تفسير الآية ١٠٦ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١٠٦ من سورة هود

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌۭ وَشَهِيقٌ ١٠٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 50 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٠٦ من سورة هود من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٠٦ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( لهم فيها زفير وشهيق ) قال ابن عباس : الزفير في الحلق ، والشهيق في الصدر أي : تنفسهم زفير ، وأخذهم النفس شهيق ، لما هم فيه من العذاب ، عياذا بالله من ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول: تعالى ذكره: ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ ) ، وهو أوّل نُهاق الحمار وشبهه ، ( وَشَهِيقٌ ) ، وهو آخر نهيقه إذا ردده في الجوف عند فراغه من نُهاقه، كما قال رؤبة بن العجاج: حَشْـرَجَ فِـي الجَوْفِ سَحِيلا أَوْ شَهَقْ حَــتَّى يُقَــالَ نَـاهِقٌ وَمَـا نَهَـقْ (18) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك : 18567- حدثني المثني قال ، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ( لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ) ، يقول: صوت شديدٌ وصوت ضعيف.

18568-.

.

.

.

قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن أبي العالية في قوله: ( لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ) ، قال: " الزفير " في الحلق، و " الشهيق " في الصدر.

18569- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية ، بنحوه.

18570- حدثني المثني قال ، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: صوت الكافر في النار صوت الحمار، أوّله زفير وآخره شهيق 18571- حدثنا أبو هشام الرفاعي ، ومحمد بن معمر البحراني ، ومحمد بن المثني ، ومحمد بن بشار قالوا، حدثنا أبو عامر قال ، حدثنا سليمان بن سفيان قال ، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن عمر قال، لما نـزلت هذه الآية : ( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) ، سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبيّ الله، فعلام عَمَلُنا؟

على شيء قد فرغ منه ، أم على شيء لم يفرغ منه؟

قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على شيء قد فُرِغ منه ، يا عمر ، وجرت به الأقلام، ولكن كلٌّ مُيَسَّر لما خُلق له ، اللفظ لحديث ابن معمر.

(19) ----------------------- الهوامش : (19) الأثر : 15871 " سليمان بن سفيان التميمي " ، ضعيف ، منكر الحديث ، يروي عن الثقات أحاديث مناكير .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 18 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 119 ، وميزان الاعتدال 1 : 415 .

وهذا خبر ضعيف الإسناد ، ذكره ابن كثير في تفسيره 4 : 395 ، عن مسند أبي يعلي ، وذكره الحافظ الذهبي في الميزان ، بإسناده ، عن أبي عامر العقدي .

لكن معنى الخبر له شواهد في الصحيح .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأما الذين شقوا ابتداء .ففي النار في موضع الخبر ، وكذا لهم فيها زفير وشهيق قال أبو العالية : الزفير من الصدر .

والشهيق من الحلق ; وعنه أيضا ضد ذلك .

وقال الزجاج : الزفير من شدة الأنين ، والشهيق من الأنين المرتفع جدا ; قال : وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير في النهيق ، والشهيق بمنزلة آخر صوت الحمار في النهيق .

وقال ابن عباس - رضي الله عنه - عكسه ; قال : الزفير الصوت الشديد ، والشهيق الصوت الضعيف .

وقال الضحاك ومقاتل : الزفير مثل أول نهيق الحمار ، والشهيق مثل آخره حين فرغ من صوته ; قال الشاعر :حشرج في الجوف سحيلا أو شهق حتى يقال ناهق وما نهقوقيل : الزفير إخراج النفس ، وهو أن يمتلئ الجوف غما فيخرج بالنفس ، والشهيق رد النفس وقيل : الزفير ترديد النفس من شدة الحزن ; مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته ; والشهيق النفس الطويل الممتد ; مأخوذ من قولهم : جبل شاهق ; أي طويل .

والزفير والشهيق من أصوات المحزونين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأما جزاؤهم { فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا ْ} أي: حصلت لهم الشقاوة، والخزي والفضيحة، { فَفِي النَّارِ ْ} منغمسون في عذابها، مشتد عليهم عقابها، { لَهُمْ فِيهَا ْ} من شدة ما هم فيه { زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ْ} وهو أشنع الأصوات وأقبحها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله : ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : الزفير : الصوت الشديد ، والشهيق الصوت الضعيف .

وقال الضحاك ومقاتل : الزفير أول نهيق الحمار ، والشهيق آخره إذا ردده في جوفه .

وقال أبو العالية : الزفير في الحلق والشهيق في الصدر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأما الذين شقوا» في علمه تعالى «ففي النار لهم فيها زفير» صوت شديد «وشهيق» صوت ضعيف.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأما الذين شَقُوا في الدنيا لفساد عقيدتهم وسوء أعمالهم، فالنار مستقرهم، لهم فيها من شدة ما هم فيه من العذاب زفير وشهيق، وهما أشنع الأصوات وأقبحها، ماكثين في النار أبدًا ما دامت السموات والأرض، فلا ينقطع عذابهم ولا ينتهي، بل هو دائم مؤكَّد، إلا ما شاء ربك من إخراج عصاة الموحدين بعد مدَّة من مكثهم في النار.

إن ربك -أيها الرسول- فعَّال لما يريد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم فصل - سبحانه - أحوال الأشقياء والسعداء فقال : ( فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ) .قال الآلوسى : قال الراغب : الزفير ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه مأخوذ من زفر فلان إذا حمل حملا بمشقة فتردد فيه نفسه ، ومنه قيل للإِماء الحاملاتِ الماءَ : زوافر .والشهيق : رد النفس إلى الصدر بصعوبة وعناء .والمراد بهما : الدلالة على شدة كربهم وغمهم ، وتشبيه حالهم بحال من استولت على قلبه الحرارة ، واستبد به الضيق حتى صار فى كرب شديد .والمعنى : فأما الذين كان نصيبهم الشقاء فى الآخرة ، بسبب كفرهم واقترافهم للمعاصى فى الدنيا ، فمصيرهم إلى الاستقرار فى النار ، لهم فيها من ضيق الأنفاس .

وحرج الصدور ، وشدة الكروب ما يجعلهم يفضلون الموت على ما هم فيه من هم وغم .وخص - سبحانه - من بين أحوالهم الأليمة حالة الزفير والشهيق؛ تنفيرا من الأسباب التى توصل إلى النار ، وتبشيعا لتلك الحالة التى فيها ما فيها من سوء المنظر ، وتعاسة الحال .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم والجحدري: ﴿ إِذْ أَخَذَ القرى ﴾ بألف واحدة، وقرأ الباقون بألفين.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما أخبر الرسول- عليه السلام- في كتابه بما فعل بأمم من تقدم من الأنبياء لما خالفوا الرسل وردوا عليهم من عذاب الاستئصال، وبين أنهم ظلموا أنفسهم فحل بهم العذاب في الدنيا قال بعده: ﴿ وكذلك أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِىَ ظالمة ﴾ فبين أن عذابه ليس بمقتصر على من تقدم، بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك وقوله: ﴿ وَهِىَ ظالمة ﴾ الضمير فيه عائد إلى القرى وهو في الحقيقة عائد إلى أهلها، ونظيره قوله: ﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظالمة  ﴾ وقوله: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما بين كيفية أخذ الأمم المتقدمة ثم بين أنه إنما يأخذ جميع الظالمين على ذلك الوجه أتبعه بما يزيده تأكيداً وتقوية فقال: ﴿ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ فوصف ذلك العذاب بالإيلام وبالشدة، ولا منغصة في الدنيا إلا الألم، ولا تشديد في الدنيا وفي الآخرة، وفي الوهم والعقل إلا تشديد الألم.

واعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه أليم شديد ولا ينبغي أن يظن أن هذه الأحكام مختصة بأولئك المتقدمين، لأنه تعالى لما حكى أحوال المتقدمين قال: ﴿ وكذلك أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِىَ ظالمة ﴾ فبين أن كل من شارك أولئك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي، فلابد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الأخرة ﴾ قال القفال: تقرير هذا الكلام أن يقال: إن هؤلاء إنما عذبوا في الدنيا لأجل تكذيبهم الأنبياء وإشراكهم بالله، فإذا عذبوا في الدنيا على ذلك وهي دار العمل، فلأن يعذبوا عليه في الآخرة التي هي دار الجزاء كان أولى.

واعلم أن كثيراً ممن تنبه لهذا البحث من المفسرين عولوا على هذا الوجه، بل هو ضعيف، وذلك لأنَّ على هذا الوجه الذي ذكره القفال يكون ظهور عذاب الاستئصال في الدنيا دليلاً على أن القول بالقيامة والبعث والنشر حق وصدق، وظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال، وهذا المعنى كالمضاد لما ذكره القفال، لأن القفال يجعل العلم بعذاب الاستئصال أصلاً للعلم بأن القيامة حق، فبطل ما ذكره القفال والأصوب عندي أن يقال: العلم بأن القيامة حق موقوف على العلم بأن المدبر لوجود هذه السموات والأرضين فاعل مختار لا موجب بالذات وما لم يعرف الإنسان أن إله العالم فاعل مختار وقادر على كل الممكنات وأن جميع الحوادث الواقعة في السموات والأرضين لا تحصل إلا بتكوينه وقضائه، لا يمكنه أن يعتبر بعذاب الاستئصال، وذلك لأن الذين يزعمون أن المؤثر في وجود هذا العالم موجب بالذات لا فاعل مختار، يزعمون أن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء مثل الغرق والحرق والخسف والمسخ والصيحة كلها إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب واتصال بعضها ببعض، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ لا يكون حصولها دليلاً على صدق الأنبياء، فأما الذي يؤمن بالقيامة، فلا يتم ذلك الإيمان إلا إذا اعتقد أنه إله العالم فاعل مختار وأنه عالم بجميع الجزئيات، وإذا كان الأمر كذلك لزم القطع بأن حدوث هذه الحوادث الهائلة والوقائع العظيمة إنما كان بسبب أن إله العالم خلقها وأوجدها وأنها ليست بسبب طوالع الكواكب وقراناتها، وحينئذ ينتفع بسماع هذه القصص، ويستدل بها على صدق الأنبياء، فثبت بهذا صحة قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الأخرة ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما ذكر الآخرة وصف ذلك اليوم بوصفين: أحدهما: أنه يوم مجموع له الناس، والمعنى أن خلق الأولين والآخرين كلهم يحشرون في ذلك اليوم ويجمعون.

والثاني: أنه يوم مشهود قال ابن عباس رضي الله عنهما يشهده البر والفاجر.

وقال آخرون يشهده أهل السماء وأهل الأرض، والمراد من الشهود الحضور، والمقصود من ذكره أنه ربما وقع في قلب إنسان أنهم لما جمعوا في ذلك الوقت لم يعرف كل أحد إلا واقعة نفسه، فبين تعالى أن تلك الوقائع تصير معلومة للكل بسبب المحاسبة والمساءلة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا نُؤَخّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ ﴾ والمعنى أن تأخير الآخرة وإفناء الدنيا موقوف على أجل معدود وكل ماله عدد فهو متناه وكل ما كان متناهياً فإنه لابد وأن يفنى، فيلزم أن يقال إن تأخير الآخرة سينتهي إلى وقت لابد وأن يقيم الله القيامة فيه، وأن تخرب الدنيا فيه، وكل ما هو آت قريب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ يوم يأت ﴾ بغير ياء.

ونحوه قولهم: لا أدر، حكاه الخليل وسيبويه.

وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل.

فإن قلت: فاعل يأتي ما هو؟

قلت: الله عز وجل، كقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله ﴾ [البقرة: 210] ، ﴿ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ ﴾ [الأنعام: 158] ، ﴿ وَجَاء رَبُّكَ ﴾ [الفجر: 22] وتعضده قراءة: ﴿ وما يؤخر ﴾ بالياء.

وقوله: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ ويجوز أن يكون الفاعل ضمير اليوم، كقوله تعالى: ﴿ أو تَأْتِيَهُمُ الساعة ﴾ [يوسف: 107] .

فإن قلت: بما انتصب الظرف؟

قلت: إمّا أن ينتصب بلا تكلم.

وإما بإضمار (اذكر) وإمّا بالانتهاء المحذوف في قوله: ﴿ إِلا لأجل معدود ﴾ [هود: 104] أي ينتهي الأجل يوم يأتي، فإن قلت: فإذا جعلت الفاعل ضمير اليوم، فقد جعلت اليوم وقتاً لإتيان اليوم وحدّدت الشيء بنفسه قلت: المراد إتيان هوله وشدائده ﴿ لاَ تَكَلَّمُ ﴾ لا تتكلم، وهو نظير قوله: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن ﴾ [النبأ: 38] .

فإن قلت: كيف يوفق بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا ﴾ [النحل: 111] وقوله تعالى: ﴿ هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ [المرسلات: 36] ، قلت: ذلك يوم طويل له مواقف ومواطن، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون، وفي بعضها: يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم ﴿ فَمِنْهُمْ ﴾ الضمير لأهل الموقف ولم يذكروا؛ لأنّ ذلك معلوم، ولأنّ قوله: ﴿ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ ﴾ يدل عليه، وقد مرّ ذكر الناس في قوله: ﴿ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس ﴾ [هود: 103] والشقى الذي وجبت له النار لإساءته، والسعيد الذي وجبت له الجنة لإحسانه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما نُؤَخِّرُهُ ﴾ أيِ اليَوْمُ.

﴿ إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ ﴾ إلّا لِانْتِهاءِ مُدَّةٍ مَعْدُودَةٍ مُتَناهِيَةٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإرادَةُ مُدَّةِ التَّأْجِيلِ كُلِّها بِالأجَلِ لا مُنْتَهاها فَإنَّهُ غَيْرُ مَعْدُودٍ.

﴿ يَوْمَ يَأْتِ ﴾ أيِ الجَزاءُ أوِ اليَوْمُ كَقَوْلِهِ: ﴿ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ ﴾ عَلى أنَّ ﴿ يَوْمَ ﴾ بِمَعْنى حِينَ أوِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ ﴾ ونَحْوِهِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ (يَأْتِ) بِحَذْفِ الياءِ اجْتِزاءً عَنْها بِالكَسْرِ.

﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ﴾ لا تَتَكَلَّمُ بِما يَنْفَعُ ويُنْجِي مِن جَوابٍ أوْ شَفاعَةٍ، وهو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ ويَحْتَمِلُ نَصْبَهُ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوْ بِالِانْتِهاءِ المَحْذُوفِ.

﴿ إلا بِإذْنِهِ ﴾ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ وهَذا في مَوْقِفٍ وقَوْلُهُ: ﴿ هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ﴾ ﴿ وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ في مَوْقِفٍ آخَرَ أوِ المَأْذُونُ فِيهِ هي الجَواباتُ الحَقَّةُ والمَمْنُوعُ عَنْهُ هي الأعْذارُ الباطِلَةُ.

﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ ﴾ وجَبَتْ لَهُ النّارُ بِمُقْتَضى الوَعِيدِ.

﴿ وَسَعِيدٌ ﴾ وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ بِمُوجِبِ الوَعْدِ والضَّمِيرُ لِأهْلِ المَوْقِفِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ﴾ أوْ لِلنّاسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِى النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} هو أول نهيق الحمار {وَشَهِيقٌ} هو آخره أو هما إخراج النفس ورده والجملة في موضع

الحال والعامل فيها الاستقرار الذي فى النار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا ﴾ أيْ سَبَقَتْ لَهُمُ الشَّقاوَةُ ﴿ فَفِي النّارِ ﴾ أيْ مُسْتَقِرُّونَ فِيها ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الكُوفِيَّةِ، والبَصْرِيَّةِ: الزَّفِيرُ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ والشَّهِيقُ بِمَنزِلَةِ آخِرِ نَهِيقِهِ، قالَ رُؤْبَةُ: حَشْرَجَ في الصَّدْرِ صَهِيلًا أوْ شَهِقَ حَتّى يُقالَ ناهِقٌ وما نَهَقَ وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الزَّفِيرُ إخْراجُ النَّفَسِ والشَّهِيقُ رَدُّهُ، قالَ الشَّمّاخُ في حِمارِ وحْشٍ: بَعِيدُ مَدى التَّطْرِيبِ أوَّلُ صَوْتِهِ ∗∗∗ زَفِيرٌ ويَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ وقالَ الرّاغِبُ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ حَتّى تَنْتَفِخَ الضُّلُوعُ مِنهُ مِن زَفَرَ فُلانٌ إذا حَمَلَ حَمْلًا بِمَشَقَّةٍ فَتَرَدَّدَ فِيهِ نَفَسُهُ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْإماءِ الحامِلاتِ الماءَ: زَوافِرُ، والشَّهِيقُ طُولُ الزَّفِيرِ وهو رَدُّ النَّفَسِ، والزَّفِيرُ مَدُّهُ وأصْلُهُ مِن جَبَلٍ شاهِقٍ أيْ مُتَناهٍ في الطُّولِ.

وعَنِ السّائِبِ أنَّ الزَّفِيرَ لِلْحَمِيرِ، والشَّهِيقَ لِلْبِغالِ وهو غَرِيبٌ، ويُرادُ بِهِما الدَّلالَةُ عَلى كَرْبِهِمْ وغَمِّهِمْ وتَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ مَنِ اسْتَوْلَتْ عَلى قَلْبِهِ الحَرارَةُ وانْحَصَرَ فِيهِ رُوحُهُ، أوْ تَشْبِيهُ أصْواتِهِمْ بِأصْواتِ الحَمِيرِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، والمَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ نَدامَةً ونَفَسًا عالِيًا وبُكاءً لا يَنْقَطِعُ، وقَرَأ الحَسَنُ (شَقُوا) بِضَمِّ الشِّينِ فاسْتُعْمِلَ مُتَعَدِّيًا لِأنَّهُ يُقالُ شَقاهُ اللَّهُ تَعالى كَما يُقالُ أشْقاهُ، وجُمْلَةُ ( لَهم فِيها زَفِيرٌ ) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّ سائِلًا قالَ: ما شَأْنُهم فِيها؟

فَقِيلَ لَهم فِيها كَذا وكَذا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةَ المَحَلِّ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ النّارِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى يعني: هذا الذي وصفت لك وقصصت عليك من أخبار الأمم، والقرون الماضية، نَقُصُّهُ عَلَيْكَ يعني: ينزل جبريل، ليقرأ عليك ليكون فيها دليل نبوتك، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ يعني: من تلك القرى قائم، ومنها ما هو حصيد.

والقائم، يعني: الظاهر ينظر إليه الناظر، والحصيد: يعني، خرب وهلك أصحابه.

ويقال: القائم على بنيانه، والحصيد ما خرب.

وقال قتادة: مِنْها قائِمٌ يعني: خاوية على عروشها وَحَصِيدٌ، يعني: مستأصلة.

وقال الضحاك: مِنْها قائِمٌ يعني: مدينة عاد هلكوا، وبقيت مساكنهم، وَحَصِيدٌ يعني: مدائن قوم لوط، حصدت: أي قلعت من الأرض السفلى.

ثم قال تعالى: وَما ظَلَمْناهُمْ يعني: لم نعذبهم بغير ذنب، وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يعني: أضروا بأنفسهم حيث أكلوا رزق الله، وعبدوا غيره، وكذبوا رسله، فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ يعني: ما نفعتهم عبادة آلهتهم، الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إنما سماهم آلهة على وجه المجاز، يعني: آلهتهم بزعمهم، ولم يكونوا آلِهَة في الحقيقة.

ومعناه: أصنامهم لا تقدر أن تمنعهم من عذاب الله من شيء، لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ يعني: حين جاء عذاب ربك، وقال القتبي: إذا رأيت لِلَمَّا جواباً فهو بمعنى حين، كقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [الزخرف: 55] يعني: حين أغضبونا، وكقوله: لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ يعني: حين جاء أمر ربك، يعني: عذاب ربك، وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ يعني: غير تخسير، كقوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: 1] أي خسرت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في كلام العرب: العطيّة.

وقوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى ...

الآية: ذلِكَ: إِشارة إِلى ما تقدَّم من ذكْر العُقُوبات النَّازلة بالأُمَمِ المذكُورة، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ: أي: منها قائمُ الجُدُرَاتِ، ومتهدِّمٌ دائر، والآيةَ بجملتها متضمِّنة التخويفَ وضَرْبَ المثلِ للحاضرين مِنْ أَهْل مكَّة وغيرهم، وال تَتْبِيبٍ: الخُسْرَانُ ومنه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] .

وقوله: وَكَذلِكَ: الإِشارةُ إِلى ما ذكر من الأخذات في الأمَم، وهذه اية وعيدٍ يعمُّ قرى المُؤمنين والكافرينَ، فإِنَّ «ظالمة» : أعمُّ من «كافرة» ، وقد يمهل اللَّه تعالَى بعْضَ الكَفَرَة، وأما الظَّلَمَةُ، فمعاجَلُون في الغَالِبِ، وقد يُمْلي لَبَعْضِهِمْ، وفي الحديث، من رواية أبي موسَى أن رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمَ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يُفْلِتْه» ، ثم قرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ ...

الآية «١» ، وهذه قراءة الجماعة، وهي تعطي بقاءَ الوَعِيدِ، واستمراره في الزمان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً: أي: لعبرةً وعلامةَ اهتداءٍ، لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ، ثم عَظَّمَ اللَّه أمْرَ الآخرة، فقالَ: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ، وهو يومُ الحَشْر، وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يَشْهَدُهُ الأوَّلون والآخِرُون من الملائِكَةِ، والإِنس، والجنِّ والحيوانِ في قول الجمهور، وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ لا يتقدّم عنه ولا يتأخّر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ يَعْنِي ما ذُكِرَ مِن عَذابِ الأُمَمِ وأخْذِهِمْ.

والآيَةُ: العِبْرَةُ والعِظَةُ.

﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ ﴾ لِأنَّ الخَلْقَ يُحْشَرُونَ فِيهِ، ويَشْهَدُهُ البَرُّ والفاجِرُ، وأهْلُ السَّماءِ والأرْضِ.

.

﴿ وَما نُؤَخِّرُهُ ﴾ ورَوى زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وأبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ " وما يُؤَخِّرُهُ " بـالياءِ والمَعْنى: وما نُؤَخِّرُ ذَلِكَ اليَوْمَ إلّا لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عنهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ ﴿ وَما نُؤَخِّرُهُ إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ المَعْنى: وما وضَعْنا عِنْدَهم مِنَ التَعْذِيبِ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ، لَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِهِمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، والعِبادَةِ في جَنَبَةِ الأصْنامِ، فَما نَفَعَتْهم تِلْكَ الأصْنامُ ولا دَفَعَتْ عنهم حِينَ جاءَ عَذابُ اللهِ.

والتَتْبِيبُ: الخُسْرانُ، ومِنهُ ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ  ﴾ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: عَرارَةُ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ∗∗∗ ألا تَبًّا لِما عَمِلُوا تِبابًا أيْ: خَسارًا، وصُورَةً زِيادَةِ الأصْنامِ التَتْبِيبُ إنَّما تُتَصَوَّرُ: إمّا بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِقَةَ بِها والتَعَبَ في عِبادَتِها -شَغَلَتْ نُفُوسَهم وصَرَفَتْها عَنِ النَظَرِ في الشَرْعِ وعاقَتْها، فَلِحَقَ عن ذَلِكَ عَنَتٌ وخُسْرانٌ، وإمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى الكُفْرِ يُزادُ إلَيْهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوثانِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ، الإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْداثِ في الأُمَمِ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ تَعُمُّ قُرى المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ ﴿ ظالِمَةٌ ﴾ أعَمُّ مِن "كافِرَةٌ"، وقَدْ يُمْهِلُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بَعْضُ الكَفَرَةِ، وأمّا الظَلَمَةُ -فِي الغالِبِ- فَمُعاجَلُونَ، أمّا أنَّهُ يُمْلى لِبَعْضِهِمْ، وفي الحَدِيثِ -مِن رِوايَةِ أبِي مُوسى - أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إنَّ اللهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ ﴾ » الآيَةَ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العَطارِدِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "رَبّكَ إذْ أخَذَ القُرى"، والجُمْهُورُ الأعْظَمُ: ﴿ إذا أخَذَ القُرى ﴾ ، وأنْحى الطَبَرِيُّ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ هَذِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي بَقاءَ الوَعِيدِ واسْتِمْرارَهُ في الزَمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ ، المَعْنى: إنَّ في أمْرِ هَذِهِ القُرى وما حَلَّ بِها لِعِبْرَةً وعَلامَةَ اهْتِداءٍ لِمَن خافَ أمْرَ الآخِرَةِ، وتَوَقَّعَ أنْ يَنالَهُ عَذابُها فَنَظَرَ وتَأمَّلَ؛ فَإنَّ نَظَرَهُ يُؤَدِّيهِ إلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى، ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ أمْرَ يَوْمِ القِيامَةِ بِوَصْفِهِ بِما تَلْبَّسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُ لِلسَّبَبِ المُتَّصِلِ بَيْنَهُما وبِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلَيْهِ، و ﴿ الناسُ ﴾ -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "الناسُ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، و ﴿ مَجْمُوعٌ ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.

وَهَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عَنِ الحَشْرِ، و ﴿ مَشْهُودٌ ﴾ عامٌّ عَلى الإطْلاقِ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ والجِنِّ والحَيَوانِ -فِي قَوْلِ الجُمْهُورِ- وفِيهِ -أعْنِي الحَيَوانَ الصامِتَ- اخْتِلافٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما نُؤَخِّرُهُ ﴾ الآيَةَ.

المَعْنى: وما نُؤَخِّرُ يَوْمَ القِيامَةِ عَجْزًا عن ذَلِكَ، ولَكِنَّ القَضاءَ السابِقَ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عنهُ ولا يَتَأخَّرُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤَخِّرُهُ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يُؤَخِّرُهُ" بِالياءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ ﴾ بِحَذْفِ الياءِ مَن (يَأْتِي) في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِإثْباتِها في الوَصْلِ وحَذْفِها في الوَقْفِ، ورُوِيَتْ أيْضًا كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والياءُ ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَقَطَتْ في إمامِ عُثْمانَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "يَوْمَ يَأْتُونَ"، وقَرَأ بِها الأعْمَشُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ التَشْبِيهُ بِالفَواصِلِ، وإثْباتُها في الوَجْهَيْنِ هو الأصْلُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَصْلِ التَخْفِيفُ، كَما قالُوا: "لا أُبالِ ولا أدْرِ"، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: كَفاكَ كَفٌّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطَ بِالسَيْفِ الدَما وَقَوْلُهُ: ﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في " يَأْتِي " وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ ﴾ ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، لِأنَّ اليَوْمَ المُضافَ إلى الفِعْلِ لا يَكُونُ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، إذِ المُضافُ مُتَعَرَّفٌ بِالمُضافِ إلَيْهِ، والفِعْلُ مُتَعَرَّفٌ بِفاعِلِهِ ولَيْسَ في نَفْسِهِ شَيْئًا مَقْصُودًا مُسْتَقِلًّا دُونَ الفاعِلِ، وقَوْلُهُمْ: "سَيِّدُ قَوْمِهِ، ومَوْلى أخِيهِ، وواحِدُ أُمِّهِ" مُفارِقٌ لِما لا يَسْتَقِلُّ، فَلِذَلِكَ جازَتِ الإضافَةُ فِيها، ويَكُونُ قَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " عَلى هَذا- في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ ، وفي الكَلامِ- عَلى هَذا- عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ﴾ صِفَةً لِقَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ﴾ خَبَرًا عن قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي ".

وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ ﴾ يُرادُ بِهِ اليَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُ لَيْلَتُهُ، وقَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " يُرادُ بِهِ الحِينُ والوَقْتُ لا النَهارُ بِعَيْنِهِ، فَهو كَما قالَ عُثْمانُ: "إنِّي رَأيْتُ ألّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذا"، وكَما قالَ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَإنَّ الأمانَةَ اليَوْمَ في الناسِ قَلِيلٌ".

ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ ﴾ : وصْفُ المَهابَةِ يَوْمَ القِيامَةِ وذُهُولُ العَقْلِ وهَوْلُ القِيامَةِ، وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهِلَ المَوْقِفِ في التَلاوُمِ والتَساؤُلِ والتَجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ هَذِهِ هُنا مُخْتَصَّةً في تَكَلَّمَ شَفاعَةً أو إقامَةَ حُجَّةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَمِنهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ نَفْسٌ ﴾ إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بيان للتعريض وتصريح بعد تلويح.

والمعنى: وكذلك أخذ ربك فاحْذروه وحذروا ما هو أشدّ منه وهو عذاب الآخرة.

والإشارة إلى الأخذ المتقدّم.

وفي هذا تخلّص إلى موعظة المسلمين والتّعريض بمدحهم بأن مثلهم من ينتفع بالآيات ويعتبر بالعبر كقوله: ﴿ وما يعقلها إلاّ العالمون ﴾ [العنكبوت: 43].

وجُعل عذاب الدنيا آية دالة على عذاب الآخرة لأنّ القرى الظالمة توعّدها الله بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة كما في قوله تعالى: ﴿ وإنّ للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ﴾ [الطور: 47] فلمّا عاينوا عذاب الدّنيا كان تحققه أمارة على تحقق العذاب الآخر.

وجملة ﴿ ذلك يوم مجموع له الناس ﴾ معترضة للتنويه بشأن هذا اليوم حتّى أنّ المتكلّم يبتدئ كلاماً لأجل وصفه.

والإشارة ب ﴿ ذلك ﴾ إلى الآخرة لأنّ ماصدقها يومُ القيامة، فتذكير اسم الإشارة مراعاة لمعنى الآخرة.

واللاّم في ﴿ مجموع له ﴾ لام العلّة، أي مجموع الناس لأجله.

ومجيء الخبر جملة اسمية في الإخبار عن اليوم يدلّ على معنى الثّبات، أي ثابت جمع الله الناس لأجل ذلك اليوم، فيدلّ على تمكن تعلق الجمع بالنّاس وتمكّن كون ذلك الجمع لأجل اليوم حتّى لقّب ذلك اليوم يومَ الجمع في قوله تعالى: ﴿ يوم يجمعكم ليوم الجمع ﴾ [التغابن: 9].

وعطف جملة ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ على جملة ﴿ ذلك يوم مجموع له الناس ﴾ لزيادة التّهويل لليوم بأنّه يُشهد.

وطُوي ذكر الفاعل إذ المراد يشهده الشّاهدون، إذ ليس القصد إلى شاهِدين معيّنين.

والإخبار عنه بهذا يُؤذن بِأنّهم يشهدونه شهوداً خاصاً وهو شهود الشيء المهول، إذ من المعلوم أن لا يقصد الإخبار عنه بمجرّد كونه مرئياً لكن المراد كونه مرئياً رؤية خاصة.

ويجوز أن يكون المشهود بمعنى المحقّق أيّ مشهود بوقوعه، كما يقال: حقّ مشهود، أيْ عليه شهود لا يستطاع إنكاره، واضح للعيان.

ويجوز أن يكون المشهود بمعنى كثير الشّاهدين إياه لشهرته، كقولهم: لفلان مجلس مشهود، كقول أم قيس الضبّيّة: ومشهد قد كفيتَ الناطقين به *** في محفل من نواصي الخيل مَشهود فيكون من نحو قوله تعالى: ﴿ فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً يومئذٍ يوَدّ الذين كفروا ﴾ [النساء: 41، 42] الآية.

وجملة ﴿ وما نؤخّره إلاّ لأجل معدود ﴾ معترضة بين جملة ﴿ ذلك يوم مجموع له النّاس ﴾ وبين جملة ﴿ يوم يأتي لا تكلّم نفس ﴾ [هود: 105] الخ.

والمقصود الردّ على المنكرين للبعث مستدلّين بتأخير وقوعه في حين تكذيبهم به يحسبون أنّ تكذيبهم به يغيظ الله تعالى فيعجّله لهم جهلاً منهم بمقام الإلهيّة، فبيّن الله لهم أن تأخيره إلى أجل حدّده الله له من يوم خَلَقَ العالم كما حدّد آجال الأحياء، فيكون هذا كقوله تعالى: ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قُلْ لكم ميعاد يوممٍ لا تستأخرون عنه ساعةً ولا تستقدمون ﴾ [سبأ: 29، 30].

والأجل: أصله المدة المنظَر إليها في أمر، ويطلق أيضاً على نهاية تلك المدّة، وهو المراد هنا بقرينة اللاّم، كما أريد في قوله تعالى: ﴿ فإذا جاء أجلهم ﴾ [الأعراف: 34].

والمعدود: أصله المحسوب، وأطلق هنا كناية عن المعيّن المضبوط بحيث لا يتأخر ولا يتقدم لأنّ المعدود يلزمه التعيّن، أو كناية عن القرب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تَشْفَعُ إلّا بِإذْنِهِ.

الثّانِي: لا تَتَكَلَّمُ إلّا بِالمَأْذُونِ فِيهِ مِن حُسْنِ الكَلامِ لِأنَّهم مُلْجَؤُونَ إلى تَرْكِ القَبِيحِ.

الثّالِثُ: أنَّ لَهم في القِيامَةِ وقْتًا يُمْنَعُونَ فِيهِ مِنَ الكَلامِ إلّا بِإذْنِهِ.

﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَحْرُومٌ ومَرْزُوقٌ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: مُعَذَّبٌ ومُكَرَّمٌ، قالَ لَبِيدٌ: فَمِنهم سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ومِنهم شَقِيٌّ بِالمَعِيشَةِ قانِعُ ثُمَّ في الشَّقاءِ والسَّعادَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ جَزاءً عَلى عَمَلِهِما فَأسْعَدَ المُطِيعَ وأشْقى العاصِيَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ ابْتَدَأهُما بِالشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ مِن غَيْرِ جَزاءٍ.

وَرَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلامَ نَعْمَلُ؟

أعَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ أمْ عَلى ما لَمْ يُفْرَغْ مِنهُ؟

فَقالَ: (بَلى عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ يا عُمَرُ، وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ ولَكِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَيْسُورٌ لِما خُلِقَ لَهُ) .» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله يوم يأت قال ذلك اليوم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي رضي الله عنه قال: كلام الناس يوم القيامة السريانية.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن عمر بن ذر.

أنه قرأ ﴿ يوم يأتون لا تكلم منهم دابة إلا بإذنه ﴾ .

وأخرج الترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ قلت: يا رسول الله فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟

قال «بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِير ﴾ ، قال الليث (١) (٢) وأنشد للجعدي (٣) خِيطَ على زَفْرَةٍ فتمَّ ولم ...

يَرْجع إلى دِقةٍ ولا هَضَمِ يقول: كأنه زافر أبدًا من عظم جوفه، فكأنه زفر فخيط على ذلك، وقال ابن السكيت (٤) (٥) حوزيَّة طويت على زفراتها ...

طي القناطر قد نَزَلن نُزُولًا يريد كأنها زفرت ثم خَلِقتْ على ذلك.

وقال أبو إسحاق (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) حَشْرَجَ في الجوفِ صهيلا أو شَهقْ ...

حتى (١٢) وكلام ابن عباس قريب مما قاله أهل اللغة والمفسرون، فإنه قال (١٣) وقال في رواية عطاء في قوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ يريد: ندامة ونفسا عاليًا (١٤) (١) "تهذيب اللغة" (زفر) 2/ 1537، (شهق) 2/ 1946.

(٢) "تهذيب اللغة" (زفر) 2/ 1537 (شهق) 2/ 1946.

(٣) البيت في "ديوانه" 37، "الخصائص" 2/ 168، "اللسان" (هضم) 8/ 4673، "شرح شواهد الشافية" للبغدادي/ 48، "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي/ 165، "تهذيب اللغة" (زفر) 2/ 1538.

(٤) "تهذيب اللغة" (زفر) 2/ 1538.

(٥) أبو جندل، تقدمت ترجمته.

والبيت في "ديوانه" 218، "تهذيب اللغة" (زفر) 2/ 1538، "تاج العروس" (زفر)، و"أساس البلاغة" (زفر)، و"المعاني الكبير" 140، و"اللسان" (زفر) 3/ 1841، وينسب للأعشى في اللسان (حوز) 2/ 1046، و"تاج العروس" (حوز) 8/ 57، وليس في ديوانه.

وبلا نسبة في "جمهرة اللغة" 918.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 79 بمعناه، و"تهذيب اللغة" (شهق) 2/ 1946.

(٧) الثعلبي 7/ 56 ب، البغوي 4/ 200، "زاد المسير" 4/ 158.

(٨) "تفسير مقاتل" 149 ب، وفيه (زفير: آخر نهيق الحمار، شهيق في الصدر أول نهيق الحمار)، الثعلبي 7/ 56 ب، البغوي 4/ 200، "زاد المسير" 4/ 158.

(٩) في (ف): (والشهيق آخر صوته حين يفرغ).

(١٠) الطبري 12/ 116، الثعلبي 7/ 56 ب، البغوي 4/ 200، "زاد المسير" 4/ 159، وفي "تهذيب اللغة" (شهق) 2/ 1946 عن الربيع.

(١١) البيت من قصيدة له يصف فيها حمار الوحش، وفيه (سحيلاً) وليس "صهيلًا"، و"حشرج" ردد الصوت في حلقة ولم يخرجه، و"السحيل" الصوت الذي يدور في صدر الحمار في نهيقه، قاله في "اللسان".

انظر: "ديوانه" ص 106، "اللسان" (حشرج) 2/ 884، الطبري 15/ 479، القرطبي 9/ 98، "البحر المحيط" 5/ 251، "الدر المصون" 6/ 390، "تاج العروس" (حشرج) 3/ 326.

(١٢) ساقط من (ب).

(١٣) الطبري 12/ 116، الثعلبي 7/ 56 ب، البغوي 4/ 200، "زاد المسير" 4/ 159.

(١٤) ساقط من (ب).

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا ﴾ أي بالمعجزات ﴿ وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي برهان بين ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ أي يتقدم قدّامهم في النار كما كانوا في الدنيا يتبعونه على الضلال والكفر ﴿ فَأَوْرَدَهُمُ النار ﴾ الورود هنا بمعنى: الدخول، وذكره بلفظ الماضي لتحقق وقوعه ﴿ وَيَوْمَ القيامة ﴾ عطف على في هذه فإن المراد به في الدنيا ﴿ بِئْسَ الرفد المرفود ﴾ أي العطية المعطاة ﴿ قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ باق وداثر ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ﴾ حجة على التوحيد ونفي الشريك ﴿ تَتْبِيبٍ ﴾ أي تخسير ﴿ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس ﴾ أي يجمعون فيه للحساب والثواب والعقاب، وإنما عبر باسم المفعول دون الفعل ليدل على ثبوت الجمع لذلك اليوم، لأن لفظ مجموع أبلغ من لفظ يجمع ﴿ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ أي يحضره الأولون والآخرون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني ﴾ بالفتح ﴿ أريكم ﴾ بالإمالة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والبزي، وكذلك روى عن أهل مكة.

﴿ إني أخاف ﴾ ﴿ شقاقي أن ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ وصلواتك ﴾ كما مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ إن صلاتك سكن ﴾ {التوبة: 103] ﴿ توفيقي ﴾ بالفتح: أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ونافع ﴿ أرهطي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ بعدت ثمود ﴾ بالإظهار: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الواو ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ ما نشاء ﴾ ط ﴿ الرشيد ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ما استطعت ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ودود ﴾ ه ﴿ ضعيفاً ﴾ ج لأن "لولا" للابتداء مع الواو ﴿ لرجمناك ﴾ ز لحق النفي وكون الواو للحال أوجه ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والاخبار واتحاد المقصود وجه للوصل ﴿ ظهرياً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ كاذب ﴾ ط للفصل بين الخير والطلب ﴿ رقيب ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ثمود ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ فرعون ﴾ ج للنفي مع الواو للعطف أو للحال ﴿ برشيد ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المورود ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ المرفود ﴾ ه ﴿ وحصيد ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ج ﴿ تتبيب ﴾ ه ﴿ ظالمة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه.

التفسير: نقص المكيال يشمل معنيين: بأن ينقص في الإيفاء من القدر الواجب، ويزيد في الاستيفاء على القدر الواجب فيلزم في كلا الحالين نقصان حق الغير.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ أي بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من الله حقها أن تشكر لتزداد لا أن تكفر فتزال.

﴿ وإني أخاف عليكم ﴾ عن ابن عباس أنه فسر الخوف بالعلم.

وقال آخرون: إنه الظن الغالب لأنه كان يجوز ازدجارهم وانتهاءهم.

والعذاب المحيط المهلك المستأصل كأنه أحاط بهم بحيث لا ينفلت منهم أحد.

وزيادة اليوم لأجل المبالغة والإِسناد المجازي باعتبار ما هو واقع فيه واشتمل عليه ذلك اليوم.

قيل: هو عذاب الاستئصال في الدنيا.

وقيل: عذاب الآخرة والأظهر العموم.

قوله: ﴿ أوفوا المكيال ﴾ إلى قوله ﴿ أشياءهم ﴾ قد مر تفسير مثله في الأعراف.

وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ مضى تفسيره في أوائل البقرة، بقي في الآية سؤال وهو أنه  نهى أوّلاً عن النقص ثم أمر بالإيفاء فهل فيه فائدة سوى التأكيد والتقرير؟

والجواب بعد تسليم أن النهي عن الشيء أمر بضده، هو أن النهي عن النقص في المبايعة وإن كان يفيد تصريحة تعييراً وتوبيخاً لكنه يوهم النهي عن أصل المبايعة، فلدفع هذا الخيال أمر بإيفاء الكيل، ففيه إباحة أصل المبايعة، مع التصريح بالنعت المستحسن في العقول لزيادة الترغيب.

وفي أيضاً فائدة أخرى من قبل تقييد الإيفاء بالقسط ليعلم أن ما جاوز العدل ليس بواجب بل هو فضل ومروءَة لا تقف عند حد، وإنما الواجب شيء من الإيفاء بقدر ما يخرج عن العهدة بيقين كما أن غسل الوجه لا يحصل باليقين إلا عند غسل شيء من الرأس ﴿ بقية الله ﴾ قيل: ثواب الله.

وقيل: طاعته ورضاه كقوله: ﴿ والباقيات الصالحات خير  ﴾ وقيل: أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم ﴿ خير لكم ﴾ بشرط أن تؤمنوا لأن شيئاً من الأعمال لا ينفع مع الكفر إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح لكم.

ولا ريب أن الأمانة تجر الرزق لاعتماد الناس وإقبالهم عليه فينفتح له أبواب المكاسب، والخيانة تجر الفقر لتنفر الناس عنه وعن معاملته وصحبته.

قالت المعتزلة.

في إضافة البقية إلى الله دليل على أن الحرام لا يسمى رزق الله.

وقرىء ﴿ تقية الله ﴾ بالتاء الفوقانية أي اتقاؤه الصارف عن المعاصي والقبائح ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم لأجازيكم إنما أنا مبلغ ناصح وقد أعذر من أنذر.

قوله: ﴿ أصلاتك ﴾ قيل: أي دينك وإيمانك لأن الصلاة عماد الدين فعبر عن الشيء باسم معظم أركانه.

وقيل: المراد الأتباع لأنه أصل الصلاة ومنه المصلي للذي يتلو السابق والمعنى دينك أي أتباعه يأمرك بذلك.

والأظهر أن المراد به الأعمال المخصوصة يروى أن شعيباً  كان كثير الصلاة فكان قومه إذا رأوه يصلي تغمزوا وتضاحكوا فقصدوا بقولهم: ﴿ أصلاتك تأمرك ﴾ السخرية والهزء فكأن الصلاة التي يداوم عليها ليلاً ونهاراً هي من باب الجنون والوساوس.

ومعنى ﴿ تأمرك أن نترك ﴾ تأمرك بتكليف أن نترك على حذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.

