الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١٠٨ من سورة هود
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 107 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٠٨ من سورة هود من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى : ( وأما الذين سعدوا ) وهم أتباع الرسل ، ( ففي الجنة ) أي : فمأواهم الجنة ، ( خالدين فيها ) أي : ماكثين مقيمين فيها أبدا ، ( ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ) معنى الاستثناء هاهنا : أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ، ليس أمرا واجبا بذاته ، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى ، فله المنة عليهم [ دائما ] ، ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس .
وقال الضحاك ، والحسن البصري : هي في حق عصاة الموحدين الذين كانوا في النار ، ثم أخرجوا منها .
وعقب ذلك بقوله : ( عطاء غير مجذوذ ) أي : غير مقطوع - قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وأبو العالية وغير واحد ، لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثم انقطاعا ، أو لبسا ، أو شيئا بل ختم له بالدوام وعدم الانقطاع .
كما بين هنا أن عذاب أهل النار في النار دائما مردود إلى مشيئته ، وأنه بعدله وحكمته عذبهم; ولهذا قال : ( إن ربك فعال لما يريد ) [ هود : 107 ] كما قال ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) [ الأنبياء : 23 ] ، وهنا طيب القلوب وثبت المقصود بقوله : ( عطاء غير مجذوذ ) .
يا أهل الجنة ، خلود فلا موت ، ويا أهل النار ، خلود فلا موت .
وفي الصحيحين أيضا : " فيقال يا أهل الجنة ، إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا ، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا " .
القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) قال أبو جعفر: واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء المدينة والحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: (وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُوا)، بفتح السين.
* * * وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفة: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا)، بضم السين، بمعنى: رُزِقوا السعادة.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ، أنهما قراءتان معروفتان فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ.
* * * فإن قال قائل: وكيف قيل: (سُعِدُوا) ، فيما لم يسمَّ فاعله، ولم يقل: " أسعدوا "، وأنت لا تقول في الخبر فيما سُمِّى فاعله : " سعده الله "، بل إنما تقول: " أسعده الله "؟
قيل ذلك نظير قولهم: " هو مجنون " و " محبوب "، (31) فيما لم يسمَّ فاعله، فإذا سموا فاعله قيل: " أجنه الله " ، و " أحبه "، والعرب تفعل ذلك كثيرًا.
وقد بينا بعض ذلك فيما مضى من كتابنا هذا.
(32) * * * وتأويل ذلك: وأما الذين سعدوا برحمة الله، فهم في الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، يقول: أبدًا ، (إلا ما شاء ربك).
* * * فاختلف أهل التاويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم: (إلا ما شاء ربك )، من قدر ما مكثوا في النار قبل دخُولهم الجنة.
قالوا: وذلك فيمن أخرج من النار من المؤمنين فأدخل الجنة.
*ذكر من قال ذلك : 18583- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك في قوله: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ، قال: هو أيضًا في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة.
يقول: خالدين في الجنة ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك.
يقول: إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: (إلا ما شاء ربك ) ، من الزيادة على قدر مُدّة دوام السموات والأرض، قالوا: وذلك هو الخلود فيها أبدًا.
*ذكر من قال ذلك : 18584- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ، قال: ومشيئته خلودهم فيها، ثم أتبعها فقال: (عطاء غير مجذوذ).
* * * واختلف أهل العربية في وجه الاستثناء في هذا الموضع.
فقال بعضهم في ذلك معنيان: أحدهما : أن تجعله استثناءً يستثنيه ولا يفعله، كقولك: " والله لأضربنَّك إلا أن أرى غير ذلك "، وعزمُك على ضربه.
(33) قال: فكذلك قال: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ، ولا يشاؤه، [وهو أعلم].
(34) قال: والقول الآخر: أنّ العرب إذا استثنت شيئًا كثيرًا مع مثله ، ومع ما هو أكثر منه ، (35) كان معنى " إلا " ومعنى " الواو " سواء.
فمن كان قوله: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) ، سوى ما شاء الله من زيادة الخلود، فيجعل " إلا " مكان " سوى " فيصلح، وكأنه قال: " خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما زادهم من الخلود والأبد ".
ومثله في الكلام أن تقول: لي عليك ألف إلا ألفين اللذين [مِنْ قِبَل فلان " ، أفلا ترى أنه في المعنى : لي عليك ألفٌ سِوَى الألفين ] ؟
(36) قال: وهذا أحبُّ الوجهين إليّ ، لأنّ الله لا خُلْفَ لوعده.
(37) وقد وصل الاستثناء بقوله: (عطاء غير مجذوذ) ، فدلَّ على أن الاستثناء لهم بقوله في الخلود غير منقطعٍ عنهم.
* * * وقال آخر منهم بنحو هذا القول.
وقالوا: جائز فيه وجه ثالثٌ: وهو أن يكون استثنى من خلودهم في الجنة احتباسهم عنها ما بين الموت والبعث ، وهو البرزخ ، إلى أن يصيُروا إلى الجنة، ثم هو خلود الأبد.
يقول: فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في البرْزَخ.
* * * وقال آخر منهم: جائز أن يكون دوام السموات والأرض ، بمعنى : الأبد ، على ما تعرف العرب وتستعمل ، وتستثنى المشيئة من داومها ، لأنَّ أهل الجنة وأهل النار قد كانوا في وقت من أوقاتِ دوام السموات والأرض في الدنيا ، لا في الجنة، فكأنه قال: خالدين في الجنة ، وخالدين في النار ، دوامَ السماء، والأرض ، إلا ما شاء ربُّك من تعميرهم في الدنيا قبلَ ذلك.
* * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، القولُ الذي ذكرته عن الضحاك، وهو (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ، من قدر مُكْثِهم في النار، من لدن دخلوها إلى أن ادخلوا الجنة، وتكون الآية معناها الخصوص ، لأن الأشهر من كلام العرب في " إلا " توجيهها إلى معنى الاستثناء ، وإخراج معنى ما بعدها مما قبلها ، إلا أن يكون معها دلالةٌ تدلُّ على خلاف ذلك.
ولا دلالة في الكلام ، أعني في قوله: (إلا ما شاء ربك) ، تدلُّ على أن معناها غير معنى الاستثناء المفهوم في الكلام، فيُوَجَّه إليه.
* * * وأما قوله: (عطاء غير مجذوذ) ، فإنه يعني : عطاءً من الله غيرَ مقطوع عنهم.
* * * من قولهم: " جذذت الشيء أجذّه جذًّا " ، إذا قطعته، كما قال النابغة: (38) تَجــذُّ السَّـلُوقِيَّ المُضَـاعَفَ نَسْـجُهُ وَيوقِــدْنَ بِالصُّفَّـاحِ نَـارَ الحُبَـاحِبِ (39) يعني بقوله: " تجذ ": تقطع.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك : 18585- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: (عطاء غير مجذوذ) ، قال: غير مقطوع.
18586- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (عطاء غير مجذوذ) ، يقول: غير منقطع.
18587- حدثني المثني قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (عطاء غير مجذوذ) ، يقول: عطاء غير مقطوع.
18588- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (مجذوذ)، قال: مقطوع.
18589- حدثني المثني قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (عطاء غير مجذوذ) ، قال: غير مقطوع.
18590- .
.
.
.
قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
18591- ....
قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، مثله.
18592- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج.
عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
18593- .
.
.
.
قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قوله: (عطاء غير مجذوذ) ، قال: أما هذه فقد أمضَاها.
يقول: عطاء غير منقطع.
18594- حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: (عطاء غير مجذوذ) ، غير منـزوع منهم.
------------------------ الهوامش: (31) في المطبوعة والمخطوطة : " هو مجنون ، محبوب " ، والأجود الفصل بالواو .
(32) غاب أيضًا عني مكانه ، فمن وجده فليقيده .
(33) في معاني القرآن للفراء : " وعزيمتك على ضربه " ، وهذا نص كلام الفراء .
(34) الزيادة بين القوسين من معاني القرآن للفراء .
(35) في المطبوعة والمخطوطة : " ومع ما هو أكثر منه " ، والصواب من معاني القرآن : " أو مع .
.
" .
(36) كان في المطبوعة والمخطوطة : " إلا الألفين اللذين قبلهما " ، وليس فيهما بقية ما أثبت ، وهو كلام مبهم ، نقلت سائره ، وزدته بين القوسين من معاني القرآن للفراء ، فهذا نص كلامه .
(37) في المطبوعة : " لا خلف لوعده " ، وفي المخطوطة ؛ " لا مخلف لوعده " ، والصواب من معاني القرآن .
(38) في المخطوطة : " كما قال الشاعر النابغة " ، وهي زيادة لا تجدي .
(39) ديوانه : 44 ، واللسان ( حبحب ) ، ( سلق ) ، ( صفح ) ، من قصيدته المشهورة ، يقول فيه قبله ، في صفة سيوف الغسانيين ، وذلك في مدحه عمرو بن الحراث الأعرج : وَلاَ عَيْــبَ فِيهِـمْ غَـيْرَ أَنَّ سُـيُوفَهُمْ بِهِــنَّ فُلُـولٌ مِـنْ قِـرَاعِ الْكَتَـائِبِ تُــوُرِّثْن مِـنْ أَزْمَـانِ يَـوْمِ حَلِيمـةٍ إلـى اليَـوْمِ قَـدْ جُـرِّبنَ كُلَّ التَّجَارِبِ تَقُـــدُّ السُّـــلُوقيّ .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وهذه رواية الديوان .
و " السلوقي " ، الدروع ، منسوبة إلى " سلوق " ، وهي مدينة .
و " الصفاح " حجارة عراض .
و " نار الحباحب " ، الشرر الذي يسقط من الزناد .
ورواية الديوان : " وتوقد بالصفاح " ، وهما سواء .
عطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع ; من جذه يجذه أي قطعه ; قال النابغة :تجذ السلوقي المضاعف نسجه وتوقد بالصفاح نار الحباحب
{ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا ْ} أي: حصلت لهم السعادة، والفلاح، والفوز { فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ْ} ثم أكد ذلك بقوله: { عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ْ} أي: ما أعطاهم الله من النعيم المقيم، واللذة العالية، فإنه دائم مستمر، غير منقطع بوقت من الأوقات، نسأل الله الكريم من فضله.
( وأما الذين سعدوا ) قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص ( سعدوا ) بضم السين [ وكسر العين ] ، أي : رزقوا السعادة ، وسعد وأسعد بمعنى واحد .
وقرأ الآخرون بفتح السين قياسا على " شقوا " .
( ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ) قال الضحاك : إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة .
قال قتادة : الله أعلم بثنياه .
( عطاء غير مجذوذ ) أي غير مقطوع .
قال ابن زيد : أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنة ، فقال : ( عطاء غير مجذوذ ) ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد ، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله .
ومعناه عند أهل السنة إن ثبت : أن لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان .
وأما مواضع الكفار فممتلئة أبدا .
«وأما الذين سَُعدوا» بفتح السين وضمها «ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا» غير «ما شاء ربك» كما تقدم، ودل عليه فيهم قوله «عطاءً غير مجذوذ» مقطوع وما تقدم من التأويل هو الذي ظهر وهو خال من التكلف والله أعلم بمراده.
وأما الذين رزقهم الله السعادة فيدخلون الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، إلا الفريق الذي شاء الله تأخيره، وهم عصاة الموحدين، فإنهم يبقون في النار فترة من الزمن، ثم يخرجون منها إلى الجنة بمشيئة الله ورحمته، ويعطي ربك هؤلاء السعداء في الجنة عطاء غير مقطوع عنهم.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك من الآيات ما فيه تسلية للنبى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من قومه من أذى ، وما فيه تثبيت لقلوب المؤمنين ، وما فيه إرشاد لهم إلى ما يقربهم من الخير ، ويبعدهم عن الشر فقال - تعالى :( وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِي .
.
.
) .قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول صلى الله عليه وسلم - أحوال الكفار من قومه فقال : ( فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ .
.
)
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة ﴿ يَأْتِ ﴾ بحذف الياء والباقون بإثبات الياء.
قال صاحب الكشاف: وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، ونحوه قولهم لا أدر حكاه الخليل وسيبويه.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: فاعل يأتي هو الله تعالى كقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله ﴾ وقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ ﴾ ويعضده قراءة من قرأ ﴿ وَمَا يؤخره ﴾ بالياء أقول لا يعجبني هذا التأويل، لأن قوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله ﴾ حكاه الله تعالى عن أقوام والظاهر أنهم هم اليهود، وذلك ليس فيه حجة وكذا قوله: ﴿ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ ﴾ أما هاهنا فهو صريح كلام الله تعالى وإسناد فعل الإتيان إليه مشكل.
فإن قالوا: فما قولك في قوله تعالى: ﴿ وَجَاء رَبُّكَ ﴾ .
قلنا: هناك تأويلات، وأيضاً فهو صريح، فلا يمكن دفعه فوجب الامتناع منه بل الواجب أن يقال: المراد منه يوم يأتي الشيء المهيب الهائل المستعظم، فحذف الله تعالى ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف.
المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: العامل في انتصاب الظرف هو قوله: ﴿ لاَ تَكَلَّمُ ﴾ أو إضمار اذكر.
أما قوله: ﴿ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ ففيه حذف، والتقدير: لا تكلم نفس فيه إلا بإذن الله تعالى.
فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين سائر الآيات التي توهم كونها مناقضة لهذه الآية منها قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا ﴾ ومنها أنهم يكذبون ويحلفون بالله عليه وهو قولهم: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤلون ﴾ ومنها قوله: ﴿ هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يؤذن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ .
والجواب من وجهين: الأول: أنه حيث ورد المنع من الكلام فهو محمول على الجوابات الحقية الصحيحة.
الثاني: أن ذلك اليوم يوم طويل وله مواقف، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم.
أما قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: الضمير في قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ ﴾ لأهل الموقف ولم يذكر لأنه معلوم ولأن قوله: ﴿ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ يدل عليه لأنه قد مر ذكر الناس في قوله: ﴿ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس ﴾ .
المسألة الثانية: قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ يدل ظاهره على أن أهل الموقف لا يخرجون عن هذين القسمين.
فإن قيل: أليس في الناس مجانين وأطفال وهم خارجون عن هذين القسمين؟
قلنا: المراد من يحشر ممن أطلق للحساب وهم لا يخرجون عن هذين القسمين.
فإن قيل: قد احتج القاضي بهذه الآية على فساد ما يقال إن أهل الأعراف لا في الجنة ولا في النار فما قولكم فيه؟
قلنا: لما سلم أن الأطفال والمجانين خارجون عن هذين القسمين لأنهم لا يحاسبون فلم لا يجوز أيضاً أن يقال: إن أصحاب الأعراف خارجون عنه لأنهم أيضاً لا يحاسبون، لأن الله تعالى علم من حالهم أن ثوابهم يساوي عذابهم، فلا فائدة في حسابهم.
فإن قيل: القاضي استدل بهذه الآية أيضاً على أن كل من حضر عرصة القيامة فإنه لابد وأن يكون ثوابه زائداً أو يكون عقابه زائداً، فأما من كان ثوابه مساوياً لعقابه فإنه وإن كان جائزاً في العقل، إلا أن هذا النص دل على أنه غير موجود.
قلنا: الكلام فيه ما سبق من أن السعيد هو الذي يكون من أهل الثواب، والشقي هو الذي يكون من أهل العقاب، وتخصيص هذين القسمين بالذكر لا يدل على نفي القسم الثالث، والدليل على ذلك: أن أكثر الآيات مشتملة على ذكر المؤمن والكافر فقط، وليس فيه ذكر ثالث لا يكون لا مؤمناً ولا كافراً مع أن القاضي أثبته، فإذا لم يلزم من عدم ذكر ذلك الثالث عدمه فكذلك لا يلزم من ذكر هذا الثالث عدمه.
المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنه سعيدٌ، وعلى بعضهم بأنه شقيٌ، ومن حكم الله عليه بحكم وعلم منه ذلك الأمر امتنع كونه بخلافه، وإلا لزم أن يصير خبر الله تعالى كذباً وعلمه جاهلاً وذلك محال فثبت أن السعيد لا ينقلب شقياً وأن الشقي لا ينقلب سعيداً، وتقرير هذا الدليل مر في هذا الكتاب مراراً لا تحصى.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ قلت يا رسول الله فعلى ماذا نعمل على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه؟
فقال: على شيء قد فرغ منه يا عمر وجفت به الأقلام وجرت به الأقدار، ولكن كل ميسر لما خلق له وقالت المعتزلة: نقل عن الحسن أنه قال: فمنهم شقي بعمله وسعيد بعمله.
قلنا: الدليل القاطع لا يدفع بهذه الروايات وأيضاً فلا نزاع أنه إنما شقي بعمله وإنما سعد بعمله ولكن لما كان ذلك العمل حاصلاً بقضاء الله وقدره كان الدليل الذي ذكرناه باقياً.
واعلم أنه تعالى لما قسم أهل القيامة إلى هذين القسمين شرح حال كل واحد منهما فقال: ﴿ فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِى النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في الفرق بين الزفير والشهيق وجوهاً: الوجه الأول: قال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس ولم يخرجه، والشهيق أن يخرج ذلك النفس، وقال الفراء: يقال للفرس إنه عظيم الزفرة أي عظيم البطن وأقول إن الإنسان إذا عظم غمه انحصر روح قلبه في داخل القلب فإذا انحصر الروح قويت الحرارة وعظمت وعند ذلك يحتاج الإنسان إلى النفس القوي لأجل أن يستدخل هواء كثيراً بارداً حتى يقوى على ترويح تلك الحرارة، فلهذا السبب يعظم في ذلك الوقت استدخال الهواء في داخل البدن وحينئذ يرتفع صدره وينتفخ جنباه، ولما كانت الحرارة الغريزية والروح الحيواني محصوراً داخل القلب استولت البرودة على الأعضاء الخارجة فربما عجزت آلات النفس عن دفع ذلك الهواء الكثير المستنشق فيبقى ذلك الهواء الكثير منحصراً في الصدر ويقرب من أن يختنق الإنسان منه وحينئذ تجتهد الطبيعة في إخراج ذلك الهواء فعلى قياس قول الأطباء الزفير هو استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه، والشهيق هو إخراج ذلك الهواء عند مجاهدة الطبيعة في إخراجه وكل واحدة من هاتين الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم.
الوجه الثاني: في الفرق بين الزفير والشهيق.
قال بعضهم: الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق.
وأما الشهيق فهو بمنزلة آخر صوت الحمار.
الوجه الثالث: قال الحسن: قد ذكرنا أن الزفير عبارة عن الارتفاع.
فنقول: الزفير لهيب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى درجات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من جهنم، وذلك قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ فارتفاعهم في النار هو الزفير وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق.
الوجه الرابع: قال أبو مسلم: الزفير: ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس، والشهيق: هوا الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن، وربما تبعهما الغشية، وربما حصل عقيبه الموت.
الوجه الخامس: قال أبو العالية: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر.
الوجه السادس: قال قوم: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف.
الوجه السابع: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ يريد ندامة ونفساً عالية وبكاء لا ينقطع وحزناً لا يندفع.
الوجه الثامن: الزفير مشعر بالقوة، والشهيق بالضعف على ما قررناه بحسب اللغة.
إذا عرفت هذا فنقول: لم يبعد أن يكون المراد من الزفير قوة ميلهم إلى عالم الدنيا وإلى اللذات الجسدانية، والمراد من الشهيق ضعفهم عن الاستسعاد بعالم الروحانيات والاستكمال بالأنوار الإلهية والمعارج القدسية.
ثم قال تعالى: ﴿ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلا ما شاء رَبَّكَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نهاية، واحتجوا بالقرآن والمعقول.
أما القرآن فآيات منها هذه الآية والاستدلال بها من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ مَا دَامَتِ السموات والأرض ﴾ دل هذا النص على أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض، ثم توافقنا على أن مدة بقاء السموات والأرض متناهية فلزم أن تكون مدة عقاب الكفار منقطعة.
الثاني: أن قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ استثناء من مدة عقابهم وذلك يدل على زوال ذلك العذاب في وقت هذا الاستثناء ومما تمسكوا به أيضاً قوله تعالى في سورة عم يتساءلون: ﴿ لابثين فِيهَا أَحْقَاباً ﴾ بين تعالى أن لبثهم في ذلك العذاب لا يكون إلا أحقاباً معدودة.
وأما العقل فوجهان: الأول: أن معصية الكافر متناهية ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم وأنه لا يجوز.
الثاني: أن ذلك العقاب ضرر خال عن النفع فيكون قبيحاً بيان خلوه عن النفع أن ذلك النفع لا يرجع إلى الله تعالى لكونه متعالياً عن النفع والضرر ولا إلى ذلك المعاقب لأنه في حقه ضرر محض ولا إلى غيره، لأن أهل الجنة مشغولون بلذاتهم فلا فائدة لهم في الالتذاذ بالعذاب الدائم في حق غيرهم، فثبت أن ذلك العذاب ضرر خال عن جميع جهات النفع فوجب أن لا يجوز، وأما الجمهور الأعظم من الأمة، فقد اتفقوا على أن عذاب الكافر دائم وعند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسك بهذه الآية.
أما قوله: ﴿ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض ﴾ فذكروا عنه جوابين: الأول: قالوا المراد سموات الآخرة وأرضها.
قالوا والدليل على أن في الآخرة سماء وأرضاً قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسموات ﴾ وقوله: ﴿ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء ﴾ وأيضاً لابد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم، وذلك هو الأرض والسموات.
ولقائل أن يقول: التشبيه إنما يحسن ويجوز إذا كان حال المشبه به معلوماً مقرراً فيشبه به غيره تأكيداً لثبوت الحكم في المشبه ووجود السموات والأرض في الآخرة غير معلوم وبتقدير أن يكون وجوده معلوماً إلا أن بقاءها على وجه لا يفنى ألبتة غير معلوم، فإذا كان أصل وجودهما مجهولاً لأكثر الخلق ودوامهما أيضاً مجهولاً للأكثر، كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدوام كلاماً عديم الفائدة، أقصى ما في الباب أن يقال: لما ثبت بالقرآن وجود سموات وأرض في الآخرة وثبت دوامهما وجب الاعتراف به، وحينئذ يحسن التشبيه، إلا أنا نقول: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهل الآخرة ودوام أرضهم هو السمع، ثم السمع دل على دوام عقاب الكافر، فحينئذ الدليل الذي دل على ثبوت الحكم في الأصل حاصل بعينه في الفرع، وفي هذه الصورة أجمعوا على أن القياس ضائع والتشبيه باطل، فكذا هاهنا.
والوجه الثاني: في الجواب قالوا إن العرب يعبرون عن الدوام والأبد بقولهم ما دامت السموات والأرض، ونظيره أيضاً قولهم ما اختلف الليل والنهار، وما طما البحر، وما أقام الجبل، وأنه تعالى خاطب العرب على عرفهم في كلامهم فلما ذكروا هذه الأشياء بناء على اعتقادهم أنها باقية أبد الآباد، علمنا أن هذه الألفاظ بحسب عرفهم تفيد الأبد والدوام الخالي عن الانقطاع.
ولقائل أن يقول: هل تسلمون أن قول القائل: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، يمنع من بقائها موجودة بعد فناء السموات، أو تقولون إنه لا يدل على هذا المعنى، فإن كان الأول، فالإشكال لازم، لأن النص لما دل على أنه يجب أن تكون مدة كونهم في النار مساوية لمدة بقاء السموات ويمنع من حصول بقائهم في النار بعد فناء السموات، ثم ثبت أنه لابد من فناء السموات فعندها يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقاب، وأما إن قلتم هذا الكلام لا يمنع بقاء كونهم في النار بعد فناء السموات والأرض، فلا حاجة بكم إلى هذا الجواب ألبتة، فثبت أن هذا الجواب على كلا التقديرين ضائع.
واعلم أن الجواب الحق عندي في هذا الباب شيء آخر، وهو أن المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرض دائمتين، كان كونهم في النار باقياً فهذا يقتضي أن كلما حصل الشرط حصل المشروط ولا يقتضي أنه إذا عدم الشرط يعدم المشروط: ألا ترى أنا نقول: إن كان هذا إنساناً فهو حيوان.
فإن قلنا: لكنه إنسان فإنه ينتج أنه حيوان، أما إذا قلنا لكنه ليس بإنسان لم ينتج أنه ليس بحيوان، لأنه ثبت في علم المنطق أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئاً، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائمة لزم أن يكون عقابهم حاصلاً، أما إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لم يلزم عدم دوام عقابهم.
فإن قالوا: فإذا كان العقاب حاصلاً سواء بقيت السموات أو لم تبق لم يبق لهذا التشبيه فائدة؟
قلنا بل فيه أعظم الفوائد وهو أنه يدل على نفاذ ذلك العذاب دهراً دهراً، وزماناً لا يحيط العقل بطوله وامتداده، فأما أنه هل يحصل له آخر أم لا فذلك يستفاد من دلائل أخر، وهذا الجواب الذي قررته جواب حق ولكنه إنما يفهمه إنسان ألف شيئاً من المعقولات.
وأما الشبهة الثانية: وهي التمسك بقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ فقد ذكروا فيه أنواعاً من الأجوبة.
الوجه الأول: في الجواب وهو الذي ذكره ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء.
قالوا هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله ألبتة، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك تكون على ضربه، فكذا هاهنا وطولوا في تقرير هذا الجواب، وفي ضرب الأمثلة فيه، وحاصله ما ذكرناه.
ولقائل أن يقول: هذا ضعيف لأنه إذا قال: لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، معناه: لأضربنك إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهذا لا يدل ألبتة على أن هذه الرؤية قد حصلت أم لا بخلاف قوله: ﴿ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ فإن معناه الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء ربك، فهاهنا اللفظ يدل على أن هذه المشيئة قد حصلت جزماً، فكيف يحصل قياس هذا الكلام على ذلك الكلام.
الوجه الثاني: في الجواب أن يقال: إن كلمة ﴿ إِلا ﴾ هاهنا وردت بمعنى: سوى.
والمعنى أنه تعالى لما قال: ﴿ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض ﴾ فهم منه أنهم يكونون في النار في جميع مدة بقاء السموات والأرض في الدنيا، ثم قال سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم فذكر أولاً في خلودهم ماليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له بقوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ المعنى: إلا ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها.
الوجه الثالث: في الجواب وهو أن المراد من هذا الاستثناء زمان وقوفهم في الموقف فكأنه تعالى قال فأما الذين شقوا ففي النار إلا وقت وقوفهم للمحاسبة فإنهم في ذلك الوقت لا يكونون في النار، وقال أبو بكر الأصم المراد إلا ما شاء ربك وهو حال كونهم في القبر، أو المراد إلا ما شاء ربك حال عمرهم في الدنيا وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة، والمعنى: خالدين فيها بمقدار مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو مقدار وقوفهم للحساب ثم يصيرون إلى النار.
الوجه الرابع: في الجواب قالوا: الاستثناء يرجع إلى قوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ وتقريره أن نقول: قوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالدين فِيهَا ﴾ يفيد حصول الزفير والشهيق مع الخلود فإذا دخل الاستثناء عليه وجب أن يحصل وقت لا يحصل فيه هذا المجموع لكنه ثبت في المعقولات أنه كما ينتفي المجموع بانتفاء جميع أجزائه فكذلك ينتفي بانتفاء فرد واحد من أجزائه فإذا انتهوا آخر الأمر إلى أن يصيروا ساكنين هامدين خامدين فحينئذ لم يبق لهم زفير وشهيق فانتفى أحد أجزاء ذلك المجموع فحينئذ يصح ذلك الاستثناء من غير حاجة إلى الحكم بانقطاع كونهم في النار.
الوجه الخامس: في الجواب أن يحمل هذا الاستثناء على أن أهل العذاب لا يكونون أبداً في النار، بل قد ينقلون إلى البرد والزمهرير وسائر أنواع العذاب وذلك يكفي في صحة هذا الاستثناء.
الوجه السادس: في الجواب قال قوم: هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل التوحيد من النار، لأن قوله: ﴿ فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار ﴾ يفيد أن جملة الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم، ثم قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ يوجب أن لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع.
ويكفي في زوال حكم الخلود عن المجموع زواله عن بعضهم، فوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء، ولما ثبت أن الخلود واجب للكفار وجب أن يقال: الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة، وهذا كلام قوي في هذا الباب.
فإن قيل: فهذا الوجه إنما يتعين إذا فسدت سائر الوجوه التي ذكرتموها، فما الدليل على فسادها، وأيضاً فمثل هذا الاستثناء مذكور في جانب السعداء، فإنه تعالى قال: ﴿ وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِى الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إلا مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ .
قلنا: إنا بهذا الوجه بينا أن هذه الآية لا تدل على انقطاع وعيد الكفار، ثم إذا أردنا الاستدلال بهذه الآية على صحة قولنا في أنه تعالى يخرج الفساق من أهل الصلاة من النار.
قلنا: أما حمل كلمة إلا على سوى فهو عدول عن الظاهر، وأما حمل الاستثناء على حال عمر الدنيا والبرزخ والموقف فبعيد أيضاً، لأن الاستثناء وقع عن الخلود في النار، ومن المعلوم أن الخلود في النار كيفية من كيفيات الحصول في النار، فقبل الحصول في النار امتنع حصول الخلود في النار، وإذا لم يحصل الخلود لم يحصل المستثنى منه وامتنع حصول الاستثناء.
وأما قوله الاستثناء عائد إلى الزفير والشهيق فهذا أيضاً ترك للظاهر، فلم يبق للآية محمل صحيح إلا هذا الذي ذكرناه، وأما قوله المراد من الاستثناء نقله من النار إلى الزمهرير.
فنقول: لو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يحصل العذاب بالزمهرير إلا بعد انقضاء مدة السموات والأرض.
والأخبار الصحيحة دلت على أن النقل من النار إلى الزمهرير وبالعكس يحصل في كل يوم مراراً فبطل هذا الوجه، وأما قوله إن مثل هذا الاستثناء حاصل في جانب السعداء فنقول: أجمعت الأمة على أنه يمتنع أن يقال: إن أحداً يدخل الجنة ثم يخرج منها إلى النار، فلأجل هذا الإجماع افتقرنا فيه إلى حمل ذلك الاستثناء على أحد تلك التأويلات.
أما في هذه الآية لم يحصل هذا الإجماع، فوجب إجراؤها على ظاهرها فهذا تمام الكلام في هذه الآية.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ ﴾ وهذا يحسن انطباقه على هذه الآية إذا حملنا الاستثناء على إخراج الفساق من النار، كأنه تعالى يقول أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد وليس لأحد عليَّ حكم ألبتة.
ثم قال: ﴿ وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِي الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ سُعِدُواْ ﴾ بضم السين والباقون بفتحها وإنما جاز ضم السين لأنه على حذف الزيادة من أسعد ولأن سعد لا يتعدى وأسعد يتعدى وسعد وأسعد بمعنى ومنه المسعود من أسماء الرجال.
المسألة الثانية: الاستثناء في باب السعداء يجب حمله على أحد الوجوه المذكورة فيما تقدم وهاهنا وجه آخر وهو أنه ربما اتفق لبعضهم أن يرفع من الجنة إلى العرش وإلى المنازل الرفيعة التي لا يعلمها إلا الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿ وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ومساكن طَيّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ورضوان مّنَ الله أكبر ﴾ وقوله: ﴿ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: جذه يجذه جذاً إذا قطعه وجذ الله دابرهم، فقوله: ﴿ غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ أي غير مقطوع، ونظيره قوله تعالى في صفة نعيم الجنة ﴿ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ﴾ .
المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما صرح في هذه الآية أنه ليس المراد من هذا الاستثناء كون هذه الحالة منقطعة، فلما خص هذا الموضع بهذا البيان ولم يذكر ذلك في جانب الأشقياء دل ذلك على أن المراد من ذلك الاستثناء هو الانقطاع، فهذا تمام الكلام في هذه الآية.
<div class="verse-tafsir"
قراءة العامّة بفتح الشين.
وعن الحسن ﴿ شقوا ﴾ بالضم، كما قرئ: ﴿ سعدوا ﴾ والزفير: إخراج النفس.
والشهيق: ردّه.
قال الشماخ: بَعِيدُ مَدَى التَّطْرِيبِ أَوَّلُ صَوْتِهِ ** زَفِيرٌ وَيَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ ﴿ مَا دَامَتِ السماوات والأرض ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أن تراد سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد.
والدليل على أن لها سموات وأرضاً قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض ﴾ [إبراهيم: 48] وقوله: ﴿ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء ﴾ [الزمر: 74] ولأنه لابد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم: إمّا سماء يخلقها الله، أو يظلهم العرش، وكل ما أظلك فهو سماء.
والثاني أن يكون عبارة عن التأييد ونفي الانقطاع.
كقول العرب: ما دام تعار، وما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وغير ذلك من كلمات التأبيد.
فإن قلت: فما معنى الاستثناء في قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ وقدثبت خلود أهل الجنة والنار في الأبد من غير استثناء؟
قلت: هو استثناء من الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة: وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده، بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار، وبما هو أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته إياهم.
وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وأجل موقعاً منهم، وهو رضوان الله، كما قال: ﴿ وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا ومساكن طَيّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ورضوان مّنَ الله ﴾ [التوبة: 72] ولهم ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو، فهو المراد بالاستثناء.
والدليل عليه قوله: ﴿ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود: 108] ومعنى قوله في مقابلته: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ ﴾ أنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب، كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له، فتأمّله فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً، ولا يخدعنك عنه قول المجبرة.
إنّ المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة، فإنّ الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم.
وما ظنك بقوم نبذوا كتاب الله لما روى لهم بعض النوابت عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد؛ وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً، وقد بلغني أن من الضلال من اغترّ بهذا الحديث، فاعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار.
وهذا ونحوه والعياذ بالله من الخذلان المبين، زادنا الله هداية إلى الحق ومعرفة بكتابه، وتنبيهاً على أن نعقل عنه، ولئن صح هذا عن ابن العاص، فمعناه أنهم يخرجون من حرّ النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها، وأقول: ما كان لابن عمرو في سيفيه، ومقاتلته بهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ما يشغله عن تسيير هذا الحديث.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وهو تَصْرِيحٌ بِأنَّ الثَّوابَ لا يَنْقَطِعُ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في الثَّوابِ لَيْسَ الِانْقِطاعُ، ولِأجْلِهِ فَرَّقَ بَيْنَ الثَّوابِ والعِقابِ بِالتَّأْبِيدِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿ سُعِدُوا ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن سَعَدَهُ اللَّهُ بِمَعْنى أسْعَدَهُ، و ﴿ عَطاءً ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ أيْ أُعْطُوا عَطاءً أوِ الحالُ مِنَ الجَنَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ} سُعدوا حمزة وعلي وحفص سَعد لازم وسعَده يسعَده متعد {فَفِى الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} هو استثناء من الخلود في نعيم الجنة وذلك أن لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وهو رؤية الله تعالى ورضوانه أو معناهاإلا من شاء أن يعذبه بقدر ذنبه قبل أن يدخله الجنة وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال الاستثناء في الآيتين لأهل الجنة ومعناه ما ذكرنا أنه لا يكون
للمسلم العاصي الذي دخل النار خلود في النار حيث يخرج منها ولا يكون له أيضاً خلود في الجنة لأنه لم يدخل الجنة ابتداء والمعتزلة لما لم يروا خروج العصاة من النار ردوا الأحاديث المروية في هذا الباب وكفى به اثما مبينا {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} غير مقطوع ولكنه ممتد إلى غير نهاية كقوله لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ ممنون وهو نصب فى المصدر أي أعطوا عطاء قيل كفرت الجهمية بأربع آيات عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ أُكُلُهَا دَائِمٌ وما عند الله باق لا مقطوعة ولا ممنوعة
﴿ وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ الكَلامُ فِيهِ ما عَلِمْتَ خَلا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَهُنا أنَّ لَهم بَهْجَةً وسُرُورًا كَما ذَكَرَ في أهْلِ النّارِ ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ)؛ ﴾ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ التَّحْذِيرِ والإنْذارِ، و ﴿ سُعِدُوا ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ قِرَءاةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ، ونُسِبَتْ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ (سَعِدُوا) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، واخْتارَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ، وكانَ يَقُولُ: عَجَبًا مِنَ الكِسائِيِّ كَيْفَ قَرَأ (سُعِدُوا) مَعَ عِلْمِهِ بِالعَرَبِيَّةِ، وهَذا عَجِيبٌ مِنهُ فَإنَّهُ ما قَرَأ إلّا ما صَحَّ عِنْدَهُ ولَمْ يَقْرَأْ بِالرَّأْيِ ولَمْ يَتَفَرَّدْ بِذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ كانَ مَسْعُودًا فِيهِ، وذَكَرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنَّ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعِدَهُ اللَّهُ تَعالى بِمَعْنى أسْعَدَهُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: سَعِدَ بِالكَسْرِ فَهو سَعِيدٌ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: سَلِمَ فَهو سَلِيمٌ، وسَعِدَ فَهو مَسْعُودٌ، وقالَ أبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ القُشَيْرِيُّ: ورَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مَسْعُودٌ، وأسْعَدَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مُسْعَدٌ، وما ألْطَفَ الإشارَةَ في -شَقُوا وسَعِدُوا- عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ في الأوَّلِ، والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ في الثّانِي، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى، ومَن لَمْ يَجِدْ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ ﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ أيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ عَنْهم ولا مُخْتَرَمٍ، ومَصْدَرُهُ الجَذُّ، وقَدْ جاءَتْ جَذَذْتُ وجَدَدْتُ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ والدّالِ كَما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وبِالمُعْجَمَةِ أكْثَرُ، ونُصِبَ (عَطاءً) عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن مَعْنى الجُمْلَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَفِي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ﴾ يَقْتَضِي إعْطاءً وإنْعامًا فَكَأنَّهم قِيلَ: يُعْطِيهِمْ إعْطاءً وهو إمّا اسْمُ مَصْدَرٍ هو الإعْطاءُ، أوْ مَصْدَرٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ وقِيلَ: هو نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المَفْعُولِ المُقَدَّرِ لِلْمَشِيئَةِ، أوْ تَمْيِيزٌ، فَإنَّ نِسْبَةَ مَشِيئَةِ الخُرُوجِ إلى اللَّهِ تَعالى تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ عَطاءٍ مَجْذُوذٍ، وعَلى جِهَةِ عَطاءٍ غَيْرِ مَجْذُوذٍ فَهو رافِعٌ لِلْإبْهامِ عَنِ النِّسْبَةِ، ولَعَلَّ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْلى وكَأنَّهُ جِيءَ بِذَلِكَ اعْتِناءً ومُبالَغَةً في التَّأْبِيدِ ودَفْعًا لِما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ الِاسْتِثْناءِ مِن الِانْقِطاعِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِبَيانِ أنَّ ثَوابَ أهْلِ الجَنَّةِ -وهُوَ إمّا نَفْسُ الدُّخُولِ أوْ ما هو كاللّازِمِ البَيِّنِ لَهُ- لا يَنْقَطِعُ فَيُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَيْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْقِطاعِ كَما في العِقابِ بَلْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرادُفِ نِعَمٍ ورُضْوانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لِبَيانِ النَّقْصِ مِن جانِبِ المَبْدَأِ، ولِهَذا فَرَّقَ في النَّظْمِ بَيْنَ التَّأْبِيدِ مِن حَيْثُ تَمَّمَ الأوَّلَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يُنَعِّمُ بَعْضَ مَن يُعَذِّبُهُ ويُبْقِي غَيْرَهُ كَما يَشاءُ ويَخْتارُ؛ والثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى ( عَطاءً ) إلَخْ ..
بَيانًا لِأنَّ إحْسانَهُ لا يَنْقَطِعُ، ومِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِصَدْرِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَبْقى في النّارِ أحَدٌ ولَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ في الجَنَّةِ، وتَقْوى مَطْلَبِهِ ذاكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ عُمَرُ: لَوْ لَبِثَ أهْلُ النّارِ في النّارِ كَقَدْرِ رَمْلِ عالِجَ لَكانَ لَهم يَوْمٌ يَخْرُجُونَ فِيهِ، وبِما أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَيَأْتِي عَلى جَهَنَّمَ يَوْمٌ لا يَبْقى فِيها أحَدٌ، وقَرَأ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا ﴾ الآيَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى لِأهْلِ النّارِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ( ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتْ السَّماوات والأرْض إلّا ما شاءَ رَبُّك ﴾ ) قالَ: وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْها زَمانٌ تُصَفِّقُ فِيهِ أبْوابُها، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: جَهَنَّمُ أسْرَعُ الدّارَيْنِ عُمْرانًا وأسْرَعُهُما خَرابًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ.
وقَدْ نَصَّ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَلى وضْعِ بَعْضِها كَخَبَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ يَأْتِي عَلى جَهَنَّمَ يَوْمٌ ما فِيها مِنِ ابْنِ آدَمَ أحَدٌ تُصَفِّقُ أبْوابُها كَأنَّها أبْوابُ المُوَحِّدِينَ، وأوَّلَ البَعْضُ بَعْضَها، ومَرَّ شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ في ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ خُلُودَ الكُفّارِ مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ ولا عِبْرَةَ بِالمُخالِفِ، والقَواطِعُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، ولا يُقاوِمُ واحِدًا مِنها كَثِيرٌ مِن هَذِهِ الأخْبارِ، ولا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى ما يَقُولُهُ المُخالِفُ لِما عَلِمْتَهُ مِنَ الوُجُوهِ فِيها، ولا حاجَةَ إلى دَعْوى النَّسْخِ فِيها كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ القَوْلُ بِالنَّسْخِ في مِثْلِ ذَلِكَ، هَذا وقَدْ ذُكِرَ أنَّ في الآيَةِ صِيغَةَ الجَمْعِ مَعَ التَّفْرِيقِ والتَّقْسِيمِ، أمّا الجَمْعُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ ﴾ فَإنَّ النَّفْسَ كَما تَقَرَّرَ عامَّةٌ لِكَوْنِها نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، وأمّا التَّفْرِيقُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ ) وأمّا التَّقْسِيمُ فَفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا ﴾ إلَخْ ونَظِيرُها في ذَلِكَ قَوْلُ الشَّرِيفِ القَيْرَوانِيِّ: لِمُخْتَلِفِي الحاجاتِ جَمْعٌ بِبابِهِ فَهَذا لَهُ فَنٌّ وهَذا لَهُ فَنٌّ فَلِلْخامِلِ العُلْيا ولِلْمُعْدَمِ الغِنى ولِلْمُذْنِبِ العُتْبى ولِلْخائِفِ الأمْنُ ومِن هُنا يُعْلَمُ حالُ الفاءَيْنِ فاءِ ( فَمِنهم ) وفاءِ ( فَأمّا ) إلَخْ..
قِيلَ: وفي العُدُولِ عَنْ فَأمّا الشَّقِيُّ فَفي النّارِ خالِدًا فِيها إلَخْ..
وأمّا السَّعِيدُ -أوِ المَسْعُودُ- فَفي الجَنَّةِ خالِدًا فِيها إلَخْ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إشارَةٌ إلى سَبْقِ هَذِهِ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ، وأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ قَدْ فَرَغَ مِنهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي يَدِهِ كِتابانِ فَقالَ: ”أتَدْرُونَ ما هَذانِ الكِتابانِ؟
قُلْنا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ أما تُخْبِرُنا؟
فَقالَ لِلَّذِي في يَدِهِ اليُمْنى: هَذا كِتابٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ فِيهِ أسْماءُ أهْلِ الجَنَّةِ وآبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ، ثُمَّ أجْمَلَهم عَلى آخِرِهِمْ فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا، ثُمَّ قالَ لِلَّذِي في شَمالِهِ: هَذا كِتابٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ فِيهِ أسْماءُ أهْلِ النّارِ وآبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ، ثُمَّ أجْمَلَهم عَلى آخِرِهِمْ فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا، فَقالَ أصْحابُهُ: فَفِيمَ العَمَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كانَ أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ؟
فَقالَ: سَدِّدُوا وقارِبُوا فَإنَّ صاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ، وإنَّ صاحِبَ النّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ، ثُمَّ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِيَدِهِ فَنَبَذَهُما وقالَ: فَرَغَ رَبُّكم مِنَ العِبادِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ“».
وجاءَ في حَدِيثٍ: «الشَّقِيِّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ، والسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ» وحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى ظُهُورِ الأمْرِ لِلْمَلَكِ المُوَكَّلِ بِالنُّطْفَةِ وإلّا فالأمْرُ قَبْلَ ذَلِكَ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الأُمَّ بِالثُّبُوتِ العِلْمِيِّ الَّذِي يَظْهَرُ المَعْلُومُ مِنهُ إلى هَذا الوُجُودِ الخارِجِيِّ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّأْوِيلِ كَما لا يَخْفى، ولا يَأْبى هَذِهِ الإشارَةَ عِنْدَ التَّأمُّلِ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وغَيْرُهم عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «”لَمّا نَزَلَتْ ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلامَ نَعْمَلُ عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، أوْ عَلى شَيْءٍ لَمْ يُفْرَغْ مِنهُ؟
قالَ: بَلْ عَلى شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ يا عُمَرُ، ولَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ“،» وقِيلَ: كانَ الظّاهِرُ هُنا التَّعْبِيرَ بِالمُضارِعِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي إشارَةً إلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ وأتى بِالمَوْصُولِ جَمْعًا إيذانًا بِأنَّ المُرادَ -بِشَقِيٍّ وسَعِيدٍ- فَرِيقٌ شَقِيٌّ وفَرِيقٌ سَعِيدٌ، ولَمْ يَقُلْ أشْقِياءَ وسُعَداءَ لِأنَّ الإفْرادَ أوْفَقُ بِما قَبْلُ، وقِيلَ: الإفْرادُ أوَّلًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِالشَّقاوَةِ أوِ السَّعادَةِ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وجَمْعٌ ثانِيًا لِما أنَّ دُخُولَ كُلِّ فَرِيقٍ في الجَنَّةِ والنّارِ لَيْسَ جُمْلَةً واحِدَةً بَلْ جَمْعًا جَمْعًا وزُمْرَةً زُمْرَةً ولَهُ شَواهِدُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ يعني: هكذا عقوبة ربك، إِذا أَخَذَ الْقُرى يعني: إِذا عاقب القرى، وَهِيَ ظالِمَةٌ يعني: أهلها كفار جاحدون بوحدانية الله تعالى.
قرأ عاصم الجحدري: إِذا أَخَذَ، بألف واحدة، لأن إذ تستعمل للماضي، وإذا تستعمل للمستقبل، وهذه حكاية عن الماضي، يعني: حين أخذ ربك القرى.
وهي قراءة شاذة، وقراءة العامة: إِذا أَخَذَ بألفين، ومعناه: هكذا أخذ ربك، متى أخذ القرى.
ثم قال: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ يعني: عقوبته مؤلمة شديدة.
وروى أبو موسى الأشعري، عن رسول الله ، أنه قال: «إن الله تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» (١) ثم قرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ الآية.
ثم قال: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: في الذي أخبرتك عن الأمم الخالية لعبرة، لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ويقال: في عذابهم موعظة وعبرة بالغة لمن آمن بالله واليوم الآخر.
ويقال: فيه عبرة لمن أيقن بالنار، وأقرّ بالبعث ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ يعني: مجموع فيه الناس، يعني: يجمع فيه الأولون والآخرون وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يشهده أهل السموات، وأهل الأرض.
قوله تعالى: وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يعني: إلى حين معلوم.
ويقال: لانقضاء أيام الدنيا.
ومعناه: أنا قادر على إقامتها الآن، ولكن أؤخرها إلى وقت معدود، يَوْمَ يَأْتِ يعني: إذا جاء يوم القيامة، ويقال: يَوْمَ يَأْتِ ذلك اليوم، لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ يعني: لا تتكلم نفس بالشفاعة، إلا بأمره، ويقال: معناه: لا يجترئ أحد أن يتكلم من هيبته وسلطانه بالاحتجاج وإقامة العذر، إلا بإذنه.
قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، يَوْمَ يَأْتِ بغير ياء في الوصل والقطع، وقرأ الباقون: بالياء عند الوصل.
قال أبو عبيدة: القراءة عندنا على حذف الياء في الوصل والوقف.
قال: ورأيت في مصحف الإمام عثمان: يَوْمَ يَأْتِ بغير ياء، وهي لغة هذيل.
قال: وروي عن عثمان، أنه عرض عليه المصحف، فوجد فيه حروفاً من اللحن، فقال: لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل، لم توجد فيه هذه الحروف، فكأنه قدم هذيلاً في الفصاحة.
ثم قال تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ يعني: يوم القيامة من الناس شَقِيٌّ يعني: يعذب في النار، وَسَعِيدٌ، يعني: مكرم في الجنة.
قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا يعني: كتب عليهم الشقاوة، فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ قال الربيع بن أنس: الزَّفير في الحلق، والشهيق في الصدر، وروي عن ابن عباس، أنه قال: «زفير كزفير الحمار، وهو أول ما ينهق الحمار، والشهيق وهو أول ما يفرغ من نهيقه في آخره» .
ويقال: زفير وشهيق، معناه: أنيناً وصراخاً، خالِدِينَ فِيها يعني: مقيمين دائمين في النار ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ يعني: سماء الجنة وأرضها إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ يعني: إلا من أخرجهم منها وهم الموحدون.
وقال الكلبي، ومقاتل: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ يعني: كما تدوم السموات والأرض لأهل الدنيا، فكذلك يدوم الأشقياء في النار إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ أي: يخرجون من النار.
وقال الضحاك: يعني: سماء القيامة وأرضها، وهما باقيتان.
ويقال: العرب كانت من عادتهم، أنهم إذا ذكروا الأبد يقولون: ما دامت السموات والأرض، فذكر على عادتهم على ما يتعاهدون ويتفاهمون، ومعناه: إنهم خالدون فيها أبداً.
ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ إن شاء أدخل النار خالداً، وإن شاء أخرجه إن كان موحداً، وأدخله الجنة.
(١) حديث أبي موسى: أخرجه البخاري (4686) ومسلم (2583) والترمذي (3110) وابن ماجة (4018) والبيهقي: 6/ 96 والبغوي (4162) .
<div class="verse-tafsir"
في كلام العرب: العطيّة.
وقوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى ...
الآية: ذلِكَ: إِشارة إِلى ما تقدَّم من ذكْر العُقُوبات النَّازلة بالأُمَمِ المذكُورة، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ: أي: منها قائمُ الجُدُرَاتِ، ومتهدِّمٌ دائر، والآيةَ بجملتها متضمِّنة التخويفَ وضَرْبَ المثلِ للحاضرين مِنْ أَهْل مكَّة وغيرهم، وال تَتْبِيبٍ: الخُسْرَانُ ومنه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] .
وقوله: وَكَذلِكَ: الإِشارةُ إِلى ما ذكر من الأخذات في الأمَم، وهذه اية وعيدٍ يعمُّ قرى المُؤمنين والكافرينَ، فإِنَّ «ظالمة» : أعمُّ من «كافرة» ، وقد يمهل اللَّه تعالَى بعْضَ الكَفَرَة، وأما الظَّلَمَةُ، فمعاجَلُون في الغَالِبِ، وقد يُمْلي لَبَعْضِهِمْ، وفي الحديث، من رواية أبي موسَى أن رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمَ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يُفْلِتْه» ، ثم قرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ ...
الآية «١» ، وهذه قراءة الجماعة، وهي تعطي بقاءَ الوَعِيدِ، واستمراره في الزمان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً: أي: لعبرةً وعلامةَ اهتداءٍ، لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ، ثم عَظَّمَ اللَّه أمْرَ الآخرة، فقالَ: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ، وهو يومُ الحَشْر، وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يَشْهَدُهُ الأوَّلون والآخِرُون من الملائِكَةِ، والإِنس، والجنِّ والحيوانِ في قول الجمهور، وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ لا يتقدّم عنه ولا يتأخّر.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: " يَوْمَ يَأْتِي " بِياءٍ في الوَصْلِ، وحَذَفُوها في الوَقْفِ؛ غَيْرَ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ كانَ يَقِفُ بِالياءِ، ويَصِلُ بِالياءِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي يَخْتارُهُ النَّحْوِيُّونَ " يَوْمَ يَأْتِي " بِإثْباتِ الياءِ، والَّذِي في المُصْحَفِ وعَلَيْهِ أكْثَرُ القِراءاتِ بِكَسْرِ التّاءِ، وهُذَيْلٌ تَسْتَعْمِلُ حَذْفَ هَذِهِ الياءاتِ كَثِيرًا.
وقَدْ حَكى الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: لا أدْرِ، فَتَحْذِفُ الياءَ، وتَجْتَزِئُ بِالكَسْرَةِ ويَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.
وقالَ الفَرّاءُ: كُلُّ ياءٍ ساكِنَةٍ وما قَبْلَها مَكْسُورٌ، أوْ واوٍ ساكِنَةٍ وما قَبْلَها مَضْمُومٌ، فَإنَّ العَرَبَ تَحْذِفُها وتَجْتَزِئُ بِالكَسْرَةِ مِنَ الياءِ، وبِالضَّمَّةِ مِنَ الواوِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: كَفّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ دِرْهَمًا جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّما قالَ المُفَسِّرُونَ: وقَوْلُهُ: " يَوْمَ يَأْتِي " يَعْنِي: يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ، لا تُكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، فَكُلُّ الخَلائِقِ ساكِتُونَ، إلّا مَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ في الكَلامِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الكَلامِ الشَّفاعَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنهم مَن كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ، ومِنهم مَن كُتِبَتْ لَهُ السَّعادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الزَّفِيرَ كَزَفِيرِ الحِمارِ في الصَّدْرِ، وهو أوَّلُ ما يَنْهَقُ، والشَّهِيقُ كَشَهِيقِ الحِمارِ في الحَلْقِ، وهو آخِرُ ما يَفْرَغُ مِن نَهِيقِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الزَّفِيرُ: شَدِيدُ الأنِينِ وقَبِيحُهُ، والشَّهِيقُ: الأنِينُ الشَّدِيدُ المُرْتَفِعُ جِدًّا، وهُما مِن أصْواتِ المَكْرُوبِينَ.
وزَعَمَ أهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الكُوفِيِّينَ والبَصْرِيِّينَ أنَّ الزَّفِيرَ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ في النَّهِيقِ، والشَّهِيقَ بِمَنزِلَةِ آخِرِ صَوْتِهِ في النَّهِيقِ.
والثّانِي: أنَّ الزَّفِيرَ في الحَلْقِ، والشَّهِيقَ في الصُّدُورِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّفِيرُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، والشَّهِيقُ: الصَّوْتُ الضَّعِيفُ.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشَّهِيقُ ضِدُّ الزَّفِيرِ، لِأنَّ الشَّهِيقَ رَدُّ النَّفَسِ، والزَّفِيَر إخْراجُ النَّفَسِ.
وقالَ غَيْرُهُ: الزَّفِيرُ: الشَّدِيدُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ، وهو الحَمْلُ عَلى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ؛ والشَّهِيقُ: النَّفَسُ الطَّوِيلُ المُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ، أيْ: طَوِيلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الزَّفِيرَ زَفِيرُ الحِمارِ، والشَّهِيقَ شَهِيقُ البِغالِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ المَعْرُوفُ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها السَّمَواتُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَنا، والأرْضُ المَعْرُوفَةُ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ: لِلْعَرَبِ في مَعْنى الأبَدِ ألْفاظٌ؛ تَقُولُ: لا أفْعَلُ ذَلِكَ ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما دامَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ، وما اخْتَلَفَتِ الجِرَّةُ والدِّرَّةُ، وما أطَّتِ الإبِلُ، في أشْباهٍ لِهَذا كَثِيرَةٍ، ظَنًّا مِنهم أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا تَتَغَيَّرُ، فَخاطَبَهُمُ اللَّهُ بِما يَسْتَعْمِلُونَ في كَلامِهِمْ.
والثّانِي: أنَّها سَماواتُ الجَنَّةِ والنّارِ وأرْضُهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ في الِاسْتِثْناءِ المَذْكُورِ في حَقِّ أهْلِ النّارِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الِاسْتِثْناءَ في حَقِّ المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ بِالشَّفاعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ لا يَفْعَلُهُ، تَقُولُ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْر ذَلِكَ، وعَزِيمَتُكَ عَلى ضَرْبِهِ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ قالَ: فَقَدْ شاءَ أنْ يُخَلَّدُوا فِيها.
قالَ الزَّجّاجُ: وفائِدَةُ هَذا، أنَّهُ لَوْ شاءَ أنْ يَرْحَمَهم لَرَحِمَهم، ولَكِنَّهُ أعْلَمَنا أنَّهم خالِدُونَ أبَدًا.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: خالِدِينَ فِيها أبَدًا، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ النّارَ فَتَأْكُلُهم وتُفْنِيهِمْ، ثُمَّ يُجَدِّدُ خَلْقَهم، فَيَرْجِعُ الِاسْتِثْناءُ إلى تِلْكَ الحالِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والرّابِعُ: أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " سِوى " تَقُولُ: لَوْ كانَ مَعَنا رَجُلٌ إلّا زِيدٌ أيْ: سِوى زَيْدٍ؛ فالمَعْنى: خالِدِينَ فِيها مِقْدارَ دَوامِ السَّمَواتِ والأرْضِ سِوى ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الخُلُودِ والزِّيادَةِ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِثْلُهُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ: لَأُسْكِنَنَّكَ في هَذِهِ الدّارِ حَوْلًا إلّا ما شِئْتُ؛ تُرِيدُ: سِوى ما شِئْتُ أنْ أزِيدَكَ.
والخامِسُ: أنَّهم إذا حُشِرُوا وبُعِثُوا، فَهم في شُرُوطِ القِيامَةِ؛ فالِاسْتِثْناءُ واقِعٌ في الخُلُودِ بِمِقْدارِ مَوْقِفِهِمْ في الحِسابِ، فالمَعْنى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ إلّا مِقْدارَ مَوْقِفِهِمْ لِلْمُحاسَبَةِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الِاسْتِثْناءُ يَعُودُ إلى مُكْثِهِمْ في الدُّنْيا والبَرْزَخِ والوُقُوفِ لِلْحِسابِ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فالمَعْنى: خالِدِينَ في النّارِ وخالِدِينَ في الجَنَّةِ دَوامَ السَّماءِ والأرْضِ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن تَعْمِيرِهِمْ في الدُّنْيا قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ جَعَلَ دَوامَ السَّماءِ والأرْضِ بِمَعْنى الأبَدِ عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَسْتَعْمِلُ، وإنْ كانَتا قَدْ تَتَغَيَّرانِ.
واسْتَثْنى المَشِيئَةَ مِن دَوامِهِما، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ والنّارِ قَدْ كانُوا في وقْتٍ مِن أوْقاتِ دَوامِ السَّماءِ والأرْضِ في الدُّنْيا، لا في الجَنَّةِ، ولا في النّارِ.
والسّادِسُ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ وقَعَ عَلى أنَّ لَهم فِيها زَفِيرًا وشَهِيقًا، إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن أنْواعِ العَذابِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ؛ وكَذَلِكَ لِأهْلِ الجَنَّةِ نَعِيمٌ مِمّا ذُكِرَ، ولَهم مِمّا لَمْ يُذْكَرْ ما شاءَ رَبُّكَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا.
والسّابِعُ: أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " كَما " ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
فَأمّا الِاسْتِثْناءُ في حَقِّ أهْلِ الجَنَّةِ، فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ لا يَفْعَلُهُ.
والثّانِي: أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " سِوى " .
والثّالِثُ: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى وُقُوفِهِمْ لِلْحِسابِ ولُبْثِهِمْ في القُبُورِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ بِمَعْنى: إلّا ما شاءَ أنْ يَزِيدَهم مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ.
والخامِسُ: أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " كَما "، وهَذِهِ الأقْوالُ قَدْ سَبَقَ شَرْحُها.
والسّادِسُ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى لُبْثِ مَن لَبِثَ في النّارِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، ثُمَّ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الخُلُودِ مُكْثَ أهْلِ الذُّنُوبِ مِنَ المُسْلِمِينَ في النّارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن إخْراجِ المُذْنِبِينَ إلى الجَنَّةِ، وخالِدِينَ في الجَنَّةِ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن إدْخالِ المُذْنِبِينَ النّارَ مُدَّةً.
واخْتَلَفَ القُرّاء في " سُعِدُوا " فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " سَعِدُوا " بِفَتْحِ السِّينِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ نُصِبَ عَطاءً بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قالَ: أعْطاهم النَّعِيمَ عَطاءً.
والمَجْذُوذُ: المَقْطُوعُ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ جَذَذْتُ، وجَدَدْتُ، وجَذَفْتُ، وجَدَفْتُ: إذا قَطَعْتَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبُّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ شَقُوا ﴾ -عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في الِاسْتِثْناءِ الَّذِي في آخِرِ الآيَةِ -يُرادُ بِهِ كُلُّ مَن يُعَذَّبُ مِن كافِرٍ وعاصٍ، وعَلى بَعْضِها- كُلُّ مَن يُخَلَّدُ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الكَفَرَةِ خاصَّةً.
والزَفِيرُ: صَوْتٌ شَدِيدٌ خاصٌّ بِالمَحْزُونِ أوِ الوَجَعِ أوِ المُعَذَّبِ ونَحْوِهِ، والشَهِيقُ كَذَلِكَ، كَما يَفْعَلُ الباكِي الَّذِي يَصِيحُ خِلالَ بُكائِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الزَفِيرُ: صَوْتٌ حادٌّ.
و الشَهِيقُ: صَوْتٌ ثَقِيلٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الزَفِيرُ مِنَ الصَدْرِ، و الشَهِيقُ مِنَ الحَلْقِ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، وقالَ قَتادَةُ: الزَفِيرُ: أوَّلُ صَوْتِ الحِمارِ، و الشَهِيقُ: آخِرُهُ، فَصِياحُ أهْلِ النارِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الزَفِيرُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الزَفْرِ وهو الشِدَّةُ، و الشَهِيقُ: مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ أيْ عالٍ، فَهُما -عَلى هَذا المَعْنى- واحِدٌ أو مُتَقارِبٌ، والظاهِرُ ما قالَ أبُو العالِيَةِ، فَإنَّ الزَفْرَةَ هي الَّتِي يُعَظَّمُ مَعَها الصَدْرُ والجَوْفُ، والشَهْقَةُ هي الوَقْعَةُ الأخِيرَةُ مِنَ الصَوْتِ المُنْدَفِعِ مَعَها النَفَسُ أحْيانًا، فَقَدْ يَشْهَقُ المُحْتَضِرُ ويَشْهَقُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ.
وأُمًّا قَوْلُهُ: ﴿ ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ ﴾ فَقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يُبَدِّلُ السَمَواتِ والأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَجْعَلُ الأرْضَ مَكانًا لِجَهَنَّمَ والسَماءَ مَكانًا لِلْجَنَّةِ، ويَتَأبَّدُ ذَلِكَ، فَقَرَنَتِ الآيَةُ خُلُودَ هَؤُلاءِ بِبَقاءِ هَذِهِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ مِن نُورِ العَرْشِ ثُمَّ يَرُدُّهُما إلى هُنالِكَ في الآخِرَةِ، فَلَهُما ثُمَّ بَقاءٌ دائِمٌ".
وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ ﴾ العِبارَةُ عن التَأْبِيدِ: بِما تَعْهَدُهُ العَرَبُ، وذَلِكَ أنَّ مِن فَصِيحِ كَلامِها إذا أرادَتْ أنْ تُخْبِرَ عن تَأْبِيدِ شَيْءٍ أنْ تَقُولَ: "لا أفْعَلُ كَذا وكَذا مَدى الدَهْرِ، وما ناحَ الحَمامُ، وما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ"، ونَحْوَ هَذا مِمّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِن غَيْرِ نِهايَةٍ، فَأفْهَمَهُمُ اللهُ تَعالى تَخْلِيدَ الكَفَرَةِ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ قَدْ أخْبَرَ بِزَوالِ السَماواتِ والأرْضِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ فَقِيلَ فِيهِ: إنْ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَدَبَ الشَرْعُ إلى اسْتِعْمالِهِ في كُلِّ كَلامٍ، فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ ﴾ اسْتِثْناءٌ في واجِبٍ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ في حُكْمِ الشَرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى أنْ يُوصَفَ بِمُتَّصِلٍ ولا بِمُنْقَطِعِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن طُولِ المُدَّةِ، وذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ ويُعْدَمُ أهْلُها وتُغْلَقُ أبْوابُها، فَهم -عَلى هَذا- يَخْلُدُونَ حَتّى يَصِيرَ أمْرُهم إلى هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ، والَّذِي رُوِيَ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ إنَّما هو الدَرْكُ الأعْلى المُخْتَصُّ بِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي يُسَمّى جَهَنَّمَ، وسُمِّيَ الكُلُّ بِهِ تَجَوُّزًا.
وقِيلَ: إنَّما اسْتُثْنى ما يَلْطُفُ اللهُ تَعالى بِهِ لِلْعُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في إخْراجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النارِ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ أيْ: لِقَوْمٍ ما، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والضَحّاكِ، وأبِي سِنانَ، وغَيْرِهِمْ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا ﴾ عامًّا في الكَفَرَةِ والعُصاةِ كَما قَدَّمْنا، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن ﴿ خالِدِينَ ﴾ ، وقِيلَ: "إلّا" بِمَعْنى الواوِ، فَمَعْنى الآيَةِ: "وَما شاءَ اللهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا البَيْتُ يَصِحُّ الِاسْتِشْهادُ بِهِ عَلى مُعْتَقَدِنا في فَناءِ الفَرْقَدَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ العالَمِ، وأمّا إنْ كانَ قائِلُهُ مِن دَهْرِيَّةِ العَرَبِ فَلا حُجَّةَ فِيهِ، إذْ يَرى ذَلِكَ مُؤَبَّدًا فَأجْرى "إلّا" عَلى بابِها.
وقِيلَ: "إلّا" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى سِوى، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، كَما تَقُولُ: "لِي عِنْدَكَ ألْفا دِرْهَمٍ، إلّا الألْفَ الَّتِي كُنْتُ أسْلَفْتُكَ "، بِمَعْنى: سِوى تِلْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ سِوى ما شاءَ اللهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءَ، فَإنَّهُ يُقَدِّرُ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ بِ "سِوى"، وسِيبَوَيْهِ يُقَدِّرُهُ بِـ "لَكِنْ"، وقِيلَ: "سِوى ما أعَدَّهُ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ مِمّا لا يُعْرَفُ كالزَمْهَرِيرِ ونَحْوِهِ"، وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ السَماواتِ والأرْضِ، المُدَّةِ الَّتِي فَرَطَتْ لَهم في الحَياةِ الدُنْيا، وقِيلَ: في البَرْزَخِ بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَهم في دُخُولِ النارِ، إذْ دُخُولُهم إنَّما هو زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَفِي النارِ ﴾ ، كَأنَّهُ قالَ: "إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن تَأْخِيرٍ عن ذَلِكَ"، وهَذا قَوْلٌ رَواهُ أبُو نَضْرَةَ عن جابِرٍ أو عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ثُمَّ أخْبَرَ مُنَبِّهًا عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ- "سَعِدُوا" بِفَتْحِ السِينِ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ-: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِينِ، وهي شاذَّةٌ ولا حُجَّةَ في قَوْلِهِمْ: "مَسْعُودٌ"، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أسْعَدَ عَلى حَذْفِ الزِيادَةِ، كَما يُقالُ: مَحْبُوبٌ، مِن أحَبَّ، ومَجْنُونٌ مِن أجَنَّهُ اللهُ، وقَدْ قِيلَ في مَسْعُودٍ: إنَّما أصْلُهُ الوَصْفُ لِلْمَكانِ، يُقالُ: مَكانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ ثُمَّ نُقِلَ إلى التَسْمِيَةِ بِهِ، وذُكِرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنْ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعَدَهُ اللهُ، بِمَعْنى: أسْعَدَهُ، وبِضَمِّ السِينِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ.
والأقْوالُ المُتَرَتِّبَةُ في اسْتِثْناءِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ تَتَرَتَّبُ هاهُنا إلّا تَأْوِيلَ مَن قالَ: "هُوَ اسْتِثْناءُ المُدَّةِ الَّتِي تُخَرَّبُ فِيها جَهَنَّمُ"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ويَزِيدُ هُنا قَوْلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في المُدَّةِ الَّتِي يُقِيمُها العُصاةُ في النارِ، ولا يَتَرَتَّبُ أيْضًا تَأْوِيلُ مَن قالَ في تِلْكَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَفِي النارِ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ ، نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و المَجْذُوذُ: المَقْطُوعُ، والجَذُّ: القَطْعُ، وكَذَلِكَ الجَدُّ، وكَذَلِكَ (الحَزُّ).
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ يوم يَأتي لا تكلّم نَفْسٌ ﴾ تفصيل لمدلول جملة ﴿ ذلك يوم مجموع له النّاس ﴾ [هود: 103] الآية، وبينت عظمة ذلك اليوم في الشرّ والخير تبعاً لذلك التفصيل.
فالقصد الأوّل من هذه الجملة هو قوله: ﴿ فمنهم شقيّ وسعيد ﴾ وما بعده، وأمّا ما قبله فتمهيد له أفصح عن عظمة ذلك اليوم.
وقد جاء نظم الكلام على تقديم وتأخير اقتضاه وضع الاستطراد بتعظيم هول اليوم في موضع الكلام المتّصل لأنّه أسعد بتناسب أغراض الكلام، والظروف صالحة لاتّصال الكلام كصلاحيّة الحروف العاطفة وأدوات الشرط.
و ﴿ يوم ﴾ من قوله: ﴿ يوم يأتي ﴾ مستعمل في معنى (حين) أو (ساعة)، وهو استعمال شائع في الكلام العربيّ في لفظ (يوم) و(ليلة) توسّعاً بإطلاقهما على جزء من زمانهما إذ لا يخلو الزّمان من أن يقع في نهار أو في ليل فذلك يوم أو ليلة فإذا أطلقا هذا الإطلاق لم يستفد منهما إلاّ معنى (حين) دون تقدير بمدّة ولا بنهار وَلاَ لَيْللٍ، ألاَ ترى قول النابغة: تخيّرن من أنهار يوم حليمة *** فأضاف (أنهار) جمع نهار إلى اليوم.
وروي: من أزمان يوم حليمة.
وقول توبة بن الحُميّر كأن القلب ليلة قيل: يُغدَى *** بليلي الأخيلية أو يراح أراد ساعة، قيل: يُغدى بليلى، ولذلك قال: يغدى أو يراح، فلم يراقب ما يناسب لفظ ليلة من الرّواح.
فقوله تعالى: ﴿ يوم يأتي ﴾ معناه حين يأتي.
وضمير (يأتي) عائد إلى ﴿ يوم مشهود ﴾ [هود: 103] وهو يوم القيامة.
والمراد بإتيانه وقوعه وحلوله كقوله: ﴿ هل ينظرون إلاّ الساعة أن تأتيهم ﴾ [الزخرف: 66].
فقوله: ﴿ يوم يأتي ﴾ ظرف مُتَعلّق بقوله: ﴿ لا تكلّم نفس إلاّ بإذنه ﴾ .
وجملة ﴿ لا تكلم نفس ﴾ مستأنفة ابتدائية.
قدّم الظرف على فعلها للغرض المتقدم.
والتّقدير: لا تكلّم نفس حينَ يحلّ اليوم المشهود.
والضّمير في ﴿ بإذنه ﴾ عائد إلى الله تعالى المفهوم من المقام ومن ضمير ﴿ نؤخّره ﴾ [هود: 104].
والمعنى أنّه لا يتكلّم أحد إلاّ بإذن من الله، كقوله: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفّاً لا يتكلّمون إلاّ من أذن له الرحمن وقال صواباً ﴾ [النبأ: 38].
والمقصود من هذا إبطال اعتقاد أهل الجاهلية أنّ الأصنام لها حقّ الشفاعة عند الله.
و ﴿ نفس ﴾ يَعمّ جميع النفوس لوقوعه في سياق النفي، فشمل النفوس البرة والفاجرة، وشمل كلام الشافع وكلام المجادل عن نفسه.
وفُصّل عموم النفوس باختلاف أحوالها.
وهذا التفصيل مفيد تفصيل الناس في قوله: ﴿ مجموع له النّاس ﴾ [هود: 103]، ولكنّه جاء على هذا النسج لأجل ما تخلّل ذلك من شبه الاعتراض بقوله: ﴿ وما نؤخّره إلاّ لأجل معدود ﴾ [هود: 104] إلى قوله: ﴿ بإذنه ﴾ وذلك نسيج بديع.
والشقيّ: فعيل صفة مشبهة من شَقِيَ، إذا تلبّس بالشّقاء والشقاوة، أي سوء الحالة وشرّها وما ينافر طبع المتّصف بها.
والسّعيد: ضدّ الشقيّ، وهو المتلبّس بالسّعادة التي هي الأحوال الحسنة الخيّرة الملائمة للمتّصف بها.
والمعنى: فمنهم يومئذٍ من هو في عذاب وشدّة ومنهم من هو في نعمة ورخاء.
والشّقاوة والسّعادة من المواهي المقولة بالتّشكيك فكلتاهما مراتب كثيرة متفاوتة في قوّة الوصف.
وهذا إجمال تفصيله ﴿ فأمّا الذين شقُوا ﴾ إلى آخره.
والزّفير: إخراج الأنفاس بدفع وشدّة بسبب ضغط التنفّس.
والشّهيق: عكسه وهو اجتلاب الهواء إلى الصّدر بشدّة لقوة الاحتياج إلى التنفس.
وخص بالذّكر من أحوالهم في جهنّم الزّفير والشّهيق تنفيراً من أسباب المصير إلى النّار لما في ذكر هاتين الحالتين من التّشويه بهم وذلك أخوف لهم من الألم.
ومعنى ﴿ ما دامت السّماوات والأرض ﴾ التأييد لأنّه جرى مجرى المثَل، وإلاّ فإنّ السّماوات والأرض المعرُوفة تضمحلّ يومئذٍ، قال تعالى: ﴿ يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات ﴾ [إبراهيم: 48] أو يراد سماوات الآخرة وأرضها.
و ﴿ إلاّ ما شاء ربك ﴾ استثناء من الأزمان التي عمّها الظرف في قوله: ﴿ ما دامت ﴾ أي إلاّ الأزمان التي شاء الله فيها عدم خلودهم، ويستتبع ذلك استثناء بعض الخالدين تبعاً للأزمان.
وهذا بناء على غالب إطلاق ﴿ ما ﴾ الموصولة أنّها لغير العاقل.
