بالقول  ﴾ وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضباً لله على الكافر.

قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ فيه أقوال منها: أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق.

وقوله: ﴿ ببدنك ﴾ في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن.

قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً وفيه نوع تهكم كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت.

وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.

وقيل: ببدنك أي بدرعك.

قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين.

عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى  .

وأما قوله: ﴿ لتكون لمن خلفك آية ﴾ فقيل: إن قوماً اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله  أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه.

وزالت الشبهة عن قلوبهم وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: ﴿ لمن خلفك ﴾ وقيل: إنه  أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ ليكون ذلك زجراً للعابرين عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه.

وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال ﴿ وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ .

التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح ﴾ الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها ﴿ يا قوم إن كان ﴾ عظم ﴿ عليكم مقامي ﴾ في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله.

و ﴿ جعلناهم خلائف ﴾ خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في "الأعراف".

وهكذا في قصة موسى ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي.

﴿ ويحق الله الحق ﴾ أي الذكر ﴿ بكلماته ﴾ وهي لا إله إلا الله ﴿ ولو كره ﴾ أهل الهوى والنفوس الأمارة ﴿ فما آمن لموسى ﴾ القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية ﴿ على خوف من فرعون ﴾ النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها.

﴿ وأوحينا إلى موسى ﴾ القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي.

واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق.

﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ بمحقها وتحقيرها في نظرهم ﴿ واشدد ﴾ طريق النظر إلى الدنيا وما فيها ﴿ على قلوبهم ﴾ واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها.

﴿ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره ﴿ وجاوزنا ببنى إسرائيل ﴾ هم القلب والسر وصفاتها.

والبحر بحر الروحانية الملكوتية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهراً وقسراً، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: ﴿ آمنت ﴾ ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: ﴿ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ ﴿ ننجيك ببدنك ﴾ أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلاً على كمال قدرتنا وعنايتنا.

وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً...

﴾ الآية يحتمل وجهين: [أحدهما]: يحتمل قوله: ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا ﴾ أي: اتخذا لقومكما مساجد يصلون فيها، ﴿ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ ﴾ أي: اجعلوا في بيوتكم التي اتخذتم مساجد قبلة؛ [فيكون في قوله:] ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ﴾ [الأمر باتخاذ المساجد، ويكون في قوله: ﴿ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ الأمر باتخاذ القبلة في المساجد التي أمر ببنيانها.

والثاني: قوله: ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ﴾ ] أي: اتخذا لقومكما بمصر مساجد على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ أي: اجعلوا في بيوتكم التي بنيتم لأنفسكم قبلة تتوجهون إليها، ويكون فيه دلالة أن نصب الجماعة واتخاذ المساجد والقبلة متوارثة مسنونة ليست ببديعة لنا وفي شريعتنا خاصة، ويؤيد ما ذكرنا أن فيه الأمر باتخاذ المساجد.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ دل الأمر بإقامة الصلاة على أن الأمر ببناء البيوت أمر باتخاذ المساجد واتخاذ القبلة.

فإن قيل: هذا في الظاهر أمر باتخاذ المساجد، والآية التي ذكر فيها اتخاذ المساجد تخرج مخرج الإباحة لنا، وهو قوله: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ  ﴾ هو في الظاهر إباحة.

قيل: هو أمر في الحقيقة، وإن كان في الظاهر إباحة، ألا ترى أنه قال: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا...

﴾ الآية [النور: 36]، ولا شك أن ذكر اسمه والتسبيح له أمر؛ فدل أنه ما ذكرنا، والله أعلم.

وأما أهل التأويل فإنهم قالوا: إنهم كانوا يخافون فرعون وملأه، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرّا خوفاً من فرعون، هذا يحتمل إذا كان قبل هلاك فرعون وقبل أن يستولوا على مصر، وإذا كان بعد هلاكه وبعدما استولوا وملكوا على مصر وأهله فالأمر فيه ما ذكرنا؛ أمر باتخاذ المساجد ونصب الجماعات فيها وإقامة الصلاة فيها.

وقال بعضهم من أهل التأويل: وجهوا بيوتكم ومساجدكم نحو القبلة لكن هذا بعيد؛ لأنه لا يكون بيتاً إلا ويكون جهة من جهاته إلى القبلة، فلا معنى له.

والوجه فيه ما ذكرنا.

ويحتمل الأمر ببناء البيوت لقومهما بمصر وجعل البيوت قبلة وجهين: أحدهما: الأمر بالانفصال من فرعون وقومه حتى إذا أرادوا الخروج من عندهم قدروا على ذلك ولا يكون المرور عليهم وكان ذلك الانفصال إنما كان من جهة القبلة.

والثاني: ما ذكرنا أرادوا أن يعتزلوهم حتى يتهيأ لهم الصلاة فيها، وكان لا يتهيأ لهم في بيوت فرعون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يحتمل البشارة في الآخرة بالجنة وأنواع النعيم [ويحتمل أن يبشرهم بالملك في الدنيا والظفر على فرعون وأنواع النعم] بعدما أصابوا الشدائد من فرعون؛ كقوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ  ﴾ .

وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا ﴾ تهيآ من هيأ، أي: هيئا لهم موضعاً؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ  ﴾ أي: هيأنا لهم مهيأ صدق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً ﴾ ويحتمل قوله ﴿ زِينَةً ﴾ : من أنواع ما آتاهم من الأنزال والنبات؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ  ﴾ ونحوه.

ويحتمل الزينة التي كانوا يتزينون بها من المركب والملبس، وما يتحلون بها من أنواع الحلي وأموال كثيرة سوى ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ : قالت المعتزلة تأويل قوله: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ﴾ أي: آتاهم لئلا يضلوا الناس عن سبيله، ولكن أضلوهم عن سبيله وقالوا هذا كما يقال [لم أقل كذا لأجل كذا]، ولكن فعلت ونحوه من الكلام، ولكن عندنا هو ما ذكر: آتاهم الأموال وما ذكر ليضلوا عن سبيله؛ لأنه إذا علم منهم أنهم يضلون الناس عن سبيله آتاهم ما آتاهم ليضلوا وهو كما ذكرنا في قوله: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً  ﴾ ؛ وقوله: ﴿ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ...

﴾ الآية [المؤمنون: 56] وأمثاله فكذا هذا والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أي: اطمس على أموالهم، واجعل في قلوبهم قساوة وغلظة تنفر الأتباع ومن يقلدهم عن اتباعهم وتقليدهم، فيكون ذلك أهون علينا في استنقاذ الأتباع منهم وأدعى لهم إلى الإيمان أعني الأتباع ومن يقلدهم، ويكون ذلك سبباً لإبعادهم عن اتباعهم وتقليدهم إياهم؛ هذا وجه.

والثاني: قوله: ﴿ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ أي: اجعل ذلك آية تضطرهم إلى الإيمان، فإنهم لم يؤمنوا بالآيات التي أرسلتها عليهم من الطوفان والجراد وما ذكر من البلايا، فيكون قوله: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ ﴾ هذا من طمس الأموال وقساوة القلوب وشدتها، والله أعلم.

وقال بعض أهل التأويل: واشدد على قلوبهم واطبعها فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وهو الغرق فعند ذلك يؤمنون، وأما بهذه الآيات فلا.

هذا يحتمل إذا كان الله - عز وجل - أخبر موسى أنهم لا يؤمنون فيسع له هذا الدعاء، وأما قبل أن يخبره بذلك فلا يسع له أن يدعو بهذا، وهو إنما أرسله إليهم ليدعوهم إلى الإيمان والطمس.

قال أبو عوسجة: هو الذهاب بها، أي: اذهب بها.

وقال القتبي: قوله: ﴿ رَبَّنَا ٱطْمِسْ ﴾ أي: أهلكها، وهو من قولك: طمس الطريق إذا عفا ودرس.

وقال غيره: الطمس هو المسخ؛ كقوله: ﴿ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ  ﴾ أي: مسخناهم.

وقال بعضهم: الطمس هو التغيير عن جوهرها، دعا موسى بهذا الدعاء بالأمر لما أيس من إيمانهم؛ وهو كقول نوح: ﴿ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ ﴾ الآية [نوح: 26-27] عند الإياس منهم فعلى ذلك موسى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ قال بعضهم: إن موسى كان يدعو وهارون يؤمن على دعائه، فقال الله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ سمى كليهما دعاء، ولهذا قال محمد بن الحسن - رحمه الله - في بعض كتبه: إن الإمام يدعو في القنوت في الوتر والقوم يؤمنون.

وقوله  : ﴿ فَٱسْتَقِيمَا ﴾ على الرسالة وما [أمرتكما به] ﴿ وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ وهو كقوله لمحمد  : ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ  ﴾ ونحوه، وإن كان العلم محيطا أن الأنبياء - صلوات الله عليهم - لا يتبعون سبيل أولئك ولا يتبعون أهواءهم لما عصمهم - عز وجل - ولكن ذكر هذا - والله أعلم - ليعلم أن العصمة لا تزيل النهي والأمر بل تزيد حظراً ونهيا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال موسى  : ربنا، إنك أعطيت فرعون والأشراف من قومه من زخرف الدنيا وبهارجها زينة، وأعطيتهم أموالًا في هذه الحياة الدنيا، فلم يشكروك على ما أعطيتهم، بل استعانوا بها على الإضلال عن سبيلك، ربنا امْحُ أموالَهم وامحقها، واجعل قلوبهم قاسية، فلا يؤمنون إلا حين يشاهدون العذاب الموجع حين لا ينفعهم إيمانهم.

من فوائد الآيات الثقة بالله وبنصره والتوكل عليه ينبغي أن تكون من صفات المؤمن القوي.

بيان أهمية الدعاء، وأنه من صفات المتوكلين.

تأكيد أهمية الصلاة ووجوب إقامتها في كل الأديان السماوية وفي كل الأحوال.

مشروعية الدعاء على الظالم.

<div class="verse-tafsir" id="91.68RqB"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله