الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١٢٣ من سورة هود
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 69 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٢٣ من سورة هود من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى أنه عالم غيب السموات والأرض ، وأنه إليه المرجع والمآب ، وسيوفى كل عامل عمله يوم الحساب ، فله الخلق والأمر .
فأمر تعالى بعبادته والتوكل عليه; فإنه كاف من توكل عليه وأناب إليه .
وقوله : ( وما ربك بغافل عما تعملون ) أي : ليس يخفى عليه ما عليه مكذبوك يا محمد ، بل هو عليم بأحوالهم وأقوالهم وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء في الدنيا والآخرة ، وسينصرك وحزبك عليهم في الدارين .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا زيد بن الحباب ، عن جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران الجوني ، عن عبد الله بن رباح ، عن كعب قال : خاتمة " التوراة " خاتمة " هود " [ والله أعلم ] تم تفسير سورة هود .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولله ، يا محمد ، ملك كل ما غاب عنك في السموات والأرض فلم تطلع ولم تعلمه ، ولم تعلمه ، (11) كل ذلك بيده وبعلمه، لا يخفى عليه منه شيء، وهو عالم بما يعمله مشركو قومك ، وما إليه مصير أمرهم ، من إقامة على الشرك ، أو إقلاعٍ عنه وتوبة ، (وإليه يرجع الأمر كله) ، يقول: وإلى الله مَعَادُ كل عامل وعمله، وهو مجازٍ جميعَهم بأعمالهم، كما:- 18766- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: (وإليه يرجع الأمر كله)، قال: فيقضي بينهم بحكمه بالعدل.
* * * (فاعبده) ، يقول: فاعبد ربك يا محمد ، (وتوكل عليه) ، يقول: وفوِّض أمرك إليه ، وثق به وبكفايته، فإنه كافي من توكل عليه.
(12) * * * ، وقوله: (وما ربك بغافل عما تعملون) ، يقول تعالى ذكره: وما ربك ، يا محمد ، بساه عما يعمل هؤلاء المشركون من قومك ، (13) بل هو محيط به ، لا يعزب عنه شيء منه، وهو لهم بالمرصاد، فلا يحزنك إعراضهم عنك ، ولا تكذيبهم بما جئتهم به من الحقّ، وامض لأمر ربّك، فإنك بأعيننا.
18767- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا زيد بن الحباب، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، عن كعب ، قال: خاتمة " التوراة "، خاتمة " هود " (14) (آخر تفسير سورة هود ، والحمد لله وحده)
قوله تعالى : ولله غيب السماوات والأرض أي غيبهما وشهادتهما ; فحذف لدلالة المعنى .
وقال ابن عباس : خزائن السماوات والأرض .
وقال الضحاك : جميع ما غاب عن العباد فيهما .
وقال الباقون : غيب السماوات والأرض نزول العذاب من السماء وطلوعه من الأرض .
وقال أبو علي الفارسي : ولله غيب السماوات والأرض أي علم ما غاب فيهما ; أضاف الغيب وهو مضاف إلى المفعول توسعا ; لأنه حذف حرف الجر ; تقول : غبت في الأرض وغبت ببلد كذا .وإليه يرجع الأمر كله أي يوم القيامة ، إذ ليس لمخلوق أمر إلا بإذنه .
وقرأ نافع وحفص يرجع بضم الياء وبفتح الجيم ; أي يرد .فاعبده وتوكل عليه أي الجأ إليه وثق به .وما ربك بغافل عما تعملون أي يجازي كلا بعمله .
وقرأ أهل المدينة والشام وحفص بالتاء على المخاطبة .
الباقون بياء على الخبر .
قال الأخفش سعيد : " يعملون " إذا لم يخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - معهم ; قال : بعضهم وقال : تعملون بالتاء لأنه خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : قل لهم وما ربك بغافل عما تعملون .
وقال كعب الأحبار : خاتمة التوراة خاتمة " هود " من قوله : ولله غيب السماوات والأرض إلى آخر السورة .
تمت سورة هود ويتلوها سورة يوسف - عليه السلام - .
وقد فصل الله بين الفريقين، وأرى عباده، نصره لعباده المؤمنين, وقمعه لأعداء الله المكذبين.
{ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ْ} أي: ما غاب فيهما من الخفايا، والأمور الغيبية.
{ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ْ} من الأعمال والعمال، فيميز الخبيث من الطيب { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ْ} أي: قم بعبادته، وهي جميع ما أمر الله به مما تقدر عليه، وتوكل على الله في ذلك.
{ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ْ} من الخير والشر، بل قد أحاط علمه بذلك، وجرى به قلمه، وسيجري عليه حكمه، وجزاؤه.
تم تفسير سورة هود، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وسلم.
( ولله غيب السماوات والأرض ) أي : علم ما غاب عن العباد فيهما ( وإليه يرجع الأمر كله ) في المعاد .
قرأ نافع ، وحفص : " يرجع " بضم الياء وفتح الجيم : أي : يرد .
وقرأ الآخرون بفتح الياء وكسر الجيم ، أي : يعود الأمر كله إليه حتى لا يكون للخلق أمر .
( فاعبده وتوكل عليه ) وثق به ( وما ربك بغافل عما تعملون ) قرأ أهل المدينة ، والشام ، وحفص ، ويعقوب : " تعملون " بالتاء ها هنا وفي آخر سورة النمل .
وقرأ الآخرون بالياء فيهما .
قال كعب : خاتمة التوراة خاتمة سورة هود .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني ، أنبأنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ، أنبأنا أبو سعيد الهيثم بن كليب ، حدثنا أبو عيسى الترمذي ، حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن شيبان ، عن أبي إسحاق ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما قال : قال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ، قد شبت ، فقال صلى الله عليه وسلم : " شيبتني هود ، والواقعة ، والمرسلات ، وعم يتساءلون ، وإذا الشمس كورت " .
ويروى : " شيبتني هود وأخواتها " .
«ولله غيب السماوات والأرض» أي علم ما غاب فيهما «وإليه يَرجع» بالبناء للفاعل يعود وللمفعول يرد «الأمر كله» فينتقم ممن عصى «فاعبده» وحده «وتوكل عليه» ثق به فإنه كافيك «وما ربك بغافل عما يعملون» وإنما يؤخرهم لوقتهم وفي قراءة بالفوقانية.
ولله سبحانه وتعالى علم كل ما غاب في السموات والأرض، وإليه يُرْجَع الأمر كله يوم القيامة، فاعبده -أيها النبي- وفوِّض أمرك إليه، وما ربك بغافل عما تعملون من الخير والشر، وسيجازي كلاًّ بعمله.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الجامعة فقال : ( وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) .أى : ولله - تعالى - وحده علم جميع ما غاب عن الحواس فى السموات والأرض ، وإليه وحده يرجع الأمر كله من إحياء وإماتة ، وهداية وضلال ، وصحة ومرض ، ونصر وهزيمة .وما دام الأمر كذلك ( فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) أى : فأخلص له العبادة ، واجعل توكلك عليه وحده .( وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) بل هو مطلع وبصير بأعمال عباده جميعا ، لا يعزب عنه مثقال ذرة منها ، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .
اعلم أنه تعالى لما بلغ الغاية في الأعذار والإنذار، والترغيب والترهيب، أتبع ذلك بأن قال للرسول: ﴿ وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ولم تؤثر فيهم هذه البيانات البالغة ﴿ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ﴾ وهذا عين ما حكاه الله تعالى عن شعيب عليه السلام أنه قال لقومه، والمعنى: افعلوا كل ما تقدرون عليه في حقي من الشر، فنحن أيضاً عاملون.
وقوله: ﴿ اعملوا ﴾ وإن كانت صيغته صيغة الأمر، إلا أن المراد منها التهديد، كقوله تعالى لإبليس: ﴿ واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ﴾ وكقوله: ﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ﴾ وانتظروا ما يعدكم الشيطان من الخذلان فإنا منتظرون ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران والإحسان.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ وانتظروا ﴾ الهلاك فإنا منتظرون لكم العذاب.
ثم إنه تعالى ذكر خاتمة شريفة عالية جامعة لكل المطالب الشريفة المقدسة فقال: ﴿ وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض ﴾ .
واعلم أن مجموع ما يحتاج الإنسان إلى معرفته أمور ثلاثة.
وهي: الماضي والحاضر والمستقبل.
أما الماضي فهو أن يعرف الموجود الذي كان موجوداً قبله، وذلك الموجود المتقدم عليه هو الذي نقله من العدم إلى الوجود، وذلك هو الإله تعالى وتقدس.
واعلم أن حقيقة ذات الإله وكنه هويته غير معلومة للبشر ألبتة، وإنما المعلوم للبشر صفاته، ثم إن صفاته قسمان: صفات الجلال، وصفات الإكرام.
أما صفات الجلال، فهي سلوب، كقولنا: إنه ليس بجوهر ولا جسم، ولا كذا ولا كذا.
وهذه السلوب في الحقيقة ليست صفات الكمال، لأن السلوب عدم، والعدم المحض والنفي الصرف، لا كمال فيه، فقولنا لا تأخذه سنة ولا نوم إنما أفاد الكلام لدلالته على العلم المحيط الدائم المبرأ عن التغير ولولا ذلك كان عدم النوم ليس يدل على كمال أصلاً، ألا ترى أن الميت والجماد لا تأخذه سنة ولا نوم وقوله: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ إنما أفاد، الجلال والكمال والكبرياء، لأن قوله: ﴿ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ يفيد كونه واجب الوجود لذاته غنياً عن الطعام والشراب بل عن كل ما سواه، فثبت أن صفات الكمال والعز والعلو هي الصفات الثبوتية، وأشرف الصفات الثبوتية الدالة على الكمال والجلال صفتان: العلم والقدرة، فلهذا السبب وصف الله تعالى ذاته في هذه الآية بهما في معرض التعظيم والثناء والمدح.
أما صفة العلم فقوله: ﴿ وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض ﴾ والمراد أن علمه نافذ في جميع الكليات والجزئيات والمعدومات والموجودات والحاضرات والغائبات، وتمام البيان والشرح في دلالة هذا اللفظ على نهاية الكمال ما ذكرناه في تفسير قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ وأما صفة القدرة، فقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ ﴾ والمراد أن مرجع الكل إليه، وإنما يكون كذلك لو كان مصدر الكل ومبدأ الكل هو هو والذي يكون مبدأ لجميع الممكنات وإليه يكون مرجع كل المحدثات والكائنات، كان عظيم القدرة نافذ المشيئة قهاراً للعدم بالوجود والتحصيل جباراً له بالقوة والفعل والتكميل، فهذان الوصفان هما المذكوران في شرح جلال المبدأ ونعت كبريائه.
والمرتبة الثانية: من المراتب التي يجب على الإنسان كونه عالماً بها أن يعرف ما هو مهم له في زمان حياته في الدنيا، وما ذلك إلا تكميل النفس بالمعارف الروحانية والجلايا القدسية، وهذه المرتبة لها بداية ونهاية.
أما بدايتها فالاشتغال بالعبادات الجسدانية والروحانية.
أما العبادات الجسدانية، فأفضل الحركات الصلاة، وأكمل السكنات الصيام، وأنفع البر الصدقة.
وأما العبادة الروحانية فهي: الفكر، والتأمل في عجائب صنع الله تعالى في ملكوت السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض ﴾ وأما نهاية هذه المرتبة، فالانتهاء من الأسباب إلى مسببها، وقطع النظر عن كل الممكنات والمبدعات، وتوجيه حدقة العقل إلى نور عالم الجلال، واستغراق الروح في أضواء عالم الكبرياء، ومن وصل إلى هذه الدرجة رأى كل ما سواه مهرولاً تائهاً في ساحة كبريائه هالكاً فانياً في فناء سناء أسمائه.
وحاصل الكلام: أن أول درجات السير إلى الله تعالى هو عبودية الله، وآخرها التوكل على الله، فلهذا السبب قال: ﴿ فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ .
والمرتبة الثالثة: من المراتب المهمة لكل عامل معرفة المستقبل وهو أنه يعرف كيف يصير حاله بعد انقضاء هذه الحياة الجسمانية، وهل لأعماله أثر في السعادة والشقاوة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ والمقصود أنه لا يضيع طاعات المطيعين ولا يهمل أحوال المتمردين الجاحدين، وذلك بأن يحضروا في موقف القيامة ويحاسبوا على النقير والقطمير ويعاتبوا في الصغير والكبير، ثم يحصل عاقبة الأمر فريق في الجنة وفريق في السعير، فظهر أن هذه الآية وافية بالإشارة إلى جميع المطالب العلوية، والمقاصد القدسية، وأنه ليس وراءها للعقول مرتقى ولا للخواطر منتهى والله الهادي للصواب، تمت السورة بحمد الله وعونه، وقد وجد بخط المصنف رضي الله عنه في النسخة المنتقل منها تم تفسير هذه السورة قبل طلوع الصبح ليلة الاثنين من شهر رجب ختمه الله بالخير والبركة سنة إحدى وستمائة، وقد كان لي ولد صالح حسن السيرة فتوفي في الغربة في عنفوان شبابه، وكان قلبي كالمحترق لذلك السبب، فأنا أنشد الله إخواني في الدين وشركائي في طلب اليقين وكل من نظر في هذا الكتاب وانتفع به أن يذكر ذلك الشاب بالرحمة والمغفرة، وأن يذكر هذا المسكين بالدعاء وهو يقول: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوهاب ﴾ وصلى الله على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿ وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض ﴾ لا تخفى عليه خافية مما يجري فيهما، فلا تخفى عليه أعمالكم ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ ﴾ فلا بدّ أن يرجع إليه أمرهم وأمرك، فينتقم لك منهم ﴿ فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ فإنه كافيك وكافلك ﴿ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وقرئ: ﴿ تعملون ﴾ بالتاء: أي أنت وهم على تغليب المخاطب.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بنوحٍ ومَن كَذَّبَ به، وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وكان يوم القيامة من السعداء إن شاء الله تعالى ذلك» .
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ خاصَّةً لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِمّا فِيهِما.
﴿ وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴾ فَيَرْجِعُ لا مَحالَةَ أمْرُهم وأمْرُكَ إلَيْهِ.
وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ ﴿ يُرْجَعُ ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ فَإنَّهُ كافِيكَ.
وفي تَقْدِيمِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ عَلى التَّوَكُّلِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ إنَّما يَنْفَعُ العابِدَ.
﴿ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ أنْتَ وهم فَيُجازِي كُلًّا ما يَسْتَحِقُّهُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِالياءِ هُنا وفي آخِرِ « النَّمْلِ» .
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ : «مَن قَرَأ سُورَةَ هُودٍ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِنُوحٍ ومَن كَذَّبَ بِهِ وهُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ ولُوطٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وكانَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ السُّعَداءِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى» .
{وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض} لا تخفى عليه خافية مما يجرى فيها فلا تخفى عليه أعمالكم {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كله} فلابد
هود (١٢٣)
أن يرجع إليه أمرهم
وأمرك فينتقم لك منهم يُرجع نافع وحفص {فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} فإنه كافيك وكافلك {وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يعملون} وبالتاء مدني وشامي وحفص أي أنت وهم على تغليب المخاطب قيل خاتمة التوراة هذه الآية وفي الحديث من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى
سورة يوسف عليه السلام وهى مائة واحدى عشرة آية شامى واثنتا عشرة مكى
بسم الله الرحمن الرحيم
يوسف (١ _ ٣)
﴿ ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ كُلَّ ما غابَ في السَّماواتِ والأرْضِ ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ أحَدٌ سِواهُ جَلَّ وعَلا (وإلَيْهِ) لا إلى غَيْرِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ يُرْجَعُ الأمْرُ ﴾ أيِ الشَّأْنُ كُلُّهُ فَيَرْجِعُ لا مَحالَةَ أمْرُكَ وأمْرُهم إلَيْهِ، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ (يَرْجِعُ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ مِن رَجَعَ رُجُوعًا ﴿ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كافِيكَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ والتَّوَكُّلُ عَلى كَوْنِ مَرْجِعِ الأُمُورِ كُلِّها إلَيْهِ، وقِيلَ: عَلى ذَلِكَ، وكَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ غَيْبٍ أيْضًا، وفي تَأْخِيرِ الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَنِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ تَنْبِيهً عَلى أنَّ التَّوَكُّلَ لا يَنْفَعُ دُونَها وذَلِكَ لِأنَّ تَقَدُّمَهُ في الذِّكْرِ يُشْعِرُ بِتَقَدُّمِهِ في الرُّتْبَةِ أوِ الوُقُوعِ.
وقِيلَ: التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ لِأنَّ المُرادَ مِنَ العِبادَةِ امْتِثالُ سائِرِ الأوامِرِ مِنَ الإرْشادِ والتَّبْلِيغِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِنَ التَّوَكُّلِ التَّوَكُّلُ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: امْتَثِلْ ما أُمِرْتَ بِهِ وداوِمْ عَلى الدَّعْوَةِ والتَّبْلِيغِ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ في ذَلِكَ ولا تُبالِ بِالَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ ولا يَضِقُ صَدْرُكَ مِنهم ﴿ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ بِتاءِ الخِطابِ عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِ، وبِذَلِكَ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عامِرٍ وحَفْصٌ وقَتادَةُ، والأعْرَجُ وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيُّ أيْ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُ أنْتَ وما يَعْمَلُونَ هم فَيُجازِي كُلًّا مِنكَ ومِنهم بِمُوجَبِ الِاسْتِحْقاقِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ وذَلِكَ ظاهِرٌ، هَذا وفي زَوائِدِ الزُّهْدِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وفَضائِلِ القُرْآنِ لِابْنِ الضُّرَيْسِ عَنْ كَعْبٍ أنَّ فاتِحَةَ التَّوْراةِ فاتِحَةُ الأنْعامِ وخاتِمَتَها خاتِمَةُ هُودٍ ﴿ ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * * (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ ﴾ كامِلُ الشَّقاوَةِ ومِنهم سَعِيدٌ كامِلُ السَّعادَةِ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ ﴾ أيْ نارِ الحِرْمانِ عَنِ المُرادِ وآلامِ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ الآثامِ وهو عَذابُ النَّفْسِ ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ فَيَخْرُجُونَ مِن ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ مِن نِيرانِ القَلْبِ وذَلِكَ بِالسُّخْطِ والإذْلالِ ونِيرانِ الرُّوحِ وذَلِكَ بِالحَجْبِ واللَّعْنِ والقَهْرِ ﴿ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ لا حَجْرَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ ﴾ أيْ جَنَّةِ حُصُولِ المُراداتِ واللَّذّاتِ وهي جَنَّةُ النَّفْسِ ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ فَيَخْرُجُونَ مِن ذَلِكَ إلى ما هو أعْلى وأعْلى مِن جَنّاتِ القَلْبِ في مَقامِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ وجَنّاتِ الرُّوحِ في مَقامِ الشُّهُودِ وهُناكَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وقَدْ يُحْمَلُ التَّنْوِينُ عَلى النَّوْعِيَّةِ ويُؤَوَّلُ الِاسْتِثْناءِ بِخُرُوجِ الشَّقِيِّ مِنَ النّارِ بِالتَّرَقِّي مِن مَقامِهِ إلى الجَنَّةِ بِزَكاءِ نَفْسِهِ عَمّا حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَها ﴿ فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ أيْ في القِيامِ بِحُقُوقِ الحَقِّ والخَلْقِ وذَلِكَ بِالمُحافَظَةِ عَلى حُقُوقِهِ تَعالى والتَّعْظِيمِ لِأمْرِهِ والتَّسْدِيدِ لِخَلْقِهِ مَعَ شُهُودِ الكَثْرَةِ في الوَحْدَةِ والوَحْدَةِ في الكَثْرَةِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ ما بِشَرْطٍ مِن شَرائِطِ التَّعْظِيمِ ﴿ ومَن تابَ ﴾ عَنْ إنْيَتِهِ وذَنْبِ وُجُودِهِ مَعَك مِن المُؤْمِنِينَ المُوَحِّدِينَ إلى مَقامِ البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِقامَةَ المَأْمُورَ بِها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَوْقَ الِاسْتِقامَةِ المَأْمُورِ بِها مَن مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والعَطْفُ لا يَقْتَضِي أكْثَرَ مِنَ المُشارَكَةِ في مُطْلَقِ الفِعْلِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ ﴾ عَلى قَوْلٍ، ومِن هُنا قالَ الجُنَيْدُ قَدَّسَ سِرَّهُ: الِاسْتِقامَةُ مَعَ الخَوْفِ والرَّجاءِ حالُ العابِدِينَ، والِاسْتِقامَةُ مَعَ الهَيْبَةِ والرَّجاءِ حالُ المُقَرَّبِينَ، والِاسْتِقامَةُ مَعَ الغَيْبَةِ عَنْ رُؤْيَةِ الِاسْتِقامَةِ حالُ العارِفِينَ ﴿ ولا تَطْغَوْا ﴾ ولا تَخْرُجُوا عَمّا حَدَّ لَكم مِنَ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ الخُرُوجَ عَنْها زَنْدَقَةٌ (ولا تَرْكَنُوا) أيْ لا تَمِيلُوا أدْنى مَيْلٍ ﴿ إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ وهي النُّفُوسُ المُظْلِمَةُ المائِلَةُ إلى الشُّرُورِ في أصْلِ الخِلْقَةِ كَما قِيلَ: الظُّلْمُ مِن شِيَمِ النُّفُوسِ فَإنْ تَجِدْ ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لَمْ يَظْلِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسى الرِّضا عَنْ أبِيهِ عَنْ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَقْتَدُوا بِالمُرائِينَ والجاهِلِينَ وقُرَناءِ السُّوءِ، وقِيلَ: لا تَصْحَبُوا الأشْرارَ ولا تُجالِسُوا أهْلَ البِدَعِ ﴿ وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ أمْرٌ بِإقامَةِ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ عَلى ما عَلِمْتَ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الصَّلاةَ مِعْراجُ المُؤْمِنِ، وفي الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِها والأمْرُ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ ﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴾ قالَ الواسِطِيُّ: أنْوارُ الطّاعاتِ تُذْهِبُ بِظُلْمِ المَعاصِي.
وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَرْضَ لِلْمُؤْمِنِ بِالذَّنْبِ حَتّى سَتَرَ ولَمْ يَرْضَ بِالسَّتْرِ حَتّى غَفَرَ ولَمْ يَرْضَ بِالغُفْرانِ حَتّى بَدَّلَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴾ ، وقالَ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ في الأوْقاتِ المُشارِ إلَيْها وإذْهابِ الحَسَناتِ السَّيِّئاتِ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ تَذْكِيرٌ لِمَن يَذْكُرُ حالَهُ عِنْدَ الحُضُورِ مَعَ اللَّهِ تَعالى في الصَّفاءِ والجَمْعِيَّةِ والأُنْسِ والذَّوْقِ ﴿ واصْبِرْ ﴾ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ في الِاسْتِقامَةِ ومَعَ اللَّهِ تَعالى بِالحُضُورِ في الصَّلاةِ وعَدَمِ الرُّكُونِ إلى الغَيْرِ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ الَّذِينَ يُشاهِدُونَهُ في حالِ القِيامِ بِالحُقُوقِ ﴿ فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِنَ قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ حَضٌّ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ﴿ وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ ﴾ قِيلَ: القُرى فِيهِ إشارَةٌ إلى القُلُوبِ ﴿ وأهْلُها ﴾ إشارَةٌ إلى القُوى ﴿ ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مُتَساوِيَةً في الِاسْتِعْدادِ مُتَّفِقَةً عَلى دِينِ التَّوْحِيدِ ﴿ ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ في الوُجْهَةِ والِاسْتِعْدادِ ﴿ إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ﴾ بِهِدايَتِهِ إلى التَّوْحِيدِ وتَوْفِيقِهِ لِلْكَمالِ فَإنَّهم مُتَّفِقُونَ في المَذْهَبِ والمَقْصِدِ مُتَوافِقُونَ في السِّيرَةِ والطَّرِيقَةِ قِبْلَتُهُمُ الحَقُّ ودِينُهُمُ التَّوْحِيدُ والمَحَبَّةُ وإنِ اخْتَلَفَتْ عِباراتُهم كَما قِيلَ: عِباراتُنا شَتّى وحُسْنُكَ واحِدٌ ∗∗∗ وكُلٌّ إلى ذاكَ الجَمالِ يُشِيرُ ﴿ ولِذَلِكَ ﴾ الِاخْتِلافِ ﴿ خَلَقَهُمْ ﴾ وذَلِكَ لِيَكُونُوا مَظاهِرَ جَمالِهِ وجَلالِهِ ولُطْفِهِ وقَهْرِهِ، وقِيلَ: لِيَتِمَّ نِظامُ العالَمِ ويَحْصُلَ قِوامُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿ وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ أيْ أُحْكِمَتْ وأُبْرِمَتْ ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ لِأنَّ جَهَنَّمَ رُتْبَةٌ مِن مَراتِبِ الوُجُودِ لا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ تَعْطِيلُها وإبْقاؤُها في كَتْمِ العَدَمِ مَعَ إمْكانِها ﴿ وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ﴾ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن مُقاساتِهِمُ الشَّدائِدَ مِن أُمَمِهِمْ مَعَ ثَباتِهِمْ وصَبْرِهِمْ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ ﴿ وجاءَكَ في هَذِهِ ﴾ السُّورَةِ (الحَقُّ) الَّذِي لا يَنْبَغِي المَحِيدُ عَنْهُ ﴿ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وتَخْصِيصُ هَذِهِ السُّورَةِ بِالذِّكْرِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: لِلتَّشْرِيفِ، وإلّا فالقُرْآنُ كُلُّهُ كَذَلِكَ، والكُلُّ يَغْرِفُ مِن بَحْرِهِ عَلى ما يُوافِقُ مَشْرَبَهُ، ومِن هُنا قِيلَ: العُمُومُ مُتَعَلِّقُونَ بِظاهِرِهِ، والخُصُوصُ هائِمُونَ بِباطِنِهِ، وخُصُوصُ الخُصُوصِ مُسْتَغْرِقُونَ في تَجَلِّي الحَقِّ سُبْحانَهُ فِيهِ ﴿ ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ ﴾ عَلى اخْتِلافِ مَعانِيها ﴿ والأرْضِ ﴾ كَذَلِكَ ﴿ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴾ أيْ كُلُّ شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ فَإنَّ الكُلَّ مِنهُ ﴿ فاعْبُدْهُ ﴾ أسْقِطْ عَنْكَ حُظُوظَ نَفْسِكَ وقِفْ مَعَ الأمْرِ بِشَرْطِ الأدَبِ ﴿ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ لا تَهْتَمَّ بِما قَدْ كُفِيتَهُ واهْتَمَّ بِما نُدِبْتَ إلَيْهِ ﴿ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ فَيُجازِي كُلًّا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ وبِيَدِهِ أزِمَّةُ التَّحْقِيقِ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.
انْتَهى ما وُفِّقْنا لَهُ مِن تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ بِمَنِّ مَن بِيَدِهِ الكَرَمُ والجُودُ، ونَسْألُهُ سُبْحانَهُ أنْ يُيَسِّرَ لَنا إتْمامَ ما قَصَدْناهُ، ويُوَفِّقُنا لِفَهْمِ مَعانِي كَلامِهِ عَلى ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، والحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مَن لا نَبِيَّ مِن بَعْدِهِ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وجُنْدِهِ وحِزْبِهِ، ما غَرَّدَتِ الأقْلامُ في رِياضِ التَّحْرِيرِ، ووَرَدَتِ الأفْهامُ مِن حِياضِ التَّفْسِيرِ.
قال الله تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون بتوحيد الله تعالى، اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ يعني: على منازلكم، على إهلاكي، إِنَّا عامِلُونَ في أمركم.
يقال: وَانْتَظِرُوا بهلاكي، إِنَّا مُنْتَظِرُونَ بكم العذاب والهلاك، فهذا تهديد لهم.
ثم قال تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: غيب نزول العذاب، متى ينزل بكم، ويقال: سر أهل السموات وسر أهل الأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ يعني عواقب الأمور كلها ترجع إليه يوم القيامة فَاعْبُدْهُ يقول: أطعه واستقم على التوحيد، وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ يقول: فوض إليه جميع أمورك، وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ يعني: بما يفعل الكفار.
قرأ نافع وعاصم في رواية حفص: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ بضم الياء ونصب الجيم، على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
وقرأ الباقون: بنصب الياء وكسر الجيم، فيكون الفعل للأمر.
وقرأ نافع وعاصم، في رواية حفص: عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء على وجه المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء على وجه المغايبة، وروي عن كعب الأحبار، أنه قال: خاتمة السورة هذه الآية وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر السورة، وصلى الله على سيدنا محمد.
قال ع «١» : وذلك أن اللَّه تعالى خلق خَلْقاً للسعادة، وخَلْقاً للشقاوةِ، ثم يَسَّر كُلاًّ لما خلق له، وهذا نصٌّ في الحديث الصحيحِ، وجعل بَعْدُ ذلك الاختلاف في الدِّين على الحَقِّ هو أمارةَ الشقاوةِ، وبه علَّق العقابَ، فيصحُّ أَنْ يُحْمَلَ قولُ الحَسَن هنا:
وللاختلافِ خَلَقُهُمْ، أي: لثمرة الاختلافِ، وما يكونُ عنه مِنْ شقاوةٍ أو سعادةٍ، وقال أشْهَبُ: سألتُ مالكاً عن هذه الآية، فقال: خَلَقَهُمْ ليكونَ فريقٌ في الجنةِ، وفريقٌ في السعيرِ، وقيل غير هذا.
وقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي: نفذ قضاؤه، وحَقَّ أمره، واللام في لَأَمْلَأَنَّ: لام قسم.
وقوله سبحانه: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، و «كُلاًّ» مفعولٌ مقدَّم ب «نَقُصُّ» ، و «ما» بدلٌ من قوله: وَكُلًّا، ونُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ أي: نؤنِّسك فيما تلْقَاه، ونجعل لك الإِسْوَة.
وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ قال الحسنُ: هذِهِ إِشارة إِلى دار الدنيا «٢» ، وقال ابن عباس: هذِهِ، إِشارة إِلى السورة «٣» ، وهو قولُ الجمهور.
قال ع «٤» : ووجه تخصيص هذه السُّورة بوَصْفها بحقٍّ، والقرآن كلُّه حق أنَّ ذلك يتضمَّن معنى الوعيد للكفَرَة، والتنبيهِ للنَّاظر، أي: جاءك في هذه السورة الحَقُّ الذي أصَابَ الأُمَم الماضيةَ، وهذا كما يقالُ عند الشدائدِ: جَاءَ الحَقُّ، وإِن كان الحَقُّ يأتي في غَيْر الشدائدِ، ثم وصَف سبحانَه أنَّ ما تضمَّنته السورةُ هو موعظةٌ وذكْرَى للمؤمنينَ.
وقوله سبحانه: وَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ...
الآية: آية وعيد.
وقوله تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...
الآية: أية تعظيمٍ وانفراد بما لا حَظَّ لمخلوقِ فيهِ، ثم أمر سبحانه العَبْدَ بِعِبَادَتِهِ، والتوكُّلِ عليه، وفيهما زوالُ هَمِّهِ وصَلاَحُهُ، ووصُولُهُ إِلى رضوان اللَّه تعالى، فقال: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، اللَّهم اجعلنا مِمَّن توكَّل عليك، ووفَّقْتَهُ لِعَبَادَتِكَ كما ترضَى، وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليماً، والحمد لله على جزيل ما به أنعم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ: عِلْمُ ما غابَ عَنِ العِبادِ فِيهِما.
﴿ وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، " يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ " بِضَمِّ الياءِ.
وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُ " بِفَتْحِ الياءِ، والمَعْنى: إنَّ كُلَّ الأُمُورِ تَرْجِعُ إلَيْهِ في المَعادِ.
" فاعْبُدْهُ " أيْ: وحْدَهُ.
" وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ " أيْ: ثِقْ بِهِ.
﴿ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ " تَعْمَلُونَ " بِالتّاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَمَن قَرَأ بِالياءِ، فالمَعْنى: قُلْ لَهم: وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ.
ومَن قَرَأ بِالتّاءِ، فالخِطابُ لِلنَّبِيِّ ولِجَمِيعِ الخَلْقِ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، فَهو أعَمُّ مِنَ الياءِ، وهَذا وعِيدٌ، والمَعْنى: إنَّهُ يَجْزِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ.
قالَ كَعْبٌ: خاتِمَةُ التَّوْراةِ خاتِمَةُ " هُودٍ " .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ ﴾ ﴿ وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ قَوْلُهُ: "وَكُلًّا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ بِـ "نَقُصُّ"، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ ضَعِيفانِ.
و"ما" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "وَكُلًّا"، و ﴿ نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ﴾ أيْ: نُؤْنِسُكَ فِيما تَلْقاهُ، ونَجْعَلُ لَكَ الأُسْوَةَ في مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي هَذِهِ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى دارِ الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى السُورَةِ والآياتِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ قَصَصِ الأُمَمِ.
وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ السُورَةِ بِوَصْفِها بِـ"الحَقِّ"- والقُرْآنُ كُلُّهُ حَقٌّ- أنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ والتَنْبِيهَ لِلنّاظِرِ أيْ: جاءَكَ في هَذِهِ السُورَةِ الحَقُّ الَّذِي أصابَ الأُمَمَ الظالِمَةَ، وهَذا كَما يُقالُ عِنْدَ الشَدائِدِ: "جاءَ الحَقُّ"، وإنْ كانَ الحَقُّ يَأْتِي في غَيْرِ شَدِيدَةٍ وغَيْرِ ما وجْهٍ، ولا يُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ "جاءَ الحَقُّ"، ثُمَّ وصَفَ أيْضًا أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ السُورَةُ هي مَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، فَهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ لَفْظَةَ "الحَقُّ" إنَّما تَخْتَصُّ بِما تَضَمَّنَتْ مِن وعِيدٍ لِلْكَفَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ الآيَةُ.
هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ، أيِ: اعْمَلُوا عَلى حالاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِن كُفْرِكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ هُنا: "مَكانَتِكُمْ" واحِدَةٌ دالَّةٌ عَلى جَمْعٍ، وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تَصْلُحُ لِلْمُوادَعَةِ، وتَصْلُحُ أنْ تُقالَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ المَحْضِ والحَرْبُ قائِمَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ.
هَذِهِ آيَةُ تَعَظُّمٍ وانْفِرادٍ بِما لا حَظَّ لِمَخْلُوقٍ فِيهِ، وهو عِلْمُ الغَيْبِ، وتَبْيِينِ أنَّ الخَيْرَ والشَرَّ وجَلِيلَ الأشْياءِ وحَقِيرَها - مَصْرُوفٌ إلى أحْكامِ مالِكِهِ، ثُمَّ أمَرَ النَبِيَّ بِالعِبادَةِ والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وفِيها زَوالُ هَمِّهِ وصَلاحُهِ ووُصُولُهِ إلى رِضْوانِ اللهِ.
وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرُ نافِعٍ "يَرْجِعُ الأمْرُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ نافِعٌ: وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "يُرْجَعُ الأمْرُ" عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ، ورَواها ابْنُ أبِي الزِنادِ عن أهْلِ المَدِينَةِ.
وقَرَأ "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، والحَسَنِ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى بْنِ عَمْرٍو، وقَتادَةَ، والجَحْدَرَيِّ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ، وعِيسى.
وقَرَأ الباقُونَ: "يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى كِنايَةِ الغائِبِ.
تَمَّ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
كلام جامع وهو تذييل للسورة مؤذن بختامها، فهو من براعة المقطع.
والواو عاطفة كلاماً على كلام، أوْ واو الاعتراض في آخر الكلام ومثله كثير.
واللاّم في ﴿ لله ﴾ للملك وهو ملك إحاطة العلم، أي لله ما غاب عن علم الناس في السماوات والأرض.
وهذا كلام يجمع بشارة المؤمنين بما وُعدوا من النعيم المغيب عنهم، ونذارة المشركين بما تُوعَدوا به من العذاب المغيب عنهم في الدنيا والآخرة.
وتقديم المجروريْن في ﴿ ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر ﴾ لإفادة الاختصاص، أي الله لا غيره يملك غيب السماوات والأرض، لأنّ ذلك ممّا لا يشاركه فيه أحد.
وإلى الله لا إلى غيره يرجع الأمر كله، وهو تعريض بفساد آراء الذين عبدوا غيره، لأنّ من لم يكن كذلك لا يستحق أن يعبد، ومن كان كذلك كان حقيقاً بأن يفرد بالعبادة.
ومعنى إرجاع الأمر إليه: أنّ أمر التّدبير والنصر والخذلان وغير ذلك يرجع إلى الله، أي إلى علمه وقدرته، وإنْ حسَب الناس وهيّأوا فطالما كانت الأمور حاصلة على خلاف ما استعد إليه المستعد، وكثيراً ما اعتزّ العزيز بعزّته فلقي الخذلان من حيث لا يرتقب، وربّما كان المستضعفون بمحل العزة والنصرة على أولي العزة والقوة.
والتعريف في ﴿ الأمر ﴾ تعريف الجنس فيعمّ الأمور، وتأكيد الأمر ب ﴿ كله ﴾ للتّنصيص على العموم.
وقرأ مَن عدا نافعاً ﴿ يرجع ﴾ ببناء الفعل بصيغة النائب، أي يرجع كل ذي أمر أمره إلى الله.
وقرأه نافع بصيغة الفاعل على أن يكون (الأمر) هو فاعل الرجوع، أي يرجع هو إلى الله.
وعلى كلتا القراءتين فالرجوع تمثيل لهيئة عجز الناس عن التصرف في الأمور حسب رغباتهم بهيئة متناول شيء للتصَرّف به ثم عدم استطاعته التصرف به فيرجعه إلى الحري بالتصرف به، أو تمثيل لهيئة خضوع الأمور إلى تصرف الله دون تصرّف المحاولين التصرف فيها بهيئة المتجوّل الباحث عن مكان يستقرّ به ثم إيوائه إلى المقرّ اللائق به ورجوعه إليه، فهي تمثيلية مكنية رُمز إليها بفعل ﴿ يرجع ﴾ وتعديته ب ﴿ إليه ﴾ .
وتفريع أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعبادة الله والتوكّل عليه على رجوع الأمر كله إليه ظاهر، لأنّ الله هو الحقيق بأن يعبد وأن يتوكّل عليه في كلّ مهم.
وهو تعريض بالتخطئة للذين عبدوا غيره وتوكّلوا على شفاعة الآلهة ونفعها.
ويتضمّن أمر النبي عليه الصلاة والسّلام بالدّوام على العبادة والتوكّل.
والمراد أن يعبده دون غيره ويتوكّل عليه دون غيره بقرينة ﴿ وإليه يرجع الأمر كلّه ﴾ ، وبقرينة التفريع لأنّ الذي يرجع إليه كل أمر لا يعقل أن يصرف شيء من العبادة ولا من التوكّل إلى غيره، فلذلك لم يؤْتَ بصيغة تدل على تخصيصه بالعبادة للاستغناء عن ذلك بوجوب سبب تخصيصه بهما.
وجملة ﴿ وما ربك بغافل عَمّا تعملون ﴾ فذلكة جامعة، فهو تذييل لما تقدّم.
والواو فيه كَالْوَاو في قوله: ﴿ ولله غيبُ السّماوات والأرض ﴾ فإنّ عدم غفلته عن أيّ عمل أنّه يعطي كل عامل جزاء عمله إنْ خيراً فخير وإنْ شراً فشرّ، ولذلك علّق وصف الغافل بالعمل ولم يعلّق بالذوات نحو: بغافل عنكم، إيماء إلى أنّ على العمل جزاء.
وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب «عمّا تعملون» بتاء فوقية خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم والناس معه في الخطاب.
وقرأ من عداهم بالمثنّاة التحتيّة على أن يعود الضمير إلى الكفّار فهو تسلية للنبيء عليه الصلاة والسّلام وتهديد للمشركين.
وَفِي هَذا ﴿ الحَقُّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: صِدْقُ القِصَصِ وصِحَّةُ الأنْباءِ وهَذا تَأْوِيلُ مَن جَعَلَ المُرادَ السُّورَةَ.
الثّانِي: النُّبُوَّةُ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن جَعَلَ المُرادَ الدُّنْيا.
﴿ وَمَوْعِظَةٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: القُرْآنُ الَّذِي هو وعْظُ اللَّهِ تَعالى لِخَلْقِهِ.
الثّانِي: الِاعْتِبارُ بِأنْباءِ مَن سَلَفَ مِنَ الأنْبِياءِ ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ «والسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيْرِهِ» .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ أي منازلكم.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ وانتظروا إنا منتظرون ﴾ قال: يقول: انتظروا مواعيد الشيطان إياكم على ما يزين لكم.
وفي قوله: ﴿ وإليه يرجع الأمر كله ﴾ قال: فيقضي بينهم بحكمه العدل.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن الضريس في فضائل القرآن وابن جرير وأبو الشيخ عن كعب رضي الله عنه قال: فاتحة التوراة فاتحة الأنعام، وخاتمة التوراة هود ﴿ ولله غيب السماوات والأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ بغافل عما تعملون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ بِظُلْمٍ ﴾ هذا المجرور في موضع الحال من ربك والمعنى أنه لا يهلك أهل القرى ظالماً لهم، تعالى الله عن ذلك ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ يعني مؤمنة لا خلاف بينهم في الإيمان ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ يعني في الأديان والملل والمذاهب ﴿ ولذلك خَلَقَهُمْ ﴾ قيل: الإشارة إلى الاختلاف، وقيل: إلى الرحمة وقيل إليهما ﴿ وَكُلاًّ نَّقُصُّ ﴾ انتصب كلا بنقص وما بدل من كلا ﴿ وَجَآءَكَ فِي هذه الحق ﴾ الإشارة إلى السورة ﴿ اعملوا...
وانتظروا ﴾ تهديد لهم وإقامة حجة عليهم.
القراءات: ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء: يعقوب والمفضل.
الباقون بالنون ﴿ يوم يأتي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعر ونافع وأبو عمرو وعلي في الوصل.
الآخرون بحذف الياء ﴿ لا تكلم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ سعدوا ﴾ بضم السين: حمزة وعلي وخلف وحفص.
قيل إنه على حذف الهمزة من "أسعدوا" لأن ﴿ سعدوا ﴾ لازم ولكنه قد جاء المسعود، الآخرون بفتحها ﴿ وإن كلاً ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ونافع وأبو بكر وحماد.
الباقون بالتشديد.
﴿ لما ﴾ مشدداً: ابن عامر وعاصم ويزيد وحمزة و كذلك في "الطارق".
الباقون بالتخفيف ﴿ وزلفاً ﴾ بضمتين: يزيد.
الآخرون بفتح اللام ﴿ فؤادك ﴾ وبابه بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يرجع ﴾ مجهولاً: نافع وحفص والمفضل ﴿ تعملون ﴾ خطاباً وكذلك في آخر "النمل": أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.
الباقون على الغيبة.
الوقوف: ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ مشهود ﴾ ه ﴿ معدود ﴾ ط ﴿ بإذنه ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع فاء التعقيب.
﴿ وسعيد ﴾ ه ﴿ شهيق ﴾ ه لا لأن ما يتلوه حال والعامل فيه ما في النار من معنى الفعل ﴿ شاء ربك ﴾ ط ﴿ يريد ﴾ ه ﴿ شاء ربك ﴾ ط لأن التقدير يعطون عطاء ﴿ مجذوذ ﴾ ه ﴿ هؤلاء ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ منقوص ﴾ ه ﴿ فاختلف فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ خيبر ﴾ ه ﴿ ولا تطغوا ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ لا لأن ما بعده من تمام جزاء ولا تركنوا ﴿ تنصرون ﴾ ه ﴿ من الليل ﴾ ط ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ للذاكرين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لأن التقدير وقد اتبع ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مصلحون ﴾ ه ﴿ مختلفين ﴾ ه لا ﴿ رحم ربك ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ فؤادك ﴾ ج إذ التقدير وقد جاءك ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ مكانكم ﴾ ط ﴿ عاملون ﴾ ه لا للعطف ﴿ وانتظروا ﴾ ج أي فإنا ﴿ منتظرون ﴾ ط ﴿ وتوكل عليه ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي قصصنا عليك من أحوال الأمم ﴿ لآية ﴾ لعبرة ﴿ لمن خاف ﴾ أي لمن هو أهل لأن يخاف ﴿ عذاب الآخرة ﴾ كقوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ لأن انتفاعه يعود إليهم.
قال القفال - في تقرير هذا الاعتبار: إنه إذاعلم أن هؤلاء عذبوا على ذنوبهم في الدنيا وهي دار العمل فلأن يعذبوا عليها في الآخرة التي هي دار الجزاء أولى.
واعترض عليه في التفسير الكبير بأن ظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال في الدنيا.
والقفال جعل الأمر على العكس قال: والأصوب عندي أن هذا تعريض لمن زعم أن إله العالم موجب بالذات لا فاعل مختار، وأن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء عليهم السلام مثل الغرق والخسف والصيحة إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب، وإذا كان كذلك فلا يكون حصولها دليلاً على صدق الأنبياء عليهم السلام.
أما الذي يؤمن بالقيامة ويخاف عذابها فيقطع بأن هذه الوقائع ليست بسبب الكواكب واتصالاتها فيستفيد مزيد الخشية والاعتبار.
أقول: وهذا نظر عميق والأظهر ما ذكرت أوّلاً ومثله في القرآن كثير.
﴿ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ﴾ ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ﴾ ثم لما كان لعذاب الآخرة دلالة على يوم القيامة أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك يوم مجموع ﴾ أي يجمع لما فيه من الحساب والثواب والعقاب.
﴿ الناس ﴾ وأوثر اسم المفعول على فعله لأجل إفادة الثبات وأن حشر الأولين والآخرين فيه صفة له لازمة نظيره قول المتهدد: إنك لمنهوب مالك محروب قومك.
فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ أي مشهود فيه الخلائق فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به.
والفرق بين هذا الوصف والوصف الأول أن هذا يدل على حضور الناس فيه مع اطلاع البعض منهم على أحوال الباقين من المحاسبة والمساءلة ليس بحيث لا يعرف كل واحد إلا واقعة نفسه.
والجمع المطلق لا يفيد هذ المعنى وإنما فسرنا اليوم بأنه مشهود فيه لا أنه مشهود في نفسه لأن سائر الأيام تشركه في كونها مشهودات.
وإنما يحصل التمييز بأنه مشهود فيه دون غيره كما تميز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع بكونه مشهوداً فيه دونها ﴿ وما نؤخره إلا ﴾ لانتهاء ﴿ لأجل معدود ﴾ أي انقضاء مدة معلومة عيَّن الله وقوع الجزاء بعدها وفيه فائدتان: إحداهما أن وقت القيامة متعين لا يتقدم ولا يتأخر، والثانية أن ذلك الأجل متناهٍ وكل منتاهٍ فإنه يفنى لا محالة وكل آتٍ قريب.
ثم ذكر بعض أهوال ذلك اليوم فقال: ﴿ يوم يأت ﴾ حذف الياء والاكتفاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، وفاعل ﴿ يأتي ﴾ قيل: الله كقوله: ﴿ أو يأتي ربك ﴾ أي أمره أو حكمه دليله قراءة من قرأ ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء وقوله: ﴿ بإذنه ﴾ .
وقيل: المراد الشيء المهيب الهائل المستعظم فحذف ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف.
وقيل: فاعله ضمير اليوم والمراد إتيان هوله وشدائده كيلا يصير اليوم ظرفاً لإتيان اليوم.
وانتصاب ﴿ يوم ﴾ بـ ﴿ لا تكلم ﴾ أو باذكر مضمراً أو بالانتهاء المقدر أي ينتهي الأجل يوم يأتي وتاء التأنيث محذوفة من لا تكلم، والآيات الدالة على التكلم في ذلك اليوم مع الآيات الدالة على نفي التكلم كقوله : ﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ﴾ {النحل: 111] وكقوله: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ {المرسلات: 35] محمولة على اختلاف المواطن والأزمنة، أو نفى العذر الصحيح المقبول وأثبت العذر الباطل الكاذب.
ثم قسم أهل الموقف المجموعين للحساب أو الأفراد العامة التي دلت عليها نفس فقال: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ أي ومنه سعيد.
ولا خلاف في أن الشقاء والسعادة مقترنان بالعمل الفاسد والعمل الصالح ويترتب عليهما الجنة والنار في الآخرة، وإنما النزاع في أن العمل سبب للشقاء مثلاً كما هو مذهب المعتزلة، أو الشقاء سبب العمل كما هو مذهب أهل السنة، فيختلف تفسير الشقاء بحسب المذهبين فهو عند المعتزلة الحكم بوجوب النار له لإساءته، وعند السني جريان القلم عليه في الأزل بأنه من أهل النار وأنه يعمل عمل أهل النار والتحقيق في المسألة قد مر مراراً.
قيل: قد بقي ههنا قسم آخر ليسوا من أهل النار ولا من أهل الجنة كالمجانين والأطفال فهم أصحاب الأعراف، وتخصيص القسمين بالذكر لا يدل على نفي الثالث.
أما قوله في صفة أهل النار ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ ففيه وجوه قال الليث وكثير من الأدباء: الزفير استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه وحينئذٍ يرتفع صدره وينتفخ جنباه، والشهيق إخراج ذلك الهواء بجهد شديد من الطبيعة، وكلتا الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم.
والحاصل أنهم جعلوا الزفير بمنزلة ابتداء نهيق الحمار، والشهيق بمنزلة آخره.
وقال الحسن: إن لهب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى دركات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من النار، فارتفاعهم في النار هو الزفير، وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق.
وقال أبو مسلم: الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن، وربما يتبعها الغشية، وربما يحصل عقيبه الموت.
وقال أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر.
وقيل: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف.
وعن ابن عباس: لهم فيها بكاء لا ينقطع وحزن لا يندفع.
وقال أهل التحقيق: قوة ميلهم إلى الدنيا ولذاتها زفير، وضعفهم عن الاستسعاد بكمالات الروحانيات شهيق.
ثم إن قوماً ذهبوا إلى أن عذاب الكفار منقطع وله نهاية واستدلوا على ذلك بالقرآن والحديث والمعقول.
أما القرآن فقوله : ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ أي مدة بقائهما ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ وفيه استدلالان: الأول أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض المتناهية بالاتفاق.
الثاني استثناء المشيئة ويؤكد هذا النص قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ {النبأ: 23] وأما الحديث فما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد" وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً.
وأما المعقول فهو أن العقاب ضرر خال عن النفع لا في حق الله ولا في حق المكلف فيكون قبيحاً.
وأيضاً الكفر جرم متناه ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم.
والجمهور من الأمة على أن عذاب الكافر دائم.
وأجابوا عن الآية بأن المراد سموات الآخرة وأرضها المشار إليهما بقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ﴾ ولا بد لأهل الآخرة مما يظلهم ويقلهم فهما السماء والأرض، وإذا علق حصول العذاب للكافر بوجودهما لزم الدوام.
وأيضاً القرآن قد ورد على استعمالات العرب.
وإنهم يعبرون عن الدوام والتأبيد بقولهم "ما دامت السموات والأرض" ونظيره قولهم: "ما اختلف الليل والنهار".
و "ما أقام ثبير وما لاح كوكب".
ويمكن أيضاً أن يقال: حاصل الآية يرجع إلى شرطية هي قولنا: إن دامت السموات والأرض دام عقابهم فإذا قلنا لكن السموات والأرض دائمة لزم دوام عقابهم وهو المطلوب، وإن قلنا لكنهما لم تدوما فإنه لا ينتج مطلوب الخصم لأن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئاً.
وبعبارة أخرى دلت الآية على أنه كلما وجدت السموات والأرض وجد عقابهم.
فلو قلنا لكنهما لم يوجدا لم يلزم منه أن لا يوجد عقابهم، أو يوجد فالآية لا تدل على حصول العقاب لهم دهراً طويلاً ومدة مديدة.
وأما إنه هل يكون له آخر أم لا فذلك إنما يستفاد من دليل آخر كقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وأما الاستدلال بالاستثناء فقد ذكر ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء أن هذا الاستثناء لا ينافي عدم المشيئة كقولك و "الله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك" وقد يكون عزمك على ضربه ألبتة وتعلم أنك لا ترى غير ذلك.
وردّ بالفرق، فإن معنى الآية الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء الله، فالمشيئة قد حصلت جزماً.
ولقائل أن يقول: الماضي ههنا في معنى الاستقبال مثل ﴿ ونادى أصحاب الأعراف ﴾ ﴿ وسيق الذين اتقوا ﴾ فلم يبق فرق: وقيل: "إلا" بمعنى "سوى" أي سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له.
وقال الأصم وغيره: المراد زمان مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو في الموقف.
وقيل: الاستثناء يرجع إلى قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ كأنهم يصيرون آخر الأمر إلى الهمود والخمود.
وقيل: فائدة الاستثناء أن يعلم إخراج أهل التوحيد من النار والمراد إلا من شاء ربك، وهذا التأويل إنما يليق بقاعدة الأشاعرة وأكدوه بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ فكأنه يقول: أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد، وليس لأحد عليّ حكم ألبتة.
وأما المعتزلة فكأنهم لا يرضون بهذا ويقولون: إن الاستثناء الثاني لا يساعده لحصول الإجماع على أن أحداً من أهل الجنة لا يدخل النار.
فالصواب أن يقال: إنه استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة، فإن أهل النار ينقلون إلى الزمهرير وإلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأهل الجنة ينقلون إلى العرش أو إلى ما هو أعلى حالاً من الجنة كقوله: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ ثم قالوا: إنه ختم آية الوعيد بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ وآية الوعد بقوله: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ رعاية للمطابقة كأنه قال: إنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له والجذ القطع.
وأما الجواب عن الحديث فقد قال في الكشاف: إن صح فمعناه أنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها.
وأقول: يحتمل أن يكون الألف سبب عدم الإحساس بالعذاب بل يكون سبب الالتذاذ بالمألوف فيكون خلوّ جهنم إشارة إلى هذا المعنى.
وأما الجواب عن المعقول فهو أن السير في الله ومبدأه من عالم التكاليف لما كان غير متناهٍ فعذاب البعد عنه أيضاً يجب أن يكون غير متناهٍ: أو نقول: لا نهاية لنوره فلا غاية لظلمة الغافل عنه والمنكر له.
أو نقول: أوضح الأشياء الوجود الواجب فإذا كان الشخص ذاهلاً عنه كان مسلوب الاستعداد بالكلية فلا يكون إنساناً في الحقيقة، فلا يتصور له عروج من عالم الطبيعة، والعبارات في هذا المقام كثيرة والمعنى واحد يدركه من وفق له وخلق لأجله.
ولما فرغ من أقاصيص عبدة الأصنام وبيان أحوال الأشقياء والسعداء سلّى رسول الله بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن نهي له عن الامتراء في سوء مغبتهم قائلاً ﴿ فلا تك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال ﴿ في مرية ﴾ في شك ﴿ مما يعبد ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي من عبادة ﴿ هؤلاء ﴾ أو من الذي يعبده هؤلاء المشركون والمراد النهي عن الشك في سوء عاقبة عبادتهم.
ثم علل النهي مستأنفاً فقال: ﴿ ما يعبدون إلا كما يعبد ﴾ كالذي يعبده ﴿ آباؤهم ﴾ أو كعبادة آبائهم.
والحاصل أنهم شبهوا بآبائهم في لزوم الجهل والتقليد.
﴿ وإنا لموفوهم نصيبهم ﴾ من الرزق والخيرات الدنيوية أو من إزالة العذر وإزاحة العلة بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، أو نصيبهم من العذاب كما وفينا آباؤهم أنصباؤهم.
وفي الكشاف أن ﴿ غير منقوص ﴾ حال من النصيب ليعلم أنه تام كامل إذ يجوز أن يوفي بعض الشيء كقولك وفيته شطر حقه.
قلت: هي مغالطة لأن قول القائل: "وفيته شطر حقه" التوفية تعود إلى الشطر.
فلو قيل: غير منقوص كان كالمكرر.
وعاد السؤال.
فالصواب أن يقال: إنه حال مؤكدة أو صفة تقوم مقام المصدر أي توفية نحو ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ أي إفساداً.
ثم أورد نظيراً لإنكارهم نبوّة محمد صلى الله فقال: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ﴾ آمن به قوم وكفر به قوم آخرون كما اختلف في القرآن، والغرض أن إنكار الحق عادة قديمة للخلق ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ هي أن رحمتي سبقت غضبي أو هي ان دار الجزاء الآخرة لا الدنيا أو هي أن هذه الأمة لا يعذبون بعذاب الاستئصال.
﴿ لقضي بينهم ﴾ بين قوم موسى أو بين قومك بتمييز المحق من المبطل بسبب الإنجاء والإهلاك وهذه من جملة التسلية أيضاً ﴿ وإنهم ﴾ يعني قوم موسى أو قومك ﴿ لفي شك منه ﴾ من كتابه أو من كتابك أو من أمر المعاد أو القضاء أو الجزاء.
ثم جميع الأولين والآخرين في حكم توفية الجزاء ثواباً أ وعقاباً فقال: ﴿ وإن كلاً ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي وإن كلهم يعني أن جميع المختلفين فيه.
ومن قرأ بالتخفيف فعلى إعمال المخففة إذ لا يلزم من التخفيف إبطال العمل كما في "لم يكن" "ولم يك".
ومن قرأ "لما" مخففاً فاللام هي الداخلة في خبر "إن" و "ما" مزيدة للفصل بين لام "إن" وبين لام جواب القسم المقدر كما فصلوا بالألف بين النونات في قولهم "أضربنان".
ويمكن أن يكون "ما" نكرة أي لخلق أو جمع.
والله ليوفينهم ربك أعمالهم من حسن وقبيح وإيمان وجحود.
ومن قرأ "لما" مشدداً فأصله "لمن ما" قلبت النون ميماً فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت الأولى تخفيفاً، وجاز حذف الأولى وإبقاء الساكنة لاتصال اللام بها.
ويجوز أن يكون أصله "لما" بالتنوين - كما في قراءتي الزهري وسليمن بن أرقم - فحذف فبقى "لما" ممدوداً ومعناه ملومين أي مجموعين.
وقرأ أبيّ ﴿ وإن كل لما ليوفينهم ﴾ على أن "إن" نافية و"لما" بمعن "إلا" كما في الطارق.
ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات توفية الجزاء وأن شيئاً من الحقوق لا يضيع عنده.
منها لفظة "إن"، ومنها لام خبر "إن"، ومنها "كل"، ومنها "ما" المزيدة، ومنها القسم، ومنها لا القسم، ومنها نون التأكيد، ومنها لفظ التوفية، ومنها ربك فإن من يربيك يقدر على توفية حقك، ومنها الجمع المضاف، ومنها ختم الآية بقوله: ﴿ إنه بما يعملون خبير ﴾ فإنه إذا كان عالماً بكل المعلومات قادراً على كل المقدورات كان عالماً بعمل كل احد وبمقدار جزاء عمله، وقادراً على إيصال ذلك إليه، ثم إن كلامه حق وصدق وقد أخبر عن التوفية مع المؤكدات المذكورة فيقع وعده ووعيده لا محالة.
ثم أمر نبيه لتقتدي به أمته بكلمة جامعة للعقائد والأعمال قائلاً ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ عن جعفر الصادق .
معناه افتقر إلى الله بصحة العزم يعني الوثوق به والتوكل عليه ﴿ ومن تاب معك ﴾ عطف على الضمير في ﴿ فاستقم ﴾ وصح للفصل أو هو ابتداء أي ومن تاب معك فليستقم أو مفعول معه.
ثم كما أمر بالاستقامة على جادّة الحق نهى عن الانحراف عنها فقال ﴿ ولا تطغوا ﴾ والطغان مجاوزة الحد.
وقال ابن عباس: يريد تواضعوا للحق ولا تتكبروا على الخلق.
وخصص بعضهم الطغيان بالتجاوز عن حدود القرآن بتحليل حرامه وتحريم حلاله.
وهذه الآية أصل عظيم في الشريعة فيكون الترتيب في الوضوء واجباً كما ورد في القرآن، وكذلك القول في الحدود والكفارات ونصاب الزكاة وأعداد الركعات وغيرها من جميع المأمورات والمنهيات.
ويجب الاحتياط في المسائل الاجتهادية وفي القياسات.
وكذا في الأخلاق والملكات وفي كل ما له طرفا إفراط وتفريط فهما مذمومان.
والمحمود هو الوسط وهو الصراط المستقيم المأمور بالاستقامة والثبات عليه.
ولا ريب أن معرفته صعبة وبتقدير معرفته فالعمل به والبقاء عليه أصعب ولهذا قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله آية في القرآن أشد ولا أشق من هذه حتى إن أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب فقال : " شيبتني هود " أعني هذه الآية منها.
ثم لما كان لقرين السوء مدخل عظيم في تغيير العقائد وتبديل الأخلاق نهى عن مخالطة من يضع الشيء في غير موضعه فقال: ﴿ ولا تركنوا ﴾ أي لا تميلوا بالمحبة والهوى ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ فقال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة وتحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلتهم لدفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة فغير داخلة في الركون.