ويجوز أن يكون استثناء من ضمير ﴿ خالدين ﴾ لأنّ ﴿ ما ﴾ تطلق على العاقل كثيراً، كقوله: ﴿ ما طاب لكم من النّساء ﴾ [النساء: 3].
وقد تكرّر هذا الاستثناء في الآية مرّتين.
فأمّا الأوّل منهما فالمقصود أنّ أهل النّار مراتب في طول المدة فمنهم من يعذّب ثمّ يعفى عنه، مثل أهل المعاصي من الموحّدين، كما جاء في الحديث: أنّهم يقال لهم الجهنميون في الجنّة، ومنهم الخالدون وهم المشركون والكفّار.
وجملة ﴿ إنّ ربّك فعّال لما يريد ﴾ استئناف بيانيّ ناشئ عن الاستثناء، لأنّ إجمال المستثنى ينشئ سؤالاً في نفس السّامع أن يقول: ما هو تعيين المستثنى أو لماذا لم يكن الخلود عاماً.
وهذا مظهر من مظاهر التفويض إلى الله.
وأمّا الاستثناء الثاني الواقع في جانب ﴿ الذّين سعدوا ﴾ فيحتمل معنيين: أحدهما أن يراد: إلاّ ما شاء ربك في أوّل أزمنة القيامة، وهي المدّة التي يدخل فيها عصاة المؤمنين غير التّائبين في العذاب إلى أن يعفو الله عنهم بفضله بدون شفاعة، أو بشفاعة كما في الصّحيح من حديث أنس: «يدخل ناسٌ جنّم حتى إذا صاروا كالحُمَمَة أخرجوا وأدخلوا الجنّة فيقال: هؤلاء الجهنميون».
ويحتمل أن يقصد منه التّحذير من توهّم استحقاق أحد ذلك النعيم حقاً على الله بل هو مظهر من مظاهر الفضل والرّحمة.
وليس يلزم من الاستثناء المُعلّق على المشيئة وقوع المشيئة بل إنّما يقتضي أنّها لو تعلّقت المشيئة لوقع المستثنى، وقد دلّت الوعود الإلهية على أنّ الله لا يشاء إخراج أهل الجنة منها.
وأيّاً ما كان فهم إذا أدخلوا الجنّة كانوا خالدين فيها فلا ينقطع عنهم نعيمها.
وهو معنى قوله: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ .
والمجذوذ: المقطوع.
وقرأ الجمهور ﴿ سَعِدوا ﴾ بفتح السّين، وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف بضم السّين على أنّه مبني للنائب، وإن كان أصل فعله قاصراً لا مفعول له؛ لكنّه على معاملة القاصر معاملة المتعدّي في معنى فُعِل به ما صيّره صاحب ذلك الفعل، كقولهم: جُنّ فلان، إذا فُعل به ما صار به ذَا جنون، ف ﴿ سُعِدوا ﴾ بمعنى أسعدوا.
وقيل: سَعِد متعدّ في لغة هذيل وتميم، يقولون: سَعِدَه اللّهُ بمعنى أسْعَدَهُ.
وخُرّج أيضاً على أن أصله أسعدوا، فحُذف همز الزيادة كما قالوا مجنُوب (بموحدة في آخره)، ومنه قولهم: رجل مَسعود.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ فِيها خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: دامَتْ سَماواتُ الدُّنْيا وأرْضُها إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ عَلَيْها في الخُلُودِ فِيها: الثّانِي: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن مُدَّةِ يَوْمِ القِيامَةِ.
الثّالِثُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن مُدَّةِ مُكْثِهِمْ في النّارِ إلى أنْ يَخْرُجُوا مِنها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: خالِدِينَ فِيها يَعْنِي أهْلَ التَّوْحِيدِ، إلّا ما شاءَ رَبُّكَ يَعْنِي أهْلَ الشِّرْكِ، وهو يُشْبِهُ قَوْلَ أبِي نَضْرَةَ.
الخامِسُ: خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ رَبُّكَ أيْ ما شاءَ مِن عَطاءٍ غَيْرِ مَجْذُوذٍ، فَتَكُونُ ( إلّا ) هُنا بِمَعْنى الواوِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرِ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ أيْ والفَرْقَدانِ.
﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَيْرُ مَقْطُوعٍ.
الثّانِي: غَيْرُ مَمْنُوعٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هاتان من المخبآت، قول الله: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ و ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ [ المائدة: 109] أما قوله: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ فهم قوم من أهل الكبائر من أهل هذه القبلة، يعذبهم الله بالنار ما شاء بذنوبهم، ثم يأذن في الشفاعة لهم فيشفع لهم المؤمنون فيخرجهم من النار فيدخلهم الجنة فسماهم أشقياء حين عذبهم في النار ﴿ فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ﴾ حين أذن في الشفاعة لهم وأخرجهم من النار، وأدخلهم الحنة وهم هم ﴿ وأما الذين سعدوا ﴾ يعني بعد الشقاء الذي كانوا فيه ﴿ ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ﴾ يعني الذين كانوا في النار.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن قتادة.
أنه تلا هذه الآية ﴿ فأما الذين شقوا ﴾ فقال: حدثنا أنس رضي الله عنه.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج قوم من النار ولا نقول كما قال أهل حروراء» .
وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فأما الذين شقوا ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شاء الله أن يخرج أناساً من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن خالد بن معدان في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: إنها في التوحيد من أهل القبلة.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: إلا ما استثنى من أهل القبلة.
وأخرج عبد الرزاق وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله الأنصاري أو عن أبي سعيد الخدري أو رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ﴾ قال: هذه الآية قاضية على القرآن كله يقول: حيث كان في القرآن خالدين فيها تأتي عليه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن أبي نضرة قال: ينتهي القرآن كله إلى هذه لآية ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وأما الذين سعدوا ﴾ الآية.
قال: هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة، يقول: خالدين في الجنة ﴿ ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ﴾ يقول: إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة.
وأخرج أبو الشيخ عن سنان قال: استثنى في أهل التوحيد، ثم قال: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما دامت السماوات والأرض ﴾ قال: لكل جنة سماء وأرض.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ما دامت السماوات والأرض ﴾ قال: سماء الجنة وأرضها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما دامت السماوات والأرض ﴾ قال: تبدل سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: إذا كان يوم القيامة أخذ الله السموات السبع والأرضين فطهرهن من كل قذر ودنس، وفصيرهن أرضاً بيضاء فضة نوراً يتلألأ، فصيرهن أرضاً للجنة، والسموات والأرض اليوم في الجنة كالجنة في الدنيا يصيرهن الله على عرض الجنة ويضع الجنة عليها، وهي اليوم على أرض زعفرانية عن يمين العرش، فأهل الشرك خالدين في جهنم ما دامت أرضاً للجنة.
وأخرج البيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: فقد شاء ربك أن يخلد هؤلاء في النار وأن يخلد هؤلاء في الجنة.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأما الذين شقوا...
﴾ قال: فجاء بعد ذلك من مشيئة الله فنسخها، فأنزل الله بالمدينة ﴿ إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً ﴾ [ النساء: 168] إلى آخر الآية.
فذهب الرجاء لأهل النار أن يخرجوا منها وأوجب لهم خلود الأبد.
وقوله: ﴿ وأما الذين سعدوا ﴾ الآية.
قال: فجاء بعد ذلك من مشيئة الله ما نسخها، فأنزل بالمدينة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات ﴾ [ النساء: 122] إلى قوله: ﴿ ظلاً ظليلاً ﴾ [ النساء: 57] فأوجب لهم خلود الأبد.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: استثنى الله أمر النار أن تأكلهم.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن عن عمر رضي الله عنه قال: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه.
وأخرج إسحاق بن راهويه عن أبي هريرة قال: سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرأ ﴿ فأما الذين شقوا...
﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم قال: ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية ﴿ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ﴾ قال: وقال ابن مسعود ليأتين عليها زمان تخفق أبوابها.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمراناً، وأسرعهما خراباً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: الله أعلم بمشيئته على ما وقعت.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: قد أخبر الله بالذي شاء لأهل الجنة فقال: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.
وأخرج ابن المنذر عن أبي وائل.
أنه كان إذا سئل عن الشيء من القرآن؟
قال: قد أصاب الله به الذي أراد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ قال: الزفير الصوت الشديد في الحلق، والشهيق الصوت الضعيف في الصدر.
وفي قوله: ﴿ غير مجذوذ ﴾ قال: غير مقطوع.
وفي لفظ: غير منقطع.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ ما الزفير؟
قال: زفير كزفير الحمار.
قال فيه أوس بن حجر: ولا عذران لاقيت أسماء بعدها ** فيغشى علينا إن فعلت وتعذر فيخبرها أن رب يوم وقفته ** على هضبات السفح تبكي وتزفر <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا ﴾ ، يقال (١) ﴿ سُعِدُوا ﴾ بضم السين (٢) [يكشف عن] (٣) (٤) وإنما هو المدلي، وكذلك قوله (٥) ومَهْمَهِ هالك من تعرجا في أحد القولين، والقول الآخر: أن تميمًا تقول: هلكني زيد، ومن الحذف قوله (٦) يخرجن من أجواز ليل غاض يريد: مُغْض، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾ وهي تلقح الشجر فإذا لقحتها وجب أن يكون الجمع: ملاقح: فجاء على حذف الزيادة، [وكذلك (مسعود) يجوز أن يكون على حذف الزيادة] (٧) ﴿ سُعِدُوا ﴾ أيضًا من أسعده الله، وقد جاء على حذف الزيادة كما ذكرنا في مسعود، هذا كلام المحققين من أهل اللغة (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ ، انتصب (عطاء) على المصدر بما دل عليه الأول، كأنه قيل: إعطاهم النعيم عطاءً غير مجذوذ، ويكون العطاء اسما أقيم مقام المصدر، كقول القطامي (١٦) وبعد عطائك المائة الرتاعا والمجذوذ: المقطوع في قول المفسرين (١٧) (١٨) والآية تدل على أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع أبدًا.
(١) "تهذيب اللغة" (سعد) 2/ 1690، اللسان (سعد) 4/ 2012.
(٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (سَعِدوا) بفتح السين وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم (سُعِدوا) بضم السين، "السبعة" 339 "الكشف" 1/ 536 "إتحاف" ص 260، الطبري 12/ 119.
(٣) ساقط من (ي).
(٤) من رجز ينسب للعجاج وبعده: عباءة غبراء من أجن طال انظر: "ديوانه" 321/ 2 الملحقات، "اللسان" (دلا) 3/ 1417، "أدب الكاتب" / 612، "تاج العروس" 7/ 193 (غثر)، "تهذيب اللغة" 2/ 1213.
(٥) القائل العجاج وقبله: عصرًا وخُضْنا عيشَهُ المعُدْلَجا والمعنى: من أقام بهذا المهمه فقد هلك: "ديوانه": 2/ 43، "الخصائص" 2/ 210، "المحتسب" 1/ 92 "المخصص" 6/ 127 "المقتضب" 4/ 180.
(٦) من أرجوزة لرؤبة يمدح فيها بلال بن أبي بردة، وبعده: نضو قداح النايل النواضي انظر: "ديوانه" 82، "المقتضب" 4/ 179، "المحتسب" 2/ 242، "اللسان" (غضا).
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٨) ما سبق نقله بتصرف عن أبي علي الفارسي في كتابه "الحجة" 4/ 378 - 380.
(٩) باب الوفاق هو من كتاب "فعلت وأفعلت" للزجاج، وهو مرتب على الحروف فيذكر ما ورد على صيغة (فعلت وأفعلت) في كل حرف ويقسمه إلى قسمين: الوفاق: وهو ما اتفق في المعنى، والخلاف: ما اختلف في المعنى.
انظر: الإحالة هنا في كتاب "فعلت وأفعلت" ص 21.
(١٠) كذا في جميع النسخ ولعل الصواب (بمعنى) بالباء.
(١١) في (ي): (معنى الإسعاد في باب الفعل فعل يفعل).
وينظر: "ديوان الأدب" للفارابي 2/ 201.
(١٢) "تهذيب اللغة" (سعد) 2/ 1690.
(١٣) "الدر المصون" 4/ 131.
(١٤) "البحر" 5/ 264، وهي قراءة حمزة والكسائي وحفص، وابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش.
(١٥) "البحر" 5/ 264، "الدر المصون" 4/ 131.
(١٦) القطامي وصدره: أكفرًا بعد رد الموت عني انظر: "ديوانه" / 37، "الخزانة" 1/ 391 "شرح الشواهد" للعيني 3/ 505، "اللسان" (عطا) 5/ 3001، السيوطي / 287، "الدرر" 1/ 161، 2/ 127، "تذكرة النحاة" ص 456، "معاهد التنصيص" 1/ 179، "المقاصد النحوية" 3/ 505.
(١٧) رواه الطبري 15/ 490 عن الضحاك وقتادة وابن عباس ومجاهد وأبي العالية وابن زيد، وانظر: الثعلبي 7/ 58 أ، البغوي 4/ 201، "زاد المسير" 4/ 162، القرطبي 9/ 103 ابن كثير 2/ 504.
(١٨) النابغة الذبياني من قصيدته المشهورة في مدح عمرو بن الحارث الأعرج يقول في وصف سيوف الغسانين، و (السلوقي) الدروع منسوبة إلى سلوق مدينة باليمن،== "الصفاح": الحجارة العراض، "الحباحب" الشرر الذي يسقط من الزناد، وانظر: "ديوانه" ص 32 "أمالي ابن الشجري" 2/ 269، "اللسان" (سلق)، "تهذيب اللغة" 2/ 1737، الطبري 15/ 489، الزجاج 3/ 80 والقرطبي 9/ 103.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَأْتِ ﴾ العامل في الظرف لا تكلم أو فعل مضمر؛ وفاعل يأت ضمير يعود على يوم مشهود وقال الزمخشري يعود على الله تعالى كقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ [الأنعام: 158] ويعضده عود الضمير عليه في قوله بإذنه ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ الضمير يعود على أهل الموقف الذي دل عليهم قوله: لا تكلم نفس ﴿ زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ الزفير: إخراج النفس، والشهيق ردّه، وقيل: الزفير صوت المحزون، والشهيق صوت الباكي، وقيل: الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر ﴿ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض ﴾ فيه وجهان أحدهما أن يراد به سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة أبداً، والآخر أن سكون عبارة عن التأبيد كقول العرب: ما لاح كوكب وما ناح الحمام وشبه ذلك مما يقصد به الدوام ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ في هذا الاستثناء ثلاثة أقوال: قيل إنه على طريق التأدب مع الله كقولك: إن شاء الله، وإن كان الأمر واجباً، وقيل: المراد به زمان خروج المذنبين من النار، ويكون الذين شقوا على هذا يعم الكفار والمذنبين، وقيل: استثنى مدة كونهم في الدنيا وفي البرزخ، وأما الاستثناء في أهل الجنة فيصح فيه القول الأول والثالث دون الثاني ﴿ غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ أي غير مقطوع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني ﴾ بالفتح ﴿ أريكم ﴾ بالإمالة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والبزي، وكذلك روى عن أهل مكة.
﴿ إني أخاف ﴾ ﴿ شقاقي أن ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ وصلواتك ﴾ كما مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ إن صلاتك سكن ﴾ {التوبة: 103] ﴿ توفيقي ﴾ بالفتح: أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ونافع ﴿ أرهطي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ بعدت ثمود ﴾ بالإظهار: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.
الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الواو ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ ما نشاء ﴾ ط ﴿ الرشيد ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ما استطعت ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ودود ﴾ ه ﴿ ضعيفاً ﴾ ج لأن "لولا" للابتداء مع الواو ﴿ لرجمناك ﴾ ز لحق النفي وكون الواو للحال أوجه ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والاخبار واتحاد المقصود وجه للوصل ﴿ ظهرياً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ كاذب ﴾ ط للفصل بين الخير والطلب ﴿ رقيب ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ثمود ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ فرعون ﴾ ج للنفي مع الواو للعطف أو للحال ﴿ برشيد ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المورود ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ المرفود ﴾ ه ﴿ وحصيد ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ج ﴿ تتبيب ﴾ ه ﴿ ظالمة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه.
التفسير: نقص المكيال يشمل معنيين: بأن ينقص في الإيفاء من القدر الواجب، ويزيد في الاستيفاء على القدر الواجب فيلزم في كلا الحالين نقصان حق الغير.
ثم علل النهي بقوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ أي بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من الله حقها أن تشكر لتزداد لا أن تكفر فتزال.
﴿ وإني أخاف عليكم ﴾ عن ابن عباس أنه فسر الخوف بالعلم.
وقال آخرون: إنه الظن الغالب لأنه كان يجوز ازدجارهم وانتهاءهم.
والعذاب المحيط المهلك المستأصل كأنه أحاط بهم بحيث لا ينفلت منهم أحد.
وزيادة اليوم لأجل المبالغة والإِسناد المجازي باعتبار ما هو واقع فيه واشتمل عليه ذلك اليوم.
قيل: هو عذاب الاستئصال في الدنيا.
وقيل: عذاب الآخرة والأظهر العموم.
قوله: ﴿ أوفوا المكيال ﴾ إلى قوله ﴿ أشياءهم ﴾ قد مر تفسير مثله في الأعراف.
وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ مضى تفسيره في أوائل البقرة، بقي في الآية سؤال وهو أنه نهى أوّلاً عن النقص ثم أمر بالإيفاء فهل فيه فائدة سوى التأكيد والتقرير؟
والجواب بعد تسليم أن النهي عن الشيء أمر بضده، هو أن النهي عن النقص في المبايعة وإن كان يفيد تصريحة تعييراً وتوبيخاً لكنه يوهم النهي عن أصل المبايعة، فلدفع هذا الخيال أمر بإيفاء الكيل، ففيه إباحة أصل المبايعة، مع التصريح بالنعت المستحسن في العقول لزيادة الترغيب.
وفي أيضاً فائدة أخرى من قبل تقييد الإيفاء بالقسط ليعلم أن ما جاوز العدل ليس بواجب بل هو فضل ومروءَة لا تقف عند حد، وإنما الواجب شيء من الإيفاء بقدر ما يخرج عن العهدة بيقين كما أن غسل الوجه لا يحصل باليقين إلا عند غسل شيء من الرأس ﴿ بقية الله ﴾ قيل: ثواب الله.
وقيل: طاعته ورضاه كقوله: ﴿ والباقيات الصالحات خير ﴾ وقيل: أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم ﴿ خير لكم ﴾ بشرط أن تؤمنوا لأن شيئاً من الأعمال لا ينفع مع الكفر إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح لكم.
ولا ريب أن الأمانة تجر الرزق لاعتماد الناس وإقبالهم عليه فينفتح له أبواب المكاسب، والخيانة تجر الفقر لتنفر الناس عنه وعن معاملته وصحبته.
قالت المعتزلة.
في إضافة البقية إلى الله دليل على أن الحرام لا يسمى رزق الله.
وقرىء ﴿ تقية الله ﴾ بالتاء الفوقانية أي اتقاؤه الصارف عن المعاصي والقبائح ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم لأجازيكم إنما أنا مبلغ ناصح وقد أعذر من أنذر.
قوله: ﴿ أصلاتك ﴾ قيل: أي دينك وإيمانك لأن الصلاة عماد الدين فعبر عن الشيء باسم معظم أركانه.
وقيل: المراد الأتباع لأنه أصل الصلاة ومنه المصلي للذي يتلو السابق والمعنى دينك أي أتباعه يأمرك بذلك.
والأظهر أن المراد به الأعمال المخصوصة يروى أن شعيباً كان كثير الصلاة فكان قومه إذا رأوه يصلي تغمزوا وتضاحكوا فقصدوا بقولهم: ﴿ أصلاتك تأمرك ﴾ السخرية والهزء فكأن الصلاة التي يداوم عليها ليلاً ونهاراً هي من باب الجنون والوساوس.
ومعنى ﴿ تأمرك أن نترك ﴾ تأمرك بتكليف أن نترك على حذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.
وقوله ﴿ أو أن نفعل ﴾ معطوف على ما في ما يعبد أي تأمرك صلاتك بترك ما عبد آباؤنا وبترك أن نفعل ﴿ في أموالنا ما نشاء ﴾ روي أنه كان ينهاهم عن قطع أطراف الدراهم كما كان يأمرهم بترك التطفيف والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير.
﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنه مجاز والمراد نسبته إلى غاية السفاهة والغواية فعكسوا تهكماً به.
وقيل: حقيقة وإنه كان معروفاً فيما بينهم بالحلم والرشد فكأنهم قالوا له: إنك المعروف بهذه السيرة فكيف تنهانا عن دين ألفناه وسيرة تعودناها.
ثم أشار إلى ما آتاه الله من العلم والهداية والنبوة والكرامة والرزق الحلال الحاصل من غير بخس ولا تطفيف، وجواب الشرط محذوف اكتفي عنه بما ذكر في قصتي نوح وصالح، والمعنى أرأيتم إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وقد آتاني بعد هذه السعادات الروحانية السعادات الدنيوية من الخيرات والمنافع الجليلة هل يسعني مع هذه الإكرامات أن أخون في وحيه ولا آمركم بترك الشرك وبفعل الطاعة والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟
﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه.
فالمعنى لا أجعل فعلي مخالفاً لقولي فلا أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ﴿ إن أريد إلا الإصلاح ﴾ إلا أن أصلحكم بالموعظة.
والنصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
﴿ ما استطعت ﴾ ما للمدة ظرفاً للإصلاح أي مدة استطاعتي لإصلاحكم، أو بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته منه، أو المضاف محذوف أي إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولاً للإصلاح فقد يعمل المصدر المعرف كقوله: ضعيف النكاية أعداءه.
أي إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم.
ثم بين أن كل ما يأتي ويذر فوقوعه بتسهيل الله وتأييده فقال: ﴿ وما توفيقي إلا بالله ﴾ والتوفيق أن توافق إرادة العبد إرادة الله ﴿ عليه توكلت ﴾ أخصه بتفويض الأمور إليه لأنه مبدأ المبادىء ﴿ وإليه أنيب ﴾ لأنه المعاد الحقيقي وفي ضمنه تهديد وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه.
ثم أوعدهم بقوله ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يكسبنكم خلافي ﴿ إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ﴾ من الغرق ﴿ أو قوم هود ﴾ من الريح العقيم ﴿ أو قوم صالح ﴾ من الصيحة ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ لم يقل "ببعيدة" حملاً على لفظ القوم لأنه مؤنث، ولا "ببعيدين" حملاً على معناه ولكنه على تقدير مضاف أي وما إهلاكهم ببعيد لأنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدهم.
أو المراد وما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد.
وجوزوا أن يسوّى في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.
﴿ إن ربي رحيم ودود ﴾ يجوز أن يكون بمعنى "فاعل" أو "مفعول" كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ وهذا حث لهم على الاستغفار والتوبة، وتنبيه على أن سبق الكفر والمعصية لا ينبغي أن يمنعهم عن الإيمان والطاعة.
ولما بالغ خطيب الأنبياء في التقرير والبيان ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقهُ كثيراً مما تقول ﴾ إما لقلة الرغبة أو قالوا تهكماً واستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول.
كأنهم جعلوا كلامه تخليطاً وهذياناً لا ينفعهم كثير منه.
وقيل: لأنه كان ألثغ ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ عن الحسن: مهينا أي لا عزة لك فيما بيننا ولا قوة فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً.
وفسر بعضهم الضعيف بالأعمى لأن العمى سبب الضعف، أو لأنه لغة حمير.
وزيف هذا القول أما عند من جوز العمى على الأنبياء فلأن لفظة ﴿ فينا ﴾ يأباه لأن الأعمى فيهم وفي غيرهم، وأما عند من لا يجوزه - كبعض المعتزلة - فلأن الأعمى لا يمكنه الاحتراز من النجاسات وأنه يخل بجواز كونه حاكماً وشاهداً، فلأن يمنع من النبوة كان أولى.
ثم ذكروا أنهم إنما لم يريدوا به المكروه ولم يوقعوا به الشر لأجل رهطه - والرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى السبعة - والرجم شر القتل وهو الرمي بالحجارة، أو المراد الطرد والإبعاد ومنه الشيطان الرجيم.
ثم أكدوا المذكور بقولهم ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ وإنما العزيز علينا رهطك لا خوفاً من شوكتهم ولكن لأنهم من أهل ديننا، فالكلام واقع في فاعل العز لا في الفعل وهو العز ولذلك قال في جوابهم ﴿ أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب، وإنما لم يقل أعز عليكم مني إيذاناً بأن التهاون بنبي الله كالتهاون بالله كقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ ﴿ واتخذتموه ﴾ أي أمر الله أو ما جئت به ﴿ وراءكم ظهرياً ﴾ منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب أي جعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر غير ملتفت إليه.
ثم وصف الله بما يتضمن الوعيد في حقهم قال: ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ .
ثم زاد في الوعيد والتهديد بقوله: ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ وقد مر تفسير مثله في "الأنعام" قال في الكشاف: الاستئناف يعني في ﴿ سوف تعلمون ﴾ وصل خفي تقديري وإنه أقوى من الوصل بالفاء وهو باب في أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.
ثم بالغ في التهديد بقوله: ﴿ وارتقبوا ﴾ انتظروا عاقبة الشقاق ﴿ إني معكم رقيب ﴾ راقب كالضريب بمعنى الضارب،أو مراقب كالعشير والنديم، أو مرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.
وباقي القصة على قياس قصة صالح وأخذ الصيحة وأخذت الصحية كلتا العبارتين فصيحة لمكان الفاصل إلا أنه لما جاء في قصة شعيب مرة الرجفة ومرة الظلة ومرة الصيحة ازداد التأنيث حسناً بخلاف قصة صالح.
وإنما دعاه عليه بقوله: ﴿ كما بعدت ثمود ﴾ لما روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح.
فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم.
قوله ﴿ بآياتنا وسلطان مبين ﴾ قال في التفسير الكبير: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات المفيدة للظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين.
والسلطان اسم لما يفيد القطع وإن لم يتأكد بالحس، والسلطان المبين مخصوص بالدليل القاطع الذي يعضده الحس.
وقال في كشاف: يجوز أن يراد أن الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها، وقوله: ﴿ إلى فرعون ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ ﴿ فاتبعوا أمر فرعون ﴾ أي شأنه وطريقه أو أمره إياهم بالكفر والجحود وتكذيب موسى ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي ليس في أمره رشد إنما فيه غي وضلال، وفيه تعريض بأن الرشد والحق في أمر موسى.
ثم إن قومه عدلوا عن اتباعه الى اتباع من ليس في أمره رشد قط، فلا جرم كما كان فرعون قدوة لهم في الضلال فكذلك يقدمهم أي تقدمهم يوم القيامة إلى النار وهم على أثره، ويجوز أن يراد بالرشد الإِحماد وحسن العاقبة فيكون المعنى وما أمر فرعون بحميد العاقبة.
ثم فسره بأنه ﴿ يقدم قومه ﴾ أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته.
ويقال: قدمه وقدمه بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدمه ومنه مقدمة الجيش ومثله أقدم ومنه مقدم العين.
وإنما قال ﴿ فأوردهم ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع.
والورد المورود الذي وردوه، شبّه فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه بالواردة.
ثم نعى عليهم بقوله: ﴿ وبئس الورد ﴾ الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده وتذكير ﴿ بئس ﴾ لتذكير الورد وإن كان هو عبارة عن النار كقولك: نعم المنزل دارك ولو قلت: نعمت جاز نظراً إلى الدار.
وفي تشبيه النار بالماء نوع تهكم بهم ﴿ وأتبعوا في هذه ﴾ حذف صفته في هذه الآية اكتفاء بما مر في قصة عاد.
و ﴿ بئس الرفد المرفود ﴾ أي بئس العطاء المعطى ذلك.
وقيل: الرفد العون والمرفود المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفدت أي أعينت وأمدت باللعنة في الآخرة، قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان لعنة من الله والملائكة واللاعنين في الدنيا ولعنة في الآخرة.
﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا أو ذلك النبأ بعض ﴿ أنباء القرى ﴾ المهلكة ﴿ نقصه عليك ﴾ خبر بعد خبر ثم استأنف فقال ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ أي ومنها حصيد والمراد بعضها باقٍ كالزرع القائم، على ساقه وبعضها عافي الأثر كالزرع المحصود ﴿ وما ظلمناهم ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿ ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا.
عن ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله ﴿ فما أغنت ﴾ فما قدرت أن ترد ﴿ عنهم آلهتهم التي يدعون ﴾ يعبدون وهي حكاية حال ماضية بأس الله حين جاء ﴿ وما زادوهم ﴾ يعني آلهتهم ﴿ غير تتبيب ﴾ تخسير.
تب خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران.
كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين في الدنيا على تحصيل المنافع ودفع المضار وستنفعهم عند الله في الآخرة فلم تنفعهم في الدنيا حين جاءهم عذاب الله وسيورثهم ذلك الاعتقاد عذاب النار في الآخرة فهم في خسران الدارين.
ثم بيَّن أن عذابه غير مقصور على أولئك الأقوام ولكنه يعم كل ظالم سيوجد فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الأخذ ﴿ أخذ ربك ﴾ فالأخذ مبتدأ وذلك خبره وقوله ﴿ وهي ظالمة ﴾ حال من القرى باعتبار أهلها ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾ وجيع صعب على المأخوذ وهو تحذير من وخامة عاقبة كل ظلم على الغير أو على النفس فعلى العاقل أن يبادر إلى التوبة ولا يغتر بالإمهال.
التأويل: ﴿ ولا تنقصوا ﴾ مكيال المحبة وميزان الطلب، فمكيال المحبة عداوة ما سوى الله، وميزان الطلب السير على قدمي الشريعة والطريقة ﴿ إني أراكم بخير ﴾ هو حسن الاستعداد الفطري وإني أخاف عذاب فساد الاستعداد في طلب غير الحق ﴿ بالقسط ﴾ في تعظيم أمرالله والشفقة على خلق الله.
﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ حقوق النصيحة وحسن العشرة في الله ولله ﴿ ولا تعثوا ﴾ في أرض وجودكم ﴿ مفسدين ﴾ ﴿ بقية الله ﴾ بقاؤكم ببقائه ﴿ خير لكم ﴾ مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان.
﴿ رزقاً حسناً ﴾ نوراً تاماً أراني به إصلاح الأمور والاستعدادات إن ساعدني التوفيق ﴿ وما ﴾ معاملة ﴿ قوم لوط ﴾ من معاملتكم ﴿ ببعيد ﴾ لأن الكفر كله ملة واحدة.
﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ لأن فرعون النفس أمارة بالسوء.
﴿ إذا أخذ القرى ﴾ قرى الأجساد ﴿ منها قائم ﴾ قابل لتدارك ما فات.
ومنها ما هو محصود بفوات الاستعداد والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ قوله: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ : ذلك ما سبق من ذكر القرى والقرون في هذه السورة من أنباء الغيب نقصه عليك؛ [لتفهم رسالتك بها]، ولتكون آية لنبوتك؛ لأنك لم تشاهدها، ولا اختلفت [إلى أحد] منهم فتعلمت منهم، ولا كانت الكتب بلسانك فيقولون: نظرت فيها فأخذت ذلك منها، ثم أنبأت على ما كان وقصصت عليهم؛ ليعلم أنك إنما عرفت بالله، فتكون آية لرسالتك.
وقوله: ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ قال بعض أهل التأويل ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ ﴾ : ترى مكانها وتنظر إليها، ومنها حصيد لا ترى له أثراً ولا مكاناً.
وقال بعضهم: قائم: أي: خاوية على عروشها، وحصيد: مستأصلة.
وعن الحسن قال: منها قائم وما حصد الله أكثر، أي: وما أهلك الله من القرى أكثر.
وأصله عندنا: منها قائم؛ نحو قرى عاد وثمود ومدين، أهلك أهلها وبقيت القرى لأهل الإسلام؛ لأنه يقول في قرى عاد: ﴿ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ الآية [الأحقاف: 25]، ومنها حصيد: ما أهلك أهلها والقرى جميعاً نحو قوم نوح؛ أهلكوا ببنيانهم، ونحو قريات قوم لوط أهلكت بأهلها أيضاً حتى لم يبق لا الأهل ولا البنيان، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ ﴾ هلك أهلها وبقي البنيان، ومنها حصيد: هو ما أهلك البنيان بأهله، حتى لم يبق لها أثر، وفيه وجوه ثلاثة: أحدها: آية لرسالته؛ لما ذكرناه وعبرة لأهل التقوى، وهو ما ذكر في آخره: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: عبرة لمن خاف عذاب الآخرة، وزجراً لأهل الشرك والكفر؛ لأنهم يذكرون ما نزل بأولئك فينزجرون عن صنيعهم فيه.
هذه الوجوه التي ذكرناها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ قوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ فيه وجهان: أي: لم نظلمهم؛ لأنهم وبنيانهم ملك لله - - وكل ذي ملك له أن يهلك ملكه، ولا يوصف بالظلم من أتلف ملكه، وهم ظلموا أنفسهم إذ أنفسهم ليست لهم في الحقيقة وكذلك بنيانهم، ومن أتلف ملك غيره فهو ظالم.
والثاني: أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ يقول: وما ظلمناهم بالعذاب؛ إذ هم يستوجبون ذلك بما ارتكبوا، فلم نضع العذاب في غير موضعه؛ بل هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها؛ حيث صرفوها إلى غير مالكها وعبدوا غيره، فهو ظلم؛ هذا التأويل في أنفسهم، وأما البنيان فهو، أنه إنما جعله لهم، فإذا هلكوا هم أهلك ما جعل لهم، إنما أبقي لهم ما داموا، فأما إذا بادوا هم فلا معنى لإبقاء البنيان.
وما ذكر من ظلمهم أنفسهم يحتمل وجوهاً: أحدها: ظلموا أنفسهم بعبادتهم غير الله.
والثاني: ظلموا أنفسهم بصرفهم الناس وصدهم عن سبيل الله وعن عبادة الله وتوحيده إلى عبادة غير الله.
والثالث: ظلموا أنفسهم بسؤالهم العذاب.
وقوله: ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ في هذا وجهان: أحدهما: ما أغنت عنهم عبادة آلهتهم التي عبدوها من دون الله لما جاء أمر ربّك؛ أي: عذاب ربك؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ...
﴾ الآية [الزمر: 3]، يخبر أن عبادتهم الأصنام لا تنفعهم المنفعة التي طمعوا.
والثاني: فما أغنت عنهم أنفس آلهتهم في دفع العذاب عنهم في أحوج حال إليها؛ لعجزهم في أنفسهم وضعفهم؛ كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ فإذا لم يملكوا ذلك في وقت الحاجة إليهم فكيف يملكونه في غيره من الحال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ يحتمل: ما زاد عبادتهم إياها غير تتبيب، أو ما زاد آلهتهم التي عبدوها غير تتبيب.
والتتبيب: قال عامة أهل التأويل: هو التخسير.
وقال أبو عوسجة: غير تتبيب: غير فساد، والتتبيب: الفساد.
وكذلك قال في قوله: ﴿ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ ﴾ أي: فساد.
وقال غيره: إلا في خسار وقال غيره: غير تخسير.
[وكذلك قالوا في قوله: ﴿ تَبَّتْ ﴾ أي: خسرت.
وقال أبو عبيدة: غير تتبيب: غير تدبير وإهلاك].
وكذلك قالوا في قوله: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ وكذلك قالوا في قول الناس: تبّاً لك.
وقال بعضهم: غير تتبيب غير شر، والتتبيب: الشر، والتبّ: الشر والخسران، وهما واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ ﴾ أي: هكذا يأخذ كفار هذه الأمة كما أخذ أولئك، أي: كما عذبنا الأمم الخالية وهي ظالمة مشركة كافرة، كذلك نعذب هذه الأمة [لكن أخر عن هذه الأمة]، وفيه رحمة أن ﴿ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ ، أي: أن أخذه بالعذاب أليم شديد، الأخذ نفسه يوصف بالشدة، ولكن لا يوصف بالألم، والعذاب يوصف بالألم، لكن لما وصف بالألم والشدة دل أن الأخذ أخذ بعذاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ﴾ هو ما ذكرناه: فيه عبرة لأهل التقوى ولمن خاف عذاب الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ ﴾ خصّ الناس بالذكر وإن كان الجمع لهم ولغيرهم؛ لأن الآية التي ذكر تكون لهم آية، أو لما هم المقصودون بالجمع بذلك اليوم - والله أعلم - قيل: يجمع فيه الأولون والآخرون ﴿ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ .
قال بعضهم: يشهده أهل السماء وأهل الأرض للعرض والحساب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ ﴾ أي: ما نؤخر العذاب عن هذه الأمة إلا لأجل معدود، وذكر هذا - والله أعلم - جواب ما استعجلوه من العذاب بقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ونحوه، فقال: وما نؤخر العذاب عنهم إلا لأجل معدود، إلا لوقت موقوت؛ أي: إلا لأجل معدود عند الله، ولو كان ما ذكر ابن عباس أنه سبعة آلاف فيكون معدوداً عند الناس، ويكون وقت القيامة معلوماً على قوله، وقد أخبر الله: ﴿ لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ أي: لا تكلم نفس بالشفاعة لأحد إلا بإذنه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ أو لا تكلم نفس لأهوال ذلك اليوم ولفزعه؛ كقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ وكقوله: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً ﴾ أو لا تكلم نفس من الأجلة والعظماء لأحد من دونهم بالشفاعة إلا بإذنه، وهو ما ذكرناه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ : فمنهم شقي بأعماله الخبيثة التي إذا اختارها وعملها أدخلته [النار، ومنهم سعيد بما أكرم من الطاعة والخيرات التي إذا اختارها وعملها أدخلته] الجنة، وكل عمل يعمله فيدخله الجنة فهو سعيد به، وكل عمل يعمله فيدخله النار فهو شقي به.
روي في ذلك خبر عن رسول الله روي عن عمر - - قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ سألت النبي فقلت: يا نبي الله، فعلام نعمل، على شيء قد فرغ منه أو شيء لم يفرغ منه؟
قال: بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له" فإن ثبت هذا فهو يدل لما ذكرناه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ ﴾ لما ذكرناه ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ قال بعضهم: الزفير هو كزفير الحمار في الصدر، وهو أول ما ينهق، وأمّا الشهيق فهو كشهيق الحمار في الحلق، فهو آخر ما يفرغ من نهيقه، فهو شهيق.
وقال بعضهم: الزفير هو ما لا يفهم منه شيء إنما هو كالأنين والجزع من شيء يصيبه لا يتبين منه؛ كقوله: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ والشهيق هو ما يرتفع منه الصوت يسمى شهيقاً.
ويحتمل ما ذكر من الزفير والشهيق أنهم يصيرون بعد كثرة دعائهم وندائهم حتى يكون منهم الزفير والشهيق لا يفهم؛ كصوت الدواب إذا أصابها ألم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ عن الحسن قال: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ : تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض؛ لأن السماء هذه أخبر أنها تنشق وتطوى وتبدل؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ ﴾ و ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ﴾ و ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ﴾ ونحوه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ إنما هو صلة الكلام؛ كأنه قال: خالدين فيها إلا ما شاء ربك، وقد يتكلم بمثل هذا على الصلة.
وقال بعضهم: يدوم لهم العذاب أبداً ما دامت السماوات والأرض [لأهل الدنيا ما كانوا فيها؛ لأنهما إنما تفنيان بعد فناء أهلها وإحياء الأهل والبعث، فأخبر أن العذاب يدوم لهم كما يدوم لأهل الدنيا السماء والأرض].
وقال بعضهم: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: ما دامت سماء الجنة وأرض الجنة، وسماء النار وأرض النار، لكن ذكر هذا لئلا يتوهم أهل الجنة والنار قبل هلاك سمائها وأرضها على ما يتوهم في توهم هلاك أهل الدنيا قبل هلاك سمائها وأرضها.
وقال بعضهم: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: ما دامت الأرض أرضاً والسماء سماء، يتكلمون على ما بعد من أوهامهم فناؤهما، أو على الصلة؛ يقول الرجل لآخر: لا أكلمك ما دام الليل والنهار: أي أبداً.
هذا تأويل قوله: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ وأما قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ قال بعضهم: إن ناساً من أهل التوحيد يعذبون في النار على قدر ذنوبهم وخطاياهم ثم يخرجون منها.
وقد روي في ذلك آثار؛ روي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - ما - عن النبي قال: "الاستثناء في الآيتين كلتيهما لأهل الجنة" ، يعني: الذين يخرجون من النار من أهل التوحيد ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ يقول: لم يشقوا شقاء من يخلد في النار وقال في الذين سعدوا إلا ما شاء ربك هم أولئك الذين لم ينالوا من السعادة ما نال أهل الجنة الذين لم يدخلوا النار.
وفي بعضها [عن النبي] أنه قال: "أما من يريد الله إخراجه [من النار] فإنهم يماتون فيها إماتة" وقال في خبر آخر: "أما من يريد الله له الخلود فلا يخرجون منها" وأمثال هذا من الأخبار، فإن ثبت هذا فهو المعتمد.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ أي: قد شاء لأهل النار الأبد والخلود، وشاء لأهل الجنة عطاء غير مجذوذ؛ أي: غير منقطع.
ويؤيد هذا التأويل ما ذكر في حرف ابن مسعود وأبي: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ في الآيتين؛ وفي الآية الأولى: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ وفي الأخرى: (ما دامت السماوات والأرض عطاء غير مجذوذ) وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي أنهما لم يذكرا الثنيا في أهل الجنة، وأصل هذا ما ذكر أبو عبيد قال: الاستثناء الذي هو في أهل السعادة فهو المشكل؛ لأنه يقال: كيف يستثني وقد وعدهم خلود الأبد في الجنة.
وقال في ذلك أقوالا لا أدري إلى من تسند، إلا أن لها مخارج في كلام العرب وشواهد في الآثار، وإنما يتكلم الناس في هذا على معاني العربية، والله أعلم بما أراد.
قال: فأحد هذه الوجوه في الاستثناء فيما يقال كالرجل يوجب على نفسه الشيء ليفعلنه، ثم يقول: إن شاء الله، وعزمه [و] ضميره مع استثنائه أنه فاعله، لا يريد غيره.
ومما يقوي هذا المذهب قول الله - -: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ فاستثنى، وقد علم أنهم داخلوه ألبتة.
ومنه ما روي في حديث مكة عن النبي حين قال: "ولا تحل لقطتها إلا لمنشد" وقال بعضهم: استثنى المنشد وهي لا تحل له، كما لا تحل لغيره.
والوجه الثاني بأن يكون "إلا" في معنى سوى؛ فإن العرب تفعل ذلك؛ تقول: عليك ألف درهم من قبل كذا وكذا، إلا الألف التي قبل ذلك؛ أي: سوى الألف التي قبل ذلك [وغير الألف التي قبل ذلك، وإلا الألف التي قبل ذلك]، فيكون المعنى على هذا أنه وعدهم خلود الأبد سوى ما أعد لهم من الزيادة في الكرامة والمنزلة التي لم يذكرها لهم.
ومما يقوي هذا التأويل ما روي عن نبي الله قال: "قال الله - -: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما اطلعتم عليه" ثم قرأ: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ...
﴾ الآية [السجدة: 17]؛ أفلا ترى أن هاهنا من الزيادة ما لم يطلعهم عليه.
والوجه الثالث: أن يكون الاستثناء من خلودهم في الجنة احتباسهم عنها ما بين البعث والحساب، وقد قيل ما ذكرناه أنه ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ الذي ذكر، إلى أن يصيروا إلى الجنة، ثم هو خلود الأبد؛ يقول: فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في الحساب.
ومما يقوي هذا المذهب ما قيل في قوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ قيل: ما بين الموت والبعث، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ ﴾ فقد اختلف القراء في قراءتها؛ قرأها الكسائي وحمزة.
بضم السين (سُعِدُواْ) وأما أبو عمرو وأهل المدينة وغيرهم من القراء قرءوا بفتح السين (سُعِدُواْ) على قياس (شَقُواْ).
قال أبو عوسجة: لا أعرف سعدوا بضم السين، وإنما هو سعدوا بفتح السين.
وقال أبو عوسجة (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي: غير مقطوع؛ كقوله: ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً ﴾ أي قطعاً، وقد ذكرنا قولهم في الزفير والشهيق على قدر حفظنا له.
<div class="verse-tafsir"
وأما السعداء الذين سبقت لهم السعادة من الله لإيمانهم وصلاح أعمالهم، فهم في الجنّة ماكثون فيها أبدًا ما دامت السماوات والأرض، إلا من شاء الله إدخاله النار قبل الجنّة من عصاة المؤمنين، إن نعيم الله لأهل الجنّة غير مقطوع عنهم.
من فوائد الآيات التحذير من اتّباع رؤساء الشر والفساد، وبيان شؤم اتباعهم في الدارين.
تنزه الله تعالى عن الظلم في إهلاك أهل الشرك والمعاصي.
لا تنفع آلهة المشركين عابديها يوم القيامة، ولا تدفع عنهم العذاب.
انقسام الناس يوم القيامة إلى: سعيد خالد في الجنان، وشقي خالد في النيران.
<div class="verse-tafsir" id="91.wMmEQ"