وقوله ﴿ أو أن نفعل ﴾ معطوف على ما في ما يعبد أي تأمرك صلاتك بترك ما عبد آباؤنا وبترك أن نفعل ﴿ في أموالنا ما نشاء ﴾ روي أنه كان ينهاهم عن قطع أطراف الدراهم كما كان يأمرهم بترك التطفيف والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير.

﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنه مجاز والمراد نسبته إلى غاية السفاهة والغواية فعكسوا تهكماً به.

وقيل: حقيقة وإنه كان معروفاً فيما بينهم بالحلم والرشد فكأنهم قالوا له: إنك المعروف بهذه السيرة فكيف تنهانا عن دين ألفناه وسيرة تعودناها.

ثم أشار  إلى ما آتاه الله من العلم والهداية والنبوة والكرامة والرزق الحلال الحاصل من غير بخس ولا تطفيف، وجواب الشرط محذوف اكتفي عنه بما ذكر في قصتي نوح وصالح، والمعنى أرأيتم إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وقد آتاني بعد هذه السعادات الروحانية السعادات الدنيوية من الخيرات والمنافع الجليلة هل يسعني مع هذه الإكرامات أن أخون في وحيه ولا آمركم بترك الشرك وبفعل الطاعة والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟

﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه.

فالمعنى لا أجعل فعلي مخالفاً لقولي فلا أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ﴿ إن أريد إلا الإصلاح ﴾ إلا أن أصلحكم بالموعظة.

والنصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

﴿ ما استطعت ﴾ ما للمدة ظرفاً للإصلاح أي مدة استطاعتي لإصلاحكم، أو بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته منه، أو المضاف محذوف أي إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولاً للإصلاح فقد يعمل المصدر المعرف كقوله: ضعيف النكاية أعداءه.

أي إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم.

ثم بين أن كل ما يأتي ويذر فوقوعه بتسهيل الله وتأييده فقال: ﴿ وما توفيقي إلا بالله ﴾ والتوفيق أن توافق إرادة العبد إرادة الله ﴿ عليه توكلت ﴾ أخصه بتفويض الأمور إليه لأنه مبدأ المبادىء ﴿ وإليه أنيب ﴾ لأنه المعاد الحقيقي وفي ضمنه تهديد وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يكسبنكم خلافي ﴿ إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ﴾ من الغرق ﴿ أو قوم هود ﴾ من الريح العقيم ﴿ أو قوم صالح ﴾ من الصيحة ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ لم يقل "ببعيدة" حملاً على لفظ القوم لأنه مؤنث، ولا "ببعيدين" حملاً على معناه ولكنه على تقدير مضاف أي وما إهلاكهم ببعيد لأنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدهم.

أو المراد وما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد.

وجوزوا أن يسوّى في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.

﴿ إن ربي رحيم ودود ﴾ يجوز أن يكون بمعنى "فاعل" أو "مفعول" كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ وهذا حث لهم على الاستغفار والتوبة، وتنبيه على أن سبق الكفر والمعصية لا ينبغي أن يمنعهم عن الإيمان والطاعة.

ولما بالغ خطيب الأنبياء في التقرير والبيان ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقهُ كثيراً مما تقول ﴾ إما لقلة الرغبة أو قالوا تهكماً واستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول.

كأنهم جعلوا كلامه تخليطاً وهذياناً لا ينفعهم كثير منه.

وقيل: لأنه كان ألثغ ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ عن الحسن: مهينا أي لا عزة لك فيما بيننا ولا قوة فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً.

وفسر بعضهم الضعيف بالأعمى لأن العمى سبب الضعف، أو لأنه لغة حمير.

وزيف هذا القول أما عند من جوز العمى على الأنبياء فلأن لفظة ﴿ فينا ﴾ يأباه لأن الأعمى فيهم وفي غيرهم، وأما عند من لا يجوزه - كبعض المعتزلة - فلأن الأعمى لا يمكنه الاحتراز من النجاسات وأنه يخل بجواز كونه حاكماً وشاهداً، فلأن يمنع من النبوة كان أولى.

ثم ذكروا أنهم إنما لم يريدوا به المكروه ولم يوقعوا به الشر لأجل رهطه - والرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى السبعة - والرجم شر القتل وهو الرمي بالحجارة، أو المراد الطرد والإبعاد ومنه الشيطان الرجيم.

ثم أكدوا المذكور بقولهم ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ وإنما العزيز علينا رهطك لا خوفاً من شوكتهم ولكن لأنهم من أهل ديننا، فالكلام واقع في فاعل العز لا في الفعل وهو العز ولذلك قال في جوابهم ﴿ أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب، وإنما لم يقل أعز عليكم مني إيذاناً بأن التهاون بنبي الله كالتهاون بالله كقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله  ﴾ ﴿ واتخذتموه ﴾ أي أمر الله أو ما جئت به ﴿ وراءكم ظهرياً ﴾ منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب أي جعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر غير ملتفت إليه.

ثم وصف الله  بما يتضمن الوعيد في حقهم قال: ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ .

ثم زاد في الوعيد والتهديد بقوله: ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ وقد مر تفسير مثله في "الأنعام" قال في الكشاف: الاستئناف يعني في ﴿ سوف تعلمون ﴾ وصل خفي تقديري وإنه أقوى من الوصل بالفاء وهو باب في أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.

ثم بالغ في التهديد بقوله: ﴿ وارتقبوا ﴾ انتظروا عاقبة الشقاق ﴿ إني معكم رقيب ﴾ راقب كالضريب بمعنى الضارب،أو مراقب كالعشير والنديم، أو مرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.

وباقي القصة على قياس قصة صالح وأخذ الصيحة وأخذت الصحية كلتا العبارتين فصيحة لمكان الفاصل إلا أنه لما جاء في قصة شعيب مرة الرجفة ومرة الظلة ومرة الصيحة ازداد التأنيث حسناً بخلاف قصة صالح.

وإنما دعاه عليه بقوله: ﴿ كما بعدت ثمود ﴾ لما روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح.

فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم.

قوله  ﴿ بآياتنا وسلطان مبين ﴾ قال في التفسير الكبير: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات المفيدة للظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين.

والسلطان اسم لما يفيد القطع وإن لم يتأكد بالحس، والسلطان المبين مخصوص بالدليل القاطع الذي يعضده الحس.

وقال في كشاف: يجوز أن يراد أن الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها، وقوله: ﴿ إلى فرعون ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ ﴿ فاتبعوا أمر فرعون ﴾ أي شأنه وطريقه أو أمره إياهم بالكفر والجحود وتكذيب موسى ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي ليس في أمره رشد إنما فيه غي وضلال، وفيه تعريض بأن الرشد والحق في أمر موسى.

ثم إن قومه عدلوا عن اتباعه الى اتباع من ليس في أمره رشد قط، فلا جرم كما كان فرعون قدوة لهم في الضلال فكذلك يقدمهم أي تقدمهم يوم القيامة إلى النار وهم على أثره، ويجوز أن يراد بالرشد الإِحماد وحسن العاقبة فيكون المعنى وما أمر فرعون بحميد العاقبة.

ثم فسره بأنه ﴿ يقدم قومه ﴾ أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته.

ويقال: قدمه وقدمه بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدمه ومنه مقدمة الجيش ومثله أقدم ومنه مقدم العين.

وإنما قال ﴿ فأوردهم ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع.