أقول: هذا من طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ وفي قوله: ﴿ فتمسكم النار ﴾ إشارة إلى أن الظلمة أهل النار بل هم في النار أو كالنار ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ﴾ ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار.
وقوله: ﴿ وما لكم من دون الله ﴾ من تتمة الجزاء.
وقال في الكشاف: الواو للحال ﴿ من أولياء ﴾ من أنصار أي لا يقدر على منعكم من عذاب الله إلا هو.
﴿ ثم لا تنصرون ﴾ ثم لا ينصركم هو أيضا.
وفيه إقناط كلي.
وفائدة "ثم" تبعيد النصرة من الظلم.
قال أهل التحقيق: الركون الميل اليسير وقوله: ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ أي الذين حدث منهم الظلم.
فلم يقل "ولا تميلوا إلى الظالمين" ليدل على أن قليلاً من الميل إلى من حدث منه شيء من الظلم يوجب هذا العقاب، وإذا كان هذا حال من ركن إلى من ظلم فكيف يكون حال الظالم في نفسه؟
عن رسول الله "من دعا الظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه" .
وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك.
وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارىء على باب هؤلاء.
ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء؟
فقال: لا.
فقيل له: يموت.
فقال: دعه يموت.
ثم خص من أنواع الاستقامة إقامة الصلاة تنبيهاً على شرفها فقال: ﴿ وأقم الصلاة ﴾ قيل: تمسك بعض الخوارج بهذه الآية على أن الواجب من الصلاة ليس إلا الفجر والعشاء لأنهما طرفا النهار وهما الموصوفان بكونهما زلفاً من الليل، فإن ما لا يكون نهاراً يكون ليلاً.
غاية ما في الباب أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف وهو كثير في كلامهم، ولئن سلم وجوب صلاة أخرى إلا أن قوله: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يشعر بأن إقامة الصلاة طرفي النهار كفارة لترك سائر الصلوات.
وجمهور الأمة على بطلان هذا القول واستدلوا بالآية على وجوب الصلوات الخمس لأن طرفي النهار منصوب على الظرف لإضافتهما إلى الوقت فيكتسب المضاف حكم المضاف إليه كقولك "أتيته نصف النهار" والطرفان هما الغدوة وهي الفجر والعشية وفيها الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشيّ ﴿ وزلفاً ﴾ جمع زلفة كظلم وظلمة أي ساعات ﴿ من الليل ﴾ قريبة من آخر النهار من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه.
وقرىء ﴿ زلفاً ﴾ بسكون اللام نحو "بسرة" و "بسر".
والزلف فيمن قرأ بضمتين نحو "بسر" و "بسر".
وقيل: ﴿ زلفاً ﴾ أي قرباً فيكون معطوفاً على الصلاة أي أقم الصلاة وأقم زلفاً أي صلوات يتقرب بها إلى الله عز وجل في بعض الليل.
وبالجملة فصلاة الزلف والمغرب والعشاء.
وقيل: إن طرفي النهار لا يشمل إلا الفجر والعصر وبه استدل على مذهب أبي حنيفة أن التنوير بالفجر أفضل وتأخير العصر أفضل، لأن الأمة أجمعت على أن نفس الطرفين - وهما وقت الطلوع والغروب - لا يصلح لإقامة الصلاة، فكل وقت كان أقرب إلى الطرفين كان أولى بإقامة الصلاة فيه حملاً للمجاز على ما هو أقرب إلى الحقيقة ما أمكن.
هذا ما ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره.
ولقائل أن يقول: هذا لا يتمشى في صلاة الفجر لأن الطرف الأول للنهار في الشرع هو طلوع الصبح الصادق، والتنوير مبعد الصلاة منه لا مقرّب.
ولا أدري كيف ذهب عليه هذا المعنى مع إفراط عصبيته للشافعي.
واستدل أيضاً لأبي حنيفة على مذهبه في وجوب الوتر أن أقل الجمع ثلاثة فتجب إقامة الصلاة على النبي في ثلاث زلف من الليل أي ثلاث ساعات ذهب منها ساعتان للمغرب والعشاء فتعين أن تكون الساعة الثالثة للوتر، وإذا وجب عليه وجب على أمته لقوله: ﴿ فاتبعوه ﴾ ولمانع أن يمنع أن أقل الجمع ثلاثة أشياء، ثم إن كل ساعة لأجل صلاة، ثم إن كل ما يجب على النبي يجب على الأمة لأن الاتباع هو الإتيان بمثل فعله أعم من أن يكون على تلك الجهة أم لا.
﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال المفسرون: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: إن في البيت أجود من هذا.
فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها وأصاب منها كل ما يصيب الرجل من زوجته سوى الجماع، ثم ندم فأتى رسول الله فأخبره بما فعل فقال: أنتظر أمر ربي فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال: نعم اذهب فإنها كفارة لما عملت.
فقيل له: هذا له خاصة أم للناس عامة؟
فقال: بل للناس عامة.
وروي أنه قال له: " توضأ وضوءاً حسناً وصل ركعتين" .
﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال ابن عباس: أي الصلوات الخمس كفارة لسائر الذنوب ما لم تكن كبيرة.
وقيل: المراد إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وعن مجاهد: الحسنات قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وقد يحتج بالآية على أن المعصية لا تضرّ مع الإيمان الذي هو رأس الأعمال الحسنة.
﴿ ذلك ﴾ المذكور من قوله: ﴿ فاستقم ﴾ إلى ههنا ﴿ ذكرى للذاكرين ﴾ عظة للمتعظين وإرشاد للمسترشيدن.
ثم أمر بالصبر على التكاليف المذكورة أمراً ونهياً، ونص عن أن الإتيان بها إحسان وأن جزاءه سيحصل لا محالة فقال: ﴿ واصبر ﴾ الآية.
ثم عاد الى أحوال الأمم الخالية وبين أن السبب في حلول عذاب الاستئصال بهم أمران: الأول أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد وذلك قوله: ﴿ فلولا ﴾ أي فهلا ﴿ كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ﴾ ذوو خير ورشد وفضل، وذلك أن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصارت البقية مثلاً في الجودة.
يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم.
ومن أمثالهم "في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا".
وجوّز في الكشاف أن يكون من البقوى كالتقية في التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه ﴿ إلا قليلاً ﴾ استثناء متصل لأن في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون ناس ناهون إلا ناساً قليلاً.
ومن في ﴿ ممن أنجينا ﴾ للبيان أي هم الذين أنجيناهم.
قال في الكشاف: لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم.
ولقائل أن يقول: إذا كان النهي عن المنكر فرض كفاية لم يلزم أن تنحصر النجاة في الناهين؟
فيحتمل أن تكون من للتبعيض ويجوز - على ما في الكشاف - أن يكون الاستثناء منقطعاً معناه ولكن قليلاً ممن أنجيناه من القرون نهوا عن الفساد.
قال: ولو جعلته متصلاً على ما عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسداً لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم.
تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن: أقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من استثناء الصلحاء منهم أنه لا حاجة لهم إلى التحضيض كأنك قلت: أحضض قومك على القراءة إلا الصلحاء فإنهم لا يحتاجون إلى ذلك لأنهم مواظبون عليها، على أن في جعل الاستثناء منقطعاً شبه تناقض، لأن أول الكلام يدل على أنه لم يكن فيهم ناهٍ وآخره يدل على أن القليل منهم قد نهوا فتأمل في هذا المقام فإنه من مزلة الأقدام.
السبب الثاني.
في نزول العذاب قوله: ﴿ واتبع الذين ظلموا ما أترفوا ﴾ ما غرقوا ﴿ فيه ﴾ من التنعم والتترف من حيث الرياسة والثروة وأسباب العيش الهنيّ ورفضوا ما وراء ذلك مما يتعلق بأمر الدين، فهذه الجملة معطوفة على مدلول الجملة التحضيضية أي ما كان من القرون ناس كذا واتبع الظالمون كذا.
ويجوز أن يكون في الكلام إضمار والواو للحال كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاء إترافهم.
والمترف الذي أبطرته النعمة، وصبي مترف منعم البدن.
وقوله: ﴿ وكانوا مجرمين ﴾ إما معترضة وإما معطوف على ﴿ اتبع ﴾ أي وكانوا مجرمين بذلك، أو على ﴿ أترفوا ﴾ أي اتبعوا الإتراف.
وكونهم مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام، أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر.
ثم بين أنه ما ينبغي له أن يهلك القرى بظلم.
قال أهل السنة: أي بسبب مجرد الشرك والحال أنهم مصلحون في المعاملة والعشرة فيما بينهم، وذلك أن حقوق الله مبنية على المساهلة بخلاف حقوق العباد، وهذا كما قيل: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.
ويؤكد هذا التفسير أن عذاب الاستئصال إنما نزل بقوم لوط وشعيب لما حكى الله عنهم من إيذاء الناس والإفساد في الأرض.
وقالت المعتزلة قوله: ﴿ بظلم ﴾ حال من الفاعل والمعنى استحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالماً لها وأهلها قوم مصلحون في العمل تنزيهاً لذاته عن الظلم وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين ظلم.
ثم ذكر أن الكل بمشيئته وإرادته فقال: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ مهدية.
والمعتزلة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر وقد مر مراراً.
﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ في الأديان والأخلاق والأفعال، فمنهم من أنكر العلوم كلها حتى الحسيات والضروريات وهم السوفسطائية، ومنهم من سلم استنتاج العلوم كلها والمعارف ولم يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلاً وهم الدهرية، ومنهم من أثبت له مبدأ موجباً بالذات وهم الفلاسفة على ما أشتهر منهم ولهذا المقام تحقيق ليس ههنا موضع بيانه، ومنهم من أنكر النبوات وهم البراهمة، ومنهم من أثبتها وهم المسلمون والمجوس واليهود والنصارى.
وفي كل واحد من هذه الطوائف اختلافات لا تكاد تدخل تحت الحصر، وإنما لا يحمل الاختلاف في الآية على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمار بل حملناه على الاختلاف في الأديان وما يتعلق بها لأنه ينبو عن ذلك ما قبل الكلام وهو قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ وما بعده وهو قوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ قالت المعتزلة: إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم فاتفقوا على الدين الحق.
وقال أهل السنة: جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضاً في حق الكافر وهذه الرحمة أمر مختص بالمؤمن مرجح لجانب الإيمان وصدوره منه فإذن الإيمان بخلق الله وتكوينه وكذا ضده.
ثم قال: ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ فاختلف العلماء في المشار إليه بذلك، فالمعتزلة قالوا: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان منه الاختلاف خلقهم يثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره، أو ولما ذكر من الرحمة خلقهم.
والأشاعرة قالوا: ولأجل ما ذكر من الاختلاف خلقهم لما صح في الحديث أنه خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً.
وللدلائل الدالة على أن الكل بإيجاده وتخليقه وأن خلاف معلومه محال وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي علمه وإرادته أو قوله للملائكة ﴿ لأملأن جهنم ﴾ الآية.
وفرق المعتزلة بين معلومه ومراده.
ثم ذكر طرفاً من فوائد القصص المذكور في السورة فقال: ﴿ وكلاً ﴾ أي وكل نبأ ﴿ نقص عليك ﴾ وقوله: ﴿ من أنباء الرسل ﴾ بيان لكل و ﴿ ما نثبت ﴾ بدل من ﴿ كلاً ﴾ أو المراد وكل نوع من الاقتصاص على أنه مصدر أي على الأساليب المختلفة نقص، و ﴿ ما نثبت ﴾ مفعول.
ومعنى تثبيت فؤاده زيادة اليقين والطمأنينة لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم، أو المعنى تثبيت قلبه على أداء الرسالة وتحمل الأذى من قومه أسوة بسائر الأنبياء.
﴿ وجاءك في هذه ﴾ السورة أو في هذه الأنباء ﴿ الحق ﴾ وهو البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والوسط والمعاد ﴿ وموعظة ﴾ وهي الدلائل المقنعة الموقعة للتصديق بقدر الإمكان والأول للخواص أنفع والثاني للعوام أنجع.
﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ وهي الإرشاد إلى الأعمال الصالحة النافعة في الآخرة المحصلة لما هنالك من السعادة، فإن حسن هذا الدين معلوم لمن رجع إلى نفسه وعمل بمقتضى تذكره وفكره.
واعلم أن المعارف الإلهية لا بد لها من قابل وفاعل، وقابلها القلب وإنه ما لم يكن مستعداً لم يحصل له الانتفاع بسماع الدلائل وورودها عليه فلهذا السبب قدم ذكر إصلاح القلب وعلاجه وهو تثبيت الفؤاد، ثم عقبه بذكر المؤثر الفاعل وهو مجيء هذه السورة بل آية منها وهي قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ مشتملة على الحق والموعظة والذكرى، وهذا ترتيب في غاية الحسن.
ثم أمر بالتهديد لمن لم يؤثر فيهم هذه البيانات من أهل مكة وغيرهم فقال: ﴿ وقل للذين لا يؤمنون اعملوا ﴾ وقد مر تفسير مثله في هذه السورة وفي "الأنعام" ﴿ وانتظروا ﴾ ما يعدكم الشيطان ﴿ إنا منتظرون ﴾ ما وعدنا الرحمن من الغفران والإحسان.
وعن ابن عباس: انتظروا بنا الدوائر فإنا منتظرون بكم العذاب كما حل بنظرائكم.
ثم ختم السورة بآية مشتملة على جميع المطالب من أمر المبدإ والوسط والمعاد وقد سبق تقريره في آخر "البقرة" في تفسير آية ﴿ آمن الرسول ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.
التأويل: ﴿ ما دامت السموات والأرض ﴾ أي ما دامت سموات الأرواح والقلوب وأرض النفوس البشرية ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ من الأشقياء، وذلك أن أهل الشقاء ضربان: شقي وأشقى.
فالشقي بالمعاصي سعيد بالتوحيد فيخلص من النار آخراً، والأشقى وهو الكافر يبقى فيها مخلداً، ومن أهل الجنة سعيد يبقى خالداً فيها، وأسعد وهم الذين يترقون إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وهناك مقام الوحدة الذي لا انقطاع له كما قال: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ ﴿ لموفوهم نصيبهم ﴾ الذي قدر لهم في الأزل من الشقاء.
﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ باستكمال الشقاء لقضي بينهم بالهلاك عاجلاً ﴿ لفي شك منه ﴾ إشارة إلى الضلال.
وقوله: ﴿ مريب ﴾ إشارة إلى الإضلال.
﴿ وإن كلاً ﴾ أي كل واحد من الضالين ومن المضلين ﴿ فاستقم ﴾ أمر التكوين ولذلك قال: ﴿ كما أمرت ﴾ أي في الأزل، وفي قوله: ﴿ ومن تاب معك ﴾ إشارة إلى أن النفوس جبلت على الاعوجاج فيحتاج إلى الرجوع من الطريق المنحرف إلى الصراط المستقيم إلى من اختص بالاستقامة بسبب أمر التكوين كالنبي ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يعني أن الأعمال الصالحة في الأوقات المعدودة تزيل ظلمات الأوقات المصروفة في قضاء الحوائج النفسانية الضرورية، وذلك أن تعلق الروح النوري العلوي بالجسد الظلماني السفلي موجب لخسران الروح كقوله: ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر ﴾ إلا أن يتداركه أنوار العمل الصالح فيرقيه من حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية بل إلى الوحدة الربانية، فتندفع عنه ظلمة الجسد السفلي مثاله: إلقاء الحبة في الأرض فإنه من خسران الحبة إلى أن يتداركه الماء وسائر الأسباب فيربيها إلى أن تصير الحبة الواحدة إلى سبعمائة.
وما زاد ذلك الذي ذكرنا من التدارك عظة للذاكرين الذين يريدون أن يذكروا الله في جميع الأحوال فإنهم إذا حافظوا على هذه الأوقات فكأنهم حافظوا على جميعها لأن الإنسان خلق ضعيفاً ليس يقدر على صرف جميع الأوقات في محض العبودية والعبادة.
﴿ فلولا كان من القرون ﴾ صورة التحضيض وحقيقته السؤال ليجاب بأنه لم يكن كذلك لأنك فاعل مختار، فعال لما تريد، خلقت خلقاً للإقرار وخلقت خلقاً للإنكار ولا اعتراض لأحد عليك يؤديه قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ طالبة للحق متوجهة إليه ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ منهم من يطلب الدنيا، ومنهم من يطلب العقبى، ومنهم من يطلب المولى وهم المشار إليهم بقوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ ﴿ ولذلك ﴾ أي لطلب الله ﴿ خلقهم ﴾ بحسن الاستعداد ولأن رحمته سبقت غضبه، ولكن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في الوجود وهو قوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ جرى به القلم للضرورة وما نثبت به فؤادك التثبيت منه والتشكيك منه، بيده مفاتيح أبواب اللطف والقهر ﴿ وقيل للذين لا يؤمنون ﴾ لطلب الحق ووجدانه ﴿ اعلموا ﴾ في طلب المقاصد من باب القهر ﴿ إنا عاملون ﴾ في طلب الحق من باب لطفه ﴿ وانتظروا ﴾ نتائج أعمالكم ﴿ إنا منتظرون ﴾ ثمرات أعمالنا ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي ما غاب عنكم مما أودع من لطفه في سموات القلوب ومن قهره في أرض النفوس ﴿ وإليه يرجع ﴾ أمر أهل السعادة والشقاء ومظاهر اللطف والقهر ﴿ فاعبده ﴾ أيها الطالب للحق فإنك مظهر اللطف ﴿ وتوكل عليه ﴾ في الطلب لا على طلبك فإنك إن طلبته بك لم تجده ﴿ وما ربك بغافل ﴾ في الأزل ﴿ عما تعملون ﴾ إلى الأبد والله حسبي.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ ﴾ المكانة هي: المنزلة والقدر، يقول: اعملوا أنتم على مكانتكم ومنزلتكم التي لكم عند أتباعكم، كأنه يخاطب به الأشراف منهم والرؤساء ﴿ إِنَّا عَامِلُونَ ﴾ على المكانة والمنزلة التي لنا عند الله فننظر أينا أرجح؟
نحن أو أنتم؟
وأينا أخسر نحن أو أنتم؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: على التوبيخ والتخويف عندما بالغ في الحجاج فلم ينجع فيهم، فقال عند ذلك كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ونحوه.
والثاني: على الإعجاز مما أرادوا به من المكر والكيد بقوله: اعملوا ما تريدون وأنا أعمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنْتَظِرُوۤاْ ﴾ أنتم بنا ذلك ﴿ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴾ بكم ذلك.
أو يقول هذا لما كانوا يوعدونه ويخوفونه من أنواع الوعيد، فيقول: انتظروا بنا ذلك ما تخوفوننا إنا منتظرون بكم ما نخوفكم نحن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ قال بعض أهل التأويل: ولله غيب نزول العذاب وغيب ما في الأرض؛ كأنه خرج جواب ما سألوه من العذاب؛ كقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ وكقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ وقوله: ﴿ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ فقال: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: علم ذلك عند الله، وكقوله: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ وأمثاله.
ويشبه أن يكون جواب ما تحكموا على الله من إنزال القرآن، وجعل الرسالة في غيره كقولهم: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ و ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾ فقال: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ...
﴾ الآية [الزخرف: 32]، وقال: ﴿ ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ لا إلى الخلق، والله أعلم بما أراد ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ إليه يرجع أمر الخلق كله وتدبيرهم ﴿ فَٱعْبُدْهُ ﴾ أي: اعبده في خاص نفسك ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ في تبليغ الرسالة إليهم، أي: لا يمنعنك كيدهم ومكرهم بك عن تبليغ الرسالة، ولا تخافن منهم، فإن الله يحفظك من كيدهم ومكرهم بك؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ و ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ هذا يؤيد ما ذكرناه؛ أي: ما ربك بغافل عما يريدون بك من كيدهم ومكرهم؛ بل يعلم ذلك، وينصرك، وينتصر منهم، وهو كقوله لموسى وهارون: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ أي: اسمع قوله وجوابه [إياكما، وأرى ما يفعل، أي: أنصركما فلا تخافا؛ فعلى ذلك الأول، والله وتبارك وتعالى أعلم].
ولله وحده علم ما غاب في السماوات، وما غاب في الأرض، لا يخفى عليه شيء منه، وإليه وحده يرجع الأمر جميعه يوم القيامة، فاعبده -أيها الرسول- وحده، وتوكل عليه في كل أمورك، وليس ربك بغافل عما تعملون، بل هو عليم به، وسيجازي كلًّا بما عمل.