والورد المورود الذي وردوه، شبّه فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه بالواردة.

ثم نعى عليهم بقوله: ﴿ وبئس الورد ﴾ الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده وتذكير ﴿ بئس ﴾ لتذكير الورد وإن كان هو عبارة عن النار كقولك: نعم المنزل دارك ولو قلت: نعمت جاز نظراً إلى الدار.

وفي تشبيه النار بالماء نوع تهكم بهم ﴿ وأتبعوا في هذه ﴾ حذف صفته في هذه الآية اكتفاء بما مر في قصة عاد.

و ﴿ بئس الرفد المرفود ﴾ أي بئس العطاء المعطى ذلك.

وقيل: الرفد العون والمرفود المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفدت أي أعينت وأمدت باللعنة في الآخرة، قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان لعنة من الله والملائكة واللاعنين في الدنيا ولعنة في الآخرة.

﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا أو ذلك النبأ بعض ﴿ أنباء القرى ﴾ المهلكة ﴿ نقصه عليك ﴾ خبر بعد خبر ثم استأنف فقال ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ أي ومنها حصيد والمراد بعضها باقٍ كالزرع القائم، على ساقه وبعضها عافي الأثر كالزرع المحصود ﴿ وما ظلمناهم ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿ ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا.

عن ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله ﴿ فما أغنت ﴾ فما قدرت أن ترد ﴿ عنهم آلهتهم التي يدعون ﴾ يعبدون وهي حكاية حال ماضية بأس الله حين جاء ﴿ وما زادوهم ﴾ يعني آلهتهم ﴿ غير تتبيب ﴾ تخسير.

تب خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران.

كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين في الدنيا على تحصيل المنافع ودفع المضار وستنفعهم عند الله في الآخرة فلم تنفعهم في الدنيا حين جاءهم عذاب الله وسيورثهم ذلك الاعتقاد عذاب النار في الآخرة فهم في خسران الدارين.

ثم بيَّن أن عذابه غير مقصور على أولئك الأقوام ولكنه يعم كل ظالم سيوجد فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الأخذ ﴿ أخذ ربك ﴾ فالأخذ مبتدأ وذلك خبره وقوله ﴿ وهي ظالمة ﴾ حال من القرى باعتبار أهلها ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾ وجيع صعب على المأخوذ وهو تحذير من وخامة عاقبة كل ظلم على الغير أو على النفس فعلى العاقل أن يبادر إلى التوبة ولا يغتر بالإمهال.

التأويل: ﴿ ولا تنقصوا ﴾ مكيال المحبة وميزان الطلب، فمكيال المحبة عداوة ما سوى الله، وميزان الطلب السير على قدمي الشريعة والطريقة ﴿ إني أراكم بخير ﴾ هو حسن الاستعداد الفطري وإني أخاف عذاب فساد الاستعداد في طلب غير الحق ﴿ بالقسط ﴾ في تعظيم أمرالله والشفقة على خلق الله.

﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ حقوق النصيحة وحسن العشرة في الله ولله ﴿ ولا تعثوا ﴾ في أرض وجودكم ﴿ مفسدين ﴾ ﴿ بقية الله ﴾ بقاؤكم ببقائه ﴿ خير لكم ﴾ مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان.

﴿ رزقاً حسناً ﴾ نوراً تاماً أراني به إصلاح الأمور والاستعدادات إن ساعدني التوفيق ﴿ وما ﴾ معاملة ﴿ قوم لوط ﴾ من معاملتكم ﴿ ببعيد ﴾ لأن الكفر كله ملة واحدة.

﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ لأن فرعون النفس أمارة بالسوء.

﴿ إذا أخذ القرى ﴾ قرى الأجساد ﴿ منها قائم ﴾ قابل لتدارك ما فات.

ومنها ما هو محصود بفوات الاستعداد والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ وهي الحجج.

يحتمل قوله: ﴿ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ واحد، على التكرار، فإن كانت الآيات هي الأوامر والنواهي، وما يؤتى وما يتقى فقوله: ﴿ وَسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ هي الحجج والبراهين على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ﴾ قد ذكرنا أن الملأ هو اسم لشيئين: اسم الجماعة، واسم الأجلة والأشراف، وهو كان مبعوثاً إلى الأشراف من قومه، وإلى الجماعة جميعاً؛ خصّ بعثه إلى فرعون وقومه وإن كان مبعوثاً إلى الكل؛ لما العرف في الملوك أنهم إنما يخاطبون الكبراء منهم والأشراف، وإن كان [المقصود من الخطاب] الكل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ قال بعضهم: هو ما ذكر في حم المؤمن حيث قال لهم: ﴿ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ  ﴾ فأطاعوا فرعون في قوله؛ يقول الله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ \[أي\]: يهدي، أو يقول: ما الأمر الذي عليه فرعون برشيد؛ بل هو ضلال.

ولكن عندنا أنهم أطاعوا فرعون في جميع أمره ونهيه في عبادة الأصنام وغيره، وهو ما ذكر: ﴿ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ أي: ليس بهدى؛ بل كان أمره ضلالا؛ حيث كان هو ضالا مضلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ قال بعضهم: أي: صار قدامهم.

وقال بعضهم: يقدم أي: يقود قومه إلى النار حتى يوردهم النار.

ويحتمل قوله: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ أي: يكون إماماً لهم يوم القيامة يتبعون أثره، كما كان إمامهم في الدنيا فاتبعوه؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ  ﴾ أخبر أنهم يكونون أئمة لهم في الآخرة.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ﴾ أي: دعاهم في الدنيا، وأمرهم بأمور توردهم النار تلك الأعمال كقوله: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ  ﴾ أي: ما أصبرهم على عمل أهل النار.

وقال بعضهم: يتبعونه حتى يدخلهم النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ﴾ قال بعضهم: بئس المدخل المدخول، والورد هو الدخول، والمورود المدخول؛ سمي الجزاء باسم سببه.

قال ابن عباس -  -: جميع ما ذكر في القرآن من الورود فهو دخول منهم، قوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا  ﴾ وقوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  ﴾ ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً  ﴾ فقال: والله ليردنها كل برّ وفاجر ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ يحتمل: اللعنة في الدنيا: العذاب الذي نزل بهم.

ويحتمل لعن الخلائق يلعنهم من ذكرهم.

وفي الآخرة يحتمل الوجهين جميعاً.

يحتمل: يعذبون في الآخرة - أيضاً - كما عذبوا في الدنيا.

ويحتمل: لعن الخلائق - أيضاً - من رآهم لعنهم، واللعن هو الطرد في اللغة: طردوا عن رحمة الله ولم يرحموا في عذاب الدنيا؛ ولا يرحمون في عذاب الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ﴾ عن ابن عباس: ﴿ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ﴾ يقول: لعنة الدنيا والآخرة.

وقال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان من الله: لعنة الدنيا، ولعنة الآخرة، ولكن على زعمهم يجيء أن يقال: الردف من الترادف.

وقال بعضهم: الردف العون، وهو قول القتبي.

وقال القتبي: الرفد: العطية، والمرفود: المعطي؛ يقال: رفدته: إذا أعطيته وأعنته، كما يقال: بئس العطاء المعطي، وكذلك قال أبو عوسجة: بئس ما أعطوا وأعينوا، وبئس المعطي، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأما الأشقياء لكفرهم وفساد أعمالهم فيدخلون في النار، ترتفع فيها أصواتهم وأنفاسهم من شدة ما يعانون من لهيبها.

<div class="verse-tafsir" id="91.yyjzO"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر